Verse. 5959 (AR)

٨٧ - ٱلْأَعْلَىٰ

87 - Al-A'la (AR)

وَيَتَجَنَّبُہَا الْاَشْقَى۝۱۱ۙ
Wayatajannabuha alashqa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويتجنبها» أي الذكرى، أي يتركها جانبا لا يلتفت إليها «الأشقى» بمعنى الشقي أي الكافر.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون، وبينا أن القسمين الأولين، لا بد وأن يكون لهما خوف وخشية، وصاحب الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها، فيكون الأشقى هو المعاند الذي لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها، فلهذا قال تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير {النار الكبرى} وجوهاً أحدها: قال الحسن: الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا وثانيها: أن في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة كما أن في الدنيا ذنوباً ومعاصي متفاضلة، وكما أن الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران وثالثها: أن النار الكبرى هي النار السفلى، وهي تصيب الكفار على ما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }تفسير : [النساء: 145]. المسألة الثانية: قالوا: نزلت هذه الآية في الوليد وعتبة وأبي، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما وقد بينا صحة هذا الترتيب بالبرهان العقلي. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إن الله تعالى ذكر ههنا قسمين أحدهما: الذي يذكر ويخشى والثاني: الأشقى الذي يصلى النار الكبرى، لكن وجود الأشقى يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم؟ وجوابه: أن لفظة الأشقى لا تقتضي وجود الشقي إذ قد يجري مثل هذا اللفظ من غير مشاركة، كقوله تعالى: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } تفسير : [الفرقان: 24] وقيل: المعنى، ويتجنبها الشقي الذي يصلى كما في قوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }تفسير : [الروم: 27] أي هين عليه، ومثل قول القائل:شعر : إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول تفسير : هذا ما قيل لكن التحقيق ما ذكرنا أن الفرق الثلاثة، العارف والمتوقف والمعاند فالسعيد هو العارف، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند الذي بينا أنه هو الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها. أما قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها. {ٱلأَشْقَى } أي الشقيّ في علم الله. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ } أي العظمى، وهي السفلى من أطباق النار؛ قاله الفرّاء. وعن الحسن: الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا؛ وقاله يحيـى بن سلام. {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} أي لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه؛ كما قال الشاعر: شعر : ألا مَا لنفسٍ لا تموتُ فينقضِي عَناها ولا تَحيا حياةً لها طَعْمُ تفسير : وقد مضى في «النساء» وغيرها حديث أبي سعيد الخُدْريّ، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم ـ وهي النار الصغرى على قول الفراء ـ احترقوا فيها وماتوا؛ إلى أن يُشْفَع فيهم. خرّجه مسلم. وقيل: أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم، هذا الوعيد للأشقى، وإن كانَ ثمَّ شقِيَ لا يبلغ هذه المرتبة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا } أي الذكرى أي يتركها جانباً لا يلتفت إليها {ٱلأَشْقَى } بمعنى الشقي أي الكافر.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر من يحب حبه في الله ذكر من يبغض في الله، وعلامة الحب الاقتداء، وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء، فقال: {ويتجنبها} أي يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء تذكيره بها من أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق. ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على العوج شديد العتو قال: {الأشقى *} أي الذي له هذا الوصف على الإطلاق لأنه خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس، كما أن من آمن به أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام. ولما ذكر وصفه الذي أوجب له العمل السيىء، ذكر جزاءه فقال: {الذي يصلى} أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسياً {النار الكبرى *} أي التي هي أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى، بل هو كالجلمود الأقسى لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند، أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءاً، فلهذا استحقت أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق، والآية من الاحتباك: ذكر الثمرة في الأول وهي الخشية دليلاً على حذف ضدها من الثاني، وهي القسوة الناشئة على