Verse. 5942 (AR)

٨٦ - ٱلطَّارِق

86 - At-Tariq (AR)

وَالسَّمَاۗءِ ذَاتِ الرَّجْعِ۝۱۱ۙ
Waalssamai thati alrrajAAi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والسماء ذات الرجع» المطر لعوده كل حين.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد، والمعاد أقسم قسماً آخر، أما قوله: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } فنقول: قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر. واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمي رجعاً على سبيل المجاز، ولحسن هذا المجاز وجوه أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمي رجعاً وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وثالثها: أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً ليرجع ورابعها: أن المطر يرجع في كل عام، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال: أحدها: قال ابن عباس: {وَٱلسَّمَاء ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها: رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعاً، أي تعطيه مرة بعد مرة وثالثها: قال ابن زيد: هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما، والقول هو الأول، أما قوله تعالى: {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}تفسير : [الروم: 43] أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس: تنشق عن النبات والأشجار، وقال مجاهد: هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ. كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً } تفسير : [الأنبياء: 31] وقال الليث: الصدع نبات الأرض، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به، وعلى هذا سمي النبات صدعاً لأنه صادع للأرض، واعلم أنه سبحانه كما جعل، كيفية خلقة الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات، فالسماء ذات الرجع كالأب، والأرض ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء من المطر متكرراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذا الضمير قولان: الأول: ما قال القفال وهو: أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق. والثاني: أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل: له فرقان، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى. المسألة الثانية: {قَوْلَ فَصْلٌ } أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم، ويقال: هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع، وقال بعض المفسرين: معناه أنه جد حق لقوله: {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } أي باللعب، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد، ولم ينزل باللعب، ثم قال: {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك، ثم قال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } وذلك الكيد على وجوه. منها بإلقاء الشبهات كقولهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا }تفسير : [الأنعام: 29] {أية : مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ }تفسير : [يۤس: 78] {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } تفسير : [ص: 5] {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] {أية : فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفرقان:5] ومنها بالطعن فيه بكونه ساحراً وشاعراً ومجنوناً، ومنها بقصد قتله على ما قاله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} تفسير : [الأنفال: 30] ثم قال: {وَأَكِيدُ كَيْداً }. واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه: أحدها: دفعه تعالى كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] وقال الشاعر:شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : وكقوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ }تفسير : [الحشر: 19] {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] وثانيها: أن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة، ثم قال: {فَمَهّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل، فقال: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة: إن تكبير رويد رود، وأنشد:شعر : يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشي على ورد تفسير : أي على مهلة ورفق وتؤدة، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويداً زيداً يريد أرود زيداً، ومعناه أمهله وارفق به، قال النحويون: رويد في كلام العرب على ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون اسماً للأمر كقولك: رويد زيداً تريد أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير متمكنة والثاني: أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف المصادر تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرب زيد قال تعالى: {أية : فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ }تفسير : [محمد: 4]، والثالث: أن يكون نعتاً منصوباً كقولك: ساروا سيراً رويداً، ويقولون أيضاً: ساروا رويداً، يحذفون المنعوت ويقيمون رويداً مقامه كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة، ومن ذلك قول العرب: ضعه رويداً أي وضعاً رويداً، وتقول للرجل: يعالج الشيء الشيء رويداً، أي علاجاً رويداً، ويجوز في هذا الوجه أمران أحدهما: أن يكون رويداً حالاً والثاني: أن يكون نعتاً فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال، والذي في الآية هو ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأنه يجوز أن يكون نعتاً للمصدر كأنه قيل: إمهالاً رويداً، ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير مستعجل. المسألة الثانية: منهم من قال: أمهلهم رويداً إلى يوم القيامة وإنما صغر ذلك من حيث علم أن كل ما هو آت قريب، ومنهم من قال: أمهلهم رويداً إلى يوم بدر والأول أولى، لأن الذي جرى يوم بدر وفي سائر الغزوات لا يعم الكل، وإذا حمل على أمر الآخرة عم الكل، ولا يمتنع مع ذلك أن يدخل في جملته أمر الدنيا، مما نالهم يوم بدر وغيره، وكل ذلك زجر وتحذير للقوم، وكما أنه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات، والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} أي ذات المطر. ترجِع كل سنة بمطر بعد مطر. كذا قال عامة المفسرين. وقال أهل اللغة: الرجْع: المطر، وأنشدوا للمُتَنَخِّل يصف سيفاً شبهه بالماء: شعر : أبيضُ كالرجْعِ رَسُوبٌ إذا ما ثاخ في مُحْتَفَلٍ يَخْتلِي تفسير : ثاخت قدمه في الوحل تثوخ وتثيخ: خاضت وغابت فيه؛ قاله الجوهري. قال الخليل: الرجع: المطر نفسه، والرجع أيضاً: نبات الربيع. وقيل: {ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}: أي ذات النفع. وقد يُسمى المطر أيضاً أَوْباً، كما يسمى رَجْعاً، قال: شعر : رَبَّاء شَمَّاءُ لا يأوِي لِقُلتِها إلا السحابُ وإلا الأَوبُ والسَّبَلُ تفسير : وقال عبد الرحمن بن زيد: الشمس والقمر والنجوم يَرْجعن في السماء؛ تطلع من ناحية وتغيب في أخرى. وقيل: ذات الملائكة؛ لرجوعهم إليها بأعمال العباد. وهذا قَسَم. {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} قَسَم آخر؛ أي تتصدّع عن النبات والشجر والثمار والأنهار؛ نظيره { أية : ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً } تفسير : [عبس: 26]... الآية. والصدع: بمعنى الشَّق؛ لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به. وكأنه قال: والأرض ذات النبات؛ لأن النبات صادع للأرض. وقال مجاهد: والأرض ذات الطُّرُق التي تَصْدَعها المشاة. وقيل: ذاتِ الحَرْث، لأنه يصدعها. وقيل: ذاتِ الأموات: لانصداعها عنهم للنشور. {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} على هذا وقع القَسَم. أي إن القرآن يَفْصل بين الحق والباطل. وقد تقدّم في مقدمة الكتاب ما رواه الحارث عن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : كتاب فيه خَبَر ما قبلكم وحُكْم ما بعدكم، هو الفَصْل، ليس بالهزل، من تركه من جَبَّار قَصَمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله » تفسير : . وقيل: المراد بالقول الفصل: ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ }. {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ } أي ليس القرآن بالباطل واللعب. والهزل: ضدّ الجِدّ، وقد هَزَلَ يَهْزِل. قال الكميت: شعر : يُـجَـدّ بنـا فـي كـلِّ يـومٍ ونَـهْـزِل تفسير : {إِنَّهُمْ} أي إن أعداء الله {يَكِيدُونَ كَيْداً} أي يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابِه مَكراً. {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي أجازيهم جزاء كيدهم. وقيل: هو ما أوقع الله بهم يوم بدرٍ من القتل والأَسر. وقيل: كَيْد الله: استدراجُهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أوّل «البقرة»، عند قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15]. مستوفىً.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه: { وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}: تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا، وهلكت مواشيهم، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من ههنا { وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد. وقوله تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} قال ابن عباس: حق، وكذا قال قتادة، وقال آخر: حكم عدل { وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} أي: بل هو جد حق، ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله فقال: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن، ثم قال تعالى: {فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: أنظرهم، ولا تستعجل لهم {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} أي: قليلاً، أي: وسترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك، كما قال تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلسَّمَاءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } المطر لعوده كل حين.

