Verse. 6010 (AR)

٨٩ - ٱلْفَجْر

89 - Al-Fajr (AR)

كَلَّا بَلْ لَّا تُكْرِمُوْنَ الْيَتِيْمَ۝۱۷ۙ
Kalla bal la tukrimoona alyateema

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلا» ردع، أي ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر وإنما هو بالطاعة والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك «بل لا يكرمون اليتيم» لا يحسنون إليه مع غناهم أو لا يعطونه حقه من الميراث.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال: {كَلاَّ } وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة، قال ابن عباس: المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال: بل لهم فعل هو شر من هذا القول، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم، فقال: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: {يكرمون} وما بعده بالياء المنقوطة من تحت، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس والكثرة، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك. المسألة الثانية: قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه. واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها: ترك بره، وإليه الإشارة بقوله: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } والثاني: دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله: {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً } أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم، أما قوله: {ولا تحضون على طعام المسكين } قال مقاتل: ولا تطعمون مسكيناً، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ }تفسير : [الحاقة: 34,33] ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضاً وفي قراءة ابن مسعود: {وَلاَ تَحَاضُّونَ } بضم التاء من المحاضة. أما قوله: {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالوا: أصل التراث وراث، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت. المسألة الثانية: قال الليث: اللم الجمع الشديد، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم، والآكل يلم الثريد فيجعله لقماً ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع، فمعنى اللم في اللغة الجمع، وأما التفسير ففيه وجوه أحدها: قال الواحدي والمفسرون: يقولون في قوله: {أَكْلاً لَّمّاً } أي شديداً وهو حل معنى وليس بتفسير، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتاً للأكل، والمراد به الفاعل أي آكلاً لامّاً أي جائعاً كأنهم يستوعبونه بالأكل، قال الزجاج: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافاً وبداراً، فقال الله: {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } أي تراث اليتامى لماً أي تلمون جميعه، وقال الحسن: أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم وثانيها: أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة وبعضه حرام، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله وثالثها: قال صاحب «الكشاف»: ويجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً لماً واسعاً، جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعله الوراث البطالون. أما قوله تعالى: {وَّيُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً } فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال: جم الشيء يجم جموماً يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أي يكثر، والمعنى: ويحبون المال حباً كثيراً شديداً، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ} ردّ؛ أي ليس الأمر كما يُظَنّ، فليس الغِنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر والغنى من تقديري وقضائي. وقال الفراء: «كَلاّ» في هذا الموضع بمعنى لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمدُ الله عز وجل على الغنى والفقر. وفي الحديث: « حديث : يقول الله عز وجل: كلا إني لا أكرِم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهِين من أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي تفسير : . قوله تعالى: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} إخبار