Verse. 5994 (AR)

٨٩ - ٱلْفَجْر

89 - Al-Fajr (AR)

وَالْفَجْرِ۝۱ۙ
Waalfajri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والفجر» أي فجر كل يوم.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لا بد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد، أو فائدة دنيوية توجب بعثاً على الشكر، أو مجموعهما، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافاً شديداً، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين، وأكثر منفعة في الدنيا. أما قوله: {وَٱلْفَجْرِ } فذكروا فيه وجوهاً أحدها: ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، أقسم الله تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل، وهذا كقوله: {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}تفسير : [المدثر: 34] وقال في موضع آخر، {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } تفسير : [التكوير: 18] وتمدح في آية أخرى بكونه خالقاً له، فقال: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ }تفسير : [الإنعام: 96] ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع، نظيره: {أية : وَٱلضُّحَىٰ }تفسير : [الضحى: 1] وقوله: {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ }تفسير : [الليل: 2] وثانيها: أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى: {أية : إن قرآن الفجر كان مشهوداً}تفسير : [الإسراء: 78] أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح وثالثها: أنه فجر يوم معين، وعلى هذا القول ذكروا وجوهاً الأول: أنه فجر يوم النحر، وذلك لأن أمر المناسك من خصائص ملة إبراهيم، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتي الإنسان فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القربان، كما قال تعالى: {أية : وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }تفسير : [الصافات: 107] الثاني: أراد فجر ذي الحجة لأنه قرن به قوله: {وَلَيالٍ عَشْرٍ } ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة الثالث: المراد فجر المحرم، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أموراً كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة، وفي الخبر "حديث : إن أعظم الشهور عند الله المحرم"، تفسير : وعن ابن عباس أنه قال: فجر السنة هو المحرم فجعل جملة المحرم فجراً ورابعها: أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه، وفيها حياة الخلق، أما قوله: {وَلَيالٍ عَشْرٍ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم الله به لأنها ليال مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة. المسألة الثانية: ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بهذا النسك في الجملة، وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر وثانيها: أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به الأخبار وثالثها: أنها العشر الأواخر من شهر رمضان، أقسم الله تعالى بها لشرفها وفيها ليلة القدر، إذ في الخبر "حديث : اطلبوها في العشر الأخير من رمضان"، تفسير : وكان عليه الصلاة والسلام، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر، وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد، وأما قوله: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الشفع والوتر، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج والفرد، قال يونس: أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معاً، وتقول أوترته أوتره إيتاراً أي جعلته وتراً، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من استجمر فليوتر» تفسير : والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة وهي لغة حجازية. المسألة الثانية: اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر، وأكثروا فيه، ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها: أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وإنما أقسم الله بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما في الحديث "حديث : الحج عرفة"، تفسير : وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض، والحلق والرمي، ويروى "يوم النحر هو يوم الحج الأكبر" فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم الله بهما وثانيها: أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة، قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 203] والشفع هو يومان بعد يوم النحر، الوتر هو اليوم الثالث، ومن ذهب إلى هذا القول قال: حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من وجهين الأول: أن العيد وعرفة دخلا في العشر، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما الثاني: أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك وثالثها: الوتر آدم شفع بزوجته، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو الله تعالى ورابعها: الوتر ما كان وتراً من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعاً منها، روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هي الصلوات منها شفع ومنها وتر»تفسير : وإنما أقسم الله بها لأن الصلاة تالية للإيمان، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات وخامسها: الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى: {أية : وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }تفسير : [الذاريات: 49] وقوله: {أية : وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوٰجاً } تفسير : [النبأ: 8] والوتر هو الله تعالى، وقال بعض المتكلمين: لا يصح أن يقال الوتر هو الله لوجوه الأول: أنا بينا أن قوله: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } تقديره ورب الشفع والوتر، فيجب أن يراد بالوتر المربوب فبطل ما قالوه الثاني: أن الله تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى يتميز من غيره، وروي أن عليه الصلاة والسلام سمع من يقول الله ورسوله فنهاه، وقال: «حديث : قل الله ثم رسوله»تفسير : قالوا: وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إن الله وتر يحب الوتر»تفسير : ليس بمقطوع به وسادسها: أن شيئاً من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعاً ووتراً فكأنه يقال: أقسم برب الفرد والزوج من خلق فدخل كل الخلق تحته، ونظيره قوله: {أية : فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الحاقة: 39-38] وسابعها: الشفع درجات الجنة وهي ثمانية، والوتر دركات النار وهي سبعة وثامنها: الشفع صفات الخلق كالعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت، أما الوتر فهو صفة الحق وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة بلا عجز، عز بلا ذل وتاسعها: المراد بالشفع والوتر، نفس العدد فكأنه أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه وهو بمنزلة الكتاب والبيان الذي من الله به على العباد إذ قال: {أية : عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ ما لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 5-4]، وقال: {أية : عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } تفسير : [الرحمن: 4]. وكذلك بالحساب، يعرف مواقيت العبادات والأيام والشهور، قال تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمن: 5] وقال: {أية : لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ }تفسير : [يونس: 5] وعاشرها: قال مقاتل الشفع هو الأيام والليالي والوتر هو اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة الحادي عشر: الشفع كل نبي له اسمان مثل محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذي النون والوتر كل نبي له اسم واحد مثل آدم ونوح وإبراهيم الثاني عشر: الشفع آدم وحواء والوتر مريم الثالث عشر: الشفع العيون الإثنتا عشرة، التي فجرها الله تعالى لموسى عليه السلام والوتر الآيات التسع التي أوتى موسى في قوله: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } تفسير : [الإسراء: 101]، الرابع عشر: الشفع أيام عاد والوتر لياليهم لقوله تعالى: {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً }تفسير : [الحاقة: 7] الخامس عشر: الشفع البروج الإثنا عشر لقوله تعالى: {أية : جَعَلَ فِي ٱلسَّمَاء بُرُوجاً }تفسير : [الفرقان: 61] والوتر الكواكب السبعة السادس عشر: الشفع الشهر الذي يتم ثلاثين يوماً، والوتر الشهر الذي يتم تسعة وعشرين يوماً السابع عشر: الشفع الأعضاء والوتر القلب، قال تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } تفسير : [الأحزاب: 4]، الثامن عشر: الشفع الشفتان والوتر اللسان قال تعالى: {أية : وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } تفسير : [البلد: 9] التاسع عشر: الشفع السجدتان والوتر الركوع العشرون: الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة، واعلم أن الذي يدل عليه الظاهر، أن الشفع والوتر أمران شريفان، أقسم الله تعالى بهما، وكل هذه الوجوه التي ذكرناها محتمل، والظاهر لا إشعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من أهل التأويل حكم بأنه هو المراد، وإن لم يثبت، فيجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز لا على وجه القطع، ولقائل أن يقول أيضاً: إني أحمل الكلام على الكل لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد العموم، أما قوله تعالى: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: {إِذَا يَسْرِ } إذا يمضي كما قال: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ } تفسير : [المدثر: 33] وقوله: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } تفسير : [التكوير: 17] وسراها ومضيها وانقضاؤها أو يقال: سراها هو السير فيها، وقال قتادة: {إِذَا يَسْرِ } أي إذا جاء وأقبل. المسألة الثانية: أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل العموم بدليل قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ } {وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } ولأن نعمة الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف مقاديرهما على الخلق عظيمة، فصح أن يقسم به لأن فيه تنبيهاً على أن تعاقبهما بتدبيره مدبر حكيم عالم بجميع المعلومات، وقال مقاتل: هي ليلة المزدلفة فقوله: {إِذَا يَسْرِ } أي إذا يسار فيه كما يقال: ليل نائم لوقوع النوم فيه، وليل ساهر لوقوع السهر فيه، وهي ليلة يقع السري في أولها عند الدفع من عرفات إلى المزدلفة، وفي آخرها كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقدم ضعفة أهله في هذه الليل، وإنما يجوز ذلك عند الشافعي رحمه الله بعد نصف الليل. المسألة الثالثة: قال الزجاج: قرىء {إِذَا يَسْرِ } بإثبات الياء، ثم قال: وحذفها أحب إلي لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياءات، ويدل عليها الكسرات، قال الفراء: والعرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسرة ما قبلها، وأنشد:شعر : كفاك كف ما يبقى درهما جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما تفسير : فإذا جاز هذا في غير الفاضلة فهو في الفاصلة أولى، فإن قيل: لم كان الاختيار أن تحذف الياء إذا كان في فاصلة أو قافية، والحرف من نفس الكلمة، فوجب أن يثبت كما أثبت سائر الحروف ولم يحذف؟ أجاب أبو علي فقال: القول في ذلك أن الفواصل والقوافي موضع وقف والوقف موضع تغيير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان وروم الحركة فيها غيرت هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف، وأما من أثبت الياء في يسري في الوصل والوقف فإنه يقول: الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء نحو قاض وغاز، تقول: هو يقضي وأنا أقضي فتثبت الياء ولا تحذف. وقوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِي حِجْرٍ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: الحجر العقل سمي به لأنه يمنع عن الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية لأنه يعقل ويمنع وحصاة من الإحصاء وهو الضبط، قال الفراء: والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها كأنه أخذ من قولهم حجرت على الرجل، وعلى هذا سمي العقل حجراً لأنه يمنع من القبيح من الحجر وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه. المسألة الثانية: قوله: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ } استفهام والمراد منه التأكيد كمن ذكر حجة باهرة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. قال القاضي: وهذه الآية تدل على ما قلنا: أن القسم واقع برب هذه الأمور لأن هذه الآية دالةعلى أن هذا مبالغة في القسم. ومعلوم أن المبالغة في القسم لا تحصل إلا في القسم بالله، ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بهذه الأمور.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْفَجْرِ } أقسم بالفجر. {وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } أقسام خمسة. واختُلِف في «الفجر»، فقال قوم: الفجر هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم؛ قاله عليّ وابن الزُّبير وابن عباس رضي الله عنهم. وعن ابن عباس أيضاً أنه النهار كله، وعَبَّر عنه بالفجر لأنه أوّله. وقال ابن مُحَيْصِن عن عطية عن ابن عباس: يعني فجر يوم المحرم. ومثله قال قتادة. قال: هو فجر أوّل يوم من المحرم، منه تنفجر السنة. وعنه أيضاً: صلاة الصبح. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «والفجر»: يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن الله تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله، إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان: ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة، فقد أدرك الحج إلى طلوع الفجر، فجر يوم النحر. وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: «والفجر» قال: انشقاق الفجر من يوم جَمْع. وعن محمد بن كعب القُرَظيّ: «والفجرِ» آخر آيام العشر، إذا دفَعْتَ من جَمْع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام به فقال: {وَلَيالٍ عَشْرٍ } أي ليال عشر من ذي الحجة. وكذا قال مجاهد والسدّيّ والكلبيّ في قوله: «وليالٍ عشْرٍ» هو عشر ذي الحِجة، وقال ابن عباس. وقال مسروق هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام { أية : وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } تفسير : [الأعراف: 142]، وهي أفضل أيام السنة. وروى أبو الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ } ـ قال: عشر الأضحى » تفسير : فهي ليال عشر على هذا القول؛ لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه، إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفاً لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة. وإنما نكرت ولم تعرّف لفضيلتها على غيرها، فلو عُرِّفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به، للفضيلة التي ليست لغيرها. والله أعلم. وعن ابن عباس أيضاً: هي العشر الأواخر من رمضان؛ وقاله الضحاك. وقال ابن عباس أيضاً ويمان والطبريّ: هي العشر الأَوَّل من المحرّم، التي عاشِرها يوم عاشوراء. وعن ابن عباس «وَلَيَالِ عَشْرٍ» (بالإضافة) يريد: وليالي أيام عشر.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها ثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْفَجْرِ } أقسم بالصبح أو فلقه كقوله: {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ }تفسير : [التكوير: 18] أو بصلاته. {وَلَيالٍ عَشْرٍ } عشر ذي الحجة ولذلك فسر {ٱلْفَجْرِ} بفجر عرفة، أو النحر أو عشر رمضان الأخير وتنكيرها للتعظيم، وقرىء «وَلَيالٍ عَشْرٍ» بالإِضافة على أن المراد بالعشر الأيام. {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } والأشياء كلها شفعها ووترها، أو الخلق لقوله: {أية : وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ }تفسير : [الذاريات: 49] والخالق لأنه فرد، ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك أو البروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها، أو بيومي النحر وعرفة، وقد روي مرفوعاً، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد، أو مدخلاً في الدين أو مناسبة لما قبلهما أو أكثر منفعة موجبة للشكر، وقرىء {وَٱلْوَتْرِ } بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر. {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } إذا يمضي كقوله: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ }تفسير : [المدثر: 33] والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة، أو يرى فيه من قولهم صلى المقام وحذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفاً، وقد خصه نافع وأبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذفها ابن كثير ويعقوب أصلاً، وقرىء {يَسْرِ } بالتنوين المبدل من حرف الاطلاق. {هَلْ فِى ذَلِكَ } القسم أو المقسم به {قَسَمٌ } حلف أو محلوف به. {لّذِى حِجْرٍ } يعتبره ويؤكد به ما يريد تحقيقه، والـ {حِجْرٍ } العقل سمي به لأنه يحجر عما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية وحصاة من الإِحصاء، وهو الضبط والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} يعني أولاد عاد بن عوصن بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، قوم هود سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه. {إِرَمَ } عطف بيان لـ {عَادٍ } على تقدير مضاف أي سَبْطُ {إِرَمَ }، أو أَهْلُ {إِرَمَ } إن صح أنه إسم بلدتهم. وقيل سمي أوائلهم وهم {أية : عَاداً ٱلأولَىٰ }تفسير : [النجم: 50] باسم جدهم ومنع صرفه للعلمية والتأنيث. {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } ذات البناء الرفيع أو القدود الطوال، أو الرفعة والثبات. وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم، فلما تمت سار إليها بأهله، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله ابن قلابة أنه خرج في طلب إبله فوقع عليها. {ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ } صفة أخرى لـ {إِرَمَ } والضمير لها سواء جعلت {إِرَمَ } القبيلة أو البلدة. {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ } قطعوه واتخذوه منازل لقوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً } {بِٱلْوَادِ } وادي القرى.

ابن كثير

تفسير : أما الفجر فمعروف، وهوالصبح، قاله علي وابن عباس وعكرمة ومجاهد والسدي، وعن مسروق ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر، وقيل: المراد بذلك الصلاة التي تفعل عنده؛ كما قاله عكرمة، وقيل: المراد به جميع النهار، وهو رواية عن ابن عباس، والليالي العشر المراد بها: عشر ذي الحجة؛ كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعاً: «حديث : ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» تفسير : يعني: عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «حديث : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء» تفسير : وقيل: المراد بذلك: العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير، ولم يعزه إلى أحد، وقد روى أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس: { وَلَيالٍ عَشْرٍ} قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر»تفسير : ، ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، وكل منهما عن زيد بن الحباب به. ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد بن الحباب به، وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم. وقوله تعالى: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قد تقدم في هذا الحديث: أن الوتر يوم عرفة؛ لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر؛ لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضاً (قول ثان) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى (قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي عن النعمان، يعني: ابن عبد السلام، عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر، فقال: الشفع قول الله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} والوتر قوله تعالى: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}. وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع: أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق، وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً؛ مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر.»تفسير : (قول رابع) قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر، أقسم تعالى بخلقه، وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول، وقال العوفي عن ابن عباس: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. (قول خامس) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قال: الشفع: الزوج، والوتر: الله عز وجل. وقال أبو عبد الله عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع؛ الذكر والأنثى. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} كل شيء خلقه الله شفع؛ السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49] أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد (قول سادس) قال قتادة عن الحسن: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ}: هو العدد، منه شفع، ومنه وتر. (قول سابع في الآية الكريمة) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج، ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزبير: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله قال: «حديث : الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث» تفسير : هكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضاً، والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب؛ فإنها ثلاث، وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عمران بن حصين: { وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع، ومنها وتر. وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلاً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عام. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو داود، هو الطيالسي، حدثنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام: أن شيخاً حدثه من أهل البصرة، عن عمران ابن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال: «حديث : هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر» تفسير : هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير عن بندار عن عفان، وعن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى، وكلاهما عن همام، وهو ابن يحيى، عن قتادة عن عمران بن عصام، عن شيخ عن عمران بن حصين، وكذا رواه أبو عيسى الترمذي عن عمرو بن علي عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما عن همام عن قتادة عن عمران بن عصام عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين به، ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضاً عن قتادة، وقد روي عن عمران بن عصام عن عمران نفسه، والله أعلم. (قلت): ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام عن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي، شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام. وهكذا رواه ابن جرير: أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفع والوتر قال: «حديث : هي الصلاة، منها شفع، ومنها وتر» تفسير : فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري إمام مسجد بني ضبيعة. وهو والد أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة، والمثنى بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة،وكان شريفاً نبيلاً حظياً عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين؛ لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد، وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم، ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقوله تعالى: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} قال العوفي عن ابن عباس: أي: إذا ذهب، وقال عبد الله بن الزبير: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} حتى يذهب بعضه بعضاً، وقال مجاهد وأبو العالية وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}: إذا سار، وهذا يمكن حمله على ما قال ابن عباس، أي: ذهب، ويحتمل أن يكون المراد: إذا سار، أي: أقبل، وقد يقال: إن هذا أنسب؛ لأنه في مقابلة قوله: { وَٱلْفَجْرِ} فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} على إقباله كان قسماً بإقبال الليل، وإدبار النهار، وبالعكس كقوله: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } تفسير : [التكوير: 17 ــــ 18] وكذا قال الضحاك: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أي: يجري، وقال عكرمة: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} يعني: ليلة جمع؛ ليلة المزدلفة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر عن كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} قال: اسر يا سار، ولا تبيتن إلا بجمع، وقوله تعالى: { هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} أي: لذي عقل ولب وحجا ودين، وإنما سمي العقل حجراً؛ لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه حجر البيت؛ لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي، ومنه حجر اليمامة، وحجر الحاكم على فلان، إذا منعه التصرف، {أية : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 22] كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة؛ من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه المتواضعون لديه، الخاضعون لوجهه الكريم، ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم، قال بعده: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}؟ وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين خارجين عن طاعته، مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعبراً، فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ}؟ وهؤلاء عاد الأولى، وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله فيهم رسوله هوداً عليه السلام، فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6 ــــ 8] وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: { إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} عطف بيان زيادة تعريف بهم. وقوله تعالى: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة، وأقواهم بطشاً، ولهذا ذكرهم هود بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [الأعراف: 69] وقال تعالى: {أية : فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} تفسير : [فصلت: 15] وقال ههنا: { ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ} أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم؛ لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. قال مجاهد: إرم: أمة قديمة، يعني: عاداً الأولى، قال قتادة بن دعامة والسدي: إن إرم بيت مملكة عاد، وهذا قول حسن جيد وقوي، وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} كانوا أهل عمد لا يقيمون، وقال العوفي عن ابن عباس: إنما قيل لهم ذات العماد؛ لطولهم، واختار الأول ابن جرير، ورد الثاني فأصاب. وقوله تعالى: { ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ} أعاد ابن زيد الضمير على العماد؛ لارتفاعها، وقال: بنوا عمداً بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد، وأما قتادة وابن جرير، فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني: في زمانهم، وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد، ومن ذهب مذهبه، ضعيف؛ لأنه لو كان المراد ذلك، لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه عن المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر إرم ذات العماد، فقال: «حديث : كان الرجل منهم يأتي على الصخرة، فيحملها على الحي، فيهلكهم» تفسير : ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي قال: قرأت كتاباً، وقد سمى حيث قرأه: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم(قلت): فعلى كل قول، سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحاً يقاتلون به، أو طول واحد منهم، فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما ههنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: { إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} مدينة، إما دمشق؛ كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة، أو إسكندرية؛ كما روي عن القرظي، أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } إن جعل ذلك بدلاً، أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك، لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلىء وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب، وأنها تتنقل، فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك. وذكر الثعلبي وغيره: أن رجلاً من الأعراب، وهو عبد الله بن قلابة، في زمان معاوية، ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سور وأبواب، فدخلها، فوجد فيها قريباً مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال، فلم يروا شيئاً. وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة إرم ذات العماد ههنا مطولة جداً، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي، فقد يكون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيّلين من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلىء والإكسير الكبير، لكن عليها موانع تمنع من الوصول إليها، والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية، وكنوزاً كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة التي زعموها، فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون، إلا عن نقلهم، أو نقل من أخذ عنهم، والله سبحانه وتعالى الهادي للصواب. وقول ابن جرير يحتمل أن يكون المراد بقوله: { إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك لم تصرف، فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: { وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ} يعني: يقطعون الصخر بالوادي، قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد، ومنه يقال: مجتابي النمار، إذا خرقوها، واجتاب الثوب، إذا فتحه، ومنه الجيب أيضاً، وقال الله تعالى: {أية : وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَـٰرِهِينَ} تفسير : [الشعراء: 149]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا قول الشاعر:شعر : ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللّهَ بائِدُ كما بادَ حَيٌّ من شَنيفٍ ومارِدِ هُمُ ضَرَبوا في كُلِّ صَمّاءَ صَعْدَةٍ بأيدٍ شدادٍ أيِّداتِ السَّواعِدِ تفسير : وقال ابن إسحاق: كانوا عرباً، وكان منزلهم بوادي القرى، وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: { وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} قال العوفي عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها، وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فيشدخه، وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مظال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال، وقال ثابت البناني عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد؛ لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وقوله تعالى: { ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ } أي: تمردوا وعتوا، وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} أي: أنزل عليهم رجزاً من السماء، وأحل بهم عقوبة، لا يردها عن القوم المجرمين. وقوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} قال ابن عباس: يسمع ويرى، يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلاً بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلاً بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم والجور. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً، وفي إسناده نظر، وفي صحته، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن روعه، ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله عز وجل، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه عز وجل من وراء ذلك كله بالمرصاد.»تفسير : قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة، لكان حسناً، أي: لو كان من كلامه، لكان حسناً، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن أيفع عن ابن عبد الكلاعي: أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر، قال: والصراط عليهن، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: {أية : قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} تفسير : [الصافات: 24] قال: فيحاسبون على الصلاة، ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية، حوسبوا على الأمانة؛ كيف أدوها، وكيف خانوها، قال: فيهلك من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة، سئلوا عن الرحم؛ كيف وصلوها، وكيف قطعوها، قال: فيهلك من هلك، وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله عز وجل: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} هكذا أورد هذا الأثر، ولم يذكر تمامه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلْفَجْرِ } أي فجر كل يوم.

