٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ
87 - Al-A'la (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاماً وفوق التمام، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاماً بمقتضى قوله: {أية : وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ }تفسير : [الأعلى: 8] أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله: {فَذَكّرْ } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين، ومن كان كذلك كان فياضاً للكمال، فكان تاماً وفوق التمام، وههنا سؤالات: السؤال الأول: أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله: {إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ }؟ الجواب: أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تفسير : [النور: 33] ومنها قوله: {أية : وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }تفسير : [البقرة: 172] ومنها قوله: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ } تفسير : [النساء: 101] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، ومنها قوله: {أية : وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ } تفسير : [البقرة: 283] والرهن جائز مع الكتابة، ومنها قوله: {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 230] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها: أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: {إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ } وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الأخرى كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }تفسير : [النحل: 81] والتقدير: {فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ } أو لم تنفع وثالثها: أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلاناً إن أجابك، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها: أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيراً، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له: {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } تفسير : [ق: 45] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط. السؤال الثاني: التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بالعواقب، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك؟ الجواب: روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى. فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر. السؤال الثالث: التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات، أو غير مضبوط، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف؟ والجواب: أن الضابط فيه هو العرف، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي فعِظ قومك يا محمد بالقرآن. {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال: تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي. وقال الجُرجانِيّ: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى؛ أو لم تنفع، فحذف؛ كما قال: { أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81]. وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل: إنّ «إنْ» بمعنى ما؛ أي فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون «إنْ» بمعنى ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال؛ قاله ابن شَجَرة. وذكر بعض أهل العربية: أنّ «إنْ» بمعنى إذْ؛ أي إذْ نفعت؛ كقوله تعالى: { أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 139] أي إذ كنتم؛ فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل: بمعنى قد.
البيضاوي
تفسير : {فَذَكّرْ } بعد ما استتب لك الأمر. {إِن نَّفَعَتِ ٱلذّكْرَىٰ } لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس من البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله: {أية : وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } تفسير : [ق: 45] الآية، أو لذم المذكورين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإِعراض عمن تولى. {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ } سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله تعالى بأن يتأمل فيها فيعلم حقيقتها. وهو يتناول العارف والمتردد. {وَيَتَجَنَّبُهَا } ويتجنب {ٱلذّكْرَىٰ }. {ٱلأَشْقَى} الكافر فإنه أشقى من الفاسق، أو {ٱلأَشْقَى } من الكفرة لتوغله في الكفر. {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} نار جهنم فإنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم»تفسير : أو ما في الدرك الأسفل منها. {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح. {وَلاَ يَحْيَىٰ } حياة تنفعه. {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } تطهر من الكفر والمعصية، أو تكثر من التقوى من الزكاة، أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة. {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ } بقلبه ولسانه {فَصَلَّىٰ } كقوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِي }تفسير : [طه: 14] ويجوز أن يراد بالذكر تكبيرة التحريم، وقيل {تَزَكَّىٰ } تصدق للفطر {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ } كبره يوم العيد {فَصَلَّىٰ } صلاته. {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة، والخطاب للأشقين على الالتفات أو على إضمار قل، أو للكل فإن السعي للدنيا أكثر في الجملة، وقرأ أبو عمرو بالياء. {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } فإن نعيمها ملذ بالذات خالص عن الغوائل لا انقطاع له. {إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} الإِشارة إلى ما سبق من {قَدْ أَفْلَحَ} فإنه جامع أمر الديانة وخلاصة الكتب المنزلة. {صُحُفِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ} بدل من الصحف الأولى. قال صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَذَكّرْ } عظ بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ } من تذكره المذكور في.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَذَكِّرْ} بالقرآن أو بالله تعالى {إِن نَّفَعَتِ} إنْ قبلت أو ما نفعت فلا تكون "إنْ" شرطاً لأنها نافعة بكل حال.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ}. أي: فعظ قومك يا محمد بالقرآن {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: الموعظة، و "إن" شرطية، وفيه استبعاد لتذكرهم؛ ومنه قوله: [الوافر] شعر : 5180- لَقدْ أسْمعْتَ لوْ نَاديْتَ حَيًّا ولكِنْ لا حَياةَ لِمَنْ تُنَادِي تفسير : وقيل: "إن" بمعنى: "إذا" كقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 139] أي: إذا كنتم مؤمنين. وقيل: هي بمعنى: "قد" ذكره ابن خالويه, وهو بعيد. وقيل: بعده شيء محذوف، تقديره: إن نفعت الذكرى، وإن لم تنفع، كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، قاله الفراء والنحاس والجرجاني والزهراوي. وقيل: إنه مخصوصٌ في قوم بأعيانهم. وقيل: "إن" بمعنى: "ما" أي: فذكر ما نفعت الذِّكرى، فتكون "إن" بمعنى: "ما" لا بمعنى: الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال. قاله ابن شجرة. فصل في فائدة هذا الشرط قال ابنُ الخطيب: إنه صلى الله كان مبعوثاً إلى الكل، فيجب عليه تذكيرهم سواء إن نفعت الذكرى، أو لم تنفعهم، فما فائدة هذا الشرط، وهو قوله: {إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} والجواب من وجوه: إمَّا أن يكون المراد: التنبيه على أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، قال: والمعلق بـ "إن" على الشيء لا يلزمُ أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [البقرة: 172]، ومنها قوله تعالى: {أية : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ} تفسير : [النساء: 101]، فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله تعالى: {أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 230]، والمراجعة جائزة بدون هذا الظنِّ، وإن كان كذلك، فهذا الشرط فيه فوائد منها ما تقدم، ومنها: تعقل، وهو تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم على أنهم لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأول فعام. فإن قيل: الله - تعالى - عالم بعواقب الأمور بمن يؤمن، ومن لا يؤمن، والتعليق بالشرط، إنما يحسن في حق من ليس بعالم. فالجواب: أن أمر البعثة والدعوة شيء، وعلمه تعالى بالمغيبات، وعواقب الأمور غيره، ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر، كقوله تعالى لموسى وهارون - عليهما الصلاة والسلام -: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44]، وهو تعالى عالم بأنه لا يتذكر ولا يخشى. فإن قيل: التذكير المأمور به، هل هو مضبوط بعدد أو لا؟ وكيف يكون الخروج عن عهدة التذكير؟. والجواب أن المعتبر في التذكير والتكرير هو العرف. قوله: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}، أي: يتّقي الله ويخافه. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - نزلت في ابن أم مكتوم. وقيل: في عثمان بن عفان قال الماوردي: وقد يذكره من يرجوه إلا أنَّ تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي؛ فلذلك علقها بالخشية والرجاء قيل المعنى: عَمِّمْ أنْتَ التذكير والوعظ وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. حكاه القشيري، ولذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلَّقت بالخشية والرجاء. فإن قيل: التذكير إنما يكون بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفاراً معاندين؟. فالجواب: أن ذلك لظهوره وقوة دليله، كأنه معلوم، لكنه يزول بسبب التقليد والعناد، فلذلك سمي بالتذكير، والسين في قوله: "سيذكر" يحتمل أن تكون بمعنى: "سوف"، و "سوف" من الله تعالى واجب، كقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]، ويحتمل أن يكون المعنى: أن من خشي، فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التذكير والنَّظر. قوله: {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي: الذِّكرى، يبعد عنها الأشقى، أي: الشقي في علم الله تعالى، لمَّّا بيَّن من ينتفع بالذكرى بيَّن بعده من لا ينتفع بها وهو الكافر الأشقى. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي: العظمى، وهي السفلى من طباق النَّار، قاله الفراء. وعن الحسن: "الكُبْرَى": نَارُ جهنَّم، واالصُّغرى: نارُ الدُّنْيَا. وقيل: في الاخرة نيران ودركات متفاضلة، كما في الدنيا ذُنُوبٌ ومعاصي متفاضلة، فكما أنَّ الكافر أشقى العصاة، فكذلك يصلى أعظم النيران. فإن قيل: لفظ الأشقى لا يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم؟. فالجواب ان لفظ "الأشقى" لا يستدعي وجود الشقي إذ قد يرد هذا اللفظ من غير مشاركة، كقوله: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24]، "ويتَجنَّبُهَا الأشْقَى"، كقوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. وقال ابن الخطيب: الفرق ثلاث: العارف، والمتوقف، والمعاند، فالسعيد: هوالعارف، والمتوقف له بعض الشقاء، والأشقى: هو المعاند. قوله: {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا}؛ لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه، كقوله تعالى: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36]. فإن قيل: هذه الآية تقتضي أن ثمَّة حالة غير الحياة والموت، وذلك غير معقول؟. فالجواب: قال بعضهم: هذا كقول العرب للمبتلى بالبلاء الشديد: لا هو حي، ولا هو ميت. وقيل: إن نفس أحدهم في النار تمرُّ في حلقه، فلا تخرج للموت، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم، فيحيى. وقيل: حياتهم كحياة المذبوح وحركته قبل مفارقة الروح، فلا هو حي؛ لأن الروح لم تفارقه بعد، ولا هو ميت؛ لأن الميت هو الذي تفارق روحه جسده. و "ثمّ" للتراخي بين الرتب في الشدة. قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} أي: صادف البقاء في الجنة، أي: من تطهَّر من الشِّركِ بالإيمان قاله ابن عباسٍ وعطاءٌ وعكرمةُ. وقال الربيعُ والحسنُ: من كان عمله زاكياً نامياً وهو قول الزجاج. وقال قتادةُ: "تزكَّى"، أي: عمل صالحاً. وعن عطاءٍ، وأبي العالية: نزلت في صدقة الفطر. قال ابن سيرين: {قد أفلح من تزكَّى، وذكر اسم ربه فصلَّى} قال: خرج فصلَّى بعد ما أدى. والأول أظهر؛ لأن اللفظ المعتاد أن "يقال" في المال: زكَّى، ولا يقال: تزكَّى، قال تعالى: {أية : وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} تفسير : [فاطر: 18]. وقال أبو الأحوصِ وعطاءٌ: المراد بالآية؛ زكاة الأموال كلها. قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بـ "مكة" عيد، ولا زكاة فطر. قال البغويُّ: يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم، كقوله تعالى: {أية : وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 2]، والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحِلَّتْ لِي ساعةً مِنْ نَهارٍ ". تفسير : وقيل: هذا في زكاة الأعمال، لا زكاة الأموال، أي: زكى أعماله من الرياء [والتقصير]وروى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : قَدْ افْلحَ مَنْ تَزَكَّى؛ أي: شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أنِّي رسُول اللهِ"تفسير : . وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وروى عطاءٌ عن ابن عباسٍ، قال: نزلت في عثمان - رضي الله عنه - قال: كان بـ "المدينة" منافق كانت له نخلة بـ "المدينة"، مائلة في دار رجل من الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البُسْر والرطب في دار الأنصاري، فيأكل هو وعياله، فخاصمه المنافق، فشكاه الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى المنافق، وهو لا يعلم بنفاقه، فقال: إنَّ أخاك الأنصاريَّ ذكر أنَّ بُسركَ ورُطبَكَ يقعُ إلى منزله، فيَأكلُ هُوَ وعِيالهُ، فهل لَكَ أنْ أعْطيكَ نَخْلَةً في الجنَّة بدلها؟ فقال: أبيع عاجلاً بآجلٍ؟ لا أفعلُ، فذكروا أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أعطاه حائطاً من نخل بدل نخلته، ففيه نزلت: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}، ونزلت في المنافق: {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى}. وقال الضحاكُ: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قوله: {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}. قال ابن عباس والضحاكُ: وذكر اسم ربه في طريق المصلى، فصلى صلاة العيد. قال القرطبيُّ: "والسورة مكية في قول الجمهور، ولم يكن بـ "مكة" عيد". قل القشيريُّ: ولا يبعد أن يكون أنثى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر، وصلاة العيد فيما يأمر به في المستقبل. قوله: {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ}، أي: وذكر ربه. وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما: معناه ذكر معاده وموقفه بين يدي الله تعالى، فعبده وصلى له. وقيل: ذكر اسم ربه: التكبير في أوَّل الصلاة؛ لأنها لا تنعقد إلا بذكره، وهو قوله: "اللهُ أكبر"، وبه يحتجُّ على وجوب تكبيرة الإحرام وعلى أنَّها ليست من الصلاة؛ لأنَّ الصلاة معطوفة عليها، وفيه حُجَّةٌ لمن قال: الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء الله تعالى. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "هذا في الصلوات المفروضة". روى عبد الله رضي الله عنه: "من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له".