عن ما كانوا يصنعونه من منع اليتيم الميراث، وأكل ماله إسْرافاً وبِدَاراً أَنْ يَكْبُروا. وقرأ أبو عمرو ويعقوب «يُكْرِمون»، و«يَحُضُّون» و«يأكلون»، و«يُحِبُّونَ» بالياء؛ لأنه تقدّم ذكر الإنسان، والمراد به الجنس، فعبر عنه بلفظ الجمع. الباقون بالتاء في الأربعة، على الخطاب والمواجهة؛ كأنه قال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله كما ذكرنا. قال مقاتل: نزلت في قُدامة بن مظعون وكان يتيماً في حجر أُمية بن خَلَف. {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم. وقرأ الكوفيون «ولا تَحَاضُّونَ» بفتح التاء والحاء والألف. أي يَحُضُّ بعضهم بعضاً. وأصله تتحاضُّون، فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام عليها. وهو اختيار أبي عُبيد. ورُوِي عن إبراهيمَ والشَّيْزَرِيّ عن الكسائي والسُّلَمِيّ «تُحَاضُّون» بضم التاء، وهو تُفاعِلون من الحضّ، وهو الحث. {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ} أي ميراث اليتامى. وأصله الوُراث من ورِثت، فأبدلوا الواو تاء؛ كما قالوا في تُجاه وتُخمَة وتُكأَة وتُؤَدة ونحو ذلك. وقد تقدّم. {أَكْلاً لَّمّاً} أي شديداً؛ قاله السُّدّيّ. قيل: «لَمّا»: جمعا؛ من قولهم: لممت الطعام لما إذا أكلته جمعاً؛ قاله الحسن وأبو عُبيدة. وأصل اللَّمّ في كلام العرب: الجمع؛ يقال: لَمَمْت الشيء ألُمُّه لَمًّا: إذا جمعته، ومنه يقال: لمّ الله شعثه، أَي جمع ما تفرّق من أموره. قال النابغة: شعر : ولَسْتَ بِمُسْتَبِقٍ أَخاً لا تَلُمُّه على شَعَثٍ أَيُّ الرجال المُهَذَّبُ تفسير : ومنه قولهم: إن دارك لَمُومَة؛ أي تَلُمّ الناس وتَرُبُّهم وتجمعهم. وقال المِرناق الطائيُّ يمدح علقمة بن سيف: شعر : لأَحبَّنِي حُبّ الصبيّ ولَمَّنِي لَمَّ الهُدِيّ إلى الكرِيم الماجِد تفسير : وقال الليث: اللمّ الجمع الشديد؛ ومنه حجر ملموم، وكتِيبة ملمومة. فالآكل يَلُم الثريد، فيجمعه لُقَماً ثم يأكله. وقال مجاهد. يَسفُّه سَفّاً: وقال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب غيره. قال الحُطيئة: شعر : إذا كانَ لَمًّا يُتْبع الذمَّ ربَّه فلا قدّسَ الرحمنُ تلك الطواحِنا تفسير : يعني أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم ونصيب غيرهم. وقال ابن زيد: هو أنه إذا أكل ماله ألَمّ بمال غيره فأكله، ولا يفكر: أكل من خبيث أو طيب. قال: وكان أهل الشرك لا يورّثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع مِيراثِهم، وتراثهم مع تُراثِهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم وهو عالم بذلك، فَيلُمّ في الأكل بين حرامه وحلاله. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفِر بالمال سَهْلاً مَهْلاً، من غير أن يَعرَق فيه جبينه، فيسرِف في إنفاقه، ويأكله أكلاً واسعاً، جامعاً بين المشتهيات، من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الوُرّاث البطالون. {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي كثيراً، حلاله وحرامه. والجمّ الكثير. يقال: جمّ الشيء يَجُمّ جُموماً، فهو جَمٌّ وجامٌّ. ومنه جمّ الماء في الحوض: إذا اجتمع وكثر. وقال الشاعر: شعر : إن تغفِرِ اللَّهُمَّ تغفِرْ جَمَّا وأَيُّ عبدٍ لك لا أَلمَّا تفسير : والجَمَّة: المكان الذي يجتمع فيه ماؤه. والجَموم: البئر الكثيرة الماء. والجُمومُ (بالضم): المصدر؛ يقال: جمّ الماء يجِم جموماً: إذا كثر في البئر واجتمع، بعد ما استقي ما فيها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَلاَّ } ردع، أي ليس الإِكرام بالغنى، والإِهانة بالفقر، وإنما هو بالطاعة والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } لا يحسنون إليه مع غناهم أو لا يعطونه حقه من الميراث.