الشوكاني

تفسير : أقسم سبحانه بهذه الأشياء، كما أقسم بغيرها من مخلوقاته. واختلف في الفجر الذي أقسم الله به هنا فقيل: هو الوقت المعروف. وسمي فجراً؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. وقال قتادة: إنه فجر أوّل يوم من شهر محرّم، لأن منه تتفجر السنة. وقال مجاهد: يريد يوم النحر. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأن الله قرن الأيام به فقال: {وَلَيالٍ عَشْرٍ } أي ليالي عشر من ذي الحجة. وبه قال السديّ، والكلبي. وقيل المعنى: وصلاة الفجر، أو ربّ الفجر. والأوّل أولى، وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } كذا قال ابن الأنباري. وقيل: محذوف لدلالة السياق عليه، أي: ليجازينّ كل أحد بما عمل، أو ليعذبن، وقدّره أبو حيان بما دلت عليه خاتمة السورة التي قبله، أي: {والفجر...} إلخ لإيابهم إلينا، وحسابهم علينا، وهذا ضعيف جدّاً، وأضعف منه قول من قال: إن الجواب قوله: {هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ }. وأن هل بمعنى قد؛ لأن هذا لا يصح أن يكون مقسماً عليه أبداً. {وَلَيالٍ عَشْرٍ } هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين. وقال الضحاك: إنها الأواخر من رمضان. وقيل: العشر الأوّل من المحرّم إلى عاشرها يوم عاشوراء. قرأ الجمهور: (ليال) بالتنوين، وعشر صفة لها. وقرأ ابن عباس: (وليالي عشر) بالإضافة. قيل: والمراد ليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن يقال عشرة لأن المعدود مذكر. وأجيب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان. {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } الشفع والوتر يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، وقيل: شفع الليالي ووترها. وقال قتادة: الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها. منها شفع، ومنها وتر. وقيل: الشفع يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر. وقال مجاهد، وعطية العوفي: الشفع الخلق، والوتر الله الواحد الصمد، وبه قال محمد بن سيرين، ومسروق، وأبو صالح، وقتادة. وقال الربيع بن أنس، وأبو العالية: هي صلاة المغرب فيها ركعتان، والوتر الركعة. وقال الضحاك: الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء. وقيل: هما آدم وحواء؛ لأن آدم كان وتراً فشفع بحوّاء. وقيل: الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي سبع، وبه قال الحسين بن الفضل. وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة. وقال مقاتل: الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة وقال سفيان بن عيينة: الوتر: هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضاً لقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ... } تفسير : [المجادلة: 7] الآية. وقال الحسن: المراد بالشفع والوتر العدد كله؛ لأن العدد لا يخلو عنهما. وقيل: الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس. وقيل: الشفع حجج القرآن، والوتر الإفراد. وقيل: الشفع الحيوان لأنه ذكر وأنثى، والوتر الجماد. وقيل: الشفع ما سمي، والوتر ما لا يسمى. ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرّد الرأي الزائف، والخاطر الخاطىء. والذي ينبغي التعويل عليه، ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد. فالمراد بالآية إما نفس العدد، أو ما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر. وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية، فإن كان الدليل يدلّ على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان الدليل يدلّ على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعاً من تناولها لغيره. قرأ الجمهور: {والوتر} بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بكسرها، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم. قال الأصمعي: كلّ فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد. وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو، وكسر التاء، فيحتمل أن تكون لغة ثالثة، ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء للوصل مجرى الوقف. {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } قرأ الجمهور: {يسر} بحذف الياء وصلاً ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف. وقرأ نافع، وأبو عمرو بحذفها في الوقف، وإثباتها في الوصل. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتها في الوصل والوقف. قال الخليل: تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي. قال الزجاج: والحذف أحب إليّ لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياآت. قال الفرّاء: قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد بعضهم:شعر : كفاك كفّ ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف دما تفسير : ما تليق، أي: ما تمسك. قال المؤرج: سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من يسر فقال: لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبتّ على باب داره سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فهو مصروف عن جهته، وكلّ ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً }تفسير : [مريم: 28] ولم يقل بغية؛ لأنه صرفها من باغية. وفي كلام الأخفش هذا نظر، فإن صرف الشيء عن معناه لسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صحّ ذلك للزم في كلّ المجازات العقلية واللفظية، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والأصل ههنا إثبات الياء؛ لأنها لام الفعل المضارع المرفوع، ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف، وموافقة رءوس الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي. ومعنى {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ }: إذا يمضي، كقوله: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ }تفسير : [المدثر: 33] {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } تفسير : [التكوير: 17] وقيل: معنى يسر: يسار فيه، كما يقال ليل نائم، ونهار صائم، كما في قول الشاعر:شعر : لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى ونمت وما ليل المطيّ بنائم تفسير : وبهذا قال الأخفش، والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وبالأوّل قال جمهور المفسرين. وقال قتادة، وأبو العالية: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } أي: جاء وأقبل. وقال النخعي، أي: استوى. قال عكرمة، وقتادة، والكلبي، ومحمد بن كعب: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه. وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها. والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى. {هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ } هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم سبحانه به، وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى تلك الأمور، والتذكير بتأويل المذكور، أي: هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم، أي: مقسم به حقيق بأن تؤكد به الأخبار. {لّذِى حِجْرٍ } أي: عقل ولبّ. فمن كان ذا عقل ولبّ علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } تفسير : [الواقعة: 76] قال الحسن: {لّذِى حِجْرٍ } أي: لذي حلم. وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس. وقال الجمهور: الحجر العقل. قال الفرّاء: الكلّ يرجع إلى معنى واحد، لذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر، الكلّ بمعنى العقل. وأصل الحجر المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ومنه حجر الحاكم على فلان، أي: منعه. قال، والعرب تقول: إنه لذو حجر: إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها. ثم ذكر سبحانه على طريقة الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم، وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيراً للكفار في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم وتخويفاً لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } قرأ الجمهور بتنوين {عاد} على أن يكون {إرم} عطف بيان لعاد، والمراد بعاد: اسم أبيهم. وإرم اسم القبيلة، أو بدلاً منه. وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث. وقيل: المراد بعاد أولاد عاد، وهم عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى، فيكون ذكر إرم على طريقة عطف البيان أو البدل، للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى، ولا بدّ من تقدير مضاف على كلا القولين، أي: أهل إرم، أو سبط إرم؟ فإن إرم هو: جدّ عاد؛ لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقرأ الحسن، وأبو العالية بإضافة عاد إلى إرم. وقرأ الجمهور: {إرم} بكسر الهمزة. وفتح الراء، والميم. وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك: {أرم} بفتح الهمزة، والراء. وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفاً، وقرىء بإضافة إرم إلى ذات العماد. قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإرم التي هي الأعلام. واحدها أرم، وفي الكلام تقديم وتأخير، أي: والفجر وكذا، وكذا {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }. {ألم تر} أي: ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لكلّ من يصلح له، وقد كان أمر عاد وثمود مشهوراً عند العرب؛ لأن ديارهم متصلة بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون. وقال مجاهد أيضاً: إرم أمة من الأمم، وقال قتادة: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان، فالأولى هي إرم، ومنه قول قيس بن الرقيات:شعر : مجداً تليداً بناه أوّلهم أدرك عاداً وقبله إرم تفسير : قال معمر: إرم إليه مجتمع عاد وثمود، وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود، وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم، قال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى إرم. ومعنى {ذات العماد}: ذات القوّة والشدّة، مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك. وقال قتادة، ومجاهد: إنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم. وقال مقاتل: ذات العماد يعني طولهم، كان طول الرجل منهم اثني عشرة ذراعاً. ويقال: رجل طويل العماد، أي: القامة. قال أبو عبيدة: ذات العماد ذات الطول، يقال رجل معمد إذا كان طويلاً. وقال مجاهد، وقتادة: أيضاً كان عماداً لقومهم، يقال: فلان عميد القوم وعمودهم، أي: سيدهم. وقال ابن زيد: ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد. قال في الصحاح: والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، قال عمرو بن كلثوم:شعر : ونحن إذا عماد الحيّ خرّت على الإخفاض نمنع من يلينا تفسير : وقال عكرمة، وسعيد المقبري هي دمشق، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية. {ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ } هذه صفة لعاد: أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدّة والقوّة، وهم الذين قالوا: {أية : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : [فصلت: 15] أو صفة للقرية على قول من قال: إن إرم اسم لقريتهم، أو للأرض التي كانوا فيها. والأوّل أولى، ويدل عليه قراءة أبيّ: (التي لم يخلق مثلهم في البلاد) وقيل: الإرم الهلاك. قال الضحاك: {إرم ذات العماد} أي: أهلكهم فجعلهم رميماً، وبه قال شهر بن حوشب. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها، وبساتينها، وإن حصباءها جواهر، وترابها مسك، وليس بها أنيس، ولا فيها ساكن من بني آدم، وإنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع، فتارة تكون باليمن، وتارة تكون بالشام، وتارة تكون بالعراق، وتارة تكون بسائر البلاد، وهذا كذب بحت لا ينفق على من له أدنى تميز. وزاد الثعلبي في تفسيره فقال: إن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء، وقد أصيب الإسلام، وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين الدجالين الذين يجترئون على الكذب، تارة على بني إسرائيل، وتارة على الأنبياء، وتارة على الصالحين، وتارة على ربّ العالمين، وتضاعف هذا الشرّ، وزاد كثرة بتصدّر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها من موضوعها للتصنيف، والتفسير للكتاب العزيز، فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرّفوا، وغيروا، وبدّلوا. ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا، فلينظر في كتابي الذي سميته (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة). ثم عطف سبحانه القبيلة الآخرة، وهي: ثمود على قبيلة عاد فقال: {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } وهم: قوم صالح سموا باسم جدّهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. ومعنى {جابوا الصخر}: قطعوه. والجوب القطع، ومنه جاب البلاد: إذا قطعها، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي: قطع. قال المفسرون: أوّل من نحت الجبال والصخور ثمود، فبنوا من المدائن ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فارهين } تفسير : [الشعراء: 149] وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتاً يسكنون فيها. وقوله: {بِٱلْوَادِ } متعلق بـ {جابوا}، أو بمحذوف على أنه حال من الصخر، وهو وادي القرى. قرأ الجمهور: {ثمود} بمنع الصرف على أنه اسم للقبيلة، ففيه التأنيث والتعريف. وقرأ يحيـى بن وثاب بالصرف على أنه اسم لأبيها. وقرأ الجمهور أيضاً بالواد بحذف الياء وصلاً، ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف. وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما. وقرأ قنبل في رواية عنه بإثباتها في الوصل دون الوقف. {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ } أي: ذو الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدّونها بالأوتاد، أو جعل الجنود أنفسهم أوتاداً لأنهم يشدّون الملك، كما تشد الأوتاد الخيام. وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدّهم إليها. وقد تقدّم بيان هذا في سورة صۤ. {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون، أي: طغت كل طائفة منهم في بلادهم، وتمرّدت، وعتت، والطغيان مجاوزة الحدّ. {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ } بالكفر، ومعاصي الله، والجور على عباده، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين طغوا، أو في محل نصب على الذم. {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } أي: أفرغ عليهم وألقى على تلك الطوائف سوط عذاب، وهو ما عذبهم به. قال الزجاج: جعل صوته الذي ضربهم به العذاب، يقال: صبّ على فلان خلعة، أي: ألقاها عليه، ومنه قول النابغة:شعر : فصبّ الله عليه أحسن صبغة وكان له بين البرية ناصر تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : ألم تر أن الله أظهر دينه وصبّ على الكفار سوط عذاب تفسير : ومعنى {سوط عذاب} نصيب عذاب، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعدّه لهم في الآخرة كالسوط، إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وقيل: ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به. قال الفرّاء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب. وقيل معناه: عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم ساطه يسوطه سوطاً، أي: خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه قول كعب بن زهير:شعر : لكن خلة قد سيط من دمها فجع وولع وإخلاف وتبديل تفسير : وقال الآخر:شعر : أحارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى لا يمسّ دم دما تفسير : وقال آخر:شعر : فسطها ذميم الرأي غير موفق فلست على تسويطها بمعان تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } قد قدّمنا قول من قال إن هذا جواب القسم، والأولى أن الجواب محذوف، وهذه الجملة تعليل لما قبلها، وفيها إرشاد إلى أن كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم ما أصاب أولئك الكفار، ومعنى بالمرصاد: أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً. قال الحسن، وعكرمة، أي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد، والرصد والمرصاد: الطريق. وقد تقدّم بيانه في سورة براءة، وتقدّم أيضاً عند قوله: {أية : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } تفسير : [النبأ: 21]. وقد أخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْفَجْرِ } قال: فجر النهار. وأخرج ابن جرير عنه قال: يعني: صلاة الفجر. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب، وابن عساكر عنه أيضاً في قوله: {وَٱلْفَجْرِ } قال: هو: المحرّم فجر السنة، وقد ورد في فضل صوم شهر محرّم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدلّ على أنه المراد بالآية لا مطابقة، ولا تضمناً، ولا التزاماً. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن جابر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } قال:«حديث : إن العشر عشر الأضحى، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر»تفسير : وفي لفظ: حديث : هي ليالي من ذي الحجةتفسير : وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمٰن؛ فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة: أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله في القرآن؟ فقال ابن عمر: وما يدريك؟ قال: ما أشك، قال: بلى، فاشكك. وقد ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدلّ على أنها المرادة بما في القرآن هنا بوجه من الوجوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَيالٍ عَشْرٍ } قال: هي العشر الأواخر من رمضان. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه عن عمران بن حصين، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: «حديث : هي الصلاة بعضها شفع، وبعضها وتر»تفسير : وفي إسناده رجل مجهول، وهو الراوي له عن عمران بن حصين. وقد روي عن عمران بن عصام على عمران بن حصين بإسقاط الرجل المجهول. وقال الترمذي بعد إخراجه بالإسناد الذي فيه الرجل المجهول هو حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث قتادة. قال ابن كثير: وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم. قال: ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر. وقد أخرج هذا الحديث موقوفاً على عمران بن حصين عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، فهذا يقوّي ما قاله ابن كثير. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } فقال: كل شيء شفع، فهو اثنان، والوتر واحد. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: «حديث : يومان وليلة، يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع»تفسير : وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الشفع يومان، والوتر اليوم الثالث»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 203] والوتر: اليوم الثالث. وفي لفظ: الوتر أوسط أيام التشريق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير عنه {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } قال: إذا ذهب. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ: {وَٱلْفَجْرِ } إلى قوله: {إِذَا يَسْرِ }، قال: هذا قسم على إن ربك بالمرصاد. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: {قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ } قال: لذي حجى وعقل ونهي. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {بِعَادٍ * إِرَمَ } قال: يعني: بالإرم الهالك، ألا ترى أنك تقول أرم بنو فلان {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } يعني: طولهم مثل العماد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } فقال: "حديث : كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أيّ حيّ أراد فيهلكهم"تفسير : ، وفي إسناده رجل مجهول؛ لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدّثه عن المقدام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } قال: خرقوها. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً. {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ } قال: الأوتاد: الجنود الذين يشدّون له أمره. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: {ذِى ٱلأَوْتَادِ } قال: وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } قال: يسمع ويرى. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } قال: من وراء الصراط جسور: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الربّ عزّ وجلّ.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {والفَجْر} قسم أقسم الله تعالى به، وهو انفجار الصبح من أفق المشرق، وهما فجران: فالأول منهما مستطيل كذنب السرحان يبدو كعمود نور لا عرض له، ثم يغيب لظلام يتخلله، ويسمى هذا الفجر المبشر للصبح، وبعضهم يسميه الكاذب لأنه كذب بالصبح. وهو من جملة الليل لا تأثير له في صلاة ولا صوم. وأما الثاني فهو مستطيل النور منتشر في الأفق ويسمى الفجر الصادق لأنه صدقك عن الصبح، قال الشاعر: شعر : شعب الكلاب الضاريات فزاده ناراً بذي الصبح المصدق يخفق تفسير : وبه يتعلق حكم الصلاة والصوم، وقد ذكرنا ذلك من قبل. وفي قسم الله بالفجر أربعة أقاويل: أحدها: أنه عنى به النهار وعبر عنه بالفجر لأنه أوله، قاله ابن عباس. الثاني: أن الفجر الصبح الذي يبدأ به النهار من كل يوم، قاله علّي رضي الله عنه. الثالث: أنه عنى به صلاة الصبح، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. الرابع: أنه أراد به فجر يوم النحر خاصة، قاله مجاهد. وفي {وليالٍ عشْرٍ} - وهي قسم ثان - أربعة أقاويل: أحدها: هي عشر ذي الحجة، قاله ابن عباس، وقد روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "والفجر وليال عشر"، قال: عشر الأضحى . تفسير : الثاني: هي عشر من أول المحرم، حكاه الطبري. الثالث: هي العشر الأواخر من شهر رمضان، وهذا مروي عن ابن عباس. الرابع: هي عشر موسى عليه السلام التي أتمها الله سبحانه له، قاله مجاهد. {والشّفْعِ والوَتْرِ} وهذا قسم ثالث، وفيهما تسعة أقاويل: أحدها: أنها الصلاة، فياه شفع وفيها وتر، رواه عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: هي صلاة المغرب، الشفع منها ركعتان، والوتر الثالثة، قاله الربيع بن أنس وأبو العالية. الثالث: أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، رواه ابن الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. الرابع: أن الشفع يوما منى الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، والوتر الثالث بعدهما، قاله ابن الزبير. الخامس: أن الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، قاله الضحاك. السادس: أن الشفع الخلق من كل شيء، والوتر هو آدم وحواء، لأن آدم كان فرداً فشفع بزوجته حواء فصار شفعاً بعد وتر، رواه ابن نجيح. التاسع: أنه العدد لأن جميعه شفع ووتر، قاله الحسن. ويحتمل حادي عشر: أن الشفع ما يَنْمى، والوتر مالا يَنْمى. {واللّيْلِ إذا يَسْرِ} وهذا قسم رابع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: هي ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب فيها. الثاني: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله، وسئل محمد بن كعب عن قوله تعالى {والليل إذا يَسْرِ} فقال أسْر يا ساري، ولا تبيتنّ إلا بجمع، يعني بمزدلفة. الثالث: أنه أراد عموم الليل كله. وفي قوله {إذا يسرِ} ثلاثة أوجه: أحدها: إذا أظلم، قاله ابن عباس. الثاني: إذا سار، لأن الليل يسير بمسير الشمس والفلك فينتقل من أفق إلى أفق، ومنه قولهم جاء الليل وذهب النهار. الثالث: إذا سار فيه أهله، لأن السرى سير الليل. {هل في ذلك قَسَمٌ لذي حجْرٍ} وفي ذي الحجر لأهل التأويل خمسة أقاويل: أحدها: لذي عقل، قاله ابن عباس. الثاني: لذي حلم، قاله الحسن. الثالث: لذي دين، قاله محمد بن كعب. الرابع: لذي ستر، قاله أبو مالك. الخامس: لذي علم، قاله أبو رجاء. والحجر: المنع، ومنه اشتق اسم الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الحجرة لامتناع ما فيها بها، ومنه سمي حجر المَولَّى عليه لما فيه من منعه عن التصرف، فجاز أن يحمل معناه على كل واحد من هذه التأويلات لما يضمنه من المنع. وقال مقاتل " هل " ها هنا في موضع إنّ، وتقدير الكلام: إن في ذلك قسماً لِذي حِجْر. {ألم تَرَ كيف فَعَل ربُّك بعادٍ * إرَمَ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أن إرم هي الأرض، قاله قتادة. الثاني: دمشق، قاله عكرمة. الثالث: الإسكندرية، قاله محمد بن كعب. الرابع: أن إرم أُمة من الأمم، قاله مجاهد، قال الشاعر: شعر : كما سخرت به إرم فأضحوا مثـــل أحـــلام النـيـــام. تفسير : الخامس: أنه اسم قبيلة من عاد، قاله قتادة. السادس: أن إرم اسم جد عاد، قاله محمد بن إسحاق، وحكى عنه أنه أبوه، وأنه عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح. السابع: أن معنى إرم القديمة، رواه ابن أبي نجيح. الثامن: أنه الهلاك، يقال: أرم بنو فلان، أي هلكوا، قاله الضحاك. التاسع: أن الله تعالى رمّهم رّماً فجعلهم رميماً، فلذلك سماهم، قاله السدي. {ذاتِ العمادِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: ذات الطُّول، قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد، إذا كان طويلاً، وزعم قتادة. أنه كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً. الثاني: ذات العماد لأنهم كانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، قاله مجاهد. الثالث: ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك، وحكى ثور بن يزيد أنه قال: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن السواد، وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع لا تخرجه إلا أمة محمد. الرابع: ذات العماد المحكم بالعماد، قاله ابن زيد. {التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلادِ} فيه وجهان: أحدهما: لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في البلاد، قاله عكرمة. الثاني: لم يخلق مثل قوم عاد في البلاد، لطولهم وشدتهم، قاله الحسن. {وثمودَ الذين جابُوا الصّخْرَ بالوادِ} فيه وجهان: أحدهما: يعني قطعوا الصخر ونقبوه ونحتوه حتى جعلوه بيوتاً، كما قال تعالى: {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} قال الشاعر: شعر : ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلٌ وكلُّ نعيمِ لا مَحالةَ زائلُ تفسير : وقال آخر: شعر : وهم ضربوا في كل صماءَ صعدة بأيدٍ شديد من شداد السواعد. تفسير : الثاني: معناه طافوا لأخذ الصخر بالوادي، كما قال الشاعر: شعر : ولا رأَيْت قلوصاً قبْلها حَمَلَتْ ستين وسقاً ولا جابَتْ به بَلَدا تفسير : وأما " الواد" فقد زعم محمد بن إسحاق أنه وادي القرى، وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: أسرعوا السير فإنكم في واد ملعون. {وفرعونَ ذِي الأوْتادِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الأوتاد الجنود، فلذلك سمي بذي الأوتاد لكثرة جنوده، قاله ابن عباس. الثاني: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد يشدها في أيديهم، قاله الحسن، ومجاهد، قال الكلبي: بمثل ذلك عذب فرعون زوجته آسية بنت مزاحم عندما آمنت حتى ماتت. الثالث: أن الأوتاد البنيان فسمي بذي الأوتاد لكثرة بنائه، قاله الضحاك. الرابع: لأنه كانت له فطال وملاعب على أوتاد وحبال يلعب له تحتها، قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أنه ذو الأوتاد لكثرة نخلة وشجرة، لأنها كالأوتاد في الأرض. {فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوْطَ عذابٍ} فيه أربعة أوجه: أحدها: قسط عذاب كالعذاب بالسوط، قاله ابن عيسى. الثاني: خلط عذاب، لأنه أنواع ومنه قول الشاعر: شعر : أحارثُ إنّا لو تُساطُ دماؤنا تَزَيّلْنَ حتى لا يَمسَّ دَمٌ دَمَا تفسير : الثالث: أنه وجع من العذاب، قاله السدي. الرابع: أنه كل شيء عذب الله به فهو سوط عذاب، قاله قتادة. وقال قتادة: كان سوط عذاب هو الغرق. {إنّ ربك لبالمرصاد} فيه وجهان: أحدهما: بالطريق. الثاني: بالانتظار، كما قال طرفة: شعر : أعاذلُ إنّ الجهْلَ من لَذِةِ الفتى وإنّ المنايا للرجال بمرصَد.

ابن عطية

تفسير : قال جمهور من المتأولين: {الفجر} هنا المشهور الطالع كل يوم، قال ابن عباس: {الفجر} النهار كله، وقال ابن عباس أيضاً وزيد بن أسلم: {الفجر} الذي أقسم الله به، صلاة الصبح، وقراءتها هو قرآن الفجر،وقال مجاهد: إنما أراد فجر يوم النحر، وقال الضحاك: المراد فجر ذي الحجة، وقال مقاتل المراد فجر ليلة جمع، وقال ابن عباس: أيضاً: المراد فجر أول يوم من المحرم، لأنه فجر السنة، وقيل المراد فجر العيون من الصخور وغيرها، وقال عكرمة: المراد فجر يوم الجمعة، واختلف الناس في "الليالي العشر" فقال بعض الرواة: هي العشر الأولى من رمضان، وقال الضحاك وابن عباس: هي العشر الأواخر من رمضان، وقال بنان وجماعة من المتأولين: هي العشر الأولى من المحرم، وفيه يوم عاشوراء، وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطية العوفي وابن الزبير رضي الله عنه: هي عشر ذي الحجة، وقال مجاهد: هي عشر موسى التي أتمها الله له، وقرأ الجمهور "وليالٍ"، وقرأ بعض القراء "وليالي عشر" بالإضافة وكأن هذا على أن العشر مشار إليه معين بالعلم به، ثم وقع القسم بلياليه فكأن العشر اسم لزمه حتى عومل معاملة الفرد، ثم وصف ومن راعى فيه الليالي قال العشر الوسط، واختلف الناس في {الشفع والوتر} فقال جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: {الشفع} يوم النحر {والوتر} يوم عرفة وروى أيوب عنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر" تفسير : وروى عمران بن حصين عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : هي الصلوات منها الشفع ومنها الوتر" تفسير : وقال ابن الزبير وغيره: {الشفع} اليومان من أيام التشريق {والوتر} ، اليوم الثالث، وقال آخرون: {الشفع} ، العالم {والوتر} ، الله إذا هو الواحد محضاً وسواه ليس كذلك، وقال بعض المتأولين: {الشفع} آدم وحواء، و {الوتر} الله، وقال ابن سيرين ومسروق وأبو صالح: {الشفع والوتر} شائعان الخلق كله، الإيمان والكفر والإنس والجن وما اطرد على نحو هذا فهي أضداد أو كالأضداد، ووترها الله تعالى فرد أحد. وقيل {الشفع} : الصفا والمروة، {والوتر} البيت، وقال الحسن بن الفضل: {الشفع} أبواب الجنة لأنها ثمانية أبواب، {والوتر} أبواب النار لأنها سبعة أبواب، وقال مقاتل: {الشفع} الأيام والليالي، {والوتر} يوم القيامة لأنه لا ليل بعده، {والوتر} اتحاد صفات الله تعالى، عز محض وكرم محض ونحوه، وقيل {الشفع} ، قرآن الحج والعمرة، {والوتر} الإفراد في الحج، وقال الحسن: أقسم الله تعالى بالعدد لأنه إما شفع وإما وتر، وقال بعض المفسرين: {الشفع} حواء {والوتر} آدم عليه السلام، وقال ابن عباس ومجاهد: {الوتر} صلاة المغرب، و {الشفع} صلاة الصبح، وقال أبو العالية: {الشفع} الركعتان من المغرب {والوتر} الركعة الأخيرة، وقال بعض العلماء: {الشفع} تنفل الليل مثنى مثنى {والوتر} الركعة الأخيرة المعروفة، وقرأ جمهور القراء والناس "والوَتر" بفتح الواو، وهي لغة قريش وأهل الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي والحسن بخلاف وأبو رجاء وابن وثاب وطلحة والأعمش وقتادة: " والوِتر" بكسر الواو، وهي لغة تميم وبكر بن وائل، وذكر الزهراوي أن الأغر رواها عن ابن عباس وهما لغتان في الفرد، وأما الدخل فإنما هو وتر بالكسر لا غير، وقد ذكر الزهراوي أن الأصمعي حكى فيه اللغتين الفتح والكسر، وسرى الليل ذهابه وانقراضه، هذا قول الجمهور، وقال ابن قتيبة والأخفش وغيره، المعنى {إذا يسري} فيه فيخرج هذا الكلام مخرج ليل نائم ونهار بطال. وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: أراد بهذا ليلة جمع لأنه يسرى فيها، وقرأ الجمهور: "يسر" دون ياء في وصل ووقف، وقرأ ابن كثير: "يسري" بالياء في وصل ووقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه " يسري" بياء في الوصل ودونها في الوقف وحذفها تخفيف لاعتدال رؤوس الآي إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي: الوصل في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء على خط المصحف. ووقف تعالى على هذه الأقسام العظام هل فيها مقنع وحسب لذي عقل. و {الحجر} العقل والنهية، والمعنى فيزدجر ذو الحجر وينظر في آيات الله تعالى، ثم وقف تعالى على مصانع الأمم الخالية الكافرة وما فعل ربك من التعذيب والإهلاك والمراد بذلك توعد قريش ونصب المثل لها. و {عاد} قبيلة لا خلاف في ذلك، واختلف الناس في {إرم} فقال مجاهد وقتادة: هي القبيلة بعينها، وهذا على قول ابن الرقيات: [المنسرح] شعر : مجداً تليداً بناه أوله أدرك عاداً وقبله إرما تفسير : وقال زهير: [البسيط] شعر : وآخرين ترى الماذي عدتهم من نسج داود أو ما أورثت إرم تفسير : قال ابن إسحاق: {إرم} هو أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقال: هو أحد أجدادها، وقال جمهور المفسيرين: {إرم} مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي "الإسكندرية"، وقال سعيد بن المسيب والمقري: هي دمشق، وهذان القولان ضعيفان، وقال مجاهد {إرم} معناه القديمة، وقرأ الجمهور " بعادٍ وإرمٍ " فصرفوا " عاداً " على إرادة الحي ونعت بـ {إرم} بكسر الهمزة على أنها القبيلة بعينها، ويؤيد هذا قول اليهود للعرب: سيخرج فينا نبي نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فهذا يقتضي أنها قبيلة، وعلى هذه القراءة يتجه أن يكون {إرم} أباً لعاد أو جداً غلب اسمه على القبيلة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "بعادَ إرمٍ" بترك الصرف في "عاد" وإضافتها إلى {إرم}، وهذا يتجه على أن يكون {إرم} أباً أو جداً وعلى أن تكون مدينة، وقرأ الضحاك "بعادَ أرَمَ" بفتح الدال والهمزة من "أرَمَ" وفتح الراء والميم على ترك الصرف في "عاد" والإضافة، وقرأ ابن عباس والضحاك "بعاد إرمّ" بشد الميم على الفعل الماضي بمعنى بلى وصار رميماً، يقال ارمّ العظم وأرم وأرمه الله تعدية رم بالهمزة، وقرأ ابن عباس أيضاً: " ارم ذاتَ " بالنصب في التاء على إيقاع الإرمام عليها، أي أبلاها ربك وجعلها رميماً، وقرأ ابن الزبير: " أرِم ذات العماد " بفتح الهمزة وكسر الراء، وهي لغة في المدينة، وقرأ الضحاك بن مزاحم " أرْم " بسكون الراء وفتح الهمزة وهو تخفيف في "ارم" كفخذة وفخذ، واختلف الناس في قوله تعالى: {ذات العماد} فمن قال {إرم} مدينة، قال العماد أعمدة الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور العالية والأبراج يقال لها عماد، ومن قال {إرم} قبيلة قال {العماد} إما أعمدة بنيانهم وإما أعمدة بيوتهم التي يرحلون بها لأنهم كانوا أهل عمود ينتجعون البلاد، قاله مقاتل وجماعة. وقال ابن عباس: هي كناية عن طول أبدانهم، وقرأ الجمهور: "يُخلَق" بضم الياء وفتح اللام "مثلُها" رفعاً، وقرأ ابن الزبير " يَخلُق" بفتح الياء وضم اللام "ومثلَها" نصباً، وذكر أبو عمرو الداني عنه أنه قرأ " نخلق " بالنون وضم اللام " مثلَها " نصباً، وذكر التي قبل هذه عن عكرمة، والضمير في {مثلها} يعود إما على المدينة وإما على القبيلة، وقرأ يحيى بن وثاب " وثموداً " بتنوين الدال، و {جابوا الصخر} معناه خرقوه ونحتوه، وكانوا في أوديتهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، و " الوادي " ما بين الجبلين وإن لم يكن فيه ماء، هذا قول كثير من المفسرين في معنى {جابوا الصخر بالواد} وقال الثعلبي: يريد بوادي القرى، وقال قوم: المعنى جابوا واديهم وجلبوا ماءهم في صخر شقوه، وهذا فعل ذوي القوة والآمال، وقرأ ابن كثير " بالوادي " بياء، وقرأ أكثر السبعة "بالواد" دون ياء واختلف في ذلك نافع، وقد تقدم هذا، {وفرعون} هو فرعون موسى، واختلف الناس في أوتاده فقيل أبنيته العالية العظيمة، قاله محمد بن كعب، وقيل جنوده الذين بهم يثبت ملكه وقيل المراد أوتاد أخبية عساكره وذكرت لكثرتها ودلالتها على غزواته وطوفه في البلاد، قاله ابن عباس ومنه قول الأسود بن يعفر: شعر : في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : وقال قتادة: كان له أوتاد يلعب عليها الرجال بين يديه وهو مشرف عليهم، وقال مجاهد: كان يوتد الناس بأوتاد الحديد يقتلهم بذلك يضربها في أبدانهم حتى تنفذ إلى الأرض، وقيل إنما فعل ذلك بزوجته آسية، وقيل إنما فعل بماشطة ابنته لأنها كانت آمنت بموسى، والطغيان تجاوز الحدود، والصب يستعمل في السوط لأنه يقتضي سرعة في النزول، ومنه قول الشاعر في المحدودين في الإفك: شعر : فصبت عليهم محصرات كأنها شآبيب ليست من سحاب ولا قطر تفسير : ومن ذلك قول المتأخر في صفة الخيل: شعر : صببنا عليها ظالمين سياطنا فطارت بها أيدٍ سراع وأرجل تفسير : وإنما خص "السوط" بأن يستعار للعذاب لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره، وقال بعض اللغويين: "السوط" هنا مصدر من ساط يسوط إذا اختلط فكأنه قال خلط عذاب، و "المرصاد" موضع الرصد، قاله اللغويون، أي أنه عند لسان كل قائل، ومرصد لكل فاعل، وعلى هذا التأويل في المرصاد جواب عامر بن عبد قيس لعثمان حين قال له: أين ربك يا أعرابي؟ قال بالمرصاد، ويحتمل أن يكون "المرصاد" في الآية اسم فاعل كأنه قال لبالراصد فعبر بالمبالغة، وروي في بضع الحديث أن على جسر جهنم ثلاث قناطر على إحداهما الأمانة وعلى إحداهما [الرحم] وعلى الأخيرة الرب تبارك وتعالى، فذلك قوله {لبالمرصاد}.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْفَجْرِ} انفجار الصبح من أفق المشرق، وعبر به عن النهار كله لانه أوله "ع" أو أراد بدو النهار من كل يوم أو صلاة الصبح "ع" أو فجر يوم النحر خاصة.

