Verse. 5999 (AR)

٨٩ - ٱلْفَجْر

89 - Al-Fajr (AR)

اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ۝۶۠ۙ
Alam tara kayfa faAAala rabbuka biAAadin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم ترَ» تعلم يا محمد «كيف فعل ربك بعاد».

6

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن في جواب القسم وجهين الأول: أن جواب القسم هو قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } وما بين الموضعين معترض بينهما الثاني: قال صاحب «الكشاف»: المقسم عليه محذوف وهو لنعذبن الكافرين، يدل عليه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ } إلى قوله {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } وهذا أولى من الوجه الأول لأنه لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب، فكان أدخل في التخويف، فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولاً هو ذلك. أما قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ألم تر، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية ههنا على العلم، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر! أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب، وبلاد فرعون أيضاً متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة، فلذلك قال: {أَلَمْ تَرَ } بمعنى ألم تعلم. المسألة الثانية: قوله: {أَلَمْ تَرَ } وإن كان في الظاهر خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه عام لكل من علم ذلك. والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجراً للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه، وليكون بعثاً للمؤمنين على الثبات على الإيمان. أما قوله تعالى: {بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر ههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في هذه السورة فقال: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } تفسير : [الحاقة: 5 - 6] إلى قوله {أية : وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِالْخَاطِئَةِ } تفسير : [الحاقة: 9 - 9] الآية. المسألة الثانية: عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد اسماً للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى: {أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ } تفسير : [النجم: 50] وللمتأخرين عاد الأخيرة، وأما إرم فهو اسم لجد عاد، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال: أحدها: أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني: أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية وقيل دمشق والثالث: أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور، قال أبو الدقيش: الأروم قبور عاد، وأنشد:شعر : بها أروم كهـوادي البخــث تفسير : ومن الناس من طعن في قول من قال: إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق، قال: لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف، كما قال: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ } تفسير : [الأحقاق: 21] وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال. المسألة الثالثة: إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث. المسألة الرابعة: في قوله: {إِرَمَ } وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله: {إِرَمَ } عطف بيان لعاد وإيذاناً بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة. المسألة الخامسة: قرأ الحسن: {بِعَادٍ * إِرَمَ } مفتوحين وقرىء: {بِعَادٍ * إِرَمَ } بسكون الراء على التخفيف كما قرىء: {أية : بِوَرِقِكُمْ } تفسير : [الكهف: 19] وقرىء: {بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } بإضافة {إِرَمَ } إلى {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } وقرىء: {بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } بدلاً من {فعل ربك}، والتقدير: ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل ذات العماد رميماً، أما قوله: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا: {إِرَمَ } اسم القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخبار لا بد فيها من العماد، والعماد بمعنى العمود. وقد يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور، قال تعالى في وصفهم: {أية : أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ } تفسير : [الشعراء: 128] أي علامة وبناء رفيعاً. المسألة الثانية: روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها. فسمع بذكر الجنة فقال: ابني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن (أبي) قلابة فقال: هذا والله هو ذلك الرجل. أما قوله: {ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلَـٰدِ } فالضمير في (مثلها) إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه: الأول: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني: لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، وقرأ ابن الزبير {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي لم يخلق الله مثلها الثالث: أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد، وعلى هذا فالعماد جمع عمد، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى. أما قوله تعالى: {وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ } فقال الليث: الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوباً. وزاد الفراء يجيب جيباً ويقال: جبت البلاد جوباً أي جلت فيها وقطعتها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتاً وأحواضاً وما أرادوا من الأبنية، كما قال: {أية : وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً }تفسير : [الأعراف: 74] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، وقوله: {بِٱلْوَادِ } قال مقاتل: بوادي القرى. وأما قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي ٱلأَوْتَادِ } فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص، ونقول: الآن فيه وجوه أحدها: أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها: أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها: ذي الأوتاد، أي ذي الملك والرجال، كما قال الشاعر:شعر : فـي ظـل ملـك راسـخ الأوتـاد تفسير : ورابعها: روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم، ولذلك قال تعالى: {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلَـٰدِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهذا هو الأقرب. المسألة الثانية: أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على (الإخبار، أي) هم الذين طغوا أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. المسألة الثالثة: {طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلَـٰدِ } أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى: {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ } ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } واعلم أنه يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. قال القاضي: وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: إن عند الله أسواطاً كثيرة فأخذهم بسوط منها، فإن قيل: أليس أن قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بما كسبوا مَّا تَرَكَ عَلى ظهرها من دَابَّةٍ } تفسير : [فاطر: 45] يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ قلنا: هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } تقدم عند قوله: {أية : كَانَتْ مِرْصَاداً }تفسير : [النبأ: 21] ونقول: المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه، وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد، وللمفسرين فيه وجوه أحدها: قال الحسن: يرصد أعمال بني آدم وثانيها: قال الفراء: إليه المصير، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين والكافرين، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار، أو بوعيد العصاة، أما الأول فقال الزجاج: يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب، وأما الثاني فقال الضحاك: يرصد لأهل الظلم والمعصية، وهذه الوجوه متقاربة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} أي مالكك وخالقك. {بِعَادٍ * إِرَمَ} قراءة العامة «بعادٍ» منوّناً. وقرأ الحسن وأبو العالية «بعادِ إرَمَ» مضافاً. فمن لم يضف جعل «إرَم» اسمه، ولم يصرفه؛ لأنه جعل عاداً اسم أبيهم، وإرَم اسم القَبِيلة؛ وجعله بدلاً منه، أو عطف بيان. