Verse. 6014 (AR)

٨٩ - ٱلْفَجْر

89 - Al-Fajr (AR)

كَلَّاۗ اِذَا دُكَّتِ الْاَرْضُ دَكًّا دَكًّا۝۲۱ۙ
Kalla itha dukkati alardu dakkan dakkan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلا» ردع لهم عن ذلك «إذا دكت الأرض دكا دكا» زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا في الحرص على الدنيا وقصر الهمة والجهاد على تحصيلها والاتكال عليها وترك المواساة منها وجمعها من حيث تتهيأ من حل أو حرام، وتوهم أن لا حساب ولا جزاء. فإن من كان هذا حاله يندم حين لا تنفعه الندامة ويتمنى أن لو كان أفنى عمره في التقرب بالأعمال الصالحة والمواساة من المال إلى الله تعالى، ثم بين أنه إذا جاء يوم موصوف بصفات ثلاثة فإنه يحصل ذلك التمني وتلك الندامة. الصفة الأولى: من صفات ذلك اليوم قوله: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } قال الخليل: الدك كسر الحائط والجبل والدكداك رمل متلبد، ورجل مدك شديد الوطء على الأرض، وقال المبرد: الدك حط المرتفع بالبسط واندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء إذا كانت كذلك ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش، فمعنى الدك على قول الخليل: كسر كل شيء على وجه الأرض من جبل أو شجر حين زلزلت فلم يبق على ظهرها شيء، وعلى قول المبرد: معناه أنها استوت في الانفراش فذهبت دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحرة الملساء، وهذا معنى قول ابن عباس: تمد الأرض يوم القيامة. واعلم أن التكرار في قوله: {دَكّاً دَكّاً } معناه دكاً بعد دك كقولك حسبته باباً باباً وعلمته حرفاً حرفاً أي كرر عليها الدك حتى صارت هباءً منثوراً. واعلم أن هذا التدكدك لا بد وأن يكون متأخراً عن الزلزلة، فإذا زلزلت الأرض زلزلة بعد زلزلة وحركت تحريكاً بعد تحريك انكسرت الجبال التي عليها وانهدمت التلال وامتلأت الأغوار وصارت ملساء، وذلك عند انقضاض الدنيا وقد قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ }تفسير : [النازعات: 7,6] وقال: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وٰحِدَةً } تفسير : [الحاقة: 14] وقال: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً، وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً } تفسير : [الواقعة: 4، 5]. الصفة الثانية: من صفات ذلك اليوم قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }. واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله تعالى محال، لأن كل ما كان كذلك كان جسماً والجسم يستحيل أن يكون أزلياً فلا بد فيه من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ثم ذلك المضاف ما هو؟ فيه وجوه أحدها: وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة وثانيها: وجاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم وثالثها: وجاء جلائل آيات ربك لأن هذا يكون يوم القيامة، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات، فجعل مجيئها مجيئاً له تفخيماً لشأن تلك الآيات ورابعها: وجاء ظهور ربك، وذلك لأن معرفة الله تصير في ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخلق، فقيل: {وَجَاء رَبُّكَ } أي زالت الشبهة وارتفعت الشكوك خامسها: أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها: أن الرب هو المربى، ولعل ملكاً هو أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فكان هو المراد من قوله: {وَجَاء رَبُّكَ }. أما قوله: {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس. الصفة الثالثة: من صفات ذلك اليوم قوله تعالى: {وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } ونظيره قوله تعالى: {أية : وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } تفسير : [الشعراء: 91] قال جماعة من المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، قال الأصوليون: ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها، فالمراد {وَبُرّزَتِ } أي ظهرت حتى رآها الخلق، وعلم الكافر أن مصيره إليها، ثم قال: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ } واعلم أن تقدير الكلام: إذا دكت الأرض، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان، وفي تذكره وجوه الأول: أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا، ثم إنه في الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالاً، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني: يتذكر أي يتعظ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظاً فيقول: {أية : يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا } تفسير : [الأنعام: 27]، الثالث: يتذكر يتوب وهو مروي عن الحسن، ثم قال تعالى: {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } وقد جاءهم رسول مبين واعلم أن بين قوله: {يَتَذَكَّرُ } وبين قوله: {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } تناقضاً فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى. ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على الله عقلاً، وقالت المعتزلة: هو واجب فنقول: الدليل على قولنا أن الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله: {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلاً قبولها، فإن قيل القوم: إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة؟ قلنا: القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعاً وجب أن يكون ندمهم واقعاً على هذا الوجه، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا. ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَلاَّ} أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو ردّ لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تُدَكّ الأرض، ولا ينفع الندم. والدّك: الكسر والدقّ؛ وقد تقدّم. أي زلزلت الأرض، وحُرِّكت تحريكاً بعد تحريك. وقال الزجاج: أي زلزلت فَدَك بعضها بعضاً. وقال المبرد: أي ألصِقت وذهب ارتفاعها. يقال: ناقة دَكَّاء، أي لا سنام لها، والجمع دُكٌّ. وقد مضى في سورة «الأعراف» و«الحاقة» القول في هذا. ويقولون: دُكّ الشيء أي هُدِم. قال: شعر : هل غير غارٍ دَكَّ غاراً فانهدمْ تفسير : {دَكّاً دَكّاً} أي مرة بعد مرة؛ زلزلت فكسَّر بعضها بعضاً؛ فتكسر كل شيء على ظهرها. وقيل: دُكّت جبالها وأنشازها حتى استوت. وقيل: دُكت أي استوت في الانفراش؛ فذهب دُورها وقُصورها وجبالها وسائر أبنيتها. ومنه سمي الدّكان، لاستوائه في الانفراش. والدك: حطُّ المرتفع من الأرض بالبسط؛ وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس: تمدّ الأرض مدّ الأديم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: {كَلاَّ} أي: حقاً {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} أي: وطئت ومهدت، وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم {وَجَآءَ رَبُّكَ} يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «حديث : أنا لها، أنا لها» تفسير : فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك. وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً. وقوله تعالى: {وَجِىۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن العلاء بن خالد الكاهلي عن شقيق عن عبد الله، هو ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن عمر بن حفص به. ورواه أيضاً عن عبد بن حميد عن أبي عامر عن سفيان الثوري عن العلاء بن خالد عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قوله، ولم يرفعه، وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة عن مروان بن معاوية الفزاري عن العلاء بن خالد عن شقيق عن عبد الله قوله. وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ} أي: عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}؟ أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ { يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى} يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً؛ كما قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، يعني: ابن المبارك، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن محمد بن أبي عميرة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لو أن عبداً خرَّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولودَّ أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. قال الله تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} أي: ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه، { وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} أي: وليس أحد أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بربهم عز وجل، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة، وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبِّكِ} أي: إلى جواره وثوابه، وما أعد لعباده في جنته {رَاضِيَةً} أي: في نفسها {مَّرْضِيَّةً} أي: قد رضيت عن الله، ورضي عنها وأرضاها، { فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى} أي: في جملتهم، { وَٱدْخُلِى جَنَّتِى} وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضاً؛ كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره، وعند قيامه من قبره، فكذلك ههنا. ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان، وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. وقال العوفي عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبِّك} يعني: صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} وروي عنه أنه كان يقرؤها {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير، وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنعام: 62] {أية : وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [غافر: 43] أي: إلى حكمه، والوقوف بين يديه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } قال: نزلت، وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا فقال: «حديث : أما إنه سيقال لك هذا» تفسير : ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان عن أشعث عن سعيد بن جبير قال: قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم { يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } فقال أبو بكر ر ضي الله عنه: إن هذا لحسن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت» تفسير : وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به، وهذا مرسل حسن. ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يدرى من تلاها: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس به، فذكره. وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب "العجائب" بسنده عن قُباث بن رزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم، فجمعنا الملك، وعرض علينا دينه؛ على أن من امتنع، ضربت عنقه، فارتد ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع، فضربت عنقه، وألقي رأسه في نهر هناك، فرسب في الماء، ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان يناديهم بأسمائهم، قال الله تعالى في كتابه: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } ثم غاص في الماء، قال: فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام، قال: وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور، فخلصنا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي: عن أبيها، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، حدثني أبو أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «حديث : قل: اللهم إني أسألك نفساً بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك» تفسير : ثم روي عن أبي سليمان بن وبر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمه، آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً } زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم.