النسفي

تفسير : بسم الله الرحمٰن الرحيم {وَٱلْفَجْرِ } أقسم بالفجر وهو الصبح كقوله {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ }تفسير : [المدثر: 34]، أو بصلاة الفجر {وَلَيالٍ عَشْرٍ } عشر ذي الحجة أو العشر الأول من المحرم، أو الآخر من رمضان. وإنما نكرت لزيادة فضيلتها {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ } شفع كل الأشياء ووترها أو شفع هذه الليالي ووترها، أو شفع الصلاة ووترها، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه اليوم التاسع، أو الخلق والخالق. {وَٱلْوَتْرِ } حمزة وعلي، وبفتح الواو غيرهما، وهما لغتان: فالفتح حجازي والكسر تميمي. وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم فقال {وَٱلَّيْلِ } وقيل: أريد به ليلة القدر {إِذَا يَسْرِ } إذا يمضي وياء {يَسْرِ } تحذف في الدرج اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وسأل واحد الأخفش عن سقوط الياء فقال: لا، حتى تخدمني سنة فسأله بعد سنة فقال: الليل لا يسري وإنما يسرى فيه، فلما عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقة. وقيل: معنى يسري: يسرى فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه. {هَلْ فِى ذَلِكَ } أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء {قَسَمٌ } أي مقسم به {لِّذِى حِجْرٍ } عقل سمي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية لأنه يعقل وينهى، يريد هل تحقق عنده أن تعظم هذه الأشياء بالإقسام بها، أو هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر أي هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ أو هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي عقل ولب؟ والمقسم عليه محذوف وهو قوله «ليعذبن» يدل عليه قوله {أَلَمْ تَرَ } إلى قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ }. ثم ذكر تعذيب الأمم التي كذبت الرسل فقال {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذاتِ ٱلْعِمَادِ } أي ألم تعلم يا محمد علماً يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهام تقرير قيل: لعقب عاد ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد ما يقال لبني هاشم هاشم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، والإرم تسمية لهم باسم جدهم ومن بعدهم عاد الأخيرة، فـ {إِرَمَ } عطف بيان لـ {عَادٍ } وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ابن الزبير {بِعَادٍ * إِرَمَ } على الإضافة وتقديره بعاد أهل إرم كقوله {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : [يوسف: 82] ولم تنصرف ـ قبيلة كانت أو أرضاً ـ للتعريف والتأنيث وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وإن كانت صفة للبلدة أنها ذات أساطين. ورُوي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمة، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل {ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ } أي مثل عاد في قوتهم وطول قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ } قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً. قيل: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة {بِٱلْوَادِ } بوادي القرى {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ } أي ذي الجنود الكثيرة وكانت لهم مضارب كثيرة يضربونها إذا نزلوا. وقيل: كان له أوتاد يعذب الناس بها كما فعل بآسية {ٱلَّذِينَ } في محل النصب على الذم، أو الرفع على «هم الذين»، أو الجر على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون {طَغَوْاْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } تجاوزوا الحد {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ } بالكفر والقتل والظلم {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } مجاز عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه إذا الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا عذاباً مؤلماً دائماً {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } وهو المكان الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده، وهذا مثل لإرصاده العباد وأنهم لا يفوتونه، وأنه عالم بما يصدر منهم وحافظه فيجازيهم عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {والفجر} أقسم الله عزّ وجلّ بالفجر وما بعده لشرفها وما فيها من الفوائد الدينية وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة، على التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية أنها تبعث على الشكر. واختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس، أنه قال: الفجر هو انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث. وعن ابن عباس أيضاً أنه صلاة الفجر، والمعنى أنه أقسم بصلاة الفجر لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة يشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، وقيل إنه فجر معين. واختلفوا فيه، فقيل هو فجر أول يوم من المحرم، لأن منه تنفجر السنة وقيل هو فجر ذي الحجة، لأنه قرن به الليالي العشر، وقيل هو فجر يوم النحر، لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات. {وليال عشر} قيل إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف الذي لا يحصل في غيرها. روي عن ابن عباس أنها العشر الأول من ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج، وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله قال: "حديث : ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر"تفسير : ، وذكر الحديث، وروي عن ابن عباس قال: هي العشر الأواخر من رمضان، لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله، يعني للعبادة؛ وقيل هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. {والشفع والوتر} قيل الشفع هو الخلق، والوتر هو الله تعالى يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري، وقيل الشفع هو الخلق كالإيمان والكفر، والهدى، والضلالة، والسعادة، والشقاوة، والليل، والنهار، والأرض، والسماء، والشمس، والقمر، والبر، والبحر، والنور، والظلمة، والجن، والإنس. والوتر هو الله تعالى، وقيل الخلق كله فيه شفع وفيه وتر. وقيل هما الصلوات منها شفع ومنها وتر عن عمران بن حصين رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله سئل عن الشفع والوتر قال: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب وعن ابن عباس قال: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب، وعن عبد الله بن الزبير قال: الشفع النفر الأول، والوتر النفر الأخير، وروي أن رجلاً سأله عن الشفع، والوتر، والليالي العشر فقال: أما الشفع والوتر فقول الله عزّ وجلّ: {أية : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} تفسير : [البقرة: 203] فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر فالثمان، وعرفة والنحر، وقيل الشفع الأيام، والليالي؛ والوتر اليوم الذي لا ليلة معه، وهو يوم القيامة، وقيل الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار لأنها سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل الشفع أوصاف المخلوقين المتضادة، مثل العز، والذل، والقدرة، والعجز، والقوة، والضعف، والغنى، والفقر، والعلم، والجهل، والبصر، والعمى، والموت، والحياة، والوتر، صفات الله تعالى التي تفرد بها عزّ بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وغنى بلا فقر، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: روى ابن مهران وابن الاسكندراني عن أبي عمرو أنه كان يقف على {والفجر} وأشباهها من ذوات الراء بنقل حركة اراء إلى ما قبله و {الوتر} بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: بالفتح {يسري} و {بالوادي} {أكرمني} و {أهانني} بالياء في الحالين: يعقوب والهاشمي عن البزي والقواس وأبو ربيعة عن أصحابه. وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل {أكرمني} و {أهانني} بالياء في الوصل وبغير ياء في الوقف {بالوادي} بالياء في الوصل: ورش وسهل وعباس. الباقون: كلها بغير ياء {فقدّر} بالتشديد: ابن عباس ويزيد {ربي} بالفتح: أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو. {يكرمون} {ولا يحضون} {ويأكلون} {ويحبون} كلها على الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون: بتاء الخطاب {تحاضون} بفتح التاء الفوقانية والألف من التفاعل: عاصم وحمزة وعلي ويزيد {لا يعذب} {ولا يوثق} بتح الذال والثاء: عليّ والمفضل وسهل ويعقوب. الآخرون: بكسرهما. الوقوف: {والفجر} ه لا {عشر} ه ك {والوتر} ه ك {يسر} ه ك لجواز أن يكون جواب القسم المحذوف وهو ليبعثن أوليعذبن مقدراً قبل " هل " أو بعده {حجر} ه ط ثم الوقف المطلق على {لبالمرصاد} وما قبله وقف ضرورة {بعاد} ه لا {العماد} ه لا {البلاد} ه ص {بالواد} ك {الأوتاد} ه ك {البلاد} ه ك {الفساد} ه ك {عذاب} ه ج لاحتمال التعليل ولما قيل: إن جواب القسم قوله {إن ربك لبالمرصاد} وما بينهما اعتراض. {لبالمرصاد} ه ج {أكرمن} ه ج لابتداء شرط {أهانن} ه ج لأن " كلا " يحتمل معنى " إلا " وحقاً ومعنى الردع. {اليتيم} ه لا {المسكين} ه ط {لما} ه ط {جماً} ه ك {دكاً} ه لا {دكاً} ه ك {صفاً} ه لا {صفاً} ه ك {بجهنم} ه {الذكرى} ه ج لأن ما بعده مستأنف كأنه قيل: كيف يتذكر {لحياتي} ه ج {أحد} ه لا {أحد} ه ط {المطمئنة} ه ط {مرضية} ه {عبادي} ه {جنتي} ه. التفسير: إقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبىء عن شرفها وأن فيها فوائد دينية ودنيوية. أما الفجر فعن بعضهم أنه الغيران التي تتفجر منها المياه، والأظهر ما روي عن ابن عباس أنه الصبح الصادق ويوافقه قوله في المدّثر {أية : والصبح إذا أسفر}تفسير : [الآية: 34] وفي " كورت " {أية : والصبح إذا تنفس}تفسير : [الآية: 18] وذلك أن فيه عبرة للمتأمل لما يحصل من انفجار الضوء فيما بين الظلام، وانتشار الحيوان من أوكارها لطلب المعاش كما في نشور الموتى من قبورهم. وقيل: المضاف محذوف أي ورب الفجر أو أقسم بصلاة الفجر. وخصه بعضهم بفجر النحر لأنه يوم الضحايا والقرابين، وبعضهم بفجر المحرّم لأنه أوّل يوم السنة، وبعضهم بفجر ذي الحجة لقوله {وليال عشر} والتنكير لأنها ليال معدودة من ليالي السنة أو لأنها مخصوصة بفضائل كما جاء في الخبر " حديث : ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من عشر ذي الحجة "تفسير : قال أهل المعاني: ولو عرّفت بناء على أنها ليال معلومة جاز إلا أن التعظيم المستفاد من التنكير يفوت التناسب بين اللامات إذ ذاك فعدم اللام خير من وجوده مخالفاً للباقية. وقيل: إنها عشر المحرم. وقيل: العشر الأخيرة من رمضان ولهذا سن فيها الاعتكاف وفيها ليلة القدر، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأخير شدّ المئزر وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد. وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد. والوتر بالفتح لغة أهل العالية، وبالكسر لغة تميم. واختلف المفسرون فيهما اختلافاً عظيماً فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين فتكون كقوله {أية : فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون} تفسير : [الحاقة: 38 - 39] وقيل: الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة، ونقائضها الجهل والعجز والموت. والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة بلا موت. وقيل الشفع والوتر: نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله {أية : علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}تفسير : [العلق: 4 - 5] الرابع الشفع الممكنات {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين}تفسير : [الذاريات: 49] والوتر الواجب تعالى وتقدّس. الخامس الشفع الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : إن الصلاة منها شفع ومنها وتر "تفسير : السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية، والوتر دركات النار وأبوابها وهي سبعة. السابع الشفع البروج الاثنا عشر، والوتر الكواكب السبعة. الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون. التاسع الشفع السجدتان والوتر الركوع. العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى {أية : فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً}تفسير : [البقرة: 60] والوتر معجزاته {أية : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}تفسير : [الإسراء: 101] وأظهر الأقوال ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة. وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا يمضي كقوله {أية : والليل إذا أدبر} تفسير : [المدثر: 33] وعن مقاتل: هو ليلة المزدلفة. وعلى هذا جوّز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج. يروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقدّم ضعفة أهله في هذه الليلة. والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلاً، ونهي لأنه يعقل وينهى، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط. قال الفراء: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها. والمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال بعضهم: فيه دليل على أنه تعالى أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم. ولقائل أن يقول: المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية. ثم إنه تعالى ذكر للعبرة ولتسلية نبيه صلى الله عليه وسلم قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال لأنهم أعلام في القوة والشدّة والتجبر. والمعنى ألم ينته علمك إليهم علماً يقرب المشاهدة لتعاضده بالوحي أو التواتر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل راءٍ. والمراد بعاد هو عاد الأولى القديمة ولهذا ابنه لزم لأنهم أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوع فسموا باسم جدهم. وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها. ولم ينصرف قبيلة أو أرضاً للعلمية والتأنيث. وقيل: الإرم العلم لأنهم كانوا يبنون أعلاماً كهيئة المنارة كقوله {أية : أتبنون بكل ريع آية} تفسير : [الشعراء: 128] وعلى هذين الوجهين يكون المضاف محذوفاً أي أهل البلدة أو الأعلام، وعلى الوجه الأخير لا يكون لمنع الصرف وجه ظاهر لكونه اسم جنس. والعماد بمعنى العمود لأنه ما يعمد أو جمع عمد. ثم إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو كانوا طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، أو كانت ذات البناء الرفيع. وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين. ثم قيل: هذه المدينة اسكندرية. وقيل: دمشق. واعترض بأن بلاد عاد كانت فيما بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال المسماة بلأحقاف. وروي أنه كان لعاد ابنان: شدّاد وشديد، فملكا وقهرا البلاد وأخذا عنوة وملكاً، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدنية عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار. ولم تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. ويروى أنه وضع إحدى قدميه فيها فأمر ملك الموت بقبض روحه. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ملك الموت حين عرج به إلى السماء فسأله: هل رققت لأحد من الخلائق الذين قبضت أرواحهم؟ فقال: نعم اثنان أحدهما طلف ولد بالمفازة ثم أمرت بقبض روح أمه ولم يكن هناك إنسان يتعهد الطفل، والثاني ملك اجتهد في بناء مدينة لم يخلق مثلها ثم لم يرزق رؤيتها بعد أن وضع رجله فيها يعني شداداً، فدعا الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يخبره بذلك فأوحى إليه أن ذلك الملك هو ذلك الطفل الذي ربيناه وآتيناه مملكة الدنيا. وحين قابل النعمة والملك بالكفران وبنى الجنان التي هي من مقدورات الله الرحمن جزيناه بالخيبة والحرمان. هكذا وجدت الحكاية في بعض التفاسير. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على تلك المدينة فحمل ما قدر عليه مما هناك، فبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له. ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. والضمير في {مثلها} لإرم لأنهم أطول الناس قدوداً وأشدّهم بناء، أو للمدينة أو للأعلام على اختلاف الأقوال. وجاب الصخرة أي الحجر العظيم قطعه كقوله {أية : وتنحتون من الجبال بيوتاً}تفسير : [الشعراء: 149] والوادي وادي القرى قاله مقاتل. وقد قيل: لفرعون ذي الأوتاد لكثرة جنوده أو لتعذيبه للناس بالأوتاد الأربعة وقد مرّ في " ص ". وصب السوط كناية عن التعذيب المتواتر، وفيه إشارة إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلاً وقد أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله {إن ربك لبالمرصاد} أي يمهل ولكنه لا يهمل. والمرصاد المكان الذي يرقب فيه الرصد، والباء بمعنى " في" وهو مثل لعدم الإهمال. وقيل لبعض العرب: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ السورة عند المنصور حتى بلغ الآية فقال {إن ربك لبالمرصاد} يا أبا جعفر عرض له في هذا بأنه من الجبابرة الذين وعدوا بها. وقال الفراء: معناه إليه المصير فيكون وعداً ووعيداً للمؤمن والكافر. قال أهل النظم: لما ذكر أنه تعالى بمرصد من أعمال بني آدم عقبه بتوبيخ الإنسان على قلة اهتمامه بأمر الآخرة وفرط تماديه في إصلاح المعاش كأنه قيل: نحن مترقبون لمجازاة الإنسان على ما سعى، فأما هو فإنه لا يهمه إلا الدنيا وطيباتها فإن وجد راحة فرح بها وإن مسه ضرّ كند. والظاهر أن الإنسان للجنس. وعن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة. وعن الكلبي هو أمية بن خلف. ومعنى الابتلاء في البسط والضيق وهو أنه سبحانه يعامل المكلف معاملة المختبر ليظهر أنه هل يتلقى النعمة بالشكر والضيق بالصبر أم لا كقوله {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة} تفسير : [الأنبياء: 35] وتقدير الكلام فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه {وأما} هو فيقول ربي أهانن {إذا ما ابتلاه فقدر} أي ضيق {عليه رزقه} فقوله {فيقول} خبر المبتدأ في الموضعين {وإذا ما ابتلاه} ظرف لـ {يقول} وإنما قال في جانب البسط {فأكرمه ونعمه} أي جعله ذا نعمة وثروة ولم يقل في طرف القبض " فأهانه وقدر عليه" لأن رحمته سبقت غضبه فلم يرد أن يصرح بإهانة عبده، ولئلا يكون الكلام نصاً في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد يكون سبباً لصلاح معاش العبد ومعاده. وأما البسط فهو إكرام في الظاهر الغلب، والبسط لأجل الاستدراج قليل وعلى قلته فهو خير من خسران الدنيا والآخرة جميعاً. وعلام توجه الإنكار والذّم؟ فيه وجهان: أحدهما على قوله {ربي أهانن} فقط لأنه سمي ترك التفضل إهانة وقد لا يكون كذلك.والثاني على مجموع الأمرين لا من حيث مجموعهما بل على كل منهما. أما على دعوى الإهانة فكما قلنا، وأما على دعوى الإكرام فلأنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام كقوله {أية : إنما أوتيته على علم عندي}تفسير : [القصص: 78] وكان عليه أن يرى ذلك محض الفضل والعناية منه تعالى، أو لأنه قال في ذلك كبراً وافتخاراً وتكاثراً، أو لأن هذا القول يشبه قول من لا يرى السعادة إلا في اللذات العاجلة، أو قول من غفل عن الاستدراج والمكر. ويحتمل أن يتوجه الذم على مجموع الأمرين من حيث المجموع حتى لو قال في البسط " أكرمني " تحدثاً بنعمة الله، وفي القبض لم يقل " أهانني" بل قال " الحمد لله على كل حال" لم يكن مذموماً. ثم ردع الإنسان عن تلك المقالة بقوله {كلا} أي لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ ولا بالفقر لهوانه لديّ ولكنهما من محض المشيئة، أو على حسب المصالح. ثم نبه الإضراب في قوله {بل لا تكرمون اليتيم} على أن هناك شراً من ذلك وهو أنه يكرمهم بكثرة المال ثم لا يؤدّون حق الله فيه. وعن مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه فنزلت. والتراث أصله الوراث نحو تجاه ووجاه. واللم الجمع لشديد ومنه كتيبة ملمومة مصدر جعل نعتاً أي أكلاً جامعاً بجميع أجزائه كقوله {أية : ولا تأكلوها إسرافاً}تفسير : [النساء: 6] وقال الحسن: أي يجمعون نصيب اليتامى إلى نصيبهم كقوله {أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}تفسير : [النساء: 2] وقيل: جامعاً بين حلال ما جمعه الميت وبين حرامه. وقيل: جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة اللذيذة والملابس الفاخرة كما يفعل أهل البطالة من الورّاث. والجم الكثير جم الماء وغيره يجم جموماً إذا كثر جامّ، وجمّ نهي عن التهالك. والشره على جمع المال. وفي وصف الحب بالجم دلالة على أن حب المال وتعلق القلب بتحصيل ما يسدّ الخلة منه غير مكروه بل مندوب إليه لبقاء نظام العالم على أن كل السلامة وجل الفراغ في الترك كما هو دأب المتوكلين. شعر : إن السلامة من ليلى وجارتها أن لا تمر على حال بواديها تفسير : ولا ينبئك مثل خبير. ثم ردعهم عن الفعل المذكور وذكر تحسر المقصر في طاعة الله يوم القيامة. وجواب " إذا " محذوف بعد {صفاً} أبو بعد قوله {بجهنم} ليذهب الوهم كل مذهب أي كان ما كان من الأهوال. ثم استؤنف {وجيء يومئذ} أو عطف على ما قبله ويوقف على هذا التقدير على قوله {بجهنم} ويكون {يومئذ} الثانية متعلقاً بما بعده، ويجوز أن يكون " إذا " منصوباً بـ {يتذكر} و {يومئذ} الثانية بدل منه. ومعنى {دكاً دكاً} دكاً بعد دك كما قيل في " لبيك " أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منبثاً. وقال المبرد: استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وقلاعها حتى تصير قاعاً صفصفاً، ولعل هذا الذي بعد الزلزلة. قوله {وجاء ربك} أي أمره بالجزاء والحساب أو قهره أو دلائل قدرته. ويجوز أن يكون تمثيلاً لهول ذلك اليوم كما إذا حضر الملك بنفسه وجنوده كان أهيب وتنزل ملائكة كل سماء {صفاصفاً} أي مصطفين صفوفاً مرتبة. يروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اشتد على أصحابه فجاء علي رضي الله عنه فاحتضنه وقبل عاتقة ثم قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم حتى غيرك؟ فتلا عليه الآية. فقال له عليّ: كيف يجاء بجهنم؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شرارة لو تركت لأحرقت أهل الجمع. قال الأصوليون: معنى جيء بجهنم برزت وأظهرت فإن جهنم لا تنتقل من مكان إلى مكان. قوله {وأنى له} أي ومن أين له منفعة {الذكرى} ثم فسر التذكر وإنما قدرنا المضاف احترازاً من التنافي وإلا فلا وجه للاستفهام الإنكاري بعد إثبات التذكر بأنه يقول {يا ليتني قدمت} خيراً أو عملاً صالحاً {لحياتي} هذه وهي الحياة الأخيرة، أو اللام بمعنى الوقت أي وقت حياتي في الدنيا. وقد يرجع هذا الوجه لأن أهل النار لا حياة لهم في الحقيقة كما قال {أية : لا يموت فيها ولا يحيا} تفسير : [الأعلى: 13] ويمكن أن يجاب بأن الحياة المضاهية للموت أو التي هي أشدّ من الموت حياة أيضاً، وبأن حياة الآخرة يراد بها البقاء المستمر الدائم وهذا المعنى شامل لأهل النار ولأهل الجنة جميعاً. قالت المعتزلة: في هذا التمني دليل واضح على أن الاختيار كان زمامه بيده، ويحتمل أن يجاب بأن استحالة متمناه قد تكون من جهة أن الأمر في الدنيا لم يكن إليه فيتحسر على ذلك. وقال في التفسير الكبير: فيه دليل على أن قبول التوبة لا يجب عقلاً. ويرد عليه أنه لا يلزم من عدم قبولها في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف كإيمان اليأس. من قرأ {لا يعذب} {ولا يوثق} على البناء للفاعل فمعناه على ما قال مقاتل: لا يعذب عذاب الله أي عذابه أحد من الخلق. ضعف بأن يوم القيامة لا يعذب أحد سوى الله فلا يتصور لهذا النفي فائدة. وأجيب بأن المراد لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد لأن الأمر يومئذ لله وحده، أو لا يعذب أحد في الدنيا ولا يوثق مثل عذاب الله الكافر ومثل إيثاقه إياه في الشدّة والإيلام. وقال أبو علي الفارسي: تقديره لا يعذب أحد من الزبانية أحداً مثل عذاب هذا الإنسان وهو أمية بن خلف، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في كفره وفساده. ومن قرأ بناء الفعل للمفعول فيهما فظاهر. والضمير في {عذابه} و {وثاقه} للإنسان. ويمكن أن يراد لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام: 164] قال الواحدي: وهذا أولى الأقوال. ثم ذكر بشارة الأبرار وهو أن يقول للمؤمن بذاته أو على لسان ملك {يا أيتها النفس المطمئنة} أي بذكر الله أو بتحصيل الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة التي تسكن النفس السليمة إليها {ارجعي إلى ربك} إلى حيث لا مالك سواه أو إلى ثوابه {راضية} بما حكم عليك وقدر لك {مرضية} عند الله نظيره {أية : رضي الله عنهم ورضوا عنه}تفسير : [البينة: 8] وهذه صفة أرباب النفوس الكاملة وإن كانوا بعد في دار التكليف ولهذا رتب على هذه الصفة قوله {فادخلي في عبادي} أي في جملة الصالحين {وادخلي جنتي} وهي في الدنيا مقام الرضا والتسليم. وإذا كانت النفس متحلية بالكمالات الحقيقية والمعارف اليقينية في حياته العاجلة كانت أهلاً لهذه البشارة عند الموت وعند البعث وفي كل المواطن إلى دخول الجنة. وقيل: إنما يقال له هذا عند البعث والمعنى فادخلي في أجساد عبادي يؤيده قراءة ابن مسعود " في جسد عبدي " قالوا: أنزلت في حمزة بن عبد المطلب أو في خبيب بن عدي الذي صلبه أهله مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يغيرها. والظاهر العموم ولو سلم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

