٨٨ - ٱلْغَاشِيَة
88 - Al-Ghashiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ } وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد. أما الأول: فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف الذي لأجله امتاز على الآخر، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر، ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم، ولما علمنا أن ذلك الصانع لا بد وأن يكون مخالفاً لخلقه في نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني، فهذا يدل على أن للعالم صانعاً قادراً عالماً غنياً فوجب أن يكون في غاية الحكمة، ثم إنا نرى الناس بعضهم محتاجاً إلى البعض، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه، بل لا بد من بلدة يكون كل واحد من أهلها مشغولاً بمهم آخر حتى يتنظم من مجموعهم مصلحة كل واحد منهم، وذلك الانتظام لا يحسن إلا مع التكليف المشتمل على الوعد والوعيد، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق الجنة والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث والقيامة فلهذا السبب ذكر الله دلالة التوحيد في آخر هذه السورة، فإن قيل: فأي مجانسة بين الإبل والسماء والجبال والأرض، ثم لم بدأ بذكر الإبل؟ قلنا فيه وجهان: الأول: أن جميع المخلوقات متساوية في هذه الدلالة وذكر جميعها غير ممكن لكثرتها وأي واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال عائداً، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير، وأيضاً فلعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء التي هي غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل على ما قال: {أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ }تفسير : [الإسراء: 44] ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر كذلك لا جرم ذكر الله تعالى أموراً غير متناسبة بل متباعدة جداً، تنبيهاً على أن جميع الأجسام العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم، فهذا وجه حسن معقول وعليه الاعتماد الوجه الثاني: وهو أن نبين ما في كل واحد من هذه الأشياء من المنافع والخواص الدالة على الحاجة إلى الصانع المدبر، ثم نبين إنه كيف يجانس بعضها بعضاً. أما المقام الأول: فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي يقتنى أصنافاً شتى فتارة يقتنى ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل الإنسان في الأسفار وتارة لينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد وتارة ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل، وقد أبان الله عز وجل عن ذلك بقوله: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعـٰماً فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ * وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }تفسير : [يس: 72-71]، قال: {أية : وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ ٱلأَنفُسِ }تفسير : [النحل: 7-5] وإن شيئاً من سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال فيه من العجائب وثانيها: أنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزىء حيوان آخر، وإن جعلت حملة استغلت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعاً في قلب العرب ولذلك فإنهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلاً، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير، لأن امتلاء العين منه أشد من امتلاء العين من غيره، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ }تفسير : [النحل: 6] ومنها أنى كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق فقدموا جملاً وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت في خياله صورة تلك المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ذلك الحيوان اهتدى إليه، ومنها أنها مع كونها في غاية القوة على العمل مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبي الصغير، ومبانية لغيرها أيضاً في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه، ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها فلهذه الأسباب حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قال المفسرون: لما ذكر الله عز وجل أمر أهل الدارين، تعجّب الكفار من ذلك فكذّبوا وأنكروا؛ فذكَّرهُمُ الله صنعته وقدرته؛ وأَنه قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض. ثم ذكر الإبل أولاً، لأنها كثيرة في العرب، ولم يَرَوُا الفِيلة، فنبههم جل ثناؤه على عظيم من خَلْقه؛ قد ذللـه للصغير، يقوده ويُنيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحِمل وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره. فأراهم عظيماً من خَلقه، مسخراً لصغير من خلقه؛ يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته. وعن بعض الحكماء: أنه حدّث عن البعير وبديع خَلْقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها؛ ففكر ثم قال: يوشِك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها أن تكون سفائن البر، صبَّرها على احتمال العطش؛ حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العَشْر فصاعداً، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراريّ والمفاوز، مما لا يرعاه سائر البهائم. وقيل: لمّا ذكر السُّرُر المرفوعة قالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل الله هذه الآية، وبين أن الإبل تَبْرُك حتى يحمل عليها ثم تقوم؛ فكذلك تلك السُّرُر تتطامن ثم ترتفع. قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما. وقيل: الإبل هنا القِطع العظيمة من السحاب؛ قاله المبرَّد. قال الثعلبيّ: وقيل في الإبل هنا: السحاب، ولم أجد لذلك ذلك أصلاً في كتب الأئمة. قلت: قد ذكر الأصمعيّ أبو سعيد عبدُ الملك بن قُرَيب، قال أبو عمرو: من قرأها «أفلا ينظُرون إِلى الإِبل كيف خُلِقت» بالتخفيف: عنى به البعير، لأنه من ذوات الأربع، يَبرُك فتحمل عليه الحَمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم. ومن قرأها بالتثقيل فقال: «الإبلِ»، عنى بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. وقال الماورديّ: وفي الإبل وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النَّعَم. الثاني: أنها السحاب. فإن كان المراد بها السحاب، فلِما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النَّعَم، فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حَلُوبة، ورَكُوبة، وأَكُولة، وحَمُولة. والإبل تجمع هذه الخِلال الأربع؛ فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم. وقال الحسن: إنما خصها الله بالذكر لأنها تأكل النَّوَى والقَتّ، وتخرج اللبن. وسئل الحسن أيضاً عنها وقالوا: الفيل أعظم في الأعجوبة: فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يُؤكل لحمه، ولا يُركب ظهره، ولا يحلب درّه. وكان شُرَيْح يقول: اخرجوا بنا إلى الكُناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خُلِقت. والإبل: لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها الهاء، فقلت: أُبيلة وغنيمة، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل: إِبْل، بسكون الباء للتخفيف، والجمع: آبال.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}؟ فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها، ونبهوا بذلك؛ لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت أي: كيف رفعها الله عز وجل عن الأرض هذا الرفع العظيم؛ كما قال تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} تفسير : [ق: 6] { وَإِلَى ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} أي: جعلت منصوبة؛ فإنها ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن { وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبه البدوي على الاستدلال بما يشاهده؛ من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق، المالك المتصرف، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه، وهكذا أقسم ضمام في سؤاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان ابن المغيرة عن ثابت عن أنس، قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد إنه أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «حديث : صدق» تفسير : قال: فمن خلق السماء؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: «حديث : الله» تفسير : قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «حديث : صدق» تفسير : قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: «حديث : صدق» تفسير : قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: «حديث : صدق» تفسير : قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئاً، ولا أنقص منهن شيئاً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن صدق ليدخلن الجنة.»تفسير : وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وعلقه البخاري ورواه الترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به ورواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس به بطوله، وقال في آخره: وأنبأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن صغير لها ترعى غنماً، فقال لها ابنها: يا أمه من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله، قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله، قال: فإني لأسمع لله شأناً، وألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يحدثنا هذا. قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيراً ما يحدثنا بهذا، في إسناده ضعف، وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني، ضعفه ولده الإمام علي بن المديني وغيره. وقوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم، {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40] ولهذا قال: { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: لست عليهم بجبار أي: لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» تفسير : ثم قرأ: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } وهكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، من حديث سفيان بن سعيد الثوري به بهذه الزيادة، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية. وقوله تعالى: { إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ} أي: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذه كقوله تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } ولهذا قال: { فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث عن سعيد بن أبي هلال عن علي بن خالد: أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله»تفسير : ، تفرد بإخراجه الإمام أحمد، وعلي بن خالد هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه، ولم يزد على ما ههنا، روى عن أبي أمامة، وعنه سعيد بن أبي هلال. وقوله تعالى: { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} أي: مرجعهم ومنقلبهم، { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم بها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. آخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلاَ يَنظُرُونَ } أي كفار مكة نظر اعتبار {إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }.
الماوردي
تفسير : {أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقت} الآيات، وفي ذكره لهذه ثلاثة أوجه: أحدها: ليستدلوا بما فيها من العبر على قدره الله تعالى ووحدانيته. الثاني: ليعلموا بقدرته على هذه الأمور أنه قادر على بعثهم يوم القيامة، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أن الله تعالى لما نعت لهم ما في الجنة عجب منه أهل الضلالة، فذكر لهم ذلك مع ما فيه من العجاب ليزول تعجبهم، قاله قتادة. وفي " الإبل" ها هنا وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النَعَم. الثاني: أنها السحاب، فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات الدالة على قدرة الله والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها من النَعَم فإن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات، لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم. ثم قال تعالى بعد ذلك " {فَذَكِّرْ إنّما أنت مُذكِّر} فيه وجهان: أحدهما: إنما أنت واعظ. الثاني: ذكّرهم النعم ليخافوا النقم. {لَسْتَ عليهم بِمُسْيْطِر} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لست عليهم بمسلط، قاله الضحاك. الثاني: بجبار، قاله ابن عباس. الثالث: برب، قاله الحسن، ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم على الإيمان. ثم قال: {إلاّ مَن تَولّى وكَفَر} فلست له بمذكر، لأنه لا يقبل تذكيرك، قاله السدي. الثاني: إلا من تولى وكفر فكِلْه غلى الله تعالى، وهذا قبل القتال، ثم أمر بقتالهم، قاله الحسن. وفي " تولَّى وكفر" وجهان: أحدهما: تولى عن الحق وكفر بالنعمة. الثاني: تولى عن الرسول وكفر بالله تعالى، قاله الضحاك. {فيُعذِّبه الله العذَابَ الأكْبَر} يعني جهنم. ويحتمل أن يريد الخلود فيها، لأنه يصير بالاستدامة أكبر من المنقطع. {إنّ إليْنا إيابَهُمْ} أي مرجعهم. {ثم إنّ علينا حِسابَهم} يعني جزاءَهم على أعمالهم، فيكون ذلك جامعاً بين الوعد والوعيد ثواباً على الطاعات وعقاباً على المعاصي.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفَلا يَنظُرُونَ} ذكر هذه الآيات ليستدلوا على قدرته على البعث وعلى وحدانيته أو لما نعت ما في الجنة عجب منه الضالون فذكر لهم عجائب صنعه ليزول تعجبهم. {الإِبِلِ} السحاب والأظهر أنها من النَّعَم وخصها لأن ضروب الحيوان أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة وقد جمعت الإبل هذه الخلال الأربع فكان الإنعام بها أعم وظهور القدرة فيها أتمّ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}، لما ذكر الله - تعالى - أمر الدارين تعجب الكفَِّار من ذلك، فكذبوا وأنكروا، فذكرهم الله صنعته، وقدرته، وأنه - تعالى - قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض، وذكر الإبل أولاً؛ لأنها كثيرة في بلاد العرب، ولم يروا الفيلة، فنبّههم تعالى على عظيم من خلقه، قد ذللـه للصغير من خلقه يقوده وينيخه وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء وينيخه وينهضه، ويجمل عليه الثقيل من الأحمال، وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم عظيماً من خلقه، يدلهم بذلك على توحيده، وعظيم قدرته تعالى. وعن بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير، وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها، ففكر، ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. قال ابنُ الخطيب: الإبل لها خواص، منها أنه - تعالى - جعل الحيوان الذي يقتني أنواعاً، فتارة يقتنى ليؤكل لحمه، وتارة ليشرب لبنه، وتارة ليحمل الناس في الأسفار، وتارة لنقل المتاع من بلد إلى بلد، وتارة للزِّينة والجمال، وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل، ثم إنها فاقت في كل خصلة من هذه الخصال غيرها من الحيوان المختص ببعضها، مع صبرها على العطش، وقطع المفاوز بالأحمال الثقيلة، وقناعتها في العلف بنبات البر، ولقد ضللنا الطريق في مفازة، فقدموا جملاً واتبعوه، فهداهم للطريق بعد زمان طويل، مع كثرة المعاطف والتلول، فانظر كيف ثبت واهتدى على ما عجزت عنه ذوو العقول. ومنها: أنه في غاية القوة والصبر على العمل. ومنها: أنها مع كونها كذلك منقادة للصَّب الصغير. ومنها: أنها تحمل وهي باركة، ثم تقوم بحملها، وهذه الصفات توجب على العاقل أن ينظر في خلقها وتركيبها، ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم جلت قدرته. فصل قال قتادةُ ومقاتلٌ وغيرهما: لما ذكر الله - تعالى - السرر المرفوعة، قالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل الله هذه الآية، وبيَّن أنَّ الإبل "تبرك" حتى يحمل عليها، ثم تقوم، فكذلك تلك السرر تتطامَنُ، ثم يرتفع. وقال المبرد: الإبل هنا: القطعُ العظيمة من السَّحاب. وقال الثعلبي: ولم أجد لذلك أصلاً في كتب الأئمة. قال القرطبي: قد ذكره الأصمعي أبو سعيد بن عبد الملك بن قريب، قال أبو عمرو: من قرأها: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} بالتخفيف، عنى بها: البعير؛ لأنها من ذوات الأربع، يبرك، فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع، لا يحمل عليه إلا وهو قائم، ومن قرأها بالتثقيل فقال: "الإبل" عنى بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. وقال الماورديُّ: وفي الإبل وجهان: أظهرهما: أنها "الإبل". والثاني: أنها "السحاب" فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النعم؛ فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة، والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة بها أتم. وقيل للحسن: الفيل أعظم في الأعجوبة, فقال: العرب بعيدة العهدِ بالفيل, ثم هو لا يؤكل لحمه, ولا يركب ظهره، ولا يحلب درّه. فصل في الكلام على الإبل الإبل: اسم جمع، واحده: بعير، وناقة، وجمل، ولا واحد لها من لفظها، وهو مؤنث، ولذلك تدخل عليه تاء التأنيث تصغيره، فيقال: أبيلة. قال القرطبيُّ: لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وربما قالوا للإبل: إبْل - بسكون الباء - للتخفيف، والجمع: آبال واشتقوا من لفظه، فقالوا: تأبل زيد، أي كثرت إبله. وتعجبوا من هذا، فقالوا: ما آبله! أي: ما أكثر إبله! وتقدم في سورة "الأنعام". قوله: "كَيْفَ": منصوب بـ "خُلِقتْ" على حد نصبها في قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ}، والجملة بدل من "الإبل" بدل اشتمال، فتكون في محل جر، وهي في الحقيقة معلقة بالنظر، وقد دخلت "إلى" على "كيف" في قولهم: "انظر إلى كيف يصنع"، وقد تبدل الجملة المشتملة على استفهام من اسم ليس فيه استفهام، كقولهم: "عرفت زيداً أبو من هو" على خلاف بين النحويين. وقرأ العامة: "خُلِقَتْ، ورُفِعَتْ، ونُصِبَتْ، وسُطِحَتْ" مبنياً للمفعول، والتاء ساكنة للتأنيث. وقرأ أمير المؤمنين، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، قال القرطبي: وابن السميفع وأبو العالية: "خلقتُ" وما بعده بتاء المتكلم، مبنياً للفاعل. والعامة على: "سُطِحَتْ" مخففاً. وقرأ الحسنُ وأبو حيوة وأبو رجاء: "سُطِّحَتْ" بتشديد الطاء وإسكان التاء. قال القرطبيُّ: وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز. قال القشيريُّ: وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. قوله: {وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}، أي: رفعت عن الأرض بغير عمدٍ بعيدة المدى. وقيل: رفعت فلا ينالها شيء. قوله: {وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} نصباً ثابتاً راسخاً لا يميل ولا يزول، وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 31]. قوله: {وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ممهدة، أي: بسطتْ ومدتْ، واستدل بعضهم بهذا على أن الأرض ليست بكرةٍ. قال ابنُ الخطيب: وهو ضعيف؛ لأن الكرة إذا كانت في غاية العطمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن قيل: ما المناسبة بين هذه الأشياء؟. فالجواب: قال الزمخشريُّ: من فسَّر الإبل بالسحاب، فالمناسبة ظاهرة، وذلك تشبيه ومجاز، ومن حملها على الإبل، فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين: الأول: أن القرآن نزل على العرب، وكانوا يسافرون كثيراً، وكانوا يسيرون عليها في المهامه والقفار، مستوحشين، منفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على التفكُّر في الأشياء؛ لأنه ليس معه من يحادثه، وليس هناك من يشغل به سمعه وبصره، فلا بد من أن يجعل دأبه الفكر، فإذا فكر في تلك الحال، فأوَّل ما يقع بصره على الجمل الذي هو راكبه، فيرى منظراً عجيباً، وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء، وإذا نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإذا نظر إلى تحت لم ير غير الأرض، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلودِ والانفراد، حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النَّظر. الثاني: أن جميع المخلوقات دالة على الصانع - جلت قدرته - إلا انها قسمان: منها ما للشهوة فيه حظّ كالوجه الحسن، والبساتين للنُّزهة، والذهب والفضة، ونحوها، فهذه مع دلالتها على الصَّانع، قد يمنع استحسانها عن إكمال النظر فيها. ومنها ما لا حظّ فيه للشهوة كهذه الأشياء، فأمر بالنظر فيها، إذ لا مانع من إكمال النظر.
التستري
تفسير : فقال تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}[17] وهو في الباطن أمر للمؤمنين بالتذلل والافتقار إليه، فقال: انظروا إلى الإبل كيف خلقت، مع خلقتها وقوتها كيف تنقاد لصبي يقودها فلا يكون لها تحير ولا لها دونها اختيار، فلا تعجز أن تكون لربك كالإبل لصاحبها، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : كن لربك كالجمل الأنف"تفسير : ، يعني المطاوع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: ولنا بهذا الخطاب أنه ليس له آلة ينظر بها إلى عجائب القدرة، ومبادئ العزة، كيف يطمع بهذه الآلة من الإشراف على الحق والعلم به كلاماً وصل إليه مستدلاً عليه بالعقل حتى أيده بالتوفيق، وأمره بالتحقيق، والتوفيق أوصله إليه، والعقل عاجز عن إدراك المكونات. فكيف لا يعجز عن تصحيح المكون، والأصل فى ذلك أنه لا دليل على الله سواه. وقال بعضهم: إشارة إلى من رئى إلى نفسه فى الحمل ولم يكن محمولاً كيف خُلِقْتَ؟ أى: كيف ميزت ممن كان محمولاً فى حاله، ووقته. وقال بعضهم: تعرف إلى العوام بأفعاله بقوله: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}، وتعرف إلى الخواص بصفاته قوله: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [النساء: 82]، وتعرف إلى الأنبياء بنفسه بقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 25]، وتعرف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بأخص التعريف بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ} تفسير : [الفرقان: 45].