الماوردي

تفسير : {والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات المطر، لأنه يرجع في كل عام، قاله ابن عباس. الثاني ذات السحاب، لأنه يرجع بالمطر. الثالث: ذات الرجوع إلى ما كانت، قاله عكرمة. الرابع: ذات النجوم الراجعة، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وهذا قَسَمٌ. {والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ} فيها أربعة أقاويل: أحدها: ذات النبات لانصداع الأرض عنه، قاله ابن عباس. الثاني: ذات الأودية، لأن الأرض قد انصدعت بها، قاله ابن جريج. الثالث: ذات الطرق التي تصدعها المشاة، قاله مجاهد. الرابع: ذات الحرث لأنه يصدعها. ويحتمل خامساً: ذات الأموات، لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان: {إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ} على هذا وقع القَسَمُ، وفي المراد بأنه قول فصل قولان: أحدهما: ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى: " إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر" الآية. تحقيقاً لوعيده، فعلى هذا في تأويل قوله " فَصْل" وجهان: أحدها: حد، قاله ابن جبير. الثاني: عدل، قاله الضحاك. القول: ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه، فعلى هذا في تاويل قوله " فصل " وجهان: أحدهما: حق، قاله ابن عباس. الثاني: ما رواه الحارث عن عليّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كتابِ الله فيه خير ما قبلكم، وحكم ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ". تفسير : {وما هو بالهزْلِ} وهذا تمام ما وقع عليه القسم، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: باللعب، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: بالباطل، قاله وكيع والضحاك. الثالث: بالكذب، قاله السدي. {إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً} يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ} فقال ها هنا: " إنهم يكيدون كيداً" أي يمكرون مكراً. {وأكيدُ كيْداً} يعني بالانتقام في الآخرة بالنار، وفي الدنيا بالسيف. {فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قريباً، قاله ابن عباس. الثاني: انتظاراً، ومنه قول الشاعر: شعر : رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ تفسير : الثالث: قليلاً، قاله قتادة. قال الضحاك: فقتلوا يوم بدر. وفي " مهّل" " وأمْهل" وجهان: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: معناهما مختلف، فمهّل الكف عنهم، وأمْهِل انتظار العذاب لهم.

ابن عطية

تفسير : {السماء} في هذا القسم يحتمل أن تكون المعرفة، ويحتمل أن تكون السحاب، و {الرجع} المطر وماؤه، ومنه قول الهذلي: [السريع] شعر : أبيض كالرجع وسوب إذا ما شاخ من محتفل يختلي تفسير : وقال ابن عباس: {الرجع}، السحاب فيه المطر، قال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل عام، قال غيره لأنه يرجع إلى الإرض، وقال ابن زيد: {الرجع} مصدر رجوع الشمس والقمر والكواكب من حال إلى حال، ومنه منزلة تذهب وترجع، و {الصدع}: النبات، لأن الأرض تتصدع عنه، وهذا قول من قال: إن {الرجع} المطر، وقال مجاهد: {الصدع}: ما في الأرض من شعاب ولصاب وخندق وتشقق بحرث وغيره، وهي أمور فيها معتبر، وهذا قول يناسب القول الثاني في {الرجع}، والضمير في {إنه} للقرآن ولم يتقدم له ذكر، من حيث القول في جزء منه والحال تقتضيه، و {فصل}: معناه جزم فصل الحقائق من الأباطيل، و "الهزل": اللعب الباطل، ثم أخبر تعالى عن قريش {إنهم يكيدون} في أفعالهم وأقوالهم وتمرسهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتدبرهم رد أمره، ثم قوى ذلك بالمصدر وأكده وأخبر عن أنه يفعل بهم عقاباً سماه {كيداً} على العرف في تسمية العقوبة باسم الذنب، ثم ظهر من قوله تعالى: {فمهل الكافرين} أن عقابه لهم الذي سماه: {كيداً}، متأخر حتى ظهر ببدر وغيره، وقرأ جمهور الناس: "أمهلهم"، وقرأ ابن عباس: "مهلهم"، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف، وقوله تعالى: {رويداً} معناه: قليلاً، قاله قتادة، وهذه حال هذه اللفظة إذا تقدمها شيء تصفه كقولك سر رويداً وتقدمها فعل يعمل فيها كهذه الآية، وأما إذا ابتدأت بها فقلت: رويداً يا فلان، فهي بمعنى الأمر بالتماهل يجري مجرى قولهم: صبراً يا زيد، وقليلاً عمرو.