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ}: ردعٌ للإنسان عن تلك المقالة. قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - المعنى: لم أبتله بالغنى، لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقرِ، لهوانه عليّ، بل ذلك لمحضِ القضاء والقدر، والمشيئة والحكم المنزه عن التعليل، وهذا مذهب أهل السنة، وأما على مذهب المعتزلة: فلمصالح خفيَّة، لا يطلع عليها إلا هو - سبحانه - فقد يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه. قال الفراء في هذا الموضع: يعني: لم يكن للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله - تعالى - على الغنى والفقر. قوله: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ}. قرأ أبو عمرو: "يكرمون"، وما بعده بياء الغيبة، حملاً على معنى الإنسان المتقدم، إذا المراد به الجنس، والجنس في معنى: الجمع. والباقون: بالتاء في الجميع، خطاباً للإنسان المراد به الجنس، على طريقة الالتفات. فصل فيمن نزلت فيه الآية لما حكى قولهم، فكأنه قال: لهم فعل أشر من هذا القول، وهو أن الله - تعالى - يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم من إكرام اليتيم، فقرعهم بذلك، ووبخهم. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله. وقال مقاتلٌ: نزلت في قدامة بن مظعونٍ، وكان يتيماً في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه. قوله: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ}. قرأ الكوفيون: "ولا تحاضون"، والأصل: تتحاضون، فحذف إحدى التاءين، أي: لا يحض بعضكم بعضاً. وروي عن الكسائي: "تُحاضُّون" بضم التاء، وهي قراءة زيد بن علي وعلقمة، أي: تحاضون أنفسكم. والباقون: "تَحُضُّون" من حضَّه على كذا، أي: أغراه به، ومفعوله محذوف، أي: لا تحضون أنفسكم ولا غيرها، ويجوز ألاَّ يقدر، أي: لا يوقعون الحضّ. قوله: "عَلى طعامِ": متعلق بـ "تحضون"، و "طَعَام": يجوز أن يكون على أصله من كونه اسماً للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي: على بذل، أو إعطاء طعام، وأن يكون اسم مصدر بمعنى: الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء، فلا حذف حينئذ. فصل في ترك إكرام اليتيم اعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه: أحدها: ترك بره وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ}. والثاني: دفعه عن حقه، وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً}. قوله: {وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} التاء في "التُّراثَ": بدل من الواو؛ لأنه من الوراثة ومثله: تولج، وتوراة، وتخمة وقد تقدم كما قالوا: تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. والتراث: ميراث اليتامى، وقوله تعالى: {أَكْلاً لَّمّاً}، اللَّمم: الجمع الشديد، يقال: لممت الشيء لماً، أي: جمعته جمعاً. قال الحطيئة: [الطويل] شعر : 5205- إذَا كَانَ لمَّــا يُتْبعُ الــذَّمُّ ربَّــهُ فَلا قدَّسَ الرَّحمنُ تِلْكَ الطَّواحِنَا تفسير : ولمَمْتُ شعثه من ذلك؛ قال النابغة: [الطويل] شعر : 5206- ولسْتُ بِمُسْتبْقٍ أخاً لا تَلمُّــهُ عَلى شَعثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهذب؟ تفسير : والجَمُّ: الكثير، ومنه: جمَّة الماء. قال زهير: [الطويل] شعر : 5207- فَلمَّا وَرَدْنَا الماءَ زُرْقاً جِمامُهُ .................................... تفسير : ومنه: الجُمَّةُ، للشعر، وقولهم: جاءوا الجمَّاء الغفير من ذلك. وكتيبة ملمومة وحجر ملموم، وقولهم: إن دارك لمومة، اي تلم الناس وتجمعهم، والآكل يلم الثريد، فيجمعه لقماً، ثم يأكله. قال الحسنُ: يأكلون نصيبهم، ونصيب غيرهم، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم. وقيل: إنَّ المال الذي يتركه الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة، وبعضه حرام، فالوارث يلم الكل، أي: يجمع البعض إلى البعض، ويأخذ الكل ويأكله. قال الزمخشريُّ: يجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال، سهلاً مهلاً من غير أن يعرق في جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلاً لمًّا جامعاً بين ألوان المشتهيات [من الأطعمة والأشربة والفواكه]. [وقال ابن زيد: كان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم وتراثهم مع تراثهم]. قوله: {وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} أي: كثيراً حلاله وحرامه. والجَمُّ: الكثير، يقال: جمَّ الشيء يجم جُمُوماً، فهو جم وجام، ومنه: جمَّ الماء في الحوض، إذا اجتمع وكثر، والجمة: المكان الذي يجتمع فيه الماء، والجُمُوم - بالضم - المصدر يقال: جم الماء يجم جموماً: إذا كثر في البئر واجتمع، والمعنى: يحبون المال حباً شديداً.

