Verse. 6024 (AR)

٩٠ - ٱلْبَلَد

90 - Al-Balad (AR)

لَاۗ اُقْسِمُ بِہٰذَا الْبَلَدِ۝۱ۙ
La oqsimu bihatha albaladi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا» زائدة «أقسم بهذا البلد» مكة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة، واعلم أن فضل مكة معروف، فإن الله تعالى جعلها حرماً آمناً، فقال في المسجد الذي فيها {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } تفسير : [آل عمران: 97] وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب، فقال: {أية : وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }تفسير : [البقرة: 144] وشرف مقام إبراهيم بقوله: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى }تفسير : [البقرة: 125] وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ }تفسير : [آل عمران: 97] وقال في البيت: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } تفسير : [البقرة: 125] وقال: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرٰهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً }تفسير : [الحج: 26] وقال: {أية : وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ } تفسير : [الحج: 27] وحرم فيه الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الدنيا من تحته، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها، فأما قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد} فالمراد منه أمور أحدها: وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها وثانيها: الحل بمعنى الحلال، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك، عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها: قال قتادة: {وَأَنتَ حِلٌّ } أي لست بآثم، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان، ثم قال: «حديث : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل إلا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها، ولا يختلي خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. تفسير : فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا، فقال حديث : إلا الإذخر». تفسير : فإن قيل: هذه السورة مكية، وقوله: {وَأَنتَ حِلٌّ } إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟ قلنا: قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلاً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ }تفسير : [الزمر: 30] وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهذا من الله أحسن، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع ورابعها: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيماً منك لهذا البيت، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله، وتكذيب الرسل وخامسها: أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد، ثم قال: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ }تفسير : [الجمعة: 2] وقال: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] وقوله: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مّن قَبْلِهِ }تفسير : [يونس: 16] فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد. أما قوله: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } فاعلم أن هذا معطوف على قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } وقوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وللمفسرين فيه وجوه أحدها: الولد آدم وما ولد ذريته، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها، وقد قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب، وقيل: هو قسم بآدم والصالحين من أولاده، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم. كما قال: {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } تفسير : [الفرقان: 44]، {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [البقرة: 18] وثانيها: أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب، وإنما قال: {وَمَا وَلَدَ } ولم يقل ومن ولد، للفائدة الموجودة في قوله: {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }تفسير : [آل عمران: 36] أي بأي شيء وضعت يعني موضوعاً عجيب الشأن وثالثها: الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم. فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحق، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين، وإنما قلنا: إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال: «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» وهم المؤمنين ورابعها: روي عن ابن عباس أنه قال: الولد الذي يلد، وما ولد الذي لا يلد، فما ههنا يكون للنفي، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي ووالد، والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين وخامسها: يعني كل والد ومولود، وهذا مناسب، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام. وأما قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الكبد وجوه أحدها: قال صاحب «الكشاف»: إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبداً فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده، وقال آخرون: الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعاً للكبد، ثم اشتقت منه الشدة. وفي الثاني جعل اللفظ موضوعاً للشدة والغلظ، ثم اشتق منه اسم العضو الوجه الثاني: أن الكبد هو الاستواء والاستقامة الوجه الثالث: أن الكبد شدة الخلق والقوة، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط، وأن يكون المراد كل ذلك. أما الأول: فقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } أي خلقناه أطواراً كلها شدة ومشقة، تارة في بطن الأم، ثم زمان الإرضاع، ثم إذا بلغ ففي الكد في تحصيل المعاش، ثم بعد ذلك الموت. وأما الثاني: وهو الكبد في الدين، فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء، ويكابد المحن في أداء العبادات. وأما الثالث: وهو الآخرة، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار. وأما الرابع: وهو يكون اللفظ محمولاً على الكل فهو الحق، وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للإنسان، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر، فهذا معنى قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم، فهذا لا يليق بالرحمة، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب، وإن كان مطلوبه أن يلتذ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات. وأما على الوجه الثاني: وهو أن يفسر الكبد بالاستواء، فقال ابن عباس: في كبد، أي قائماً منتصباً، والحيوانات الأخر تمشي منكسة، فهذا امتنان عليه بهذه الخلقة. وأما على الوجه الثالث: وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة، فقد قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول. المسألة الثانية: حرف في واللام متقاربان، تقول: إنما أنت للعناء والنصب، وإنما أنت في العناء والنصب، وفيه وجه آخر وهو أن قوله: {فِى كَبَدٍ } يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة. المسألة الثالثة: منهم من قال: المراد بالإنسان إنسان معين، وهو الذي وصفناه بالقوة، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل.

القرطبي

تفسير : يجوز أن تكون «لا» زائدة؛ كما تقدّم في { أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } تفسير : [القيامة: 1]؛ قاله الأخفش. أي أقسم؛ لأنه قال: {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} وقد أقسم به في قوله: { أية : وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ } تفسير : [التين: 3] فكيف يَجْحَد القسم به وقد أقسم به. قال الشاعر: شعر : تَذَكَّرتُ ليلى فاعترتني صَبابة وكاد صمِيم القلبِ لا يتَقطَّع تفسير : أي يتقطع، ودخل حرف «لا» صلة؛ ومنه قوله تعالى: { أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } تفسير : [الأعراف: 12] بدليل قوله تعالى في (ص): { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [صۤ: 75]. وقرأ الحسن والأعمش وابن كثِير «لأُقْسِم» من غير ألف بعد اللام إثباتاً. وأجاز الأخفش أيضاً أن تكون بمعنى «أَلاَ». وقيل: ليست بنفي القسم، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، ولا والله لأَفْعَلَنّ كذا. وقيل: هي نفي صحيح؛ والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه، بعد خروجك منه. حكاه مكيّ. ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: «لا» ردٌّ عليهم. وهذا اختيار ابن العربيّ؛ لأنه قال: «وأما من قال إنها ردّ، فهو قول ليس له ردّ؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد». فهو ردّ لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم. وقال القشيرِيّ: قوله «لا»: ردّ لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور بالدنيا. أي ليس الأمر كما يحسبه، من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ابتدأ القسم. و«البلد»: هي مكة، أجمعوا عليه. أي أُقسِم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك عليّ وحبي لك. وقال الواسطيّ أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حياً، وبركتك ميتاً؛ يعني المدينة. والأوّل أصح؛ لأن السورة نزلت بمكة باتفاق.