الثعالبي

تفسير : الفَجْرُ هنا عند الجمهور: هو المشهورُ المعروفُ الطالِعُ كلَّ يومٍ، وقال ابن عباس وغيره: الفجرُ الذي أقسَم اللَّه به صلاةُ الصبحِ، وقيل غيرُ هذا. [واخْتُلِفَ في الليالي العشرِ فقيلَ: العشرُ الأُوَلُ مِنْ رمضانَ، وقيلَ: العشرُ الأواخِر منه، وقيل: عَشْرُ ذي الحجةِ، وقيل: غيرُ هذا] واللَّه أعلم بما أراد، فإن صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ في هذا صِيْرَ إليْهِ، واخْتُلِفَ في «الشَّفْعِ وَالْوتر» ما هما؟ على أقوالٍ كثيرةٍ، ورَوى عمرانُ بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هي الصلواتُ منها الشَّفْعُ ومنها الوَتْرُ»تفسير : ، وسري الليل: هو ذهابُه وانقراضُه؛ هذا قولُ الجمهورِ، وقيل: المعنى: إذا يسرى فيه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْفَجْرِ}، قيل: جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]، قاله ابن الأنباري. وقيل: محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي: ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما فعل بالقرون الخالية. وقدَّره الزمخشريُّ: ليُعذبنَّ، قال: يدل عليه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} إلى قوله "فصبَّ". وقدره أبو حيَّان: بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي: لإيابهم إلينا وحسابهم علينا. وقال مقاتل: "هل" هنا: في موضع "إنَّ" تقديره: "إنَّ في ذلك قسماً لذي حجر، فـ "هل" هذا في موضع جواب القسم. انتهى. وهذا قول باطل؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسماً عليه تقدير تسليم أنَّ التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه. وقيل: ثم مضاف محذوف، أي: صلاة الفجر، أو ربِّ الفجر. والعامة: على عدم التنوين في: "الفَجْرِ، والوَتْرِ، ويَسْرِ". وأبو الدينار الأعرابي: بتنوين الثلاثة. قال ابن خالويه: هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي: بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه الألف واللام؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5189- أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذلَ والعِتابَنْ وقُولِي إنْ أصَبْتُ لَقدْ أصَابَنْ تفسير : يعني: هذا تنوين الترنُّم، وهو أن العربي إذا أراد ترك الترنُّم - وهو: مدّ الصوت - نوَّن الكلمة، وإنما يكن في الروي المطلق. وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال: بل ينبغي أن يسموه بتنوين تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى: التنوين الغالي وهو ما يلحقُ الرويَّ المقيد؛ كقوله: [الرجز] شعر : 5190- خَــاوِي المُختَــــرَقْنْ تفسير : على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم التنوين مذكورة في علم النحو. والحاصل: أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها: "الرَّسُولا، والسَّبِيلا، والظُّنُونَا" "في الأحزاب 10 و 66 و 67" و "المتعال" في الرعد و "عَشْرٍ" هنا. قال الزمخشري: فإن قيل: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليال معلومة معهودة؟. قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتَّعميَة. يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إمَّا للجنس، وإما للعهد, والغرض الظاهر أن اللامات في: "الفجر" وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة بلام العهد لفات التجانس. أقسم سبحانه: بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر: أقسام خمسة. واختلف في "الفجرِ"، فقال عليٌّ وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهم -: "الفَجْر" هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. قال ابنُ الخطيب: أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى: {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} تفسير : [التكوير: 18]، ومدح بكونه خالقاً، فقال سبحانه: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} تفسير : [الأنعام: 96]. وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه: النهار كله، وعبر عنه بالفجر؛ لأنه أوله. وروى ابن محيصن عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ: يعني: فجر المحرم. قال قتادةُ: هو فجر أول يوم من المحرم منه تنفجر السنة، وعنه أيضاً: صلاة الصبح. وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن الله تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: "والفجر" قال: انشقاق الفجر من يوم الجمعة. وعن محمد بن كعب القرظي: "والفجر" قال: آخر أيام العشر إذا رفعت أو دفعت من جمع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى: {وَلَيالٍ عَشْرٍ} أي ليال عشر من ذي الحجة. وقيل: هي العيون التي تنفجر منها المياه. قوله: {وَلَيالٍ عَشْرٍ}. العامة: على "ليالٍ" بالتنوين، "عشر" صفة لها. وقرأ ابنُ عباسٍ: "وليالِ عشرٍ" بالإضافة. فبعضهم قال: "ليال" في هذه القراءة دون ياء، وبعضهم قال: "وليالي عشر" بالياء، وهو القياس. وقيل: المراد: ليالي أيام عشر، وكان من حقه على هذا أن يقال: عشرة؛ لأن المعدود مذكر. ويجاب عنه: بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان، ومنه: "وأتْبعَهُ بِستٍّ مِنْ شوَّالٍ". وسمع الكسائي: صمنا من الشهر خمساً. فصل في المراد بالعشر قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ والسديُّ والكلبيُّ: هو عشر ذي الحجة. وقال مسروقٌ: هي العشرة المذكورة في قوله - تعالى - في قصة موسى - عليه الصلاة والسلام: {أية : وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف: 142]، وهي أفضل أيام السنةِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ أيَّام العَملِ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى الله - تعَالَى - مِنْ عَشْرِ ذِي الحجَّةِ"تفسير : ؛ ولأن ليلة يوم النَّحرِ داخلة فيه رخّصه الله تعالى موفقاً لمن يدرك الموقف يوم عرفة. وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: هي العشرُ الأواخر من رمضان. وقال الضحاكُ: أقسم الله - تعالى - بها لشرفها بليلة القدرِ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان، شد المئزرَ، وأيقظ أهله للتهجد. وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - ويمان والطبريُّ: هو العشر الأول من المحرم؛ لأن آخرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم. قوله: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ}. قرأ الأخوان: بكسر الواو من: "الوِتْرِ". والباقون: بفتحها، وهما لغتان، كالحَبْرِ والحِبْر، والفتح: لغة قريش ومن والاها، والكسر: لغة تميم. وهاتان اللغتان في: "الوتر"، مقابل "الشفع"، فأما في "الوتر" بمعنى: التِّرة، فبالكسر وحده. قال الزمخشريُّ: ونقل الأصمعي فيه اللغتين أيضاً. وقرأ أبو عمرو في رواية يونس عنه: بفتح الواو وكسر التاء، فيحتملُ أن تكون لغة ثالثة، وأن يكون نقل كسرة الراء إلى التاء، إجراءً للوصل مجرى الوقف. فصل في الشفع والوتر قال ابنُ الخطيب: "الشَّفْعُ والوتْرُ": هو الذي تسميه العرب، الخساء والركاء، وتسميه العامة: الزَّوجُ والفَرْدُ. قال يونس: أهل العالية يقولون: "الوَتْرُ" بالفتح في العدد، و "الوِتْر" بالكسر في الذحل، وتميم يقولون: بكسر الواو فيهما، تقول: "أوترت أوتر إيتاراً" أي: جعلته وتراً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اسْتَجْمرَ فليُوتِرْ ". تفسير : واختلف في الشفع والوتر، فروى عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الشَّفعُ والوتر: الصَّلاة, مِنْها شَفعٌ، ومِنهَا وتْرٌ ". تفسير : قال جابر بن عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : {والفَجْرِ وليَالٍ عَشْرٍ} قال: "هُو الصُّبْحُ وعَشْرُ النَِّحْرِ، والوترُ: يومُ عرفَة، والشَّفعُ: يومُ النَّحْرِ" . تفسير : وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس وقال: حديث ابن الزبير عن جابر، وهو الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصح إسناداً من حديث عمران بن حصين، فيوم عرفة: وتر؛ لأنه تاسعها، ويوم النحر: شفع؛ لأنه عاشرها. وعن أبي أيوب، قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ}، قال: "الشَّفْعُ: يَومُ عَرفَةَ ويوْمُ النَِّحْرِ، والوترُ: ليْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ ". تفسير : وقال مجاهدٌ وابنُ السميفع وابنُ عباسٍ: الشفع: خلقه، قال الله تعالى: {أية : وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [النبأ: 8]، والوتْرُ: هو الله عز وجل. فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن رسول الله عليه وسلم. ونحوه قال محمدُ بن سيرين، ومسروق، وأبُو صالحٍ وقتادةُ، قالوا: الشَّفع: الخلقُ، قال تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49]: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والإنس والجن، والوَتْر: هو الله تعالى، قال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 1، 2]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ للهِ تِسْعَة وتسْعِينَ اسْماً، واللهُ وترٌ يُحِبُّ الوِتْرِ ". تفسير : وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: الشَّفعُ: صلاة الصبح، والوَتْرُ: صلاة المغرب. وقال الربيعُ بنُ أنس وأبو العالية: هي صلاة المغرب فالشفع منها: الركعتان الأوليان، والوتر: الثالثة. وقال ابنُ الزبير: الشفع: الحادي عشر، والثاني عشر من أيَّام منى، والوتر: اليوم الثالي، قال تعالى: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 203]. وقال عطاءٌ والضحاكُ: الشفعُ: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة. وقيل: الشفع والوتر: آدم - عليه الصلاة والسلام - كان وتراً، فشفع بزوجته حواء، رواه ابن أبي نجيحٍ، وحكاه القشيريُّ عن ابن عباس [رضي الله عنهما. وفي رواية: الشفع آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى. وقيل: الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر هي دركات النار، وهي سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الشفع: الصفا والمروة، والوتر: الكعبة. وقال مقاتل بن حيان: الشفع الأيام والليالي، والوتر الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقيل غير ذلك]. قال ابنُ الخطيبِ: كل هذه الوجوه محتملة، والظاهر لا شعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبرٌ عن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت، وجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز؛ لا على القطع، ولقائل أن يقول: إني أحمل الكلام على الكل؛ لأن الألف واللام في: "الشفع والوتر" يفيد العموم. قوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}، هذا قسم خامس، بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل علىالعموم، ومعنى "يَسْر" أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم؛ قال: [الطويل] شعر : 5191- لَقدْ لُمْتِنَا يا أم غِيلانَ في السُّرَى ونِمْتِ، ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنائمِ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ} تفسير : [سبأ: 33]، وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتيبي والأخفش. وقال أكثر المفسرين: معنى "يَسْر": سار فذهب. وقال قتادةُ وأبو العاليةِ: جاء وأقبل. وقيل: المراد: ينقص، كقوله: {أية : إِذْ أَدْبَرَ} تفسير : [المدثر: 33]، {أية : إِذَا عَسْعَسَ} تفسير : [التكوير: 17]. و "يَسْرِ": منصوب بمحذوف، هو فعل القسم، أي: أقسم به وقت سراه، وحذف ياء "يَسْري" وقفاً، وأثبتها وصلاً، نافع وأبو عمرو، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وحذفها في الحالين الباقون لسقوطها في خط المصحف الكريم. وإثباتها هو الأصل؛ لأنها لام فعل مضارع مرفوع، وحذفها لموافقة المصحف، وموافقة رءوس الآي، وجرياً للفواصل مجرى القوافي. ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل؛ فلأن الوقف محل استراحة. قال الزمخشري: "وياء "يسري" تحذف في الدَّرج اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة". وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، [تقديره:] ليعذبن، بدليل قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} تفسير : [الفجر: 6]، إلى قوله: {أية : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تفسير : [الفجر: 13] وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ}. قيل: "هل" على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير، كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت. وقيل: المراد بذلك: التوحيد، لما أقسم به وأقسم عليه، والمعنى: بل في ذلك مقنع لذي حجر، ومعنى "لذي حجر": لذي لبٍّ وعقلٍ؛ فقال الشاعر: [الطويل] شعر : 5192- وكَيْفَ يُرَجَّى أنْ تَتُوبَ وإنَّمَا يُرَجَّى مِنَ الفِتْيَانِ من كَانَ ذَا حِجْرِ تفسير : وقال أبو مالك: "لذِي حِجْرٍ": أي: لذي ستر من الناس. وقال الحسن: لذِي حِلْم. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حِجْر، ولذي عَقْل, ولذي حِلْم، ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. وأصل الحِجْر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها إنه لذو حجر. [ومنه سمي الحجر: المنع، لامتناعه بصلابته، ومنه: حجر الحاكم على فلان أي: منعه من التصرف، ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها]. وقال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، كأنه أخذ من قولك: حجرت على الرجل. والمعنى: أن كلَّ ذلك دال على أن كل ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه دلائل وعجائب على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. قال القاضي: وهذه الآية تدل على أن القسم واقع برب هذه الأمور؛ لأن الآية دالة على أن هذه مبالغة في القسم، والمبالغة لا تحصل إلا في القسم بالله تعالى؛ ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بغير الله تعالى.

البقاعي

تفسير : لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب، وكان تغيير الليل والنهار وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالاًّ على القدرة على البعث، وكان الحج قد جعله الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال: {والفجر *} أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره، وهو فجر يوم النحر الذي هو أول الأيام الآخذة في الإياب إلى بيت الله الحرام بدخول حرمه والتحلل من محارمه وأكل ضيافته. ولما ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح قد أضاء، ونهار قد انبرم، وانقضى، لا فرق بينه وبين ما مضى، عم فقال معبراً بالمقابل: {وليال عشر *} هي أعظم ليالي العام. وهي آية الله على البعث بالقيام إلى إجابة داعي الله تعالى على هيئة الأموات {والشفع} أي لمن تعجل في يومين {والوتر *} أي لمن أتم - قاله ابن الزبير، وروى أحمد والبزار برجال الصحيح عن عياش بن عقبة وهو ثقة عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : العشر الأضحى، والشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة ". تفسير : ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة، قال رادّاً لآخر القسم على أوله، ومذكراً بالنعمة وكمال القدرة، لأن الليل أخفاهما سُرى وسراً، فهو أعظمهما في ذلك أمراً، لأن سير النهار ظاهر لسرايته بخلاف الليل فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة {والّيل} أي من ليلة النفر {إذا يسر *} أي ينقضي كما ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم، وقد رجع آخر القسم على أوله - وأثبت الياء في يسري ابن كثير ويعقوب وحذفها الباقون، وعلة حذفها قد سأل عنها المؤرج الأخفش فقال: اخدمني سنة، فسأله بعد سنة فقال: الليل يسرى فيه ولا يسري، فعدل به عن معناه فوجب أن يعدل عن لفظه كقوله تعالى:{أية : وما كانت أمك بغيّاً}تفسير : [مريم: 28] لما عدل عن "باغية" عدل لفظه فلم يقل: بغية - انتهى، وهو يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات، والحكمة المعنوية فيه - والله أعلم - من جهة الساري وما يقع السرى فيه، فأما من جهة الساري فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده، فأشير إلى المجاورين بالحذف حثاً على ذلك لما فيه من جلالة المسالك، فكان ليل وصالهم ما انقضى كله، فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد، وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم آبوا راجعين إلى ديارهم فيما انكشف من نهارهم، وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى طوله تارة وقصره أخرى، فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى الطويل بما وقع من تمام سراه وما وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدم بين يدي الملك العلام كما قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى حيث قال مشيراً لذلك: شعر : كم ليلة فيك وصلنا السرى لا نعرف الغمض ولا نستريح تفسير : الأبيات المذكورة عنه في المزمل، فقد انقسم الليل إلى ذي طول وقصر، والساري فيه إلى ذي حضر وسفر، فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار، ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين وإبارة الجبارين، وأما "بغي" فذكرت حكمته في مريم. ولما كان هذا قسماً عظيماً في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر المشاعر وما فيها من الجموع والبكاء كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة: شعر : وليلة جمع والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل تفسير : وفي تذكيره بالبعث ودلالته عليه دلالة عقلية واضحة بالإيجاد بعد الإعدام مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي نفوس المخاطبين بها من الجلالة، نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {هل في ذلك} أي المذكور مع ما له من عليّ الأمر وواضح القدر {قسم} أي كاف مقنع {لذي} أي صاحب {حجر *} أي عقل فيحجره ويمنعه عن الهوى في درك الهوى، فيعليه إلى أوج الهدى، في درج العلا، حتى يعلم أن الذي فعل ما تضمنه هذا القسم لا يتركه سدى، وأنه قادر على أن يحيى الموتى، قال ابن جرير: يقال للرجل إذا كان مالكاً نفسه قاهراً لها ضابطاً: إنه لذو حجر - انتهى، فمن بلغ أن يحجره عقله عن المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجهاً آخر من الاعتبار، وهو أن يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم واجترامهم فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} إلى قوله: {إرم ذات العماد} إلى قوله: {إن ربك لبالمرصاد} أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات الخلائق ولا يغيب عنه ما أكنوه {أية : سواء منكم من أسر القول ومن جهر به}تفسير : [الرعد: 10] فهلا اعتبر هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ورفع السماء ونصب الجبال وسطح الأرض، وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم، فالإبل لأثقالهم وانتقالهم، والسماء لسقيهم وإظلالهم، والجبال لاختزان مياههم وأقلالهم، والأرض لحلهم وترحالهم، فلا بهذه الأمور كلها استبصروا، ولا بمن خلا من القرون اعتبروا، {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} على عظيم طغيانها وصميم بهتانها {إن ربك لبالمرصاد} فيتذكرون حين لا ينفع التذكر {إذا دكت الأرض دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} - انتهى. ولما كان التقدير كما هدى إليه السياق: ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ليحاسبن فيجازى كل أحد بما عمل، فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ثبتت قدرته على العذاب الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على البعث بسبب قدرته على ما رأيتم من خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في كل من العجائب بسبب قدرته على كل شيء، وهذا هو المقصود بالذات، حذف زيادة في تعظيمه واعتماداً على معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة وما قبلها. ولما طوى جواب القسم لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه، وتهويلاً له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه، وكان قد علمت القدرة عليه مما أشير إليه بالمقسم به، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى - للأمم الماضية، فقال مخاطباً لمن قال له في آخر تلك {أية : فذكر إنما أنت مذكر}تفسير : [الغاشية: 21] تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشعاراً بأنه لا يتدبره حق تدبره غيره، وتهديداً لمن كذب من قومه: {ألم تر} أي تنظر بعين الفكر يا أشرف رسلنا فتعلم علماً هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر، وعبر بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه: {كيف فعل ربك} أي المحسن إليك بإرسالك ختاماً لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا، وعملوا أعمال من يظن الخلود، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ فقال: {بعاد *} أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا: من أشد منا قوة؟ وقال لهم نبيهم هود صلى الله عليه وسلم:{أية : وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون}تفسير : [الشعراء: 129] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي دار الزوال، والقلعة والارتحال، والنكد والبلاء والكدر، والمرض والبؤس والضرر، فقال مبيناً لهم على حذف مضاف: {إرم} أي أهلها وعمدتها، وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب، ثم بينها بقوله: {ذات} أي صاحبة {العماد *} أي البناء العالي الثابت بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها، ولذا قال: {التي لم يخلق} أي يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة للتعميم {مثلها} يصح أن يعود الضمير على "عاد" باعتبار القبيلة، على "إرم" باعتبار البلدة، وأوضح هذا بقوله معمماً للأرض كلها: {في البلاد *} أي في بنائها ومرافقها وثمارها، وتقسيم مياهها وأنهارها، وطيب أرضها وحسن أطيارها، وما اجتمع بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم، وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم - قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان: على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يكون في الأرض مثلها، فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ذاك تسعمائة سنة، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب، وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد الله بن قلابة، خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية رضي الله عنه فوقع عليها، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه، وكان قد حمل معه بعض ما رأى فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه، وسمع به معاوية رضي الله عنه فأرسل إليه فحدثه، فأرسل، معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار فسأله عن ذلك فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أشقر أحمر قصير، على حاجبيه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل - ذكره شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف وقال: وآثار الوضع عليه لائحة، وقال جماعة منهم ابن عباس رضي الله عنهما: الأوصاف كلها للقبيلة وهم عاد الأولى، واسمها إرم باسم جدهم، وكانوا عرباً سيارة يبنون بيوتهم على الأعمدة على عادة العرب، ولم يخلق مثلهم أمة من الأمم في جميع البلاد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت ‏{‏والفجر‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ أنزلت ‏ {‏والفجر‏}‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردوية عن عائشة قالت: أنزلت {والفجر} بمكة. وأخرج النسائي عن جابر قال‏:‏ أفتان يا معاذ أين أنت من ‏{أية : سبح اسم ربك الأعلى‏}‏تفسير : [الأعلى: 1‏]‏ ‏{أية : ‏والشمس وضحاها} تفسير : [الشمس: 1‏]‏ ‏ {‏والفجر‏} ‏ ‏{أية : ‏والليل إذا يغشى‏}تفسير : [الليل: 1‏]‏. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله‏:‏ ‏ {‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ قسم أقسم الله به‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال‏:‏ إن الله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ فجر النهار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ هو الصبح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ طلوع الفجر غداة جمع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ فجر يوم النحر، وليس كل فجر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ يعني صلاة الفجر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر‏} ‏ قال‏:‏ هو المحرم أوّل فجر السنة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن النعمان قال‏:‏‏حديث : أتى عليّاً رجل فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أخبرني بشهر أصومه بعد رمضان‏.‏ قال‏:‏ لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً يسأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ "‏إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله وفيه يوم تاب فيه قوم وتاب فيه على آخرين" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:حديث : ‏ ‏‏قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال‏: ما هذا اليوم الذي تصومونه‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه آل فرعون، فصامه موسى شكراً لله‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء قالت‏:‏ "حديث : ‏‏أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه‏"‏تفسير : ‏.‏ قالت فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار، ونذهب بهم إلى المسجد، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الافطار‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ليس ليوم على يوم فضل في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأسود بن يزيد قال‏:‏ ما رأيت أحداً ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصوم يوم عاشوراء من عليّ وأبي موسى‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا‏:‏ يا رسول الله إنه تعظمه اليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود‏.‏ صوموا قبله يوماً وبعده يوماً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده يوم عاشوراء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر‏.‏ وأخرج البيهقي عن أبي جبلة قال‏:‏ كنت مع ابن شهاب في سفر فصام يوم عاشوراء، فقيل له‏:‏ تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان‏؟‏ قال‏:‏ إن رمضان له عدة من أيام أخر، وإن عاشوراء يفوت‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال‏:‏ يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏صوموه أنتم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه في سائر سنته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته‏"‏تفسير : قال البيهقي‏:‏ أسانيدها، وإن كانت ضعيفة، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوّة‏.‏ وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال‏:‏ كان يقال‏:‏ من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزالوا في سعة من رزقهم سائر سنتهم‏‏‏.‏ وأخرج البيهقي وضعفه عن عروة عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من اكتحل بالإِثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن جابر حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏والفجر وليال عشر والشفع والوتر‏}‏ قال‏:‏ إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وليال عشر‏}‏ قال‏:‏ عشرة الأضحى، وفي لفظ قال‏:‏ هي ليال العشر الأول من ذي الحجة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله‏:‏ ‏{‏وليال عشر‏} ‏ قال‏:‏ أول ذي الحجة إلى يوم النحر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مسروق في قوله‏:‏ ‏ {‏وليال عشر‏} ‏ قال‏:‏ هي عشر الأضحى، هي أفضل أيام السنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏وليال عشر‏}‏ قال‏:‏ عشر ذي الحجة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم في قوله‏:‏ ‏ {‏وليال عشر‏} ‏ قال‏:‏ عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مسروق ‏{‏وليال عشر‏} ‏ قال‏:‏ عشر الأضحى وهي التي وعد الله موسى قوله‏:‏ ‏{أية : ‏وأتممناها بعشر‏}‏ تفسير : ‏[الأعراف: 142]. وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبيدالله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة‏:‏ أليس هذه الليالي العشر التي ذكر الله في القرآن‏؟‏ فقال ابن عمر‏:‏ وما يدريك‏؟‏ قال‏:‏ ما أشك‏.‏ قال‏:‏ بلى فاشكك‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عطية في قوله‏:‏ ‏ {‏والفجر‏} ‏ قال‏: هذا الذي تعرفون ‏ {‏وليال عشر‏}‏ قال‏:‏ عشر الأضحى ‏ {‏والشفع‏}‏ قال‏:‏ يقول الله‏:‏ ‏{أية : ‏وخلقناكم أزواجا‏ً} تفسير : [النبأ: 8‏]‏ ‏ {‏والوتر‏} ‏ قال الله‏‏ قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل أفضل من أيام العشر، قيل يا رسول الله‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال‏:‏ بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة‏.‏ قال‏:‏ الأوزاعي‏:‏ حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين‏.‏ وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من أيام من أيام الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وليال عشر‏} ‏ قال‏:‏ هي العشر الأواخر من رمضان‏.‏ وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال‏:‏ كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأول من المحرم والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان‏.‏ أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عمران بن حصين‏ حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال‏: هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر‏ ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين ‏{‏والشفع والوتر‏}‏ قال‏:‏ الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ إن من الصلاة شفعاً وإن منها وترا‏ً.‏ قال‏:‏ قال الحسن‏:‏ هو العدد منه شفع ومنه وتر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ ذلك صلاة المغرب الشفع الركعتان والوتر الركعة الثالثة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ أقسم ربنا بالعدد كله الشفع منه والوتر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ الشفع الزوج، والوتر الفرد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏{‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ كل شيء شفع هو اثنان والوتر واحد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ الخلق كله شفع ووتر فأقسم بالخلق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ الله الوتر وأنتم الشفع‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن جبير وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏والشفع والوتر‏}‏ قال‏:‏ كل خلق الله شفع السماء والأرض والبر والبحر والإِنس والجن والشمس والقمر ونحو هذا شفع، والوتر الله وحده‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ الشفع آدم وحواء والوتر الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد من طريق اسماعيل عن أبي صالح ‏ {‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ خلق الله من كل زوجين اثنين، والله وتر واحد صمد‏.‏ قال اسماعيل‏:‏ فذكرت ذلك للشعبي، فقال‏:‏ كان مسروق يقول ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ من قال في دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه الله أكبر الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثاً ولا إله إلا الله مثل ذلك كن له في قبره نوراً وعلى الجسر نوراً وعلى الصراط نوراً حتى يدخل الجنة‏.‏ وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال‏: "‏حديث : يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع "‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ‏{‏والشفع والوتر‏} ‏ قال‏:‏ هي أيام نسك عرفة والأضحى هما للشفع، وليلة الأضحى هي الوتر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال‏:‏ الشفع قول الله‏:‏ ‏{أية : ‏فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} تفسير : [البقرة: 203‏] والوتر اليوم الثالث:، وفي لفظ الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس {‏والشفع والوتر‏}‏ قال‏:‏ الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ عرفة وتر ويوم النحر شفع عرفة يوم التاسع والنحر يوم العاشر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة‏.‏ أقسم الله بهما لفضلهما على العشر‏.‏ أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والليل إذا يسر‏} ‏ قال‏:‏ إذا ذهب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير ‏ {‏والليل إذا يسر‏}‏ قال‏:‏ إذا سار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والليل إذا يسر‏} ‏ قال‏:‏ إذا سار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏والليل إذا يسر‏}‏ قال‏:‏ ليلة جمع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قيل له‏:‏ ما ‏ {و‏الليل إذا يسر‏} ‏ قال‏:‏ هذه الإِفاضة اسر يا ساري ولا تبيتن إلا بجمع‏.‏ أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ ‏ {‏والفجر‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏إذا يسر‏} ‏ قال‏:‏ هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏قسم لذي حجر‏} ‏ قال‏:‏ لذي حجا وعقل ونهى‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏لذي حجر‏} ‏ قال‏:‏ لذي حلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ‏{‏لذي حجر‏}‏ قال‏:‏ ستر من النار‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏لذي حجر‏} ‏ قال‏:‏ لذي لب‏.‏ قال الحارث بن ثعلبة‏:‏ شعر : وكيف رجائي أن أتوب وإنما يرجى من الفتيان من كان ذا حجر تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم‏} ‏ قال‏:‏ يعني بالإِرم الهالك ألا ترى أنك تقول‏:‏ إرم بنو فلان ‏ {‏ذات العماد‏}‏ يعني طولهم مثل العماد‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏بعاد إرم‏}‏ قال‏:‏ القديمة ‏ {‏ذات العماد‏} ‏ قال‏:‏ أهل عمود لا يقيمون‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏إرم} قال‏:‏ أمة ‏ {‏ذات العماد‏} ‏ قال‏:‏ كان لها جسم في السماء‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏بعاد إرم‏} ‏ قال‏:‏ عاد بن إرم نسبهم إلى أبيهم الأكبر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد كان يقال لهم ذات العماد، كانوا أهل عمود ‏{‏التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ‏ {‏إرم ذات العماد‏}‏ فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ ارم هي دمشق‏.‏ وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن خالد الربعي مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ إرم هي الاسكندرية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال‏:‏ الإِرم هي الهلاك، إلا ترى أنه يقال‏:‏ ‏"‏أرمَّ بنو فلان أي هلكوا‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ هذا التفسير على قراءة شاذة أرمَّ بفتحتين وتشديد الراء على أنه فعل ماض ‏‏و {ذات‏} ‏ بفتح التاء مفعوله أي أهلك الله ذات العماد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ‏ {‏إرم‏} ‏ قال رمهم رماً فجعلهم رمما‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏{‏ذات العماد‏} ‏ ذات الشدة والقوّة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏جابوا الصخر بالواد‏} ‏ قال‏:‏ كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً ‏{‏وفرعون ذي الأوتاد‏} ‏ قال‏:‏ الأوتاد الجنود الذين يشيدون له أمره‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏جابوا الصخر‏} قال نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف ذلك العرب‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول أمية‏:‏ شعر : وشق أبصارنا كيما نعيش بها وجاب للسمع أصماخاً وآذاناً تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏جابوا الصخر‏} ‏ قال‏:‏ حرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً ‏ {‏وفرعون ذي الأوتاد‏} ‏ قال‏:‏ كان يتد الناس بالأوتاد ‏{‏فصب عليهم ربك سوط عذاب‏}‏ قال‏:‏ ما عذبوا به‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏ذي الأوتاد‏}‏ قال‏:‏ وتد فرعون لأمرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ‏{‏وفرعون ذي الأوتاد‏}‏ قال‏:‏ كان يجعل رجلاً هنا ورجلاً هنا ويداً هنا ويداً هنا بالأوتاد‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إنما سمي فرعون ذا الأوتاد لأنه كان يبني له المنابر يذبح عليها الناس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ كان يعذب بالأوتاد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ كان فرعون إذا أراد أن يقتل أحداً ربطه بأربعة أوتاد على صخرة ثم أرسل عليه صخرة من فوقه فشدخه وهو ينظر إليها قد ربط بكل يد منها قائمة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وفرعون ذي الأوتاد‏}‏ قال‏:‏ ذي البناء قال‏:‏ وحدثنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كانت له مظال يلعب تحتها وأوتاد كانت تضرب له‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏فأكثروا فيها الفساد‏} ‏ قال‏:‏ بالمعاصي ‏{‏فصب عليهم ربك سوط عذاب‏} ‏ قال‏:‏ رجع عذاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كل شيء به فهو سوط عذاب‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ثلاثون {وَٱلْفَجْرِ} أقسمَ سبحانَهُ بالفجرِ كما أقسمَ بالصبحِ حيثُ قال: {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}تفسير : [سورة التكوير، الآية 18] وقيلَ: المرادُ به صلاتُه {وَلَيالٍ عَشْرٍ} هن عشرُ ذِي الحجةِ ولذلكَ فُسِّرَ الفجرُ بفجرِ عرفةَ أو النحرِ، أو العشرُ الأواخرُ من رمضانَ وتنكيرُها للتفخيمِ وقُرِىءَ وَليالٍ عشرٍ بالإضافةِ على أنَّ المرادَ بالعشرِ الأيامُ {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} أي الأشياءِ كلِّها شفعِها ووترِها أو شفعِ هذه الليالِي ووترِها وقد رُويَ أن النبـيَّ عليه الصلاةُ والسلامُ فسرهُمَا بـيومِ النحرِ ويومِ عرفةٍ ولقد كثُرتْ فيهما الأقوالُ والله تعالَى أعلمُ بحقيقةِ الحالِ وقُرِىءَ بكسرِ الواوِ وهما لغتانِ كالحَبْرِ والحِبْرِ وقيلَ: الوَترُ بالفتحِ في العددِ وبالكسرِ في الذَحل وقُرِىءَ والوترِ وقُرِىءَ والوَتِرِ بفتحِ الواوِ وكسرِ التاءِ. {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أيْ يَمْضِي كقولِه تعالى: { أية : وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} تفسير : [سورة المدثر، الآية 33] { أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} تفسير : [سورة التكوير، الآية 17] والتقيـيدُ لما فيهِ من وضوحِ الدلالةِ على كمالِ القدرةِ ووفورِ النعمةِ أو يُسرِيَ فيهِ من قولِهم: صَلَّى المقامُ أي صُلِّيَ فيهِ وحَذْفُ الياءِ اكتفاءً بالكسرِ. وقُرِىءَ بإثباتِها على الإطلاقِ وبحذفِها في الوقفِ خاصَّة وقُرِىءَ يسرٍ بالتنوينِ كما قُرِىءَ والفجرٍ، والوترٍ وهو التنوينُ الذي يقعُ بدلاً من حرفِ الإطلاقِ {هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ} الخ تحقيقٌ وتقريرٌ لفخامةِ شأنِ المُقْسَمِ بهَا وكونِها أموراً جليلةً حقيقةً بالإعظامِ والإجلالِ عندَ أربابِ العقولِ وتنبـيهٌ على أنَّ الإقسامَ بها أمرٌ معتدٌّ به خليقٌ بأنّ يُؤكدَ بهِ الأخبارُ على طريقةِ قولِه تعالى: { أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [سورة الواقعة، الآية 76] وذلكَ إشارةٌ إمَّا إلى الأمورِ المقسمِ بهَا والتذكيرُ بتأويلِ ما ذُكِرَ كما مَرَّ تحقيقُه أو إلى الإقسامِ بهَا وأياً ما كانَ فمَا فيه من مَعْنى البُعْدِ للإيذان بعلوِّ رتبةِ المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الشرفِ والفضلِ أيْ هِلْ فيما ذُكِرَ من الأشياءِ قسمٌ أيْ مقسمٌ بهِ {لّذِى حِجْرٍ} يراهُ حقيقاً بأنْ يقسمَ بهِ إجلالاً وتعظيماً والمرادُ تحقيقُ أنَّ الكلَّ كذلكَ وإنما أُوثرتْ هذه الطريقةُ هَضْماً للخلقِ وإيذاناً بظهورِ الأمرِ أو هَلْ في إقسامِي بتلكَ الأشياءِ إقسامٌ لذي حجرٍ مقبولٌ عندَهُ يعتدُّ بهِ ويفعلُ مثلَهُ ويؤكدُ بهِ المقسمَ عليهِ والحِجْرُ العقلُ لأنه يحجُرُ صاحبَهُ أي يمنعُهُ من التهافتِ فيمَا لا ينبغِي كما سُميَ عقلاً ونُهيةً لأنَّه يعقلُ ويَنْهَى، وحصاةً أيضاً من الإحصاءِ وهو الضبطُ. قال الفراءُ: يقالُ: إنَّه لذُو حجرٍ إذَا كانَ قاهِراً لنفسِه ضابطاً لهَا والمقسمُ عليهِ محذوفٌ وهُو ليُعذَّبَنَّ كما ينبىءُ عنه قولُه تعالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} الخ، فإنَّه استشهادٌ بعلمِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بمَا يدلُّ عليهِ من تعذيبِ عَادٍ وأضرابِهم المشاركينَ لقومِه عليه الصلاةُ والسلامُ في الطغيانِ والفسادِ على طريقةِ قولِه تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 258] الآيةَ. وقولُه تعالَى: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ} تفسير : [سورة الشعراء، الآية 225] كأنَّه قيلَ: ألم تعلم علماً يقينياً كيفَ عذبَ ربُّكَ عاداً ونظائرَهُم فيعذبُ هؤلاءِ أيضاً لاشتراكِهم فيما يوجبُه من الكفرِ والمعاصِي والمرادُ بعادٍ أولادُ عادٍ بنِ عوصَ بنِ إرمِ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه السلامُ قومُ هودٍ عليه السلامُ سُمُّوا باسمِ أبـيهِم كما سُمِّيَ بنُو هاشمٍ هاشماً وقد قيلَ لأوائلِهم: عادٌ الأُولى ولأواخرِهم: عادٌ الآخرةُ قال عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ: "كلُّ ما وردَ في القرآنِ خبرُ عادٍ الأُولى إلا مَا في سورةِ الأحقافِ" وقولُه تعالى: {إِرَمَ} عطفُ بـيانٍ لعادٍ للإيذانِ بأنَّهم عادٌ الأُولى بتقديرِ مضافٍ أيْ سبطُ إرمٍ أو أهلُ إرمٍ على ما قيلَ من أنَّ إرمَ اسمُ بلدتِهم أو أرضِهم التي كانُوا فيهَا ويؤيدُه القراءةُ بالإضافةِ وأياً ما كانَ فامتناعُ صرفِها للتعريفِ والتأنيثِ وقُرِىءَ إِرْمَ بإسكانِ الراءِ تخفيفاً كما قُرِىءَ بِوَرْقِكُم {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} صفةٌ لإرمَ أيْ ذاتُ القدودِ الطوالِ على تشبـيهِ قاماتِهم بالأعمدةِ ومنه قولُهم: رجلٌ عمدٌ وعمدان إذا كان طويلاً أو ذاتُ الخيامِ والأعمدةِ حيثُ كانُوا بدويـينَ أهلَ عُمُدٍ أو ذاتُ البناءِ الرفيعِ أو ذاتُ الأساطينِ على أنَّ إرمَ اسمُ بلدتِهم وقُرِىءَ إرمَ ذاتِ العمادِ بإضافةِ إرمٍ إلى ذاتِ العمادِ. والإرم العلمُ أي بعادٍ أهلِ أعلامِ ذاتِ العمادِ على أنها اسمُ بلدتِهم وقُرِىءَ إِرْمِ ذاتَ العمادِ أي جعلَها الله تعالَى رَميماً بدلٌ من فعلَ ربُّك وقيل: هي جملةٌ دعائيةٌ اعترضتْ بـين الموصوفِ والصفةِ ورُويَ أنه كانَ لعادٍ ابنانِ شديدٌ وشدادٌ فملَكا وقَهَرا ثم ماتَ شديدٌ وخلصَ الأمرُ لشدادٍ فملَك الدنيا ودانتْ له ملوكُها فسمعَ بذكرِ الجنةِ فقال: أبنِي مثلَها فبنَى إرمَ في بعضِ صَحارِي عدنٍ في ثلاثمائةِ سنةٍ وهيَ مدينةٌ عظيمةٌ قصورُها من الذهبِ والفضةِ وأساطينُها من الزبرجدِ والياقوتِ وفيها أصنافُ الأشجارِ والأنهارِ المطردةِ ولمَّا تمَّ بناؤُها سارَ إليها بأهلِ مملكتِه فلما كانَ منها على مسيرة يومٍ وليلةٍ بعثَ الله تعالى عليهم صيحةً من السماءِ فهلكُوا. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ قلابةَ أنه خرجَ في طلبِ إبلٍ له فوقعَ عليهَا فحملَ ما قدرَ عليهِ ممَّا ثمةَ وبلغَ خبرُه معاويةَ فاستحضرَهُ فقصَّ عليهِ فبعثَ إلى كعبٍ فسألَه فقالَ: هيَ إرمُ ذاتُ العمادِ وسيدخُلُها رجلٌ من المسلمينَ في زمانِك أحمرُ أشقرُ قصيرٌ على حاجبِه خالٌ وعلى عقبِه خالٌ يخرجُ في طلبِ إبلٍ لَهُ ثم التفتَ إلى ابن قلابةٍ فقالَ: هذا ذلكَ الرجلُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْفَجْرِ}[1] قال: ظاهرها الفجر الصبح.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء رحمه الله: {وَٱلْفَجْرِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه به تفجرت أنوار الإيمان، وغابت ظُلم الكفر. {وَلَيالٍ عَشْرٍ} ليال موسى عليه السلام التى اكتمل بها ميعاده. بقوله: {أية : وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف: 142].