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرِفه جعله اسم أمّهم، أو اسم بلدتهم. وتقديره: بعاد أهل إرم. كقوله: { أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] ولم تنصرف ـ قبيلة كانت أو أرضاً ـ للتعريف والتأنيث. وقراءة العامة «إِرَمَ» بكسر الهمزة. وعن الحسن أيضاً «بعادَ إرَمَ» مفتوحتين، وقرِىء «بعادَ إِرْمَ» بسكون الراء، على التخفيف؛ كما قرىء «بِوَرْقِكُمْ». وقرىء «بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ» بإضافة «إرَمَ» ـ إلى ـ «ذاتِ العِمادِ». والإرم: العلم. أي بعاد أهل ذات العَلَم. وقرىء «بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ العِمادِ» أي جعل الله ذاتَ العماد رميماً. وقرأ مجاهد والضحاك وقتادة «أَرَمَ» بفتح الهمزة. قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام، التي هي الأعلام، واحدها: أَرَم. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي والفجر وكذا وكذا إنّ ربك لبالمِرصاد ألم تر. أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد. وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد عامّ. وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهوراً؛ إذ كانوا في بلاد العرب، وحِجر ثمود موجود اليوم. وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. وقد تقدّم هذا المعنى في سورة «البروج» وغيرها {بِعَادٍ } أي بقوم عاد. فروى شَهْر بن حَوْشَب عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المِصْراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يُقِلُّوه، وإن كان أحدهم ليُدخِل قدمه في الأرض فتدخل فيها. و«إِرَم»: قيل هو سام بن نوح؛ قاله ابن إسحاق. وروى عطاء عن ابن عباس ـ وحكى عن ابن إسحاق أيضاً ـ قال: عاد بن إرَم. فإرَم على هذا أبو عاد، وعاد بن إرَم بن عوص بن سام بن نوح. وعلى القول الأوّل: هو اسم جدّ عاد. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم إرم بن سام، وأَرْفَخْشَذ بن سام. فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة. وقال مجاهد: «إرَم» أمّة من الأمم. وعنه أيضاً: أن معنى إرَمَ: القديمة، ورواه ابن أبي نَجِيح. وعن مجاهد أيضاً أن معناها القوية. وقال قتادة: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان. فالأولى هي إرَم؛ قال الله عز وجل: { أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ } تفسير : [النجم: 50]. فقيل لعقِب عاد بن عَوْص بن إرَمَ بن سام بن نوح: عاد؛ كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى. وإِرَم: تسمية لهم باسم جَدّهم. ولمن بعدهم: عادٌ الأخيرة. قال ابن الرُّقَيّات: شعر : مَجْداً تلِيدا بناهُ أوّلهُم أدرك عاداً وقبلَهُ إرَمَا تفسير : وقال مَعْمر: «إرم»: إليه مجمع عاد وثمود. وكان يقال: عادُ إرَمَ، وعادُ ثَمُودَ. وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ } قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طوله ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه. ورُوي عن ابن عباس أيضاً أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعاً. ابن العَربيّ: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: « حديث : إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً في الهواء، فلم يزل الخلق ينقُص إلى الآن » تفسير : . وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعاً. قال أبو عبيدة: «ذاتِ العِمادِ» ذات الطُّول. يقال: رجل مُعَمَّد إذا كان طويلاً. ونحوه عن ابن عباس ومجاهد. وعن قتادة أيضاً: كانوا عِماداً لقومهم؛ يقال: فلان عَمِيد القوم وعَمُودهم: أي سيدهم. وعنه أيضاً: قيل لهم ذلك، لأنهم كانوا ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. وقيل: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} أي ذات الأبنية المرفوعة على العَمَد. وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} يعني إحكام البُنيان بالعَمَد وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم: شعر : ونحن إِذا عِمادُ الحيّ خَرَّتْ على الأَحْفاضِ نَمْنع مَنْ يَلِينا تفسير : والواحدة عمادة. وفلان طويل العِماد: إذا كان منزله مَعْلَماً لزائره. والأحفاض: جمع حَفَض (بالتحريك) وهو متاع البيت إذا هُيِّىءَ ليُحمل؛ أي خَرّتْ على المتاع. ويروى؛ «عن الأحفاض» أي خرّت عن الإبل التي تحمل خُرْثِيَّ البيت. وقال الضحاك: «ذاتِ العِمادِ» ذات القوّة والشدّة، مأخوذ من قوّة الأعمدة؛ دليله قوله تعالى: { أية : وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : [فصلت: 15]. وروى عوف عن خالد الرّبعِيّ «إِرم ذاتِ العِمادِ» قال: هي دمشق. وهو قول عكرمة وسعيد المَقْبُرِيّ. رواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال محمد بن كعب القُرظِيّ: هي الإسكندرية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } تعلم يا محمد {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ }؟.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ}. قرا العامة: "بعاد": مصروفاً، "إرم" بكسر الهمزة، وفتح الراء، والميم. فـ "عاد" اسم لرجل في الأصل، ثم أطلق على القبيلة أو الحي، وقد تقدم في الكلام عليه، وأما: "إرَمَ" فقيل: اسم قبيلة. وقيل: اسم مدينة [اختلفوا في تعيينها، فقيل: "إسكندرية"، وقيل: "دمشق"، وهذان القولان ضعيفان؛ لأنها منازل كانت من "عمان" إلى "حضرموت"، وهي بلاد الرمال والأحقاف، وأما "الإسكندرية" و "دمشق"، فليستا من بلاد الرمال]. فإن كانت اسم قبيلة كانت بدلاً، أو عطف بيان، أو منصوبة بإضمار: "أعني"، وإن كانت اسم مدينة، فتعلق الإعراب من: "عاد" وتخريجه على حذف مضاف، كأنه قيل: بعاد أهل إرم. قاله الزمخشري. وهو حسن، ويبعد أن يكون بدلاً من: "عاد"، بدل اشتمال، إذ لا ضمير، وتقديره قلق وقد يقال: إنه لما كان المراد بـ "عاد": مدينتهم؛ لأن "إرم" قائمة مقام ذلك، صح البدل. وإرَمَ: اسم جد عاد، وهو عادُ بنُ عوصِ بنِ إرمَ بْنِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام؛ قال زهيرٌ: [البسيط] شعر : 5193- وآخَـرينَ تَـرَى المَـاذيَّ عُدَّتهُـمْ مِـنْ نسْـجٍ دَاوُد أوْ مَـا أوْرثَـتْ إرَمْ تفسير : وقال ابن قيس الرقيات: [المنسرح] شعر : 5194- مَـجْـــداً تَــلِيـــداً بَـنــاهُ أوَّلــــهُ أدْركَ عــاداً وقَـبْلـهَــا إرَمَـــا تفسير : وقرأ الحسن: "عاد" غير مصروف. قال أبُو حيَّان: مضافاً إلى "إرَمَ"، فجاز أن يكون "إرَمَ" أباً، أو جداً، أو مدينة. قال شهاب الدين: يتعين أن يكون في قراءة الحسن، غير مضاف، بل يكون كما كان منوناً، ويكون "إرَمَ" بدلاً أو بياناً أو منصوباً بإضمارِ: أعني، ولو كان مضافاً لوجب صرفه وإنما منع "عاد" اعتباراً بمعنى: القبيلة، أو جاء على أحد الجائزين في: "هند" وبابه. وقرأ الضحاكُ في رواية: "بِعادَ أرَمَ" ممنوع الصرف، وفتح الهمزة من: "أرم". قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام التي هي الأعلام. وعنه أيضاً: فتح الهمزة، وسكون الراء، وهو تخفيف "أرِم" بكسر الراء، وهي لغة في اسم المدينة، كما قرئ: {بِوَرِقْكُمْ} [الكهف: 19]، وهي قراءة ابن الزبير، وعنه في: "عاد" مع هذه القراءة: الصرف وتركه. وعنه - أيضاً - وعن ابن عباسٍ: "أرَمَّ" بفتح الهمزة والراء والميم المشددة جعلاه فعلاً ماضياً، [يقال: أرم العظم أي بَلِيَ، وأرم وأرمه غيره، فأفعل يكون لازماً ومتعدياً في هذا]. و "ذات" على هذه القراءة مجرورة صفة لـ: "عاد" ويكون قد راعى لفظها تارة في قوله: "إرَمَ"، فلم تلحق علامة التأنيث، ويكون: "أرم" معترضاً بن الصفة والموصوف، أي: أرمت هي، بمعنى: رمَتْ وبَليتْ، وهو دعاء عليهم، ويجوز أن يكون فاعل: "أرم" ضمير الباري تعالى، والمفعول محذوف، أي: أرمها الله تعالى، والجملة الدعائية معترضة - أيضاً - وراعى معناها أخرى في: "ذات" فأنث. وروي عن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: "ذاتَ" بالنَّصْب، على أنها مفعول بـ "أرم" وفاعل "أرم" ضمير يعود على الله - تعالى -، أي: أرمها الله، ويكون: "أرم" بدلاً من: "فعَل ربُّك" وتبييناً له. وقرأ ابنُ الزُّبيرِ: "بعادِ أرمَ" بإضافة: "عاد" إلى: "أرمِ" مفتوح الهمزة مكسور الراء، وقد تقدم أنه اسم مدينة. وقرأ: "إرمَ ذَات"، بإضافة: "إرم" إلى: "ذات". وروي عن مجاهدٍ: "أرَم" يعني: بفتحتين، مصدر "أرَمَ، يَأرم"، أي: هلك، فعلى هذا يكون منصوباً بـ: "فَعَلَ ربُّك" نصب المصدر التشبيهي، والتقدير: كيف أهلك ربك عاداً إهلاك ذات العماد؟ وهذا أغرب الأقوال. و "ذَاتِ العمادِ": إن كان صفة لقبيلة، فمعناه: أنهم أصحاب خيام لها أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أبدانهم [كقولهم: رفيع العماد طويل النجاد قاله ابن عباس رضي الله عنهما]، وإن كان صفة للمدينة، فمعناه: أنها ذات عُمُد من الحجارة. قوله: {ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ}: يجوز أن يكون: تابعاً، وأن يكون: مقطوعاً، رفعاً ونصباً. والعامة على: "يُخْلَق" مبنياً للمفعول، "مِثْلُهَا" مرفوع على ما لم يسم فاعله. وعن ابن الزُّبيرِ: "يَخْلقُ" مبنياً للفاعل، "مِثْلها" منصوب به، وعنه أيضاً: "نَخْلقُ" بنون العظمة. فصل في الكلام على إرم وعاد قال القرطبيُّ: من لم يضف جعل "إرم": اسم "عاد"، ولم يصرفه؛ لأنه جعل "عاداً" اسم أبيهم، و "إرم": اسم القبيلة، وجعله بدلاً منه، أو عطف بيان. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم، وتقديره: بعادٍ أهل إرمَ، كقوله: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]، ولم تنصرف - قبيلة كانت، أو أرضاً - للتعريف والتأنيث. والإرم: العلم، أي: بعاد أهل ذات العلم، والخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد عام، وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهوراً، إذا كانوا في بلاد العرب، وحجر ثمود موجود اليوم، وأمر فرعون يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. قوله: "بعَادٍ"، أي: بقوم عاد. قال أبو هريرة: كان الرجل من قوم عادٍ، يتخذ المصراع من حجارة، لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة، لم يستطيعوا أن يقلوه. [وإرم قال ابن إسحاق: هو سام بن نوح عليه السلام. وعن ابن عباس وابن إسحاق أيضاً قال: عاد بن إرم بن عاص بن سام بن نوح عليه السلام. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد منهم إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام؛ فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك والطغاة والعصاة]. وإرم: قال مجاهد: "إرم" هي أمة من الأمم، وعنه أيضاً: ان معنى "إرم": القديمة، وعنه أيضاً: القوية. وقال قتادةُ: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان، فالأولى: هي "إرم"، قال تعالى: {أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ} تفسير : [النجم: 50]، فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم يقال للأولين منهم: عاداً الأولى، وإرم: تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة؛ قال ابن الرقيَّات: [المنسرح] شعر : 5195- مَـجْـــداً تَــلِيـــداً بَـنــاهُ أوَّلــــهُ أدْركَ عــاداً وقَـبْلـهَــا إرَمَـــا تفسير : وقال معمر: "إرم": إليه مجمع عاد وثمود، وكان يقال: عاد وإرم، وعاد وثمود، وكانت القبائل تنسب إلى إرم، "ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد". قال ابنُ عبَّاسٍ في رواية عطاء: كان الرَّجل منهم، طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم، طوله ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه. وعن ابن عبَّاسٍ أيضاً: أن طول الرجل منهم، كان سبعين ذراعاً. قال ابن العربي: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: "حديث : أنَّ اللهَ خَلقَ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِراعاً في الهواءِ، فَلم يزل الخَلْقُ يَنْقصُ إلى الآنَ ". تفسير : وزعم قتادةُ: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعاً. قال أبو عبيدة: "ذَاتِ العمادِ": أي: ذات الطول، يقال: رجل معمد إذا كان طويلاً ونحوه عن ابن عباس، ومجاهد. وعن قتادة: كانوا عماداً لقومهم، يقال: فلان عميد القوم وعمودهم: أي: سيدهم، وعنه أيضاً: كانوا أهل خيام وأعمدة ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. وقيل: المعنى: ذات الأبنية المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. وقال ابن زيد: ذَاتِ العِمادَ" يعني: إحكام البنيان بالعمد. قال الجوهري: "والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث، والواحدة: عمادة". وقال الضحاك: "ذات العماد" أي ذات الشدة والقوة مأخوذة من قوة الأعمدة بدليل قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} تفسير : [فصلت: 15]. فصل في الضمير في "مثلها" والضمير في: "مِثلُهَا" يرجع إلى القبيلة، أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة وشدة، وعظم أجساد. وعن الحسن وغيره: وفي حرف عبد الله: "التي لم يخلق مثلهم في البلاد". وقيل: يرجع إلى المدينة، والأول أظهر وعليه الأكثر. فصل قال القرطبيُّ: "رُويَ عن مالك رضي الله عنه أن كتاباً وجد بـ "الاسكندرية" فلم يدر ما فيه، فإذا فيه "أنَا شدَّادُ بنُ عادٍ، الذي رفَعَ العِمَادَ، بنيتها حين لا شَيْبَ ولا مَوْتَ" قال مالك: إن كان لتمرُّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة". وروي: أنه كان لعاد ابنان: شدَّاد، وشديد، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن، في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزَّبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تمَّ بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل مما قدر عليه مما هنا، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر، قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، وقال: هذا والله ذلك الرجل. فصل في إجمال القول في الكفار هاهنا ذكر الله - تعالى - هاهنا - قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين، وهم: عاد، وثمود، وقوم فرعون، على سبيل الإجمال حيث قالوا: "فَصَبَّ عَليْهَم ربُّكَ سوْطَ عذابٍ"، ولم يبين كيفية ذلك العذاب، وبين في سورة: "الحاقَّة"، ما أبهم في هذه السورة، فقال تعالى: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 5، 6] إلى قوله: {أية : وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} تفسير : [الحاقة: 9]. قوله: {وَثَمُودَ}. قرأ العامة بمنع الصرف. وابنُ وثابٍ: يصرفه، والذي يجوز فيه ما تقدم في: "التي لم يخلق". و"جَابُوا" أي: قطعوا، ومنه: فلان يجوب البلاد، أي: يقطعها سيراً؛ قال: [البسيط] شعر : 5196- مَا إنْ رَأيْتُ قَلُـوصاً قَبْلَهَا حَملـتْ سِتِّيـنَ وسْقـاً ولا جَابـتْ بِـهِ بَلـدَا تفسير : وجَابَ الشيء يجوبه: أي: قطعه، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي: قطع. وقوله: "بالوَادِ": متعلق إما بـ "جابوا" أي: فيه، وإما بمحذوف على أنه حال من "الصَّخْر"، أو من الفاعلين. وأثبت في الحالين: ابنُ كثيرٍ وورشٌ بخلاف عن قنبل، فروي عنه إثباتها في الحالين، وروي عنه: إثباتها في الوصل خاصة، وحذفها الباقون في الحالين، موافقة لخط المصحف، ومراعاة للفواصل كما تقدم في "يسر". فصل في تفسير الآية قال ابنُ عبَّاسٍ: كانوا يجوبون البلادن ويجعلون من الجبال بيوتاً، لقوله - تعالى -: {أية : يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً} تفسير : [الحجر: 82]. وقيل: أول من نحت من الجبال، والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة، كلها من الحجارة. وقوله تعالى: {بِٱلْوَادِ} أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. [وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة، قال: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة "تبوك" على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: "أسرعوا السير؛ فإنكم في واد ملعون" ". تفسير : وقيل: الوادي بين جبال، وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكاً للسيل، ومنفذاً، فهو واد]. قوله: {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ}، أي: الجنود والعساكر والجموع. قاله ابن عباس. وسمي "ذي الأوتاد" لكثرة مضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. وقيل: ذي الأتاد، أي: ذي الملك الثابت. كقوله: [الرجز] شعر : 5197- فــي ظِــلِّ مَلــكٍ رَاســخِ الأوْتَــادِ تفسير : وقيل: كان يشدّ الناس بالأوتاد إلى أن يموتوا، تجبّراً منه وعتواً، كما فعل بامرأته آسية، وماشطتها. قال عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ له الإنسان، فيوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه. وروى قتادةُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ: أن تلك الأوتاد، كانت ملاعب يلعبون تحتها. قوله: {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ}: يجوز فيه ما جاز في: "الذين" قبله، من الإتباع والقطع على الذم. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يرجع الضَّمير إلى فرعون خاصة؛ لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهو الأقرب. وأحسن الوجوه في إعرابه: أن يكون في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على: "هم الذين طغوا" مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون. يعني: عاداً، وفرعون، وثموداً طغوا، أي: تمردوا وعتوا، وتجاوزا القدر في الظلم والعدوان، ثم فسر تعالى طغيانهم بقوله: {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ}. قال الكلبيُّ: القتل، والمعصية لله تعالى. قال القفال: والجملة أن الفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم، فمن عمل بغير أمر الله، وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد. قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}. أي: أفرغ عليهم، وألقى، يقال: صبَّ على فلان خلعة، أي: ألقاها عليه؛ قال النابغة: [الطويل] شعر : 5198- فَصـبَّ عَليْـهِ اللَّـهُ أحْسـنَ صُنْعهِ وكَـانَ لَـهُ بَيْـنَ البَريَّـةِ نَاصِـراً تفسير : وقوله تعالى: {سَوْطَ عَذَابٍ} أي: نصيب عذاب؛ وقيل: شدته؛ لأن السوط عندهم ما يعذب به. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5199- ألَـمْ تَـرَ أنَّ اللَّـهَ أظهـرَ دينـهُ وصَـبَّ علـى الكُفَّـارِ سـوْطَ عـذابِ تفسير : والسوط: هو الآلة المعروفة. قيل: سمي سوطاً؛ لأن يساط به اللحم عند الضرب أي: يختلط؛ قال كعب بن زهير: [البسيط] شعر : 5200- لَكنَّهَـا خُلَّـةٌ قَـدْ سِيـطَ مـنْ دَمِهَـا فَجْـعٌ ووَلْـعٌ وإخـلافٌ وتَبْديـلُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5201- أحَـارِثُ إنَّـا لو تُسَـاطُ دِماؤُنَـا تَزايلــنَ حتَّـى لا يَمَـسُّ دَمٌ دَمَــــا تفسير : [وقيل: هو في الأصل مصدر: ساطه يسوطه سوطاً، ثم سميت به الآلة]. وقال أبو زيد: أموالهم بينهم سويطة، أي: مختلطة. فالسَّوطُ: خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه سمي: المسواط، وساطه: أي خلطه، فهو سائط، وأكثر من ذلك، يقال: سوط فلان أموره؛ قال: [الطويل] شعر : 5202- فَسُطْهَــا ذَمِيـمَ الـرَّأي غَيْـرَ مُوفَّـقٍ فَلسـت عَلى تَسْويطهَـا بمُعَـانِ تفسير : قال الفرَّاء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السَّوطَ: هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه غاية العذاب. وقال الزجاج: أي: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب. [ويقال: ساط دابته يسوطها أي: ضربها بسوطه. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها]. قال قتادة: كل شيء عذب الله به، فهو سوط عذاب. [واستعمال الصب في السوط استعارة بليغة شائعة في كلامهم. قال القاضي: وشبه بصبّ السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه]. قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}، أي: يرصد عمل كل إنسان، حتى يجازيه به. قال الحسن وعكرمة: والمِرْصادَ: كالمرصد، وهو: المكان الذي يترقب فيه الرَّصد، جمع راصد كحرس، فالمرصاد "مفعال" من: "رصده"، كميقات من وقته، قاله الزمخشري. وجوَّز ابنُ عطيَّة في المرصاد: أن يكون اسم فاعل، قال: كأنه قيل: "لبالراصد"، فعبر ببناء المبالغة. ورده أبو حيَّان: بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الباء، إذ ليس هوفي موضع دخولها، لا زائدة، ولا غير زائدة. قال شهابُ الدِّين: قد وردت زيادتها في خبر: "إنَّ" كهذه الآية؛ وفي قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 5203-.................................. فإنَّـكَ ممَّـا أحْدثَـتْ بالمُجـرِّبِ تفسير : إلاَّ أنَّ هذه ضرورة، لا يقاس عليه الكلام، فضلاً عن أفصحه. فصل تقدم الكلام في: "المرصاد"، عند قوله: {أية : كَانَتْ مِرْصَاداً} تفسير : [النبأ: 21]، وهذا مثلٌ لإرصاده العصاة بالعقاب بأنهم لا يفوتونه، كما قيل لبعض العرب: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وقال الفراء: معناه: إليه المصير. وقال الزجاج: يرصد من كفر به وعاند طاعته بالعذاب. وقال الضحاك: يرصد أهل الظلم، والمعصية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} الهمزة للانكار وهو فى قوة النفى ونفى النفى اثبات اى ألم تعلم يا محمد علما يقينيا جاريا مجرى الرؤية فى الجلاء اى قد علمت باعلام الله تعالى وبالتواتر أيضا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم فسيعذب كفار قومك ايضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصى والمراد بعاد أولاد عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام سموا باسم ابيهم كما سمى بنوا هاشم هاشما وبنوا تميم تميما فلفظ عاد اسم للقبيلة المنتسبة الى عاد وقد قيل لاوآئلهم عاد الاولى ولاواخرهم عاد الاخيرة قال عماد الدين بن كثير كل ما ورد فى القرءآن خبر عاد الاولى الا ما فى سورة الاحقاف.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} هذا الخطاب لمحمّدٍ (ص) او عامٌّ وهذا قرينة جواب القسم والتّقدير لنهلكنّ الّذين افسدوا فى الارض الم تر {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} عاد اسم لقوم هود سُمّوا باسم ابيهم فانّ عاداً كان عادين، عاداً الاولى، وعاداً الاخرى وقوله تعالى {إِرَمَ} كعنب اسم آخر لعاد، او هو اسم جدّ عادٍ، او هو اسم سام بن نوح، فانّ عاداً كان ابن عوص بن آدم بن سام بن نوح (ع)، وقوم هود كانوا اولاد عاد سُمّوا باسم جدّهم وابيهم، او هو اسم لقبيلة هود، وقيل: هو اسم لقبيلةٍ من قوم هودٍ كان الملك فيهم، وقيل: هو اسم بلدٍ، وقيل: هو دمشق، وقيل: هو مدينة الاسكندريّة، وقيل: هو اسم لجنّة شدّادٍ، وعلى اىّ تقديرٍ فهو بدل من عادٍ امّا بدل الكلّ من الكلّ، او بدل الاشتمال، فانّه اذا كان اسماً للبلد فان اريد به اهله كان بدل الكلّ من الكلّ، وان اريد به نفس البلد كان بدل الاشتمال {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} العماد بالكسر الشّجعان من العسكر والابنية الرّفيعة والعمود والاخبية، واهل العماد اهل الاخبية، وقيل: سمّاهم الله ذات العماد لانّهم كانوا اهل الاخبية وكانوا سيّارين لرعى مواشيهم، وقيل: معناه ذات الطّول والشّدّة، او كانوا اهل القصور الرّفيعة، او كان فيه شجعان قويّة. وصف ارم ذات العماد قيل: خرج رجلٌ يقال له عبد الله بن قلابة فى طلب ابلٍ له شردت، فبينا هو فى صحارى عدنٍ اذ هو قد وقع على مدينةٍ عليها حصنٌ فلمّا دنى منها ظنّ انّ فيها احداً يسأله عن ابله فنزل عن دابّته وعقلها وسلّ سيفه ودخل الحصن، فاذا هو ببابين عظمين لم ير اعظم منهما مرصّعين بالياقوت الابيض والاحمر فدهش، وفتح احد البابين فاذا هو بمدينةٍ لم ير احد مثلها، فيها قصور فوقها غرف وفوق الغرف غرف مبنيّة بالذّهب والفضّة واللّؤلؤ والياقوت، ومصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة مفروشة كلّها باللّئالى وبنادق من مسك وزعفران، فلمّا لم ير فيها احداً هاله ذلك ونظر فرأى اشجاراً فى ازقّتها مثمرةً وتحت الاشجار انهار جارية من قنوات من فضّة، فظنّ الرّجل انّها هى الجنّة الموصوفة فى القرآن فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزّعفران، ولم يستطع ان يقلع من زبرجدها وياقوتها وخرج ورجع الى اليمن واخبر النّاس فانتشر الخبر حتّى بلغ معاوية خبره، فأرسل اليه فقصّ عليه القصّة فأرسل معاوية الى كعب الاحبار فلمّا أتاه سأله عن ذلك فقال: اخبرك بتلك المدينة وبمن بناها، بناها شدّاد بن عادٍ والمدينة ارم ذات العماد الّتى وصفها الله تعالى انّ عاداً الاولى ابا قوم هودٍ كان له ابنان شدّاد وشديد فهلك عادٌ وبقيا وقهرا البلاد، فهلك شديد وبقى شدّاد مالكاً لجميع ملوك الارض، فدعته نفسه الى ان بنى مثل الجنّة الّتى وصفها الله لانبيائه (ع) فأمر ببناء تلك المدينة وامّر على صنعتها مائة قهرمانٍ مع كلّ قهرمانٍ الف من الاعوان، وكتب الى ملوك الدّنيا ان يجمعوا له ما فى بلادهم من الجواهر واقاموا فى بنائها مدّة طويلة ثمّ سار الملك اليها فى جنده ووزرائه فلمّا كان منها على مسيرة يومٍ بعث الله عليه وعلى من معه صيحةً من السّماء فأهلكتهم جميعاً، وسيدخلها فى زمانك رجلٌ من المسلمين احمر اشقر قصيرٌ على حاجبه خالٌ وعلى عنقه خالٌ يخرج فى طلب ابلٍ له وكان الرّجل عند معاوية فالتفت اليه وقال: هذا والله ذلك الرّجل.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} ألم تعلم يا محمد ما فعل خالقك بعاد من الهلاك، وعن بعضهم أطلق لفظ الرؤيا على العلم لأن اخبار عاد وثمود وفرعون كانت معلومة عده وهم اطول وأشد قوة من كفار مكة وعاد في الأصل اسم لأبي قوم ثم أطلق على القوم كما يسمى بنوا هاشم هاشما أو يقدر مضاف أي أولاد عاد أو قوم عاد وهم قوم هود أبوهم عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وهم عاد الأولى ومن بعدهم عاد الآخرة.