البيضاوي

تفسير : مكية وآيها عشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } أقسم سبحانه بالبلد الحرام وقيده بحلول الرسول عليه الصلاة والسلام فيه إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله. وقيل {حِلٌّ } مستحل تعرضك فيه كما يستحل تعرض الصيد في غيره، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح. {وَوَالِدٍ } عطف على {هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ } والوالد آدم أو إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. {وَمَا وَلَدَ } ذريته أو محمد عليه الصلاة والسلام، والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }تفسير : [آل عمران: 36] {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } تعب ومشقة من كبد الرجل كبداً إذا وجعت كبده ومنه المكابدة، والإِنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده، وهو تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام مما كان يكابده من قريش والضمير في {أَيَحْسَبُ} لبعضهم الذي كان يكابد من أكثر، أو يفتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة فإنه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فينقطع ولا تزال قدماه، أو لكل أحد منهم أو للإنسان. {أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } فينتقم منه. {يِقُولُ } أي في ذلك الوقت {أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } كثيراً، من تلبد الشيء إذا اجتمع، والمراد ما أنفقه سمعة ومفاخرة، أو معاداة للرسول عليه الصلاة والسلام. {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه، يعني أن الله سبحانه وتعالى يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما. {وَلِسَاناً } يترجم به عن ضميره. {وَشَفَتَيْنِ } يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها.

ابن كثير

تفسير : هذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة أم القرى، في حال كون الساكن فيها حالاً؛ لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها، قال خصيف عن مجاهد: { لآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} (لا) رد عليهم. أقسم بهذا البلد. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: { لآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} يعني: مكة { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} قال: أنت يا محمد يحل لك أن تُقاتِلَ به، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد، وقال مجاهد: ما أصبت فيه، فهو حلال لك، وقال قتادة: { وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} قال: أنت به من غير حرج ولا إثم، وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث المتفق على صحته: «حديث : إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» تفسير : وفي لفظ آخر: «حديث : فإن أحد ترخص بقتال رسول الله، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم.»تفسير : وقوله تعالى: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية عن شريك عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له، ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك، وهو ابن عبد الله القاضي به، وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن البصري وخصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده، وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى، وهي أم المساكن، أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده، وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده، وهو محتمل أيضاً. وقوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم: يعني: منتصباً، زاد ابن عباس في رواية عنه: منتصباً في بطن أمه، والكبد: الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول: لقد خلقناه سوياً مستقيماً؛ كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِىۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } تفسير : [الانفطار: 6 ــــ 8] وكقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِىۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] وقال ابن أبي نجيح وجريج وعطاء عن ابن عباس: في كبد، قال: في شدة خلق، ألم تر إليه، وذكر مولده ونبات أسنانه؟ وقال مجاهد: {فِى كَبَدٍ} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} تفسير : [الأحقاف: 15] وأرضعته كرهاً، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك، وقال سعيد بن جبير: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} في شدة وطلب معيشته، وقال عكرمة: في شدة وطول، وقال قتادة: في مشقة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلاً من الأنصار عن قول الله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} قال: في قيامه واعتداله، فلم ينكر عليه أبو جعفر، وروي من طريق أبي مودود: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} قال: يكابد أمراً من أمر الدنيا، وأمراً من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا، وشدائد الآخرة، وقال ابن زيد: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ} قال: آدم خلق في السماء، فسمي ذلك الكبد، واختار ابن جرير: أن المراد بذلك مكابدة الأمور ومشاقها. وقوله تعالى: { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} قال الحسن البصري: يعني: { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} يأخذ ماله. وقال قتادة { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟ وقال السدي: { أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} قال: الله عز وجل، وقوله تعالى: { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالاً لبداً، أي: كثيراً. قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم، { أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} قال مجاهد: أي: أيحسب أن لم يره الله عز وجل؟ وكذا قال غيره من السلف. وقوله تعالى: { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ}؟ أي: يبصر بهما {وَلِسَاناً} أي: ينطق به، فيعبر عما في ضميره {وَشَفَتَيْنِ} يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالاً لوجهه وفمه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: يابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً، لا تحصي عددها، ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك، فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لساناً، وجعلت له غلافاً، فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك، فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجاً، وجعلت لك ستراً، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض عليك ماحرمت عليك، فأرخ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي»تفسير : . { وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} الطريقين. قال سفيان الثوري عن عاصم عن زر عن عبد الله، هو ابن مسعود: { وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال: الخير والشر، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين،وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» تفسير : تفرد به سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث،وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها، ما أعرف منها حديثاً واحداً، يشبه حديثه حديث الحسن ــــ يعني: البصري ــــ لا يشبه حديث أنس. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: { وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : يا أيها الناس إنهما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» تفسير : وكذا رواه حبيب بن الشهيد ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب عن الحسن مرسلاً، وهكذا أرسله قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى بن عفان عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال: الثديين، وروي عن الربيع بن خُثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن عيسى بن عقال به، ثم قال: والصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 2 ــــ 3].