السلمي
تفسير : قال أبو بكر بن طاهر: عِظْهُم فلا يتعظ بموعظتك إلا أهل الخشية ألا تراه يقول: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ}. والذِّكرى تنفع لا محالة، ولكنْ لِمَنْ وَفَّقَه اللَّهُ للاتعاظِ بها، أمَّا مَنْ كان المعلومُ من حاله الكفرَ والإعراضَ فهو كما قيل: شعر : وما انتافعُ أخي الدنيــــا بِمُقْلَتــــهِ إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُّلَمُ تفسير : {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}. الذي يخشى الله ويخشى عقوبته. {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا}. أي يتجنَّبُ الذِّكْرَ الأشَقى الذي يَصْلَى النارَ الكبرى، ثم لا يموت فيها موتاً يريحه، ولا يحيا حياةً تَلَذُّ له. قوله جلّ ذكره: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}. مَنْ تَطَهَّرَ من الذنوبِ والعيوبِ، ومشاهدة الخَلْقِ وأدَّى الزكاة - وَجَدَ النجاة، والظَّفَرَ بالْبُغْيَة، والفَوزَ بالطِّلبة. {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}. ذَكَرَ اسمَ ربِّه في صلاته. ويقال: ذَكَره بالوحدانية وصَلَّى له. {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}. تميلون إليها؛ فتُقَدِّمون حظوظكم منها على حقوق الله تعالى. {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. والآخرة للمؤمنين خيرٌ وأبقَى - من الدنيا - لطُلاّبها. قوله جلّ ذكره: {إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}. إن هذا الوعظَ لفي الصحف المتقدمة، وكذلك في صحف إبراهيم وموسى وغيرهما؛ لأنَّ التوحيدَ، والوعدَ والوعيدَ... لا تختلف باختلاف الشرائع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} تذكيره وصف جماله وجلاله كان يجذب به قلوب العارفين الى جمال مولاه وهم الذين وصفهم بالخشية بقوله {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} اى من يخشى فراقى فيسلك مسالك وصالى بنعت الاقبال على قال ابو بكر بن طاهر عظهم فلا يتعظ بموعظتك الا اهل الخشية الا تراه يقول سيذكر من يخشى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فَذَكِّرْ} الناسَ حسبما سَيّرناك له بما يُوحى إليك من الحق الهادي إلى الحق، واهدهم إلى ما فيه سعادتهم الأبدية, كما كنت تفعل، أي: دُم على تذكيرك. وتقييد التذكير لِمَا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يُذَكرِّهم ويستفرغ جهده في وعظهم، حرصاً على إيمانهم، فما كان يزيد ذلك لبعضهم إلاَّ نفوراً، فأمر عليه السلام أن يخص الذكر بمظان النفع في الجملة، بأن يكون مَن يُذَكِّره ممن يُرجَى منه التذكُّر، ولا يتعب نفسه في تذكير مَن لا ينفعه ولا يزيده إلاّ عتوًّا ونفوراً، ممن طَبع اللهُ على قلبه، فهو كقوله: { أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [قَ:45] وقوله تعالى: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا } تفسير : [النجم:29] وقيل المعنى: ذَكّر إن نفعت وإن لم تنفع، فحذف المقابل، كقوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل:81]، واستبعده ابن جُزي؛ لأنَّ المقصود من الشرط استبعاد إسلامهم، كقوله: عظ زيد إن سمع منك، تريد: إن سماعه بعيد، ونسب هذا ابن عطية لبعض الحُذَّاق، قلت: الأَوْلى حمل الآية على ظاهرها، وأنه لا ينبغي الوعظ إلاّ لمَن تنفعه وتؤثر فيه، وأمّا مَن تحقّق عناده فلا يزيده إلاّ عناداً، والقرائن تكفي في ذلك. {سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى}؛ سيتعظ ويقبل التذكرة مَن يخشى الله تعالى {ويَتجنَّبُها} أي: يتأخر عنها ولا يحضرها ولا يقبلها {الأشقى} الذي سبق له الشقاء, أو: أشقى الكفرة لتوغُّله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {الذي يَصْلَى النارَ الكبرى} أي: الطبقة السفلى من طبقات جهنم، وقيل: الكبرى نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا، لقوله عليه السلام: "حديث : ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم"تفسير : ، {ثم لا يموتُ فيها} حتى يستريح {ولا يحيا} حياة تنفعه، و"ثم" للتراخي في مراتب الشدة؛ لأنَّ التردُّد بين الموت والحياة أفظع من الصليِّ. {قد أفلحَ} أي: نجا من كل مكروه وظفر بكل ما يرجوه {مَن تَزَكَّى} أي: تطهّر من الكفر المعاصي بتذكيرك ووعظك، {وذَكَرَ اسمَ ربه} بقلبه ولسانه {فصَلَّى}؛ أقام الصلوات الخمس، أو: أفلح مَن زكَّى ماله، وذكر الله في صلاته، كقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } تفسير : [طه:14] فيكون تفعَّل من الزكاة، أو: أفلح مَن تزكّى: أخرج زكاة الفطر, وذكر اسم ربه في طريق خروجه إلى أن يخرج الإمام، فصَلّى صلاةَ العيد، وقد روي هذا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مدنية، أو: إخباراً بما سيكون، إذ لم تُشْرَعْ زكاة الفطر، ولا صلاة العيد إلاَّ بالمدينة. {بل تُؤْثِرون الحياةَ الدنيا} على الآخرة، فلا تفعلون ما به تفلحون، وهو