اطفيش

تفسير : ألم تعلم يا محمد أو من يصلح للخطاب ما فعل ربك بهم من العذاب وثمود وفرعون لكفرهم فليخف قومك تعذيباً مثله على كفرهم وهم أولاد عاد بن عيص أو عاص أو عوص ابن أروم بن سام بن نوح عليه السلام، قوم هود عليه السلام سموا باسم أبيهم ومثل هذا حقيقة عرفية خاصة لا مجاز على الصحيح لأَنه يقال بلا إعتبار علاقة وملاحظة قرية وإنما التجوز فى التسمية الأُولى قبل أن تشيع وكذا تسميتهم ارم اسم جدهم فى الأصل أو أبيهم عاد أو أمهم وصرف باعتبار القوم أو الحى أو لسكون وسطه كهند ولو اعتبر معنى القبيلة والجملة مفعول ترى علق عنها بالاستفهام التعجبى.

الالوسي

تفسير : الخ فإنه استشهاد بعلمه صلى الله عليه وسلم بما يدل عليه من تعذيب عاد وأضرابهم المشاركين لقومه عليه الصلاة والسلام في الطغيان والفساد على طريقة {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ }تفسير : [البقرة: 258] الآية وقوله سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ }تفسير : [الشعراء: 225] وقال أبو حيان الذي يظهر أنه محذوف يدل عليه ما قبله من آخر سورة الغاشية وهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }تفسير : [الغاشية: 25ـ26] وتقديره لإيابهم إلينا وحسابهم علينا وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ {أية : وَٱلْفَجْرِ}تفسير : [الفجر: 1] إلى قوله سبحانه: {أية : إِذَا يَسْرِ }تفسير : [الفجر: 4] فقال هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد وإلى أنه هو المقسم عليه ذهب ابن الأنباري وعن مقاتل أنه {أية : هَلْ فِى ذَلِكَ}تفسير : [الفجر: 5] الخ وهل بمعنى إن وهو باطل رواية ودراية إذ يبقى عليه قسم بلا مقسم عليه. والمراد بعاد أولاد عاد بن عاص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم هاشماً وإطلاق الأب على نسله مجاز شائع حتى ألحق بعضه بالحقيقة وقد قيل لأوائلهم عاد الأولى ولأواخرهم عاد الآخرة قال عماد الدين بن كثير كلما ورد في القرآن خبر عاد فالمراد بعاد فيه عاد الأولى إلا ما في سورة الأحقاف. ويقال لهم أيضاً إرم تسمية لهم باسم جدهم والتسمية بالجد شائعة أيضاً وهو اسم خاص بالأولى وعليه قول ابن الرقيات: شعر : مجداً تليداً بناه أوله أدرك عاداً وقبلها إرما تفسير : ونحوه قول زهير: شعر : وآخرين ترى الماذي عدتهم من نسج داود أو ما أورثت إرما