الماوردي

تفسير : {يومئذٍ يَتذكّرُ الإنسانُ وأنَّى له الذِّكْرَى} فيه تأويلان: أحدهما: يتوب وكيف له بالتوبة، لأن التوبة بالقيامة لا تنفع، قاله الضحاك. الثاني: يتذكر ما عمل في دنياه وما قدم لآخرته، وأنى له الذكرى في الآخرة، وإنما ينتفع في الدنيا، قاله ابن شجرة. {يقولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي} فيه وجهان: أحدهما: قدمت من دنياي لحياتي في الآخرة، قاله الضحاك. الثاني: قدمت من حياتي لمعادي في الآخرة ذكره ابن عباس. {فيومئذٍ لا يُعَذِّب عذابَه أَحَدٌ * ولا يُوثِقُ وثاقهَ أَحَدٌ} قرأ الكسائي لا يعذَّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء وتأويلها على قراءته لا يعذَّب عذاب الكافر الذي يقول " يا ليتني قدمت لحياتي" أحدٌ، وقرأ الباقون بكسر الذال والثاء وتأويلها أنه لا يعَذِّب عذابَ الله أحدٌ غَفَر الله له، قاله ابن عباس والحسن، فيكون تأويله على القراءة الأولى محمولاً على الآخرة، وعلى القراءة الثانية محمولاً على الدنيا. {يا أيّتُها النّفْسُ المطْمئِنّةُ} فيه سبعة تأويلات: أحدها: يعني المؤمنة، قاله ابن عباس. الثاني: المجيبة، قاله مجاهد. الثالث: المؤمنة بما وعد الله، قاله قتادة. الرابع: الآمنة، وهو في حرف أُبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. الخامس: الراضية، قاله مقاتل. السادس: ما قاله بعض أصحاب الخواطر: المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي إلى ربك في تركها. السابع: ما قاله الحسن أن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن اطمأنت النفس إلى الله عز وجل، واطمأن الله إليها. {ارْجِعي إلى ربِّكِ} فيه وجهان: أحدهما: إلى جسدك عند البعث في القيامة، قاله ابن عباس. الثاني: إلى ربك عند الموت في الدنيا، قاله أبو صالح. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: إلى ثواب ربك في الآخرة. {راضيةً مَرْضِيّةً} فيه وجهان: أحدهما: رضيت عن الله ورضي عنها، قاله الحسن. الثاني: رضيت بثواب الله ورضي بعملها، قاله ابن عباس. {فادْخُلي في عِبادي} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: في عبدي، وهو في حرف أُبيّ بن كعب: فادخلي في عبدي. الثاني: في طاعتي، قاله الضحاك. الثالث: معناه فادخلي مع عبادي، قاله السدي. {وادْخُلي جَنَتي} فيه قولان: أحدهما: في رحمتي، قاله الضحاك. الثاني: الجنة التي هي دار الخلود ومسكن الأبرار، وهو قول الجمهور. وقال أسامة بن زيد: بشرت النفس المطمئنة بالجنة عند الموت، وعند البعث وفي الجنة. واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في أبي بكر، فروى ابن عباس أنها نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أَحسن هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما أنه سيقال لك هذا ". تفسير : الثاني: أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة، قاله الضحاك. الثالث: أنها نزلت في حمزة، قاله بريدة الأسلمي. الرابع: أنها عامة في كل المؤمنين، رواه عكرمة والفراء.