البقاعي

تفسير : ولما كان نسبة هذا إليه توبيخاً وتقريعاً لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي إلى سعادة الدارين، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما، وهذا أكثر ما يوجد، قال ردعاً عن مثل هذا القول بأعظم أدوات الزجر معللاً للتوسعة والإقتار: {كلا} أي إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها، لا التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار، وإنما أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون الله، وربما كان بالتوسعة، وربما كانت بالإقتار، فربما عصى فوسع عليه إهانة له، وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا استدراجاً، وربما عصى فضيق عليه إكراماً له لأن ذلك يكفر عنه، وفي الصحيح في حديث أقرع وأبرص وأعمى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك. ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة، ذكر أن معيار من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها، فقال معرباً عن كلام الإنسان في الشقين وأفرد أولاً لأنه أنص على التعميم وجمع ثانياً إعلاماً بأن المراد الجنس {بل} أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان، فيوسع على بعض من جبل على الشقاء إهانة له بالاستدراج ويضيق على بعض من لم يجبل على ذلك إكراماً له وردعاً عن اتباع الهوى ورداً إلى الإحسان إلى الضعفاء، وترجم هذا العصيان الذي هو سبب الخذلان بقوله: {لا يكرمون} أي أكثر الناس {اليتيم *} بالإعطاء ونحوه شفقة عليه ورحمة له لأنه ضعيف لا يرجى من قبله نفع بثناء ولا غيره. ولما كان الإنسان لا يمنعه من حث غره على الخير إلا حب الدنيا إن كان المحثوث أعظم منه فيدخره لحوائجه وإن كان مثله فإنه يخشى أن يقارضه بذلك فيحثه على مسكين آخر، وكان الإحسان بالحث على الإعطاء أعظم من الإعطاء لأنه يلزم منه الإعطاء بخلاف العكس، قال: {ولا تحضون} أي يحثون حثاً عظيماً لأهلهم ولا لغيرهم {على طعام المسكين *} أي بذله له سخاء وجوداً، فكانت إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني في ماله بقدر الزكاة. ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي، دل عليه بأمر في الإنسان فقال تعالى: {ويأكلون} أي على سبيل التجديد والاستمرار {التراث} أي الميراث، أصله وراث أبدلت الواو تاء، وكأنه عبر عنه به دلالة على أخذ الظاهر الذي تشير إليه الواو، والتفتيش عن الباطن المشار إليه بمخرج التاء تفتيشاً ربما أدى إلى أخذ بعض مال الغير: {أكلاً لمّاً *} أي ذا لمٍّ أي جمع وخلط بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يؤرثون النساء ولا الصبيان ويأكلون ما جمعه المؤرث وإن كانوا يعلمون أنه حرام ويقولون: لا يستحق المال إلا من يقاتل ويحمي الحوزة. ولما كان ذلك قد يفعل عن ضرورة مع الكراهة قال ما هو صريح في المقصود: {وتحبون} أي على سبيل الاستمرار {المال} أي هذا النوع من أي شيء كان، وأكده بالمصدر والوصف فقال: {حباً جماً *} أي كثيراً مع حرص وشره، فصار قصارى أمرهم النظر الدنيوي، ولم يصرفوا أنفسهم عن حبه إلى ما دعا إليه العقل الذي يعقل النفس عن الهوى، والحجر الذي يحجرها عن الحظوظ، والنهية التي تنهاها عن الشهوات إلى الإقبال على الله. ولما كان السياق هادياً إلى أن التقدير: يحسبون أن ذلك يوفر أموالهم ويحسن أحوالهم ويصلح بالهم، زجر عنه بمجامع الزجر فقال: {كلا} أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، ثم استأنف ذكر ما يوجب ندمهم وينبههم من رقدتهم ويعرفهم أن حب المال لا يقتضي نموه، ولو اقتضى نموه ما اقتضى إيجابه للسعادة فقال: {إذ دكت الأرض} أي حصل دكها ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه، وأشار بالبيناء للمفعول إلى سهولة ذلك لأن الأمر عظيم لعظمة الفاعل الحق، ولذلك قال: {دكاً دكاً *} أي مكرراً بالتوزيع على كل موضع ناتٍ فيها، فيكون لكل جبل وأكمة وثنية وعقبة دك يخصه على حدته ليفيد ذلك أنه دك مبالغ فيه فتصير جبالها وأكمامها هباءً منثوراً ثم تستوي حتى لا يكون فيها شيء من عوج، وهو كناية عن زلازل عظيمة لا تحملها الجبال الرواسي فيكف بغيرها. ولما دلت التسسوية على مجيء أمر عظيم، فإن العادة في الدنيا أن الطرق لا تعم بالكنس أو الرش أو التسوية إلا لحضور عظيم كالسلطان، قال متلطفاً بالمخاطب من أواخر سورة البروج إلى هنا بذكر صفة الإحسان على وجه يفتت أكباد أضداده، {وجاء ربك} أي أمر المحسن إليك بإظهار رفعتك العظمى في ذلك اليوم الأعظم لفصل القضاء بين العباد بشفاعتك {والملك} أي هذا النوع حال كون الملائكة مصطفين {صفاً صفاً *} أي موزعاً اصطفافهم على أصنافهم كل، صنف صف على حدة، ويحيط أهل السماء الدنيا بالجن والإنس، وأهل كل سماء كذلك، وهم على الضعف ممن أحاطوا به حتى يحيطوا أهل السماء السابعة بالكل وهم على الضعف من جميع من أحاطوا به من الخلائق، ومعنى مجيئه سبحانه وتعالى بعد أن ننفي عنه أن يشبه مجيء شيء من الخلق لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا صححنا العقد في ذلك في كل ما كان من المتشابه قلنا في هذا إنه مثل أمره سبحانه وتعالى في ظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قدرته وقهره وسلطانه يحال الملك إذا حضر بنفسه فظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بظهور عساكره كلها خالية عنه، فمجيئه عبارة عن حكمه وإظهار عظمته وبطشه وكل ما يظهره الملوك إذا جاؤوا إلى مكان، وهو سبحانه وتعالى شأنه حاضر مع المحكوم بينهم بعلمه وقدرته، لم يوصف بغيبة أصلاً أزلاً ولا أبداً، فحضوره في ذلك الحال وبعده كما كان قبل ذلك من غير فرق أصلاً ولم يتجدد شيء غير تعليق قدرته على حسب إرادته بالفصل بين الخلق، ولو غاب في وقت أو أمكنت غيبته بحيث يحتاج إلى المجيء لكان محتاجاً، ولو كان محتاجاً لكان عاجزاً، ولو عجز أو أمكن عجزه في حال من الأحوال لم يصلح للالهية - تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً، وفي تكرير "صفاً" تنبيه على صرف المجيء عن حقيقته وإرشاد إلى ما ذكرت من التمثيل.