البقلي
تفسير : اى فلا ينظرون الى احوال الارواح وهى حاملة الابدان والى سماء القلوب التى تبرز فيها نجم الغيوب كيف رفعت عن استراق اسماع الخواطر والهواجس الى جبال العقول التى تستقيم بها ارض النفوس والى ارض النفوس التى بسطت مهاد العبودية ومراكب الانوار الربوبية انظر كيف حالهم الى رؤية الافعال ولو كانوا على محل تحقيق المعارف والكواشف لكانوا مخاطبين بما خاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم بقوله الم تر الى ربك قال بعضهم تعرف الى العوام بافعاله افلا ينظرون الى الابل كيف خلقت وتعرف الى الخواص بصفاته بقوله افلا يتدبرون القرأن وتعرف الانبياء بنفسه بقوله وكذلك اوحينا اليك وما من امرنا وتعرف الى نبينا صلى الله عيه وسلم باخص التعريف بقوله الم تر الى ربك قال بعضهم فى قوله والى الجبال كيف نصبت اشارة الى قلوب العارفين كيف طاقت حمل المعرفة قال بعضهم فى قوله الى السماء كيف رفعت الى الارواح كيف قسموا باربابها الى محل القدس وقيل الى الارواح كيف حالت فى العيوب قال الحسين الى الاسرار كيف اشرقت بالمكاشفات قال بعضهم فى قوله والى الارض كيف سطحت الى العقلاء كيف احتملوا مؤنة الجهال.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفلا ينظرون الى الابل كيف خلقت} الهمزة للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام والابل بكسرتين وتسكن الباء واحد يقع على الجمع وليس يجمع ولا اسم جمع والجمع آبال كما فى القاموس وقال بعضهم اسم جمع لا واحد لها من لفظها وانما واحدها بعير وناقة وجمل وكلمة كيف منصوبة بما بعدها معلقة لفعل النظر والجملة فى حيز الجر على انها بدل اشتمال من الابل اى أينكرون ما ذكر من البعث وأحكامه ويستبعدون وقوعه عن قدرة الله فلا ينظرون نظر اعتبار الى الابل التى هى نصب عينهم يستعملونها كل حين انها كيف خلقت خلقا بديعا معدولا به عن سنن خلقة سائر انواع الحيوانات فى عظم جثتها وشدة قوتها وعجيب هيئتها اللائقة بتأنى ما يصدر عنها من الافاعيل الشاقة كالنهوض من الارض بالاوقار الثقيلة وجر الاثقال الفادحة الى الاقطار النازحة وفى صبرها على الجوع والعطش حتى ان ظمئها ليبلغ العشر فصاعدا واكتفاءها باليسير ورعيها لكل ما تيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم وفى انقيادها مع ذلك للانسان فى الحركة والسكون والبروك والنهوض حيث يستعملها فى ذلك كيفما يشاء ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير وتبول من خلفها الان قائدها امامها فلا يترشش عليه بولها وعنقها سلم اليها وتتأثر من المودة والغرام وتسكر منهما الى حيث تنقطع عن الاكل والشرب زمانا ممتدا وتتأثر من الاصوات الحسنة والحدآ وتصير من كمال التأثر الى حيث تهلك نفسها من سرعة الجرى ويجرى الدمع عينيها عشاقا وغراما يبر رومى فرموده است. شعر : برخوان أفلا ينظر تاقدرت ما بينى يكره بشتر بنكر تاصنع خدا بينى درخار خورى قانع دربار برى راضى اين وصف اكرجويى در اهل صفا بينى تفسير : ولم يذكر الفيل مع انه اعظم خلقة من الابل لانه لم يكن بأرض العرب فلم تعرفه ولا يحمل عليه عادة ولا يحلب دره ولا يؤمن ضره. بخلاف شتركه هرجه مطلوبست از حيوان مثل نسل وحمل وشير ولحم وركوب هم از وحاصل است. وقال بعض العلماء ذكر الله الجنة وما اتخذ فيها من المنازل الرفيعة والسرر العالية التى سمكها كذا وكذا ذراعا قالوا فكيف يقعد أحدها عليها وقامته قصيرة وهو لا يكاد يرقى سطحا بغير سلم وتعجب المشكرون منه وأيضا. كفتند بطريق سخريت كه اكراين واقعست بس بلال وخباب امثال ايشانراكار افتاد زبرا بسى زحمتبايد تابرابالاى آن تخت بلند روند وبسى فرصت بايدتا ازان فرود آيند اين آيت أمدكه أفلا ينظرون الخ يعنى شتربا آن همه بلندى وبزركى برشته مسخر كودكى ميشود تابرد برآيد وفرود جرا ارتخت بهشت متعجب ميشوندكه درفرمان بهشتى باشد.
الجنابذي
تفسير : {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} لمّا وصف الله تعالى الجنّة وما فيها كان ينبغى ان يشتاق النّفوس اليها ويسأل عمّا دلّ عليها وعلى بقاء النّفوس فيها، فقال تعالى جواباً عن هذا السّؤال: ينبغى ان ينظروا الى الابل وعجائب خلقتها، فانّ الله تعالى خلقها عظيمة الجثّة بحيث تحمل احمالاً ثقيلة، تبرك للحمل، وتنهض بالحمل، تتحمّل الجوع والعطش حتّى تقوى على قطع المفاوز البعيدة، منقادة للاطفال مع عظم جثّتها، طويلة العنق حتّى يتأتّى لها ان ترعى النّبات قائمة من غير حاجةٍ الى البروك ترعى كلّما تنبت من الارض حتّى يتأتّى لها البقاء فى كلّ صقعٍ من الارض.
الأعقم
تفسير : {أفلا ينظرون} يتفكرون {إلى الإِبل كيف خلقت} وكيف قدرها الله وما فيها من المنافع {وإلى السماء كيف رفعت} {وإلى الجبال كيف نصبت} {وإلى الأرض كيف سطحت} {فذكّر} قيل: ذكرهم هذه الأدلة ومرهم بالاستدلال، وقيل: ذكرهم الوعد والوعيد إنما بعثت للتذكر {لست عليهم بمصيطر} قيل: بجبار، وقيل: بمتسلط، قال بعضهم: كان هذا قبل نزول آية الجهاد ثم نسخ بآية القتال، وقيل: لا نسخ فيه لأن الجهاد ليس بإكراه ولمكان الاستثناء، وقيل: للتذكر والقبول عليهم {إلاَّ من تولَّى} استثناء منقطع ومعناه لكن من تولى، وقيل: استثناء صحيح راجع إلى قوله: {مصيطر} يعني {إلا من تولى وكفر} فإنك مصيطر عليهم بالجهاد، وقيل: بل هو راجع إلى قوله: {فذكر} قومك {إلا من تولى} وأعرض فلا تنفعه الذكرى {فيعذبه الله العذاب الأكبر} وهو عذاب النار {إن إلينا إيابهم} يعني رجوعهم لا يفُوتون {ثم إن علينا حسابهم} فنجازيهم بما عملوا.