ابن عاشور

تفسير : لا يصلح هذا أن يكون جواباً للقسم ولكنه: إمَّا دليلُ الجواب إذ يدل على أن المقسَم عليه من جنس ما فُعِل بهذه الأمم الثلاث وهو الاستئصال الدال عليه قوله: {فصب عليهم ربك سوط عذاب}، فتقدير الجواب ليصبن ربك على مكذبيك سوط عذاب كما صب على عاد وثمود وفرعون. وإمّا تمهيد للجواب ومقدمة له إن جعلت الجواب قوله: {إن ربك لبالمرصاد} وما بينه وبين الآيات السابقة اعتراض جعل كمقدمة لجواب القسم. والمعنى: إن ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم، فيكون تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم كقوله: { أية : ولا تحسبن اللَّه غافلاً عما يعمل الظالمون } تفسير : [إبراهيم: 42]. فالاستفهام في قوله: {ألم تر} تقريري، والمخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم تثبيتاً له ووعداً بالنصر، وتعريضاً للمعاندين بالإِنذار بمثله فإن ما فُعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فَعَلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل الله قُصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله. لأن التذكير بالنظائر واستحضَار الأمثال يقرِّب إلى الأذهانِ الأمر الغريب الوقوع، لأن بُعد العهد بحدوث أمثاله ينسيه الناسَ، وإذا نُسي استبعَد الناسُ وقوعه، فالتذكير يزيل الاستبعاد. فهذه العِبَر جزئيات من مضمون جواب القسم، فإن كان محذوفاً فذِكْرُها دليلُه، وإن كان الجواب قوله: {إن ربك لبالمرصاد} كان تقديمها على الجواب زيادة في التشويق إلى تلقيه، وإيذاناً بجنس الجواب من قَبْل ذكره ليحصل بعد ذكره مزيد تقرُّره في الأذهان. والرؤيَةُ في {ألم تر} يجوز أن تكون رؤية عِلْمية تشبيهاً للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف لأن أخبار هذه الأمم شائعة مضروبة بها المُثُل فكأنها مشاهدة. فتكون {كيف} استفهاماً معلِّقاً فعل الرؤية عن العمل في مفعولين. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمعنى: ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد، وتكون {كيف} إسْماً مجرّداً عن الاستفهام في محل نصب على المفعولية لفعل الرؤية البصرية. وعُدل عن اسم الجلالة إلى التعريف بإضافة رب إلى ضمير المخاطب في قوله: {فعل ربك} لِما في وصف رب من الإِشعار بالولاية والتأييد ولما تؤذن به إضافته إلى ضمير المخاطب من إعزازه وتشريفه. وقد ابتُدئت الموعظة بذكر عاد وثمود لشهرتهما بين المخاطبين وذُكِرَ بعدهما قوم فرعون لشهرة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون بين أهل الكتاب ببلاد العرب وهم يحدِّثون العرب عنها. وأريد بــــ «عاد» الأمة لا محالة قال تعالى: { أية : وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم } تفسير : [هود: 59] فوَجْه صرفه أنه اسم ثلاثي ساكن الوسط مثلِ هِند ونُوح وإرَم بكسر الهمزة وفتح الراء اسم إرَم بن سَامٍ بن نُوح وهو جد عاد لأن عاداً هو ابن عُوص بن إرَم، وهو ممنوع من الصرف للعجمة لأن العرب البائدة يُعتبرون خارجين عن أسماء اللغة العربية المستعملة، فهو عطف بيان لــــ «عاد» للإِشارة إلى أن المراد بــــ «عاد» القبيلة التي جدها الأدنى هو عاد بن عوص بن إرم، وهم عاد الموصوفة بــــ {الأولى} في قوله تعالى: { أية : وأنه أهلك عاداً الأولى } تفسير : [النجم: 50] لئلا يتوهم أن المتحدَّثَ عنهم قبيلة أخرى تسمى عاداً أيضاً. كانت تنزل مكة مع العَمَاليق يقال: إنهم بقية من عاد الأولى فعاد وإرم اسمان لقبيلة عاد الأولى. ووُصِفَتْ عادٌ بــــ {ذات العماد}، و{ذاتُ} وصْف مؤنث لأن المراد بعاد القبيلة. والعمادُ: عُود غليظ طويلٌ يُقام عليه البيت يركز في الأرض تقام عليه أثواب الخيمة أو القبة ويسمى دَعامةً، وهو هنا مستعار للقوة تشبيهاً للقبيلة القوية بالبيت ذات العماد. وإطلاق العِماد على القوة جاء في قول عمرو بن كلثوم: شعر : ونَحن إذا عِمَادُ الحَيِّ خَرَّت على الأحْفاض نَمنع من يَلِينا تفسير : ويجوز أن يكون المراد بــــ {العماد} الأعلام التي بنوْها في طرُقهم ليهتدي بها المسافرون المذكورةَ في قوله تعالى: { أية : أتبنُون بكل رِيعٍ آيةً تعبثون } تفسير : [الشعراء: 128]. ووُصفت عاد بــــ{ذات العماد} لقوتها وشدتها، أي قد أهلك الله قوماً هم أشد من القوم الذين كذبوك قال تعالى: { أية : وكأيّن من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } تفسير : [محمد: 13] وقال: { أية : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة } تفسير : [غافر: 21]. و{التي}: صادق على «عاد» بتأويل القبيلة كما وصفت بــــ {ذات العماد} والعرب يقولون: تَغلِبُ ابنةُ وائل، بتأويل تغلب بالقبيلة. و{البلاد}: جمعَ بَلَد وبلْدة وهي مساحة واسعة من الأرض معيَّنة بحدود أو سكان. والتعريف في {البلاد} للجنس والمعنى: التي لم يخلق مثل تلك الأمة في الأرض. وأريد بالخلق خلق أجسادهم فقد رُوي أنهم كانوا طِوالاً شداداً أقوياء، وكانوا أهل عقل وتدبير، والعرب تضرب المثل بأحلام عاد، ثم فسدت طباعهم بالترف فبطروا النعمة. والظاهر أن لام التعريف هنا للاستغراق العُرفي، أي في بلدان العرب وقبائلهم. وقد وضع القصاصون حول قوله تعالى: {إرم ذات العماد} قصةً مكذوبة فزعموا أن {إرم ذات العماد} مركب جعل اسماً لمدينة باليَمن أو بالشام أو بمصر، ووصفوا قصورها وبساتينها بأوصاف غير معتادة، وتقوَّلوا أن أعرابياً يقال له: عبدُ الله بن قلابة كان في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تاهَ في ابتغاء إبِلٍ له فاطَّلع على هذه المدينة وأنه لما رجع أخبر الناس فذهبوا إلى المكان الذي زعم أنه وجَد فيه المدينة فلم يجدوا شيئاً. وهذه أكاذيب مخلوطة بجهالة إذ كيف يصح أن يكون اسمَها أرم ويتبع بذاتِ العماد بفتح {إرَمَ} وكسر {ذاتِ} فلو كان الاسم مركباً مَزْجياً لكان بناء جزأيْه على الفتح، وإن كان الاسم مفرداً و{ذات} صفة له فلا وجه لكسر {ذات}، على أن موقع هذا الاسم عقب قوله تعالى: {بعاد} يناكد ذلك كله. ومُنع {ثمود} من الصرف لأن المراد به الأمة المعروفة، ووصف باسم الموصول لجمع المذكّر في قوله: {الذين جابوا} دون أن يقول التي جابت الصخر بتأويل القوم فلما وُصف عدل عن تأنيثه تفنناً في الأسلوب. ومعنى {جابوا}: قطعوا، أي نَحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتاً كما قال تعالى: { أية : وتنحتون من الجبال بيوتاً } تفسير : [الشعراء: 149] وقد قيل: إن ثمود أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام. و{الصخر}: الحجارة العظيمة. والواد: اسم لأرض كائنةٍ بين جبلين منخفضة، ومنه سمي مجرى الماء الكثير واداً وفيه لغتان: أن يكون آخره دَالاً، وأن يكون آخره ياء ساكنةً بعد الدال. وقرأ الجمهور بدون ياء. وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفاً، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على مراعاة الفواصل مثل ما تقدم في قوله تعالى: { أية : والليل إذا يسر } تفسير : [الفجر: 4] وهو مرسوم في المصحف بدون ياء والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم المصحف إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسَوْه. والواد: علَم بالغلبة على منازل ثمود، ويقال له: وادي القُرى، بإضافته إلى «القرى» التي بنتها ثمود فيه ويسمى أيضاً «الحِجر» بكسر الحاء وسكون الجيم، ويقال لها: «حِجر ثمود» وهو واد بين خيبر وتَيْماء في طريق الماشي من المدينة إلى الشام، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلادَ العرب، ونزله من قبائل العرب قُضاعة وجهينة، وعُذرة وبَليٌّ. وكان غزاه النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب وصُولحت اليهود على جِزْيَةٍ. والباء في قوله: {بالواد} للظرفية. والمراد بــــ {فرعون} هو وقومه. ووصف {ذي الأوتاد} لأن مملكته كانت تحتوي على الأهرام التي بناها أسلافه لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق، ويجوز أن يكون الأوتاد مستعاراً للتمكن والثبات، أي ذي القوة على نحو قوله: {ذات العماد}، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذُو الأوتاد } تفسير : في ص (12). وقوله: {الذين طغوا في البلاد} يجوز أن يكون شاملاً لجميع المذكورين عاد وثمود وفرعون. ويجوز أن يكون نعتاً لفرعون لأن المراد هو وقومه. والطغيان شدّة العصيان والظلم ومعنى طغيانهم في البلاد أن كل أمة من هؤلاء طَغوا في بلدهم؛ ولما كان بلدهم من جملة البلاد أي أرضي الأقوام كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد لأن فساد البعض آئل إلى فساد الجميع بسَنِّ سنن السوء، ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله: {فأكثروا فيها الفسادَ} لأن الطغيان يجرِّىء صاحبه على دحض حقوق الناس فهو من جهة يكون قدوة سُوءٍ لأمثاله ومَلئهِ، فكل واحد منهم يطغى على من هو دونه، وذلك فساد عظيم، لأن به اختلال الشرائع الإلاهيّة والقوانين الوضعية الصالحة وهو من جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطْغيّ عليه من الرعية فيُضمرون السوء للطاغين وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور وتربص الدوائر بها فيكونُون لها أعداء غير مخلصي الضمائر ويكون رجال الدولة متوجّسين منهم خيفة فيظنون بهم السوء في كل حال ويحْذَرُونهم فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوض أن تتّحد على أعدائها فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل وذلك يفضي إلى فساد عظيم، فلا جرم كان الطغيان سبباً لكثرة الفساد. ويجوز أن يكون التعريف في {البلاد} تعريف العهد، أي في بلادهم والجمع على اعتبار التوزيع، أي طغت كل أمة في بلادها. و{الفساد}: سوء حال الشيء ولحاق الضر به قال تعالى: { أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل } تفسير : [البقرة: 205]. وضد الفساد الصلاح قال تعالى: { أية : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } تفسير : [الأعراف: 56] وكان ما أكثروه من الفساد سبباً في غضب الله عليهم، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب. والصب حقيقته: إفراغ ما في الظرف، وهو هنا مستعار لحلول العذاب دَفعة وإحاطته بهم كما يصب الماء على المغتَسِل أو يصب المطر على الأرض، فوجه الشبه مركب من السرعة والكثرة ونظيره استعارةُ الإِفراغ في قوله تعالى: { أية : ربنا أفرغ علينا صبراً } تفسير : [البقرة: 250] ونظير الصب قولهم: شن عليهم الغارةَ. وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذاباً مفاجئاً قاضياً. فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مطير. وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة. وأما فرعون فحسبوا البحر منحسراً فما راعهم إلا وقد أحاط بهم. والسوط: آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحمِلَها على المزيد في الجري. وعن الفراء أن كلمة {سوط عذاب} يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط (أي يقع بالسوط)، يُريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك. وإضافة {سوط} إلى {عذاب} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي صب عليهم عذاباً سوطاً، أي كالسوط في سرعة الإِصابة فهو تشبيه بليغ. وجملة: {إن ربك لبالمرصاد} تذييل وتعليل لإِصابتهم بسوط عذاب إذا قُدِّر جواب القسم محذوفاً. ويجوز أن تكون جواب القَسَم كما تقدم آنفاً. فعلى كون الجملة تذييلاً تكون تعليلاً لجملة {فصب عليهم ربك سوط عذاب} تثبيتاً للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله ينصر رسله وتصريحاً للمعاندين بما عَرَّض لهم به من توقع معاملته إياهم بمثل ما عامل به المكذبين الأولين. أي أن الله بالمرصاد لكل طاغ مفسد. وعلى كونها جواب القسم تكون كناية عن تسليط العذاب على المشركين إذ لا يراد من الرصد إلا دفع المعتدي من عدوّ ونحوه، وهو المقسم عليه وما قبله اعتراضاً تفنناً في نظم الكلام إذْ قُدم على المقصود بالقسم ما هو استدلال عليه وتنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم من قوله: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} الخ، وهو أسلوب من أساليب الخطابة إذّ يُجعل البيان والتنظير بمنزلة المقدمة ويجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة والعلةِ إذا كان الكلام صالحاً للاعتبارين مع قصد الاهتمام بالمقدَّم والمبادرة به. والعدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى {ربك} في قوله: {فصبَّ عليهم ربُّك سوط عذاب} وقوله: {إن ربك لبالمرصاد} إيماء إلى أن فاعل ذلك رَبه الذي شأنه أن ينتصر له، فهو مُؤمّل بأن يعذب الذين كذبوه انتصاراً له انتصارَ المولى لوليّه. والمرصاد: المكان الذي يَترقب فيه الرَّصد، أي الجماعة المراقبون شيئاً، وصيغةُ مفعال تأتي للمكان وللزمان كما تأتي للآلة، فمعنى الآلة هنا غير محتمل، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب. وتعريف «المرصاد» تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلِّق، أي بالمرصاد لكل فاعل، فهو تمثيل لعمومِ عِلم الله تعالى بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم، بحال اطلاع الرصَد على تحركات العدُوّ والمغيرين، وهذا المثلُ كناية عن مجازاة كل عامل بما عمِله وما يعمله إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاءِ على العدوان، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما أصابهم به. والباء في قوله {بالمرصاد} للظرفية.