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ}. الفجرُ انفجارُ الصُّبح وهو اثنان: مستطيلٌ وقصير؛ ففي التفسير: إنه فَجْرُ المحرَّم لأنه ابتداء السنة كلها، وقيل: فجر ذي الحجة. ويقال: هو الصخور ينفجر منها الماء. ويقال: أقسم به لأنَّه وقتُ عبادة الأولياء عند افتتاحهم النهار. {وَلَيالٍ عَشْرٍ} قيل: هي عَشْرُ ذي الحجة، ويقال: عَشْرُ المحرم؛ لأن آخرها عاشوراء. ويقال: العَشْرُ الأخيرة من رمضان. ويقال: هي العَشْرُ التي ذكرها اللَّهُ في قصة موسى عليه السلام تمَّ به ميعاده بقوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}. ويقال: هو "فجرُ" قلوبِ العارفين إذا ارتقوا عن حدِّ العلم، وأسفر صُبْحُ معارفِهم، فاستغنوا عن ظلمة طلب البرهان بما تجلَّى في قلوبهم من البيان. {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ}. جاء في التفاسير: الشفعُ يومُ النَّحْرِ، والوتر يوم عَرَفَة. ويقال: آدم كان وتراً فشُفِعَ بزوجته حواء. وفي خبرٍ: إنها الصلوات منها وتر (كصلاة المغرب) ومنها شفع كصلاة الصُّبْح. ويقال: الشفع الزوج من العَدَد، والوتر الفَرْدُ من العدد. ويقال: الشفع تضادُّ أوصاف الخَلْق: كالعلم والجهل، والقدرة والعجز، والحياة والموت. والوتر انفرادُ صفاتِ الله سبحانه عمَّا يضادُّها؛ علم بلا جهلٍ، وقدرة بلا عجزٍ، وحياة بلا موتٍ. ويقال: الشفعُ الإرادة والنية، والوتر الهِمَّة؛ لا تكتفي بالمخلوق ولا سبيل لها إلى الله - لتَقَدُّسِه عن الوَصْلِ والفَصْل.. فبقيت الهِمَّةُ غريبةً. ويقال: الشفع الزاهد والعابد، لأن لكل منهما شكلاً وقريناً، والوترُ المريدُ فهو كما قيل: شعر : فريدٌ من الخِــــلاَّنِ فـي كــل بـلـدةٍ إذا عَظُــــمَ المطلـــوبُ قَلَّ المساعـــدُ

البقلي

تفسير : {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} اقسم الله باشياء عجيبة وأيات غريبة اقسم بفجر انوار كشوف صفاته فى قلوب العارفين التى متابعها مشارق الذات الازلى الابدى فتفجر فى اسرارهم انهار المعارف والكواشف وليال عشر منها ست ليلا فى ايامها خلق السماوات والارض بقوله خلق السماوات والارض بقوله خلق السماوات والارض فى ستة ايام وفى ليلة خلق فى يومها أدم والليلة التى يومها يوم القيامة والليلة التى كلم الله موسى والليلة التى اسرى بالنبى صلى الله عليه وسلم الشفع القلب والعقل والوتر هو الروح وايضا الشفع العقل والروح والوتر هو السر المفرد عما دون الله والليل ذا يسر ليلة قبض الارواح اذا سارت عنهم بسطوع نور بسط اليقين قال ابن عطا الفجر هو محمد صلى الله عليه وسلم لان به يفجر انوار الايمان وغابت ظلم او ليال عشر ليالى موسى التى اكمل بها ميعاده فى قوله واتممناها بعشر والشفع الفرائض والوتر السنن وقال الشفع الخلق والوتر الحق وقال سهل الفجر محمد صلى الله عليه وسلم من تفجرت الانوار وليال عشر هو العشرة من اصحاب الذين حكم لهم بالجنة والشفع الفرض والوتر الاخلاص لله فى الطاعات والليل اذا يسر قال اهل التوحيد فى امته هم السواد الاعظم قال الاستاذ والفجر فجر قلوب العارفين اذا ارتقوا من حد العلم واسفر صبح معارفهم استغنوا عن ظلمة البرهان مما تجلى فى قلوبهم من البيان.

اسماعيل حقي

تفسير : {والفجر} قال فى كشف الاسرار لما كان العرب اكثر خلق الله قسما فى كلامهم جاء القرءآن على عادتهم فى القسم والفجر فجران مستطيل كذنب السرحان وهو الكاذب ولا يتعلق به حكم ومستطير وهو الصادق الذى يتعلق به الصوم والصلاة أقسم الله بالفجر الذى هو اول وقت ظهور ضوء الشمس فى جانب المشرق كما أقسم بالصبح حيث قال {أية : والصبح اذا تنفس}تفسير : لما يحصل به من انقضاء الليل بظهور الضوء وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطيور والوحوش فى طلب الارزاق وذلك مشاكل لنشور الموتى وفيه عبرة عظيمة لمن تأمل (وقال الكاشفى) سو كند بصبح كه وقت مناجات دوستانست. او أقسم بصباح عرفة لانه يوم شريف يتوجه فيه الحجاج الى جبل عرفات وفى الحديث "حديث : الحج عرفة"تفسير : يعنى صباح روز عرفه كه وظائف دعا ونياز حاجبان درآنست. او صباح يوم النحر لانه يوم عظيم ايضا ويقع فيه الطواف المفروض والحلق والرمى ويروى ان يوم النحر يوم الحج الاكبر. وبقولى مراد از صبح روز اول محرم است كه سال از ومنفجر ميشود يابامداد آذينه كه حج مسكينانست ودر تبيان آورده كه اشارت بانفجار آب از اصابع حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم در روز طائف وغيرآن وكفته اند انفجار ناقة از صخره صالح عليه السلام يا انفجار عيون ومنابع يا انفجار آب از حجر موسى عليه السلام باانفجار مطر از سحاب يا وران شدن اشك ندامت ارديده عاصيان. شعر : بران ازدوسر جشمه ديده جوى ورآلايشى دارى ازخود بشوى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والفجر}، إمّا وقته، أقسم به لشرفه، كما أقسم بالصُبح، لِمَا في ذلك من الاقتدار، أو: صلاته؛ لكونها مشهودة، {وليالٍ عشر}؛ عشر ذي الحجة، أو العشر الأُول من المحرم، أو الأواخر من رمضان، ونُكِّرت للتفخيم، {والشفع والوتر} أي: شفع كل الأشياء ووترها، أو: شفع هذه الليالي ووترها، أو: شفع الصلوات ووترها، أو: يوم النحر، لأنه اليوم العاشر، ويوم عرفة لأنه التاسع، أو الخلق والخالق، او صلاة النافلة والوتر بعدها، أو الأعداد؛ لأنَّ منها شفعاً ومنها وتراً، والمختار العموم، كأنه تعالى أقسم بكل شيء؛ إذ لا يخلو شيء من أن يكون شفعاً وهو الزوج، أو وتراً وهو الفرد، والوتر بالفتح والكسر لغتان. ولمَّا أقسم بالليالي المخصوصة، أقسم بالليالي على العموم، فقال: {والليلِ إِذا يَسْرِ} إذا ذهب، أو: يسري فيه السائر، وقيل: أُريد به ليلة القدر، وحُذفت الياء في الوصل؛ اكتفاءً بكسرتها، وسُئل الأخفش عن سقوطها، فقال للسائل: لا أجيبك حتى تخدمني سنة، فسأله بعد سنة، فقال: الليل لا يسري، وإنّما يُسرى فيه، فلمّا عدل عن معناه عدل عن لفظه موافقةً. هـ. ويرد عليه: أنها حُذفت في كلمات كثيرة، ليس فيها هذه العلة. {هل في ذلك} أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء {قَسَمٌ} أي: مٌقسم به، أو إقسام، والمعنى: مَن كان ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بان يُقسم به، وهذا تفخيم لشأن المقسَم بها، وكونها أموراً جليلة حقيقة بالإقسام بها لذوي العقول، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}تفسير : [الواقعة:76] وتذكير الإشارة لتأويلها بما ذكر، وما فيها من معنى البُعد للإيذان ببُعد مرتبة المشار إليه، وبُعد منزلته في الشرف والفضل، {لذي حِجْرٍ}؛ لذي عقل؟ سُمِّي به لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سُمِّي عقلاْ ونُهْيَةً لأنه يعقل صاحبه وينهاه عن الرذائل؛ والمعنى: هل يحقُّ عند ذوي العقول أن تُعَظَّم هذه الأشياء بالإقسام بها؟ أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكّد بمثله المقسَم عليه؟ أو: هل في القسم بهذه الأشياء قسم مُقنع لذي لُب وعقل؟ والمقسَم عليه محذوف، أي: لتهلكنّ يا معشر الكفار ثم لتبنؤن بالحساب، يدلّ عليه قوله تعالى: {ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بعادٍ} فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه صلى الله عليه وسلم في الطغيان والفساد، أي: ألم تعلم علماً يقيناً كيف عذَّب ربُّك عاداً ونظائرهم، فيُعذّب هؤلاء أيضاً لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي، والمراد بعاد: أولاد عاد بن عَوْص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام، سُمُّوا باسم أبيهم، وقد قيل لأوائلهم: عاد الأولى، ولآخرهم عاد الآخرة، وقوله تعالى: {إِرَمَ} عطف بيان لعاد؛ للإيذان بأنهم عاد الأولى بتقدير مضاف، أي: سبط إرم، أو: أهل إرم، على ما قيل: من أنَّ إرم اسم بلدتهم أو أرضهم التي كانوا فيها، كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف:82]، ويؤيده قراءة ابن الزبير بالإضافة، ومنعت الصرف للتعريف والتأنيث، قبيلةً، كانت أو أرضاً. وقوله تعالى: {ذاتِ العماد} صفة لإِرم، فإذا كانت قبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طِوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة، فالمعنى: أنها ذات عماد طِوال لخيامهم على قدر طول أجسامهم، رُوي: أنها كانت من ذهب، فلما أرسل اللهُ عليهم الريح دفنتها في التراب، أو ذات أساطين. رُوي: أنه كان لعاد ابنان شدّاد وشديد، فمَلَكا وقَهَرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشدّاد، فملك الدنيا, ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينةٌ عظيمةٌ، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولمَّا تمَّ بناءها سار إليها بأهل مملكته، فلمّا كان منها على مسيرة يوم وليلةٍ، بعث اللهُ عليه صيحة من السماء فهلكوا، وقيل: غطتها الريح بالرمل فما غمًّا عليها. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه ممّا ثمَّ، فبلغ خبره معاوية، فاستحضره فقصَّ عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يرخج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا واللهُ ذلك الرجل. انظر الثعلبي. {التي لم يُخْلَق مثلُها في البلاد} أي: مثل عادٍ في قوتهم، كان الرجل منهم يحمل الصخرة، فيجعلها على الحق فيهلكهم، وطُولِ قامتهم، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، أو: لم يُخلق مثل مدينة "شدّاد" في جميع بلاد الدنيا، ذكر في القوت: أنَّ بعض الأولياء قال: دخلتُ مائة مدينة، أصغرها إرم ذات العماد، ثم قال: وقوله تعالى على هذا: {لم يخلق مثلها في البلاد} أي: بلاد اليمن. هـ. {وثمودَ الذين جابوا الصَّخْرَ بالوادِ} أي: قطعوا صخر الجبال، واتخذوا فيها بيوتاً، قيل: أوّل مَن نحت الجبال والصخور ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينةٍ كلها من الحجارة، والمراد بالواد وادي القُرى، وقيل غيره. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. {وفرعونَ ذي الأوتاد} أي: وكيف فعل بفرعون صاحب الأوتاد، أي: الجنود الكثيرة، وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي كانوا يضربونها في منازلهم إذا نزلوا، وقيل: كان له أوتاد يُعذّب الناسَ بها، كما فعل بآسية. {الذين طَغَوا في البلاد}؛ تجاوزوا الحدّ، والموصول إمّا مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب، أو مرفوع على الذم، أي: طغى كل طائفة منهم في بلادهم، وكذا قوله تعالى: {فأكثَرُوا فيها الفسادَ} بالكفر القتل والظلم، {فصبَّ عليهم ربُّك} أي: أنزل إنزالاً شديداً على كل طائفة من أولئك الطوائف عقب ما فعلت من الطغيان والفساد {سوطَ عذابٍ} أي: عذاباً شديداً لا يُدرك غايته, وهو عبارة عما حلَّ بكل واحدٍ منهم من فنون العذاب التي بُينت في سائر السور الكريمة، وتسميته سوطاً؛ للإشارة إلى أنَّ ذلك بالنسبة إلى ما أعدّ لهم في الآخرة بمنزلة السوط عند السيف، والتعبير بالصب، للإيذان بشدته وكثرته، واستمراره، أي: عُذِّبوا عذاباً دائماً مؤلماً، والعياذ بالله من أسباب المحن. الإشارة: أقسم تعالى بأول فجر نهار الإحسان، وتمام قمر نور الإيمان، ليلة العشر, وشفعية الأثر، ووتر الوحدة، لتُسْتَأصلَن القواطع عمن توجه إليه بالصدق والإخلاص، ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد النفس الأمّارة العاتية، الشبيهة بعاد إرم ذات العماد في العتو، التي لم يُخلق مثلُها في البلاد؛ في بلاد القواطع، إذ هي أقبح من سبعين شيطاناً، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي. القشيري: يشير إلى ثمود القوة الشهوانية القاطعة لصخرات الشهوات الجثمانية، وفرعون ذي الأوتاد، يُشير إلى فرعون القوة الغضبية، وكثرة تباعته، وأنواع عقوباته وتشدداته. هـ. فأكثَروا فيها الفساد، أي: مدينة القلب، فصبَّ عليهم ربك سوط عذاب بأنواع المجاهدات والرياضات، ممن أراد الله تأييده وولايته. ثم ذكر مراقبته تعالى على عباده، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف {والوتر} بكسر الواو. الباقون بفتحها وهما لغتان. قال ابو عبيدة: الشفع الزكا والوتر الخسا. وقرأ نافع وابو عمرو {يسري} بياء فى الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء فى الوصل والوقف، وكذلك {بالوادي} الباقون بغير ياء فى وصل ولا وقف. من أثبت الياء، فلأنها الأصل ومن حذفها، فلأنها رأس آية والفواصل تحذف منها الياآت. هذا قسم من الله تعالى بالفجر وليال عشر، وقسم منه بالشفع والوتر والليل إذا يسري، وجواب القسم قوله {إن ربك لبالمرصاد} و {الفجر} شق عمود الصبح فجره الله لعباده يفجره فجراً إذا أظهره في أفق المشرق مبشراً بادبار الليل المظلم وإقبال النهار المضيء، والفجر فجران: احدهما المستطيل، وهو الذي يصعد طولا كذنب السرحان ولا حكم له في الشرع، والآخر هو المستطير، وهو الذي ينشر في افق السماء، وهو الذي يحرم عنده الأكل والشرب لمن أراد الصوم في شهر رمضان، وهو ابتداء اليوم. وقال عكرمة والحسن: الفجر فجر الصبح. وقوله {وليال عشر} قال ابن عباس والحسن وعبد الله بن الزبير ومجاهد ومسروق والضحاك وابن زيد: وهي العشر الأول من ذي الحجة شرفها الله تعالى ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير واتقاء الشر على طاعة الله في تعظيم ما عظم وتصغير ما صغره، وينالون بحسن الطاعة الجزاء بالجنة. وقال قوم: هي العشر من أول محرم، والاول هو المعتمد. وقوله {والشفع والوتر} قال ابن عباس وكثير من أهل العلم: الشفع الخلق بما له من الشكل والمثل، والوتر الخالق الفرد الذي لا مثل له، وقال الحسن: الشفع الزوج، والوتر الفرد من العدد، كأنه تنبيه على ما في العدد من العبرة بما يضبط لأنه من المقادير التى يقع بها التعديل. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفه، ووجه ذلك أن يوم النحر مشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفه بالموقف وفي رواية أخرى عن ابن عباس ومجاهد ومسروق وابي صالح:، أن الشفع الخلق، والوتر الله تعالى. وقال ابن زيد: الشفع والوتر كله من الخلق. فقال عمران بن حصين: الصلاة فيها شفع وفيها وتر، وقال ابن الزبير: الشفع: اليومان الأولان من يوم النحر والوتر اليوم الثالث. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: الوتر آدم والشفع زوجته. قال ابو عبيدة: يقال أوترت ووترت. وقوله {والليل إذا يسري} معناه يسير ظلاماً حتى ينقضي بالضياء المبتدئ ففي تسييره على المقادير المرتبة، ومجيئه بالضياء عند تقضيه في الفصول أدل دليل على أن فاعله يختص بالعز والاقتدار الذي يجلّ عن الأشباه والامثال. وقوله {هل في ذلك قسم لذي حجر} أى لذي عقل - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن - وقيل العقل الحجر، لانه يعقل عن المقبحات ويزجر عن فعلها، يقال: حجر يحجر حجراً إذا منع من الشيء بالتضييق، ومنه حجر الرجل الذي يحجر على ما فيه، ومنه الحجر لامتناعه بصلابته. وقوله {ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد} خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله، وتنبيه للكفار على ما فعل بالامم الماضية لما كفروا بوحدانية الله، واعلام لهم كيفية إهلاكهم. وقيل: عاد الأولى عاد ابن آرم. وقيل: إن {إرم} بلد منه الاسكندرية - في قول القرطي - وقال المعرّي: هو دمشق. وقال مجاهد: هم أمة من الامم. وقال قتادة: هم قبيلة من عاد. وقوله {ذات العماد} قال ابن عباس ومجاهد: ذات الطول من قولهم: رجل معمد إذا كان طويلا. وقيل ذات عمد للابيات ينتقلون من مكان إلى مكان، للانتجاع - ذكره قتادة - وقال ابن زيد: ذات العماد في إحكام البنيان. وقال الضحاك: معناه ذات القوى الشداد. وقال الحسن: العماد الابنية العظام. وقيل: ان {إرم} هو سام بن نوح، وترك صرفه لأنه أعجمي معرفة. وقوله {التى لم يخلق مثلها في البلاد} يعني في عظم أجسامهم وشدة قوتهم وقوله {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} موضع {ثمود} جر بالعطف على قوله {بعاد} أى وثمود ولم يجره لانه أعجمى معرفة، ومعنى {جابوا الصخر} أى قطعوا الصخر من الجبال بشدة قوتهم، يقال: جاب يجوب إذا قطع قال النابغة: شعر : اتاك ابو ليلي يجوب به الدجى دجى الليل جواب الغلاة غشمشم تفسير : قال مجاهد: قطعوا الجبال بيوتاً كما قال {أية : وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين}تفسير : وقوله {وفرعون ذي الأوتاد} قال ابن عباس: معناه ذي الجنود الذين كانوا يشدون أمره. وقال مجاهد: كان يوتد الأوتاد فى ايدى الناس. وقال قتادة: ملاعب كان يلعب له فيها، ويضرب تحتها بالاوتاد. وقيل: ذى الاوتاد لكثرة الاوتاد التي كانوا يتخذونها للمضارب ولكثرة جموعهم، وكان فيهم أكثر منه فى غيرهم، وقيل: إن فرعون كان إذا غضب على الرجل مده بين أربعة أوتاد حتى يموت. وقوله {الذين طغوا في البلاد} معناه إن هؤلاء الذين ذكرناهم تجاوزوا فى الظلم الحد فى البلاد، وخرجوا عن حد القلة وفسر ذلك بقوله {فأكثروا فيها الفساد} يعني اكثروا فى البلاد الفساد، ثم بين ما فعل بهم عاجلا فقال {فصب عليهم ربك} يا محمد صلى الله عليه وآله {سوط عذاب} أى قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذى يعرف إلا أنه اعظم، ويجوز أن يكون عنى قست عذاب يخالط اللحوم والدماء كما يخالط بالسوط من قولهم: ساطه يسوطه سوطاً فهو سائط قال الشاعر: شعر : أحارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتى لا يمسّ دم دما تفسير : وقيل: المعنى إنه جعل سوطه الذى ضربهم به انه صب عليهم العذاب. وقوله {إن ربك لبالمرصاد} معناه إن ربك يا محمد لا يفوته شيء من اعمال العباد كما لا يفوت من بالمرصاد. والمرصاد مفعال من رصده يرصده رصداً، فهو راصد إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه، وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام اين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والارض؟ فقال: {أين} سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان. وقيل لا عرابي: أين ربك يا اعرابي؟! قال بالمرصاد. وقال ابن عباس معناه إنه يسمع ويرى أعمال العباد. وقال الحسن والضحاك: لبالمرصاد بانصاف المظلوم من الظالم، ومعناه لا يجوزه ظلم ظالم حتى ينصف المظلوم منه.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْفَجْرِ} اقسم الله بالفجر وهو بياض الصّبح، او صلاة الصّبح مطلقاً، او فجر ذى الحجّة او صلاته، او فجر يوم النّحر او صلاته، او اراد بالفجر النّهار كلّه مطلقا، او نهار الايّام المذكورة.