اطفيش
تفسير : {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ} اي كفار مكة نظرا اعتبار *{إِلَى الإِبِلِ} وجملة *{كَيْفَ خُلِقَتْ} مستأنفة في التعجيب بأمرها أو بدل من الإبل اشتمال أي أفلا ينظرون الى كيفية خلقتها. قال ابن هشام لا يكون كيف بدلا من الإبل لأن دخول الجار على كيف شاذ ومسموعا في على لا في الى ولأن الى متعلقة بما بعدها فيلزم أن يعمل في الإستفهام فعل متقدم عليه ولأن الجملة التي بعدها تصير غير مرتبطة وإنما هي منصوبة بما بعدها على الحال، وفعل النظر متعلق بها وهي وما بعدها بدل من الإبل بدل اشتمال والمعنى الى الإبل كيفية خلقها انتهى. وفي الإبل تدبير عجيب تنهض بالأثقال الى البلاد البعيدة وتبرك بالحمل وتنهض به وتنقاد الى كل من قادها لا تصيح على ضعيف ولا تمانع صغيرا وبرائها طوال العناق لتنوء بالأوقار وترعى كل نابتة في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم وتحتمل العطش الى عشر فأكثر وخصت بالذكرر من بين سائر الحيوانات لأن نفعها أعظم ولأنها أعجب عند العرب وأعز أموالها وكان شريح القاضي يقول لأصحابه اخرجوا بنا الى الكناسة حتى ننظر الى الإبل كيف خلقت، وعن سعيد بن جبير قال لقيت شريحا القاضي فقلت أين تريد؟ قال أريد الكناسة قلت وما تصنع بها قال أنظر الى الإبل كيف خلقت وفي الإبل ما افترق في غيرها من لحمها ولبنها والحمل عليها وركوبها ونتاجها وزينة. وعن قتادة لما ذكر الله ارتفاع سرر الجنة قالوا كيف يصعدها الصاعد؟ فأنزل الله الآية فإنها تبرك وتركب وكذا سرير الجنة وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال إن الفيل العرب بعيدة العهد به ثم هو لا خير فيه لأنه لا يركب ظهره عادة ولا يأكل لحمه ولا يحلب دره وحدثوا حكيما لم ينشأ في بلاد الإبل عن بديع أمر الإبل ففكر ثم قال يوشك أن تكون طوال العناق، وحدثني شيخي أن هذا نصراني لا أقام الله للنصارى قائمة ببركة كل اسم من اسمائه وهي في البر كالسفن في البحر وبدأ بالإبل لأن العرب أشد ملابسة لها ولا يفارقونها ليلا ولا نهارا ظعنا وسفرا والأرض ولو كانوا ألصق بها لا ينظرون اليها نظرهم الى الإبل، وقال المبرك الإبل هنا السحاب لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتي إرسالا كالإبل، وفي كلامه إشارة الى أن تسميتها إبلا مجاز تشبيه لا حقيقة ودعاه الى ذلك طلب مناسبتها للسماء والجبال والأرض والجمهور أن الإبل الجمال والمناسبة موجودة فإن هذه الأشياء قد انتظمت في نظر العرب في أوديتهم وبواديهم.
الالوسي
تفسير : استئناف مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية وما هو مبني عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال لما نعت الله تعالى ما في الجنة عجب من ذلك أهل الضلالة فأنزل سبحانه وتعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ } الخ ويرجع هذا في الآخرة إلى إنكار البعث كما لا يخفى. والهمزة للإنكار والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر / يقتضيه المقام. وكلمة (كيف) منصوبة بما بعدها على أنها حال من مرفوع {خُلِقَتْ} كما في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 28] معلقة لفعل النظر. والجملة بدل اشتمال من (الإبل) وقد تبدل الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها كقولهم: عرفت زيداً أبو من هو؟ على أصح الأقوال على أن العرب قد أدخلت إلى على (كيف) بلا واسطة إبدال كما أدخلت عليها على فحكي عنهم أنهم قالوا: انظر إلى كيف يصنع؟ كما حكي عنهم أنهم قالوا على كيف تبيع الأحمرين؟ وذكر أبو حيان في «البحر» و«التذكرة» وغيرهما أنه إذا علق الفعل عما فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته. وقيل (كيف) بدل من (الإبل) وتعقبه في «المغني» بما في بعضه نظر وجوز في «مجمع البيان» كونها في موضع نصب على المصدر وهو كما ترى. والإبل يقع على البعران الكثيرة ولا واحد له من لفظه وهو مؤنث ولذا إذا صغر دخلته التاء فقالوا أبيلة وقالوا في الجمع آبال وقد اشتقوا من لفظه فقالوا أبل وتأبل الرجل وتعجبوا من هذا الفعل على غير قياس فقالوا ما آبل زيداً ولم يحفظ سيبويه فيما قيل اسماً جاء على فعل بكسر الفاء والعين غير إبل. أي أينكرون ما أشير إليه من البعث وأحكامه ويستبعدون وقوعه من قدرة الله عز وجل فلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب أعينهم يستعملونها كل حين كيف خلقت خلقاً بديعاً معدولاً به عن سنن خلق أكثر أنواع الحيوانات في عظم جثتها وشدة قوتها وعجيب هيآتها اللائقة بتأتي ما يصدر عنها من الأفاعيل الشاقة كالنوء بالأوقار الثقيلة وهي باركة وإيصالها الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة وفي صبرها على الجوع والعطش حتى إن ؟أظماءها ليبلغ العشر بكسر فسكون وهو ثمانية أيام بين الوِرْدَيْنِ وربما يجوز ذلك وتسمى حينئذٍ الحوازى بالحاء المهملة والزاي واكتفائها باليسير ورعيها لكل ما يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم وفي انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض حيث يستعملها في ذلك كيف يشاء ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير وفي تأثرها بالصوت الحسن على غلظ أكبادها إلى غير ذلك. وخصت بالذكر لأنها أعجب ما عند العرب من الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً ولهم على أحوالها أتم وقوف. وعن الحسن أنها خصت بالذكر لأنها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال العرب بعيدة العهد بالفيل ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ولا يركب ظهره أي على نحو ما يركب ظهر البعير من غير مشقة في ترييضه ولا يحلب دره. وقال أبو العباس المبرد الإبل هنا السحاب لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتي أرسالاً كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل وهي في هيآتها أحياناً تشبه الإبل يعني أن إرادته منها هنا على طريق التشبيه والمجاز، وكأنه كما قال الزمخشري لم يدع القائل بذلك إلا طلب المناسبة بين المتعاطفات على ما يقتضيه قانون البلاغة وهي حاصلة مع بقاء الإبل في عطنها. قال الإمام التناسب فيها أن الكلام مع العرب وهم أهل أسفار على الإبل في البراري فربما انفردوا فيها والمنفرد يتفكر لعدم رفيق يحادثه وشاغل يشغله فيتفكر فيما يقع عليه طرفه فإذا نظر لما معه رأى الإبل وإذا نظر لما فوقه رأى السماء وإذا نظر يميناً وشمالاً رأى الجبال وإذا نظر لأسفل رأى الأرض فأمر بالنظر في خلوته لما يتعلق به النظر من هذه الأمور فبينها مناسبة بهذا الاعتبار. وقال عصام الدين: إن خيال العرب جامع بين الأربعة لأن مالهم النفيس الإبل ومدار السقي لهم على السماء ورعيهم في الأرض وحفظ مالهم بالجبال وما ألطف ذكر الإبل بعد ذكر الضريع فإن خطورها بعده على طرف الثمام وإذا صح ما روي من كلام قريش عند نزول تلك الآية كان ذكرها ألطف وألطف. وقرأ الأصمعي عن أبـي عمرو (إلى الإبل) بسكون الباء وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما (إبل) بتشديد اللام ورويت عن أبـي عمرو وأبـي جعفر والكسائي وقالوا إنها السحاب عن قوم من أهل اللغة.