اسماعيل حقي

تفسير : {كلا} ردع للانسان عن مقالته المحكية وتكذيب له فيها فى كلا الحالتين قال ابن عباس رضى الله عنهما المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته على ولم ابتله بالفقر لهوانه على بل ذلك لمحض القضاء والقدر بلا تعليل بالعلل {بل لا تكرمون اليتيم} انتقال من بيان سوء أقواله الى بيان سوء افعاله والتفات الى الخطاب للايذان باقتضاء ملاحظة جنايته السابقة لمشافهته بالتوبيخ تشديدا للتقريع وتأكيدا للتشنيع والجمع باعتبار معنى الانسان اذ المراد والجنس اى بل لكم أحوال اشد شرا مما ذكر وادل على تهالككم على المال حيث يكرمكم الله بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من اكرام اليتيم بالنفقة والكسوة ونحوهما وهو من بنى آدم هو الذى فقد اباه وكان غير بالغ ومن البهائم ما فقد أمه قال عليه الصلاة والسلام "حديث : أحب البيوت الى الله بيت فيه يتيم مكرم شعر : برحمت بكن آبش از ديده باك بشفقت بيفيانش از جهره خاك تفسير : قال فى الاشباه استخدام اليتيم بلا اجرة حرام ولو لأخيه ومعلمه الا لأمه وفيما اذا ارسله المعلم لاحضار شريكه كما فى القنية.