الأعقم

تفسير : قوله: {والفجر} أقسم الله تعالى بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله: {أية : والصبح إذا أسفر} تفسير : [المدثر: 34] وقيل: بصلاة الفجر {وليال عشر} ذي الحجة وعليه الأكثر، وقيل: الأول من رمضان، وقيل: الأول من المحرم {والشفع والوتر} قيل: الشفع الزوج والوتر الفرد من العدد، وقيل: أراد كل ما خلق الله تعالى لأن جميع الأشياء إما فرد وإما زوج، وقيل: الوتر الله تعالى، وقيل: الوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر، وقيل: أراد الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر، وقيل: الشفع آدم وحواء والوتر الله تعالى، وقيل: الشفع علي وفاطمة والوتر محمد، قال الحاكم: والوجه أن يحمل على جميع ما خلق الله {والليل إذا يسر} أي يذهب، وأقسم بهذه لما فيها من العبر، وقيل: أقسم بربها {هل في ذلك قسم لذي حجر} مقنع لذي عقل {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} وهم قوم هود {إرَمَ} اختلفوا فيه قيل: هو دمشق، وقيل: هو جدّ عاد، وقيل: ارم بناها شداد بن عاد وأراد أن يدخلها فأهلكه الله بصيحة من السماء، وقيل: أنه لما سمع بذكر الجنة فقال: أنا أبني مثلها فبنى ارم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار، ولما تم بناؤها سار بأهل مملكته، فلما كانوا منها مسيرة يوم وليلة بعث عليهم صيحة فهلكوا، وقيل: ارم بلدهم وأرضهم {التي لم يخلق مثلها في البلاد} قيل: كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، قال جار الله: وكان يأتي بالصخرة العظيمة فيحملها، أولم يخلق مثل مدينة شداد {وثمود} هم قوم صالح {الذين جابوا الصخر بالواد} قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، وقيل: أول من نحت الجبال والصخر والرخام وبنوا فيها ألفاً وسبع مائة مدينة كلها من الحجارة.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الفجر، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ} يعني الصبح {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} يعني عشر ذي الحجة، أياما عظمها الله {وَالشَّفْعِ وَالوَتْرِ}. قال بعضهم: الشفع الخلق، والوتر الله. ذكروا عن عمر بن حصين أنه قال: إن من الصلاة شفعا ومنها وترا. وتفسير الحسن: العدد كله منه الشفع ومنه الوتر، يعني بالشفع الاثنين، وبالوتر الواحد. قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أي: إذا ذهب، وهذا كله قسم. ثم قال: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} أي: لذي عقل ولب. أي: فيه قسم لذي عقل. وقال مجاهد: لذي نُهًى، وهو المؤمن. [وجواب القسم: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}]. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ}. وهذا على وجه الخبر؛ أي: أهلكهم حين كذبوا رسولهم. وإرم هي من صفة عاد. وتفسيرالحسن: إن لعاد اسمين: عاد وإرم. [وتفسر بعضهم: إرم قبيلة من عاد]. قال تعالى: {ذَاتِ الْعِمَادِ}. قال: كانوا أصحاب عمود. وتفسير الحسن: ذات البناء الرفيع. وقيل: يعني ذات الطول. تقول العرب للرجل الطويل: المُعْمَد. {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} يعني عادا في طول أجسامهم. قال: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ} أي: الذين نقبوا الصخر بالوادي. جابوه، أي: نقبوه فجعلوه بيوتاً. كقوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ }تفسير : [الحجر:82] و (أية : بُيُوتاً فَارِهِينَ) تفسير : [الشعراء:149].

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ} فجر كل يوم أقسم به تعظيما له لما يحصل به من ذهاب الليل وظهور الضوء وانتشار الناس وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث والمراد الوقت أو نفس الطلوع وذلك مذهب الجمهور وكذلك أقسم بما بعده تعظيما وبعثا على شكر فوائدها ويجوز أن يكون القسم في مثل ذلك أمرا من الله لنبيه أن يقسم كما قال {أية : إياك نعبد وإياك نستعين} تفسير : وإنما يقسم بها تكلما بالآية ولا يقيس عليها غيرها ولا يقسم بها خارج الآية فلا يرد علينا عموم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حلف فليحلف بالله صادقا أو ليصمد"تفسير : ، وعن ابن عباس المراد صلاة الفجر لأنها مفتتح صلاة النهار وتشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار وقيل فجر أول يوم من المحرم لأن السنة تنفجر منه وقيل فجر ذي الحجة لأنه قرن به الليالي العشر بناء على أن الليالي العشر الليالي الأوائل من ذي الحجة وقيل فجر يوم النحر لأن فيه أكثر مناسك الحج وفيه القربات وقيل فجر عرفة.

اطفيش

تفسير : الصادق عند الجمهور كما قال {أية : والصبح إذا تنفس} تفسير : [التكوير: 18] وهو أولى بالإقسام به لأَنه أول النهار وبه انقضى الليل الذى فيه النوم كالموت وذلك شبه بالبعث للحساب وينتشر فيه كما ينتشر بالبعث ولأَنه تتعلق به أحكام شرعية كالصوم والصلاة، وقيل الفجر الكاذب وعلى كل هو مأخوذ من فجر بمعنى شق شقاً واسعاً ووجه القول الثانى أنه أولى بمعنى الشق إذ شق الظلمة ودخل فيها، والمراد العموم، وعن ابن عباس فجر يوم النحر لأَن فيه أكثر مناسك الحج وفيه القربات كذا قيل، وعنه صلاة الفجر أقسم الله عز وجل بها لأنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار وعنه فجر أول المحرم وهو فجر أول السنة ومنه تنفجر السنة، وعنه النهار كله، وعنه صلاة الفجر تسمية للحال باسم زمانه أو على حذف مضاف، وقيل فجر يوم الجمعة، وقيل فجر ذى الحجة أوله لأنه قرن به الليالى العشر، وعن مقاتل فجر ليلة جمع، وقيل مصدر بمعنى فجر الماء من العيون وجواب القسم أغنى عنه قوله عز وجل {أية : إن علينا حسابهم} تفسير : [الغاشية: 26] كما تقول زيد قائم والله أو يقدر ليعذبن بعد قوله لذى حجر، وعن ابن مسعود جوابه إن ربك لبالمرصاد.

الالوسي

تفسير : أقسم سبحانه بالفجر كما أقسم عز وجل بالصبح في قوله تعالى {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}تفسير : [التكوير: 18] فالمراد به الفجر المعروف كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وابن الزبير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم وقيل المراد عموده وضوءه الممتد وأصله شق الشيء شقاً واسعاً وسمى الصبح فجراً لكونه فاجر الليل وهو كاذب لا يتعلق به حكم الصوم والصلاة وصادق به يتعلق حكمهما وقد تكلموا في سبب كل بما يطول وتقدم بعض منه ولعل المراد به هنا الصادق فهو أحرى بالقسم به والمراد عند كثير جنس الفجر لا فجر يوم مخصوص وعن ابن عباس ومجاهد فجر يوم النحر وعن عكرمة فجر يوم الجمعة وعن الضحاك فجر ذي الحجة وعن مقاتل فجر ليلة جمع وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس أنه قال هو فجر المحرم فجر السنة وروي نحوه عن قتادة وعن الحبر أيضاً أنه النهار كله وأخرج ابن جرير عنه أيضاً أنه قال يعني صلاة الفجر وروي نحوه عن زيد بن أسلم فهو إما على تقدير مضاف أو على إطلاقه على الصلاة مجازاً وهو شائع وقيل المراد فجر العيون من الصخور وغيرها.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة في عمومها حلقة من حلقات هذا الجزء في الهتاف بالقلب البشري إلى الإيمان والتقوى واليقظة والتدبر.. ولكنها تتضمن ألواناً شتى من الجولات والإيقاعات والظلال. ألواناً متنوعة تؤلف من تفرقها وتناسقها لحناً واحداً متعدد النغمات موحد الإيقاع! في بعض مشاهدها جمال هادئ رفيق ندي السمات والإيقاعات، كهذا المطلع الندي بمشاهده الكونية الرقيقة، وبظل العبادة والصلاة في ثنايا تلك المشاهد.. {الفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر..}. وفي بعض مشاهدها شد وقصف. سواء مناظرها أو موسيقاها كهذا المشهد العنيف المخيف: {كلا. إذا دكت الأرض دكاً دكاً. وجاء ربك والملك صفاً صفاً. وجيء يومئذ بجهنم. يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى. يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد}.. وفي بعض مشاهدها نداوة ورقة ورضى يفيض وطمأنينة. تتناسق فيها المناظر والأنغام، كهذا الختام: {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}.. وفيها إشارات سريعة لمصارع الغابرين المتجبرين، وإيقاعها بين بين. بين إيقاع القصص الرخي وإيقاع المصرع القوي: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد}. وفيها بيان لتصورات الإنسان غير الإيمانية وقيمه غير الإيمانية. وهي ذات لون خاص في السورة تعبيراً وإيقاعاً: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن..}. ثم الرد على هذه التصورات ببيان حقيقة حالهم التي تنبع منها هذه التصورات. وهي تشمل لونين من ألوان العبارة والتنغيم: {كلا. بل لا تكرمون اليتم. ولا تحاضون على طعام المسكين. وتأكلون التراث أكلاً لما، وتحبون المال حباً جماً}.. ويلاحظ أَن هذا اللون الأخير هو قنطرة بين تقرير حالهم وما ينتظرهم في مآلهم. فقد جاء بعده: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً... الخ}.. فهو وسط في شدة التنغيم بين التقرير الأول والتهديد الأخير! ومن هذا الاستعراض السريع تبدو الألوان المتعددة في مشاهد السورة. وإيقاعاتها في تعبيرها وفي تنغيمها.. كما يبدو تعدد نظام الفواصل وتغير حروف القوافي. بحسب تنوع المعاني والمشاهد. فالسورة من هذا الجانب نموذج واف لهذا الأفق من التناسق الجمالي في التعبير القرآني. فوق ما فيها عموماً من جمال ملحوظ مأنوس! فأما أغراض السورة الموضوعية التي يحملها هذا التعبير المتناسق الجميل. فنعرضها فيما يلي بالتفصيل: {والفجر وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر. هل في ذلك قسم لذي حجر؟}.. هذا القسم في مطلع السورة يضم هذه المشاهد والخلائق. ذات الأرواح اللطيفة المأنوسة الشفيفة: {والفجر}.. ساعة تنفس الحياة في يسر، وفرح، وابتسام، وإيناس ودود ندي، والوجود الغافي يستيقظ رويداً رويداً، وكأن أنفاسه مناجاة، وكأن تفتحه ابتهال! {وليال عشر} أطلقها النص القرآني ووردت فيها روايات شتى.. قيل هي العشر من ذي الحجة، وقيل هي العشر من المحرم. وقيل هي العشر من رمضان.. وإطلاقها هكذا أوقع وأندى. فهي ليال عشر يعلمها الله. ولها عنده شأن. تلقي في السياق ظل الليلات ذات الشخصية الخاصة. وكأنها خلائق حية معينة ذوات أرواح، تعاطفنا ونعاطفها من خلال التعبير القرآني الرفاف! {والشفع والوتر}.. يطلقان روح الصلاة والعبادة في ذلك الجو المأنوس الحبيب. جو الفجر والليالي العشر.. "حديث : ومن الصلاة الشفع والوتر"تفسير : (كما جاء في حديث أخرجه الترمذي) وهذا المعنى هو أنسب المعاني في هذا الجو. حيث تلتقي روح العبادة الخاشعة، بروح الوجود الساجية! وحيث تتجاوب الأرواح العابدة مع أرواح الليالي المختارة، وروح الفجر الوضيئة. {والليل إذا يسر}.. والليل هنا مخلوق حي، يسري في الكون، وكأنه ساهر يجول في الظلام! أو مسافر يختار السرى لرحلته البعيدة! يا لأناقة التعبير! ويا لأنس المشهد! ويا لجمال النغم! ويا للتناسق مع الفجر، والليالي العشر. والشفع والوتر! إنها ليست ألفاظاً وعبارات. إنما هي أنسام من أنسام الفجر، وأنداء مشعشعة بالعطر! أم إنه النجاء الأليف للقلب؟ والهمس اللطيف للروح؟ واللمس الموحي للضمير؟ إنه الجمال.. الجمال الحبيب الهامس اللطيف. الجمال الذي لا يدانيه جمال التصورات الشاعرية الطليقة. لأنه الجمال الإبداعي، المعبر في الوقت ذاته عن حقيقة. ومن ثم يعقب عليه في النهاية:ـ {هل في ذلك قسم لذي حجر}؟ وهو سؤال للتقرير. إن في ذلك قسماً لذي لب وعقل. إن في ذلك مقنعاً لمن له إدراك وفكر. ولكن صيغة الاستفهام ـ مع إفادتها التقرير ـ أرق حاشية. فهي تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق! أما المقسم عليه بذلك القسم، فقد طواه السياق، ليفسره ما بعده، فهو موضوع الطغيان والفساد، وأخذ ربك لأهل الطغيان والفساد، فهو حق واقع يقسم عليه بذلك القسم في تلميح يناسب لمسات السورة الخفيفة على وجه الإجمال: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ وفرعون ذى الأوتاد؟.. الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب؟ إن ربك لبالمرصاد}.. وصيغة الاستفهام في مثل هذا السياق أشد إثارة لليقظة والالتفات. والخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابتداء. ثم هو لكل من تتأتى منه الرؤية أو التبصر في مصارع أولئك الأقوام، وكلها مما كان المخاطبون بالقرآن أول مرة يعرفونه؛ ومما تشهد به الآثار والقصص الباقية في الأجيال المتعاقبة، وإضافة الفعل إلى {ربك} فيها للمؤمن طمأنينة وأنس وراحة. وبخاصة أولئك الذين كانوا في مكة يعانون طغيان الطغاة، وعسف الجبارين من المشركين، الواقفين للدعوة وأهلها بالمرصاد. وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم.. مصرع: "عاد إرم" وهي عاد الأولى. وقيل: إنها من العرب العاربة أو البادية. وكان مسكنهم بالأحقاف وهي كثبان الرمال. في جنوبي الجزيرة بين حضرموت واليمن. وكانوا بدواً ذوي خيام تقوم على عماد. وقد وصفوا في القرآن بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها: {التي لم يخلق مثلها في البلاد} في ذلك الأوان.. {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد}.. وكانت ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة العربية بين المدينة والشام. وقد قطعت الصخر وشيدته قصوراً؛ كما نحتت في الجبال ملاجئ ومغارات.. {وفرعون ذي الأوتاد}.. وهي على الأرجح الأهرامات التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان. وفرعون المشار إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية الجبار. هؤلاء هم {الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد}.. وليس وراء الطغيان إلا الفساد. فالطغيان يفسد الطاغية، ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء. كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة. ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف، المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال.. إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد؛ ويتخذ له مكاناً في الأرض غير مكان العبد المستخلف؛ وكذلك قال فرعون.. {أية : أنا ربكم الأعلى} تفسير : عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد. ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية، وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية. والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعاً لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة. وميداناً للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك. وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد.. ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة، لأنها خطر على الطغاة والطغيان. فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة، وتراها مقبولة مستساغة.. وهو فساد أي فساد. فلما أكثروا في الأرض الفساد، كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: {فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد}.. فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم. فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب. حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان. ومن قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} تفيض طمأنينة خاصة. فربك هناك. راصد لا يفوته شيء. مراقب لا يند عنه شيء. فليطمئن بال المؤمن، ولينم ملء جفونه. فإن ربه هناك!.. بالمرصاد.. للطغيان والشر والفساد! وهكذا نرى هنا نماذج من قدر الله في أمر الدعوة، غير النموذج الذي تعرضه سورة البروج لأصحاب الأخدود. وقد كان القرآن ـ ولا يزال ـ يربي المؤمنين بهذا النموذج وذاك. وفق الحالات والملابسات. ويعد نفوس المؤمنين لهذا وذاك على السواء. لتطمئن على الحالين. وتتوقع الأمرين، وتكل كل شيء لقدر الله يجريه كما يشاء. {إن ربك لبالمرصاد}.. يرى ويحسب ويحاسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء.. فأما الإنسان فتخطئ موازينه وتضل تقديراته، ولا يرى إلا الظواهر، ما لم يتصل بميزان الله: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن}.. فهذا هو تصور الإنسان لما يبتليه الله به من أحوال، ومن بسط وقبض، ومن توسعة وتقدير.. يبتليه بالنعمة والإكرام. بالمال أو المقام. فلا يدرك أنه الابتلاء، تمهيداً للجزاء. إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للأكرام، وعلامة على اصطفاء الله له واختياره. فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة! ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة! ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق، فيحسب الابتلاء جزاء كذلك، ويحسب الاختبار عقوبة، ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله، فلو لم يرد مهانته ما ضيق عليه رزقه.. وهو في كلتا الحالتين مخطئ في التصور ومخطئ في التقدير. فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده. ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر. ويظهر منه الصبر على المحنة او الضجر. والجزاء على ما يظهر منه بعد. وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء.. وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا. ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض. فهو يعطي الصالح والطالح، ويمنع الصالح والطالح. ولكن ما وراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول. إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي. والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء! غير أن الإنسان ـ حين يخلو قلبه من الإيمان ـ لا يدرك حكمة المنع والعطاء. ولا حقيقة القيم في ميزان الله.. فإذا عمر قلبه بالإيمان اتصل وعرف ما هنالك. وخفت في ميزانه الأعراض الزهيدة، وتيقظ لما وراء الابتلاء من الجزاء، فعمل له في البسط والقبض سواء. واطمأن إلى قدر الله به في الحالين؛ وعرف قدره في ميزان الله بغير هذه القيم الظاهرة الجوفاء! وقد كان القرآن يخاطب في مكة أناساً ـ يوجد أمثالهم في كل جاهلية تفقد اتصالها بعالم أرفع من الأرض وأوسع ـ أناساً ذلك ظنهم بربهم في البسط والقبض. وذلك تقديرهم لقيم الناس في الأرض. ذلك أن المال والجاه عندهم كل شيء. وليس وراءهما مقياس! ومن ثم كان تكالبهم على المال عظيماً، وحبهم له حباً طاغياً، مما يورثهم شراهة وطمعاً. كما يورثهم حرصاً وشحاً.. ومن ثم يكشف لهم عن ذوات صدورهم في هذا المجال، ويقرر أن هذا الشره والشح هما علة خطئهم في إدراك معنى الابتلاء من وراء البسط والقبض في الأرزاق. {كلا. بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين. وتأكلون التراث أكلاً لما، وتحبون المال حباً جما}.. كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان. ليس بسط الرزق دليلاً على الكرامة عند الله. وليس تضييق الرزق دليلاً على المهانة والإهمال. إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء، ولا توفون بحق المال. فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه، ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين. الساكن الذي لا يتعرض للسؤال وهو محتاج! وقد اعتبر عدم التحاض والتواصي على إطعام المسكين قبيحاً مستنكراً. كما يوحي بضرورة التكافل في الجماعة في التوجيه إلى الواجب وإلى الخير العام. وهذه سمة الإسلام. .. إنكم لا تدركون معنى الابتلاء. فلا تحاولون النجاح فيه، بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين، بل أنتم ـ على العكس ـ تأكلون الميراث أكلاً شرهاً جشعاً؛ وتحبون المال حباً كثيراً طاغياً، لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام. وقد كان الإسلام يواجه في مكة ـ كما ذكرنا من قبل ـ حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق، تورث القلوب كزازة وقساوة. وكان ضعف اليتامى مغرياً بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث منهم في صور شتى؛ وبخاصة ما يتعلق بالميراث (كما سبق بيانه في مواضع متعددة في الظلال) كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام. وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان! حتى الآن! وفي هذه الآيات فوق الكشف عن واقع نفوسهم، تنديد بهذا الواقع، وردع عنه، يتمثل في تكرار كلمة {كلا} كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه، وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه: {وتأكلون التراث أكلاً لما. وتحبون المال حباً جما!}.. وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة، بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء. يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته، بعد الابتلاء ونتيجته، في إيقاع شديد: {كلا. إذا دكت الأرض دكاً دكا. وجآء ربك والملك صفاً صفا. وجيء يومئذ بجهنم. يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟ يقول: يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد}.. ودك الأرض، تحطيم معالمها وتسويتها؛ وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع في يوم القيامة. فأما مجيء ربك والملائكة صفاً صفا، فهو أمر غيبي لا ندرك طبيعته ونحن في هذه الأرض. ولكنا نحس وراء التعبير بالجلال والهول. كذلك المجيء بجهنم. نأخذ منه قربها منهم وقرب المعذبين منها وكفى. فأما حقيقة ما يقع وكيفيته فهي من غيب الله المكنون ليومه المعلوم. إنما يرتسم من وراء هذه الآيات، ومن خلال موسيقاها الحادة التقسيم، الشديدة الأسر، مشهد ترجف له القلوب، وتخشع له الأبصار. والأرض تدك دكاً دكا! والجبار المتكبر يتجلى ويتولى الحكم والفصل، ويقف الملائكة صفاً صفا. ثم يجاء بجهنم فتقف متأهبة هي الأخرى! {يومئذ يتذكر الإنسان}.. الإنسان الذي غفل عن حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء. والذي أكل التراث أكلاً لما، وأحب المال حباً جما. والذي لم يكرم اليتيم ولم يحض على طعام المسكين. والذي طغى وأفسد وتولى.. يومئذ يتذكر. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى.. ولكن لقد فات الأوان {وأنَّى له الذكرى؟}.. ولقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا! وحين تتجلى له هذه الحقيقة: {يقول: يا ليتني قدمت لحياتي}.. يا ليتني قدمت شيئاً لحياتي هنا. فهي الحياة الحقيقية التي تستحق اسم الحياة. وهي التي تستأهل الاستعداد والتقدمة والادخار لها. يا ليتني.. أمنية فيها الحسرة الظاهرة، وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة! ثم يصور مصيره بعد الحسرة الفاجعة والتمنيات الضائعة: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد}.. إنه الله القهار الجبار. الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد. والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد. وعذاب الله ووثاقه يفصلهما القرآن في مواضع أخرى في مشاهد القيامة الكثيرة المنوعة في ثنايا القرآن كله، ويجملهما هنا حيث يصفهما بالتفرد بلا شبيه من عذاب البشر ووثاقهم. أو عذاب الخلق جميعاً ووثاقهم. وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة ممثلين في عاد وثمود وفرعون، وإكثارهم من الفساد في الأرض، مما يتضمن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال. فها هو ذا ربك ـ أيها النبي وأيها المؤمن ـ يعذب ويوثق من كانوا يعذبون الناس ويوثقونهم. ولكن شتان بين عذاب وعذاب، ووثاق ووثاق.. وهان ما يملكه الخلق من هذا الأمر، وجل ما يفعله صاحب الخلق والأمر. فليكن عذاب الطغاة للناس ووثاقهم ما يكون. فسيعذبون هم ويوثقون، عذاباً ووثاقاً وراء التصورات والظنون! وفي وسط هذا الهول المروع، وهذا العذاب والوثاق، الذي يتجاوز كل تصور تنادى {النفس} المؤمنة من الملأ الأعلى: {يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي}.. هكذا في عطف وقرب: {يا أيتها} وفي روحانية وتكريم: {يا أيتها النفس}.. وفي ثناء وتطمين.. {يا أيتها النفس المطمئنة}.. وفي وسط الشد والوثاق، الانطلاق والرخاء: {ارجعي إلى ربك} ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد. ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة.. {راضية مرضية} بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف وبالرضى.. {فادخلي في عبادي}.. المقربين المختارين لينالوا هذه القربى.. {وادخلي جنتي}.. في كنفي ورحمتي.. إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة. منذ النداء الأول: {يا أيتها النفس المطمئنة}.. المطمئنة إلى ربها. المطمئنة إلى طريقها. المطمئنة إلى قدر الله بها. المطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء. المطمئنة فلا ترتاب. والمطمئنة فلا تنحرف. والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق. والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب.. ثم تمضي الآيات تباعاً تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة، والموسيقى الرخية الندية حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة. ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تطل من خلايا هذه الآيات. وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية..

