٨٩ - ٱلْفَجْر
89 - Al-Fajr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ } متعلق بقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }تفسير : [الفجر: 14] كأنه قيل: إنه تعالى لبالمرصاد في الآخرة، فلا يريد إلا السعي للآخرة فأما الإنسان فإنه لا يهمه إلا الدنيا ولذاتها وشهواتها، فإن وجد الراحة في الدنيا يقول: ربي أكرمني، وإن لم يجد هذه الراحة يقول: ربي أهانني، ونظيره قوله تعالى في صفة الكفار: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ } تفسير : [الروم: 7] وقال: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } تفسير : [الحج: 11] وهذا خطأ من وجوه أحدها: أن سعادة الدنيا وشقاوتها في مقابلة ما في الآخرة من السعادة والشقاوة كالقطرة في البحر، فالمتنعم في الدنيا لو كان شقياً في الآخرة فذاك التنعم ليس بسعادة، والمتألم المحتاج في الدنيا لو كان سعيداً في الآخرة فذاك ليس بإهانة ولا شقاوة، إذ المتنعم في الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالسعادة والكرامة، والمتألم في الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالشقاوة والهوان وثانيها: أن حصول النعمة في الدنيا وحصول الآلام في الدنيا لا يدل على الاستحقاق فإنه تعالى كثيراً ما يوسع على العصاة والكفرة، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وإما يحكم المصلحة، وإما على سبيل الاستدراج والمكر، وقد يضيق على الصديقين لأضداد ما ذكرنا، فلا ينبغي للعبد أن يظن أن ذلك لمجازاة وثالثها: أن المتنعم لا ينبغي أن يغفل عن العاقبة، فالأمور بخواتيمها، والفقير والمحتاج لا ينبغي أن يغفل عما لله عليه من النعم التي لا حد لها من سلامة البدن والعقل والدين ودفع الآفات والآلام التي لا حد لها ولا حصر، فلا ينبغي أن يقضي على نفسه بالإهانة مطلقاً ورابعها: أن النفس قد ألفت هذه المحسوسات، فمتى حصلت هذه المشتهيات واللذات صعب عليها الانقطاع عنها وعدم الاستغراق فيها، أما إذا لم يحصل للإنسان شيء من هذه المحسوسات رجعت شاءت أم أبت إلى الله، واشتغلت بعبودية الله فكان وجدان الدنيا سبباً للحرمان من الله، فكيف يجوز القضاء بالشقاوة والإهانة عند عدم الدنيا، مع أن ذلك أعظم الوسائل إلى أعظم السعادات وخامسها: أن كثرة الممارسة سبب لتأكد المحبة، وتأكد المحبة سبب لتأكد الألم عند الفراق، فكل من كان وجدانه للدنيا أكثر وأدوم كانت محبته لها أشد، فكان تألمه بمفارقتها عند الموت أشد، والذي بالضد فبالضد، فإذن حصول لذات الدنيا سبب للألم الشديد بعد الموت، وعدم حصولها سبب للسعادة الشديدة بعد الموت، فكيف يقال: إن وجدان الدنيا سعادة وفقدانها شقاوة؟. واعلم أن هذه الوجوه إنما تصح مع القول بإثبات البعث روحانياً كان أو جسمانياً، فأما من ينكر البعث من جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من هذه الوجوه، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سبباً للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب، فربما كان الحرمان سبباً لبقاء السلامة، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضاً لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة، وعلى فاقدها بالهوان، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ } المراد منه شخصين معين أو الجنس؟ الجواب: فيه قولان: الأول: أن المراد منه شخصين معين، فروي عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة بن المغيرة، وقال الكلبي: هو أبي بن خلف، وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني: أن المراد من كان موصوفاً بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء. السؤال الثاني: كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ الجواب: لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع، فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35]. السؤال الثالث: لما قال: {فَأَكْرَمَهُ } فقد صحح أنه أكرمه. وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى عنه أنه قال: {رَبّي أَكْرَمَنِ } ذمه عليه فكيف الجمع بينهما؟ والجواب: لأن كلمة الإنكار هي قوله: {كَلاَّ } فلم لا يجوز أن يقال: إنها مختصة بقوله: {رَبّي أَهَانَنِ } سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معاً ولكن فيه وجوه ثلاثة أحدها: أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني: أن نعم الله تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال، وهي نعمة سلامة البدن والعقل والدين، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة الله، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد الثالث: أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه منكراً للبعث، فلا جرم استحق الذم على ما حكى الله تعالى ذلك، فقال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } إلى قوله: {أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ }تفسير : [الكهف:35 - 37]. السؤال الرابع لم قال في القسم الأول: {إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ } وفي القسم الثاني: {وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } فذكر الأول بالفاء والثاني بالواو؟ والجواب: لأن رحمة الله سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم وقبله الثاني على ما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18]. السؤال الخامس: لما قال في القسم الأول: {فَأَكْرَمَهُ فَيَقُولُ رَبّي أَكْرَمَنِ } يجب أن يقول في القسم الثاني: فأهانه فيقول: {رَبّي أَهَانَنِ } لكنه لم يقل ذلك والجواب: لأنه في قوله: {أَكْرَمَنِ } صادق وفي قوله: {أَهَانَنِ } غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة، وهذا جهل واعتقاد فاسد، فكيف يحكي الله سبحانه ذلك عنه. السؤال السادس: ما معنى قوله: فقدر عليه رزقه؟ الجواب: ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة، وقرىء فقدر على التخفيف وبالتشديد أي قتر، وأكرمن وأهانن بسكون النون في الوقف فيمن ترك الياء في الدرج مكتفياً منها بالكسرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ} يعني الكافر. قال ابن عباس: يريد عُتبة بن ربيعة وأبا حذيفة بن المغيرة. وقيل: أُمية بن خلف. وقيل: أبيّ بن خلف. {إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ} أي امتحنه واختبره بالنعمة. و«ما»: زائدة صلة. {فَأَكْرَمَهُ} بالمال. {وَنَعَّمَهُ} بما أوسع عليه. {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} فيفرح بذلك ولا يحمده. {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ} أي امتحنه بالفقر واختبره. {فَقَدَرَ} أي ضيق {عَلَيْهِ رِزْقَهُ} على مقدار البُلْغة. {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} أي أولاني هوانا. وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث: وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقِلته. فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه، المؤدّي إلى حظ الآخرة، وإن وسَّع عليه في الدنيا حمِده وشكره. قلت: الآيتان صفة كل كافر. وكثير من المسلمين يظنّ أن ما أعطاه الله لكرامته وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحقَّ هذا لم يعطنيه الله. وكذا إن قَتَّر عليه يظنّ أن ذلك لهوانه على الله. وقراءة العامة «فقَدَر» مخففة الدال. وقرأ ابن عامر مشدّداً، وهما لغتان. والاختيار التخفيف؛ لقوله: { أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } تفسير : [الطلاق: 7]. قال أبو عمرو: و«قُدِر» أي قُتِّر. و«قُدّر» مشدّداً: هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال «ربّي أهانن». وقرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو «ربّيَ» بفتح الياء في الموضعين. وأسكن الباقون. وأثبت البَزِّي وابن مُحَيصِن ويعقوب الياء من «أكرمنِ»، و«أهاننِ» في الحالين؛ لأنها اسم فلا تحذف. وأثبتها المدنِيون في الوصل دون الوقف، اتباعاً للمصحف. وخير أبو عمرو في إثباتها في الوصل أو حذفها؛ لأنها رأس آية، وحذفها في الوقف لخط المصحف. الباقون بحذفها، لأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة ألا يخالف خط المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان؛ كما قال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55 ــــ 56] وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه، وضيق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له؛ كما قال الله تعالى: {كَلاَّ} أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا، ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك، على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنياً بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيراً بأن يصبر، وقوله تعالى: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} فيه أمر بالإكرام له؛ كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ــــ ثم قال بأصبعه ــــ أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا.»تفسير : وقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز، يعني: ابن أبي حازم، حدثني أبي عن سهل، يعني: ابن سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» تفسير : وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، { وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ} يعني الميراث {أَكْلاً لَّمّاً} أي: من أي جهة حصل لهم ذلك؛ من حلال أو حرام، { وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي: كثيراً، زاد بعضهم: فاحشاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلإِنسَٰنُ } الكافر {إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ } اختبره {رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ } بالمال وغيره {وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ }.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه أنه بالمرصاد ذكر ما يدلّ على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير، وعند إصابة الشرّ، وأن مطمح أنظارهم، ومعظم مقاصدهم هو الدنيا فقال: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ } أي: امتحنه، واختبره بالنعم {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } أي: أكرمه بالمال، ووسع عليه رزقه {فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } فرحاً بما نال، وسروراً بما أعطي، غير شاكر لله على ذلك، ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ربه، واختبار لحاله وكشف لما يشتمل عليه من الصبر والجزع، والشكر للنعمة وكفرانها، و «ما» في قوله: {إِذَا مَا } زائدة. وقوله: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } تفسير للابتلاء. ومعنى: {أَكْرَمَنِ } أي: فضلني بما أعطاني من المال، وأسبغه عليّ من النعم لمزيد استحقاقي لذلك، وكوني موضعاً له، والإنسان مبتدأ وخبره: {فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } ودخلت الفاء فيه لتضمن أما معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر، وإن تقدّم لفظاً فهو مؤخر في المعنى، أي: فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام. قال الكلبي: الإنسان هو الكافر أبيّ بن خلف. وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف. وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وأبي حذيفة بن المغيرة. {وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ } أي: اختبره، وعامله معاملة من يختبره {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } أي: ضيقه، ولم يوسعه له، ولا بسط له فيه. {فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ } أي: أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث؛ لأنه لا كرامة عنده إلاّ الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلاّ فوتها، وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن، فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة، ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشرّ في الدنيا ليس إلاّ للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء. قرأ نافع بإثبات الياء في {أكرمن} و{أهانن} وصلاً وحذفهما وقفاً، وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتهما وصلاً، ووقفاً، وقرأ الباقون بحذفهما في الوصل، والوقف اتباعاً لرسم المصحف، ولموافقة رؤوس الآي، والأصل إثباتها؛ لأنها اسم، ومن الحذف قول الشاعر:شعر : ومن كاشح ظاهر غمره إذا ما انتصبت له أنكرن تفسير : أي: أنكرني. وقرأ الجمهور: {فقدر} بالتخفيف، وقرأ ابن عامر بالتشديد، وهما لغتان. وقرأ الحرميان، وأبو عمرو: "ربي" بفتح الياء في الموضعين، وأسكنها الباقون. وقوله: {كَلاَّ } ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق، ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته، ويضيقه عليه لا لإهانته، بل للاختبار والامتحان، كما تقدّم. قال الفراء: كلا في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله على الغنى والفقر. ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ، والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية على الخبر. وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور {تحضون} و{تأكلون} و{تحبون} بالفوقية على الخطاب فيها. وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية فيها، والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان؛ لأن المراد به الجنس، أي: بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم، فتأكلون ماله، وتمنعونه من فضل أموالكم. قال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون، وكان يتيماً في حجر أمية بن خلف. {وَلاَ تحاضون عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } قرأ الجمهور: "تحضون" من حضه على كذا، أي: أغراه به، ومفعوله محذوف، أي: لا تحضون أنفسكم، أو لا يحضّ بعضكم بعضاً على ذلك، ولا يأمر به، ولا يرشد إليه. وقرأ الكوفيون {تحاضون} بفتح التاء والحاء بعدها ألف، وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين. أي: لا يحضّ بعضكم بعضاً. وقرأ الكسائي في رواية عنه والسلمي: "تحاضون" بضم التاء من الحضّ، وهو الحث، وقوله: {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } متعلق بـ {تحضون}، وهو إما اسم مصدر، أي: على إطعام المسكين، أو اسم للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي: على بذل طعام المسكين، أو على إعطاء طعام المسكين {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ } أصله الوارث، فأبدلت التاء من الواو المضمومة، كما في تجاه، ووجاه، والمراد به أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء، وذلك أنهم كانوا لا يورّثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم {أَكْلاً لَّمّاً } أي: أكلاً شديداً. وقيل: معنى {لماً} جمعاً، من قولهم: لممت الطعام: إذا أكلته جميعاً. قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا قال أبو عبيدة. وأصل اللمّ في كلام العرب: الجمع، يقال لممت الشيء ألمه لماً: جمعته، ومنه قولهم: لمّ الله شعثه، أي: جمع ما تفرّق من أموره، ومنه قول النابغة:شعر : ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أيّ الرجال المهذب تفسير : قال الليث: اللمّ: الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة. وللآكل يلمّ الثريد، فيجمعه، ثم يأكله. وقال مجاهد: يسفه سفاً. وقال ابن زيد: هو إذا أكل ماله ألمّ بمال غيره، فأكله، ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب. {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً } أي: حباً كثيراً؛ والجمّ الكثير، يقال جمّ الماء في الحوض: إذا كثر واجتمع. والجمة: المكان الذي يجتمع فيه الماء. ثم كرّر سبحانه الردع لهم والزجر فقال: {كَلاَّ } أي: ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم، ثم استأنف سبحانه فقال: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر، والدكَّ: الكسر والدق. والمعنى هنا: أنها زلزلت، وحركت تحريكاً بعد تحريك. قال ابن قتيبة: دكت جبالها حتى استوت. قال الزجاج أي: تزلزلت، فدكّ بعضها بعضاً. قال المبرّد: أي: بسطت، وذهب ارتفاعها. قال والدك: حط المرتفع بالبسط، وقد تقدّم الكلام على الدك في سورة الأعراف، وفي سورة الحاقة، والمعنى: أنها دكت مرة بعد أخرى. وانتصاب {دكاً} الأوّل على أنه مصدر مؤكد للفعل. و{دكاً} الثاني تأكيد للأوّل. كذا قال ابن عصفور. ويجوز أن يكون النصب على الحال، أي: حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال: علمته الحساب باباً باباً، وعلمته الخط حرفاً حرفاً. والمعنى: أنه كرّر الدك عليها حتى صارت هباء منبثاً. {وَجَاء رَبُّكَ } أي: جاء أمره وقضاؤه، وظهرت آياته، وقيل المعنى: أنها زالت الشبه في ذلك اليوم، وظهرت المعارف، وصارت ضرورية، كما يزول الشكّ عند مجيء الشيء الذي كان يشكّ فيه. وقيل: جاء قهر ربك وسلطانه، وانفراده بالأمر، والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئًا من ذلك. {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } انتصاب {صفاً صفاً} على الحال، أي: مصطفين، أو ذوي صفوف. قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كلّ سماه صفّ على حدة. قال الضحاك: أهل كلّ سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفاً محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبعة صفوف. {وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } {يومئذ} منصوب بـ {جيء}، والقائم مقام الفاعل بـ {جهنم}، وجوّز مكيّ أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل، وليس بذاك. قال الواحدي: قال جماعة من المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرّب، ولا نبي مرسل إلاّ جثا لركبتيه يقول: يا ربّ نفسي نفسي. وسيأتي الذي هذا نقله عن جماعة المفسرين مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله. {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ } {يومئذ} هذا بدل من {يومئذ} الذي قبله، أي: يوم جيء بجهنم يتذكر الإنسان، أي: يتعظ، ويذكر ما فرط منه، ويندم على ما قدّمه في الدنيا من الكفر والمعاصي. وقيل: إن قوله: {يَوْمَئِذٍ } الثاني بدل من قوله: {إِذَا دُكَّتِ } والعامل فيهما هو قوله: {يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ} و{أَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } أي: ومن أين له التذكر والاتعاظ. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ {يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا يقول الإنسان؟، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من قوله: {يتذكر}. والمعنى: يتمنى أنه قدّم الخير، والعمل الصالح. واللام في {لحياتي} بمعنى لأجل حياتي، والمراد حياة الآخرة، فإنها الحياة بالحقيقة؛ لأنها دائمة غير منقطعة. وقيل: إن اللام بمعنى "في"، والمراد حياة الدنيا: أي: يا ليتني قدّمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها هذا اليوم، والأوّل أولى. قال الحسن: علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } أي: يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال لا يعذب كعذاب الله أحد، {وَلاَ يُوثِقُ } كـ {وَثَاقَهُ أَحَدٌ } أو لا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له. والضميران على التقديرين في عذابه ووثاقه لله عزّ وجلّ، وهذا على قراءة الجمهور {يعذب}، و{يوثق} مبنيين للفاعل. وقرأ الكسائي على البناء للمفعول فيهما، فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان، أي: لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر، أي: لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر. وقيل: إبليس. وقيل: المراد به أبيّ بن خلف. قال الفرّاء: المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في الكفر والعناد. وقيل المعنى: أنه لا يعذب مكانه أحد، ولا يوثق مكانه أحد، فلا تؤخذ منه فدية، وهو كقوله: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }تفسير : [الأنعام: 164]، والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى التوثيق. واختار أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة الكسائي، قال: وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر؛ لأنه معروف أنه لا يعذب أحد كعذاب الله. قال أبو عليّ الفارسي: يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي، لا يعذب أحد أحداً مثل تعذيب هذا الكافر. ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال: {يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } المطمئنة: هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شكّ، ولا يعتريها ريب. قال الحسن: هي المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله. وقيل: المخلصة. قال ابن زيد: المطمئنة؛ لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث. {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } أي: ارجعي إلى الله {رَّاضِيَةٍ } بالثواب الذي أعطاك. {مَّرْضِيَّةً } عنده. وقيل: ارجعي إلى موعده. وقيل: إلى أمره. وقال عكرمة، وعطاء: معنى {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا قراءة ابن عباس: (فادخلي في عبدي) بالإفراد، والأوّل أولى {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى } أي: في زمرة عبادي الصالحين، وكوني من جملتهم، وانتظمي في سلكهم {وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } معهم قيل: إنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند خروجها من الدنيا. ويقال لها: ادخلي في عبادي، وادخلي جنتي يوم القيامة، والمراد بالآية كل نفس مطمئنة على العموم، ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَكْلاً لَّمّاً } قال: سفاً. وفي قوله: {حُبّاً جَمّاً } قال: شديداً. وأخرج ابن جرير عنه {أَكْلاً لَّمّاً } قال: شديداً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } قال: تحريكها. وأخرج مسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } يقول: وكيف له؟ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ } الآية قال: لا يعذب بعذاب الله أحد، ولا يوثق بوثاق الله أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في قوله: {أَحَدٌ يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } قال: المؤمنة {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } يقول: إلى جسدك. قال: «نزلت هذه الآية، وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: أما إنه سيقال لك هذا». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير نحوه مرسلاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول نحوه عن أبي بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } قال: هو النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال: {ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } المصدّقة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: تردّ الأرواح يوم القيامة في الأجساد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً } قال: بما أعطيت من الثواب {مَّرْضِيَّةً } عنها بعملها. {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى } المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه. فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها: {يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى * وَٱدْخُلِى جَنَّتِى }. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عكرمة مثله.
الماوردي
تفسير : {وتأكُلون التُّراثَ أكْلاً لمّاً} والتراث: الميراث، وفي قوله " لمّاً" أربعة تأويلات: أحدها: يعني شديداً، قاله السدي. الثاني: يعني جمعاً، من قولهم لممت الطعام لَمّاً، إذا أكلته جمعاً، قاله الحسن. الثالث: معناه سفه سفاً، قاله مجاهد. الرابع: هو أنه إذا أكل مال نفسه ألمّ بمال غيره فأكله، ولا يتفكر فيما أكل من خبيث وطيب، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أنه ألمّ بما حرم عليه ومنع منه. {وتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً} فيه تأويلان: أحدهما: يعني كثيراً، قاله ابن عباس، والجمّ الكثير، قال الشاعر: شعر : إنْ تَغْفِر اللهم تغْفِرْ جَمّا وأيُّ عبدٍ لك لا أَلَمّاً تفسير : الثاني: فاحشاً تجمعون حلاله إلى حرامه، قاله الحسن: ويحتمل ثالثاً: أنه يحب المال حب إجمام له واستبقاء فلا ينتفع به في دين ولا دنيا وهو أسوأ أحوال ذي المال.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى في هذه الآية: ما كانت قريش تقوله تستدل به على إكرام الله تعالى وإهانته لعبده، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة والأولاد فهو المكرم، وبضده المهان، ومن حيث كان هذا المقطع غالباً على كثيرين من الكفار، جاء التوبيخ في هذه الآية لاسم الجنس، إذ يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع، ومن ذلك حديث الأعراب الذين كانوا يقدمون المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نال خيراً قال هذا دين حسن، ومن ناله شر قال هذا دين سوء، و {ابتلاه} معناه: اختبره، و {نعمه} معناه: جعله ذا نعمة، وقرأ ابن كثير " أكرمني" بالياء في وصل ووقف وحذفها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في الوجهين: وقرأ نافع بالياء في الوصل وحذفها في الوقف، وكذلك "أهانني"، وخير في الوجهين أبو عمرو، وقرأ جمهور الناس: " فقدَر" بتخفيف الدال، بمعنى ضيق، وقرأ الحسن بخلاف وأبو جعفر وعيسى "قدّر" بمعنى: جعله على قدر، وهما بمعنى واحد في معنى التضييق لأنه ضعف قدر مبالغة لا تعدية، ويقتضي ذلك قول الإنسان {أهانني} ، لأن " قدر " معدى إنما معناه أعطاه ما يكفيه ولا إهانة مع ذلك، ثم قال تعالى: {كلا} ردّاً على قولهم ومعتقدهم، أي ليس إكرام الله تعالى وإهانته، في ذلك، وإنما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله تعالى فهو بالتقوى، وإهانته فبالمعصية، ثم أخبرهم بأعمالهم من أنهم لا يكرمون اليتيم وهو من بني آدم الذي فقد أباه وكان غير بالغ. ومن البهائم ما فقد أمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحَبُّ البيوت إلى الله، بيت فيه يتيم مكرم" تفسير : ،وقرأ ابن كثير وابن عامر "يحضون" بمعنى: يحض بعضهم بعضاً أو تحضون أنفسكم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "تحاضون" بفتح التاء بعنى تتحاضون، أي يحض قوم قوماً، وقرأ أبو عمرو و " يحضون " بياء من تحت مفتوحة وبغير ألف، وقرأ عبد الله بن المبارك: " تُحاضون" بضم التاء على وزن تقاتلون، أي أنفسكم أي بعضكم بعضاً ورواها الشيرزي عن الكسائي، وقد يجيء فاعلت بمعنى فعلت وهذا منه، وإلى هذا ذهب أبو علي وأنشد: شعر : تحاسنت به الوشى قرات الرياح وخوزها تفسير : أي حسنت وأنشد أيضاً: [الرجز] شعر : إذا تخازرت وما بي من خزر تفسير : ويحتمل أن تكون مفاعلة، ويتحه ذلك على زحف ما فتأمله، وقرأ الأعمش " تتحاضون" بتاءين، و {طعام} في هذه الآية بمعنى إطعام، وقال قوم أراد نفس طعامه الذي يأكل، ففي الكلام حذف تقديره على بدل {طعام المسكين} ، وقد تقدم القول في (سورة براءة) في المسكين والفقير بمعنى يغني عن إعادته، وعدد عليهم جدهم في أكل التراث لأنهم لا يورثون النساء ولا صغار الأولاد إنما كان يأخذ المال من يقاتل ويحمي الحوزة، و " اللّم ": الجمع واللف. قال الحسن: هو أن يأخذ في الميراث حظه وحظ غيره، وقال أبو عبيدة: لممت ما على الخوان إذا أكلت جميع ما عليه بأسره، ومنه لم الشعث، ومنه قول النابغة: [الطويل] شعر : ولست بمستبق أخاً لا تلمُّه وأي شعث أي الرجال المهذب تفسير : والجم: الكثير الشديد، ومنه قول الشاعر [أبو خراش الهذلي]: [الراجز] شعر : إن تغفر اللهم تغفر جمّاً وأي عبد لك لا ألمّا تفسير : ومنه " الجم" من الناس، ثم قال تعالى: {كلا} رداً على أفعالهم هذه وتوطئة للوعيد، أي سيرون أفعالهم ليس على قوم {وإذا دكت الأرض}، ودك الأرض تسويتها بذهاب جبالها، والناقة الدكاء التي لا سمن لها، وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك} معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه، قال منذر بن سعيد: معناه: ظهوره للخلق هنالك ليس مجيء نقلة وكذلك مجيء الصاخة ومجيء الطامة، و {الملك} اسم جنس: يريد جميع الملائكة، وروي أن ملائكة كل سماء تكون {صفاً} حول الأرض في يوم القيامة، وذكر الطبري في ذلك حديثاً طويلاً اختصرته، وبهذا المعنى يتفسر قوله تعالى: {أية : يوم التناد} تفسير : [غافر: 32] على قراءة من شد الدال، وقوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : إن استطعتم أن تنفذوا} تفسير : [الرحمن: 33] الآية، وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي في هذه الآية "تكرمون" والجحدري "يكرمون" في جميعها على ذكر الغائب إذ قد تقدم اسم جنس الإنسان.
النسفي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } أي ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته، {فَقَدَرَ } شامي ويزيد {فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ } أي الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة، وهو قد عكس فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر، قال: ربي أكرمني أي فضلني بما أعطاني فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا، وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر، قال: ربي أهانني فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها، فرد عليه زعمه بقوله {كَلاَّ } أي ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته بل الإكرام في توفيق الطاعة والإهانة في الخذلان، وقوله تعالى: {فَيَقُولُ } خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء، وكذا {فَيَقُولُ } الثاني خبر لمبتدأ تقديره: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه. وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع، ونحوه قوله تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }تفسير : [الأنبياء: 35]. وإنما أنكر قوله {رَبّى أَكْرَمَنِ } مع أنه أثبته بقوله {فَأَكْرَمَهُ } لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته وهو قصده إن الله أعطاه ما أعطاه إكراماً له لاستحقاقه كقوله {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِى }تفسير : [القصص: 78] وإنما أعطاه الله تعالى ابتلاء من غير اسحقاق منه. {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي بل هناك شر من هذا القول وهو أن الله يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة وحض أهله على طعام المسكين {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ } أي الميراث {أَكْلاً لَّمّاً } ذا لم وهو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ } يقال حبه وأحبه بمعنى {حُبّاً جَمّاً } كثيراً شديداً مع الحرص ومنع الحقوق، {رَبِّى } حجازي وأبو عمرو {يكرمون} {وَلاَ يحضون} { وَيَأْكُلُونَ } {وَّيُحِبُّونَ } بصري {كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة فقال {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ } إذا زلزلت {دَكّاً دَكّاً } دكاً بعد دك أي كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبثاً. {وَجَآءَ رَبُّكَ } تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصه، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } أي ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس {وَجِاْىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } قيل: إنها برزت لأهلها كقوله: {أية : وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ }تفسير : [الشعراء: 91]. وقيل: هو مجرى على حقيقته ففي الحديث «حديث : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»تفسير : {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ } أي يتعظ {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } ومن أين له منفعة الذكرى؟ {يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } هذه وهي حياة الآخرة أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } أي لا يتولى عذاب الله أحد لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم {وَلاَ يُوثِقُ } بالسلاسل والأغلال {وَثَاقَهُ أَحَدٌ } قال صاحب الكشاف: لا يعذب أحد أحداً كعذاب الله ولا يوثق أحد أحداً كوثاق الله. {لاَّ يُعَذِّبُ } {وَلاَ يُوثِقُ } علي وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف وهو الكافر. وقيل: هو أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ } إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام أو يكون على لسان ملك {ٱلْمُطْمَئِنَّةُ } الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهي النفس المؤمنة، أو المطمئنة إلى الحق التي سكّنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك. ويشهد للتفسير الأول قراءة أبي { يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ الآمنةٱلْمُطْمَئِنَّةُ } وإنما يقال لها عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة {ٱرْجِعِى إِلَىٰ } موعد {رَبِّكِ} أو ثواب ربك {رَّاضِيَةٍ } من الله بما أوتيت {مَّرْضِيَّةً } عند الله بما عملت {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى } في جملة عبادي الصالحين فانتظمي في سلكهم {وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } معهم. وقال أبو عبيدة: أي مع عبادي أو بين عبادي أي خواصي كما قال: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [النمل: 19] وقيل: النفس الروح ومعناه فادخلي في أجساد عبادي كقراءة عبد الله بن مسعود {فِي جسد عبدي} ولما مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ولم يدر من تلاها. قيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب. وقيل: في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله. وقيل: هي عامة في المؤمنين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ...} الآية، ذَكَرَ تَعالى في هذهِ الآيةِ ما كانتْ قريشٌ تقولُهُ وتستدلُّ به على إكرامِ اللَّه وإهانَتِهِ لعبدهِ، وجَاءَ هذا التوبيخُ في الآيةِ لجنس الإنسان، إذ قد يقعُ بعضُ المؤمنينَ في شيء من هذا المَنْزَع، و{ٱبْتَلـٰهُ} معناه: اخْتَبَرَهُ، و{نَعَّمَهُ} أي جَعَلَهُ ذَا نِعْمَةٍ. «وقُدِرَ» بتخفيفِ الدال بمعنى: ضَيَّقَ، ثم قال تعالى: {كَلاَّ} ردّاً على قولهِم ومعتقدهم، أي: ليس إكرامُ اللَّهِ تعالى وإهانتُه كذلِكَ، وإنما ذلك ابتلاءٌ فَحَقُّ من ٱبْتُليَ بالغنى أن يشكرَ ويطيعَ، ومَنْ ابْتُلِيَ بالفَقْرِ أن يشكرَ ويصبرَ، وأما إكرامُ اللَّه فهو بالتقوى وإهانَتُهُ فبالمعصيةِ، و{طَعَامِ} في هذهِ الآيةِ بمعْنَى: إطعام، ثم عدَّدَ عليهم جِدَّهم في أكل التراثِ، لأنهم كانوا لا يُورِّثُونَ النِّسَاءَ ولاَ صغارَ الأولادِ، وإنما كان يأخُذُ المالَ مَنْ يقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، و«اللَّمُّ» الجَمْعُ واللَّفُّ، قال الحسن: هو أَن يأْخُذَ في الميراثِ حظَّه وحظَّ غيرِه، والجَمُّ الكثيرُ الشديدُ؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا تفسير : ومنه الجَمُّ من الناس، ودَكُّ الأَرْضِ تسويتُها.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ}: مبتدأ، وفي خبرها وجهان: أصحهما: أنه الجملة من قوله: "فيقول"، كقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 26] كما تقدم، والظرف حينئذٍ منصوب بالخبر؛ لأنه في نية التأخير، ولا يمنع الفاء من ذلك. قاله الزمخشري. الثاني: "إذَا": شرطية، وجوابها: "فيقول"، وقوله: "فأكْرمهُ": معطوف على "ابتلاه"، والجملة الشرطية خبر: "الإنسان". قاله أبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن "أما" تلزم الفاء في الجملة الواقعة خبراً عما بعدها، ولا تحذف إلا مع قول مضمر، كقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ} تفسير : [آل عمران: 106] كما تقدم، إلا في ضرورة. قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: بم اتَّصل قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ}؟. قلت: بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}، فكأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطَّاعة، فأما الإنسان، فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة" انتهى. يعني: بالتعليق من حيث المعنى، وكيف عطفت هذه الجملة التفصيلية على ما قبلها مترتبة عليه، "لا يريد إلا الطَّاعة" على مذهبه، ومذهبُ أهل السنة: أن الله يريد الطاعة وغيرها، ولولا ذلك لم يقع ثم من لا يدخل في ملكه ما لا يريد، وإصلاح العبارة أن نقول: إن الله يريد من العبد والإنسان من غير حصر. ثم قال: فإن قلت: كيف توازن قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ}، وقوله: {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ}، وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد "أما" و "أما" تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور، أمَّا الإنسان أحسنت إلى زيد، فهو محسن إليك، وأمَّا إذا أسأت إليه، فهو مسيء إليك. قلت: هما متوازنان من حيث إنَّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه، وذلك أن قوله "فيقُولُ: ربِّي أكرمنِ": خبر المبتدأ، الذي هو "الإنسان"، ودخول الفاء لما في "أما" من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل: ربي أكرمني وقت الابتلاء، فوجب أن يكون "فيقول" الثاني: خبراً لمبتدأ واجب تقديره. فصل في المراد بالإنسان قال ابن عبَّاسٍ: المراد بالإنسان: عتبةُ بنُ ربيعة، وأبو حذيفة بنُ المغيرةَ. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبي بن خلف. {إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ} أي: امتحنه، واختبره بالنعمة، و "ما" زائدة صلة، "فأكْرمهُ" بالمال، و "نَعَّمَهُ" بما أوسع عليه، "فَيقُولُ: ربِّي أكرمنِ"، فيفرح بذلك، ولا يحمده. {وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ} أي: امتحنه بالفقر واختبره، "فقَدَر" أي: ضيق، "عَليهِ رِزقهُ" على مقدار البُلغة، "فيقول" ربي أهاننِ" أي: أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، وإنما الكرامة عنده، والهوان بكثرة المال والحظ في الدنيا، وقلته، فأمَّا المؤمن، فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره. قال القرطبيُّ: الآيتان صفة كُلِّ كافرٍ، وكثيرٌ من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا، لم يعطينيه الله، وكذا إن قتر عليه، يظن أن ذلك لهوانه على الله. قوله: "فقَدرَ عليهِ". قرأ ابنُ عامرٍ: بتشديد الدَّال. والباقون: بتخفيفها، وهما لغتان بمعنى واحد، ومعناهما: التَّضييق. قال القرطبيُّ: والاختيار: التخفيف، لقوله تعالى: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26]. وقال أبو عمرو: و "قَدَرَ" أي: قتر. و "قَدَّرَ" مشدداً: هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال: "ربِّي أهانن". فصل في الكلام على أكرمن وأهانن قوله: "أكْرمَنِي، أهانني". قرأ نافع: بإثبات يائهما وصلاً، وحذفهما وفقاً من غير خلاف عنه. والمروي عن ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب: إثباتهما في الحالين؛ لأنهما اسم فلا تحذف. واختلف عن أبي عمرو في الوصل: فروي عنه الإثبات والحذف، والباقون يحذفونها في الحالتين. وعلى الحذف قوله: [المتقارب] شعر : 5204- ومِنْ كَاشحٍ ظاهرٍ عُمرهُ إذَا مَا انْتسَبْتُ لهُ أنْكَرن تفسير : يريد: أنكرني؛ ولأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة لا تخالف خط المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال: "فأكرمه ونعمه"؟ قلت: لأن البسط: إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلاً من غير سابقة، وأما التقدير، فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركاً للكرامة، وقد يكون المولى مكرماً لعبده ومهيناً له، وغير مكرم ولا مهين، وإذا أهدى لك زيدٌ هدية، قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني، ولا أكرمني إذا لم يهد لك. وأجاب ابنُ الخطيب عن هذا السؤال: بأنه في قوله: "أكرمني" صادق، وفي قوله: "أهانني" غير صادق فهو ظهن أنَّ قلة الدنيا، وتعسرها إهانة، وهذا جهل، واعتقاد فاسد، فكيف يحكي الله - تعالى - ذلك عنه؟. قيل: لما قال: "فَأكْرَمهُ"، فقد صحَّ أنه أكرمه، ثم إنه حكى عنه أنه قال: "أكرمن" ذمه عليه, فكيف الجمع بينهما؟. فالجواب: أن كلمة الإنكار: "كلاَّ"، فلم لا يجوز أن يقال: إنَّها مختصة بقوله تعالى: "ربي أهانن"؟. سمنا أن الإنكار عائد إليهما معاً، لكن يمكن أن يكون الذَّم؛ لأنه اعتقد أن ذلك الإكرام بالاستحقاق، أو أنه لما لم يعترف إلا عند سعة الدنيا، مع سبق النعم عليه من الصحة، والعقل دلَّ على أن غرضه من ذلك ليس الشكر، بل محبة الدنيا, والتكثير بالأموال والأولاد، أو لأن كلامه يقتضي الإعراض عن الآخرة وإنكار البعث، كما حكى الله تعالى بقوله: {أية : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} تفسير : [الكهف: 35] إلى قوله: {أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [الكهف: 37].