ابن عبد السلام

تفسير : {الرَّجْعِ} المطر لرجوعه كل عام "ع" أو السحاب لرجوعه بالمطر أو الرجوع إلى ما كانت عليه أو النجوم الراجعة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}. قيل: الرَّجْعُ: مصدر، بمعنى رجوع الشمس والقمر إليها، والنجوم تطلع من ناحيته، وتغيب في أخرى. وقيل: الرَّجْعُ: المطر؛ قال: المتنخِّل، يصف سيفاً يشبههُ بالماء: [السريع] شعر : 5170- أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُـوبٌ إذَا مــا ثَـاخَ فــي مُحْتـفـلٍ يَخْتَـلِــي تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 5171- رَبَّاءُ شَمَّاءُ لا يَأوِي لقُلَّتِهَا إلاَّ السَّحَابُ وإلاَّ الأوبُ والسَّبلُ تفسير : وقال الخليل: المطر نفسه، وهذا قول الزجاج. قال ابن الخطيب: واعلم أن كلام الزجاج، وسائر علماء اللغة "صريح" في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر، بل سمي رجعاً مجازاً، وحسن هذا المجاز وجوه: أحدها: قال القفال: كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته، ووصل الحروف به، وكذا المطر، لكونه يعود مرة بعد أخرى سمِّي رجعاً. وثانيها: أن العرب كانوا يزعمون أنَّ السَّحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض. والرجع - أيضاً - نبات الربيع. وقيل: "ذَاتِ الرَّجْعِ" أي: ذات النفع. وقيل: ذات الملائكة، لرجوعهم فيها بأعمال العباد، وهذا قسم. {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} قسمٌ آخر، أي: تتصدع عن النبات، والشجر، والثمار، والأنهار، نظيره: {أية : ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} تفسير : [عبس: 26]. والصَّدعُ: بمعنى الشق؛ لأنه يصدع الأرض، فتصدع به، وكأنَّه قال: والأرض ذات النبات الصادع للأرض. وقال مجاهد: الأرض ذات الطريق التي تصدعها المشاة. وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها. وقيل: ذات الأموات لانصداعها للنشور. وقيل: هما الجبلان بينهما شق وطريق نافذ لقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً} تفسير : [الأنبياء: 31]. قال ابن الخطيب: واعلم أنَّه تعالى، كما جعل كيفية خلقه الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات. فقال تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} أي: كالأب، "والأرض ذات الصدع" كالأم، وكلاهما من النعم العظام؛ لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء متكرراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك، ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}. وهذا جواب القسم، والضمير في "إنَّه" للقرآن، أي: إن القرآن يفصل بين الحق والباطل. وقال القفالُ: يعود إلى الكلام المتقدم والمعنى: ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى سرائركم قول فصل، وحق، والفصل: الحكم الذي ينفصل به الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات، وهو قطعها بالحكم الجزم، [ويقال: هذا قول فصل قاطع للشر والنزاع. وقيل: معناه جد] لقوله: {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ}. أي: باللعب، والهزل: ضد الجد والتشمير في الأمر، يقال: هزل يهزل. قال الكميتُ: [الطويل] شعر : 5172- تَجُدُّ بِنَا فِي كُلِّ يَومٍ وتهْزِلُ تفسير : قوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً}، أي: أنَّ أعداء الله يكيدون كيداً، أي: يمكرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكراً. قيل: الكَيْدُ: إلقاء الشبهات، كقولهم: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تفسير : [المؤمنون: 37] {أية : مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} تفسير : [ص: 5] {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] {أية : فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفرقان: 5]. وقيل: الطعن فيه بكونه ساحراً، أو شاعراً، او مجنوناً، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم. وقيل: قصدهم قتله، لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 30] الآية. وأما قوله: {وَأَكِيدُ كَيْداً}. أي: أجازيهم جزاء كيدهم. وقيل: هو ما أوقع الله - تعالى - بهم يوم "بدر" من القتل، والأسر. وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون. وقيل: كيد الله تعالى، بنصره وإعلاء درجته صلى الله عليه وسلم تسمية لأحد المقتابلين باسم الآخر، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40]؛ وقول الشاعر: [الوافر] شعر : 5173- ألاَ لاَ يجْهلَنْ أحَدٌ عليْنَا فَنجهَلَ فوْقَ جَهْلِ الجَاهِلينَا تفسير : وقوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [الحشر: 19] {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. قوله: {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ}. أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تستعجل، وارض بما تريده في أمورهم، ثم نسخت بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]. قوله: {أَمْهِلْهُمْ}. هذه قراءة العامة، لما كرر الأمر توكيداً خالف بين اللفظين. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "مَهِّلهُمْ" كالأول، ومهَّل وأمْهَل بمعنى مثل: نزل وأنزل، والإمهال والتَّمهيل: الانتظار، يقال: أمهلتك كذا، أي: انتظرتك لتفعله، والاسم: المهلة والاستمهال: الانتظار، والمَهْل: الرِّفقُ والتُّؤدةُ، وتمهل في أمره: أي: أتاه، وتمهَّلَ تمهيلاً: اعتدل وانتصب، والامتهال: سكون وفتور، ويقال: مهلاً يا فلان، اي رفقاً وسكوناً. قوله: {رُوَيْداً}. مصدر مؤكد لمعنى العامل، وهو تصغير إرواد على الترخيم، وقيل: بل هو تصغير "رود" كذا قال أبو عبيد. وأنشد: [البسيط] شعر : 5174- كَأنَّــهُ ثَمِــلٌ يَمْشِــي علــى رَوَدِ تفسير : أي: على مهل. واعلم أن "رويداً": يستعمل مصدراً بدلاً من اللفظ بفعله، فيضاف تارة، كقوله تعالى: {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} تفسير : [محمد: 4]، ولا يضاف أخرى، نحو: رويداً زيداً, ويقع حالاً، نجو: ساروا رويداً، أي: متمهلين، ونعت المصدر، نحو: "ساروا رويداً"، أي: سيراً رويداً، وتفسير "رويداً" مهلاً، وتفسير "رويدك" أمهل؛ لأن الكاف إنمت تدخله إذا كان بمعنى: "افعل" دون غيره، وإنَّما حُرِّكت الدال لالتقاء الساكنين، ونصب نصب المصادر، وهو مصغَّر مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من "إرواد": وهو مصدر: "أرود، يرود" وله أربعة أوجه: اسماً للفعل، وصفة، وحالاً، ومصدراً، وقد تقدم ذكرها. قال ابن عباس: - رضي الله عنهما -: "رويداً" أي: قريباً. وقال قتادةُ: قليلاً. وقيل: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} إلى يوم القيامة، وإنما صغِّر ذلك من حيث إن كل آت قريب. وقيل: "أمهلهم رويداً" إلى يوم يرد. روى الثعلبي عن أبي بن كعبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ {وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} اعطاهُ اللهُ تعَالى مِنَ الأجْرِ بعَددِ كُلِّ نجمٍ في السَّماءِ عَشْرَ حَسَناتٍ"تفسير : . والله تعالى أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والسماء ذات الرجع‏} ‏ قال‏:‏ المطر بعد المطر ‏ {‏والأرض ذات الصدع‏} ‏ قال‏:‏ صدعها عن النبات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي مالك وابن أبزى والربيع بن أنس مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏والسماء ذات الرجع‏}‏ قال‏:‏ السحاب تمطر ثم ترجع بالمطر ‏{‏والأرض ذات الصدع‏} ‏ قال‏:‏ المازم غير الأودية والجروف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ‏ {‏والسماء ذات الرجع‏}‏ قال‏:‏ ترجع بالمطر كل عام ‏ {‏والأرض ذات الصدع‏} ‏ قال‏:‏ تصدع بالنبات كل عام‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏{‏والأرض ذات الصدع‏}‏ قال‏:‏ صدع الأودية‏.‏ وأخرج ابن مندة والديلمي عن معاذ بن أنس مرفوعاً ‏{‏والأرض ذات الصدع‏}‏ قال‏:‏ تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏والسماء ذات الرجع‏} ‏ قال‏:‏ ترجع إلى العباد برزقهم كل عام لولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم ‏ {‏والأرض ذات الصدع‏}‏ قال‏:‏ تصدع عن النبات والثمار كما رأيتم ‏{‏إنه لقول فصل‏} ‏ قال‏:‏ قول حكم ‏ {‏وما هو بالهزل‏} ‏ قال‏:‏ ما هو باللعب ‏{‏فمهل الكافرين أمهلهم رويدا‏ً}‏ قال‏:‏ الرويد القليل‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ عز وجل ‏{‏وما هو بالهزل‏}‏ قال‏:‏ القرآن ليس بالباطل واللعب‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت قيس بن رفاعة وهو يقول‏:‏ شعر : وما أدري وسوف أخال أدري أهزل ذا كم أم قول جد تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن جبير ‏ {‏وما هو بالهزل‏}‏ قال‏:‏ وما هو باللعب‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏أتاني جبريل فقال يا محمد‏:‏ إن أمتك مختلفة بعدك‏.‏ قلت فأين المخرج يا جبريل‏؟‏ فقال‏:‏ كتاب الله به يقصم كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك، قول فصل ليس بالهزل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏أنه لقول فصل‏} ‏ قال‏:‏ حق ‏ {‏وما هو بالهزل‏}‏ قال‏:‏ بالباطل، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏أمهلهم رويدا‏ً}‏ قال‏:‏ قريبا‏ً.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏فمهل الكافرين أمهلهم رويدا‏ً} ‏ قال‏:‏ أمهلهم حتى آمر بالقتال‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والدارمي والترمذي ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف عن الحارث الأعور قال‏:‏ ‏‏حديث : دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت عليّاً فأخبرته، فقال‏:‏ أوقد فعلوها‏؟‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "إنها ستكون فتنة، قلت‏:‏ فما المخرج منها يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس منه الألسن، ولا يخلق من الرد، ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا‏:‏ ‏{‏إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد‏}‏ [الجن: 1]، من قال به صدق، ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج محمد بن نصر والطبراني عن معاذ بن جبل قال‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الفتن فعظمها وشددها فقال علي بن أبي طالب‏:‏ يا رسول الله فما المخرج منها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏كتاب الله فيه المخرج، فيه حديث ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم، من تركه من جبار يقصمه الله، ومن يبتغي الهدى في غيره يضله الله، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم‏.‏ هو الذي لما سمعته الجن لم تتناه أن قالوا‏:‏ ‏{إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد‏}‏ [الجن: 1] هو الذي لا تختلف به الألسن ولا تخلقه كثرة الرد‏ "‏‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}[11] قال: ظاهرها ذات الرجع بالمطر بعد المطر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} ذات القدم اذا مطر امطار انوار تجلى الكبرياء والجلال والجمال وارض قلوب العارفين التى يتصدع بنيان المعرفة ورياحين المودة وازهار الحكمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والسماء ذات الرجع} ذات مؤنث ذو بمعنى الصاحب والرجع المطر سمى رجعا لما ان العرب كانوا يزعمون ان السحاب يحمل الماء من بحار الارض ثم يرجعه الى الارض او أرادوا بذلك التفاؤل ليرجع ولذلك سموه او باليؤوب فيكون الرجع مصدرا من اللازم بمعنى الرجوع لا من المتعدى قاله بعض العلماء او لان الله يرجعه وقتا فوقتا بعد ايجاده واحداثه وقال الراغب سمى المطر رجعا لرد الهوآء ما تناوله من الماء وفى كشف الاسرار لانه يرجع كل عام ويتكرر وقال عبد القاهر الجرجانى فى كتاب اعجاز القرءآن انما قال للسماء ذات الرجع لان شمسها وقمرها يغيب ويطلع وبعض نجومها يرجع.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والسماءِ ذات الرجع} أي: المطر، لأنه يرجع حيناً بعد حين، وسمَّته العرب بذلك تفاؤلاً، {والأرضِ ذات الصَّدْع} أي: الشق، لأنها تنصدع عن النبات والأشجار, لا بالعيون كما قيل، فإنَّ وصف السماء بالرجع، والأرض بالشق، عند الإقسام بها على حقيّة القرآن الناطق بالبعث؛ للإيماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده، وهو السر في التعبير عنه بالرجع والصدع، لأنَّ في تشقُّق الأرض بالنبات محاكاة للنشور، حسبما ذكر في مواضع من القرآن، لا في تشققها بالعيون. {إِنه} أي: القرآن {لَقَولٌ فَصْلٌ}؛ فاصل بين الحقّ والباطل، كما قيل له: فرقاناً، وصفَه بالمصدر، كأنه نفس الفعل، {وما هو بالهزلِ} أي: ليس في شيء منه شائبة هزل، بل كله جد محض، ومِن حقه ـ حيث وصفه الله بذلك ـ أن يكون مُهاباً في الصدور، معظماً في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه، ويهتدي به الغواة، وتخضع له رقاب العُتاة. {إِنهم} أي: أهل مكة {يَكيدون} في إبطال أمره، وإطفاء نوره {كيداً} على قدر طاقتهم {وأكيدُ كيداً} أي: أقابلهم بكيد متين لا يمكن رده، فأسْتدرجهم إلى الهلاك من حيث لا يعلمون. فسمي جزاء الكيد كيداً، كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداءً وسيئة، وإن لم يكن اعتداءً وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلاَّ على وجه المشاكلة، كقوله: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء:142] إلى غير ذلك {فَمَهِّل الكافرين} أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تشغل بالانتقام منهم، بل اشتغل بالله يكفِك أمرهم {أمهِلهم رُويداً} أي: إمهالاً يسيراً، فـ"أمهِلهم": بدل من "مَهِّل"، وخالف بين اللفظتين لزيادة التسكين والتصبير. و"رويداً": مصدر أرود, بالترخيم، ولا يتكلم به إلاَّ مصغراً، وله في الاستعمال وجهان آخران: كونه اسم فعل، نحو رُويد زيداً، وكونه حالاً، نحو: سار القوم رويداً، أي: متمهلين. الإشارة: اعلم أنَّ الحقيقة سماء، والشريعة أرض، والطريقة سُلّم ومعراج يصعد إليها، فمَن لا طريقة له لا عروج له إلى سماء الحقائق، فأقْسَم تعالى بسماء الحقائق، وأرض الشرائع، على حقيّة القرآن، ووصف الحقيقة بالرجع, لأنه يقع الرجوع إليها بالفناء، ووصف أرض الشريعة بالصَدْع؛ لأنها تتصدّع عن علوم وأنوار تليق بها، ووصف القرآن بالفصل بين الحق والباطل، فمَن طلب الحق من غيره أضلّه الله. ووصفه أيضاً بالجدّ غير منسوب لشيء من الهزل، فينبغي للقارىء عند تلاوته أن يكون على حال هيبة وخشوع، لا يمزج قراءته بشيء من الهزل أو الضحك، كما يفعله جهلة القراء. ثم أمر بالغيبة عن الأعداء، والاشتغال بالله عنهم بقوله: {فَمَهِّل الكافرين أمهلهم رويداً}، قال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حرَّكه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بإذاية مَن آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لكفاهم أمرهم. هـ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