ابن عادل

تفسير : قوله: {كَلاَّ}: ردعٌ لهم عن ذلك، وإنكار لفعلهم، أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فهو ردع لانكبابهم على الدنيا وجمعهم لها. قوله: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}. في "دكّاً" وجهان: أحدهما: أنه مصدر مؤكد، و "دَكًّا" الثاني: تأكيد للأول، تأكيداً لفظياً. كذا قاله ابن عصفورٍ وليس المعنى على ذلك. والثاني: أنه نُصِبَ على الحال، والمعنى: مكرراً عليها الدَّكُّ، كـ "علمته الحساب باباً باباً"، وهذا ظاهر قول الزمخشري. وكذلك: "صفًّا صفًّا" حال أيضاً، أي: مصطفين، أو ذوي صفوف كثيرة. قال الخليل: الدَّكُّ: كسر الحائط والجبل والدكداك: رمل متلبّد. ورجل مدك: أي شديد الوطء على الأرض. [فمعنى الدك على قول الخليل: كسر شيء على وجه الأرض من جبل أو حجر حين زلزلت فلم يبق على شيء]. وقال المبرد: الدَّكُّ: حطُّ المرتفع من الأرض بالبسط، واندك سنام البعير: إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء كذلك، ومنه الدكان لاستوائه في الانفراش، فمعنى الدك على قول الخليل: كسر الشيء على وجه الأرض من جبل أو حجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، وعلى قول المبرد، معناه: أنها استوت في الانفراش، فذهب دورها، وقصورها، حتى صارت كالصخرة الملساء، وهذا معنى قول ابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا التَّدكُّكُ لا بد وأن يكون متأخراً عن الزلزلة [فإذا زلزلت الأرض زلزلة] بعد زلزلة، فتكسر الجبال، وتنهدم، وتمتلئ الأغوار، وتصير ملساء، وذلك عند انقضاء الدنيا. قوله: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}. أي: جاء أمره وقضاؤه. قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف. وقيل: جاءهم الربُّ بالآيات، كقوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} تفسير : [البقرة: 210] أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له، تفخيماً لشأن تلك الآيات، كقوله تعالى في الحديث: "حديث : يَا ابْنَ آدم مَرضتُ فلمْ تعُدِنِي، واسْتسْقَيتُكَ فَلمْ تَسقِنِي واسْتطعَمْتُكَ فَلمْ تُطْعمْنِي ". تفسير : وقيل: زالت الشبه، وارتفعت الشكوك، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشكوك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه [وقيل وجاء قهر ربك، كما تقول جاءتنا بنو أمية، أي: قهرهم. قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستوت، والله - سبحانه وتعالى - لم يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال، ولا مكان ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان؛ لأن في جريان الوقت على الشيء فوات الأوقات، ومن فاته الشيء، فهو عاجز. وأما قوله تعالى: {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} أي: والملائكة صفاً بعد صفٍّ متحلِّقين بالجن والإنس]. قوله: {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}. "يومئذ": منصوب بـ "جيء"، والقائم مقام الفاعل: "بجهنم" وحوز مكيٍّ: أن يكون "يومئذ": قائم مقام الفاعل. وأمَّا "يومئذ" الثاني فقيل: بدل من "إذا دُكَّتِ"، والعامل فيها: "يتذكر"، قاله الزمخشري وهذا مذهب سيبويه. وقيل: إن العامل في "إذا دكت": يقول، والعامل في "يومئذ": يتذكر، قاله أبو البقاء. فصل قال ابنُ مسعودٍ ومقاتلٌ: "حديث : تقادُ جهنَّمُ بِسبْعِينَ ألف زمام، كُل زِمَامٍ بيدِ سبْعينَ ألْف ملكٍ يجرونها، لهَا تَغَيُّظٌ وزفيرٌ، حتَّى تنصبَّ عن يسارِ العرْشِ ". تفسير : رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. وقال أبُو سعيدٍ الخدريُّ: حديث : لما نزلت: {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} تغير لون رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: أقْرأنِي جِبْريلُ: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}، - الآية - {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}، قال علي - رضي الله عنه -: قلت: يا رسول الله، كيف يجاءُ بها؟ قال: "يُؤْتَى بِهَا تُقَادُ بِسبعِينَ ألْف زمامٍ، يَقُودُ بكُلِّ زمَامٍ سَبعُونَ ألْف ملكٍ، فتشْردُ شَرْدَةً لو تُرِكَتْ لأحْرقَتْ أهْلَ الجَمْعِ، ثُمَّ تعْرضُ لِي جهنَّمُ، فتقول: مَا لِي ولَكَ يا مُحَمَّدُ، إنَّ الله قَدْ حَرَّمَ لحْمَكَ عليَّ، فلا يَبْقَى أحَدٌ إلاَّ قال: نَفْسِي نَفْسِي، إلاَّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم فإنَّه يقُولُ: ربِّ أمَّتِي، ربِّ أمَّتِي ". تفسير : قال ابن الخطيب: قال الأصوليون: معلوم أنَّ جهنَّم لا تنقل من مكانها، ومعنى مجيئها: برزت وظهرت حتى يراها الخلق، ويعلم الكافر أنَّ مصيره إليها. قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ}. تقدم الكلام في إعراب: "يومئذ"، والمعنى: يتَّعظُ الكافرُ، ويتوب من همته بالدُّنيا وقيل: يتذكر أن ذلك كان ضلالاً. {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: ومن أين له الاتِّعاظٌُ والتوبة، وقد فرط فيها الدنيا. وقيل: ومن أين له منفعة الذِّكرى، فلا بُدُّ من تقدير حذفِ المضاف، وإلاَّ فبين "يومئذٍ يَتذكَّر" وبين: "وأنَّى لهُ الذِّكْرى" تناف. قاله الزمخشري. قوله: "وأنَّى" خبر مقدم، و "الذكرى": مبتدأ مؤخر، و "له" متعلق بما تعلق به الظرف. قوله: {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}، أي: في حياتي، فاللام بمعنى "في". وقيل: أي: قدمت عملاً صالحاً أي لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون ممن له حياة هنيئة. فصل في شبهة للمعتزلة والرد عليها استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في أيديهم وقصدهم، وأنَّهم ما كانوا محجوزين عن الطَّاعات، مجبرين على المعاصي. والجواب: أن فعلهم كان معلقاً بقصد الله - تعالى - فبطل قولهم. قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ}. قرأ الكسائي: "لا يعذَّب ولا يُوثَقُ" مبنيين للمفعول، ورواه أبو قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفتح الثاء والذال، والباقون: قرأوهما مبنيين للفاعل. فأمَّا قراءة الكسائي: فأسند الفعل فيها إلى: "أحد"، وحذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى، والزبانية المتولون العذاب بأمر الله تعالى، وأما عذابه ووثاقه، فيجوز أن يكون المصدران مضافين للفاعل، والضمير لله تعالى، أو مضافين للمفعول، والضمير للإنسان، ويكون "عذابَ" واقعاً موقع تعذيب، والمعنى: لا يُعذِّبُ أحدٌ مثل تعذيب الله - تعالى - هذا الكافر، ولا يوثق أحد توثيقاً مثل إيثاق الله إياه بالسلاسل والأغلال, ولا يعذب أحد مثل تعذيب الكافر, ولا يوثق مثل إيثاقه لكفره، وعناده. والوثاق: بمعنى: الإيثاق، كالعطاء بمعنى الإعطاء، إلا أن في إعمال اسم المصدر عمل مسمَّاه خلافاً مضطرباً، فنقل عن البصريين المنع، وعن الكوفيين الجواز، ونقل العكس عن الفريقين؛ ومن الإعمال قوله: [الوافر] شعر : 5208- أكُفْـراً بعْـدَ ردِّ المَــوْتِ عنِّـي وبَعْـدَ عَطائِـكَ المِائـةَ الرِّتَاعَـا تفسير : ومن منع: نصب المائة بفعل مضمرٍ؛ وأصرح من هذا القول الشاعر: [الطويل] شعر : 5209-............................... تُكَلِّمُنِـي فِيهَـا شفـاءٌ لمَـا بِيَـا تفسير : وقيل: المعنى: ولا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. قاله الزمخشري. وأما قراءة الباقين: فإنَّه أسند الفعل لفاعله، والضمير في: "عذابه"، و "وثاقه" يحتمل عوده على الباري - تعالى -، بمعنى: أنه لا يعذب في الدنيا، مثل عذاب الله تعالى يوم أحد، أي: أن عذاب من يعذب في الدنيا، ليس كعذاب الله - تعالى - يوم القيامة، كذا قاله أبو عبد الله. وفيه نظر، من حيث إنه يلزم أن يكون: "يومئذ" معمولاً للمصدر التشبيهي، وهو ممتنع لتقدمه عليه، إلاَّ أن يقال: إنه توسع فيه. وقيل: المعنى: لا يكل عذابه، ولا وثاقه لأحد؛ لأن الأمر لله - تعالى - وحده في ذلك. وقيل: المعنى: أنه في الشدة، والفظاعة، في حين لم يعذب أحد في الدنيا مثله. ورد هذا، بأن "لا"، إذا دخلت على المضارع صيرته مستقبلاً، وإذا كان مستقبلاً لم يطابق هذا المعنى، ولا يطلق على الماضي إلاَّ بمجازٍ بعيد، وبأن يومئذ المراد به يوم القيامة، لا دار الدُّنيا. وقيل: المعنى: أنه لا يعذب أحد في الدنيا، مثل عذاب الله الكافر فيها، إلا أن هذا مردود بما ورد قبله. ويحتمل عوده على الإنسان، بمعنى: لا يعذب أحد من زبانية العذاب، مثل ما يعذبون هذا الكافر، ويكون المعنى: لا يحمل أحد عذاب الإنسان، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]، وهذه الأوجه صعبة المرام على طالبها من غير هذا الكتاب. وقرأ نافع في رواية، وأبو جعفر وشيبة، بخلاف عنهما: "وثاقه" بكسر الواو. والمراد بهذا الكافر المعذب، قيل: إبليس - لعنه الله -؛ لأنه أشد الناس عذاباً. وقال الفراء: هو أمية بن خلف.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}. أي: قامت القيامة. {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}. {وَجَآءَ رَبُّكَ} أي الملائكه بأمره. ويقال: يفعل فعلاً فيُسميه مجيئاً. {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}. يقال: تُقَاد جهنم بسبعين ألف زمام. وفي ذلك اليوم يتذكر الإنسانُ... ولا يَنْفَعه التذكَّر، ولا يُقْبَلُ منه العُذْرُ. {يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}. أي: أطَعْتُ ربِّي ونظرت لنفسي. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ}. أي: لا يعذِّب في الدنيا أحدٌ مثلما يعذِّبه الله في ذلك اليوم.. إذا قرئت الذال بالكسر. أما إذا قرئت بالفتح {لا يعذب} فالمعنى: لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثلما يُعَذَّبُ هذا الكافر. قوله جل ذكره: {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ}. الروحُ المطمئنةُ إلى النفس. ويقال: المطمئنةُ بالمعرفة: ويقال: المطمئنة بذكر الله. ويقال: بالبشارة بالجنة. ويقال: النفس المطمئنة: الروح الساكنة. {ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}. راضيةً عن الله، مَرْضيةً من قِبَلِ الله. {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}. أي: في عبادي الصالحين.