الشنقيطي

تفسير : لم يبين هنا ماذا ولا كيف فعل، بمن ذكروا، وهم عاد وثمود وفرعون. وقد تقدم ذكر ثلاثتهم في سورة الحاقة عند قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 5]، {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} [الحاقة: 6-7] - إلى قوله - {فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً} [الحاقة: 10]. والجديد هنا: هو وصف كل من عاد من أنها ذات العماد، ولم يخلق مثلها في البلاد، وثمود أنهم جابوا الصخر بالواد، وفرعون أنه ذو أوتاد. وقد اختلف في المعنى بهذه الصفات كلها. أما عاد، فقيل: العماد عماد بيوت الشعر، والمراد بها القبيلة. وطول عماد بيوتها: كناية عن طول أجسامهم، كما قيل في صخر: شعر : رفيع العماد طويل النجاد تفسير : وطول الأجسام يدل على قوة أصحابها. وقيل: إرم: كانت مدينة رفيعة البنيان، وذكروا في أخبارها قصصاً تفوق الخيال، وأنها في الربع الخالي، ولكن حيث لم تثبت أخبارها بسند يعول عليه، ولم يصدقه الواقع، فقال قوم: قد خسف بها ولم تعد موجودة. أما ثمود: فقد جابوا، أي نحتوا الصخر بالواد، بواد القرى في مدائن صالح، وهي بيوتهم موجودة حتى الآن. وأما فرعون ذو الأوتاد، فقيل: هي أوتاد الخيام، كان يتدها لمن يعذبهم. وقيل: هي كناية عن الجنود يثبت بها ملكه. وقيل: هي أكمات وأسوار مرتفعات، يلعب له في مرابعها. قال ابن جرير ما نصه: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة "وفرعون ذي الأوتاد، ذُكِر لنا أنها كانت مطال، وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وجبال". والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن هذا القول هو الصحيح، وأنها مرتفعة، وأنها هي المعروفة الآن بالأهرام بمصر، ويرجح ذلك إلى عدة أمور: منها: أنها تشبه الأوتاد في منظرها طرفه إلى أعلا، إذ القمة شبه الوتد، مدببة بالنسبة لضخامتها، فهي بشكل مثلث، قاعدته إلى أسفل وطرفه إلى أعلا. ومنها: ذكره مع ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، بجامع مظاهر القوة، فأولئك نحتوا الصخر بيوتاً فارهين، وهؤلاء قطعوا الصخر الكبير من موطن لا جبال حوله، مما يدل أنها نقلت من مكان بعيد. والحال أنها قطع كبار صخرات عظام ففي اقتطاعها وفي نقلها إلى محل بنائها، وفي نفس البناء كل ذلك مما يدل على القوة والجبروت، وتسخير العباد في ذلك. ومنها: أن حملها على الأهرام القائمة بالذات والمشاهدة في كل زمان ولكل جيل، أوقع في العظة والاعتبار، بأن من أهلك تلك الأمم، قادر على إهلاك المكذبين من قريش وغيرهم. صدق الله العظيم: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الفجر: 14].