الجنابذي

تفسير : {كَلاَّ} ردع له عن هذا الحسبان وتعليق للتّوسعة والتّقتير على فعل الانسان يعنى ليس التّوسعة والتّقتير على ما تزعمون {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ} اى لا تحاثّون، والحضّ والحثّ لازمان ومتعدّيان {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} التّراث من الارث بمعنى ما يورث، ولمّا كان جميع الدّنيا ممّا اورث من السّابقين او يورث للاّحقين يصدق عليها التّراث، فقيل: كانوا لا يورّثون الايتام والنّساء وكانوا يأكلون انصبائهم، وقيل: المعنى يأكلون الميراث ولا يخرجون حقوقه الواجبة والمندوبة لكنّ الحقّ عدم التّخصيص بل المراد انّهم يأكلون ما يؤكل، ويجمعون ما يجمع، ويدّخرون ما يدّخر، وينكحون ما ينكح، ويركبون ما يركب، ويلبسون ما يلبس، ويدركون ما يدرك، ويتخيّلون ما يتخيّل، اكلاً جامعاً بين صحيحها وفاسدها، حلالها وحرامها، مأمورها ومنهيّها، وجامعاً بين حتى الهيّتها ونفسانيّتها، ولمّا امّا اصله لمّاً بالتّنوين، اجرى الوصل على الوقف، او اصله لمّا بالالف المقصورة امّا وهو مصدر للّم بمعنى جمع، وحينئذٍ تكون مفعولاً مطلقاً لفعلٍ محذوفٍ، او صفة لاكلاً، او هو بمعنى جميعاً وتأكيدٌ للتّراث.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ردع عن القولتين فى جميع الأَوجه إلاَّ الوجه الأَخير فردع عن القولة الأَخيرة والصحيح انسحاب الرجع عليهما مبنياً على انسحاب الإنكار عليهما، وعن ابن عباس لم أبتله بالغنى لكرامته ولم أبتله بالفقر لهوانه على بل للقضاءِ والقدر وهو أحد الأَوجه السابقة إلاَّ أنه قال للقضاءِ والقدر {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الخ إضراب انتقال عن ذمهم بالقولتين على ما مر إذ ذمهم بما هو أشد منهما وهو إمساكهم المال عن اليتيم ولو وسع عليهم الله عز وجل وعدم رغبتهم فى إطعام المسكين حتى إنهم لا يطعمونه ولا يأمرون بإطعامه واختصاصهم بالميراث عمن هو له أو منع الشريك معهم عن نصيبه فيه والحرص على جميع المال والخطاب بعد الغيبة لمزيد التوبيخ كما إذا كنت تذم أحد بلا خطاب وهو يسمع ثم يشتد غضبك فتخاطبه وذلك حكمة صورة الالتفات فإن المراد بواوات الجمع هو المراد بالإنسان لأَن المراد به الجنس، وأجيز أن يقدر قل بل الخ فلا التفات وقد لا يسلم أن انتفاءِ الإكرام وما بعده أشد من القولتين بل هما سواء أو دون القولتين إلا إن اعتبر أن انتفاء ما ذكر لجحود البعث فيكون أشد من القولتين وأحاديث إكرام اليتيم وما بعده مشهورة فى كتب الرقائق وكتب الفقه والحديث كوفاءِ الضمانة وجامع الشمل منهما قوله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أحب البيوت إلى الله تعالى بيت فيه يتيم مكرم ".