المحلي و السيوطي

تفسير : {لا } زائدة {أُقْسِمُ بِهَٰذَا ٱلْبَلَدِ } مكة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لاَ أُقْسِمُ } "لا" زائدة، والمعنى: أقسم {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }. وقد تقدّم الكلام على هذا في تفسير {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [القيامة: 1] ومن زيادة «لا» في الكلام في غير القسم قول الشاعر:شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتصدّع تفسير : أي: يتصدّع. ومن ذلك قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ }تفسير : [الأعراف: 12]، أي: أن تسجد. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة. قرأ الجمهور: {لا أقسم} وقرأ الحسن، والأعمش: (لأقسم) من غير ألف. وقيل: هو نفي للقسم. والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. وقال مجاهد: إن "لا" رد على من أنكر البعث، ثم ابتدأ، فقال أقسم، والمعنى: ليس الأمر كما تحسبون، والأوّل أولى. والمعنى: أقسم بالبلد الحرام الذي أنت حلّ فيه. وقال الواسطي: إن المراد بالبلد المدينة، وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين هو أيضاً مدفوع لكون السورة مكية لا مدنية. وجملة قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } معترضة. والمعنى: أقسم بهذا البلد {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } واعترض بينهما بهذه الجملة. والمعنى: ومن المكابد أن مثلك عليّ عظيم حرمته يستحل بهذا البلد، كما يستحلّ الصيد في غير الحرم. وقال الواحدي: الحلّ والحلال والمحل واحد، وهو ضدّ المحرّم، أحلّ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى قاتل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، ولم تحلّ لي إلاّ ساعة من نهار»تفسير : قال: والمعنى أن الله لما ذكر القسم بمكة دلّ ذلك على عظم قدرها مع كونها حراماً، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحلها له حتى يقاتل فيها ويفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلاً. انتهى. فالمعنى: وأنت حلّ بهذا البلد في المستقبل، كما في قوله: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ}تفسير : [الزمر: 30] قال مجاهد: المعنى ما صنعت فيه من شيء فأنت حلّ. قال قتادة أنت حلّ به لست بآثم، يعني: أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر والمعاصي. وقيل المعنى: لا أقسم بهذا البلد وأنت حالّ به، ومقيم فيه، وهو محلك، فعلى القول بأن لا نافية غير زائدة، يكون المعنى: لا أقسم به وأنت حالّ به، فأنت أحقّ بالإقسام بك، وعلى القول بأنها زائدة يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك؛ لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيماً شريفاً، وزاد على ما كان عليه من الشرف والعظم، ولكن هذا إذا تقرّر في لغة العرب أن لفظ حلّ يجيء بمعنى حالّ، وكما يجوز أن تكون الجملة معترضة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } عطف على البلد. قال قتادة، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وأبو صالح، {وَوَالِدٍ } أي: آدم {وَمَا وَلَدَ } أي: وما تناسل من ولده أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والعقل والتدبير، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون. وقال أبو عمران الجوني: الوالد إبراهيم، وما ولد: ذريته. قال الفرّاء: إن: «ما» عبارة عن الناس كقوله: {أية : مَا طَابَ لَكُمْ }تفسير : [النساء: 3]. وقيل: الوالد إبراهيم، والولد إسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: {وَوَالِدٍ } يعني: الذي يولد له {وَمَا وَلَدَ } يعني: العاقر الذي لا يولد له، وكأنهما جعلا ما نافية، وهو بعيد، ولا يصح ذلك إلاّ بإضمار الموصول، أي: ووالد والذي ما ولد، ولا يجوز إضمار الموصول عند البصريين، وقال عطية العوفي: هو عام في كل والد ومولود من جميع الحيوانات، واختار هذا ابن جرير. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } هذا جواب القسم، والإنسان هو هذا النوع الإنساني، والكبد: الشدّة والمشقة، يقال كابدت الأمر: قاسيت شدّته، والإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا، ومقاساة شدائدها حتى يموت، وأصل الكبد الشدّة، ومنه تكبد اللبن: إذا غلظ واشتد، ويقال كبد الرجل: إذا وجعت كبده، ثم استعمل في كل شدّة ومشقة، ومنه قول أبي الاصبغ:شعر : لي ابن عم لو أن الناس في كبد لظلّ محتجراً بالنبل يرميني تفسير : قال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال أيضاً: يكابد الشكر على السرّاء، ويكابد الصبر على الضرّاء، لا يخلو عن أحدهما. قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يقال له أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي ويجعله تحت رجليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل. {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } يعني: لقوّته. ويكون معنى {فِى كَبَدٍ } على هذا: في شدّة خلق. وقيل معنى: {فِى كَبَدٍ } أنه جريء القلب غليظ الكبد. {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } أي: يظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، أو يظنّ أبو الأشدّين أن لن يقدر عليه أحد، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر. ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } أي: كثيراً مجتمعاً بعضه على بعض. قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته. قال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالاً كثيراً. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل: أذنب، فاستفتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد. قرأ الجمهور: {لبداً} بضم اللام، وفتح الباء مخففاً. وقرأ مجاهد، وحميد بضم اللام والباء مخففاً. وقرأ أبو جعفر بضم اللام، وفتح الباء مشدّداً. قال أبو عبيدة: لبد فعل من التلبيد، وهو المال الكثير بعضه على بعض. قال الزجاج: فعل للكثرة، يقال رجل حطم: إذا كان كثير الحطم. قال الفرّاء: واحدته لبدة، والجمع لبد. وقد تقدّم بيان هذا في سورة الجنّ. {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } أي: أيظنّ أنه لم يعاينه أحد. قال قتادة: أيظنّ أن الله سبحانه لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذباً لم ينفق ما قال، فقال الله: أيظنّ أن الله لم ير ذلك منه، فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق. ثم ذكر سبحانه ما أنعم به عليهم ليعتبروا فقال: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما {وَلِسَاناً } ينطق به {وَشَفَتَيْنِ } يستر بهما ثغره. قال الزجاج: المعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة اللام، وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } النجد: الطريق في ارتفاع. قال المفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشرّ. قال الزجاج: المعنى ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشرّ، مبينتين كتبين الطريقين العاليتين. وقال عكرمة، وسعيد بن المسيب، والضحاك: النجدان: الثديان؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه، والأوّل أولى. وأصل النجد المكان المرتفع، وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن انخفاض تهامة، فالنجدان الطريقان العاليان، ومنه قول امرىء القيس:شعر : فريقان منهم قاطع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب تفسير : {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } الاقتحام: الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قحوماً، أي: رمى بنفسه فيه من غير روية، وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية، والقحمة بالضم المهلكة. والعقبة في الأصل الطريق التي في الجبل، سميت بذلك لصعوبة سلوكها، وهو مثل ضربه سبحانه لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة. قال الفرّاء، والزجاج: ذكر سبحانه