الطوسي

تفسير : هذا قسم من الله تعالى بالسماء ذات الرجع. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ذات المطر. وقال ابن زيد: يعني شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم تطلع. وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الازمان رجعه يرجعه رجعاً إذا أعطاه مرة بعد مرة. وقيل: الرجع الماء الكثير تردده بالرياح التي تمر عليه قال المنخل فى صفة سيف: شعر : أبيض كالرجع رسوب إذا ما ثاخ فى محتفل يختلى تفسير : وقال الفراء: تبتدئ بالمطر ثم ترجع به فى كل عام. وقوله {والأرض ذات الصدع} قسم آخر بالارض ذات الصدع. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد: ذات الصدع انشقاقها بالنبات لضروب الزروع والاشجار: صدع يصدع صدعاً وتصدع الشيء تصدعاً وانصدع إنصداعاً وصدعه تصديعاً. وقوله {إنه لقول فصل} جواب القسم، ومعناه ان ما ذكره من اعادة الخلق وإنشائهم النشأة الثانية قول فصل أي هو قول يفصل الحق من الباطل. ومثله فصل القضاء، وكل معنى فانه يحتاج فيه إلى فصل حقه من باطله. ثم قال {وما هو بالهزل} أي مع أنه فصل ليس بهزل والهزل نقيض الجد ومثله اللهو واللعب والعبث يقال: هزل يهزل هزلا. ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال {إنهم يكيدون كيداً} أي يحتالون فى رفع الحجج وإنكار الآيات ويفعلون ما يوجب الغيظ يقال: كاده يكيده كيداً وكايده مكايدة وتكايد القوم تكايداً أي يحتالون فى رفع الحجج وإنكار الآيات، فقال تعالى {وأكيد كيداً} أي أجازيهم على كيدهم، وسمي الجزاء على الكيد باسمه لازدواج الكلام. وقيل: المعنى أنهم يحتالون لهلاك النبي وأصحابه، وأنا أسبب لهم النصر والغلبة وأقوي دواعيهم إلى القتال، فسمى ذلك كيداً من حيث يخفى عليهم ذلك. وقوله {فمهل الكافرين أمهلهم رويداً} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأن يمهلهم قليلا وأجرى المصدر على غير لفظه كما قال {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : و {رويداً} معناه إمهالا يقال: أرودته ارواداً وتصغيره رويد. وقال قتادة: معناه قليلا، والمعنى لا تعجل على طلب هلاكهم بل اصبر عليهم قليلا، فان الله يهلكهم لا محالة بالقتل والذل فى الدنيا وما ينزل عليهم في الآخرة من أنواع العقاب، وإن ما وعدتك لا يبعد عنهم.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا قَسَم آخر منه سبحانه تأكيداً لأمر القيامة. و "الرَجْع": المطر. سُمّي رَجْعا كما سمّي "أوْباً" لأنّه يرجع ويؤوب كلّ حين - من باب إطلاق المصدر وإرادة المشتقّ، أو من باب حمل معناه عليه مبالغة، أو لإرادة التفاؤل - فسمّوه رجْعاً وأوباً ليرجع ويؤوب، ولا يبعد أن يقال: سمّي بالرجع، لأنّ الريح ترفع الأبخرة والأدخنة من البحر والأرض وتسير بهما إلى الجوّ وتنعقد سحاباً ماطراً فتمطر، والمطر يرجع إلى حيث رفع منه، لأنّ السيول والأودية تجريان وتنصبّان إلى البحر أخيراً. وقيل: رجع السماء: إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان، فترجع بالغيث وأرزاق العباد. ولأحد أن يقول: السماء ذات الرجع، لاستدارة حركتها، فهي كلّ آنٍ ترجع إلى موضع فارقته. أو أنّها ذات الرجع، لكونها ذات كواكب راجعة في سيرها، وسمّي الكوكب "رَجْعا" بأحد الوجهين المذكورين، وهي الخمسة المتحيّرة التي يكون كلّ منها في فلك غير شامل للأرض يسمى بالتدوير، يحمله فلك شامل لها يسمّى: بالحامل، نسبة حركة أحدهما وهو "التدوير" إلى حركة الآخر سرعةً، أعظم من نصف قطر الآخر إلى نصف قطره، ونسبة حركة الآخر إلى الأوّل بطؤاً، بالعكس - كما بُرهن عليه في علم الهيئة بمقدّماتٍ هندسيّة -. وهذا يوافق ما نقل عن ابن زيد في مجمع البيان أنّ المعني بالرجع شمسها وقمرها ونجومها لأنّها تغيب ثمّ تطلع. وهنا وجه آخر؛ وهو أنّ الإنسان لمّا كان عالَما صغيراً فيه جميع ما في هذا العالَم، فلا يبعد أن يراد بقوله: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} - الدماغ وما فيه من القوى المدركة والمتصرّفة، وما يحصل له من الأحوال المذكِّرة، والإلهامات والعلوم الراجعة المتكرّرة، وإن شئت خصّصت الرجوع بالقوّة المذكّرة ويقال لها: "المسترجعة"، ومحلّها التجويف المؤخّر من الدماغ، فأعرفها فإنّها دقيقة نفيسة. وعند تأويل السماء بالدماغ، ينبغي أن تُأوّل الأرض بمثل المعدة أو الكبد، حيث يتصدّع عمّا ينبعث منه من الأغذية والأبخرة. و "الصَدْع": اسم ما يتصدّع عنه الأرض من النبات، أو تنشقّ من الأشجار والعيون وغيرها. ولا يبعد أن يراد من الأرض والنبات قلب الإنسان، أعني نفسه الناطقة، ومراتب استعداداتها الناشية منها بامداد الفعّال الذي هو كالسماء، فانّ النبات له أزواج متفاوتة وأصناف مختلفة، فيكون بعضها إشارة إلى المرتبة الأولى للاستعداد وهو العقل الهيولاني الذي هو أوّل مراتب النفس القابلة للمعاني الكليّة. وبعضها يكون تلويحاً إلى ثاني مراتبها المسمّى بالعقل بالمَلَكة الحاصل باستعمال الحواسّ وحصول الأوّليات، وهو مناط التكليف. وبعضها يكون إيماءً إلى المرتبة الثالثة، ويسمّى حينئذ عقلاً بالفعل عند تحصيل النظريّات لها، بمعنى أنّها متى شاءت والتفتت إليها حصّلتها بلا كسب وتعمّل. وبعضها يكون إشارة إلى المرتبة الرابعة، وهي حصول العلوم الكليّة والحقائق العقليّة لها مشاهدة، ويسمّى العقل المستفاد المضيء في دار المعاد. وعند هذا التأويل، يكون معنى "السماء ذات الرجع" العقل الفعّال، لأنّه يسترجع النفوس من هذا العالَم إلى ما هبطت منه من المحلّ الأعلى كما قال بعض الحكماء: شعر : هبطت إليك من المحلّ الأرفع ورقاء ذات تعزُّز وتمنُّع تفسير : وما أشبه حال هذه المراتب الحاصلة من أرض النفس الناطقة بتأثير سماء عالَم العقل، بحال المواليد الحاصلة من الأرض، فإنّ الجماد بإزاء العقل الهيولاني، لما فيه من قابليّة كونه غذاء للإنسان، والنبات بإزاء العقل بالمَلَكة، وفيه استعداد تغذيته بالحيوان وخصوصاً الحصّة من الجنس التي تكون في الإنسان بإزاء العقل بالفعل، لأنّه قريب التهيّؤ لأن يصير إنساناً، والإنسان الحسّي بإزاء العقل المستفاد الذي هو الإنسان العقلي - فاعلمه فإنّه كثير الجدوى -.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} اى ذات الرّجوع الى وصفه الاوّل فانّها ليست فى وضع الاّ وترجع اليه فى ثانى الحال، او ذات المطر، او ذات الشّمس والقمر والنّجوم فانّها فى الرّجع دائماً او ذات الخير الدّائم فانّها ترجع به على الاتّصال على اهل العالم.