د. أسعد حومد

تفسير : (6) - كَانَ قَوْمُ عَادٍ عُتَاةً أَشِدَّاءَ، عِظَامَ الخِلَقِ، وَكَانُوا خارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، مُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ، فَذَكَرَ تَعَالَى كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ وَدَمَّرَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ لِيَتَّعِظَ مُشْرِكُو العَرَبِ، وَلاَ يَغْتَرُّوا بِقُوَّتِهِمْ وَمَالِهِمْ وَعَدَدِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ} قرأته العامّة بالتنوين وقرأ الحسن (بعاد إرم) على الإضافة وقرأت العامّة: (اِرم) بكسر الألف، وقرأ مجاهد بفتحه، قال المؤرّخ: من قرأ بفتح الألف شبههم بالآرام، وهي الأعلام واحدها اِرم. واختلف العلماء في معنى قوله {إِرَمَ} فأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا موسى الباقرحي قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشير عن محمد بن إسحاق عمّن يخبره أنّ سعيد بن المسيّب كان يقول: اِرم ذات العماد دمشق. وأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن مروان، قال: حدّثنا علي بن حرب الطائي قال: حدّثنا أبو الأشهب هود عن عوف الإعرابي عن خالد الربعي {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} قال: دمشق، وبه قال عكرمة وأبو سعيد المقبري. وقال القرظي: هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي اِرمة ومعناها القديمة. قتادة: هم قبيلة من عاد، وقال أبو إسحاق: هو جدّ عاد، وهو عاد بن عوص بن اِرم بن سام بن نوح. وقال مقاتل: اِرم قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك وكانوا موضع مهرة، وكان عاد أباهم فنسبهم إليه، وهو اِرم بن عاد بن شمر بن سام بن نوح. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو الطيّب المروزي قال: حدّثنا محمّد بن علي قال: أخبرنا فضل بن خالد قال: حدّثنا عبيد بن سليمان عن الضحّاك بن مزاحم أنّه كان يقرأ {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} بفتح الألف والراء، والإرم الهلاك فقال: اِرم بنو فلان أي هلكوا، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس. وروي عن الضحّاك أنّه قرأ {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} أي أهلكهم وجعلهم رميماً، والصواب أنّها اسم قبيلة أو بلدة فلذلك لم يجرّ. قوله: {ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} قال قوم: يعني ذات الطول والقوّة والشدّة. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدّثني معاوية بن صالح عمّن حدّثه عن المقدام عن النبيّ صلّى الله عليه حديث : أنّه ذكر "اِرم ذات العماد" فقال: "كان الرجل منهم يأتي بالصخرة فيحملها على [كاهله فيلقيها على أي حي أراد] فيهلكهم ". تفسير : وقال الكلبي: كان طول الرجل منهم أربع مائة ذراع، وقال ابن عبّاس: يعني طولهم مثل العماد، ويقول العرب للرجل الطويل: معمّدا، وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعاً، وقال آخرون: إنّما قيل لهم: ذات العماد؛ لأنّهم كانوا أهل عمد سيارة ينتجعون الغيث وينتقلون إلى الكلأ، حيث كان ثمّ يرجعون إلى منازلهم ولا يقيمون في موضع. قال الكلبي: اِرم هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل السواد وأهل الجزيرة، كان يقال: عاد اِرم وثمود اِرم، فأهلك الله سبحانه عاداً، ثمّ ثمود وبقي أهل السواد وأهل الجزيرة، وكان أهل عمد وخيام وماشية في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم فكانوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كانت بوادي القرى، وهي التي يقول الله سبحانه: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}. وقيل: سمّوا ذات العماد لبناء بناه بعضهم، فشيّد عمده ورفع بناءه، والعماد والعُمد والعَمد جمع عمود، وهو: ما أخبرنا أبو القاسم المفسّر قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار الأصبهاني قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم الأصبهاني قال: حدّثنا عبد الله بن صالح المصري قال: حدّثني ابن لهيعة وأخبرنا أبو القاسم قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرايفي قال: أخبرنا عثمان بن سعيد الدارجي قال: أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدّثني ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنّه خرج في طلب إبل له شردت، فبينما هو في صحاري عدن إذا هو قد وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كبيرة وأعلام طوال، فلمّا دنى منها ظنّ أنّ فيها أحداً يسأله عن إبله فلم ير خارجاً ولا داخلاً فنزل عن دابته وعقلها وسلّ سيفه ودخل من باب الحصن، فلمّا دخل في الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما، والبابان مرصّعان بالياقوت الأبيض والأحمر فلمّا رأى ذلك دُهش وأعجبه ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحدٌ مثلها، وإذا قصور كل قصر معلّق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت وفوق كلّ قصر منها غرف: شعر : [اعتبر يا أيها المغرور بالعمر المديد أنا شداد بن عاد صاحب الحصن المشيد] وأخو القوّة والبأساء والملك الحشيد دار أهل الأرض لي من خوف وعيدي ووعيد وملكت الشرق والغرب بسلطان شديد وبفضل الملك والعدّة فيه والعديد فأتى هود وكنّا في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرشيد وعصيناه ونادى هل من محيد فأتتنا صيحة تهوي من الأُفق البعيد فتوافينا كزرع وسط بيداء حصيد تفسير : {وَثَمُودَ} أي وثمود {ٱلَّذِينَ جَابُواْ} قطّعوا وخرقوا {ٱلصَّخْرَ} الحجر واحدتها صخرة {بِٱلْوَادِ} يعني بوادي القرى، فنحتوا منها بيوتاً كما قال الله سبحانه: {أية : وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ} تفسير : [الحجر: 82]. قال أهل السير: أوّل من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، فبنوا من الدور والمنازل ألفي ألف وسبع مائة ألف كلّها من الحجارة، وأثبت أبو جعفر وأبو حاتم وورش الياء في الوادي وصلاً، وأثبتها في الوصل والوقف ابن كثير برواية البزي والعواش ويعقوب على الأصل، وحذفها الآخرون في الحالتين؛ لأنّها رأس آية. {وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} اختلفوا فيه فقال بعضهم: أراد ذا الجنود والجموع الذين يقوّون أمره ويسدّدون مملكته، وسمّي الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتّدونها في أسفارهم، وهي رواية عطية عن ابن عبّاس. وقال قتادة: سمّي ذا الأوتاد؛ لأنّه كانت له مظال وملاعب وأوتاد يُضرب له فتلعب له تحتها، وقال محمد بن كعب: يعني ذا البناء المحكم، وقال سعيد بن جبير: كان له منارات يعذّب الناس عليها، وقال مجاهد وغيره: كان يعذّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّهُ على الأرض وأوتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشير عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عبّاس أنّ فرعون لمّا قيل له: ذو الأوتاد أنّه كان امرأة وهي امرأة خازنه خربيل بن نوحابيل وكان مؤمناً كتم إيمانه مائة سنة، وكان لقي من لقى من أصحاب يوسف، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشّط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لكِ من إله غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحدٌ لا شريك له. فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي قال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحدٌ لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت. فقال لها ويحك: اكفري بإلهك وأقري أني إلهك، قالت: لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب فقال لها: اكفري بالله وإلاّ عذبتك بهذا العذاب شهرين، قالت: والله لو عذّبتني سبعين شهراً ما كفرت بالله تعالى. قال: وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلاّ ذبحت ابنتك الصغرى على فيك، وكانت طفلة رضيعة تجد بها وجداً شديداً فقالت: لو ذبحت من على الأرض على فيّ ما كفرتُ بالله تعالى. قال: فأتى بابنتها فلمّا أن قُدّمت منها واضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلّمت وهي من الأربعة الذين تكلّموا أطفالاً، فقالت: يا أُمّاه لا تجزعي فإنّ الله سبحانه قد بنى لكِ بيتاً في الجنّة، اصبري فإنّك تمضين إلى رحمة الله سبحانه وكرامته، قال: فذبحت فلم تلبث أن ماتت وأسكنها الله سبحانه الجنّة. قال: وبعث في طلب زوجها خربيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنّه قد رُئي في موضع كذا وكذا في جبال كذا وكذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلّي وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلّون، فلمّا رأيا ذلك انصرفا، وقال خربيل: اللّهم إنّك تعلم أنّي كتمتُ إيماني مائة سنة، ولم يظهر عليّ أحدٌ فأيّما هذين الرجلين كتم عليّ فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤله، وأيّما هذين الرجلين أظهر عليّ فعجّل عقوبته في الدُّنيا، واجعل مصيره في العاقبة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأمّا أحدهما فاعتبر وآمن، وأمّا الآخر فأخبر فرعون بالقصّة على رؤوس الملأ، فقال له فرعون: وهل كان معكَ غيرك؟ قال: نعم. قال: ومَنْ كان معك؟ قال: فلان. فدعى به. فقال: حقٌّ ما يقول هذا؟ قال: لا، ما رأيت ممّا قال شيئاً. فأعطاه فرعون وأجزل، وأمّا الآخر فقتله ثمّ صلبه. قال: وكان فرعون قد تزوّج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسيا بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما أتى فرعون وأنا مسلمة وهو كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريباً منها فقالت: يا فرعون أنت شرّ الخلق وأخبثه عمدت إلى الماشطة فقتلتها، فقال: فلعلّ بك الجنون الذي كان بها. قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهكَ وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له فمزّق عليها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما فقال لهما الأمر، بأنّ الجنون الذي كان بالماشطة أصابها فقالت: أعوذ بالله من ذلك، إنّي أشهد أنّ ربّي وربّك وربّ السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقال أبوها: يا آسية ألست خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك إن كان ما تقول حقّاً، فقولا له: يتوّجني تاجاً يكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهم فرعون: أخرجا عنّي فمدّها بين أربعة أوتاد يعذّبها، وفتح الله سبحانه لها باباً إلى الجنّة ليهوّن عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت: {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} تفسير : [التحريم: 11] يعني من جماع فرعون {أية : وَنَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التحريم: 11] يعني من فرعون وشيعته، فقبض الله سبحانه روحها وأسكنها الجنّة. وقيل: الأوتاد عبارة عن ثبات مملكته وطول مدّته وشدّة هيبته، كثبوت الأوتاد في الأرض كقول الأسود: شعر : في ظل ملك ثابت الأوتاد تفسير : {ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} قال قتادة: يعني لوناً من العذاب صبّه عليهم، وقال السّدي: كلّ يوم لون آخر من العذاب، وقيل: وجع العذاب، وقال أهل المعاني: هذا على الاستعارة؛ لأنّ السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكلّ عذاب. قال الشاعر: شعر : ألم ترَ أنّ الله أظهر دينه وصبّ على الكفّار سوط عذاب تفسير : {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} قال ابن عبّاس: سبحانه يرى ويسمع، وقال مقاتل: ترصد الناس على الصراط، فجعل رصداً من الملائكة معهم الكلاليب والمحاجن والحسك، وقال الضحّاك: بمرصد لأهل الظلم والمعصية، وقيل: معناه مرجع الخلق ومصيرهم إلى حكمه وأمره، وقال الحسن وعكرمة: ترصد أعمال بني آدم، وعن مقاتل أيضاً: ممرّ الناس عليه. عطاء ابن أبي رياح: لا يفوته أحد. يمان: لا محيص عنه. السدي: أرصد النار على طرقهم حتّى تهلكهم، والمرصاد والمرصد الطريق وجمع المرصاد مراصيد وجمع المرصد مراصد. وروى مقسم عن ابن عبّاس قال: إنّ على جهنّم سبع مجاسر يسأل العبيد عند أوّلهنّ عن شهادة أن لا إله إلاّ الله، فإن جاء بها تامّة جاز بها إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّه جاز إلى الثالث، فيُسئل عن الزكاة فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تامّاً جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحجّ فإن جاء به تامّاً جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلاّ يقال انظروا، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله، فإذا فرغ به انطلق به إلى الجنّة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ [ذَاتِ ٱلْعِمَادِ] أي ألم تَعلمْ. وهما عَادان، عادُ الأُولى: وهي إِرمُ ذَاتِ العِمادِ معناه ذَات الطُّولِ. وعادٌ الأَخيرة: وهم أهلُ عَمودٍ. ويقال الذين قاتَلهم مُوسى عليه السّلامُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { أَلَمْ تَرَ } بقلبك وبصيرتك كيف فعل بهذه الأمم الطاغية، وهي { إِرَمَ } القبيلة المعروفة في اليمن { ذَاتِ الْعِمَادِ } أي: القوة الشديدة، والعتو والتجبر. { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا } أي: مثل عاد { فِي الْبِلادِ } أي: في جميع البلدان [في القوة والشدة]، كما قال لهم نبيهم هود عليه السلام: {أية : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . تفسير : { وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ } أي: وادي القرى، نحتوا بقوتهم الصخور، فاتخذوها مساكن، { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَاد } أي: [ذي] الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تثبت الأوتاد ما يراد إمساكه بها، { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ } هذا الوصف عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال: { فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ } وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب لهلاكهم، أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبًا وسوط عذاب، { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } لمن عصاه يمهله قليلا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

همام الصنعاني

تفسير : 3604- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِعَادٍ * إِرَمَ}: [الآيات: 6-7]، قال: إرم، قبيل من عاد، كان يقال هلم {إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ}، كانوا أهل عمودٍ.