اسماعيل حقي

تفسير : {كلا} ردع لهم عما ذكر من الافعال والتروك وانكار أى لا ينبغى ان يكون الامر كذلك فى الحرص على الدنيا وقصر الهمة على تحصيلها وجمعها من حيث تهيأ من حل او حرام وترك المواساة منها وتوهم ان لا حساب ولا جزآء فان عاقبة ذلك الحسرة والندامة على ايثار الحياة الدنيوية الفانية على الحياة الاخروية الباقية {اذا دكت الارض دكا دكا} استئناف بطريق الوعيد تعليل للردع والدك الدق يقال دككت الشئ ادكه دكا اذا ضربته وكسرته حتى سويته بالارض وبالفارسية كوفتن جيزى تابزمين برابر كردد. وقال الخليل الدك كسر الحائط والجبل ودكته الحمى دكا اى كسرته كسرا وقال المبرد الدك حط المرتفع بالبسط ودكا الثانى ليس تأكيد للاول بل هو دك آخر سوى الاول والمعنى اذا دكت الارض دكا متتابعا وضرب بعضها ببعض حتى انكسر وذهب كل ما على وجهها من جبال وابنية وقصور حين زلزلت زلزلة بعد زلزلة وحركت تحريكا بعد تحريك وصارت هباء منبثا وهو عبارة عما عرض لها عند النفخة الثانية وبالفارسية جون شكسته شود زيمن شكستنى بعد از شكستنى يعنى بازه باره كردد.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {كلا إِذا دُكَّتِ الأرْضُ} أي: زُلزلت {دَكاً دَكاً} أي: دكاً بعد دكّ، أي: كرّر عليها الدكّ حتى صارت هباءً منبثاً، أو قاعاً صفصفاً، {وجاء ربُّك} أي: تجلّى لفصل قضائه بين عباده، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه، {والمَلكُ صفاً صفاً} أي: نزل ملائكة كل سماء فيصفون صفاً بعد صف محدقين بالإنس والجن، {وجيء يومئذٍ بجهنمَ}، قيل: بُرِّزت لأهلها، كقوله: {أية : وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) } تفسير : [الشعراء:91] وقيل: يجاء بها حقيقة، وفي الحديث: "حديث : يؤتى بجهنم يومئذٍ، لها سبعونَ ألفَ زمامٍ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجرُّونها، حتى تنصب عن يسار العرش, لها لغيط وزفير"تفسير : رواه مسلم. {يومئذ يتذكّرُ الإِنسانُ} أي: يتّعظ، وهو بدل من (إذا دُكت) والعامل فيه: (يتذكّر) أي: إذا دُكت الأرض ووقع الفصل بين العباد يتذكر الإنسان ما فرّط فيه بمشاهدة جزائه، {وأنَّى له الذِّكْرَى} أي: ومن أين له الذكرى؟ لفوات وقتها في الدنيا، {يقول يا ليتني قدمتُ لحياتي} هذه، وهي حياة الآخرة، أي: يا ليتني قدّمتُ الأعمالَ الصالحة في الدنيا الفانية لحياتي الباقية. {فيومئذٍ لا يُعَذِّبُ عذابَه أحدٌ} أي: لا يتولّى عذاب الله أحد؛ لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، {ولا يُوثِقُ وثاقه أحدٌ}، قال صاحب الكشف: لايُعدَّب بالسلاسل والأغلال أحدٌ كعذاب الله، ولا يوثِق أحدٌ أحداً كوثاق الله. وقرأ الأخوان بفتح الذال والثاء، بالبناء للمفعول، قيل: وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع إليها أبو عمرو في آخر عمره، والضمير يرجع إلى الإنسان الموصوف، وهو الكافر. وقيل: هو أُبيّ بن خلف، أي: لا يُعذِّب أحدٌ مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل مثل وثاقه؛ لتناهيه في كفره وعناده. ثم يقول الله تعالى للمؤمن: {يا أيتها النفسُ} يخاطبه تعالى إكراماً له بلا واسطة, أو على لسان ملك، {المطمئنةِ} بوجود الله، أو بذكره، أو بشهوده، الواصلة إلى بَلَج اليقين، بحيث لا يخالطها شك ولا وهم، وقيل: المطمئنة، أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، ويؤيده: قراءة مَن قرأ: يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة. ويقال لها هذا عند البعث، أو عند تمام الحساب، أو عند الموت: {ارجعي إِلى ربك} إلى وعده، أو: إلى إكرامه، {راضيةً} بما أُوتيت من النعيم {مرضيةً} عند الله عزّ وجل، {فادخلي في عبادي} أي: في زمرة عبادي الصالحين المخلصين، وانتظمي في سلكهم، {وادخلي جنتي} معهم. وقال أبو عبيدة: أي: مع عبادي وبين عبادي. أي: خواصّي، كما قال: {أية : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [النمل:19]. وقيل: المراد بالنفس: الروح، أي: وادخلي في أجساد عبادي، لقراءة ابن مسعود: "في جسد عبادي" ولمّا مات ابن عباس بالطائف جاء طائر لم يُرَ على خلقته, فدخل في نعشه، فلما دُفن تُليت هذه الآية على شفا قبره، ولم يُدْرَ مَن تلاها، وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب, وقيل: في خُبيْب بن عدي، الذي صلبه أهلُ مكة, والمختار: أنها عامة في المؤمنين؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الإشارة: إذا دُكت أرض الحس، باستيلاء المعنى عليها، أو أرض البشرية، باستيلاء الروحانية عليها، دكاً بعد دكٍّ، بالتدريج والتدريب، حتى يحصل التمكين من أسرار المعاني، وجاء ربك، أي: ظهر وتجلّى للعيان، والملَك صفاً صفاً، أي: وجاءت الملائكة صفوفاً، وجيء يومئذٍ بجهنم، أي: بنار البُعد لأهل الفرق، يومئذ يتذكّر الإنسانُ ما فاته من المجاهدة وصُحبة أهل الجمع، وأنَّى له الذكرى مع إقامته في الفَرْق طول عمره، يقول: يا ليتني قدمتُ لحياتي؛ رُوحي بالمشاهدة بعد المجاهدة، فيومئذٍ يتولى الحق تصرُّفه في عباده بقدرته، فيُعَذِّب أهل الحجاب بسلاسل العلائق والشواغل، ويُقيدهم بقيود البين، ثم يُنادي روح المقربين أهل الأرواح القدسية: يا أيتها النفس المطمئنة، التي اطمأنت بشهود الحق، ودام فناؤها وبقاؤها بالله، ارجعي إلى ربك؛ إلى شهود ربك بعد أن كنت عنه محجوبة، راضية عن الله في الجلال والجمال، مرضية عنده في حضرة الكمال، وعلامة الطمأنينة: أنَّ صاحبها لا ينهزم عند الشدائد وتفاقم الأهوال، لأنَّ مَن كانت يده مع الملك صحيحة لا يبالي بمَن واجهه بالتخويف أو التهديد. وقال الورتجبي: النفس المطمئنة هي التي صدرت مِن نور خطاب الأول الذي أوجدها من العدم بنور القِدم، واطمأنت بالحق وبخطابه ووصاله، فدعاها الله إلى معدنها الأول، وهي التي ما نالت من الأول إلى الآخر غير مشاهدة الله، راضية من الله بالله، مرضية عند الله بالاصطفائية الأزلية. هـ. والنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنة، وزاد بعضهم: اللاّمة. والله تعالى أعلم، صلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الجنابذي