الحكم بالشقاوة، وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلاً على حذف ضده في الأول وهو السعادة، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة، والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب، وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنه، وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولاً حثاً عليه، ومآل الشقاوة ثانياً تحذيراً منه، قال الملوي: ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب وبداعة الترتيب وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني على الأول، فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر، ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة، ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولاً موضع البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق منها، فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجاداً وتأثيراً، فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقداراً من الماء معيناً إذا نزلت إلى الماء أخذته، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف الماء من جداوله إلى ما صنع له كان ذلك قدراً فهو النهاية، فمتى ذكر واحد من الثلاثة: الحكم والقضاء والقدر، دل على الآخر. ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت، فإذا كان من شأنه مع هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلاً واضحاً على أنه لا يعلم كنه عظمة مقدره إلا هو سبحانه وتعالى فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة التراخي إعلاماً بأن مراتب هذه الشدة في التردد بين الموت والحياة لا يعلم علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال: {ثم لا يموت فيها} أي لا يتجدد له في هذه النار موت وإن طال المدى. ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في موته قد يكون ذلك إكراماً له من باب خرق العوائد، احترز عنه بقوله: {ولا يحيى *} أي حياة تنفعه لأنه ما تزكى فلا صدق ولا صلى. ولما ثبت بهذا أن لهذا هذا الشقاء الأعظم، فكان التقدير: لأنه لم يزك نفسه لأنه ما كان مطبوعاً على الخشية، أنتج ولا بد قوله تعالى دالاً على الدين التكليفي وهو اجتناب واجتلاب، فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية بالتبتل بالأبواب والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي بالمجاهدات المقربات إليه سبحانه وتعالى، المنجيات بعد ما حذر من المهلكات، للمسارعة في محابه ومراضيه اجتماعاً على العبادة الموصلة للخالق بعد حصول الكمال والتكميل فإنه لا بد في الحياة الطيبة بعد الانتماء إلى ذي الجاه العريض والاقتداء بمن لا يزيغ من الارتباط بطريقة مثلى يحصل بها الاغتباط ليصل بها إلى المقصود ويعمّر أوقاته بوظائفها لئلا يحصل له خلل ولا ضياع لنفائس الأوقات ولا غفلة يستهويه بها قطاع الطريق: {قد أفلح} أي فاز بكل مراد {من تزكّى *} أي أعمل نفسه في تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق والأقوال والأفعال والأموال وتنمية أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها، وذلك هو التسبيح الذي أمر به أول السورة وما تأثر عنه، من عمل هذا فهو الأسعد. ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى: {وذكر} أي بالقلب واللسان ذكر وذكر - بالكسر والضم {اسم ربه} أي صفات المحسن إليه فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها، وإذا ذكر اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى {فصلّى *} أي الصلاة الشرعية لأنها أعظم الذكر، فهي أعظم عبادات البدن كما أن الزكاة أعظم عبادات المال، ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه من النقائص الموجبة لسوء الانقلاب، وكان متخلقاً بما ذكر من أخلاق الله في أول السورة من التخلي عن النقائص بالتزكية، والتحلي بالكمالات بالذكر والصلاة لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر اسمه فلا يشقى فلا يصلى النار الكبرى بوعد لا خلف فيه - فالآية من الاحتباك في الاحتباك: ذكر أولاً الصلى دليلاً على حذف ضده ثانياً، وثانياً التزكية دليلاً على حذف ضدها أولاً، وقد تكفل ذكر التزكية والذكر، والصلاة من أسباب التداوي بالإنضاج ثم الأشربة ثم الأغذية، والآية صالحة لإرادة زكاة الفطر وتكبيرات العيد وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة، لأن العبرة بعموم اللفظ لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بالماضي والحال والاستقبال على حد سواء؛ قال الرازي في اللوامع: وتقدم زكاة الفطر على صلاة العيد، وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: رحم الله امرأً تصدق ثم صلى - ثم يقرأ هذه الآية، وإن كانت السورة مكية، فإنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كما