الالوسي

تفسير : {كَلاَّ } ردع للإنسان عن قوليه المحكيين وتكذيب له فيهما لا عن الأخير فقط كما في الوجه الأخير وقد نص الحسن على ما قلنا وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المعنى لم أبتله بالغنى لكرامته عليَّ / ولم أبتله بالفقر لهوانه عليَّ بل ذلك لمحض القضاء والقدر. وقوله سبحانه: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ } الخ انتقال وترق من ذمه بالقبيح من القول إلى الأقبح من الفعل والالتفات إلى الخطاب لتشديد التقريع وتأكيد التشنيع وقيل هو بتقدير قل فلا التفات نعم فيه من الإشارة إلى تنقيصهم ما فيه. والجمع باعتبار معنى الإنسان إذ المراد هو الجنس أي بل لكم أفعال وأحوال أشد شراً مما ذكر وأدل على تهالككم على المال حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم بالمبرة به والإحسان إليه وفي الحديث ((حديث : أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم))تفسير : . وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والجحدري وأبو عمرو (لا يكرمون) بياء الغيبة.

القطان

تفسير : لا تحاضّون: لا يأمر بعضكم بعضاً بالمعروف. التراث: الميراث. أكلاً لمّا: شديداً. جَمّا: كثيراً. دُكت الارض دَكًّا دَكًّا: مهّدها وسوى العالي والنازل سواء. صَفّاً صف: صفا بعد صف بحسب رتبهم. وجيء يومئذ بجهنّم: كُشفت للناظرين بعد ان كانت غائبة عنهم. وأنّى له الذكرى. لا فائدة له من التذكر فقد فات الأوان. الوثاق: الرباط الشديد. المطمئنة: المؤمنة الطاهرة المستقرة. فادخلي في عبادي: في زمرة عبادي المكرمين. بعد ان بيَّن الله خطأَ الإنسان فيما يعتقد إذا بسط له الرزقَ أو ضيَّق عليه - أردف ذلك بأن زَجَر الناس عما يرتكبون من المنكرات، وأنهم لو اتّبعوا ما يقولُ الرسُلُ الكرام وكانوا متعاطفين مع الفقيرِ واليتيمِ والمسكين - لما كانوا من أهلِ النار فقال: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} ارتدِعوا أيها الغافلون، فليس الأمر كما تظنّون وتقولون. بل أنتم لا تُكرمون اليتيم، ولا يحثُّ بعضُكم بعضاً على إطعام المسكين. إنّكم بعيدون عن عملِ الخير، ومن جَشَعِكم تأكلون المالَ الموروث أكلاً شديدا، لا تميّزون فيه بين الحلال والحرام. كَما تحبُّون المالَ حُبا كثيرا يدفعكم الى الحِرص على جَمْعِه والبُخل بإنفاقه. {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً....} ارتدِعوا عن تلك الأفعال، فأمامَكم أهوالٌ عظيمة يوم القيامة حين تُزلزَل الأرضُ ولا يبقى على وجهها بناء قائم، وتحطَّم معالمها. (وهو أحد الانقلابات الكونية التي تقع يوم القيامة) ويأتي المَلِك العلاّم جلّ جلاله، والملائكةُ يَصْطَفّون صَفّا وراء صف. ثم يؤتى بجهنم دارِ العذاب. في ذلك اليوم يتذكر الإنسانُ ما فَرَّط فيه، لكنْ من أين له الذِكرى النافعة وقد فات الأوان! {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} يقول نادماً: يا لَيتني قدَّمت في الدنيا أعمالاً صالحةً تنفعُني لحياتي في الآخرة، ولكن أنّى له ذلك! {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} في ذلك اليوم العصيب يَحِلُّ بالجاحِدين العذابُ الأكبر، ولا يمكن ان يعذبَ أحدٌ كعذابِ الله ولا يقيِّدُ أحدٌ بالسلاسل والأغلال مثلَ تقييد الله تعالى للكافرين. وفي وسطِ هذا الهولِ المروّع، وهذا العذابِ والوثاق الذي يتجاوز كلَّ تصوُّرٍ - يأتي النداءُ من الملأ الأعلى للنفس المؤمنة: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} يا أيتها النفس المؤمنةُ المخلِصة الطاهرة، لا يلحقُك اليومَ خوفٌ ولا فزع. ارجِعي الى رضوان ربك راضيةً بما أُوتيتِ من النعم، مرضيّة بما قدَّمتِ من عمل، فادخُلي في زُمرة عبادي وادخلي جنَّتي، دارَ الخُلد وموطن الأبرار الصالحين. قراءات: قرأ أهل البصرة: لا يكرمون. ولا يحضون. ويأكلون التراث. ويحبون - كلَّها بالياء. وقرأ الباقون بالتاء، ولا تحاضّون بألف وحاء كما هو في المصحف. وقرأ الكسائي: لا يعذِّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء، وقرأ الباقون بالكسر.