تفسير : {كَلاَّ} ردع لهم عن ذلك {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} الدّك الدّقّ والهدم وتسوية صعود الارض وهبوطها، واندكّ المكان استوى، وكنس التّراب وتسويته.

الأعقم

تفسير : {كلاَّ} أي لا تفعلوا من أكل الحرام ومنع الحقوق، وقيل: معناه حقاً {إذا دكّت الأرض دكّاً دكّاً} فتصير مستوية وينكسر كل شيء على ظهرها {وجاء ربك} قيل: أمره وقضاؤه ومحاسبته {والملك صفّاً صفا} أي يصطفون في القيامة للحساب محدقين بالجن والإِنس {وجيء يومئذ بجهنم}، كقوله: {وبرزت الجحيم} حديث : وروي أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: "ما الذي غيّر وجهك؟" فتلى عليه الآية، فقال له (عليه السلام): "كيف يجاء بها؟" قال: "يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت أحرقت أهل الجمع" تفسير : {يومئذ يتذكر الإِنسان وأنّى له الذكرى} ومن أين له منفعة الذكرى {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} الباقية عملاً صالحاً ينفعني اليوم {فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد} الآية نزلت في أميَّة بن خلف الجمحي {ولا يوثق وثاقه أحد} وهو الوثاق الشديد في السلاسل والأغلال {يأيتها النفس المطمئنة} الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب يوم استشهد في أُحد، ومعنى المطمئنَّة بالمعرفة بالله والإِيمان به وبدينه، وقيل: المطمئنَّة البشارة بالجنة {ارجعي إلى ربك} قيل: يقال لهم بهذا عند البعث، وقيل: عند الموت ارجعي إلى ثوابه وما أعدَّ من النعم {راضيةً} عن الله بما أعدّ لها {مرضيَّة} رضي الله عنها ربها {فادخلي في عبادي} قيل: في زمرة عبادي المؤمنين وهذا تشبيه وتعظيمٌ، وقيل: الخطاب للمكلفين أي أدخل في جملة المؤمنين في الدنيا واعمل بعملهم تكن منهم في الآخرة.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ردع عن فعلهم وهو أسوء من قولهم وأدل على تهالكهم بالمال كما أشار اليه قبل وقيل لا يفعلون ما أمروا به من حق اليتيم وغيره *{إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ} دقت وكسرت وقيل سويت وقيل وزلزلت حتى ينهدم ما عليها. *{دَكّاً دَكّاً} دقا بعد دق حتى تنخفض الجبال والتلال أو حتى تصير هباء منثورا ودكا الأول مصدر وكذا الثاني وليس توكيدا للأول فإن الأول لا يفيد تكرير الدك ولذا قال من قال كلاهما مفعول مطلق واحد نظرا للمعنى ولإعراب كل منهما.

اطفيش

تفسير : {كَلاَّ} ارتدعوا عن ترك إكرام اليتيم والحض على طعام الطعام وأكل التراث أكلاً جماً وكثرة حب المال. {إذَا دُكَّتِ} عند النفخة الثانية {الأَرْضُ} دقت كما يدق الشىءِ بالهاوون فيصير مفتتاً رقيقاً يفعل ذلك بوجه الأَرض وما فيها من جبال وشجر وبناءَ حتى إنه يصير ذلك هباءَ منبثاً وتصير ملساءِ مستوية كاللوح وقال المبرد الدك حط المرتفع، يقال اندك سنام البعير إذا لم يرتفع وجمل أدك وناقة دكاء. {دَكَّاً دَكَّاَ} ليس ذكرهما توكيداً بل يفيد التكرار كما تقول جاءوُا اثنين اثنين وعلمته الحساب باباً باباً وتقول زيد يأكل مرة بعد أخرى تريد كثرة أكله وقد تغنى التثنية عن ذلك كما هو وجه فى قوله تعالى {أية : ثم ارجع البصر كرتين} تفسير : [الملك: 4].

الالوسي

تفسير : {كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك وقوله تعالى: {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} إلى آخره استئناف جيء به بطريق الوعيد تعليلاً للردع والدك: قال الخليل كسر الحائط والجبل ونحوهما وتكريره للدلالة على الاستيعاب فليس الثاني تأكيداً للأول بل ذلك نظير الحال في نحو قولك جاؤوا رجلاً رجلاً وعلمته الحساب باباً باباً أي / إذا دكت الأرض دكاً متتابعاً حتى انكسر وذهب كل ما على وجهها من جبال وأبنية وقصور وغيرها حين زلزلت المرة بعد المرة وصارت هباء منثوراً. وقال المبرد الدك حط المرتفع بالبسط والتسوية واندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك والمعنى عليه إذا سويت تسوية بعد تسوية ولم يبق على وجهها شيء حتى صارت كالصخرة الملساء وأياً ما كان فهو على ما قيل عبارة عما عرض للأرض عند النفخة الثانية.