ابن عاشور

تفسير : القَسَم بهذه الأزمان من حيث إن بعضها دلائل بديع صنع الله وسعةِ قدرته فيما أوجد من نظام يُظاهر بعضه بعضاً من ذلك وقتَ الفجر الجامع بين انتهاء ظلمة الليل وابتداء نور النهار، ووقت الليل الذي تمحضت فيه الظلمة. وهي مع ذلك أوقات لأفعال من البر وعبادةِ الله وحده، مثل الليالي العشر، والليالي الشفع، والليالي الوتر. والمقصود من هذا القَسَم تحقيق المقسم عليه لأن القسم في الكلام من طرق تأكيد الخبر إذ القسم إشهاد المُقسِم ربه على ما تضمنه كلامه. وقسم الله تعالى متمحض لقصد التأكيد. والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما دل عليه قوله: { أية : ألم تَرَ كيف فعل ربك بعاد } تفسير : [الفجر: 6] وقوله: { أية : إن ربك لبالمرصاد } تفسير : [الفجر: 14]. ولذلك فالقسم تعريض بتحقيق حصول المقسم عليه بالنسبة للمنكرين. والمقصد من تطويل القسم بأشياء، التشويقُ إلى المقسم عليه. و{الفجر}: اسم لوقتِ ابتداء الضياء في أقصى المشرق من أوائل شعاع الشمس حين يتزحزح الإِظلام عن أول خط يلوح للناظرِ مِنَ الخطوط الفرضية المعروفةِ في تخطيط الكرة الأرضية في الجغرافيا ثم يمتد فيضيء الأفق ثم تظهر الشمس عند الشروق وهو مظهر عظيم من مظاهر القدرة الإِلٰهية وبديع الصنع. فالفجر ابتداء ظهور النور بعد ما تأخذ ظلمة الليل في الإِنصرام وهو وقت مبارك للناس إذ عنده تنتَهي الحالة الداعية إلى النوم الذي هو شبيه الموت؛ ويأخذ الناس في ارتجاع شعورهم وإقبالهم على ما يألفونه من أعمالهم النافعة لهم. فالتعريف في {الفجر} تعريف الجنس وهو الأظهر لمناسبة عطف {والليل إذا يسر}. ويجوز أن يراد فجر معين: فقيل أريد وقت صلاة الصبح من كل يوم وهو عن قتادة. وقيل: فجر يوم النحر وهو الفجر الذي يكون فيه الحجيج بالمزدلفة وهذا عن ابن عباس وعطاء وعكرمة، فيكون تعريف {الفجر} تعريف العهد. وقوله: {وليال عشرٍ}: هي ليال معلومة للسامعين موصوفة بأنها عشر واستُغني عن تعريفها بتوصيفها بعشر وإذ قد وصفت بها العدد تعين أنها عشر متتابعة وعدل عن تعريفها مع أنها معروفة ليتوصل بترْك التعريف إلى تنوينها المفيد للتعظيم وليس في ليالي السَّنة عشرُ ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي الحجّة التي هي وقتُ مناسك الحج، ففيها يكون الإِحرام ودخول مكة وأعمال الطواف، وفي ثامنتها ليلة التروية، وتاسعتها ليلة عرفة وعاشرتها ليلة النحر. فتعين أنها الليالي المرادة بليال عشر. وهو قول ابن عباس وابن الزبير، وروى أحمد والنسائي عن أبي الزبير (المكي) عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن العشر عشر الأضحى » تفسير : قال ابن العربي: ولم يصح وقال ابن عساكر: رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة اهــــ. ومناسبة عطف {ليال عشر} على {الفجر} أن الفجر وقت انتهاء الليل، فبينه وبين الليل جامع المضادة، والليل مظهر من مظاهر القدرة الإِلٰهية فلما أريد عطفه على الفجر بقوله: {والليل إذا يسر} خصت قبل ذكره بالذكرِ ليال مباركة إذ هي من أفراد الليل. وكانت الليالي العشر معينة من الله تعالى في شرع إبراهيم عليه السلام ثم غيرت مواقيتها بما أدخله أهل الجاهلية على السَّنة القمرية من النسيء فاضطربت السنين المقدسة التي أمر الله بها إبراهيم عليه السلام. ولا يُعرف متى بدأ ذلك الاضطراب، ولا مقاديرُ ما أدخل عليها من النسيء، ولا ما يضبط أيام النسيء في كل عام لاختلاف اصطلاحهم في ذلك وعدم ضبطه فبذلك يتعذر تعيين الليالي العشر المأمور بها من جانب الله تعالى، ولكننا نوقن بوجودها في خلال السنة إلى أن أوحى الله إلى نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم في سنة عشر من الهجرة عام حجة الوداع، بأن أشهر الحج في تلك السنة وافقت ما كانت عليه السنةُ في عهد إبراهيم عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: « حديث : إن الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق الله السماوات والأرض » تفسير : . وهذا التغيير لا يرفع بركة الأيام الجارية فيها المناسك قبل حجة الوداع لأن الله عظمها لأجل ما يقع فيها من مناسك الحج إذ هو عبادة لله خاصة. فأوقات العبادات تعيين لإِيقاع العبادة فلا شك أن للوقت المعين لإيقاعها حكمة علمها الله تعالى ولذلك غلب في عبارات الفقهاء وأهل الأصول إطلاقُ اسم السبب على الوقت لأنهم يريدون بالسبب المعرّف بالحكم ولا يريدون به نفسَ الحِكمة. وتعيين الأوقات للعبادات مما انفرد الله به، فلأوقات العبادات حرمات بالجعل الرباني، ولكن إذا اختلت أو اختلطت لم يكن اختلالها أو اختلاطها بقاض بسقوط العبادات المعينة لها. فقسمُ اللَّه تعالى بالليالي العشر في هذه مما نزل بمكة قسم بما في علمه من تعيينها في علمه. و{الشفع}: ما يكون ثانياً لغيره، و{الوَتْر}: الشيء المفرد، وهما صفتان لمحذوف، فعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر ذلك لأنه عاشر ذي الحجة ومناسبة الابتداء بالشفع أنه اليوم العاشر فناسب قوله: {وليال عشر}، وأن الوتر يوم عرفة رواه أحمد بن حنبل والنسائي وقد تقدم آنفاً، وعلى هذا التفسير فذكر الشفع والوتر تخصيص لهذين اليومين بالذكر للاهتمام، بعد شمول الليالي العشر لهما. وفي «جامع الترمذي» عن عِمران بن حُصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الشفع والوتر والصلاةُ منها شفع ومنها وتر »تفسير : . قال الترمذي: وهو حديث غريب وفي العارضة أن في سنده مجهولاً، قال ابن كثير: «وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه». وينبغي حمل الآية على كلا التفسيرين. وقيل: الشفع يومان بعد يوم منَى، والوتر اليوم الثالث وهي الأيام المعدودات فتكون غيرَ الليالي العشر. وتنكير {ليال} وتعريف {الشفع والوتر} مشير إلى أن الليالي العشر ليال معينة وهي عشر ليال في كل عام، وتعريف {الشفع والوتر} يؤذن بأنهما معروفان وبأنهما الشفع والوتر من الليالي العشر. وفي تفسير {الشفع والوتر} أقوال ثمانيةَ عشر وبعضها متداخل استقصاها القرطبي، وأكثرها لا يَحسن حمل الآية عليه إذ ليست فيها مناسبة للعطف على ليال عشر. وقرأ الجمهور: {والوتر} بفتح الواو وهي لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو وهي لغة تميم وبَكر بن سَعْد بن بكر وهم بنو سعد أظآر النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل العالية، فهما لغتان في الوتر. بمعنى الفرد. و{الليل} عطف على {ليالي عشر} عطف الأعم على الأخص أو عطف على {الفجر} بجامع التضاد. وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته. ومعنى يسري: يمضي سائراً في الظلام، أي إذا انقضى منه جزء كثير، شُبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السُّرى كما شبه في قوله: { أية : والليل إذ أدبر } تفسير : [المدثر: 33] وقال: { أية : والليل إذا سجى } تفسير : [الضحى: 2]، أي تمكن ظلامه واشتد. وتقييد {الليل} بظرف {إذا يسر} لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى: { أية : إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً } تفسير : [المزمل: 6] وقال: { أية : ومن الليل فاسجد له وسبحه } تفسير : [الإنسان: 26]. وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: {إذا يسري} بياء بعد الراء في الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل: «الفجر، عشر، والوتر، حجر» ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاعُ تعامل معاملة القوافي، قال أبو علي: وليس إثباتُ الياء في الوقف بأحسن من الحذف، وجميع ما لا يحذف وما يُختار فيه أن لا يحذف (نحو القاض بالألف واللام) يُحذف إذا كان في قافيةٍ أو فاصلة فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء. وقرأ ابن كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل. وقرأ الباقون بدون ياء وصْلاً ووقفاً، وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف إياها بدون ياء، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقف اعتمدوا الرواية واعتبروا رسم المصحف سُنَّة أو اعتداداً بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف. وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يُوهن رسمُ المصحف روايتهم لأن رسم المصحف جاء على مراعاةُ حال الوقف ومُراعاةُ الوقف تكثر في كيفيات الرسم.

الشنقيطي

تفسير : اختلف في المراد بالفجر، فقيل: انفجار النهار من ظلمة الليل. وقيل: صلاة الفجر. وكلا القولين له شاهد من القرآن. أما انفجار النهار، فكما في قوله تعالى: {أية : وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} تفسير : [التكوير]. وأما صلاة الفجر فكما في قوله: {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78]، ولكن في السياق ما يقرب القول الأول، إذ هو في الأيام والليالي الفجر وليال عشر، الليل إذا يسري، وكلها آيات زمنية أنسب لها انفجار النهار. بقي في ذلك اختلافهم في أي الفجر عنى هنا، فقيل بالعموم في كل يوم، وقيل: بالخصوص. والأول قول ابن عباس وابن الزبير وعلي رضي الله عنهم. وعلى الثاني فقيل: خصوص الفجر يوم النحر. وقيل: أول يوم المحرم، وليس هناك يعول عليه. إلا أن فجر يوم النحر أقرب إلى الليالي العشر، إن قلنا: هي عشر ذي الحجة على ما يأتي إن شاء الله. أما الليالي العشر فأقوال المفسرين محصورة في عشر ذي الحجة، وعشر المحرم والعشر الأواخر من رمضان. والأول جاء عن مسروق أنها العشر التي ذكرها الله في قصة موسى عليه السلام وأتممناها بعشر، وكلها الأقوال الثلاثة مروية عن ابن عباس. وليس في القرآن نص بعينها. وفي السنة بيان فضيلة عشر ذي الحجة وعشر رمضان كما هو معلوم، فإن جعل الفجر خاصاً بيوم النحر، كان ذي الحجة أقرب للسياق. والله تعالى أعلم. والشفع والوتر: ذكر المفسرون أكثر من عشرين قولاً ومجموعها يشمل جميع المخلوقات جملة وتفصيلاً. أما جملة فقالوا: إنما الوتر هو الله، للحديث: "حديث : إن الله وتر يحب الوتر"تفسير : ، وما سواه شفع، كما في قوله: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49]، فهذا شمل كل الوجود الخالق والمخلوق، كما في عموم {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الحاقة: 38-39]. أما التفصيل فقالوا: المخلوقات إما شفع كالحيوانات أزواجاً، والسماء. والأرض، والجبل، والبحر، والنار، والماء. وهكذا ذكروا لكل شيء مقابله، ومن الأشياء الفرد كالهواء وكلها من باب الأمثلة. والواقع أن أقرب الأقوال عندي والله أعلم: أنه هو الأول لأنه ثبت علمياً أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط حتى الحصاة الصغيرة. فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات والذرة لها نواه ومحيط، وبينهما ارتباط وعن طريقهما التفجير الذي اكتشف في هذا العصر، حتى في أدق عالم الصناعة كالكهرباء، فإنها من سالب وموجب، وهكذا لا بد من دورة كهربائية للحصول على النتيجة من أي جهاز كان، حتى الماء الذي كان يظن به البساطة فهو زوج وشفع من عنصرين، أكسجين وهدروجين، ينفصلان إذا وصلت درجة حرارة الماء إلى مائة إلى الغليان، ويتآلفان إذا نزلت الدرجة إلى حد معين فيتقاطران ماء، وهكذا. ونفس الهواء عدة غازات وتراكيب، فلم يبق في الكون شيء قط فرداً وتراً بذاته، إلا ما نص عليه الحديث "حديث : إن الله وتر يحب الوتر" تفسير : ويمكن حمل الحديث على معنى الوتر فيه مستغنى بذاته عن غيره، والواحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. فصفاته كلها وتر كالعلم بلا جهل والحياة بلا موت. إلخ. بخلاف المخلوق، وقلنا: المستغنى بذاته عن غيره، لأن كل مخلوق شفعاً، فإن كل عنصر منه في حاجة إلى العنصر الثاني، ليكون معه ذاك الشيء والله سبحانه بخلاف ذلك. ولهذا كان القول الأول، وهو أن الوتر هو الله، والشفع هو المخلوقات جميعها، هو القول الراجح، وهو الأعم في المعنى. قوله {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} اتفق المفسرون على المعنى وهو سريان الليل، ولكن الخلاف في التعيين هل المراد به عموم الليالي في كل ليلة أم ليلة معينة، وما هي؟ فقيل: بالعموم كقوله: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} تفسير : [التكوير: 17]. وقيل: بالخصوص في ليلة مزدلفة أو ليلة القدر. وأيضاً يقال: إذا كان الفجر فجر النحر، والعشر عشر ذي الحجة فيكون {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ليلة الجمع. والله تعالى أعلم. وقد رجح القرطبي وغيره عموم الليل، وقد جمع في هذا القسم جميع الموجودات جملة وتفصيلاً، فشملت الخالق والمخلوق والشفع والوتر إجمالاً وتفصيلاً، في انفجار الفجر وانتشار الخلق وسريان الليل وسكون الكون، والعبادات في الليالي العشر. فكان من أعظم ما أقسم الله به قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} أي عقل، والحجر كل مادته تدور على الإحكام والقوة، فالحجر لقوته، والحجرة لإحكام ما فيها. والعقل سمي حِجراً بكسر الحاء. لأنه يحجر صاحبه عما لا يليق، والمحجور عليه لمنعه من تصرفه وإحكام أمره، وحجر المرأة لطفلها، فهذه المقسم بها الخمسة هل فيها قسم كاف لذي عقل، والجواب: بلى، وهذا ما يقوي هذا القسم بلا شك. ثم اختلف في جواب هذا القسم حيث لم يصرح تعالى به، كما صرح به في نظيره، وهو قوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 75-76]. ثم صرَّح بالمقسم عليه {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الواقعة: 77] الآية. وهنا لم يصرح به من عظم القسم فوقع الخلاف في تعيينه. فقيل: هو مقدر تقديره ليعذبن يدل له قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} تفسير : [الفجر: 6] - إلى قوله: - {أية : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تفسير : [الفجر: 13]. وقيل: موجود وهو قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14]، قاله القرطبي. وهذا من حيث الصناعة في اللغة وأساليب التفسير وجيه، ولكن يوجد في نظري والله تعالى أعلم: ارتباط بين القسم وجوابه وبينما يجيء في آخر السورة من قوله: {أية : كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} تفسير : [الفجر: 21]، إلى آخر السورة.كما أنه يظهر ارتباط كبير بينه وبين آخر السورة التي قبلها، إذ جاء فيها {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ * فَيْعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ} تفسير : [الغاشية: 21-24]، {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2] - إلى قوله - {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} [الفجر: 5] لأن ما فيه من الوعيد بالعذاب الأكبر والقصر في إيابهم إلى الله وحده وحسابهم عليه فحسب يتناسب معه هذا القسم العظيم. أما ارتباطه بما في آخر السورة، فهو أن المقسم به هنا خمس مسميات {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 1-4]، والذي في آخر السورة أيضاً خمس مسميات: {أية : دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} تفسير : [الفجر: 21-23]. صور اشتملت على اليوم الآخر كله من أول النفخ في الصور، ودك الأرض إلى نهاية الحساب، وتذكر كل إنسان ماله وما عليه، تقابل ما اشتمل عليه القسم المتقدم من أمور الدنيا.

الواحدي

تفسير : {والفجر} يعني: فجر كلِّ يومٍ. {وليالٍ عشر} عشر ذي الحجَّة. {والشفع} يعني: يوم النَّحر؛ لأنَّه يوم العاشر {والوتر} يوم عرفة؛ لأنَّه يوم التَّاسع. {والليل إذا يسر} يعني: ليل المزدلفة إذا مضى وذهب. وقيل: إذا جاء وأقبل. {هل في ذلك} الذي ذكرت {قَسَمٌ لذي حجر} أَيْ: مقنعٌ ومكتفى في القسم لذي عقلٍ، ثمَّ ذكر الأمم التي كذَّبت الرُّسل كيف أهلكهم فقال: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بضوء الصبح عند مطاردته الليل. 2- وبليال عشر مفضلة عند الله. 3- وبالزوج والفرد من كل شئ. 4- وبالليل إذ يَنْقَضى بحركة الكون العجيبة. 5- هل فيما ذكر من الأشياء ما يراه العاقل قسماً مقنعاً؟ 6، 7- ألم تعلم كيف أنزل ربك عقابه بعاد - قوم هود - أهل إرم ذات البناء الرفيع؟! 8- التى لم يُخلق مثلها فى البلاد متانة وضخامة بناء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والفجر: أي فجر كل يوم. وليال عشر: أي عشر ذي الحجة. والشفع والوتر: أي الزوج والفرد. والليل إذا يسر: أي مقبلا أو مدبراً. لذي حجر: أي حجى وعقل. بعاد إرم: هي عاد الأولى. ذات العماد: إذ كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً. جابوا الصخر بالواد: أي قطعوا الصخر جعلوا من الصخور بيوتا بوادي القرى. ذي الأوتاد: أي صاحب الأوتاد وهي أربعة أوتاد يشدُّ إليها يدي ورجلي من يعذبه. طغوا في البلاد: أي تجبروا فيها وظلموا العباد وأكثروا فيها الفساد. فأكثروا فيها الفساد: أي الشرك والقتل. سوط عذاب: أي نوع عذاب. لبالمرصاد: أي يرصد أعمال العباد ليجزيهم عليها. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ} هذه أربعة أشياء قد أقسم الله تعالى بها وهي الفجر وفي كل يوم فجر وجائز أن يكون قد أراد تعالى فجر يوم معين وجائز أن يريد فجر كل يوم {وَلَيالٍ عَشْرٍ} وهي العشر الأول من شهر ذي الحجة وفيها عرفة والأضحى وقد أشاد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حديث : ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله تعالى من عشر ذي الحجة تفسير : والشفع وهو كل زوج والوتر وهو كل فرد فهو إقسام بالخلق كله {وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ} مقبلاً أو مدبراً فهو بمعنى والليل إذا سار والسير يكون صاحبه ذاهبا أو آيبا وقوله تعالى {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} أي لذي حجر ولب وعقل أي نعم فيه قسم عظيم وجواب القسم أو المقسم عليه جائز أن يكون قوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} الآتي، وجائز أن يكون مقدراً مثل لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير، وهذا لأن السورة مكية وهي تعالج العقيدة ومن أكبر ما أنكره المشركون البعث والجزاء فلذا هذا الجواب مراد ومقصود. ويدل عليه ما ذكر تعالى من مظاهر قدرته في الآيات بعد والقدرة هي التي يتأتّى بها البعث والجزاء فقال عز وجل {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} أي ألم تنظر بعيني قلبك كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وهي عاد الأولى قوم هود الذين قالوا من أشد منا قوة، وقال لهم نبيهم هود وزادكم في الخلق بسطة فقد كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعا، ولفظ إرم عطف بيان لعاد فإِرم هي عاد قوم هود ووصفها بأنها ذات عماد وأنها لم يخلق مثلها في البلاد هو وصف لها بالقوة والشدة وفعلا كانوا أقوى الأمم وأشدها ولازم طول الأجسام أن تكون أعمدة المنازل كأعمدة الخيام من الطول ما يناسب سكانها في طولهم. ومع هذه القوة والشدة فقد أهلكهم الله الذي هو أشد منهم قوة وقوله تعالى {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ}. أي وانظر كيف فعل ربك بثمود وهم أصحاب الحجر (مدائن صالح) شمال المدينة النبوية قوم صالح الذين كانوا أقوياء أشداء حتى إنهم قطعوا الصخور نحتاً لها فجعلوا منها البيوت والمنازل كما قال تعالى عنهم {أية : وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} تفسير : [الأعراف: 74] والمراد بالواد واديهم الذي كان بين جبلين من جبالهم التي ينحتون منها البيوت. فمعنى جابوا الصخر بالواد أي قطعوا الصخور بواديهم وجعلوا منها مساكن لهم تقيهم برد الشتاء القارص وحر الصيف اللافح، ومع هذا فقد أهلكهم الله ذو القوة المتين وقوله {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} وانظر يا رسولنا كيف فعل ربك بفرعون صاحب المشانق والقتل والتعذيب إذ كان له أربعة أوتاد إذا أراد قتل من كفر به وخرج عن طاعته قيد كل يد بوتد وكل رجل بوتد ويقتله كما هي المشانق التي وضعها الطغاة الظلمة فيما بعد. وقوله تعالى {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} وهو الشرك والمعاصي فأهلكهم الله أجمعين عاد إرم وثمود وفرعون وملأه إذ صب عليهم ربك سوط عذاب أي نوع عذاب من أنواع عذابه فأهلك عاد إرم بالريح الصرصر، وثمود بالصيحة العاتية، وفرعون بالغرق في البحر. وقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} أي لكل جبارعات وطاغية ظالم أي هو تعالى يرصد أعمال العباد ليجزيهم بها في الدنيا وفي الآخرة. ولفظ المرصاد يطلق على مكان يرصد فيه تحركات الصيد الذي يصاد، أو تحركات العدو وهو كبرج المراقبة. والرب تبارك وتعالى فوق عرشه والخليقة كلها تحته يعلم ظواهرها وبواطنها ويراقب أعمالها ويجزيها بحسبها قال تعالى {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 3]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى العاشر منه. 2- بيان مظاهر قدرة الله في إهلاك الأمم العاتية والشعوب الظالمة مستلزم لقدرته تعالى على البعث والجزاء والتوحيد والنبوة وهو ما أنكره أهل مكة. 3- التحذير من عذاب الله ونقمه فإِنه تعالى بالمرصاد فليحذر المنحرفون عن سبيل الله والحاكمون بغير شرعه والعاملون بغير هداه أن يصب عليهم سوط عذاب.

القطان

تفسير : الفجر: ضوء الصبح بعد ذهاب الليل. وليالٍ عشر: العشر الأُول من ذي الحجة. والشَّفع والوتر: العدد الزوجي والفردي. والليل اذا يسر: الليل اذا يمضي ويذهب. لذي حِجر: لذي عقل. عاد: من قبائل العرب البائدة. إِرمَ ذات العماد: ارم ذات البناء الرفيع، كانت في الأحقاف بين عُمان وحضرموت. ثمود: قبيلة من العرب البائدة. جابوا الصخر: قطعوه ونحتوه. وفرعون ذي الأوتاد: فرعون مصر صاحب الاهرام التي تشبه الاوتاد. طغَوا في البلاد: تجاوزوا القدر في الظلم. سوط عذاب: فأنزل الله عليهم ألوانا من العذاب. المرصاد: مكان المراقبة، رصد الأمرَ يرصده: راقبه. ابتلاه. اختبره بكثرة الرزق. فقدَر عليه رزقه: ضيقه عليه. {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ....} يقسِم الله تعالى بالفجر والليالي العشر المباركة، وبالزوجِ والفردِ من كل شيء، وبالليلِ اذا يمضي بحركة الكون العجيبة ليهلكَ كل معاندٍ جبار. {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} ان في ذكر هذه الأشياء جميعاً قَسَماً عظيماً مقنعاً لذوي العقول، وحجّةً كافية على وجوده وقدرته. وبعد ان أقسم سبحانه أنه سيعذّب الكافرين - شرع يذكر بعض قصص الجبابرة من الأمم الغابرة: كيف أفسدوا وطغوا، فأوقع بهم أشدّ العذاب فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ....} ألم تعلم يا محمد كيف أنزل ربك عقابَه بعادٍ قوم هود، أهلِ إرَمَ ذاتِ البناء الرفيع، والتي لم يُخلَق مثلها في البلاد ضخامةً وارتفاعا!؟ يوضح ذلك قوله تعالى: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} تفسير : [الشعراء: 128-129]. وقد تقدم الكلام على عاد ونبيّهم هود في أكثر من سورة. {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ....} وثمودُ، قوم صالح، الذين قطعوا الصخرَ ونحتوه، وبنوا منه القصورَ والأبنيةَ العظيمة. وكانت مساكنهم في الحِجر شماليّ الحجاز، ولا تزال بقايا من آثارهم موجودة. كما قال تعالى: {أية : وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} تفسير : [الشعراء: 149]. كذلك وَرَدَ ذِكر ثمود ونبيّهم صالح في عدد من السور. {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ....} اذكُر كيف أنزلَ ربك عقابَه بفرعون صاحب الأهرام والمباني العظيمة، ووصفُ الأهرامِ بالأوتاد في غاية الدقة. {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} إن جميع هؤلاء: قوم عاد وثمود وفرعون، قد طغَوا وبغَوا، وأفسدوا أشد الفساد. {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} فأنزل الله تعالى عليهم الوانا من البلاء والعذاب الشديد، وأهلكهم وأبادهم. {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} إنه لَيرقب عمل الناس، ويحصيه عليهم ويجازيهم به. وبعد أن بيّن سبحانه أنه لا يفوته شيء من شأن عباده، وأنه سيحاسِبهم ويجازيهم - ذكَر هنا طبيعة الإنسان الذي يَبْطَر عند الرخاء ويقنط من رحمة ربه عند الضرّاء فقال: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ}. فأما الانسان اذا ما اختبَره ربُّه فأنعم عليه ووسّع له في الرزق والجاه، فيقول مغترًّا بذلك: ربّي فضّلني لأني أستَحِقّ هذا كلَّه. وأما إذا ما اختبره بضيقِ الرزق فيقول غافلاً عن الحِكمة في ذلك: لقد أهانني ربّي. قراءات: قرأ عاصم: والوتر بفتح الواو، والباقون بكسرها. وقرأ ابن عامر فقدّر بفتح الدال بالتشديد. والباقون بدون تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالفَجْرِ، وَهُوَ الوَقْتُ الذِي يَنْشَقُّ فِيهِ الضَّوْءُ وَيَنْفَجِرُ النُّورُ. (وَقِيلَ بَلِ المَقْصُودُ بِهَذَا الفَجْرِ هُوَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ لأَِنَّهُ خَاتِمَةُ اللَّيَالِي العَشْرِ).

الثعلبي

تفسير : {وَٱلْفَجْرِ} قال ابن عبّاس: يعني النهار كلّه، عطية عنه، صلاة الفجر، عثمان بن محصن عنه: فجر المحرّم ومثله قال قتادة: هو أوّل يوم من المحرّم تتفجر منه السنة. ضحاك: فجر ذي الحجّة؛ لأنّ الله سبحانه قرن الأيّام بها. عكرمة وزيد بن أسلم: الصبح. مقاتل: عداهُ جميع كلّ سنة. القرظي: انفجار الصبح من كلّ يوم إلى انقضاء الدُّنيا. في بعض التفاسير: أنّ الفجر الصخور والعيون تتفجّر بالمياه. {وَلَيالٍ عَشْرٍ} قال مجاهد وقتادة والضحّاك والكلبي والحلبي: هي عشر ذي الحجّة، عكرمة: ليالي الحجّ، وقال مسروق: هي أفضل أيّام السنة. أبو روق عن الضحّاك: هي العشر الأُول من شهر رمضان، أبو ظبيان عن ابن عبّاس قال: هي العشر الأواخر من شهر رمضان، يمان بن رباب: العشر الأُولى من المحرّم التي عاشرها يوم عاشوراء. أخبرني الحسن قال: حدّثنا بن حمدان قال: حدّثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال: حدّثنا منجاب بن الحرث قال: أخبرنا بشر بن عمارة قال: حدّثنا عمر بن حسّان عن عطية العوفي في قوله سبحانه: {وَٱلْفَجْرِ} قال: هو الفجر الذي تعرفون، قلت: {وَلَيالٍ عَشْرٍ} قال: عشر الأضحى، قلت: {وَٱلشَّفْعِ} قال: خَلْقه، يقول الله سبحانه: {أية : وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} تفسير : [النبأ: 8]، قلت: {وَٱلْوَتْرِ} قال: الله وتر، قلت له: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: نعم، قلت: عمّن؟ قال: عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن نصرويه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن سعيد القطان وعبدة بن عبد الله بن النعمان قالا: حدّثنا أبو الحسين زيد بن الحبّاب العكلي قال: حدّثنا عبّاس بن عقبة قال: حدّثني حسين بن نعيم الحضرمي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله سبحانه: {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ} قال: "عشر النحر، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر ". تفسير : وبه عن ابن وهب قال: حدّثنا يوسف بن عبد الرحمن قال: حدّثنا سعيد بن مسلمة الأُموي قال: حدّثنا واصل بن السائب الرقاشي قال: حدّثني أبو سودة قال: حدّثني أبو أيّوب الأنصاري قال: حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه وتعالى: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} قال: "الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر ". تفسير : وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل الفهندري قال: حدّثنا أبو الطاهر المحمد آبادي قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا خالد بن قيس وهمام بن يحيى قالا: حدّثنا قتادة عن عمران بن عاصم عن عمران بن حصين حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن الشفع والوتر فقال: "هي الصلاة منها الشفع ومنها الوتر ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن لؤلؤ قال: حدّثنا الهيثم قال: حدّثنا الدوّرقي قال: حدّثنا حجّاج عن ابن جريح قال: أخبرني محمد بن المرتفع أنّه سمع ابن الزبير يقول: والشفع النفر الأوّل والوتر [يوم] النفر الآخر. وأخبرني الحسن قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا أحمد بن كثير القيسي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله المقرئ قال: حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن أبي سعيد بن عوف قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: يا معشر الحاجّ إنّكم جئتم من القريب والبعيد على الضعيف والشديد، فأسهرتم الأعين وأنصبتم الأنفس وأتعبتم الأبدان، فلا يبطلنّ أحدكم حجّه وهو لا يشعر، ينظر نظرة بعينه أو يبطش بطشة بيده، أو يمشي مشية برجله. يا أهل مكّة وسّعوا عليهم ما وسّع الله عليكم وأعينوهم ما استعانوكم عليه، فإنّهم وفد الله وحاجّ بيت الله ولهم عليكم حقّ، فاسألوني فعلينا كان التنزيل، ونحن حصرنا التأويل، فقام إليه رجل من ناحية زمزم فقال: دخلت فأرة جرابي وأنا محرم؟ فقال: اقتلوا الفويسقة، فقام آخر فقال: أخبرنا بالشفع والوتر والليالي العشر فقال: أمّا الشفع والوتر فقول الله سبحانه: {أية : فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 203] فهما الشفع والوتر، وأمّا الليالي العشرة فالثمان وعرفة والنحر، فقام آخر فقال: أخبرنا عن يوم الحجّ الأكبر؟ فقال: هو يوم النحر ثلاث تتلوها. وقال مجاهد ومسروق وأبو صالح: الشفع الخلق كلّه، قال الله سبحانه: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49] الكفر والإيمان والشقاوة والسعادة والهدى والضلالة والليل والنهار والسماء والأرض والبرّ والبحر والشمس والقمر والجنّ والإنس، والوتر الله سبحانه، قال الله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]. الحسن وابن زيد: أراد بالشفع والوتر الخلق كلّه، منه شفع ووتر. عطية عن ابن عبّاس: الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. قتادة عن الحسن: هو العدد منه شفع ومنه وتر. مقاتل: الشفع هو آدم وحواء، والوتر هو الربّ تبارك وتعالى، وقيل: الوتر آدم شفّعه الله بزوجته حواء. إبراهيم والقرظي: الزوج والفرد. الربيع عن أبي العالية: الشفع ركعتان من صلاة المغرب والوتر الركعة الثالثة، وقيل: الشفع الصفا والمروة والوتر البيت، الحسين بن الفضل: الشفع درجات الجنان؛ لأنّها ثمان والوتر دركات النار؛ لأنّها سبع، كأنّه الله - سبحانه وتعالى - أقسم بالجنّة والنار. مقاتل بن حيان: الشفع الأيّام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع الشجري يقول: سمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول: سمعت عبد الجبّار بن العلاء العطّار يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الوتر هو الله عزّوجلّ وهو الشفع أيضاً؛ لقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} تفسير : [المجادلة: 7] وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد ابن يزيد يقول: سمعت أبا عبد الله بن أبي بكر الورّاق يقول: سُئل أبو بكر عن الشفع والوتر فقال: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين العزّ والذلّ والقدرة والعجز والقوّة والضعف والعلم والجهل والبصر والعمى، والوتر انفراد صفات الله سبحانه عزٌّ بلا ذلّ، وقدرة بلا ضعف، وعِلم بلا جهل، وبصر بلا عمى وحياة بلا موت وما إزاءها. وقيل: الشفع مسجد مكّة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس، وقيل: الشفع القرآن في الحجّ والتمتّع فيه، والوتر الإفراد فيه، وقال ابن عطاء {وَٱلْفَجْرِ} محمّد صلّى الله عليه؛ لأنّ به تفجّرت أنوار الإيمان وغابت ظُلَم الكفر. {وَلَيالٍ عَشْرٍ} ليالي موسى التي أكمل بها ميعاده بقوله تعالى: {أية : وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف: 142]، والشفع: الخلق والوتر: الحقّ، وقيل: الشفع الفرائض والوتر السنن، وقيل: الشفع الأفعال والوتر النيّة، وهو الإخلاص، وقيل: الشفع العبادة التي تتكرّر، كالصلاة والصوم والزكاة، والوتر: العبادة التي لا تتكرّر كالحجّ، وقيل: الشفع النفس والروح إذا كانتا معاً، والوتر الروح بلا نفس والنفس بلا روح، فكأنّ الله سبحانه أقسم بها في حالتي الاجتماع والافتراق. واختلف القرّاء في الوتر، فقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: بكسر الواو، وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأنّها أكثر في العامّة وأفشى، ومع هذا إنّا تدبّرنا الآثار التي جاء فيها ذكر وتر الصلاة فوجدنا كلّها بهذه اللغة ولم نسمع في شيء منه الوتر بالفتح، ووجدنا المعنى في الوتر جميعاً الذي في الصلاة والذي في السورة، وإن تفرّقا في الفرع فإنّهما في الأصل واحد إنّما تأويله الفرد الذي هو ضدّ الشفع، وقرأ الباقون بفتح الواو، وهي لغة أهل الحجاز واختيار أبي حاتم وهما لغتان مستفيضتان. {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} قال أكثر المفسّرين: يعني إذا سار فذهب، وقال قتادة: إذا جاء وأقبل. قال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة. واختلف القرّاء في قوله: {يَسْرِ} فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعيسى بالياء في الوصل، وهي اختيار أبي حاتم ورواية قتيبة ونصير والشرياني عن الكسائي قال أبو عبيد: كان الكسائي فترة يقول: أثبت الياء بالوصل واحذفها في الوقف لمكان الكتاب، ثمّ رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعاً؛ لأنّها رأس آية، وهي قراءة ابن عامر وعاصم واختيار أبي عبيد اتباعاً للخط، وقرأ ابن كثير ويعقوب الياء في الحالين على الأصل، قال الخليل بن أحمد: أسقط الياء منه وفاقاً لرؤوس الآي. وقال أكثر أهل المعاني: يعني يسري فيه كقولهم: ليلٌ نائم ونهارٌ صائم وسر كاتم. قال الفراء: يحذف العرب الياء ويكتفي بكسر ما قبلها. أنشدني بعضهم: شعر : كفّاك كفّ ما تلقي درهما جوداً وأُخرى تعط بالسيف الدما تفسير : وقال آخر: شعر : ليس يخفى سادتي قدر قوم ولعل يخف سئمتي إعساري تفسير : وقال المؤرّخ: سألت الأخفش عن العلّة في سقوط الياء من يسر، فقال: لا أُجيبك ما لم تبت على باب داري سنة. فبتُّ سنة على باب داره ثمّ سألته فقال: الليل لا يسري، وانّما يُسرى فيه وهو مصروف فلمّا صرفه بخسه حظّه من الإعراب، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تفسير : [مريم: 28]؟ ولم يقل بغية؛ لأنّه صرّفه من باغية. {هَلْ فِي ذَلِكَ} الذي ذكرت {قَسَمٌ} أي مقنع ومكتف في القسم {لِّذِى حِجْرٍ} عقل سمّي بذلك؛ لأنّه يحجر صاحبه ممّا لا يحلّ ولا يجمل كما سمّي عقلاً؛ لأنّه يعقله عن القبائح والفضائح، ونهيٌ لأنّه نهى عمّا لا ينبغي، وأصل الحجر المنع، يقال للرجل إذا كان مالكاً قاهراً ضابطاً له: إنّه لذو حجر، ومنه قولهم: حجر الحاكم على فلان.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا قيس بن الربيع عن الأَغر، عن خفيلة بن حصين، عن أَبي نصر، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْفَجْرِ} [الآية: 1]. قال: هو الفجر الذي ترون من المشرق. يقول: فجر النهار. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا قيس بن الربيع عن الأَغر عن خليفة، عن أَبي نصر، عن ابن عباس: {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} [الآية: 3]. {وَٱلْوَتْرِ}: يوم عرفة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كل شيء خلقه الله فهو شفع، السماءُ شفع، والأَرض شفع، والبر والبحر والشمس والقمر، والإِنسان. هذا كله شفع. {وَٱلْوَتْرِ}: هو الله الواحد القهار. [الآية: 3].