اطفيش

تفسير : {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} ذات المطر سمي المطر رجعا لأنه يرجعه الله ويعيده كل حين وقيل الرجع رد السحاب الماء الى الأرض فإن السحاب يرفع الماء من البحر ثم يرجعه الى الأرض فيجوز كون السماء بمعنى السحاب، وقيل المراد رجع السماء فإن الله يرجعها في كل دورة الى الموضع الذي تحركت منه وعن العرب أنهم يسمعون السحاب رجعا وأوبا تقولا برجوعه وأوبه وعن ابن عباس الرجع السحاب فيه ماء وعن الحسن لأنه يرجع بالرزق كل عام.

اطفيش

تفسير : المطر سمى بالمصدر وأصله مصدر رجع المتعدى وقد يكون للازم على غير قياس سمى بالرجع لأَن الله تعالى يرجعه حيناً فحيناً أو لأَنه يرجع بالرزق كل عام أو تفاؤلاً بالعود أو لأَن السحاب يحمله من بحار الأَرض ثم يرجعه إلى الأرض وهو صحيح لكن ليس كل مطر كذلك والذى يرجعه منها الله تعالى وإسناد الرجع إلى السماءِ فى الآية مجاز لكن يجوز أن يقال ذات رجع الله تعالى كما مر فى دافق أنه بمعنى ذى دفق الإنسان والمراد بالسماءِ السماءِ الدنيا لما كان من جهتها نسب إليها الرجع وعن ابن عباس السماءِ السحاب والرجع المطر وقيل السماء سماءُ الدنيا والرجع رجوع الشمس والقمر والكواكب من حال إلى حال ومن منزلة إلى منزلة وقيل رجوعها نفسها فى كل دورة إلى الموضع الذى تتحرك منه على أن السماءِ والفلك واحد وأنها تتحرك فيكون مرتفها منخفضاً ومنخفضها مرتفعاً وعلى القولين الرجع من رجع اللازم أو يراد ذات رجع الله تعالى والحق أن السماءِ لا تتحرك وأنها غير الفلك وقيل الرجع الملائكة لأَنهم يرجعون بأعمال العباد إلى السماءِ ترجعهم السماء مجازاً أو يرجعهم الله أو يرجعون أنفسهم أو ذات رجوعهم.

الالوسي

تفسير : {وَٱلسَّمَاء } وهي المظلة في قول الجمهور {ذَاتِ ٱلرَّجْعِ } أي المطر في قولهم أيضاً كما في قول الخنساء: شعر : يوم الوداع ترى دموعاً جارية كالرجع في المدجنة السارية تفسير : وأصله مصدر رجع المتعدي واللازم أيضاً في قول ومصدره الخاص به الرجوع سموا به المطر كما سموه بالأوب - مصدر آب ومنه قوله: شعر : رَبَّاء شَمَّاءُ لا يأوي لَقُلْتِهَا إلا السحابُ وإلا الأوبُ والسَّبَلُ تفسير : - ليرجع أو لأن السحاب يحمله من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وبنى هذا غير واحد على الزعم وفيه بحث وعن أو المراد به فيه النحل لأن الله تعالى يرجعه حيناً فحيناً وقال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل عام أو أرادوا بذلك التفاؤل [ليرجع] وعن ابن عباس ومجاهد تفسير السماء بالسحاب والرجع بالمطر وقال ابن زيد السماء هي المعروفة والرجع رجوع الشمس والقمر والكواكب من حال إلى حال ومن منزلة إلى منزلة فيها وقيل رجوعها نفسها فإنها ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك منه وهذا مبني على أن السماء والفلك واحد فهي تتحرك ويصير أوجها حضيضاً وحضيضها أوجاً وقد سمعت فيما تقدم أن ظاهر كلام السلف أن السماء غير الفلك وأنها لا تدور ولا تتحرك والذي ذكر رأي الفلاسفة ومن تابعهم. وقيل الرجع الملائكة عليهم السلام سموا بذلك لرجوعهم بأعمال العباد.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن تبين الدليل على إمكان البعث أعقب بتحقيق أن القرآن حق وأن ما فيه قول فصل إبطالاً لما مُوِّه عليهم من أن أخباره غير صادقة إذ قد أخبرهم بإحياء الرمم البالية. فالجملة استئناف ابتدائي لغرض من أغراض السورة. وافتتح الكلام بالقَسم تحقيقاً لصدق القرآن في الإِخبار بالبعث وفي غير ذلك مما اشتمل عليه من الهدى. ولذلك أعيد القَسَم بــــ {السماء} كما أقسم بها في أول السورة، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه، وهو الغيث الذي به صلاح الناس، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر. وفي الحديث: « حديث : مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغَيث الكثير أصاب أرضاً »تفسير : . الحديث. وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله: { أية : إنه على رجعه لقادر } تفسير : [الطارق: 8] وفيه محسن الجناس التام وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب لمطر آخر مناسبة لمعنى الرجع البعث فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة. وعطف {الأرض} في القسم لأن بذكر الأرض إتمام المناسبة بين المقسم والمقسم عليه كما علمت من المثل الذي في الحديث. و{الصدع}: الشق، وهو مصدر بمعنى المفعول، أي المصدوع عنه، وهو النبات الذي يخرج من شقوق الأرض قال تعالى: { أية : أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً } تفسير : [عبس: 25 ـــ 29]. ولأن في هذين الحالين إيماء إلى دليل آخر من دلائل إحياء الناس للبعث فكان في هذا القسم دليلان. والضمير الواقع اسماً لــــ (إنّ) عائد إلى القرآن وهو معلوم من المقام. والفصل مصدر بمعنى التفرقة، والمراد أنه يفصل بين الحق والباطل، أي يبين الحق ويبطل الباطل، والإِخبار بالمصدر للمبالغة، أي إنه لقول فاصل. وعطف {وما هو بالهزل} بعد الثناء على القرآن بأنه «قول فصل» يتعين على المفسر أن يتبين وجه هذا العطف ومناسبته، والذي أراه في ذلك أنه أعقب به الثناء على القرآن رداً على المشركين إذ كانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يهزل إذ يخبر بأن الموتى سيحْيَوْن، يريدون تضليل عامتهم حين يسمعون قوارع القرآن وإرشاده وجزالة معانيه يختلقون لهم تلك المعاذير ليصرفوهم عن أن يتدبروا القرآن وهو ما حكاه الله عنهم في قوله: { أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } تفسير : [فصلت: 26] فالهزل على هذا الوجه هو ضدّ الجدّ أعني المزح واللعب، ومثل هذه الصفة إذا وردت في الكلام البليغ لا محمل لها إلا إرادة التعريض وإلا كانت تقصيراً في المدح لا سيما إذا سبقتها محمدة من المحامد العظيمة. ويجوز أن يطلق الهزل على الهذيان قال تعالى: {وما هو بالهزل} أي بالهذيان.

