٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
الرازي
تفسير : والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقاً، والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى: {أية : عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 187] وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه. وأعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طعمة، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقاً، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أثيماً }. فإن قيل: لم قال {خَوَّاناً أثيماً } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد. قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر، وأعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم؛ نزلت في أُسَيْر بن عُروة كما تقدّم. والمجادلة المخاصمة. من الجدل وهو الفتل، ومنه رجل مجدول الخلق، ومنه الأجدل للصقر. وقيل: هو من الجَدَالة وهي وجه الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد أن يُلقي صاحبه عليها قال العجّاج: شعر : قد أركب الحالة بعد الحالهْ وأترُك العاجز بالجَدَاله مُنعَفِراً ليست له محاله تفسير : الجَدَالة الأرض؛ من ذلك قولهم: تركته مُجَدّلا؛ أي مطروحاً على الجَدَالة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ} أي لا يَرضَى عنه ولا يُنوِّه بذكر. {مَن كَانَ خَوَّاناً} خائناً. «وخوّانا» أبلغ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تُجَٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } كثير الخيانة {أَثِيماً } أي يعاقبه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يعني ولا تجادل يا محمد عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة وهم طعمة ومن عاونه وذب عنه من قومهم وإنما سماهم خائنين لأن من أقدم على ذنب فقد خان نفسه لأنه أوقعها في العذاب وحرمها من الثواب ولهذا قيل لمن ظلم غيره إنما ظلم نفسه وقيل المراد بهذا الجمع كل من خان خيانة أي فلا تخاصم ولا تجادل عنه {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} يعني خواناً بسرقة الدرع أثيماً برميه اليهودي وهو بريء وإنما قال تعالى خواناً أثيماً على المبالغة لأنه تعالى علم من طعمة الإفراط في الخيانة وركوب المآثم. ويدل على ذلك أنه لما نزل فيه القرآن لحق مكة مرتداً عن دينه ثم عدا على الحجاج بن علاط فنقب عليه بيته فسقط عليه حجر من الحائط فلما أصبحوا أخرجوه من مكة فلقي ركباً فعرض لهم. وقال ابن السبيل ومنقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فركبوا في طلبه فأدركوه فرموه بالحجارة حتى مات، ومن كانت هذه حاله كان كثير الخيانة والإثم فلذلك وصفه الله تعالى بالمبالغة في الخيانة والإثم قال بعضهم إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. ويروى عن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه يا أمير المؤمنين فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. قوله عز وجل: {يستخفون من الناس} يعني يستترون حياء من الناس يريد بذلك بني ظفر بن الحارث وهم قوم طعمة بن أبيرق {ولا يستخفون من الله} يعني ولا يستترون من الله ولا يستحيون منه وأصل الاستخفاء الاستتار وإنما فسر الاستخفاء بالاستحياء على المعنى لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار منهم {وهو معهم} يعني والله معهم بالعلم والقدرة ولا يخفى عليه شيء من حالهم لأنه تعالى لا تخفى عليه خافية. وكفى بذلك زجراً للإنسان عن ارتكاب الذنوب {إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} يعني يضمرون ويقدرون ويزورون في أذهانهم. وأصل التبييت تديبر الفعل بالليل وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمع قول طعمة ويقبل يمينه لأنه مسلم ولا يسمع قول اليهودي لأنه كافر فلم يرض الله تعالى بذلك منهم فأطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على سرهم وما هموا به {وكان الله بما يعملون محيطاً} يعني أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم محيط بهم لا تخفى عليه خافيه {ها أنتم هؤلاء} ها للتنبيه يعني يا هؤلاء الذين هو خطاب لقوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه {جادلتم عنهم} يعني خاصمتم عنهم بسبب أنهم كانوا يرونهم في الظاهر مسلمين وأصل الجدال شدة الفتل لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه والمعنى هبوا إنكم خاصمتم وجادلتم عن طعمة وقومه في الحياة الدنيا وقيل هو خطاب لقوم طعمة وفي قراءة ابن مسعود: جادلتم عنه والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة في الحياة الدنيا {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة} يعني إذا أخذه بعذابه فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع: {أمن يكون عليهم وكيلاً} يعني محافظاً ومحامياً عنهم من بأس الله إذا نزل بهم. قوله تعالى: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} نزلت هذه الآية في ترغيب طعمة في التوبة وعرضها عليه. وقيل نزلت في قومه الذين جادلوا عنه وقيل هي عامة في كل مسيء ومذنب لأن خصوص السبب لا يمنع من إطلاق الحكم ومعنى الآية ومن يعمل سوءاً يسيء به غيره كما فعل طعمة بالسرقة من قتادة وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالاً للضرر إلى الغير أو يظلم نفسه يعني فيما يختص به من الحلف الكاذب ونحو ذلك. وقيل معناه ومن يعمل سوءاً أي قبيحاً أو يظلم نفسه يرميه البريء وقيل السوء كل ما يأثم به الإنسان والظلم هو الشرك فما دونه {ثم يستغفر الله} يعني من ذنوبه {يجد الله غفوراً رحيماً} ففي هذه الآية دليل على حكمين: أحدهما أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر لأن قوله ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه عم الكل. والحكم الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف. وقال بعضهم إنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار على الذنوب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ}، لفظ عامٌّ يندرج تحته أصحابُ النازلةِ، ويتقرَّر به توبيخُهُمْ، وفي قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}: رفْقٌ وإبقاءٌ؛ فإن الخَوَّان هو الذي تتكرَّر منه الخيانَةُ؛ كَطُعَيْمَةَ بْنِ الأُبَيْرِقِ، والأَثِيمُ هو الذي يَقْصِدُها، فيخرج من هذا التشديدِ السَّاقط مرةً واحدةً، ونحو ذلك، وٱخْتِيَانُ الأَنْفُسِ هو بما يَعُودُ عليها من الإثْمِ والعقوبةِ في الدنيا والآخرة.