ابن عاشور

تفسير : {كَلاَّ}. زجر وردع عن الأعمال المعدودة قبله، وهي عدم إكرامهم اليتيم وعدم حضهم على طعام المسكين، وأكلُهم التراث الذي هو مالُ غير آكله، وعن حب المال حبّاً جمّاً. {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}. استئناف ابتدائي انْتُقل به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله: { أية : ألم تر كيف فعل ربك بعاد } تفسير : [الفجر: 6] الآيات إلى الوعيد بعذاب الآخرة. فإن استخفوا بما حلّ بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا فإن عذاباً لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم القيامة حين يتذكّرون قَسْراً فلا ينفعهم التذكر، ويندمون ولات ساعةَ مندم. فحاصل الكلام السابق أن الإِنسان الكافر مغرور يَنُوط الحوادث بغير أسبابها، ويتوهمها على غير ما بها ولا يُصغي إلى دعوة الرسل فيستمر طولَ حياته في عَماية، وقد زجروا عن ذلك زجراً مؤكداً. وأَتبع زجرهم إنذاراً بأنهم يحين لهم يوم يُفيقون فيه من غفلتهم حين لا تنفع الإِفاقة. والمقصود من هذا الكلام هو قوله: {فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحد}، وقوله { أية : يا أيتها النفس المطمئنة } تفسير : [الفجر: 27]، وأما ما سبق من قوله {إذا دكت الأرض} إلى قوله {وجيء يومئذٍ بجهنم} فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجيء بعده وتهويل لشأن ذلك اليوم وهو الوقت الذي عُرِّف بإضافة جملة {دكت الأرض} وما بعدها من الجمل وقد عرف بأشراط حلوله وبما يقع فيه من هول العقاب. والدّك: الحَطْم والكسر. والمراد بالأرض الكُرَة التي عليها الناس، ودكّها حطمها وتفرق أجزائها الناشىءُ عن فساد الكون الكائنة عليه الآن، وذلك بما يحدثه الله فيها من زلازل كما في قوله: { أية : إذا زلزلت الأرض زلزالها } تفسير : [الزلزلة: 1] الآية. و{دكاً دكاً} يجوز أن يكون أولهما منصوباً على المفعول المطلق المؤكِّد لفعله. ولعل تأكيده هنا لأن هذه الآية أول آية ذكر فيها دَكُّ الجبال، وإذ قد كان أمراً خارقاً للعادة كان المقام مقتضياً تحقيق وقوعه حقيقةً دون مجاز ولا مبالغة، فأكد مرتين هنا ولم يؤكد نظيره في قوله: { أية : فدُكّتَا دَكَّةً واحدة } تفسير : في سورة الحاقة (14) فــــ {دكّا} الأول مقصود به رفع احتمال المجاز عن «دُكّتا» الدك أي هو دَكّ حقيقي، و{دَكا} الثاني منصوباً على التوكيد اللفظي لدكا الأول لزيادة تحقيق إرادة مدلول الدك الحقيقي لأن دك الأرض العظيمة أمر عجيب فلغرابته اقتضى إثباتُه زيادة تحقيق لمعناه الحقيقي. وعلى هذا درج الرضي قال: ويستثنى من منع تأكيد النكرات (أي تأكيداً لفظياً) شيء واحد وهو جواز تأكيدها إذا كانت النكرة حكماً لا محكوماً عليه كقوله صلى الله عليه وسلم « حديث : فنكاحها باطل باطل باطل ». تفسير : ومثله قوله تعالى: {دُكَّت الأرض دكاً دكاً} فهو مثل: ضَرَبَ ضَرَب زيدٌ ا هــــ. وهذا يلائم ما في وصف دكّ الأرض في سورة الحاقة بقوله تعالى: { أية : وحُملت الأرض والجبال فدُكَّتَا دَكَّة واحدة } تفسير : [الحاقة: 14] ودفع المنافاة بين هذا وبين ما في سورة الحاقة. ويجوز أن يكون مجموع المصدرين في تأويل مفرد منصوب على المفعول المطلق المبيِّن للنوع. وتأويله. أنه دكّ يعقُب بعضه بعضاً كما تقول: قرأت الكتاب باباً باباً وبهذا المعنى فسّر صاحب «الكشاف» وجمهور المفسرين من بعده. وبعض المفسرين سكت عن بيانه قال الطيبي: «قال ابن الحاجب: لعلّه قالَه في «أماليه على المقدمة الكافية» وفي نسختي منها نقص ولا أعرف غيرها بتونس ولا يوجد هذا الكلام في «إيضاح المفصل» بينت له حسابه باباً باباً، أي مفصلاً. والعرب تكرر الشيء مرتين» فتستوعب تفصيل جنسه باعتبار المعنى الذي دلّ عليه لفظُ المكرّر، فإذا قلت: بَيَّنْت له الكتاب باباً باباً فمعناه بينته له مفصلاً باعتبار أبوابه اهــــ. قلت: هذا الوجه أوفى بحق البلاغة فإنه معنى زائد على التوكيد والتوكيد حاصل بالمصدر الأول. وفي «تفسير الفخر»: وقيل: فبُسِطَتَا بسطةً واحدة فصارتا أرضاً لا ترى فيها أمتاً وتبعه البيضاوي يعني: أن الدك كناية عن التسوية لأن التسوية من لوازم الدك، أي صارت الجبال مع الأرض مستويات لم يبق فيها نتوء. ولك أن تجعل صفة واحدة مجازاً في تفرد الدكة بالشدة التي لا ثاني مثلها، أي دكة لا نظير لها بين الدكات في الشدة من باب قولهم: هو وحيد قومه، ووحيد دهره، فلا يعارض قوله: {دكاً دكاً} بهذا التفسير. وفيه تكلف إذ لم يسمع بصيغةِ فَاعل فلم يسمع: هو واحد قومه. وأما قوله تعالى: {والملك صفّاً صفّاً} فــــ {صفّاً} الأول حال من {الملَك}. و{صَفّاً} الثاني لم يختلف المفسرون في أنه من التكرير المراد به الترتيب والتصنيف، أي صفّاً بعد صفِّ، أو خَلْفَ صفّ، أو صنفاً من الملائكة دون صنف، قيل: ملائكة كل سَماء يكونون صفّاً حول الأرض على حدة. قال الرضي وأما تكرير المنكَّر في قولك، قرأت الكتاب سورةً سورةً، وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} فليس في الحقيقة تأكيداً إذ ليس الثاني لتقرير ما سبق بل هو لتكرير المعنى لأن الثاني غير الأول معنى. والمعنى: جميع السور وصفوفاً مختلفة ا هــــ. وشذّ من المفسرين من سكت عنه. ولا يحتمل حمله على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله إذ لا معنى للتأكيد. وإسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي، أي جاء قضاؤه، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء. وأما