قال تعالى:{أية : وأنت حل بهذا البلد}تفسير : [البلد: 2] والسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح - انتهى، وأخذه من البغوي، وزاد البغوي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأمر نافعاً رضي الله عنه بنحو ما قال ابن مسعود رضي الله عنه، ويقول: إنما نزلت هذه الآية في هذا. وروى البزار: "عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية" وفي السند كثير بن عبد الله - حسّن له الترمذي وضعفه غيره - والله أعلم. ولما كان التقدير: وأنتم لا تفعلون ذلك، أو وهم لا يفعلونه - على القراءتين، عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة على الالتفات الدال على تناهي الغضب، منبهاً على المعاملات بسبب التداوي الرابع وهو الاستفراغ بنفي الرذائل والخبائث بالذم على ما ينبغي البراءة منه والحث على ما يتعين تحصيله تحصيلاً لحسن الرعاية: {بل تؤثرون} أي تختارون وتخصون بذلك على وجه الاستبداد، أيها الأشقياء، وبالغيب على الأصل عند أبي عمرو {الحياة الدنيا *} أي الدنية بالفناء الحاضرة، مع أنها شر وفانية، اشتغالاً بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات، فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم عن ذكر اسم الله المنهي إلى ذكر الله والمهيىء له، وعن تزكية نفوسكم، فأوقعكم ذلك في داء القبقب وهو البطن، والدبدب وهو الفرج، وحب المال المؤدي إلى شر الأعمال، وتتركون الآخرة {والآخرة} أي والحال أن الدار التي هي غاية الخلق ومقصود الأمر، العالية المبرئة عن العبث، المنزهة عن الخروج عن الحكمة {خير} أي من الدنيا على تقدير التسليم لأن فيها خيراً لأن نعيمها خالص لا كدر فيه بوجه {وأبقى *} أي منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء، لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلاً، وما كان باقياً لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه، فمن علم ذلك - وهو أمر لا يجهل - اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية، والآية من الاحتباك: ذكر الإيثار والدنو أولاً يدل على الترك والعلو ثانياً، وذكر الخير والبقاء ثانياً يدل على ضدهما أولاً، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء إلا دنيء فذكره أولاً لأنه أشد في التنفير، وذكر الخير والبقاء ثانياً لأنه أشد في الترغيب. ولما كانت هذه النتيجة - التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها - خالصة الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول، وصفها ترغيباً فيها بوصف جمع القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار، لأن ما مضت عليه السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى إلزامه، وأفاد مع القدم أن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هو على منهاجهم، فرد رسالته من بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات بقوله مؤكداً لأجل من يكذب: {إن هذا} أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، لأنه جامع لكل خير، وهو ثابت في كل شريعة لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ {لفي الصحف الأولى *} فمن تبع هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من المغيبات مما يكون أو كان، ونسيه أهل هذه الأزمان، فاستراح من ضلال الشعراء والكهان، الموقعين في الإثم والعدوان، فإن القرآن جمع المديح الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء البليغ لأعداء الله، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود الشرعية - إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء، ولا ينتهي إلى أدنى جنابها بلاغات البلغاء. ولما كان ذلك عاماً خص من بينه تعظيماً لقدر هذه الموعظة أعظم الأنبياء الأقدمين، فقال مبدلاً مشيراً إلى الاستدلال بالتجربة: {صحف إبراهيم} قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه {وموسى *} ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام، والمواعظ فيه قليلة، ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإخبار بأنهم يخالفونها كما هو مذكور في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما الصلاة والسلام على الأصل في ترتيب الوجود والأفضلية، وقد حث آخرها على التزكي وهو التطهر من الأدناس الذي هو معنى التنزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة، وكان في إتيانه والتذكير به إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن خلقهم لأنه لم يخلقهم سدى، لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو سبحانه منزه عن جميع شوائب النقص - فقد رجع آخرها على أولها، وكان تنزيه الرب سبحانه وتعالى وتنزيه النفس أيضاً غاية معولها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