البقاعي
تفسير : ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن، وهو من وقعت منه خيانة ما؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى: {ولا تجادل} أي في وقت ما {عن الذين يختانون} أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا {أنفسهم} بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه، ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة، فإنه يعزم عليها أولاً ثم يفعلها، فأدنى لذلك أن يكون قد خان من نفسه مرتين، قال الإمام ما معناه أن التهديد في هذه الآية عظيم جداً، وذلك أنه سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا الحق في الظاهر، فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل؟ فكيف إن كان بغيرهم؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغاً في الخيانة بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله: {إن الله} أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام {لا يحب} أي لا يكرم {من كان خواناً أثيماً} بصيغتي المبالغة - على أن مراتب المبالغين في الخيانة متفاوتة، وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه وتعالى ذلك، لأن فيه دفعاً للضر عن البريء وجلباً للنفع إليه؛ ثم أتبعه بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة الجدوى، فقال سبحانه وتعالى معجباً منهم بما هو كالتعليل لما قبله: {يستخفون} أي هؤلاء الخونة: طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره {من الناس} حياء منهم وخوفاً من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفاً مع الوهم كالبهائم {ولا يستخفون} أي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة {من الله} أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال {وهو} أي والحال أنه {معهم} لا يغيب عنه شيء من أحوالهم، ولا يعجزه شيء من نكالهم، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال! {إذ} أي حين {يبيتون} أي يرتبون ليلاً على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي {ما لا يرضى من القول} أي من البهت والحلف عليه، فلا يستحيون منه ولا يخافون، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب. ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عمم فقال: {وكان الله} أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له {بما يعملون} أي من هذا وغيره {محيطاً *} أي علماً وقدرة. ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم، حذر من مناصرتهم فقال مبنياً أنها لا تجديهم شيئاً، مخوفاً لهم جداً بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعد: {هاأنتم هؤلاء} وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة، فقال مبيناً لأن المراد من الجملة السابقة التهديد: {جادلتم عنهم} في هذه الواقعة أو غيرها {في الحياة الدنيا} أي بما جعل لكم من الأسباب. ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال: {فمن يجادل الله} أي الذي له الجلال كله {عنهم} أي حين تنقطع الأسباب {يوم القيامة} ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون "ها" من {هأنتم} للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين. ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله: {أم من يكون} أي فيما يأتي من الزمان {عليهم وكيلاً *} أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم، فيثبت لهم ما فارقوه، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر. ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفاً على ما تقديره: فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليماً حكيماً -: {من يعمل سوءاً} أي قبيحاً متعدياً يسوء غيره شرعاً، عمداً - كما فعل طعمة - أو غير عمد {أو يظلم نفسه} بما لا يتعداه إلى غيره شركاً كان أو غيره، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر {ثم يستغفر الله} أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها {يجد الله} أي الجامع لكل كمال {غفوراً} أي ممحيّاً للزلات {رحيماً *} أي مبالغاً في إكرام من يقبل إليه "حديث : من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" تفسير : روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت {أية : من يعمل سوءاً يجز به}تفسير : [النساء: 123] وأنها نزلت بعدها. ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه، حثاً على التوبة وتهييجاً إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال: {ومن يكسب إثماً} أي إثم كان {فإنما يكسبه على نفسه} لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً. ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى: {وكان الله} أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً {عليماً} أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه {حكيماً *} فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: 107]. قال بعضهم: خيانة النفس اتباع هواها ومرادها وترك نصيحتها. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الحسن بن على البامعانى يقول: من خان الله فى السر هتك ستره فى العلانية.