إضراب عن مُقَدَّر ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: فلا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية، فتسعون لتحصِيلها, وتشتغلون بذلك عن التزوُّد للأخرة، {والآخرةُ خير وأبقى} أي: خير في نفسها، لنفاسة نعيمها، وخلوصه من شوائب التكدير، وأدوم لا انصرام له ولا تمام. والخطاب للكفرة. بدليل قراءة الغيب، وإيثارها حينئذ: نسيانها بالكلية، والإعراض عنها، أو: للكل، فالمراد بإيثارها: هو ما لا يخلوا الناس منه غالباً، من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي، إلاّ القليل. قال الغزالي: إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، قَلَّ مَن ينفك عنه، ولذلك قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا}. وجملة: {والآخرة...} الخ: حال من فاعل {تُؤثرون} مؤكد للتوبيخ والعتاب، أ ي: تؤثرونها على الآخرة والحال أنها خير منها وأبقى، قال بعضهم لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والأمر بالعكس. هـ. وقوله تعالى: {إِنَّ هذا لفي الصُحف الأُولى} الإشارة إلى قوله: {قد أفلح مَن تزكّى} إلى قوله: {وأبقى}، قال ابن جزي: الإشارة إلى ما ذكر قبل من الترهيب من الدنيا، والترغيب في الآخرة، أو: إلى ما تضمنته السورة، أو: إلى القرآن، والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين. هـ. وقوله تعالى: {صحف إِبراهيمَ وموسى} بدل من "الصُحف الأُولى". وفي حديث أبي ذر: حديث : قلت: يا رسول الله: كم كتاباً أنزل اللهُ؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان" قال: قلت: يا رسول الله: ما كانت صُحف إبراهيم عليه السلام؟ قال: "كانت أمثالاً كلها، أيها الملك المسلّط المغرور،إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض, ولكن بعثتك لِتَرُدّ على دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو من كافر. وكان فيها: وعلى العاقل أن تكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يُحاسب فيها نفسه، وساعة يُفكر في صنع الله عزّ وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألاَّ يكون ظاعناً إلا لثلاث: تزور لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومَن حسب كلامه من عمله قَلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه" قلت: يا رسول الله؛ فما كانت صُحف موسى عليه السلام؟ قال: "كانت عِبَراً كلها؛ عجبت لمَن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمَن أيقن بالقدر ثم هو ينصب ـ أي يتعب، عجبت لمَن رأى الدنيا وتقلُّبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمَن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل" قلت: يا رسولَ الله؛ وهل في الدنيا شيء مما كان في يدي إبراهيم وموسى، مما أنزل الله عليك، قال: "نعم، اقرأ يا أبا ذر: {قد أفلح مَن تزكى..} الآية إلى السورة" ثم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: "أوصيك بتقوى الله عزّ وجل، فإنه رأس أمرك" قلت: زدني، قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكرِ الله عزّ وجل، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض" قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، ويذهب بنور الوجه"، قلت: يا رسول الله؛ زدني, قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي"، قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: "عليك بالصمت إلاَّ مِن خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دنياك "تفسير : هـ. وعن كعب الأحبار أنه قال: قرأتُ في العشر صحف التي أنزل ا للهُ على موسى عليه السلام سبعة اسطار متصلة، أول سطر منها: مَن أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على الله، الثاني: مَن كانت الدنيا أكبر همه نزع اللهُ خوف الآخرة من قلبه، الثالث: مَن شكى مصيبة نزلت به كأنما شكى الله عزّ وجل، الرابع: مَن تواضع لِمَلِك مِن ملوك الدنيا ذهب ثلث دينه، الخامس: مَن لا يبالي من أي الأبواب أتاه رزقه لم يُبال اللهُ من أي أبواب جهنم يدخله ـ يعني من حلال أو حرام، السادس: مَن أتى خطيئَة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، والسابع: مَن جعل حاجته إلى آدمي جعل اللهُ الفقر بين عينيه. هـ. الإشارة: فَذكِّرْ أيها العارف الدالّ على الله إن نفعت الذكرى؛ إن رجوتَ أو توهمتَ نفع تذكيرك، فإن تحققتَ عدم النفع فلا تتعب نفسك في التذكير، فربما يكون بطالة، كتذكير العدو الحاسد لك، أو المعاند، أو المنهمك في حب الرياسة، فتذكير هؤلاء ضرب في حديد بارد. وينبغي للمذَكِّر أن يكون ذا سياسة وملاطفة، قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ... }تفسير : [النحل:125]الخ، والحكمة: هي أن تٌقر كلَّ واحد في حكمته، وتدسه منها إلى ربه، فأهل الرئاسة تقرهم فيها وتدلهم على الشفقة والرحمة بعباد الله، وأهل الدنيا تُقرهم فيها وتدلهم على بَذلها، وأهل العلم تُقرهم في علمهم وتحضهم على الإخلاص وبذل المجهود في نشره، وأهل الفقر تقرهم فيه وتُرغبهم في الصبر... وهكذا، فإن رأيتَ أحداً تشوّف إلى مقام أعلى مما هو فيه فدُلّه عليه، وأهل التذكير لهم