هنا: «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع حتى يعيدوها في كلام آخر كقوله: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ }تفسير : [القيامة: 31] وإنما أفردها هنا لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قائماً مقام التكرير كأنه قال: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. قال المبرد، وأبو علي الفارسي: إن «لا» هنا بمعنى لم، أي: فلم يقتحم العقبة، وروي نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم يحتج إلى التكرير، ومنه قول زهير:شعر : وكان طوى كشحا على مستكنة فلا هو أبداها ولم يتقدّم تفسير : أي: فلم يبدها، ولم يتقدم. وقيل: هو جار مجرى الدعاء كقولهم: لا نجاء. قال أبو زيد، وجماعة من المفسرين: معنى الكلام هنا الاستفهام الذي بمعنى الإنكار. تقديره: أفلا اقتحم العقبة، أو هلا اقتحم العقبة. ثم بيّن سبحانه العقبة فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ } أي: أيّ شيء أعلمك ما اقتحامها. {فَكُّ رَقَبَةٍ } أي: هي إعتاق رقبة، وتخليصها من أسار الرق. وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه: فك الرهن، وفك الكتاب، فقد بيّن سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار. قال الحسن، وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله. وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي: هي الصراط الذي يضرب على جهنم كحد السيف. وقال كعب: هي نار دون الجسر. قيل: وفي الكلام حذف أي: وما أدراك ما اقتحام العقبة؟ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي (فكّ رقبة) على أنه فعل ماض، ونصب رقبة على المفعولية، وهكذا قرآ، أو اطعم: على أنه فعل ماض. وقرأ الباقون (فك، أو إطعام) على أنهما مصدران، وجرّ رقبة بإضافة المصدر إليها، فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلاً من اقتحم، أو بياناً له كأنه قيل: فلا فك ولا أطعم، والفكّ في الأصل: حلّ القيد، سمي العتق فكاً؛ لأن الرق كالقيد، وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. {أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ } المسغبة المجاعة، والسغب الجوع، والساغب الجائع. قال الراغب: يقال منه سغب الرجل سغباً، وسغوباً فهو ساغب، وسغبان، والمسغبة مفعلة منه، وأنشد أبو عبيدة:شعر : فلو كنت حرّاً يابن قيس بن عاصم لما بتّ شبعاناً وجارك ساغباتفسير : قال النخعي: {فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ } أي: عزيز فيه الطعام. {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } أي: قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي: واليتيم في الأصل: الضعيف. يقال: يتم الرجل: إذا ضعف. واليتيم عند أهل اللغة: من لا أب له. وقيل: هو من لا أب له ولا أمّ، ومنه قول قيس بن الملوّح:شعر : إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا إلى الله فقد الوالدين يتيم تفسير : {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } أي: لا شيء له كأنه لصق بالتراب لفقره، وليس له مأوى إلاّ التراب، يقال: ترب الرجل يترب ترباً ومتربة: إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرّاً. قال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: هو ذو العيال.وقال عكرمة: هو المديون. وقال أبو سنان: هو ذو الزمانة. وقال ابن جبير: هو الذي ليس له أحد. وقال عكرمة: هو البعيد التربة الغريب عن وطنه، والأوّل أولى، ومنه قول الهذلي:شعر : وكنا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا سفكنا دماء البدن في تربة الحال تفسير : قرأ الجمهور: {ذي مسغبة} على أنه صفة ليوم، و"يتيماً" هو مفعول إطعام. وقرأ الحسن: "ذا مسغبة" بالنصب على أنه مفعول إطعام، أي: يطعمون ذا مسغبة، ويتيماً بدل منه. {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } عطف على المنفيّ بلا. وجاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل المعنى: ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم. وقيل المعنى: أنه أتى بهذه القرب لوجه الله. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } معطوف على {آمنوا} أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا، والمصائب. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ } أي: بالرحمة على عباد الله. فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصفات المذكورة هم {ٱلْمَيْمَنَةِ مَا } أي: أصحاب جهة اليمين، أو أصحاب اليمن، أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقيل: غير ذلك مما قد قدّمنا ذكره في سورة الواقعة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أي: بالقرآن، أو بما هو أعمّ منه، فتدخل الآيات التنزيلية، والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه {هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } أي: أصحاب الشمال، أو أصحاب الشؤم. أو الذين يعطون كتبهم بشمالهم، أو غير ذلك مما تقدّم. {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ } أي: مطبقة مغلقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أغلقته، وأطبقته، ومنه قول الشاعر:شعر : تحنّ إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة تفسير : قرأ الجمهور: (موصدة) بالواو. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص بالهمزة مكان الواو، وهما: لغتان، والمعنى واحد. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } قال: مكة {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } يعني: بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحيي من شاء. فقتل له يومئذ ابن خطل صبراً، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحلّ لأحد من الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعل فيها حراماً حرّمه الله، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } قال: مكة. {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } قال: أنت يا محمد يحلّ لك أن تقاتل فيه. وأما غيرك فلا. وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: نزلت هذه الآية: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } فيّ، خرجت، فوجدت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } قال: أحلّ له أن يصنع فيه ما شاء. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } قال: يعني: بالوالد آدم، وما ولد ولده. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: الوالد الذي يلد، {وما ولد}: العاقر لا يلد من الرجال والنساء. وأخرج ابن جرير، والطبراني عنه أيضاً: {ووالد} قال: آدم. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: في اعتدال وانتصاب. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: في نصب. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: في شدّة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: في شدة خلق ولادته، ونبت أسنانه، ومعيشته، وختانه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: خلق الله كل شيء يمشي على أربعة إلاّ الإنسان فإنه خلق منتصباً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ } قال: منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأمّ أو أضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله: {مَالاً لُّبَداً } قال: كثيراً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } قال: سبيل الخير والشرّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } قال: الهدى والضلالة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه قال: سبيل الخير والشرّ. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعد عن أنس قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : هما نجدان، فما جعل نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير»تفسير : تفرّد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان. وقد وثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد، والنسائي، والجوزجاني: منكر الحديث. وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، قد روى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها ما أعرف منها حديثاً واحداً، يشبه حديثه حديث الحسن البصري، لا يشبه حديث أنس. وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه من طرق عن الحسن قال: ذكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول... فذكره. وهذا مرسل، وكذا رواه قتادة مرسلاً. أخرجه عنه ابن جرير، ويشهد له ما أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أيها الناس إنهما نجدان: نجد خير، ونجد شرّ، فما جعل نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير»تفسير : ويشهد له أيضاً ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما هما نجدان، نجد الخير، ونجد الشرّ، فلا يكن نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير»تفسير : وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } قال: الثديين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } قال: جبل زلال في جهنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العقبة النار. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: العقبة بين الجنة والنار. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: لما نزل: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } قيل: يا رسول الله ما عند أحدنا ما يعتق إلاّ أن عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه، فلو أمرناهنّ بالزنا، فجئن بالأولاد، فأعتقناهم، فقال رسول الله:«حديث : لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحبّ إليّ من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد»تفسير : وأخرجه ابن جرير عنها بلفظ: «حديث : لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا»تفسير : وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة: منها في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى الفرج بالفرج»تفسير : وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ } قال: مجاعة. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه: {فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ } قال: جوع. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } قال: ذا قرابة، وفي قوله: {ذَا مَتْرَبَةٍ } قال: بعيد التربة، أي: غريباً عن وطنه، وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } قال: هو المطروح الذي ليس له بيت. وفي لفظ للحاكم: هو الذي لا يقيه من التراب شيء. وفي لفظ: هو اللازق بالتراب من شدّة الفقر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: {مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } قال: «حديث : الذي مأواه المزابل»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ } يعني: بذلك رحمة الناس كلهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه: {مُّؤْصَدَةُ } قال: مغلقة الأبواب. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة: {مُّؤْصَدَةُ } قال مطبقة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {لا أُقْسِمُ بهذا البَلَد} ومعناه على أصح الوجوه: أُقْسِم بهذا البلد، وفي " البلد" قولان: أحدهما: مكة، قاله ابن عباس. الثاني: الحرم كله، قاله مجاهد. {وأنتَ حلٌّ بهذا البَلَدِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتال أو غيره، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنت مُحِل في هذا البد غير مُحْرِم في دخولك عام الفتح، قاله الحسن وعطاء. الثالث: أن يستحل المشركون فيه حرمتك وحرمة من اتبعك توبيخاً للمشركين. ويحتمل رابعاً: وأنت حالٌّ أي نازل في هذا البلد، لأنها نزلت عليه وهو بمكة لم يفرض عليه الإحرام ولم يؤْذن له في القتال، وكانت حرمة مكة فيها أعظم، والقسم بها أفخم. {ووالدٍ وما وَلَدَ} فيه أربعة أوجه. أحدها: آدم وما ولد، قاله مجاهد وقتادة والحسن والضحاك. الثاني: أن الوالد إبراهيم وما ولد، قاله ابو عمران الجوني. الثالث: أن الوالد هو الذي يلد، وما ولد هو العاقر الذي لا يلد، قاله ابن عباس. الرابع: أن الوالد العاقر، وما ولد التي تلد، قاله عكرمة. ويحتمل خامساً: أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم، لتقدم ذكره، وما ولد أُمتّه، لقوله عليه السلام إنما أنا لكم مثل الوالد أعلّمكم، فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه. {لقد خَلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ} إلى هاهنا انتهى القسم وهذا جوابه. وفي قوله " في كَبَد" سبعة أقاويل: أحدها: في انتصاب في بطن أُمّه وبعد ولادته، خص الإنسان بذلك تشريفاً، ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً، قاله ابن عباس وعكرمة. الثاني: في اعتدال، لما بيّنه بعد من قوله {ألم نَجْعَلْ له عَيْنَين} الآيات، حكاه ابن شجرة. الثالث: يعني من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، يتكبد في الخلق مأخوذ من تكبد الدم وهو غلظه، ومنه أخذ أسم الكبد لأنه دم قد غلظ، وهو معنى قول مجاهد. الرابع: في شدة لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً، مأخوذ من المكابدة، ومنه قول لبيد: شعر : يا عين هلاّ بكيْتِ أَرْبَدَ إذ قُمْنا وقامَ الخصومُ في كَبَدِ. تفسير : رواه ابن أبي نجيح. الخامس: لأنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، قاله الحسن. السادس: لأنه خلق آدم في كبد السماء، قاله ابن زيد. السابع: لأنه يكابد الشكر على السّراء والصبر على الضّراء، لأنه لا يخلو من أحدهما، رواه ابن عمر. ويحتمل ثامناً: يريد به أنه ذو نفور وحميّة، مأخوذ من قولهم لفلان كبَد، إذا كان شديد النفور والحمية. وفيمن اريد بالإنسان ها هنا قولان: أحدهما: جميع الناس. الثاني: الكافر يكابد شبهات. {أيَحْسَب أنْ لَنْ يَقْدِر عليه أحَدٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه الله أن يبعثه بعد الموت، قاله السدي. الثاني: أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد بأخذ ماله، قاله الحسن. الثالث: أيحسب أن لن يذله أحد، لأن القدرة عليه ذل له. {يقولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً} فيه وجهان: أحدهما: يعني كثيراً. الثاني: مجتمعاً بعضه على بعض، ومنه سمي اللّبْد لاجتماعه وتلبيد بعضه على بعض. ويحتمل ثالثاً: يعني مالاً قديماً، لاشتقاقه من الأبد، أو للمبالغة في قدمه من عهد لَبِد، لأن العرب تضرب المثل في القدم بلبد، وذكر قدمه لطول بقائه وشدة ضَنِّه به. وقيل إن هذا القائل أبو الشد الجمحي، أنفق مالا كثيراً في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله، وقيل بل هو النضر بن الحارث. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغياناً منه. الثاني: أن يكون أسفاً عليه، فيكون ندماً منه. {أيحْسَبُ أن لم يَرَهُ أَحَدٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن لم يره الله، قاله مجاهد. الثاني: أن لم يره أحد من الناس فيما أنفقه، قاله ابن شجرة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أيحسب أن لم يظهر ما فعله أن لا يؤاخذ به، على وجه التهديد، كما يقول الإنسان لمن ينكر عليه فعله، قد رأيت ما صنعت، تهديداً له فيكون الكلام على هذا الوجه وعيداً، وعلى ما تقدم تكذيباً. {وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ} فيهما أربعة تأويلات: أحدها: سبيل الخير والشر، قاله علي رضي الله عنه والحسن. الثاني: سبيل الهدى والضلالة، قاله ابن عباس. الثالث: سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد. الرابع: الثديين ليتغذى بهما، قاله قتادة والربيع بن خثيم. قال قطرب: والنجد هو الطريق المرتفع، فأرض نجد هي المرتفعة، وأرض تهامة هي المنخفضة. ويحتمل على هذا الاشتقاق خامساً: أنهما الجنة والنار، لارتفاعهما عن الأرض.