التستري
تفسير : {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ}[15] قال: يعني بعض المؤمنين إذا اختبره ربه بالنعمة {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ}[15] بما أعطاني من السعة والرزق وذلك له استدراج واغترار. وقد قال الحسن رضي الله عنه: لا يزال العبد بخير ما علم ما الذي يفسد عمله. ومنهم من يزين له ما هو فيه ومنهم من تغلبه الشهوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما الانسان} متصل بما قبله من قوله ان ربك لبالمرصاد وكانه قيل انه تعالى بصدد مراقبة أحوال عباده ومجازاتهم بأعمالهم خيرا وشرا فاما الانسان فلا يهمه ذلك وانما مطمح نظره ومرصد فكره الدنيا ولذآئذها قال السهيلى رحمه الله المراد بالانسان عتبة بن ربيعة وكان هو السبب فى نزولها فيما ذكروا وان كانت هذه الصفة تعم {اذا ما ابتلاه ربه} اى عامله معاملة من يبتليه بالغنى واليسار {فأكرمه} بس كرامى كندش بجاه واقتدار {ونعمه} ونعمت دهدش ومعيشت برو فراخ كرداند وبآسانى كارا وبسازد. والفاء تفسيرية فان الاكرام والتنعيم عين الابتلاء {فيقول} مفتخرا {ربى} بروردكار من {اكرمن} فضلنى بما اعطانى من الجاه والمال حسبما كنت استحقه ولا يخطر بباله انه محض تفضل عليه ليبلوه ايشكر ام يكفر وهو خبر للمبتدأ الذى هو الانسان والفاء لما فى اما من معنى الشرط والظرف المتوسط على نية التأخير كأنه قيل فاما الانسان فيقول ربى اكرمنى وقت ابتلائه بالانعام وانما تقديمه للايذان من اول الامر بان الاكرام والتنعيم بطريق الابتلاء ليتضح اختلال قوله المحكى فاذا لمجرد الظرفية وان هذه الفاء لا تمنع ان يعمل ما بعدها فيما قبلها.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وابو جعفر {فقدر} مشدد الدال. وقرأ ابو عمرو واهل البصرة {بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث} ثلاثتهن بالياء. الباقون ثلاثتهن بالتاء. والاول على وجه الخبر عن الذين تقدم ذكرهم من الكفار. والثاني على وجه الخطاب، وتقديره قل لهم يا محمد صلى الله عليه وآله. وقرأ اهل الكوفة {تحاضون} بالتاء والالف. الباقون بغير الف والياء فى جميع ذلك مفتوحة يقال: حضضته وحثثته و {تحاضون} مثل فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين إثنين فأكثر وقرأ الكسائي ويعقوب {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد} على ما لم يسم فاعله، والفعل مسند إلى {أحد}، والمعنى لا يعذب عذابه أحد فداء له من العذاب، لانه المستحق له، فلا يؤخذ بذنب غيره. الباقون بكسر الذال {ولا يوثق} بكسر الثاء وتأويله لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يوثق وثاقه احد وهو قول الحسن وقتادة. لما توعد الله تعالى الكفار وجميع العصاة بما قدمه من الوعيد على المعاصي وأخبرهم بما فعل بالامم الماضية جزاء على كفرهم. وحكى أنه لبالمرصاد لكل عاص قسم أحوال الخلق من البشر، فقال {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه} أى اختبره والابتلاء هو إظهار ما في العبد من خير أو شر من الشدة والرخاء والغنى والفقر حسب ما تقتضيه المصلحة، فان عمل بداعي العقل ظهر الخير، وإن عمل بداعي الطبع ظهر الشر. ومثل الابتلاء الامتحان والاختبار. وقوله {فأكرمه ونعمه} معناه أعطاه الخير وأنعم عليه به، والاكرام إعطاء الخير للنفع به على ما تقتضيه الحكمة إلا أنه كثر فيما يستحق بالاحسان، ونقيض الاكرام الهوان {فيقول} العبد عند ذلك {ربي أكرمني} أي أنعم علي وأحسن اليّ. ومن أثبت الياء، فلأنها الأصل ومن حذفها فلأنها رأس آية، واجتزأ بكسرة النون الدالة على حذفها. ثم قال {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} أي اختبره بعد ذلك بأن يضيق عليه رزقه قدر البلغة والاصل القدر، وهو كون الشيء على مقدار، ومنه تقدير الشيء طلب قدره من مقدار غيره {فيقول} العبد عند ذلك {ربي أهانني} فقال الله تعالى رداً لتوهم من ظن أن الاكرام بالغنى والاهانة بالفقر بأن قال {كلا} ليس الامر على ما توهمه. وإنما الاكرام فى الحقيقة بالطاعة، والاهانة بالمعصية، وقوله {كلا} معناه ليس الأمر على ما ظن هذا الانسان الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر - ذكره قتادة - ثم بين ما يستحق به الهوان بقوله {بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين} أي الهوان لهذا، لا لما توهمتم، تقول: حضضته بمعنى حثثته و {تحاضون} بمعنى تحضون فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين اثنين فأكثر. وقال الفراء: لا تحاضون بمعنى لا تحافضون، واصله تتحاضون، فحذف إحدى التائين. وقوله {وتأكلون التراث، أكلاً لما} أي جمعاً، يقال لممت ما على الخوان ألمه لماً إذا أكلته اجمع، والتراث الميراث. وقيل: هو من يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وقوله {وتحبون المال حباً جماً} قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: معناه كثيراً شديداً يقال: جم الماء فى الحوض إذا أجتمع وكثر قال زهير: شعر : فلما وردن الماء زرقا جماعه وضعن عصي الحاضر المتخيم تفسير : وقوله {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً} معناه التهديد والوعيد الشديد أي حقاً إذا دكت الارض بأن جعلت مثل الدكة مستوية لا خلل فيها ولا تلول، كما قال {أية : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً}تفسير : وهو يوم القيامة، فالدك حط المرتفع بالبسط، يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه فكذلك الارض إذا دكت استوت في فراشها فذهبت دورها، وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء الملساء بها. قال ابن عباس: يوم القيامة تمد الارض مداً كالأديم. وقوله {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} معناه وجاء أمر الله أو عذاب الله وقيل: معناه وجاء جلائل آياته، فجعل مجيء جلائل الآيات مجيئاً له تفخيماً لشأنها وقال الحسن: معناه وجاء قضاء الله، كما يقول القائل: جاءتنا الروم أي سيرتهم. وقال بعضهم: معنى {جاء} ظهر بضرورة المعرفة، كما توصف الآية إذا وقعت ضرورة تقوم مقام الرؤية. وقوله {والملك صفاً صفاً} معناه كصفوف الناس فى الصلاة يأتي الصف الاول ثم الصف الثاني ثم الثالث على هذا الترتيب، لان ذلك أشكل بحال الاستواء من التشويش والتخليط بالتعديل فى الامور، والتقويم أولى. وقوله {وجيء يومئذ بجهنم} أي احضرت جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ويرى أهل الموقف هو لها، وعظم منظرها. وقوله {يتذكر الإنسان} اخبار منه تعالى بأن الانسان يتذكر ما فرط فيه فى دار التكليف من ترك الواجب وفعل القبيح ويندم عليه. ثم قال تعالى {وأنى له الذكرى} ومعناه من اين له الذكرى التي كان أمر بها فى دار الدنيا، فانها تقوده إلى طريق الاستواء وتبصره الضلال من الهدى، فكأنه قال وأنى له الذكرى التي ينتفع بها، كما لو قيل يتندم وأنى له الندم. ثم حكى ما يقول الكافر المفرط الجائي على نفسه ويتمناه، فانه يقول {يا ليتني قدمت لحياتي} أي يتمنى انه كان عمل الصالحات لحياته بعد موته أو عمل للحياة التي تدوم له، فكان أولى بي من التمسك بحياة زائلة. ثم قال {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} معناه فى قراءة من كسر الذال إخبار من الله تعالى أنه لا يعذب عذاب الله أحد فى ذلك اليوم. ومن فتح الذال قال: المعنى لا يعذب عذاب الجائي الكافر الذي لم يقدم لحياته أحد من الناس لانا علمنا أن إبليس أشد عذاباً من غيره بحسب إجرامه وإذا أطلق الكلام لقيام الدلالة على ذلك قيل معناه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لأنه المستحق للعذاب ولا يؤاخذ الله أحداً بجرم غيره. وقوله {ولا يوثق وثاقه} أي لا يشد بالسلاسل والاغلال {أحد} على المعنيين اللذين ذكرناهما. وقوله {يا أيتها النفس المطمئنة} قال ابن زيد عن أبيه: إن النفس المطمئنة التى فعلت طاعة الله وتجنبت معاصيه تبشر عند الموت ويوم البعث بالثواب والنعيم. وقيل: ان المطمئنة بالمعرفة لله وبالايمان به - فى قول مجاهد - وقيل: المطمئنة بالبشارة بالجنة. وقال الفراء: تقديره يا أيتها النفس المطمئنة بالايمان والمصدقة بالثواب والبعث {ارجعي} تقول لهم الملائكة إذا اعطوهم كتبهم بايمانهم {ارجعي إلى ربك} أي إلى ما اعده الله لك من الثواب، وقد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول يريدون ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع. ثم بين ما يقال لها وتبشر به بأنه يقال لها {ارجعي إلى ربك} أي إلى الموضع الذي يختص الله تعالى بالامر والنهي به دون خلقه {راضية} بثواب الله وجزيل عطائه {مرضية} الافعال من الطاعات، وإنه يقال لها {ادخلي في عبادي} الذين رضيت عنهم ورضيت أفعالهم {وادخلي جنتي} التى وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ادخلي فى عبدي بمعنى فى جسم عبدي، قال ابن خالويه: هي قراءة حسنة. قال المبرد: تقديره يا ايتها الروح ارجعي إلى ربك فادخلي في عبادي فى كل واحد من عبادي تدخل فيه روحه.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ} كأنّه قال: هذا حال الرّحمن فامّا الانسان اذا ما ابتلاه ربّه {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} بيانٌ لاكرامه {فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} هذا خبر الانسان ولذلك ادخل الفاء الّتى تكون عقيب امّا عليه، وقوله: اذا ما ابتليه على تقدير التّأخير يعنى يفرح بالنّعمة ويحسب انّ النّعمة كرامة من الله له والحال انّها قد تكون استدراجاً ونقمةً.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا} جواب إذا دل عليه في فيقول ربي أكرمني *{مَا} زائدة *{ابْتَلاَهُ رَبُّهُ} فعل فيها فعل المختبر بالنعمة أيشكر أم يكفر *{فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ} بالمال والولد والجاه *{فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي} مبتدأ وخبر وجملتهما مفعول القول والمجموع خبر المبتدأ الذي هو الإنسان وإذا في نية التأخير.