عند الله جاه كبير، فأحَبُّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، كما في الحديث. وفي حديث آخر:"حديث : إنَّ أود الأوداء إليَّ مَن يحببني إلى عبادي، ويحبِّب عبادي إليّ، ويمشي في الأرض بالنصيحة "تفسير : أو كما قال عليه السلام: {سَيذَّكَّر مَن يخشى} أي: ينتفع بتذكيري مَن يخشى الله، وسبقت له العناية، ويتجنّبها الأشقى: أي: ويعرض عنها مَن سبق له الشقاء. قال القشيري: الشقي: مَن يعرف شقاوته، والأشقى: مَن لا يعرف شقاوته، الذي يصلى النار الكبرى، وهي الخذلان والطرد والهجران، والنار الصغرى: تتبع الحظوظ والشهوات. هـ. ثم لا يموت فيها ولا يحيى، أي: لا تموت نفسه عن هذا، ولا تحيا روحه بشهود هؤلاء. قد أفلح مَن تَزَكَّى، أي: فاز بالوصول مَن تطهَّر مِن هوى نفسه، بأن طَهَّر نفسه من المخالفات، وقلبه من الغفلات والدعوات، وروحه من المساكنات إلى الغير، وسره عن الأنانية، بل تُؤثرون الحياة الدنيا عن التوجُّه إلى الحضرة القدسية، والدار الآخرة التي يدوم فيها الشهود خير وأبقى، وهذا الأمر، وهو التزهيد في الدنيا، والتشويق إلى الله، في صُحف الرسل والأنبياء، قال القشيري: لأنَّ التوحيد والوعد والوعيد لا يختلف في الشرائع. هـ. وقال الورتجبي: (إنَّ هذا) أي: الخروج عما سوى الله بنعت التجريد، في صحف إبراهيم، كما قال: {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام:78] والإقبال على الله، بقوله: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}تفسير : [الأنعام:79] الخ. وفي صحف موسى: سرعة الشوق إلى جماله والندم على الوقوف في المقامات: بقوله: {أية : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [الأعراف:143]. هـ. أي: وبقوله: { أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} تفسير : [طه:84]. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الأعقم
تفسير : {فذكّر} أي أدِّ إليهم القرآن وعظهم وذكرهم ما فيه من الوعد والوعيد، وقيل: أدّ على الانتفاع لمواعظه {سيذكّر} أي يتعظ ويقبل الذكرى {من يخشى} الله {ويتجنّبها} أي يتجنّب التذكرة {الأشقى}، وقيل: الشقي العاصي {الذي يصلى النار الكبرى} نار جهنم والنار الصغرى نار الدنيا {ثم لا يموت فيها} فيستريح {ولا يحيى} حياة ينتفع بها {قد أفلح} أي ظفر بالبغية {من تزكى} قيل: صار زكياً بالأعمال الصالحة، وقيل: أراد زكاة ماله، وقيل: زكاة الفطر وصلاة العيد، وقيل: الصلاة المكتوبة {بل تؤثرون الحياة الدنيا} تختارونها ولا تتفكرون في أمر الآخرة {والآخرة خير وأبقى} لأن الدنيا تنقطع {إن هذا} قيل: أراد جميع السورة وما يتضمن فيها، وقيل: قوله: {قد أفلح من تزكّى} إلى آخر السورة، وقيل: ما وعدتكم به، حديث : وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ما كان {في الصحف الأولى}؟ قال: "{قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى}"تفسير : ، وقيل: في {صحف ابراهيم} ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه، مقبلاً على شأنه، وقيل: إنه تعالى أنزل مائة وأربعة كتب على آدم وشيث وادريس وابراهيم وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وعلى داوود وغيرهم من الأنبياء.
اطفيش
تفسير : {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي أن تبين لك نفعها في مواضع ولا شك أنها قد ظهر نفعها في مواضع فذكر لعلك تصادف موضعها ولا تضجر وقيل إن نفعت وإن لم تنفع، قال ابن هشام مثل سرابيل تقيكم الحر أي والبر أو قيل له ذلك لأنه قد استفرغ مجهوده في التذكير وما زادوا الا عتوا وحصل اليأس منهم أو من بعضهم فقيل له ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع فلا تتعب نفسك فيمن ذكرت ولم تنفعه الذكرى أو ظاهره شرط ومعناه ذم وإخبار عن حالهم واستبعاد لتأثير الذكرى فيهم وتسجيل عليهم بالطبع على قلوبهم كما تقول للواعظ عظ المساكين إن سمعوا منك مريدا استفادا اتعاظهم أو قال ذلك إعلاما بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه وقيل إن بمعنى قد ذكره ابن هشام.
اطفيش
تفسير : {فَذَكِّرْ} أى الناس أى دم على التذكير بما تيسر لك من أمر الدين بعد ما استقام لك الأَمر وقد قال الله تعالى فذكر إنما أنت مذكر، {إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} أى لا يخفى أنها نفعت فى بعض وكأنه قيل إن رأيت الذكرى نفعت فدم على التذكير فيقول رأيتها نفعت فى بعض فلزمه الدوام عليها أو استعمل النفع فى إمكانه مجازاً بحسب نظره وإذا أيس من أحد بحسب الظاهر والعلم عند الله تعالى لم يلزمه، أو ذكر الناس إن نفعت الذكرى تحقيقاً أو رجاءَ وطمعاً فى النفع، أو المعنى إن رجوت النفع فمن كان لا يزيده التذكير إلا كفراً لم يلزمه تذكيره، أو لا يجوز تذكيره لأَنه يؤدى إلى تجديد كفره، قال الله تعالى {أية : فأَعرض عمن تولى عن ذكرنا} تفسير : [النجم: 29]، فمن عينه الله تعالى بأنه مطبوع على قلبه لا يتعرض له بالتذكير وذلك بعد ما بالغ فى التذكير ولم يترك فى قوس التذكير منزعاً {أية : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} تفسير : [ق: 45] وتذكير خائف الوعد ليزداد إيماناً وحذراً، وقيل التقدير إن نفعت الذكرى أو لم تنفع.