ابن عطية

تفسير : قرأ الحسن بن أبي الحسن " لأقسم " دون ألف، وقرأ الجمهور: " لا أقسم "، واختلفوا فقال الزجاج وغيره: " لا " صلة زائدة مؤكدة، واستأنف قوله {أقسم} ، وقال مجاهد {لا} رد للكلام متقدم للكفار، ثم استأنف قوله {أقسم} ، وقال بعض المتأولين {لا} نفي للقسم بالبلد، أخبر الله تعالى أنه لا يقسم به، ولا خلاف بين المفسرين أن {البلد} المذكور هو مكة، واختلف في معنى قوله {وأنت حل بهذا البلد} فقال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من شئت، وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول من قال السورة مدنية نزلت عام الفتح، ويتركب على التأويل قول من قال: {لا} نافية أي إن هذا البلد لا يقسم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته، ويتجه أيضاً أن تكون {لا} غير نافية. وقال بعض المتأولين: {وأنت حل بهذا البلد} معناه: حال ساكن بهذا البلد، وعلى هذا يجيء قول من قال هي مكية، والمعنى على إيجاب القسم بين وعلى نفيه أيضاً يتجه على معنى القسم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم، وذكر الثعلبي عن شرحبيل بن سعد أن معنى {وأنت حل} أي قد جعلوك حلالاً مستحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا، وإعراب {البلد} عطف بيان، وقوله تعالى: {ووالد وما ولد} قسم مستأنف على قول من قال {لا} نافية، ومعطوف على قول من رأى {لا} غير نافية، واختلف الناس في معنى قوله: {ووالد وما ولد} ، فقال مجاهد: هو آدم وجميع ولده، وقال بعض رواة التفسير: هو نوح وجميع ولده، وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وجميع ولده، وقال ابن عباس ما معناه: أن الوالد والولد هنا على العموم فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان، وقال ابن عباس وابن جبير وعكرمة: {ووالد} معناه: كل من ولد وأنسل، وقوله {وما ولد} "لم يبق تحته إلا العاقر الذي ليس بوالد البتة، والقسم واقع على قوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، واختلف الناس في "الكَبد" فقال جمهور الناس: {الإنسان} اسم الجنس كله، و "الكبد" المشقة والمكابدة، أي يكابد أمر الدنيا والآخرة، ومن ذلك قول لبيد: [المنسرح] شعر : يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد تفسير : وقول ذي الإصبع: [البسيط] شعر : لي ابن عم لو أن الناس في كبد لظل محتجراً بالنبل يرميني تفسير : وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور، وقال الحسن: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح ومجاهد {في كبد} معناه: منتصف القامة واقفاً، وقال ابن زيد: {الإنسان}: آدم عليه السلام، و {في كبد} معناه: في السماء سماها كبداً، وهذان قولان قد ضعفا والقول الأول هو الصحيح، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين رجل من قريش شديد القوة، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحداً لا يقدر عليه، ويقال بل نزلت في عمرو بن ود، ذكره النقاش، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق، وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة فقال: لقد {أهلكت مالاً} في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمداً، وكان كل واحد منهم قد ادعى أنه أنفق مالاً كثيراً على إفساد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو في الكفارات على ما تقدم، فوقف القرآن على جهة التوبيخ للمذكور، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله. و {يقدر} نصب بـ {لَنْ} و {أن} مخففة من الثقيلة، وكان قول هذا الكافر: {أهلكت مالاً لبداً} كذباً منه، فلذلك قال: {أيحسب أن لم يره أحد} أي أنه رُئي وأُحْصِيَ فعله فما باله يكذب؟ ومن قال إن المراد اسم الجنس غير مفرد، وجعل قوله تعالى: {أيحسب أن لم يره أحد} بمعنى أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة يرون أعماله ويحصونها إلى يوم الجزاء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وجسمه فيما أبلاه وماله من أين كسبه وأين أنفقه" تفسير : ،واختلف القراء في قوله "لبداً"، فقرأ جمهور القراء بضم اللام وفتح الباء، وقرأ مجاهد "لُبُداً" بضمهما وذلك جمع لبدة أو جمع لَبود بفتح اللام، وقرأ أبو جعفر يزيد "لُبَّداً" بضم اللام وفتح الباء وشدها فيكون مفرداً نحو "زمَّل" ويكون جمع لابد، وقد روي عن أبي جعفر "لبْداً" بسكون الباء، والمعنى في هذه القراءات كلها مالاً كثيراً متلبداً بعضه فوق بعض من التكاثف والكثرة، وقرأ الأعمش: "لم يرْه" بسكون الراء لتوالي الحركات، ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي بها تقوم الحجة، وهي جوارحه وقرن تعالى "الشفتين" باللسان لأن نعمة العبارة والكلام، لا يصح إلا بالجميع.. وفي الحديث: يقول الله تعالى: "حديث : ابن آدم إن نازعك لسانك إلى ما لا يحل، فقد أعنتك عليه بشفتين فأطبقهما عليه" تفسير : واختلف الناس في {النجدين} فقال ابن مسعود وابن عباس والناس: طريقا الخير والشر، أي عرضنا عليه طريقهما، وليست الهداية هنا بمعنى الإرشاد، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك: "النجدان": ثديا الأم وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع، وأنشد الأصمعي: [الطويل] شعر : كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الأرزاء طلاع أنجدِ