ابن عاشور
تفسير : لما تقدم التذكير بيوم القيامة ووصف حال أهل الشقاء بما وصفوا به، وكان قد تقرر فيما نزل من القرآن أن أهل الشقاء هم أهل الإشراك بالله، فُرع على ذلك إنكارٌ عليهم إعراضَهم عن النظر في دلائل الوحدانية، فالفاء في قوله: {أفلا ينظرون} تفريع التعليل على المعلل لأن فظاعة ذلك الوعيد تجعل المقام مقام استدلال على أنهم محقوقون بوجوب النظر في دلائل الوحدانية التي هي أصل الاهتداء إلى تصديق ما أخبرهم به القرآن من البعث والجزاء، وإلى الاهتداء إلى أن منشىء النشأة الأولى عن عدم بما فيها من عظيم الموجودات كالجبال والسماء، لا يُستبعد في جانب قدرته إعادة إنشاء الإِنسان بعد فنائه عن عدم، وهو دون تلك الموجودات العظيمة الأحجام، فكانَ إعراضهم عن النظر مجلبة لما يجشمهم من الشقاوة وما وقع بين هذا التفريع، وبين المفرع عنه من جملة: { أية : وجوه يومئذ ناعمة } تفسير : [الغاشية: 8] كانَ في موقع الاعتراض كما علمت. فضمير {ينظرون} عائد إلى معلوم من سياق الكلام. والهمزة للاستفهام الإِنكاري إنكاراً عليهم إهمال النظر في الحال إلى دقائق صنع الله في بعض مخلوقاته. والنظر: نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور، وتعديته بحرف (إلى) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق، فإن قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا، لما في (إلى) من معنى الانتهاء حتى كأنَّ النظر انتهى عند المجرور بــــ (إلى) انتهاءَ تمكن واستقرارٍ كما قال تعالى: { أية : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } تفسير : [الأحزاب: 19] وقوله: { أية : إلى ربها ناظرة } تفسير : [القيامة: 23]. ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإِهمال قُيّد فعل {ينظرون} بالكيفيات المعدودة في قوله: {كيف خلقت}، {كيف رُفعت}، {كيف نصبت}، {كيف سُطحت} أي لم ينظروا إلى دقائق هيئات خَلقها. وجملة: {كيف خلقت} بدل اشتمال من الإِبل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو فعل {ينظرون} لاَ حرف الجر، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا يحتاج إليه في العمل في البدل، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما يقتضيه إعمال التابع فكلٌّ على ما يقتضيه معناه وموقعه، فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه. والمعنى والتقديرُ: أفلا ينظرون إلى الإِبلِ هيئةِ خَلْقِها. وقد عُدّت أشياءُ أربعة هي من النَّاظرين عن كَثب لا تغيب عن أنظارهم، وعُطف بعضها على بعض، فكان اشتراكها في مرْآهم جهةً جامعة بينها بالنسبة إليهم، فإنهم المقصودون بهذا الإِنكار والتوبيخ، فالذي حسَّن اقتران الإِبل مع السماء والجبال والأرض في الذكر هنا، هو أنها تنتظم في نظر جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر والانتجاع. فالإبل أموالهم ورواحلهم، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمّالة أثقالهم، وقد خلقها الله خلقاً عجيباً بقوة قوائمها ويُسْر بُروكها لتيسير حمل الأمتعة عليها، وجَعَل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك، وجعل في بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في السير في المفاوز مما يَهلك فيما دونه غيرها من الحيوان. وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة من طِوالهم عن وصف الرواحل ومزاياها. وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة كعب بن زهير. و{الإِبل}: اسم جمع للبُعران لا واحد له من لفظه، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما } تفسير : في سورة الأنعام (146). وعن المبرد أنه فسر الإِبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوَّله الزمخشري بأنه لم يرد أن الإِبل من أسماء السحاب ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه، أي هو على نحو قول عنترة: شعر : جادت عليه كل بِكر حرّة فتركن كل قرارة كالدرهم تفسير : ونُقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق، فقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء، قال زيادة الحارثي (على تردد لشراح الحماسة في تأويل قوله، بنو ماء السماء): شعر : ونَحن بنو ماء السماء فلا نَرى لأنفسنا من دون مملكة قَصر تفسير : وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هَاجَر فقال أبو هريرة في آخرها: إنها لأمّكم يا بني ماء السماء ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل والنهار ووجهة السير. وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جَبَلَي أجإ وسلمى لطَي. وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة. والنصْب: الرفع أي كيف رُفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل. وثم نُزِل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم، وقد سَطَحها الله، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع. ومعنى {سُطحت}: سُويت يقال: سَطَح الشيء إذا سوّاه ومنه سَطْح الدار. والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية. وبُنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك.
الشنقيطي
تفسير : توجيه الأنظار إلى تلك المذكورات الأربعة، لما فيها من عظيم الدلائل على القدرة وعلى البعث وثم الإقرار لله تعالى بالوحدانية والألوهية، نتيجة لإثبات ربوبيته تعالى لجميع خلقه. أما الإبل فلعلها أقرب المعلومات للعرب وألصقها بحياتهم في مطعمهم من لحمها ومشربهم من ألبانها، وملبسهم من أوبارها وجلودها، وفي حلهم وترحالهم بالحمل عليها مما لا يوجد في غيرها في العالم كله لا في الخيل ولا في الفيلة، ولا في أي حيوان آخر، وقد وجه الأنظار إليها مع غيرها في معرض امتنانه تعالى عليهم في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} تفسير : [يس: 71-73]. وكذلك في خصوصها في قوله: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 5-7]. إنها نعم متعددة ومنافع بالغة لم توجد في سواها ألبتة، وكل منها دليل على القدرة بذاته. أما الحبال فهي مما يملأ عيونهم في كل وقت ويشغل تفكيرهم في كل حين، لقربها من حياتهم في الأمطار والمرعى في سهولها، والمقيل في كهوفها وظلها، والرهبة والعظمة في تطاولها وثباتها في مكانها. وقد وجه الأنظار إليها أيضاً في موطن آخر في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً * وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 6-7]، ثوابت، كما بين تعالى أنها، رواسي للأرض أن تميد بكم {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 32-33]. فهي مرتبطة بحياتهم وحياة أنعامهم كما أسلفنا. أما السماء ورفعها أي ورفعتها في خلقها وبدون عمد ترونها وبدون فطور أو تشقق على تطاول زمنها، فهي أيضاً محط أنظارهم، وملتقى طلباتهم في سقيا أنعامهم. ومعلوم أن خلق السماء والأرض من آيات الله الدالة على البعث، كما تقدم مراراً. وتقدم للشيخ عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 164 وآل عمران: 190] الآية. بيان كونها آية. أما الأرض وكيف سطحت، فإن الآية فيها مع عمومها كما في قوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]. وقوله: {أية : كَيْفَ سُطِحَتْ} تفسير : آية ثابتة، لأن جرمها مع إجماع المفسرين على تكويرها، فإنها ترى مسطحة أي من النقطة التي هي في امتداد البصر، وذلك يدل على سعتها وكبر حجمها، لأن الجرم المتكور إذا بلغ من الكبر والضخامة حداً بعيداً يكاد سطحه يرى مسطحاً من نقطة النظر إليه، وفي كل ذلك آيات متعددات للدلالة على قدرته تعالى على بعث الخلائق، وعلى إيقاع ما يغشاهم على مختلف أحوالهم. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه التنبيه على هذا المعنى، عند الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [يونس: 101] الآية. من سورة يونس. تنبيه التوجيه هنا بالنظر إلى الكيفية في خلق الإبل ونصب الجبال، ورفع السماء، وتسطيح الأرض، مع أن الكيفية للحالة، والله تعالى لم يشهد أحداً على شيء من ذلك كله {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الكهف: 51]. فكيف يوجه السؤال إليهم للنظر إلى الكيفية وهي شيء لم يشهدوه. والجواب والله تعالى أعلم: هو أنه بالتأمل في نتائج خلق الإبل، ونصب الجبال إلخ. وإن لم يعلموا الكيف، بل ويعجزون عن كنهه وتحقيقه، فهو أبلغ في إقامة الدليل عليهم، كمن يقف أمام صنعة بديعة يجهل سر صنعتها، فيتساءل كيف تم صنعها؟ وقد وقع مثل ذلك وهو الإحالة على الأثر بدلاً من كشف الكنه والكيف، وذلك في سؤال الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربه، أن يريه كيف يحيي الموتى. فكان الجواب: أن أراه الطيور تطير، بعد أن ذبحها بيده وقطعها، وجعل على كل جبل منها جزءاً. فلم يشاهد كيفية وكنه، وحقيقة الإحياء، وهو دبيب الروح فيها وعودة الحياة إليها. لأن ذلك ليس في استطاعته، ولكن شاهد الآثار المترتبة على ذلك، وهي تحركها وطيرانها وعودتها إلى ما كانت عليه قبل ذبحها. مع أنه كان للعزيز موقف مماثل وإن كان أوضح في البيان حيث شاهد العظام وهو سبحانه ينشزها، ثم يكسوها لحماً. والله تعالى أعلم. أما قوله تعالى بعد ذلك {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : فإن مجيء هذا الأمر بالفاء في هذا الموطن، فإنه يشعر بأن النظر الدقيق والفكر الدارس، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الاستدلال على وجود الله وعلى قدرته، كما نطق مؤمن الجاهلية قس بن ساعدة في خطبته المشهورة: ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة. فقد ذكر السماء والجبال والأرض. وكقول زيد بن عمرو بن نفيل: مؤمن الجاهلية المعروف شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً دحاها فلما استوت شدها سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا تفسير : فكان على هؤلاء العقلاء أن ينظروا بدقة وتأمل، فيما يحيط بهم عامة. وفي تلك الآيات الكبار خاصة، فيجدون فيها ما يكفيهم. كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : فإذا لم يهدهم تفكيرهم ولم تتجه أنظارهم. فذكرهم إنما أنت مذكر. وهذا عام، أي سواء بالدلالة على القدرة من تلك المصنوعات أو بالتلاوة من آيات الوحي. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفلا ينظرون: أي أينكرون البعث فلا ينظرون نظر اعتبار. إلا الإبل كيف خلقت: أي خلقا بديعا معدولا به عن سنن سائر المخلوقات. وإلى السماء كيف رفعت: أي فوق الأرض بلا عمد ولا مستند. وإلى الجبال كيف نصبت: أي على وجه الأرض نصباً ثابتا لا يتزلزل. وإلى الأرض كيف سطحت: أي بسطت. فذكر: أي ذكرهم بنعم الله ودلائل توحيده. بمسيطر: أي بمسلط. معنى الآيات: قوله تعالى {أَفَلاَ يَنظُرُونَ} أي أينكرون البعث والجزاء وما أعد الله لأوليائه من النعيم المقيم وما أعد لأعدائه من عذاب الجحيم. أفلا ينظرون نظرة اعتبار إلى الإِبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت فهل خلق الإِبل على تلك الصورة العجيبة وذاك التسخير لها وما فيها من منافع إذ يشرب لبنها ويركب ظهرها ويؤكل لحمها لا يدل على قدرة الخالق على إحياء الموتى وهل خلق السماء بكواكبها وشمسها وقمرها ثم رفعها بغير عمد يدعمها ولا سند يسندها لا يدل على قدرة الله على بعث الموتى أحياء ليحاسبهم ويجزيهم، وهل نصب الجبال بعد خلق ترابها وإيجاد صخورها لا يدل على قدرة الله خالقها على بعث الرمم وإحياء الأجساد البالية كيف شاء ومتى شاء وهل خلق الأرض بكل ما فيها ثم بسطها وتسطيحها للحياة عليها والسير فوقها وتعميرها بأنواع العمران لا يدل على قدرة الله على البعث والجزاء. فما للقوم لا ينظرون ولا يفكرون وقوله تعالى {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} بعد لفت أنظار المشركين إلى ما لو نظروا إليه وتفكروا فيه لاهتدوا إلى الحق وعرفوا أن الخالق لكل شيء لا يعجزه بعث عباده ولا جزاؤهم. أمر رسوله أن يقوم بالمهمة التي أنيطت به وهي التذكير دون الهداية التي هي لله وحده دون سواه فقال له {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} أي ذكر بمظاهر قدرتنا وآياتنا في الآفاق وآلائنا على العباد إنما أنت مذكر ليس غير. وقوله {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} أي بمتسلط تجبرهم على الإِيمان والاستقامة وقوله {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} أي لكن من تولى عن الإِيمان فكفر بآياتنا ورسولنا ولقائنا فيعذبه الله العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة. وقوله تعالى {إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} أي رجوعهم إلينا لا إلى غيرنا. {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} لا على غيرنا {حِسَابَهُمْ} ومن ثم سوف نجزيهم الجزاء اللائق بهم، ولذا فلا يضرك يا رسولنا إعراضهم ولا توليهم. وحسبك تذكيرهم فمن اهتدى نجا ونجاته لنفسه، ومن ضل فإِنما يضل عليها إذ عاقبة ضلاله وهي الخسران التام عائدة عليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء بالدعوة إلى النظر إلى الأدلة الموجبة للإِيمان به. 2- بيان أن الداعي إلى الله تعالى مهمته الدعوة دون هداية القلوب فإِنها إلى الله تعالى وحده. 3- بيان أن مصير البشرية إلى الله تعالى وهي حال تقتضي الإِيمان به تعالى وطاعته طلبا للنجاة من عذابه والفوز برحمته. وهو مطلب كل عاقل لو أن الناس يفكرون.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - أَيُنْكِرُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ قُدْرَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِ الخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَأَمَامَهُمُ الإِبلُ - الجِمَالُ - وَفِي خَلْقِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقهَا وَقُدْرَتِهِ؟ فَالإِبلُ مِنْ أَضْخَمِ الحَيَوَانَاتِ، وَأَكْثَرِهَا قُوَّةً، وَأَكْبَرِهَا احْتِمَالاً، تَحْتَمِلُ العَطَشَ وَالجُوعَ، وَتَكْتَفِي بِاليَسِيرِ مِنَ المَرْعَى وَالمَاءِ فَمَنْ خَلَقَهَا، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالجِبَالَ وَالأَرْضَ.. لقَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَبَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ. أَفَلاَ يَنْظُرُونَ - أَفَلاَ يَتَأَمَّلُونَ فَيُدْرِكُونَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} معناه كَيف تقَوم بحَملِها وهي بَاركةٌ. ويقال الإِبلُ: السَّحابُ.