الالوسي
تفسير : أي فذكر الناس حسبما يسرناك [له] بما يوحى إليك واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله وقيل أي فذكر بعد ما استتب أي استقام وتهيأ لك الأمر فإن أراد فدم على التذكير بعدما استقام لك الأمر من إقرائك الوحي وتعليمك القرآن بحيث لا تنسى منه إلا ما اقتضت المصلحة نسيانه وتيسيرك للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين فذاك وإلا فليس بشيء. وتقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ذكر وبالغ فيه فلم يدع في القوس منزعاً وسلك فيه كل طريق فلم يترك مضيفاً ولا مهيعاً حرصاً على الإيمان وتوحيد الملك الديان وما كان يزيد ذلك بعض الناس إلا كفراً وعناداً وتمرداً وفساداً فأمر صلى الله عليه وسلم تخفيفاً عليه حيث كاد الحرص على إيمانهم يوجه سهام التلف إليه كما قال تعالى{أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } تفسير : [الكهف: 6] بأن يخص التذكير بمواد النفع في الجملة بأن يكون من يذكره كلاً أو بعضاً ممن يرجى منه التذكر ولا يتعب نفسه الكريمة في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتواً ونفوراً وفساداً وغروراً من المطبوع على قلوبهم كما في قوله تعالى: {أية : فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }تفسير : [ق: 45] وقوله سبحانه: {أية : فَأَعْرَضْ مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا }تفسير : [النجم: 29] وعلمه صلى الله عليه وسلم بمن طبع على قلبه بإعلام الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام به فهو صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ وإلزام الحجة / لا يجب عليه تكرير التذكير على من علم أنه مطبوع على قلبه فالشرط على هذا على حقيقته. وقيل إنه ليس كذلك وإنما هو استبعاد النفع بالنسبة إلى هؤلاء المذكورين نعياً عليهم بالتصميم كأنه قيل افعل ما أمرت به لتؤجر وإن لم ينتفعوا به وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم ورجح الأول بأن فيه إبقاء الشرط على حقيقته مع كونه أنسب بقوله تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ}.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن ثبَّت الله رسوله صلى الله عليه وسلم تكفل له ما أزال فَرَقه من أعباء الرسالة وما اطمأنت به نفسه من دفع ما خافه من ضُعف عن أدائه الرسالةَ على وجهها وتكفل له دفع نسيان ما يوحى إليه إلا ما كان إنساؤه مراداً لله تعالى. ووعده بأنه وفقه وهيأه لذلك ويسره عليه، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مبدأ عهده بالرسالة (إذ كانت هذه السورة ثامنة السور) لا يعلم ما سيتعهد الله به فيخشى أن يقصر عن مراد الله فيلحقه غضب منه أو ملام. أعقب ذلك بأنْ أمَرَه بالتذكير، أي التبليغ، أي بالاستمرار عليه، إرهافاً لعزمه، وشحذاً لنشاطه ليكون إقباله على التذكير بشراشره فإن امتثال الأمر إذا عاضده إقبال النفس على فعل المأمور به كان فيه مسرة للمأمور، فجَمع بين أداء الواجب وإرضاء الخاطر. فالفاء للتفريع على ما تقدم تفريعَ النتيجة على المقدمات. والأمر: مستعمل في طلب الدوام. والتذكير: تبليغ الذكر وهو القرآن. والذكرى: اسم مصدر التذكير وقد تقدم في سورة عبس. ومفعول {فذكر} محذوف لقصد التعميم، أي فذكر الناس ودلّ عليه قوله: {سيذكّر من يخشى} الآيتين. وجملة: {إن نفعت الذكرى} معترضة بين الجملتين المعلَّلة وعِلتها، وهذا الاعتراض منظور فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول {فذكر}، أي فدم على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم، أي وهي لا تنفع إلا البعض وهو الذي يؤخذ من قوله: {سيذكّر من يخشى} الآية. فالشرط في قوله: {إن نفعت الذكرى} جملة معترضة وليس متعلقاً بالجملة ولا تقييداً لمضمونها إذ ليس المعنى: فذكر إذا كان للذكرى نفع حتى يفهم منه بطريق مفهوم المخالفة أن لا تُذَكِّر إذا لم تنفع الذكرى، إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى، ولذلك كان قوله تعالى: { أية : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } تفسير : [ق: 45] مؤولاً بأن المعنى فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد، بل المراد فذكّر الناس كافة إنْ كانت الذكرى تنفع جميعَهم، فالشرط مستعمل في التشكيك لأن أصل الشرط بــــ (إنْ) أن يكون غير مقطوع بوقوعه، فالدعوة عامة وما يعلمه الله من أحوال الناس في قبول الهدى وعدمه أمر استأثر اللَّهُ بعلمه، فأبو جهل مدعو للإِيمان والله يعلم أنه لا يؤمن لكن الله لم يخصّ بالدعوة من يرجى منهم الإِيمان دون غيرهم، والواقعُ يكشف المقدور. وهذا تعريض بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى وذلك يفهم من اجْتلاب حرف (إنْ) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط أو ندرة