القشيري
تفسير : هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج في أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم - لا جَرَم - ولا يكرمهم. قوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ} الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنَّ الحق مُطَّلِعٌ على قلوبهم أولئك الذين وَسَمَ الله قلوبهم بوسم الفرقة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} بين الله سبحانه فى هذه الاية ان امر النبوة ليس من طبائع الخلق والخليقة ولا للاكتساب فيه مدخل انما يتعلق باصطفايته ازليته واجتبائه ابديته وبين موضع السهو والنسيان الانسانى وبين ان التنزيه عن الغلط والسهو لا يكون الا لله تعالى وعرقه عجزالخليفة عن ادراك قدس الازلية والخروج عن علة البشرية بالكلية وادبه ليلقى ازمة الامر الى مراد الله ولا يزيد الا ما يريد قال ولا تجادل اى والا تجادل عن الذين يختانون انفسهم وحظوظها على مراد الله ومحبته وخيانتهم مع انفسهم انهم عاهدوا مع الله ان يبتدوا انفسهم اليه ليفعل بها ما يشاء ليربيها بسحن قربته وحلاوة وصلته فلما اعطوا حظوظها نقضوا عهد الاول والقوا انفسهم فى ظلمات هواها حتى بقيت فى الحجاب عن الوصلو الى العهد الاول وهذا غاية الخيانة مع النفس قال بعضهم خيانة النفس ابتاع مرادها وتكر تصيحتها قال الحسن بن على الدامغانى من خان الله فى السر هتك سره فى العلانية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} الاختيان والخيانة معنى اى يخونونها بالمعصية وانما قال يختانون انفسهم وان كانوا ما خانوا انفسهم لان مضرة خيانتهم راجعة اليهم كما يقال فيمن ظلم غيره ما ظلم الا نفسه كذا فى تفسير الحدادى والمراد بالموصول اما طعمة وامثاله واما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فانهم شركاء له فى الاثم والخيانة {ان الله لا يحب} عدم المحبة كناية عن البغض والسخط {من كان خوانا} مفرطا فى الخيانة مصرا عليها {أثيما} منهمكا فيها اطلق على طعمة لفظ المبالغة الدال على تكرر الفعل منه مع ان الصادر منه خيانة واحدة واثم واحد لكون طبعه الخبيث مائلا الى تكثير كل واحد من الفعلين. وقد روى انه هرب الى مكة وارتد ونقب حائطا بها ليسرق متاع اهله فسقط الحائط عليه فقتله قيل اذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم ان لها اخوات. وعن عمر رضى الله عنه انه امر بقطع يد سارق فجاءت امه تبكى وتقول هذه اول سرقة سرقها فاعف عنه فقال كذبت ان الله لا يؤاخذ عبده فى اول مرة.
الطوسي
تفسير : نهى الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يجادل عن الذين يختانون أنفسهم بمعنى يخونون أنفسهم فيجعلونها خونة بخيانتهم ما خانوا من الأموال. وهم الذين تقدم ذكرهم من بني ابيرق فقال: لا تخاصم عنهم فيما خانوا فيه ثم أخبر {إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} يعني من كان صنعته خيانة الناس في أموالهم {أثيماً} يعني مأثوماً وبمثله قال من تقدم من المفسرين قال قتادة: وفيهم نزلت الآيات إلى قوله: {ومن يشاقق الرسول}.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} باقتراف المعاصى ولو فسّر انفسهم بعلىّ (ع) والائمّة (ع) لم يكن بعيداً لما سبق من انّ الولاية المطلقة حقيقة كلّ ذى حقيقة ونفسيّة كلّ ذى نفس {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} هما للمبالغة والجملة فى موضع التّعليل، ونفى المحبّة فى مثل المقام يفيد البغض اى انّ الله يبغض من كان خوّاناً اثيماً.