الصابوني

تفسير : اللغَة: {حِجْرٍ} عقل ولب قال الفراء: العرب تقول إِنه لذو حجر إِذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، وأصل الحجر المنع، وسمي العقل حجراً لأنه يمنع عن السفه قال الشاعر: شعر : وكيف يُرجَّى أن يتوب وإِنما يُرجَّى من الفتيان من كان ذا حِجْر تفسير : {جَابُواْ} قطعوا ومنه قولهم: فلان يجوب البلاد أي يقطعها {ٱلتُّرَاثَ} الميراث {لَّمّاً} شديداً وأصله الجمع ومنه قولهم: لمَّ اللهُ شعثه {جَمّاً} كثيراً عظيماً كبيراً قال الشاعر: شعر : إِن تغفر اللَّهمَّ تغفر جماً وأيُّ عبدٍ لك ما ألمَّا تفسير : التفسِير: {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ} هذا قسمٌ أي أُقسم بضوء الصبح عند مطاردته ظلمة الليل، وبالليالي العشر المباركات من أول ذي الحجة، لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج قال المفسرون: أقسم تعالى بالفجر لما فيه من خشوع القلب في حضرة الرب، وبالليالي الفاضلة المباركة وهي عشر ذي الحجة، لأنه أفضل أيام السنة، كما ثبت في صحيح البخاري "حديث : ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله فيهن من هذه الأيام - يعني عشر ذي الحجة - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيل الله، إِلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء"تفسير : {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} أي وأُقسم بالزوج والفرد من كل شيء فكأنه تعالى أقسم بكل شيء، لأن الأشياء إِما زوجٌ وإِما فردٌ، أو هو قسمٌ بالخلق والخالق، فإِن الله تعالى واحد "وتر" والمخلوقات ذكرٌ وأنثى "شفع" {وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ} أي وأُقسم بالليل إِذا يمضي بحركة الكون العجيبة، والتقييد بسريانه لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} أي هل فيما ذكر من الأشياء قسمٌ مقنع لذي لب وعقل؟! والاستفهام تقريريٌ لفخامة شأن الأمور المقسم بها، كأنه يقول: إِن هذا لقسمٌ عظيمٌ عند ذوي العقول والألباب، فمن كان ذا لُب وعقل علم أن ما أقسم الله عز وجل به من هذه الأشياء فيها عجائب، ودلائل تدل على توحيده وربوبيته، فهو حقيق بأن يُقسم به لدلالته على الإِله الخالق العظيم قال القرطبي: قد يُقسم الله بأسمائه وصفاته لعلمه، ويُقسم بأفعاله لقدرته كما قال تعالى {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [الليل: 3] ويُقسم بمفعولاته لعجائب صنعه كما قال {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا}تفسير : [الشمس: 1] {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ}تفسير : [الطارق: 1] {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ} وجواب القسم محذوب تقديره: ورب هذه الأشياء ليعذبنَّ الكفار، ويدل عليه قوله {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}؟ أي ألم يبلغك يا محمد ويصل إِلى علمك، ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} أي عاداً الأولى أهل أرم ذات البناء الرفيع، الذين كانوا يسكنون بالأحقاف بين عُمان وحضرموت {ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} أي تلك القبيلة الي لم يخلق الله مثلهم في قوتهم، وشدتهم، وضخامة أجسامهم! والمقصود من ذلك تخويف أهل مكة بما صنع تعالى بعاد، وكيف أهلكهم وكانوا أطول أعماراً، وأشدَّ قوة من كفار مكة!؟ قال ابن كثير: وهؤلاء "عاد الأولى" وهم الذين بعث الله فيهم رسوله "هوداً" عليه السلام فكذبوه وخالفوه، وكانوا عتاة متمردين جبارين، خارجين عن طاعة الله مكذبين لرسله، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمَّرهم، وجعلهم أحاديث وعِبراً {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ} أي وكذلك ثمود الذين قطعوا صخر الجبال، ونحتوا بيوتاً بوادي القُرى {أية : وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ}تفسير : [الحجر: 82] وكانت مساكنهم في الحجر بين الحجاز وتبوك قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصخور والرخام قبيلة ثمود وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال فيجعلونها بيوتاً لأنفسهم، وقد بنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة بوادي القرى {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} أي وكذلك فرعون الطاغية الجبار، ذي الجنود والجموع والجيوش التي تشد ملكه قال أبو السعود: وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي يضربونها في منازلهم أو لتعذيبه بالأوتاد {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي أولئك المتجبرين "عاداً، وثمود، وفرعون" الذين تمردوا وعتوا عن أمر الله، وجاوزوا الحدَّ في الظلم والطغيان {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} أي فأكثروا في البلاد الظلم والجور والقتل: وسائر المعاصي والآثام {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} أي فأنزل عليهم ربك ألواناً شديدة من العذاب بسبب إِجرامهم وطغيانهم قال المفسرون: استعمل لفظ الصبّ لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب، كما قال القائل "صببنا عليهم ظالمين سياطنا" والمراد أنه تعالى أنزل على كل طائفة نوعاً من العذاب، فأُهلكت عادٌ بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون وجنوده بالغرق كما قال تعالى {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}تفسير : [العنكبوت: 40] {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} أي إِن ربك يا محمد ليرقب عمل الناس، ويحصيه عليهم، ويجازيهم به قال في التسهيل: المرصاد المكان الذي يرتقب فيه الرصد، والمراد أنه تعالى رقيب على كل إِنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديدٌ لكفار قريش.. ولما ذكر تعالى ما حلَّ بالطغاة المتجبرين، ذكر هنا طبيعة الإِنسان الكافر، الذي يبطر عند الرخاء، ويقنط عند الضراء فقال {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ} أي إِذا اختبره وامتحنه ربه بالنعمة {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} أي فأكرمه بالغنى واليسار، وجعله منعماً في الدنيا بالبنين والجاه والسلطان {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} أي فيقول ربي أحسن إليَّ بما أعطاني من النعم التي أستحقها، ولم يعلم أن هذا ابتلاء له أيشكر أم يكفر؟ {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي وأما إِذا اختبره وامتحنه ربه بالفقر وتضييق الرزق {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} أي فيقول غافلاً عن الحكمة: إِن ربي أهانني بتضييقه الرزق عليَّ قال القرطبي: وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، وإِنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظّ في الدنيا وقلّته، وأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه المؤدي إِلى حظ الآخرة، وإِن وسَّع عليه في الدنيا حمده وشكره، وإِنما أنكر تعالى على الإِنسان قوله {رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} وقوله {رَبِّيۤ أَهَانَنِ} لأنه إِنما قال ذلك على وجه الفخر والكبر، لا على وجه الشكر، وقال: أهانن على وجه التشكي من الله وقلة الصبر، وكان الواجب عليه أن يشكر على الخير، ويصبر على الشر، ولهذا ردعه وزجره بقوله {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} أي ليس الإِكرام بالغنى، والإِهانة بالفقر كما تظنون، بل الإِكرام والإِهانة بطاعة الله ومعصيته ولكنكم لا تعلمون، ثم قال {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} أي بل أنتم تفعلون ماهو شرٌ من ذلك، وهو أنكم لا تكرمون اليتيم مع إِكرام الله لكم بكثرة المال!! {وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أي ولا يحض بعضكم بعضاً ولا يحثه على إِطعام المحتاج وعون المسكين {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} أي وتأكلون الميراث أكلاً شديداً، لا تسألون أمن حلالٍ هو أم من حرام؟ قال في التسهيل: هو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، لأن العرب كانوا لا يُعطون من الميراث أنثى ولا صغيراً، بل ينفرد به الرجال {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي وتحبون المال حباً كثيراً مع الحرص والشره، وهذا ذمٌ لهم لتكالبهم على المال، وبخلهم بإِنفاقه {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} {كَلاَّ} للردع أي ارتدعوا أيها الغافلون وانزجروا عن ذلك، فأمامكم أهوال عظيمة في ذلك اليوم العصيب، وذلك حين تزلزل الأرض وتحرك تحريكاً متتابعاً قال الجلال: أي زلزلت حتى ينهدم كل بناءٍِ عليها وينعدم {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} أي وجاء ربك يا محمد لفصل القضاء بين العباد، وجاءت الملائكة صفوفاً متتابعة صفاً بعد صف قال في التسهيل: قال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك، وهذه الآية وأمثالها مما يجب الإِيمان به من غير تكييفٍ ولا تمثيل وقال ابن كثير: قام الخلائق من قبورهم لربهم، وجاء ربك لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إِليه بسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، فيجيء الربُ تبارك وتعالى لفصل القضاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} أي وأحضرت جهنم ليراها المجرمون كقوله {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات: 36] وفي الحديث "حديث : يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها" تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ} أي في ذلك اليوم الرهيب، والموقف العصيب، يتذكر الإِنسان عمله، ويندم على تفريطه وعصيانه، ويريد أن يقلع ويتوب {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى وقد فات أوانها؟! {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} أي يقول نادماً متحسراً: يا ليتني قدمت عملاً صالحاً ينفعني في آخرتي، لحياتي الباقية قال تعالى {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} أي ففي ذلك اليوم ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} أي ولا يقيد أحدٌ بالسلاسل والأغلال مثل تقييد الله للكافر الفاجر، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، فأما النفس الزكية المطمئنة فيقال لها {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} أي يا أيتها النفس الطاهرة الزكية، المطمئنة بوعد الله التي لا يلحقها اليوم خوفٌ ولا فزع {ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} أي ارجعي إِلى رضوان ربك وجنته، راضيةً بما أعطاك الله من النعم، مرضيةً عنده بما قدمت من عمل قال المفسرون: هذا الخطاب والنداء يكون عند الموت، فيقال للمؤمن عند احتضاره تلك المقالة {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي} أي فادخلي في زمرة عبادي الصالحين {وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} أي وادخلي جنتي دار الأبرار الصالحين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام التقريري {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد}؟ 2- الطباق بين {ٱلشَّفْعِ.. وَٱلْوَتْرِ}. 3- جناس الاشتقاق {لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ} {يَتَذَكَّرُ .. ٱلذِّكْرَىٰ}. 4- المقابلة {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} وبين {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ..} الآية فقد قابل بين {أَكْرَمَنِ و أَهَانَنِ} وبين توسعة الرزق. 5- الاستعارة اللطيفة الفائقة {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} شبه العذاب الشديد الذي نزل عليهم بسياطٍ لاذعة تكوي جسد المعذَّب واستعمل الصبَّ للإِنزال. 6- الالتفات {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} فيه التفات من ضمير الغائب الى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب، والأصل {بل لا يكرمون}. 7- الإِضافة للتشريف {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}. 8- السجع الرصين غير المتكلف مثل {وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ} ومثل {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ} الآيات.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ} فالفَجرُ: النَّهارُ وليال عَشرٍ: عَشرُ ذي الحجةِ. {وَٱلشَّفْعِ} يومُ عَرفةٍ. ويقال: هي الصَّلواتُ فيها شَفعٌ وفيها وَترٌ. ويقال الوَترُ: هو الله سبحانهُ وتعالى، والشَّفعُ: كُلُّ ما خَلَقَ الله تعالى. والشَّفعُ: هو الزوجُ، ويقال له الزكا، والوَترُ: هو الفَردُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ} الآية هذه السورة مكية في قول الجمهور ولما ذكر فيما قبلها: وجوه يومئذٍ خاشعة ووجوه يومئذٍ ناعمة اتبعه بذكر الطوائف المكذبين وأشار إلى الصنف الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} والظاهر أن الفجر هو المشهور أقسم به كما أقسم بالصبح ويراد به الجنس لا فجر يوم مخصوص، عشر العشر الأواخر من رمضان قاله ابن عباس للحديث المتفق على صحته قالت عائشة: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليلة وأيقظه أهله . تفسير : {وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ} روي أبو أيوب عنه عليه السلام حديث : الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى والوتر ليلة النحر . تفسير : {وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ} قسم بجنس الليل ويسري يذهب وينقرض كقوله: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}تفسير : [المدثر: 33]. وجواب القسم محذوف. قال الزمخشري: وهو ليعذبن يدل عليه قوله: ألم تر إلى قوله: فصب عليهم ربك سوط عذاب وقال ابن الأنباري: الجواب قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} والذي يظهر أن الجواب محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية وهو قوله: {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}تفسير : [الغاشية: 25ـ26] وتقديره لإِيابهم إلينا وحسابهم علينا. {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ} تقرير على عظم هذه الأقسام أي هل فيها مقنع في القسم لذي عقل فيزدجر ويفكر في آيات الله تعالى ثم وقف المخاطب على مصارع الأمم الكافرة الماضية مقصوداً بذلك توعد قريش ونصب المثل لها وعادهم قوم هود وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة. وذكر المفسرون إن ذات العماد مدينة ابتناها شداد بن عاد لما سمع بذكر الجنة على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يبني في الأرض مثلها وان الله تعالى بعث عليه وعلى أهله صيحة قبل أن يدخلوها فهلكوا جميعاً والضمير في مثلها عائد على المدينة التي هي ذات العماد. {فِي ٱلْبِلاَدِ} أي في بلاد الدنيا. {جَابُواْ ٱلصَّخْرَ} خرقوه ونحتوه فاتخذوا في الحجارة منها بيوتاً قيل أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود وبنوا الفا وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة. {بِٱلْوَادِ} وادي القرى وقيل جابوا واديهم وجلبوا ماءهم في صخر وشقوه فعل ذوي القوة والآمال. {ذِى ٱلأَوْتَادِ} تقدم الكلام عليه في "ص". {ٱلَّذِينَ} صفة لعاد وثمود وفرعون أو منصوب على الذم أو مرفوع على إضمارهم. {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ} أنهم هنا وأوضح في الحاقة وفي غيرها يقال صب عليهم السوط وغشاهم وقنعهم واستعمل الصب في السوط لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب وخص السوط فاستعير للعذاب لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره والمرصد المكان الذي يترتب فيه الرصد مفعال من رصده وهذا مثل لإِرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ} ذكر تعالى ما كانت قريش تقوله وتستدل به على إكرام الله تعالى وإهانته لعبده فيرون المكرم من عنده الثروة والإِنسان إسم جنس ويوجد هذا في كثير من أهل الإِسلام وفيقول في الموضعين خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو يقول وهو جواب إذ وقرىء أكرمني وأهانني بياء الإِضافة وحذفها وقرىء تكرمون بالتاء والياء والمعاطيف عليه وقرىء تحاضون. {ٱلتُّرَاثَ} التاء بدل من الواو وكانوا لا يورِثون النساء ولا صغار الأولاد فيأكلون نصيبهم ويقولون لا يأخذ الميراث إلا من يقاتل ويحمي الحوزة واللم الجمع واللف والجم الكثير. {كَلاَّ} ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا في دار الدنيا. {دَكّاً دَكّاً} حال كقولهم باباً بابا أي مكروا عليها الدك. {وَجَآءَ رَبُّكَ} هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قدرته وسلطانه. {وَٱلْمَلَكُ} إسم جنس يشمل الملائكة روي أنه الملائكة كل سماء يكونون صفاً حول الأرض في يوم القيامة. {صَفّاً صَفّاً} تنزل الملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالإِنس والجن. {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} كقوله: {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات: 36]. {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ} يومئذٍ بدل من إذ أي يتذكر ما فرط فيه. {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي منفعة الذكرى لأنه وقت لا ينفع فيه التذكر لو اتعظ في الدنيا نفعه ذلك في الآخرة. {لِحَيَاتِي} الهنية وهي حياة الآخرة وقرىء: لا يعذب ولا يوثق مبنيين للفاعل فأحد فاعل والمعنى أنه لا يعذب أحد مثل عذاب الله في الآخرة للكافر وقرىء: بفتح الثاء والذال فأحذ مفعول لم يسم فاعله. ولما ذكر تعالى شيئاً من أحوال من يعذب ذكر شيئاً من أحوال المؤمن فقال: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ} وهذا النداء الظاهر أنه على لسان ملك مخبراً عن الله تعالى. {ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} الآمنة التي لم يلحقها خوف ولا حزن. {ٱرْجِعِي} أي ردي. {إِلَىٰ رَبِّكِ} أي إلى موعد ربك. {رَاضِيَةً} بما أوتيته. {مَّرْضِيَّةً} عند الله تعالى. {فَٱدْخُلِي فِي} جملة. {عِبَادِي} الصالحين. {وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} معهم.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلْفَجْرِ} [الفجر: 1] أي: وحق انفلاق صبح السعادة المتنفس بأنفاس الرحمانية المتلألئ من سماء العماء وأفق عالم الأعلى اللاهوتي. {وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2] أي: ويحق ليالي الحواس العشر، المقبلة إلى الإدبار والانمحاء عند انجلاء الفجر اللاهوتي وصبح العماء الذاتي. {وَٱلشَّفْعِ} أي: شفع الملوين الجديدن، وارتفاعهما عن العين وانمحائهما عن البين {وَٱلْوَتْرِ} [الفجر: 3] أي: الوجود الوحداني، المطلق، المنزه عن التعدد والتكثر مطلقاً في ذاته. {وَٱلَّيلِ} أي: ليل العدم المظلم في ذاته {إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4] وذهبت ظلمته بامتداد أظلال الوجود وشروق شمس الذات عليه. {هَلْ} يحتاج {فِي ذَلِكَ} أي: في كل واحد من المقسمات العظيمة الشأن {قَسَمٌ} ويمين يؤكدهما {لِّذِى حِجْرٍ} [الفجر: 5] عقل فطري خالص عن شوب الوهم والخيال، خال عن مزاحمة مطلق الإلف والعادات الحاصلة من الرسوم والتقليدات، الناشئة من ظلمَّات الطبيعة. وبالجملة: أقسم سبحانه بحق هذه المقسمات الرفيعة القدر والمكان أنه سبحانه يعذب أصحاب الزيغ والضلال، المقيدين بسلاسل الحرس وأغلال الآمال في الدنيا بشهوات الإمكان، وفي الآخرة بدركات النيران؛ يعني: كفار مكة خذلهم الله. استبعدت يا أكمل الرسل تعذيبنا إياهم وانتقامنا عنهم {أَلَمْ تَرَ} أي: ألم تعلم ولم تخبر بالتواتر الموجب للجزم واليقين {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر: 6] يعني: كذي أهل عاداً. {إِرَمَ} اسم لبنائهم وبلدهم {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} [الفجر: 7] أي: الأساطين الطوال شديدة الأساس، رفيعة السمك، عريضة الجدار. {ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ} ولم يوجد {مِثْلُهَا} أي: مثل بنائهم وبلدهم {فِي ٱلْبِلاَدِ} [الفجر: 8] في الإحكام والرفعة وأنواع النزاهة واللطافة، وهم كانوا أكثر الناس أعماراً وأولاداً وأموالاً وجاهاً وثروة بأضعاف هؤلاء المسرفين المفسدين، فأهلكهم سبحانه واستأصلهم بعدما أفرطوا في أطوارهم الخارجة عن حد الاعتدال {وَثَمُودَ} يعني: كيف فعل بثمود أيضاً ما فعل من الهلاك، مع أنهم {ٱلَّذِينَ جَابُواْ} قطعوا ونقبوا {ٱلصَّخْرَ} أي: صخور الجبال {بِٱلْوَادِ} [الفجر: 9] أي: بواد القرى، واتخذوا فيها بلاداً حصينة منيعة من شدة قدرتهم وقوتهم، مع ذلك أهلكهم سبحانه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب رضا المولى، ويا هارباً من هاوية الهوى، ويا عارجاً في الدرجات العلى، ويا صاحب ذوي النهي، اعلم أن الله أقسم بالفجر؛ وهو قدر جمال الروح الفاعل، وبليال عشر؛ وهي اللطيفة الجلالية المسكَّنة في القالب؛ وهي السكينة والحلم، والتواضع والصبر، والحكمة والفيض، والغيرة والعزة، والهمة والثبات، وأقسم أيضاً بالشفع؛ وهو الأحوال الطارئة على النفس من الفقر والغنى، والخوف والرجاء، والفرح والحزن، والترح بامتثال الأوامر؛ وهو الحال الذي ظهر في الآخرة الباقية التي فيها ينادي لأهلها يا أهل الجنة فرح لا بعده ترح؛ ويا أهل النار ترح لا بعده فرح، وأقسم ثانياً بالليل إذا يسر؛ يعني: بالسير الذي جعل في الليل العظيم القدر، الذي رفع فيه قدر صاحبه وأسرى إلى سدرة المنتهى همته. كما يقول الله تعالى: {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ} [الفجر: 1-5]؛ أي: هل يقنع هذا القسم لمن كان له عقل بحِجر؛ أي: يمنعه عن تكذيب الحق في القسم، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ} [الفجر: 6-8]؛ يعني: ألم ترى القوى النفسية أن الله فعل بالقوى العادية التي نبت لنفسها من التنعم في ذات عماد قالبها إرم جنة من القول النباتية الخبيثة، متى شاءت على وفق هواها دخلت وأكلت من ثمارها، لم يخلق مثل ذلك الإرم في قوالب غيرها كيف خربها ربها. {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ} [الفجر: 9] جابوا صخور جبال القالب ليأمنوا من عذاب الرب، {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ} [الفجر: 10-11]؛ أي: القوة القالبية الكاملة في الباطلة فسدت أركانها وأحكمت أوتادها بهواها، وطغت في بلاد القالب على جميع القوى القالبية {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} [الفجر: 12] وأراد أن يظهر على سماء الصدر، ورحاب مع الرب {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر: 13]؛ يعني: فرد كيدهم في نحورهم، وأدخلهم النيران التي أوقدوها، وخرب جنانهم التي بنوها، {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] هذا جواب القسم؛ يعني: وحق هذه اللطائف التي ذكرها ربك في وجودك إن ربك رباك وأودع فيك هذه اللطائف، {لَبِٱلْمِرْصَادِ}؛ يعني: يرصدك ويراك في تقلبك ويسمع نجواك ولا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا في الأرض القالب، ولا في الصدور، ولا في نهار الروح، ولا في ظلمة ليل النفس، ولا في أطوار القلب. {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} [الفجر: 15]؛ يعني: إذا فتح عليه بأنوار البسط يقول: إني من المكرمين عند ربي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الظاهر أن المقسم به، هو المقسم عليه، وذلك جائز مستعمل، إذا كان أمرًا ظاهرًا مهمًا، وهو كذلك في هذا الموضع. فأقسم تعالى بالفجر، الذي هو آخر الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل وإقبال النهار، من الآيات الدالة على كمال قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبر لجميع الأمور، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ويقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة، يحسن أن يقسم الله بها، ولهذا أقسم بعده بالليالي العشر، وهي على الصحيح: ليالي عشر رمضان، أو [عشر] ذي الحجة، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة، ويقع فيها من العبادات والقربات ما لا يقع في غيرها. وفي ليالي عشر رمضان ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وفي نهارها، صيام آخر رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام. وفي أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء معظمة، مستحقة لأن يقسم الله بها. { وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } أي: وقت سريانه وإرخائه ظلامه على العباد، فيسكنون ويستريحون ويطمئنون، رحمة منه تعالى وحكمة. { هَلْ فِي ذَلِكَ } المذكور { قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ } أي: [لذي] عقل؟ نعم، بعض ذلك يكفي، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْفَجْرِ} [1] 691 - أنا محمدُ بن رافعٍ، نا زيدُ بنُ حُبابٍ، أخبرني عياشُ ابن عُقبة، قال: أناني خيرُ بنُ نُعيمٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ: أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : {وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ} [1-2]، قال: "عَشْرُ" النَّحْرِ، {وَٱلْوَتْرِ} [الفجر: 3] يَوْمُ عَرَفَةَ، {وَٱلشَّفْعِ} [الفجر: 3] يَوْمُ النّحْرِ ".