د. أسعد حومد

تفسير : (17) - وَيَرُّدُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ زَاجِراً وَرَادِعاً (كَلاَّ) قَائِلاً: إِنَّهُ لَمْ يَبْتَلِ الغَنِيَّ بِالغِنَى لِكَرَامَتِهِ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَبْتَلِ الفَقِيرَ بِالفَقْرِ لِهَوَانِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُوسِعُ عَلَى الغَنِيِّ لِيَخْتَبِرَهُ أَيَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ؟ وَقَدْ يُضَيِّقُ عَلَى الفَقِيرِ لِيَخْتَبِرَهُ أَيَصْبِرُ أَمْ يَضْجَرُ، فَمَدَارُ الأَمْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى، لِهَؤُلاَءِ إِنَّ لَهُمْ أَعْمَالاً شَرٌّ مِنْ أَقْوَالِهِمْ تَدُلُّ عَلَى تَهَالُكِهِمْ عَلَى المَالِ، فَقَدْ يُكَرِمُهُمْ رَبُّهُمْ بِالمَالِ الكَثِيرِ فَلاَ يُؤَدُّونَ مَا يَجِبُ عَلَيِهِمْ مِنْ إِكْرَامِ اليَتِيمِ وَالبِرِّ بِهِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً له من هذا الاعتقاد بأن الكرامة باليسر والتوسعة والإهانة بالفقد والفقر {بَل} الكرامة بالإنفاق والإطعام على فقراء الله؛ طلباً لمرضاة الله، وأنتم أيها الأغنياء {لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ} [الفجر: 17] ولا تتفقدونه بالنفقة والكسوة. {وَلاَ تَحَآضُّونَ} أي: لا تأمرون غيركم {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} [الفجر: 18] وإطعامه. {وَ} أنتم أيها الأغنياء {تَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ} أي: ميراث الأيتام {أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: 19] أي: أكلاً على سبيل الجمع بين سهامكم وسهامهم، بأن تأخذوا وتحرزوا أموالهم؛ لترقبوها لهم وتزويدها لأجلهم، فتأكلوا منها ومن غالهِّا دائماً. {وَ} ما ذلك إلاَّ أنكم {تُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} [الفجر: 20] كثيراً مع حرص شديد وأمل كامل، ولا تطعمون الفقراء والمساكين؛ خوفاً من نفاذه. ثمَّ قال سبحانه: {كَلاَّ} ردعاً لهم عمَّا هم عليه من حب المَّال والخلط عليهم بين الحرام والحلال؛ يعني: كيف تؤدون أيها البخلاء الممسكومن حسابها وقت {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ} أي: كسرت واستوت، فاصرت {دَكّاً دَكّاً} [الفجر: 21] وهباءً منبثاً. {وَجَآءَ رَبُّكَ} وظهرت طلائع هيبته وآثار قهره وجلاله {وَ} جاء {ٱلْمَلَكُ} أي: الملائكة الموكلون من عنده سبحانه؛ لتنقيد أعمال العباد والحساب والسؤال {صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22] أي: صفاً بعد صف، حسب ما يؤمرون من قِبل الحق. {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} أي: أُحضرت تهويلاً على أصحابها وتفضيعاً {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة التي ظهرت فيها هذه الآثار {يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ} معاصيه وقول من يزجره عنها وينذره، فيندم عليها ويتأسف {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} [الفجر: 23] أي: من أين ينفعه التذكر والذكرى حينئذٍ؛ إذ نشأة الاختبار والتلاقي قد انقضت؟!