الشنقيطي

تفسير : قيل: رجع السماء: إعادة ضوء النجوم والشمس والقمر. وقيل: الرجع: الملائكة ترجع بأعمال العباد. وقيل الرجع: المطر وأرزاق العباد. والأرض ذات الصدع، قيل: تنشق عن الخلائق يوم البعث. وقيل: تنشق بالنبات. والذي يشهد له القرآن: أن الرجع والصدع متقابلان من السماء والأرض بالمطر والنبات، كما في قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} تفسير : [عبس: 24-28]، والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - قَسَماً بِالسَّمَاءِ التِي تُنْزِلُ المَطَرَ. (وَالرَّجْعُ هُوَ إِعَادَةُ الشَّيْءِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلاً، وَيُرَادُ بِهِ هُنَا المَطَرُ لأَِنَّهُ يُعَادُ إِلَى الأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ). (وَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَطَرَ يَنْشَأُ مِمَّا يَتَصَاعَدُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ بُخَارٍ).

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} [الآية: 11]. يعني: ذات السحاب. يقول: تمطر ثم ترجع بالمطر. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} [الآية: 12]. قال: الصدع مثل المأَزم، غير الأَودية وغير الجرف. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} [الآية: 14]. يقول: ما هو باللعب.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} معناه المَطرُ {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} معناه التصدعُ بالنباتِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أقسم سبحانه بما أقسم؛ لإثبات حقية القرآن وفضله، وكونه بريئاً عن قدح القادحين، وطعن الطاعنين فقال: {وَٱلسَّمَآءِ} أي: وحق سماء الأسماء اللاهوتية التي هي في أعلى درجات الارتفاع {ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} [الطارق: 11] والعود؛ إذ تدور على هياكل عالم الناسوت طرفة، وترجع في الحال، كالبرق الخاطف آثارها إلاَّ لأرباب العناية من البدلاء الذين بُدِّلت لوازم ناسوتهم في المرة بخواص اللاهوت، ولا تدوم وتستقر. {وَٱلأَرْضِ} أي: أرض الطبيعة والهيولى القابلة لانعكاس ما لمع عليها من سماء الأسماء {ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} [الطارق: 12] أي: التأثر والتشقق بقبول أثر مؤثرات عالم اللاهوت. يعني: وبحق هذين القسمين العظيمين {إِنَّهُ} أي: القرآن {لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13] فاصل بين الحق والباطل، والهداية والضلال. {وَمَا هوَ بِٱلْهَزْلِ} [الطارق: 14] كما زعمه المسرفون المفرطون في شأنه، بل هو جدّ كله، صدر عن حكمة بالغة إلهية لمصلحة الهداية والرشاد لعموم العباد، وبالجملة: {إِنَّهُمْ} يعني: طغاة مكة {يَكِيدُونَ كَيْداً} [الطارق: 15] ويمكرون مكراً في إبطال القرآن وإطفاء نوره مراءً ومكابرةً، فيرمونه بأنواع القدح والطعن الفائض على عموم الأعيان، وينسبونه إلى ما لا يليق بشأنه . {وَأَكِيدُ} أيضاً في أخذهم وانتقامهم بعدما استحقوا الأخذ والانتقام {كَيْداً} [الطارق: 16] على سبيل الاستدراج والإمهال، بحيث لا يحتسبون، بل يحملون إمهالنا على الإهمال؛ لذلك يغترون ويجترئون في قدحه وطعنه. وبعدما سمعت ما سمعت يا أكمل الرسل {فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ} أنت أيضاً، ولا تستعجل بانتقامهم، ولا تشتغل بالدعاء عليهم سريعاً؛ إذ إمهالنا إياهم ابتلاء منَّا لهم وفتنة جالبة لمصيبة عظيمة، ومتى تحققت يا أكمل الرسل ما قلنا لك {أَمْهِلْهُمْ} وأعرض عن المراء والمجادلة معهم، وانتظر لمقتهم، وترقب لهلاكهم {رُوَيْداً} [الطارق: 17] إمهالاً يسيراً في زمان قليل، وسيظهر عن قريب دينك على عموم الأديان، وهم يقهرون ويستأصلون. جعلنا الله ممن صبر وظفر على مبتغاه بمنه ولطفه. خاتمة السورة عليك أيها المتوكل على الحق، المتبتل نحوه بالعزيمة الخالصة أن تفوض عموم أمورك إلى ربك، بحيث لا يخطر ببالك أن تلتفت إلى تحصيلها باستدراك، وتتخذه كفيلاً حسيباً، كافياً بجميع حوائجك وأشغالك. وبالجملة: كن فانياً في الله يكفيك جميع مؤنك؛ إذ الكل بالله ومن الله وفي الله، بل أنت ما أنت، بل أنت هو، بل هو هو، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [القصص: 88].

همام الصنعاني

تفسير : 3574- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن خصيف، عن عِكْرِمة، عن ابن عَبَّاسٍ، في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}: [الآية: 11]، قال: ذات المطر، {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ}: [الآية: 12]، قال: ذات النبات. 3575- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ}: [الآية:11]، قال: ترجع بالغيث كُلَّ عَامٍ، {وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} [الآية: 12]، قال: تتصدع عن النبات.