وقوعه، ولذلك جاء بعده بقوله: {سيذكّر من يخشى} فهو استئناف بياني ناشىء عن قوله: {فذكر} وما لحقه من الاعتراض بقوله: {إن نفعت الذكرى} المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكَّرين. وهذا معنى قول ابن عباس: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي، وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحاً لا غُبار عليه ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى (إن)، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني. ويذّكَّر: مُطاوع ذَكَّره. وأصله: يتذكر، فقلبت التاء ذالاً لقرب مخرجيهما ليتأتى إدغامها في الذال الأخرى. و{من يخشى}: جنس لا فرد معين أي سيتذكر الذين يَخْشون. والضمير المستتر في {يخشى} مراعى فيه لفظ (من) فإنه لفظ مُفرد. وقد نُزِّل فعل {يخشى} منزلة اللازم فلم يقدّر له مفعول، أي يتذكر من الخَشْيَة فكرته وجبلته، أي من يتَوقع حصول الضر والنفع فينظر في مظان كلٍ ويتدبر في الدلائل لأنه يخشى أن يحق عليه ما أنذر به. والخشية: الخوف، وتقدم في قوله تعالى: { أية : لعله يتذكر أو يخشى } تفسير : في سورة طه (44). والخشية ذات مراتب وفي درجاتها يتفاضل المؤمنون. والتجنب: التباعد، وأصله تفعل لتكلف الكيْنونة بجانبٍ من شيء. والجانب: المكان الذي هو طَرَف لغيره، وتكلفُ الكينونة به كناية عن طلب البعد أي بمكان بعيد منه، أي يتباعد عن الذكرى الأشقَى. والتعريف في {الأشقى} تعريف الجنس، أي الأشقَونْ. و{الأشقى}: هو الشديد الشقوة، والشقوة والشقاء في لسان الشرع الحالة الناشئة في الآخرة عن الكفر من حالة الإهانة والتعذيب، وعندنا أن من عَلِمَ إلى موته مؤمناً فليس بشقي. فالأشقى: هو الكافر لأنه أشدّ الناس شقاء في الآخرة لخلوده في النار. وتعريف {الأشقى} تعريف الجنس، فيشمل جميع المشركين. ومن المفسرين من حمله على العهد فقال: أريد به الوليد بن المغيرة، أو عتبة بن ربيعة. ووصْفُ {الأشقى} بــــ {الذي يصلى النار الكبرى} لأن إطلاق {الأشقى} في هذه الآية في صدر مدة البعثة المحمدية فكان فيه من الإِبهام ما يحتاج إلى البيان فأتبع بوصف يبيّنه في الجملة ما نزل من القرآن من قبل هذه الآية. ومقابلة {من يخشى} بـــ {الأشقى} تؤذن بأن {الأشقى} من شأنه أن لا يخشى فهو سادر في غروره منغمس في لهوه فلا يتطلب لنفسه تخلصاً من شقائه. ووصفُ النار بــــ {الكبرى} للتهويل والإِنذار والمراد بها جهنم. وجملة {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} عطف على جملة {يصلى النار الكبرى} فهي صِلة ثانية. و(ثم) للتراخي الرتبي تدل على أن معطوفها متراخي الرتبة في الغرض المسوق له الكلام وهو شدة العذاب فإن تردد حالِه بين الحياة والموت وهو في عذاب الاحتراق عذاب أشدّ ممّا أفاده أنه في عذاب الاحتراق، ضرورة أن الاحتراق واقع وقد زيد فيه درجة أنه لا راحة منه بموت ولا مخلص منه بحياة. فمعنى {لا يموت}: لا يزول عنه الإِحساس، فإن الموت فقدان الإِحساس مع ما في هذه الحالة من الأعجوبة وهي مما يؤكد اعتبار تراخي الرتبة في هذا التنكيل. وتعقيبه بقوله: {ولا يحيى} احتراس لدفع توهم أن يراد بنفي الموت عنهم أنهم استراحوا من العذاب لما هو متعارف من أن الاحتراق يُهلك المحرَق، فإذا قيل: {لا يموت} توهَّم المنذَرون أن ذلك الاحتراق لا يبلغ مبلغ الإِهلاك فيبقى المحرق حياً فيظن أنه إحراق هيّن فيكون مسلاة للمهددين فلدفع ذلك عطف عليه {ولا يحيى}، أي حياة خالصة من الآلام والقرينة على الوصف المذكور مقابلة ولا يحيى بقوله: {يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها}. وليس هذا من قبيل نفي وصفين لإثبات حالةٍ وسَطٍ بينَ حالتيهما مثل: { أية : لا شرقية ولا غربيةٍ } تفسير : [النور: 35] وقول إحدى نساء أم زرع: «لا حَرّ ولا قُرّ» لأن ذلك لا طائل تحته. ويجوز أن نجعل نفي الحياة كناية عن نفي الخلاص بناء على أن لازم الإِحراق الهلاك ولازم الحياة عدم الهلاك. وفي الآية مُحسِّن الطباق لأجل التضاد الظاهر بين {لا يموت} و{لا يحيى}.
الشنقيطي
تفسير : هل، {إِن} هنا بمعنى إذ أو أنها شرطية؟ وهل للشر مفهوم مخالفة أم لا؟ كل ذلك بحثه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بتوسّع في دفع إيهام الاضطراب، ورجح أنها شرطية، وقسم المدعو إلى ثلاثة أقسام مقطوع بنفعه، ومقطوع بعدم نفعه، ومحتمل وقال: محل التذكير ما لم يكن مقطوعاً بعدم نفعه، كمن بين له مراراً فأعرض، كأبي لهب، وقد أخبر الله عنه بمآله فلا نفع في تذكيره.
د. أسعد حومد
تفسير : (9) - فَذَكِّرْ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُهُ، وَادْعُ مَنْ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُجِيبُكَ وَلاَ يَجْبَهُكَ وَلاَ يُؤْذِيكَ، فَمِنْ شَأْنِ الذِّكْرَى أَنْ تَنْفَعَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):