اطفيش
تفسير : {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أنفُسَهُمْ}: يخونونها بالمعاصى خيانة كثيرة أو عظيمة، فان الاختيان افتعال من الخيانة للتأكيد، والمراد طعمة وأمثاله أو طعمة وقومه المجادلون عنه، أو كل مختان، ومن خان غيره فقد خان نفسه، لأن عقاب خيانته لغيره لازم له، فيدخل من خان ومن خان نفسه، وارادة قوم طعمة ومعه على أنهم خانوا فى تبرئتهم اياه، وقد عرفوه سارقا، أو على أنهم تعمدوا رمى اليهودى ليبرأ طعمة، ويجوز أن يكون سمى من خان غيره خائنا لنفسه تشبيها للمعصية بخيانة النفس بجامع فعل المحرم، وتمهيد العقاب، وأما أن يقال ذلك من مجاز الأول فلا يصح، ولو قيل به لأنه ليس الاختيان آيلا، بل واقع الآن، وانما الآيل العقاب، والخيانة غير العقاب، بل سببه. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}: مبالغا فى الخيانة والاثم، كما كان طعمة وغير المبالغ كذلك بدليل تحريم المعاصى كلها، فانه تعالى خلق المعصية وأبغضها، وأبغض من يفعل الكبائر منها، ويحتمل أن يراد بالمبالغة هنا الاصرار فيعم أى لا يحب المصر على الخيانة والاثم، وما كان اثما كان خيانة، وما كان خيانة كان اثما، وذلك كله فى طعمة المبالغة بالاصرار، وكثرة صدور الذنوب والخيانة منه، ولذلك فضحه الله. قيل: اذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات، ويروى عن عمر أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه يا أمير المؤمنين، فقال: كذبت انه لا يؤاخذ عبده فى أول مرة.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} هم طعمة وقومه، أو بنو أبيرق، أو مطلق الخائنين، ودخل طعمة وقومه فيهم، وذلك أن خيانتهم لغيرهم خيانة لأنفسهم، إذ أوقعوها فى موجب العقاب، بيتو أن يشهدوا صباحا بالسرقة على اليهودى، دفعا عن طعمة، أو شبهت المعصية بالخيانة للنفس، أو الخيانة المضرة مجازاً، وفى قوله يختانون وقوله {إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} مبالغة بالافتعال، وفعال وفعيل، لأن من طبعه السرقة، وقد تكررت منه فى الجاهلية، وعلم قومه بتكررها، حتى إنه مات فى مكة بعد ذلك تحت حائط نقبه للسرقة، أو هم بنو أبيرق، وصيغة المبالغة للنسب، فشملت ما لا مبالغة فيه، أو مراعاة الحال من الآية فى شأنه، وفيه ما فى: {أية : وما ربك بظلام للعبيد} تفسير : [فصلت: 46]. من الأوجه، وذكر الإثم بعد الخيانة مبالغة، أو الخيانة باعتبار إنكار السرقة، أو إنكار الوديعة، والإثم باعتبار تهمة البرىء،كما قيل عن ابن عباس، وآخر، لأنه مسبب عن الخيانة، ولتأخر وقوعه عنها وللفاصلة {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} حال فعل المعصية أو ما يعاب ويعد فعل ذلك حياء وخوفاً {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ} الجملة حال أو معطوفة، والمراد أنهم لا يقدرون على الإخفاء عن الله {وَهُوَ مَعَهُمْ} بالعلم، فهو أحق بأن يستخفوا منه، أى بأن يتركوا ما نهى عنه، خوفا لعقابه، فسمى الترك استخفاء، بجامع عدم الظهور، فإنه كما لا ظهور فى موجود مخفى لا ظهور فى معدوم، وفيه مشاكلة {إذ يُبَيِّتُونََ} يدبرون ليلا {مَا لاَ يَرْضَى} أى الله {مِنَ القَوْلِ} البهتان، وشهادة الزور، واليمين الفاجرة، قال طعمة: أرمى اليهودى بأنه سارق الدرع، وأحلف إنى لم أسرقها، فتقبل يمينى، لأنى على دينهم، ولا تقبل يمين اليهودى، وقال قومه: نشهد زوراً لدفع السرقة، وعقوبتها عن من هو واحد منا، وذلك تدبير ليلا، ولذلك عبر عنه بالتبييت، أو إطلاق للمقيد على المطلق، أو استعارة لجامع الاتفاق ما دبر ليلا وقت الخلو أَجود وسمى التدبير، وهو مبنى فى النفس قولا، بناء على ثبوت الكلام النفسى، ولا بأس به فى المخلوق، أو ذلك تلفظ صدر منهم ليلا {وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} فلا