إسناده إلى الملَك فإما حقيقةٌ، أو على معنى الحضور وأيًّا مَّا كان فاستعمال (جاء) من استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته، أو في مَجَازَيْه. و{الملَك}: اسم جنس وتعريفه تعريف الجنس فيرادفه الاستغراق، أي والملائكة. والصف: مصدر صَفَّ الأشْياءَ إذا جعل الواحد حذو الآخر، ويطلق على الأشياء المصفوفة ومنه قوله تعالى: { أية : إن اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً } تفسير : [الصف: 4] وقوله: { أية : فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً } تفسير : في سورة طه (64). واستعمال {وجيء يومئذ بجهنم} كاستعمال مَجيء الملك، أي أحضرت جهنم وفتحت أبوابها فكأنها (جاءَ) بها جاء والمعنى: أظهرت لهم جهنم قال تعالى: { أية : حتى إذا جاؤوها فُتحت أبوابها } تفسير : [الزمر: 71] وقال: { أية : وبرزت الجحيم لمن يرى } تفسير : [النازعات: 36] وورد في حديث مسلم عن ابن مسعود يرفعه: « حديث : أن لجهنم سبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » تفسير : وهو تفسير لمعنى {وجيء يومئذ بجهنم}. وأمور الآخرة من خوارق العادات. وإنما اقتصر على ذكر جهنم لأن المقصود في هذه السورة وعيد الذين لم يتذكروا وإلا فإن الجنة أيضاً مُحضرة يومئذ قال تعالى: { أية : وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين } تفسير : [الشعراء: 90 ـــ 91]. و{يومئذ} الأول متعلق بفعل {جيء}. والتقدير: وجيء يوم تُدَكّ الأرض دَكّاً دكّاً إلى آخره. و{يومئذ} الثاني بدل من {إذا دُكّت الأرض} والمعنى: يوم تدكّ الأرض دكاً إلى آخره يتذكر الإِنسان. والعامل في البدل والمبدل منه معاً فعل {يتذكر}. وتقديمه للاهتمام مع ما في الإطناب من التشويق ليحصل الإِجمال ثم التفصيل مع حسن إعادة ما هو بمعنى {إذا} لزيادة الربط لطول الفصل بالجمل التي أضيف إليها {إذا}. و{الإِنسان}: هو الإِنسان الكافر، وهو الذي تقدم ذكره في قوله تعالى: { أية : فأما الإِنسان إذا ما ابتلاه ربه } تفسير : [الفجر: 15] الآية فهو إظهار في مقام الإِضمار لبعد مَعاد الضمير. وجملة: {وأنَّى له الذكرى} معترضة بين جملة {يتذكر الإنسان} وجملة: {يقول} الخ. و{أنّى} اسم استفهام بمعنى: أين له الذكرى، وهو استفهام مستعمل في الإِنكار والنفي، والكلامُ على حذف مضاف، والتقدير: وأين له نَفْع الذكرى. وجملة: {يقول يا ليتني} الخ يجوز أن يكون قولاً باللسان تحسراً وتندماً فتكون الجملة حالاً من {الإنسان} أو بدل اشتمال من جملة {يتذكر} فإن تذكره مشتمل على تحسر وندامة. ويجوز أن يكون قوله في نفسه فتكون الجملة بياناً لجملة {يتذكر}. ومفعول {قَدَّمْتُ} محذوف للإِيجاز. واللام في قوله: {لحياتي} تحتمل معنى التوقيت، أي قدمت عند أزمان حياتي فيكون المراد الحياة الأولى التي قبل الموت. وتحتمل أن يكون اللام للعلة، أي قدمت الأعمال الصالحة لأجل أن أحيا في هذه الدار. والمراد: الحياة الكاملة السالمة من العذاب لأن حياتهم في العذاب حياةُ غشاوة وغياب قال تعالى: { أية : ثم لا يموت فيها ولا يحيى } تفسير : [الأعلى: 13]. وحرف النداء في قوله: {يا ليتني} للتنبيه اهتماماً بهذا التمني في يوم وقوع. والفاء في قوله: {فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحد} رابطة لجملة {لا يعذب} الخ بجملة {دكت الأرض} لما في {إذا} من معنى الشرط. والعذاب: اسم مصدر عذّب. والوثاق: اسم مصدر أوثق. وقرأ الجمهور {يعذِّب} بكسر الذال {ويوثق} بكسر الثاء على أن {أحدٌ} في الموضعين فاعل {يعذِب، ويوثِق}. وأن عذابه من إضافة المصدر إلى مفعوله فضمير {عذابه} عائد إلى الإنسان في قوله: {يتذكر الإنسان} وهو مفعول مطلق مبيّن للنوع على معنى التشبيه البليغ، أي عذاباً مثل عذابه، وانتفاء المماثلة في الشدة، أي يعذب عذاباً هو أشد عذاب يعذبه العصاة، أي عذاباً لا نظير له في أصناف عذاب المعذّبين على معنى قوله تعالى: { أية : فإني أعذِّبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } تفسير : [المائدة: 115] والمراد في شدته. وهذا بالنسبة لبني الإنسان، وأما عذاب الشياطين فهو أشدُّ لأنهم أشد كفراً و{أحَدٌ} يستعمل في النفي لاستغراق جنس الإنسان فأحَدٌ في سياق النفي يعمّ كل أحد قال تعالى: { أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ للَّه } تفسير : [الانفطار: 19] فانحصر الأحد المعذِّب (بكسر الذال) في فرد وهو الله تعالى. وقرأه الكسائي ويعقوب بفتح ذال {يعذَّب} وفتح ثاء {يوثق} مبنيين للنائب. وعن أبي قلابة قال: «حدثني من أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {يعذَّب} و{يوثَق} بفتح الذال وفتح الثاء». قال الطبري: وإسناده واهٍ وأقول أغنى عن تصحيح إسناده تواترُ القراءة به في بعض الروايات العشر وكلها متواتر. والمعنى: لا يعذَّب أحدٌ مثلَ عذاب مَا يعذَّب به ذلك الإنسان المتحسر يومئذ، ولا يوثَق أحدٌ مثلَ وَثاقه، فــــ {أحد} هنا بمنزلة «أحداً» في قوله تعالى: { أية : فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } تفسير : [المائدة: 115]. والوَثاق بفتح الواو اسم مصدر أوثق وهو الربْط ويجعل للأسير والمقُود إلى القتل. فيجعل لأهل النار وثاق يساقون به إلى النار قال تعالى: { أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم } تفسير : [غافر: 71، 72] الآية. وانتصاب {وَثاقه} كانتصاب {عذابه} على المفعولية المطلقة لمعنى التشبيه.

الشنقيطي

تفسير : تقدم في سورة الحاقة أيضاً هذا السياق نفسه، بعد ذكر ثمود وعاد وفرعون في قوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 13-14] - إلى قوله - {أية : وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ} تفسير : [الحاقة: 17] الآية. مما يبين معنى صفاً صفاً، أي على أرجائها صفاً بعد صف. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الإحالة على ما يفسرها في سورة الرحمن على قوله تعالى: {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الرحمن: 33]. وقوله تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22]، وجاء ربك: من آيات الصفات. مواضع البحث والنظر وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مراراً في الأضواء في عدة محلات، وليعلم أنها والاستواء وحديث النزول والإتيان المذكور في قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأمُورُ} تفسير : [البقرة: 210] سواء. وقد أورد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه مبحث آيات الصفات كاملة في محاضرة أسماها "آيات الصفات" وطبعت مستقلة. كما تقدم له رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الأعراف عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [الأعراف: 54]، وإن كان لم يتعرض لصفة المجيء بذاتها، إلاَّ أنه قال: إن جميع الصفات من باب واحد، أي أنها ثابتة لله تعالى على مبدأ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، على غير مثال للمخلوق، فثبت استواء يليق بجلاله على غير مثال للمخلوق. وكذلك هنا كما ثبت استواء ثبت مجيء ثبت نزول. والكل من باب {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]، أي على ما قال الشافعي رحمة الله: نحن كُلفنا بالإيمان، فعلينا أن نؤمن بصفات الله على ما لا يليق بالله على مراد الله، وليس علينا أن نكيف، إذ الكيف ممنوع على الله سبحانه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا دكت الأرض دكا: أي حركت حركة شديدة وزلزلت زلزالا قويا فلم يبق عليها شاخص البتة. والملك صفا صفا: أي والملائكة أي صفا بعد صف. وجيء يومئذ بجهنم: أي تجر بسبعين ألف زمام كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك. يتذكر الإِنسان: أي الكافر ما قالت له الرسل من وعد الله ووعيده، يوم لقائه. وأنى له الذكرى: أي لا تنفعه في هذا اليوم الذكرى. قدمت لحياتي: أي هذه الإِيمان وصالح الأعمال. لا يعذب عذابه أحد: أي لا يعذب مثل عذاب الله أحد أي في قوته وشدته. ولا يوثق وثاقه أحد: أي ولا يوثق أحد مثل وثاق الله عز وجل. يا أيتها النفس المطمئنة: أي المؤمنة الآمنة اليوم من العذاب لما لاح لها من بشائر النجاة. ارجعي إلى ربك: أي إلى جواره في دار كرامته أي الجنة. فادخلي في عبادي: أي في جملة عبادي المؤمنين المتقين. وادخلي جنتي: أي دار كرامتي لأوليائي. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} هو كقوله {أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 3-4] {وَجَآءَ رَبُّكَ} أي لفصل القضاء {وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} بعد صف، {وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} تجر بسبعين ألف زمام كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك، هنا وفي هذا اليوم وفي هذه الساعة {يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ} المهمل المفرط المعرض عن دعوة الرسل، الكافر بلقاء الله والجزاء على الأعمال {وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} هنا يتذكر وما يتذكر؟، وكفره كان عريضاً وشره كان مستطيراً، ماذا يتذكر وهل تنفعه الذكرى، اللهم لا، لا وماذا عساه أن يقول في هذا الموقف الرهيب يقول نادما متحسراً {يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} أي هذه الحياة الماثلة بين يديه، وهل ينفعه التمني اللهم لا، لا. قال تعالى مخبرا عن شدة العذاب وقوة الوثاق {فَيَوْمَئِذٍ} إذ تقوم القيامة ويجيء الربّ لفصل القضاء ويجاء بجهنم ويتذكر الإِنسان ويأسف ويتحسر في هذا اليوم يقضي الله تعالى بعذاب أهل الكفر والشرك والفجور والفسوق فيعذبون ويوثقون بأمر الله وقضائه في السلاسل ويغلون في الأغلال ويذوقون العذاب والنكال الأمر الذي ما عرفه الناس في الدنيا أيام كانوا يعذبون المؤمنين ويوثقونهم في الحبال وهو ما أشار إليه بقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} أي لا يعذب عذاب أحد في الدنيا مهما بالغ في التعذيب عذاب الله في الآخرة {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} أي لا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله في الآخرة هذه صورة من عذاب الله لأعدائه من أهل الشرك به والكفر بآياته ورسوله ولقائه وأما أهل الإيمان به وطاعته وهم أولياؤه الذين آمنوا في الدنيا وكانوا يتقون فها هم ينادون فاستمع {يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ} إلى صادق وعد الله ووعيده في كتابه وعلى لسان رسوله فآمنت واتقت وتخلت عن الشرك والشر فكانت مطمئنة بالإِيمان وذكر الله قريرة العين بحب الله ورسوله، وما وعدها الرحمن {ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} أي إلى جواره في دار كرامته حال كونك {رَاضِيَةً} ثواب الله لك مرضيا عنك من قبل مولاك {فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي} أي في جملة عبادي الصالحين {وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} فيقال لها هذا عندما يرسل الله الأرواح إلى الأجساد يوم المعاد، فإِذا دخلت تلقتها الملائكة بالسلام وتساق إلى ساحة العرض وتعطى كتابها بيمينها وثم يقال لها ادخلي في عبادي أي في جملتهم وادخلي جنتي بعد مرورها على الصراط اللهم اجعل نفسي مثل تلك النفس المطمئنة بالإِيمان وذكر الله ووعد الرحمن وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير المعاد بعرض شبه تفصيلي ليوم القيامة. 2- بيان اشتداد حسرة المفرطين اليوم في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله يوم القيامة. 3- بشرى النفس المطمئنة بالإِيمان وذكر الله ووعده ووعيده، عند الموت وعند القيام من القبر وعند تطاير الصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : (21) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا يَقَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَهْوَالِ العَظِيمَةِ، وَيَقُولُ مُنْكِراً عَلَى هَؤُلاَءِ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ وَحِرْصَهُمْ عَلَى الدُّنْيَا، وَكَأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَنْ تَكُونَ هُنَاكَ قِيَامَةٌ، وَلاَ حَشْرٌ، وَلاَ حِسَابٌ، مَعَ أَنَّ اليَوْمَ المَوْعُودَ سَيَأْتِي وَهُوَ اليَوْمُ الذِي تَنْدَكُّ فِيهِ الأَرْضُ دَكّاً مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَتُسَوَّى جِبَالُهَا بِأَرْضِهَا. دُكَّتْ - دُقَّتْ وَكُسِرَتْ. دَكّاً دَكّاًَ - دَكّاً مُتَتَابِعاً حَتَّى صَارَتْ هَبَاءً مُتَنَاثِراً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { كَلا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما عليها حتى تجعل قاعًا صفصفًا لا عوج فيه ولا أمت. ويجيء الله تعالى لفصل القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات كلهم، صفًا صفا أي: صفًا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار. { وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } تقودها الملائكة بالسلاسل. فإذا وقعت هذه الأمور فـ { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ } ما قدمه من خير وشر. { وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله: { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } الدائمة الباقية، عملا صالحًا، كما قال تعالى: {أية : يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا }. تفسير : وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار الخلد والبقاء. { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ } لمن أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له. { وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } فإنهم يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، فيقال له: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } إلى ذكر الله، الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله. { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ } الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه { رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من الثواب، والله قد رضي عنها. { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي } وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت [والحمد لله رب العالمين].