الجيلاني
تفسير : {أَ} ينكرون ويستبعدون أولئك البعداء، المنكرون، المفرطون قدرة الله القدير الحكيم على أمثال هذه المقدورات {فَلاَ يَنظُرُونَ} بنظر التأمل والاعتبار {إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17] على الهيكل الغريب والشكل العجيب تحمل كثيراً وتأكل قليلاً وتصير منقادة لكل أحد حتى النسوان والصبيان مع عظمة جسمها وكمال قوتها وقدرتها وتتحمل على الجوع والعطش مدة، وتتأثر من المودة والغرام، وتسكر منها إلى حيث تنقطع عن الأكل والشرب زماناً ممتداً، وتتأثر أيضاً من أحسن الأصوات والحدي، وصارت من كمال التأثر إلى حيث تهلك نفسها من سرعة الجري، وتجري الدمع من عينها، وبالجملة: ظهر منها حين حُدي عليها عجائب كثيرة، يتفطن بها أهل العبر والاستبصار. {وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} [الغاشية: 18] بلا عمد وأساندي منثورة عليها من الكواكب التي لا ندرك حقائقها وأوصافها وأشكالها وطبائعها وحالاتها، وما لنا منها إلاَّ الحيرة والنظر على وجه العبر. {وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ} الرواسي {كَيْفَ نُصِبَتْ} [الغاشية: 19] على وجه الأرض مشتملة على معادن ومياه وأجسام. {وَإِلَى ٱلأَرْضِ} التي هي مقر أنواع الحيوانات وأصناف المعادن وأنواع النباتات {كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 20] مهدت وبسطت. ومع وضوح هذه المقدورات العظيمة الشأن، الصادرة من الحكيم المنان ذي الطول والإحسان، ينكرون قدرته سبحانه على المقدورات الأخروية، فالعجب كل العجب عمن شهد آثار القدرة الغالبة الإلهية في نفسه وفي الآفاق، فتردد في المقدورات الأخر الأخروية وأنكر عليها. وما ذلك إلاَّ من ظلمَّات الأُلف والعادات المترتبة على الأوهام والخيالات الباطلة والطارئة على أهل الغفلة والضلال، المسجونين في سجن الإمكان بأنواع الخيبة والخسران وإلاَّ فظهور آثار القدرة الغالبة الإلهية أجل وأعلى من أن تتردد فيه الآراء، أو تنكر عليه الأهواء، وبالجملة: {أية : مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. وبعدما سمعت ما سمعت من كمال قدرة الله {فَذَكِّرْ} يا أكمل الرسل بالقرآن بمقتضى ما أُمرت به وأُلهمت {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21] مبلغـ فلا بأس عليك إن لم ينظروا ولم يعتبروا، ما عليك إلاَّ البلاغ، فلا تقصر في تبليغك. إذ {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغشية: 22] مسلط، ملزم، مكره للقبول ألبتة. {إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ} يعني: لكن من أعرض وبغى بعد تذكيرك وتبليغك {وَكَفَرَ} [الغاشية: 23] وطغى بما سمعك منك، واستهزأ معك وكذبك. {فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ} العزيز الحكيم المقتدر على وجوه الانتقام {ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} [الغاشية: 24] الذي لا عذاب أعظم منه وأشد، وهو حرمانهم عن رتبة الخلافة وخلودهم في نار القطيعة بأنواع الخذلان والخسران، وبالجملة: بلغ يا أكمل الرسل جميع ما أنزل إلأيك على كافة البرية، ولا تبال بإعراضهم وتكذيبهم. {إِنَّ إِلَيْنَآ} لا إلى غيرنا من الوسائل والأسباب العادية {إِيَابَهُمْ} [الغاشية: 25] ورجوعهم، كما أن منَّا مبدأهم وصدورهم. {ثُمَّ} بعدما رجعوا إلينا صاغرين {إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 26] على أعمالهم التي صدرت عنهم في نشأة الاختبار، وبعدما حاسبناهم، جزيناهم أحسن الجزاء إن كانوا من أصحاب اليمين، وعذبناهم بأنواع العذاب والنكال إن كانوا من أصحاب الشمال. رب يسر حسابك علينا، وقنا عذابك، إنك أنت الرءوف الرحيم. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتوجه نحو الحق، الحقيق بالتوجه والرجوع أن ترجع إلى الله قبل حلول الأجل المقدر للقيامة الصغرى والكبرى، وتفوض أمورك كلها إليه سبحانه بالإرادة والرضا، وتنخلع عن لوازم ناستوك بالمرة. وبالجملة: عليك أن تتصف بالموت الإرادي قبل حلول الأجل الاضطراري الطبيعي، حتى تكون عند ربك دائماً وفي كنف حفظه وجواره بلا انتظار منك إلى الطامة الكبرى والحساب والجزاء، ولا يتيسر عليك هذا إلاَّ بتوفيق الله وجذب من جانبه، فلك السعي والاجتهاد، والله الملهم للرشاد والهادي إلى سبيل السداد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى حثًا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون إليها. { وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } بهيئة باهرة، حصل بها استقرار الأرض وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المنافع [الجليلة] ما أودع. { وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } أي: مدت مدًا واسعًا، وسهلت غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد فيها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كما هو مذكور معروف عند أكثر الناس، خصوصًا في هذه الأزمنة، التي وقف الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدًا، الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر. وأما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر والسعة، فيكون كرويًا مسطحًا، ولا يتنافى الأمران، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة. { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ } أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرًا عليهم، مسلطًا موكلا بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } . وقوله: { إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ } أي: لكن من تولى عن الطاعة وكفر بالله { فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ } أي: الشديد الدائم، { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } أي: رجوع الخليقة وجمعهم في يوم القيامة. { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } فنحاسبهم على ما عملوا من خير وشر. آخر تفسير سورة الغاشية، والحمد لله رب العالمين
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):