يفوته عقابهم، ويروى أن بشراً أخا بشير ومبشر وهم بنو أبيرق من بيت قتادة بن النعمان رضى الله عنه، كان منافقاً يقول الشعر فى ذم الصحابة وينسبه لغيره، ويتهمونه به، ونقب غرفة رفاعة بن زيد، وسرق منها دقيق الحوارى وسلاحاً، فذكر ذلك لابن أخيه قتادة، فقيل له: قد استوقد بنو أبيرق وما نرى إلا على طعامكم، وهم فقراء في الجاهلية والإسلام، وأنكروا، وبهتوا بذلك لبيد بن سهل فأتاهم بسيفه، فقال لهم: والله لتبيننه أو لأقتلنكم، فقالوا: والله ما سرقت، فاستعانوا بأسير بن عروة وغيره، أنهم ما سرقوا، فقالوا: إن قتادة يا رسول الله نسب أهل صلاح إلى السرقة فزجره وأخبر عمه رفاعة، قال رفاعة: الله المستعان، فنزلت الآيات فى بشر، فقال رفاعة: ذلك السلاح فى سبيل الله، قال قتادة، ومن حينئذ زال شكى فى إخلاص إيمانه.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} أي يخونونها وجعلت خيانة الغير خيانة لأنفسهم لأن وبالها وضررها عائد عليهم، ويحتمل أنه جعلت المعصية خيانة فمعنى {يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} يظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام، وقيل: الخيانة مجاز عن المضرة ولا بعد فيه، والمراد بالموصول إما السارق أو المودع المكافر وأمثاله، وإما هو ومن عاونه فإنه شريك له في الإثم والخيانة، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المقصود بالنهي، والنهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي مرتكباً للمنهي عنه، وقد يقال: إن ذلك من قبيل {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] ومن هنا قيل: المعنى لا تجادل أيها الإنسان. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً} كثير الخيانة مفرطاً فيها {أَثِيماً} منهمكاً في الإثم، وتعليق عدم المحبة المراد منه البغض والسخط بصيغة المبالغة ليس لتخصيصه بل لبيان إفراط بني أبيرق وقومهم في الخيانة والإثم. وقال أبو حيان: أتى بصيغة المبالغة فيهما ليخرج منه من وقع منه الإثم والخيانة مرة ومن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد، وليس بشيء، وإرداف الخوان بالإثم قيل: للمبالغة، وقيل: إن الأول: باعتبار السرقة أو إنكار الوديعة، والثاني: باعتبار تهمة البريء، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقدمت صفة الخيانة على صفة الإثم لأنها سبب له، أو لأن وقوعهما كان كذلك، أو لتواخي الفواصل على ما قيل.
د. أسعد حومد
تفسير : {تُجَادِلْ} (107) - هَذَا الخِطَابُ وُجِّهَ إلَى النَّبِيِّ، وَهُوَ أَعْدَلُ النَّاسِ، وَأَكْمَلُهُمْ، مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ مِنْ خِلَّةِ التَّأثُّرِ بِأصْحَابِ الحُجَجِ القَوِيَّةِ، التِي يَقَعُ فِيها كَثيرٌ مِنَ الحُكَّامِ. وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى خِيَانَةَ الإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ خِيَانَةً لِنَفْسِهِ، لأنَّ ضَرَرَهَا عَائِدٌ عَلَيهِ. (وَالمَقْصُودُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ هُمْ سَارِقُ الدِّرْعِ وَذَوُوهُ الذِينَ أعَانُوهُ لأنَّهُمْ شُرَكَاءُ لَهُ فِي الإِثْمِ وَالخِيَانَةِ). وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: لاَ تُدَافِعْ عَنْ هَؤُلاءِ الخَوَنَةِ، وَلاَ تُسَاعِدْهُمْ عِنْدَ التَّخَاصُمِ، لأنَّهُ تَعَالَى يَكْرَهُ مَنِ اعْتَادَ الخِيَانَةَ (مَنْ كَانَ خَوّاناً)، وَأَلِفَتْ نَفْسُهُ اجْتِراحَ السَّيِّئَاتِ، وَلَمْ يَعُدْ لِلْعِقَابِ الإِلهي فِي نَفْسِهِ رَهْبَةٌ وَلا خَشْيَةٌ تَجْعَلاَنِ مِثْلَهُ يُفَكِّرَ فِيهِ. يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ - يَخُونُونَهَا بِارْتِكَابِ المَعَاصِي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه يريد أن يشبع هذه القضية بحثاً، فقد كان يكفي أن يقول لنا ما سبق. لكنه يريد أن يحسم مثل هذه الأمور؛ فلا مجادلة في الذين يختانون أنفسهم. والجدل كما نعرف هو الفتل. وحين يفتل الإنسان شيئاً، مثل أن يحضر بعضاً من الشعر أو الصوف أو الليف ويجدلها ليصنع حبلاً، فهو يفتل هذا الغزل ليقويه ويجعله غير هش وقابلاً للشد والجذب، ولذلك يقال عن مثل هذه العملية: إننا نجدل الحبل حتى نعطيه القوة. وكذلك شأن الخصمين؛ كل واحد منهما يريد تقوية حجته، فيحاول جاهداً أن يقويها بما يشاء من أساليب ليّ القول ولحنه أو الفصاحة في الأسلوب. لذلك يأتي الأمر إلى الرسول: لا تقو مركز أي إنسان يختان نفسه. والقرآن حين يعدل عن يخونون أنفسهم إلى "يختانون أنفسهم"، فلا بد أن لهذا معنى كبيراً؛ لأن الخيانة هي أن تأخذ غير الحق. ومن المحتمل أن يخون الإنسان غيره، لكن أَمِنَ المعقول أن يخون الإنسان نفسه؟ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى افتعال كبير، فقد يخون الإنسان نفسه غيره من أجل مصلحة نفسه، أو ليعطي نفسه شهوة ومعصية عليها عقوبة، وهذه خيانة للنفس؛ لأن الإنسان في مثل هذه الحالة يغفل عن العقوبة الآجلة بالشهوة العابرة العاجلة. وهكذا نرى أن الذي يخون الناس إنما يخون ـ ضمناً ـ مصلحة نفسه. وإذا ما خان الإنسان نفسه فهذا ليس سهلاً ويتطلب افتعالاً، ولذلك يقول الحق: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}. والآية التي تحدثت من قبل ذلك عن هذا الموقف لم تأت بكلمة "خوانين" ولكن جاءت بالخائنين، وهنا يأتي الحق بكلمة خوَّان. وفيه فرق بين "خائن"، و "خوَّان"، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة واحدة، أما الخوَّان فتصدر منه الخيانة مراراً. أو يكون المعنى هو: أن الخائن تصدر منه الخيانة في أمر يسير صغير، أما الخوّان فتصدر منه الخيانة في أمر كبير. إذن. فمرة تأتي المبالغة في تكرير الفعل، وأخرى في تضخيم الفعل. ومن لطف الله أنه لم يقل "خائن"؛ لأن الخائن هو من خان لمرة عابرة وانتهى الأمر، ولم يخرجه الله عن دائرة الستر إلاَّ إذا أخذ الخيانة طبعاً وعادة وحرفة. وقد جاءت لسيدنا عمر - رضي الله عنه - امرأة أخذ ولدها بسرقة، وأراد عمر - رضي الله عنه - أن يقيم على ذلك الولد الحد، فبكت الأم قائلة: يا أمير المؤمنين والله ما فعل هذا إلا هذه المرة. قال عمر: كذبت. والله ما كان الله ليأخذ عبداً بأول مرة. ولذلك يقولون: إذا عرفت في رجل سيئة انكشفت وصارت واضحة. فلتعلم أن لها أخوات؛ فالله لا يمكن أن يفضح أول سيئة؛ لأنه سبحانه يحب أن يستر عباده، لذلك يستر العبد مرة وثانية، ثم يستمر العبد في السيئة فيفضحها الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}، والإثم أفظع المعاصي. والقوم الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله علسه وسلم ليستشفعوا عنده لابن أبيرق لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي، لماذا صنعوا ذلك؟. لأنهم استفظعوا أن يفضح أمر مسلم ويبرأ يهودي، استحيوا أن يحدث هذا، وعالج القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم إلى أن يفعلوا هذا ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه، فقال: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ..}
همام الصنعاني
تفسير : 635- قال أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ}: [الآية: 107]، قال: اختان رجل من عمٍ له درعاً، فقذف بها يهودياً كانَ يغشاهم فجادَلَ عن الرجل قومه فكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عذره، ثم لحق بأرض الشرك، فنزلت فيه: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} [الآية: 115].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):