ابو السعود

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي الذكرَى {ٱلأَشْقَى} من الكفرة لتوغله في عداوة النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وقيلَ: نزلتْ في الوليدِ بنِ المغيرةِ وعتبةَ بنِ أبـي ربـيعةَ. {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي الطبقةَ السُّفلَى من طبقاتِ النارِ، وقيلَ: الكُبرى نارُ جهنمَ والصُّغْرى نارُ الدُّنيا لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : نارُكُم هذهِ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من نارِ جهنَم » تفسير : {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} حتى يستريحَ {وَلاَ يَحْيَىٰ} حياةً تنفعُه وثمَّ للتراخِي في مراتبِ الشدةِ لأن الترددَ بـين الموتَ والحياةِ أفظعُ من الصَّلْي. {قَدْ أَفْلَحَ} أي نجَا من المكروهِ وظفرَ بما يرجُوه {مَن تَزَكَّىٰ} أيْ تطهرَ من الكفرِ والمعاصِي بتذكرِه واتعاظِه بالذكرَى أو تكثر من التَّقوى والخشيةِ مْنَ الزكاءِ وهو النماءُ وقيلَ تزكَّى تفعَّل من الزكاةِ. وكلمةُ قَدْ لَما أنَّ عندَ الإخبارِ بسوءِ حالِ المتجنبِ عنِ الذكرَى في الآخرةِ يتوقعُ السامعُ الأخبارَ بحسنِ حالِ المتذكرِ فيَها وينتظرُه {وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ} بقلبِه ولسانِه {فَصَلَّىٰ} أقامَ الصلواتِ كقولِه تعالى: { أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [سورة طه، الآية 14] أو كبرَ تكبـيرةَ الافتتاحِ فصلَّى، وقيلَ تزكَّى أي تصدقَ صدقة الفطرِ وذكر اسمَ ربِّه أي كبَّرهُ يومَ العيدِ فصلَّى أيْ صلاتَهُ. {بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} إضرابٌ عن مقدرٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ إثرَ بـيانِ ما يؤدِّي إلى الفلاحِ: لا تفعلونَ ذلكَ بلْ تؤثرونَ اللذاتِ العاجلةَ الفانيةَ فتسعَونَ لتحصيلِها، والخطابُ إمَّا للكفرةِ فالمرادُ بإيثارِ الحياةِ الدُّنيا هُو الرِّضا والاطمئنانُ بهَا والإعراضُ عن الآخرةِ بالكليةِ كما في قولِه تعالى: { أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} تفسير : [سورة يونس، الآية 7] الآيةَ، أو للكُلِّ فالمرادُ بإيثارها ما هُو أعمُّ ممَّا ذُكرَ وما لا يخلُو عنْهُ الإنسانُ غالباً من ترجيح جانبِ الدُّنيا على الآخرة في السَّعي، وترتيب المبادِي. والالتفاتُ على الأولِ لتشديدِ التوبـيخِ وعلى الثَّانِي كذلكَ في حقِّ الكفرةِ وتشديدِ العتابِ في حقِّ المسلمينَ. وقُرِىءَ يُؤثرونَ بالياءِ. وقولُه تعالى: {وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} حالٌ من فاعلِ تؤثرونَ مؤكدةٌ للتوبـيخِ والعتابِ أي تُؤثرونَها على الآخرةِ والحالُ أنَّ الآخرةَ خيرٌ في نفسِها لمَا أنَّ نعيمَها مع كونِه في غايةِ ما يكونُ من اللذةِ خالصٌ عن شائبةِ الغائلةِ أبديٌّ لا انصرامَ لَه. وعدمُ التعرضِ لبـيانِ تكدرِ نعيمِ الدُّنيا بالمنغصاتِ وانقطاعِه عمَّا قليلٍ لغايةِ ظهورِه.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو وحمزة {بل يؤثرون} بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب للمواجهين، وأدغم اللام فى التاء حمزة والكسائي إلا قتيبة والحلواني عن هشام فى كل موضع. لما أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله بالتذكرة وبين انه ينتفع بها من يخاف عقابه ذكر - ها هنا - أنه يتجنبها أي يتجنب الذكرى الاشقى، فالتجنب المصير في جانب عن الشيء بما ينافي كونه، فهذا الشقي تجنب الذكرى بأن صار بمعزل عنها بما ينافي كونها، فالشقوة حالة تؤدي إلى شدة العقاب ونقيضها السعادة، شقي يشقى شقوة وشقاء وأشقاه الله يشقيه اشقاء عاقبه عقاباً بكفره وسوء عمله. ثم بين ان هذا الشقي هو {الذي يصلى النار الكبرى} يعني نار جهنم، ووصفها بالكبرى لان الحاجة إلى اتقائها أشد وذلك من كبر الشأن إذ الكبير الشأن هو المختص بشدة الحاجة اليه أولى باتقائه، فكلما كان اكبر شأناً فالحاجة اليه أشد. وقال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا، وقال الفراء: النار الكبرى التي في الطبقة السفلى من جهنم. وقوله {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} معناه إن هذا الشقي لا يموت في النار فيتخلص من العذاب، ولا يحيى حياة له فيها لذة، بل هو في ألوان العذاب وفنون العقاف. وقيل: لا يجد روح الحياة. وقوله {قد أفلح من تزكى} معناه قد فاز من تزكى يعني صار زاكياً بأن عمل الطاعات - في قول ابن عباس والحسن - وقال ابو الاحوص وقتادة: يعني من زكى ماله {وذكر اسم ربه} على كل حال {وصلى} على ما أمره الله به. ثم خاطب الخلق فقال {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أي تختارون الحياة الدنيا على الآخرة بأن تعملوا الدنيا ولا تعملوا للاخرة، وذلك على وجهين: احدهما - يجوز للرخصة. والآخر - محظور معصية لله. ثم قال تعالى {والآخرة خير وأبقى} أي منافع الآخرة من الثواب وغيره خير من منافع الدنيا وأبقى، لانها باقية وهذه فانية منقطعة. وقوله {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} يعني ما ذكره الله وفصله من حكم المؤمن والكافر وما أعد الله لكل واحد من الفريقين مذكور فى كتب الأولين فى الصحف المنزلة على إبراهيم والتوراة المنزلة على موسى. وقيل من قوله {قد أفلح من تزكى} إلى آخر السورة هو المذكور فيها، وقيل "من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" فهو ممدوح فى الصحف الأولى، كما هو ممدوح فى القرآن. وقيل: كتب الله كلها أنزلت فى شهر رمضان فأما القرآن فانه أنزل لاربع عشرة منه. وفى ذلك دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه كتاب بخلاف قول من ينكر نبوته ويزعم أنه لم ينزل عليه كتاب، ولا يكون نبي إلا ومعه كتاب، حكي ذلك عن النصارى أنهم قالوا: لم يكن ابراهيم نبياً، وإنما كان رجلا صالحاً.