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا الإِنسَانُ} قيل لا يطلب الله تعالى إلاَّ السعى للآخرة ولذلك كان الرصد فأَما الإنسان ولو لم يكن كذلك لقال وأما الإنسان بالواو لا الفاء فليس تفريعاً على هذا الحذوف المقدر بل على كونه تعالى بالمرصاد فإنه يتفرع على كونه بالمرصاد بيان أن الإنسان الكافر أوالفاسق ليس على استقامة فى أمره يبتهج بما يرضينه ويطغى به ويجزع بغيره والله عز وجل رقيب عليه يعاقبه على عدم الشكر وعلى الجزع. {إذَا مَا} صلة للتأكيد {ابْتَلاَهُ رَبُّهُ} أنعم عليه ليظهر منه خارجاً الشكر أو الكفر كالمختبر به والله عالم الغيب والشهادة {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} بيان للابتلاءِ والإِكرام أعم من التتنعيم لأَنه بالمال والجاه وصحة البدن وجعله وضيئاً مبتهجاً أو إعطاءِ نعم الرزق ولعمومه إقتصر عليه فى قوله عز وجل {فَيَقُولُ} فخراً لا شكراً أو يقول اعترافاً بفضل الله فيكون الذم فى قوله جزعا ربى أهاننى {رَبِّي أكْرَمَنِ} وليوافق القرينة فى وزن أفعل فإن أهان بوزن أكرم وهو أفعل أصله أهون نقلت فتحة الواو إلى الهاءِ وقلبت ألفاً أو يقدر فيقول ربى أكرمنى ونعمنى والجملة جواب أما وأما إذا فمتعلقة بيقول وهى والإنسان من جملة جواب أما قدما لئلا تتصل أما بالفاءِ كقولك أما اليوم فزيد قائم واليوم متعلق بقائم ولو قيل أما فزيد قائم اليوم لاتصلت أما بفاءِ جوابها ولا سيما أنهم يتوسعون فى الظروف ولم يتقدم هنا زيادة على المبتدأ إلاَّ الظرف وشرطه وما عطف على شرطه وذلك كله كشىءٍ واحد وليس كقولك أما زيد طعامك فأكل لما علمت أن ما فى الآية ظرف وإنكار الرضى ما ذكرت غير مرضى، وقيل تبعاً له التقدير فأَما شأن الإنسان إذا ما ابتلاه حتى لا تكون إذاً من متعلقات الجواب وهو قول لا يعتبر له شأن لأن شأناً لا يتعلق به الظرف إلاَّ بتأويل وأيضا يخبر حينئذ عن الشأن بيقول والشأن لا يقول وإن قيل الشأن القول فقد تكلف بحذف حرف المصدر قبل يقول ويرفع الفعل بعد حذفه أو بجعل المضارع بمعنى المصدر بلا تقدير حرف المصدر.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ } الخ متصل بما عنده كأنه قيل إنه سبحانه لبالمرصاد من أجل الآخرة فلا يطلب عز وجل إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها فإن نال منها شيئاً رضي وإلا سخط وكان اللائق أن لا يهمه إلا ما يطلبه الله عز وجل ولا يكون حاله ذلك. وقيل هو متصل به متفرع عليه على معنى فالإنسان يؤاخذ لا محالة لأنه بين غني مهلك موجب للتكبر والافتخار بالدنيا وبين فقر لا يصبر عليه ويكفر لأجله بالجزع والقول بما لا ينبغي وهو كما ترى. {إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ} أي عامله معاملة من يبتليه بالغنى واليسار ليرى هل يشكر أم لا؟ والفاء في قوله سبحانه: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } تفسيرية فإن الإكرام والتنعيم عين المراد بالابتلاء ولما كان الإكرام والتنعيم في حكم شيء واحد اقتصر على قوله (أكرمن) في قوله سبحانه: {فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } ولم يضم إليه ونعمني وهذه الجملة خبر للمبتدأ الذي هو (الإنسان) والفاء لما في (أما) من معنى الشرط والظرف أعني (إذا) متعلق بيقول وهو / على نية التأخير ولا تمنع الفاء من ذلك كما صرح به الزمخشري وغيره من متقدمي النحاة وتبعهم من بعدهم كأبـي حيان والسمين والسفاقسي مع جمع غفير من المفسرين وهو كما قال الشهاب الحق الذي لا محيد عنه وخالفهم في ذلك الرضي ومن تبعه كالبدر الدماميني في «شرح المغنى» فقالوا إنما يجوز تقديم ما بعد الفاء عليها إذا كان المقدم هو الفاصل بين أما والفاء لما يتعلق بتقديمه من الأغراض فإن كان ثمت فاصل آخر امتنع تقديم غيره فيمتنع أما زيد طعامك فآكل وإن جاز أما طعامك فزيد آكل وقالوا في ذلك إنهم لما التزموا حذف الشرط لزم دخول أداته على فاء الجواب وهو مستكره فدعت الضرورة للفصل بينهما بشيء مما بعد الفاء والفاصل الواحد كاف فيه فيجب الاقتصار عليه وزعم الجلبـي محشي «المطول» أن هذا متفق عليه فرد به على المفسرين إعرابهم السابق وقال إنه خطأ والصواب أن يجعل الظرف متعلقاً بمقدر وهو المبتدأ في الحقيقة والتقدير فأما شأن الإنسان إذا الخ فالظرف من تتمة (الخبر المفصول به وليس) فاصلاً ثانياً كقولك أما إحسان زيد إلى الفقير فحسن، ويرد على تقديره أنه لا يصح وقوع جملة (يقول) خبراً عن الشأن إلا بتعسف كأن يكون الفعل بتأويل المصدر وإن لم تكن معه في اللفظ أن المصدرية كما قيل في شعر : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه تفسير : وهو فرار من السحاب إلى الميزاب. وذهب أبو البقاء إلى أن {إِذَا} شرطية وقوله تعالى {فَيَقُولُ} جوابها والجملة الشرطية خبر (الإنسان) ويلزمه حذف الفاء بدون القول وقد قيل إنه ضرورة.
ابن عاشور
تفسير : {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ * كَلاَّ}. دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة. ودلت (أمّا) على معنى: مهما يكن من شيء، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالِها، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبْلَ الفاء المتصلة بها، فَلاح ذلك برقاً وامضاً، وانجلى بلمعه ما كان غامضاً، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفياً، فلنبينه بياناً جليّاً، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثَّل بها مما أنعم الله عليها به من النعم، وهم لاهون عن دعوة رُسُل الله، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم، مقتحمون المناكر التي نُهوا عنها، بطرون بالنعمة، معجَبون بعظمتهم فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا، باستخلاص العِبرة وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك تَرفاً وطغياناً وبطراً، وتنبيهُهم على خطاهم إذْ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهةٌ توهَّموا بها أن الله جعلهم محل كرامة، فحسبوا أن إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة، فتوهموا أنّ فعل الله بهم أدلّ على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه، ونفوا أن يَكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا، فكان هذا الوهَم مُسوِّلاً لهم التذكيب بما أنذروا به من وعيد، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقَتْر الرزق. وقد تكرر في القرآن التعرض لإِبطال ذلك كقوله: { أية : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } تفسير : [المؤمنون: 55، 56]. وقد تضمن هذا الوهَم أصولاً انبنى عليها، وهي: إنكار الجزاء في الآخرة، وإنكار الحياة الثانية، وتوهم دوام الأحوال. ففاء التفريع مرتبطة بجملة: { أية : إن ربك لبالمرصاد } تفسير : [الفجر: 14] بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلاً. والمعنى: هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته. فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسَعَة في الدنيا تكريماً من الله له، وما يناله من ضيق عيش إهانَةً أهانَهُ الله بها. وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة قال تعالى: { أية : ولئن أذقناه رحمةً منا من بعد ضراء مسَّتْه ليقولن هذا لي وما أظُنُّ الساعة قائمة ولئن رُجِعْتُ إلى ربي إنَّ لي عنده لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذابٍ غليظ } تفسير : [فصلت: 50]. فأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالحقيقة الحق ونبههم لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية، وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر، وفي ذلك كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالباً على أهل الجاهلية ولذلك قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية: شعر : مَجَلَّتُهم ذَاتُ الإلٰه ودينُهم قَويم فَمَا يَرْجُونَ غَيْرَ العَوَاقِب وَلا يَحْسَبُون الخَيْرَ لا شَرَّ بعدَه ولا يحسبُون الشرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ تفسير : وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله: {كلا}. فمناط الردع والإبطال كِلا القولين لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالّة كما ستعرفه عند قوله تعالى: {فأكرَمَه ونعَّمه}. واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العلَلِ والآفات لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا يهلكون إلا بقتل أو هَرم فيهم وفي ذويهم، قال النابغة: شعر : تَغْشَى مَتَالِفَ لا يُنْظِرْنَكَ الهَرَمَا تفسير : ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نَظْم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابنَ عطية. وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية، قال طرفة: شعر : فلو شَاءَ ربّي كنتُ قيسَ بنَ عاصم ولو شَاء رَبي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرْثَدِ فأصبحتُ ذا مال كثيرٍ وطاف بي بَنُون كرامٌ سَادَة لمُسَوَّد تفسير : وجعلوا هذا الغرور مقياساً لمراتب الناس فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر الفاخرة، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس، لذلك لما أتى الملأ من قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء صلى الله عليه وسلم وعنده عَمَّار، وبلالٌ، وخبابٌ، وسالمٌ، مولَى أبي حذيفة، وصُبَيح مولى أُسَيْد، وصُهَيْبٌ، في أناس آخرين من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء أطْرُدهم عنك فَلَعلّك إن طردتهم أن نتبعك. وقالوا لأبي طالب: لو أن ابن أخيك طَرد هؤلاء الأعْبُدَ والحُلَفَاءَ كان أعظمَ له في صدُورنا وأدلى لاتِّباعنا إياه. وفي ذلك نزل قوله تعالى: { أية : ولا تطرُد الذين يَدعون ربهم } تفسير : الآية كما تقدم في سورة الأنعام (52). فنبه الله على خطإ اعتقادهم بمناسبة ذكر مُماثِلِهِ ممَّا اعتقده الأمم قبلهم الذي كان موجباً صَب العذاب عليهم، وأعْلَمهم أن أحوال الدنيا لا تُتخذ أصلاً في اعتبار الجزاء على العمل، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة. والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ولكنه استغراق عُرفي مراد به الناسُ المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله: { أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } تفسير : [العلق: 6، 7] { أية : أيحسب الإنسان أَلَّن نجمع عظامه } تفسير : [القيامة: 3] { أية : لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } تفسير : [البلد: 4، 5] ونحو ذلك ويدل لذلك قوله تعالى: { أية : يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذِّكرى } تفسير : [الفجر: 23] الآية. وقيل: إريد إنسان معين، فقيل عتبة بن ربيعة أو أبو حذيفة بن الغيرة عن ابن عباس، وقيل: أمية بن خَلَف عن مقاتل والكلبي، وقيل: أبيّ بن خلف عن الكلبي أيضاً، وإنما هؤلاء المسمَّوْن أعلام التضليل. قال ابن عطية: ومن حيث كان هذا غالباً على الكفّار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم الجنس إذ يقع (كذا) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اهــــ. واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفْته منافع ذلك، تحكيماً للشاهية ومحبةِ النفس ورجْماً بالغيب وافتيَاتاً على الله، وإذا صادف أحدَهم من الحوادث ما جلبَ له ضرّاً تخيّله بأوهامه انتقاماً من الله قصدَه به، تشاؤماً منهم. فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراماً من الله لهم ليسوا أهلاً لكرامة الله. وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الزرق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة. فذلك الاعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرَفَ أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنةً من ذلك لبعض ضعفاء الإِيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الرّاوندي. عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله: شعر : كم عاقلٍ عاقلٍ أعْيَتْ مذاهبُه وجَاهِلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقاً هذا الذي تَرك الأَفْهام حائرةً وصيَّر العالِم النحرير زنديقاً تفسير : وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها، وصرفهم عن التدبر فيما يُنِيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه، وعِلْم الله واسع وتصرفاتُه شتّى وكلها صادرة عن حكمة { أية : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } تفسير : [البقرة: 255]. فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب وقد يأتي النفع من أخرى. وبعض ذلك جار في الظاهر على المعتاد، ومنه ما فيه سمة خرق العادة. فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد، والموفق يتيقظ لِلأمَاراتِ قال تعالى: { أية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كلِّ شيءٍ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } تفسير : [الأنعام: 44] وقال: { أية : وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضَّرَّعون ثم بدَّلنا مكان السيئةِ الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } تفسير : [الأعراف: 94، 95] وقال: { أية : أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } تفسير : [التوبة: 126]. وتصرفات الله متشابهة بعضها يدل على مراده من الناس وبعضها جار على ما قدَّره من نظام العالم وكلٌّ قد قضاه وقدَّره وسبق علمه به ورَبَط مسبباتِه بأسبابه مباشرةً أو بواسطة أو وسائط والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومِه ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهَمه ولم تنهَضْ دلائله، ويُفوِّض ما أشكل عليه إلى علم الله. وليس مثلُ هذا المحكيّ عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية. وقد نجد في بعض العوامّ ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإِيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية. لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنُحْيِينَّه حياة طيبة } تفسير : [النحل: 97]. وقد يعجّل العقاب لمن يغضب عليه من عباده. وقد حكَى عن نوح قولَه لقومه: { أية : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين } تفسير : [نوح: 10 ـــ 12] وقال تعالى: { أية : وأَلَّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهُم مَاءً غدقاً } تفسير : [الجن: 16]. ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاءِ على الأمم العظيمة القاهرة. وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه. وحرف (أمَا) يفيد تفصيلاً في الغالب، أي يدل على تقابل بين شيئين من ذواتٍ وأحوال. ولذلك قد تكرر في الكلام، فليس التفصيلُ المستفاد منها بمعنى تبيينِ مجملٍ قبلَها، بل هو تفصيل وتقابُل وتوازن، وهو ضرب من ضروب التفصيل الذي تأتي له (أمَّا)، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على (أما)، وإنما تعلقه بما قبله تعلَّقُ المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل. فالمفصل هنا أحوال الإِنسان الجاهِل فُصّلت إلى حاله في الخفض والدعة وحاله في الضنك والشدة فالتوازن بين الحالين المعبَّر عنهما بالظرفين في قوله: {إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه} الخ وفي قوله: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} الخ. وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المُجمل ولكنه تمييز وفصْل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط. وقد تقدم ذكر (أمّا) عند قوله تعالى: { أية : فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } تفسير : الآية في سورة البقرة (26). والابتلاء: الاختبار ويكون بالخير وبالضرّ لأن في كليهما اختباراً لثبات النفس وخُلق الأناة والصبر قال تعالى: { أية : ونبلُوكُم بالشر والخير فتنة } تفسير : [الأنبياء: 35] وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين، حال مرضية وحال غير مرضية وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضاً. قال تعالى: { أية : ليبلوني أأشكر أم أكفر } تفسير : [النمل: 40] وقال: { أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة } تفسير : [الأنبياء: 35] والأشهر أنه الإِختبار بالضر وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين. والمعنى: إذا جَعَلَ ربُّه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهراً لحاله في الشكر والكفر، وفي الصبر والجزع، توهَّم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا. والإِكرام: قال الراغب: أن يُوصَل إلى الإِنسان كرامة، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة، وأن يُجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي شريفاً قال تعالى: { أية : بل عباد مكرمون } تفسير : [الأنبياء: 26]، أي جعلهم كراماً اهــــ يريد أن الإِكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريماً في صنفه فيصدق قوله تعالى: {فأكرمه} بأن يصيب الإِنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه، أو بأن جُعل كريماً سيداً شريفاً. وقوله: {فأكرمه} من المعنى الأول للإِكرام وقوله: {فيقول ربي أكرمني} من المعنى الثاني له في كلام الراغب واعلم أن قوله: {ونعمه} صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظاً لهم ومعاملة بالرحمة، والذي عليه المحققون من المتكلمين أن الكافر مُنعَم عليه في الدنيا، وهو قول الماتريدي والباقِلاني. وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي والخُلف لفظي. ومعنى {نعّمه} جعله في نعمة، أي في طيب عيش. ومعنى: {فقدر عليه رزقه} أعطاه بقَدْر محدود، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضاً عن الدال، وكلّ ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق قال تعالى: { أية : ولو بسط اللَّه الرزق لعباده لبَغَوا في الأرض ولكن ينزّل بقدر ما يشاء } تفسير : [الشورى: 27]. والهاء في {رزقه} يجوز أن تعود إلى {الإنسان} من إضافة المصدر إلى المفعول، ويجوز أن تعود إلى {ربه} من إضافة المصدر إلى فاعله. والإِهانة: المعاملة بالهون وهو الذل. وإسناد {فأكرمه ونعمه... فقدر عليه رزقه} إلى الرب تعالى لأن الكرامة والنعمة انساقت للإِنسان أو انساق له قَدَر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعضُ الحوادث بعضاً، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فُرصها ومناسباتها. والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم، وإنما يتكلم الانسان عن اعتقاد. فالمعنى: فيقول ربي أكرمني، معتقداً ذلك، ويقول: ربيَ أهانني، معتقداً ذلك لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة، أو يتذمروا من الضيق والحاجة، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى: { أية : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } تفسير : [آل عمران: 75]، أي اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم. وتقديم {ربي} على فعل {أكرمني} وفعلِ {أهانني}، دون أن يقول: أكرمني ربي أو أهانني ربي، لقصد تقوّي الحكم، أي يقول ذلك جازماً به غير متردد. وجملتا: {فيقول} في الموضعين جوابان لـــ (إمَّا) الأولى والثانية، أي يطرد قول الإِنسان هذه المقالة كلَّما حصلتْ له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق. وأوثِر الفعل المضارع في الجوابين لإِفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين. وحرف {كَلاّ} زجر عن قول الإِنسان {ربي أكرمن} عند حصول النعمة. وقوله: {ربيَ أهانني} عندما يناله تقتير، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كِلاَ القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلاً على منزلته عند الله تعالى. وإنما يُعرَف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه، قال تعالى: { أية : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } تفسير : في سورة الكهف (103 - 104) إلى قوله: { أية : فلا نقيمُ لهم يوم القيامة وزناً } تفسير : في سورة الكهف (105). فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعَث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبَرَّهُ. فمناط الردع جعل الإِنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإِهانة، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإِهانة لأن الله أهان الكافرَ بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق. وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإِنسان بقوله: {فأكرمه} وبين إبطال ذلك بقوله: {كلا} لأن الإِبطال وارد على ما قصده الإِنسان بقوله: {ربي أكرمن} أن ما ناله من النعمة علامةٌ على رضى الله عنه. فالمعنى: أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسراراً وعِللاً لا يُحاط بها، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقْيسة وهمية، والاستناد لمألوفات عادية، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله. وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها. وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها. وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {ربي} في الموضعين بفتح الياء. وقرأ الباقون بسكونها. وقرأ الجمهور {فقدر عليه} بتخفيف الدال. وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال. وقرأ نافع: {أكرمن، وأهانن} بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف. وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف. وهو مرسوم في المصحف بدون ياء بعد النونين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف. و{كلاّ} ردع عن هذا القول أي ليس ابتلاء الله الإِنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسبباً على إرادة الله تكريم الإِنسان ولا على إرادته إهانته. وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله: { أية : إن ربك لبالمرصاد } تفسير : [الفجر: 14] بعد قوله: { أية : فصب عليهم ربك سوط عذاب } تفسير : [الفجر: 13]. {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً}. {بل} إضراب انتقالي. والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقلِ إليه مناسبةُ المقابَلةِ لمضمون {فأكرمه ونعَّمه} من جهة ما توهموه أن نعمة مالِهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يُكرموا عبيده شُحّاً بالنعمة إذ حَرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحْتاجُون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل. فجملة: {لا تكرمون اليتيم} استئناف كما يقتضيه الإضراب، فهو إمّا استئناف ابتداء كلام، وإما اعتراض بين {كلاّ} وأختها كما سيأتي وإكرام اليتيم: سَد خَلته، وحسن معاملته، لأنه مظنة الحاجة لفقدِ عائِلِه، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباءُ لأبنائهم الصغار. وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات. والبِرّ، لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يُدِلّ هو عليه. و{اليتيم}: الصبي الذي مات أبوه وتقدم في سورة النساء، وتعريفه للجنس، أي لا تكرمون اليتامى. وكذلك تعريف {المسكين}. ونفي الحَض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى، وهي دلالة فحوى الخطاب، أي لقلّة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفْعَ وساطة، بَلْهَ أن ينفعوهم بالبذل من أموالهم. و{طعام} يجوز أن يكون اسماً بمعنى المطعوم، فالتقدير: ولا تحضون على إعطاء طعام المسكين فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ويجوز أن يكون اسم مصدر أطعم. والمعنى: ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكينَ فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله. و{المسكين}: الفقير وتقدم في سورة براءة. وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نُفِي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن يحضُّوا على طعام المسكين، عُلم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم، أي لا يحضون أولياء الأيتام على ذلك، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم. ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإِطعام لأن من يحض على فعل شيء يكون راغباً في التلبس به فإذا تمكن أن يفعله فعله، ومنه قوله تعالى: { أية : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } تفسير : [العصر: 3] أي عملوا بالحق وصبروا وتواصوا بهما. وقرأ الجمهور: «لا تُكرمون، ولا تَحضون، وتأكلون، وتُحبون» بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه} الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة. وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بذلك فضحاً لدخائلهم على نحو قوله تعالى: { أية : يقول أهلكت مالاً لبداً أيحسب أن لم يره أحد } تفسير : [البلد: 6، 7]. وقرأ الجمهور: {ولا تحضُّون} بضم الحاء مضارع حضّ، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف {تَحَاضُّون} بفتح الحاء وألف بعدها مضارع حاضّ بعضهم بعضاً، وأصله تتحاضّون فحذفت إحدى التاءين اختصاراً للتخفيف أي تتمالؤون على ترك الحض على الإطعام. و{التراث}: المال الموروث، أي الذي يُخلفه الرجل بعد موته لوارثه وأصله: وُرَاث بواو في أوله بوزن فُعال من مادة وَرث بمعنى مفعول مثل الدُّقاق، والحُطام، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تُجاه، وتُخَمة، وتُهْمة، وتُقَاةٍ وأشباهها. والأكل: مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعاً لا يُبقي منه شيئاً. وأحسب أن هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب. وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه، أي تراث اليتامى وكذلك كان أهل الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم. وأشعر قوله: {تأكلون} بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه، ومنه يظهر وجه إيثار لفظ التُراث دون أن يقال: وتأكلون المال لأن التراث مال ماتَ صاحبه وأكْلُه يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغرٍ أو أنوثة. واللَّمُّ: الجمع، ووصْفُ الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة، أي أكلاً جامعاً مال الوارثين إلى مال الآكِلِ كقوله تعالى: { أية : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } تفسير : [النساء: 2]. والجم: الكثير، يقال: جَمَّ الماءُ في الحوض، إذا كثر، وبِئر جَموم بفتح الجيم: كثيرةُ الماء، أي حباً كثيراً، ووصْف الحُبّ بالكثرة مراد به الشدة لأن الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد الجنس. فالجمّ مستعار لمعنى القوي الشديد، أي حبّاً مفرطاً، وذلك محل ذم حب المال، لأن إفراد حبه يوقع في الحِرص على اكتسابه بالوسائل غير الحَق كالغصب والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ * كَلاَّ} بين تعالى أنه يعطي ويمسك ابتلاء للعبد. وقوله تعالى: {كَلاَّ}، وهي كلمة زجر وردع، وبيان أن المعنى لا كما قلتم فيه تعديل لمفاهيم الكفار، بأن العطاء والمنع لا عن إكرام ولا لإهانة، ولكنه ابتلاء، كما في قوله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35]. وقوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28]. قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً}. بعد ما بين سبحانه صحة المفاهيم في العطاء والمنع، جاء في هذه الآيات وبين حقيقة فتنة المال إيجاباً وسلباً جمعاً وبذلاً، فبدأ بأقبح الوجوه من الإمساك من عدم إكرام اليتيم، مهيض الجناح، مكسور الخاطر، والتقاعس عن إطعام المسكين، خالي اليد جائع البطن، ساكن الحركة، وهذان الجانبان أهم مهمات بذل المال وهم يمسكون عنها، وقد بين تعالى أن هذا الجانب هو اقتحام العقبة عند الشدة، في قوله تعالى في سورة البلد {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-16]. ومن الجانب الآخر {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} أي الميراث، فلا يعطون النسوة وهن ضعيفات الشخصية، أحوج إلى مال مورثهن، وتحبون المال حباً حتى استعبدكم وألهاكم التكاثر فيه. وهنا لفت نظر للفريقين، فمن أُعطي منهم لا ينبغي له أن يغفل طرق البذل الهامة، ومن مُنع لا ينبغي له أن يستشرف إلى ما لا ينبغي له، وبالله تعالى التوفيق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فأما الإِنسان: أي الكافر المشرك. ابتلاه: أي اختبره. وأكرمه ونعمه: أي بالمال والجاه ونعَّمه بالخيرات. أكرمن: أي فضلني لمالي من مزايا على غيري. فقدر عليه رزقه: أي ضيقه ولم يوسعه عليه. أهانن: أي أذلني بالفقر ولم يشكر الله على ما وهبه من سلامة جوارحه والعافية في جسمه. كلا: أي ليس الأمر كما يرى هذا الكافر ويعتقد ويقول. التراث: أي الميراث. أكلا لما: أي أكلاً كثيرا ولمَّاً شديداً إذ يلمون نصيب النساء والأطفال لما لهم فلا يورثونهم من التركة. حبا جما: أي حبا شديداً كثيراً. معنى الآيات: قوله تعالى {فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} لقد تقدم قول الله تعالى {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} تفسير : [الآية: 14] وهو دال على أن الله تعالى يحب من عبده أن يعبده ويشكره ليكرمه في دار كرامته يوم لقائه، وإِعلام الله تعالى عباده بأنه بالمرصاد يراقب أعمالهم دلالته على أنه يخوفهم من معاصيه ويرغبهم في طاعته واضحة فتلخص من ذلك أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر وأنه يحب لهم الشكر فأما الإِنسان فماذا يحب وماذا يكره قال تعالى عنه فأما الإِنسان وهو المشرك وأكثر الناس مشركون إذا ما ابتلاه ربه أي اختبره فأكرمه بالمال والولد والجاه ونعمه بالأرزاق والخيرات لينظر الله هل يشكر أو يكفر فيقول مفاخراً ربي أكرمن أي فضلني على غيري لما لي من فضائل ومزايا لم تكن لهؤلاء الفقراء وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن أي وأما إذا ما اختبره وضيق عليه رزقه لينظر تعالى هل يصبر العبد المختبر أو يجزع فيقول ربي أهانن أي أذلني فأفقرني. وقوله تعالى {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي ألا فارتدعوا أيها الماديون الذين تقيسون الأمور كلها بمقاييس المادة فالله جل جلاله يوسع الرزق اختبارا للعبد هل يشكر نعم الله عليه فيذكرها ويشكرها بالإِيمان والطاعة ويضيّق الرزق امتحانا هل يصبر العبد لقضاء ربه أو يجزع. وإنما أنتم أيها الماديون ترون أن في التوسعة إكراما وفي التضييق إهانة كلا ليس الأمر كذلك، ونظريتكم المادية هذه أتتكم من حبّكم الدنيا واغتراركم بها ويشهد بذلك إهانتكم لليتامى وعدم إكرامكم لهم لضعفهم وعجزهم أمامكم، وعدم الاستفادة المادية منهم. وشاهد آخر أنكم لا تحضون أنفسكم ولا غيركم على إطعام المساكين وهم جياع أمامكم، وآخر أنكم تأكلون التراث أي الميراث أكلا لما شديدا تجمعون مال الورثة من الأطفال والنساء إلى أموالكم. وتحرمون الضعيفين الأطفال والنساء. وآخر وتحبون المال حبا جما أي قويا شديدا. كلا ألا ارتدعوا وأخرجوا من دائرة هذه النظرية المادية قبل حلول العذاب، ونزول ما تكرهون. فآمنوا بالله ورسوله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- النظرية المادية لم تكن حديثة عهد إذ عرفها الماديون في مكة من مشركي قريش قبل أربعة عشر قرنا. 2- وجوب إكرام اليتامى والحض على إطعام الجياع من فقراء ومساكين. 3- وجوب إعطاء المواريث لمستحقيها ذكورا أو إناثا صغاراً أو كباراً. 4- التنديد بحب المال الذي يحمل على منع الحقوق، ويزن الأمور بميزانه قوة وضعفا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانُ} {ٱبْتَلاَهُ} (15) - فَإِذَا وَسَّعَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الإِنْسَانِ فِي الرِّزْقِ وَالمَالِ وَالجَاهِ وَالقُوَّةِ، لِيَخْتَبِرَهُ، اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ اللهِ لَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّ فَضَّلَنِي لاسْتِحْقَاقِي ذَلِكَ. وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِلاَءٌ مِنَ اللهِ لِلْخَلْقِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا { قدر عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أي: ضيقه، فصار يقدر قوته لا يفضل منه، أن هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان: بقوله { كَلا } أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل. وأيضًا، فإن وقوف همة العبد عند مراد نفسه فقط، من ضعف الهمة، ولهذا لامهم الله على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فقال: { كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه. فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم الرغبة في الخير. { وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين } أي: لا يحض بعضكم بعضًا على إطعام المحاويج من المساكين والفقراء، وذلك لأجل الشح على الدنيا ومحبتها الشديدة المتمكنة من القلوب، ولهذا قال: { وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ } أي: المال المخلف { أَكْلا لَمًّا } أي: ذريعًا، لا تبقون على شيء منه. { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } أي: كثيرًا شديدًا، وهذا كقوله تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } {أية : كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):