الجنابذي

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى} اى اشقى الكفّار او اشقى العصاة فانّ للكفر والعصيان درجاتٍ، والاشقى منهم يبالغ فى اجتناب الذّكرى بخلاف غيره فانّه يسمع قليلا ويجتنب ولذلك قال {ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ}.

اطفيش

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي يتجنب الذكرى أي يتركها جانبا فإن الف الذكرى للتأنيث *{الأَشْقَى} اسم تفضيل خارج عن معناه أي الشقي فيعم الفاسق والمشرك أو هو على معناه والمراد المشرك فإنه أشقى من الموحد العاصي الشقي وكلاهما يتجنبها وخص المشرك بالذكر لأنه أدخل في الكفر أو لأن العاصي لا يخلو من تذكروا وتذكر غير نافع أو المراد المشرك الذي هو أشقى من المشركين وخص بالذكر لتوغله في الشرك وعن بعض أنها نزلت في الوليد وعتبة.

اطفيش

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا} أى الذكرى {الأَشْقَى} هو الكافر المصر مشركاً كان أو فاسقاً، فاسم التفضيل خارج عن بابه، وقيل المراد الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وأبو جهل ونحوهم ممن توغل فى الكفر، وقد قيل نزلت فى الوليد وعتبة، وقيل المراد مشركو هذه الأُمة فكما أن نبيهم أفضل الأَنبياء وكتابهم أفضل الكتب كان العقاب عليهم أشد إذ كان كفرهم أشد والفاسق دون المشرك وهو فى نار فوق النيران لا أسفل واسم التفضيل فى هذه الأَقوال باق على التفضيل.

الالوسي

تفسير : {وَيَتَجَنَّبُهَا } أي ويتجنب الذكرى ويتحاماها {ٱلأَشْقَى } وهو الكافر المصر على إنكار المعاد ونحوه الجازم بنفي ذلك مما يقتضي الخشية بوجه وهو أشقى أنواع الكفرة. وقيل المراد به الكافر المتوغل في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم كالوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. وقد روي أن الآية نزلت فيهما فإنه أشقى من غير المتوغل وقيل المراد به الكافر مطلقاً فإنه أشقى من الفاسق وقيل المفضل عليه كفرة سائر الأمم فإنه حيث كان المؤمن من هذه الأمة أسعد من مؤمنيهم كان الكافر منها أشقى من كافريهم والأوجه عندي في المراد بالأشقى ما تقدم.

الشنقيطي

تفسير : أي بسبب شقائهم السابق أزلاً، كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} تفسير : [هود: 106].

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - وَيَبْتَعِدُ عَنْ هَذِهِ التَّذْكِرَةِ الرَّجُلُ الشَّقِيُّ المُعَانِدُ، المُصِرُّ عَلَى الجُحُودِ عِنَاداً وَاسْتِكْبَاراً.