ابن عبد السلام

تفسير : {لآ أُقْسِمُ} معناه أقسم على الأصح {الْبَلَدِ} مكة أو الحرم كله.

النسفي

تفسير : {لآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أن الإنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق. واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } أي ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد يعني مكة كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته. أو سلى رسول الله بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح مكة تتميماً للتسلية والتنفيس عنه فقال: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }. أي وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان ونظير قوله {وَأَنتَ حِلٌّ } في الاستقبال قوله: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ }تفسير : [الزمر: 30]. وكفاك دليلاً على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق، وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح؟ {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } هما آدم وولده، أو كل والد وولده، أو إبراهيم وولده، و «ما» بمعنى «من» أو بمعنى «الذي» {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ } جواب القسم {فِى كَبَدٍ } مشقة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وعن ذي النون: لم يزل مربوطاً بحبل القضاء مدعواً إلى الائتمار والانتهاء. والضمير في {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد، ثم قيل هو أبو الأشد. وقيل: الوليد بن المغيرة. والمعنى أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المتصعب للمؤمنين أن لن تقوم قيامه ولن يقدر على الانتقام منه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم وأنه {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } أي كثيراً جمع لبدة وهو ما تلبد أي كثر واجتمع، يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } حين كان ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً يعني أن الله تعالى كان يراه وكان عليه رقيباً. ثم ذكر نعمه عليه فقال {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما المرئيات {وَلِسَاناً } يعبر عما في ضميره {وَشَفَتَيْنِ } يستر بهما ثغره ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ {وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } طريقي الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار وقيل الثديين. {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني فلم يشكر تلك الآيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب أو إطعام اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة وأساس كل خير، بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى أن الإنفاق على هذا الوجه مرضي نافع عند الله لا أن يهلك ماله لبداً في الرياء والفخار. وقلما تستعمل «لا» مع الماضي إلا مكررة، وإنما لم تكرر في الكلام الأفصح لأنه لما فسر اقتحام القبة بثلاثة أشياء صار كأنه أعاد «لا» ثلاث مرات وتقديره: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا آمن. والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، والقُحمة الشدة فجعل الصالحة عقبة وعملها اقتحاماً لها في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. والمراد بقوله {مَا ٱلْعَقَبَةُ } ما اقتحامها ومعناه أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. وفك الرقبة تخليصها من الرق والإعانة في مال الكتابة. {فَكَّ رَقَبَةً * أَوْ إِطْعَامٌ} مكي وأبو عمرو وعلي على الإبدال من اقتحم العقبة، وقوله { وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ } اعتراض. غيرهم {فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ } على: اقتحامها فك رقبة أو إطعام. والمسغبة المجاعة، والمقربة القرابة، والمتربة الفقر، مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فيكون مأواه المزابل ووصف اليوم بذي مسغبة كقولهم همٌّ ناصب أي ذو نصب. ومعنى {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي داوم على الإيمان. وقيل: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: إنما جاء بـ «ثم» لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، إذ الإيمان هو السابق على غيره ولا يثبت عمل صالح إلا به {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ } بالتراحم فيما بينهم {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ } أي المصوفون بهذه الصفات من أصحاب الميمنة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } بالقرآن أو بدلائلنا {هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ } أصحاب الشمال والميمنة والمشأمة اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهن {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدةٌ} وبالهمز: أبو عمرو وحمزة وحفص أي مطبقة من أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وأغلقته والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {لا أقسم بهذا البلد} تقدم الكلام على قوله لا أقسم في أول سورة القيامة، والبلد هي مكة في قول جميع المفسرين. {وأنت حل بهذا البلد} أي مقيم به، نازل فيه، فكأنه عظّم حرمة مكة من أجل أنه صلى الله عليه وسلم مقيم بها وقيل حل أي حلال، والمعنى أحلت لك تصنع فيها ما تريد من القتل، والأسر، ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها، أحل الله عزّ وجلّ له مكة يوم الفتح حتى قاتل، وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، وأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم آخرين، فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ثم قال بعد ذلك إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، والمعنى أن الله تعالى لما أقسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها، وشرفها، وحرمتها، ومع ذلك فقد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى في الماضي، وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في المستقبل بعد الهجرة، وخروجه منها، فكان كما وعده، وقيل في معنى قوله {وأنت حلّ بهذا البلد}، أي أنهم يحرمون أن يقتلوا به صيداً، ويستحلون قتلك فيه، وإخراجك منه. {ووالد وما ولد} يعني آدم وذريته أقسم الله تعالى بمكة لشرفها، وحرمتها، وبآدم، وبالأنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر وإن كان من ذريته فلا حرمة له حتى يقسم به، وجواب القسم قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} قال ابن عباس: في نصب، وقيل يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة، وعنه أيضاً قال: في شدة من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، وفصاله، ومعاشه، وحياته، وموته وأصل الكبد الشدة، وقيل لم يخلق الله خلقاً يكابد، ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق، وعن ابن عباس أيضاً قال: الكبد الاستواء، والاستقامة، فعلى هذا يكون المعنى، خلقنا الإنسان منتصباً معتدل القامة، وكل شيء من الحيوان يمشيء منكباً، وقيل منتصباً، رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله في خروجه انقلب رأسه إلى أسفل، وقيل في كبد أي في قوة نزلت في أبي الأشد أسيد بن كلدة بن جمح، وكان شديداً قوياً يضع الأديم العكاظي تحت قدميه، ويقول من أزالني عنه فله كذا وكذا فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعاً، ويبقى من ذلك الأديم بقدر موضع قدميه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {لبداً} بالتشديد: يزيد {فك رقبة أو إطعام} على صيغة الفعلين ونصب {رقية} ابن كثير وأبو عمرو وعليّ. الباقون: على المصدرين فأضافوا الأول ونونوا الثاني أي هي الفك أو الإطعام {مؤصدة} بالهمز: أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل. الوقوف: {البلد} ه لا {البلد} ه ك {ولد} ه ك {كبد} ه ط {أحد} م ه لئلا يوهم أن ما بعده صفة {لبداً} ط {أحد} ه ك {عينين} ه لا {وشفتين} ه ك {النجدين} ج ه للنفي مع الفاء {العقبة} ه ز {العقبة} ه ط {رقبة} ه لا {مسغبة} ه ط {مقربة} ه ك {متربة} ه ط لأن " ثم " لترتيب الأخبار {بالمرحمة} ه ك {الميمنة} ه ط {المشأمة} ه ط {مؤصدة} ه. التفسير: إنه سبحانه قرر في هذه السورة وفي أكثر ما يتلوها من السور مراتب النفوس الإنسانية وأحوالها في السعادة وضدّها، فأكد ذلك بالإقسام بالبلد الحرام وهو مكة التي جعلها الله تعالى منشأ كل بركة وخير. وقوله {وأنت حلّ بهذا البلد} اعتراض بين القسمين كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم حلّ بها وأقام فيها. وقيل: الحل بمعنى الحلال كأنه سبحانه عجب من اعتقاد أهل مكة كيف يؤذون أشراف الخلق في موضع محرم. عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك. وقال قتادة: أنت حلّ أي لست بأثيم وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت كما في الحديث " حديث : ولم تحل لي إلا ساعة من نهار"تفسير : . فأن كانت السورة مكية أو مدنية قبل الفتح فقوله {حل} بمعنى الاستقبال نحو {أية : إنك ميت وإنهم ميتون}تفسير : [الزمر: 30] وكثيراً ما تبرز الأفعال المستقبلة في القرآن في صيغ الماضي لتحقق الوقوع، وإن كان حال الفتح أو بعده فظاهر. وعلى الأول يكون فيه إخبار بالغيب وقد يسر الله له فتح مكة كما وعد فيكون معجزاً. أما الوالد والولد فقيل: آدم وذرّيته لكرامتهم على الله {أية : ولقد كرمنا بني آدم}تفسير : [الإسراء: 70] وقيل كل والد ومولود. وقد يخص الإقسام بالصالحين لأن غير الصالحين لا حرمة لهم {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف: 179] والأكثرون على أن الوالد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والولد محمد صلى الله عليه وسلم كأنه أقسم ببلده ثم بوالده ثم به والتنكير للتعظيم. وإنما لم يقل ومن ولد للفائدة المذكورة في قوله {أية : والله أعلم بما وضعت}تفسير : [آل عمران: 36] أي بشيء وضعته وهو مولود عجيب الشأن. والكبد المشقة والتعب كقوله {أية : إنك كادح إلى ربك كدحاً} تفسير : [الإنشقاق: 6] وأصله من كبد الرجل بالكسر كبداً بالفتح فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت. ولا تخفى الشدائد الواردة على الإنسان من وقت احتباسه في الرحم إلى انفصاله ثم إلى زمان رضاعه ثم إلى بلوغه ثم ورود طوارق السراء وبوارق الضراء وعلائق التكاليف وعوائق التمدن والتعيش عليه إلى الموت. ثم إلى البعث من المساءلة وظلمة القبر ووحشته، ثم إلى الاستقرار في الجنة والنار من الحساب والعتاب والحيرة والحسرة والوقوف بين يدي الجبار، اللهم سهل علينا هذه الشدائد بفضلك يا كريم ووفقنا للعمل بما يستعقب الخلاص منها إلى النعيم المقيم. وقيل: الكبد مرض القلب وفساد العقيدة والمراد به الذين علم الله من حالهم أنهم لا يؤمنون. وقيل: الكبد هو الاستواء والاستقامة أي خلقناه منتصب القامة. وقيل: الكبد الشدة والغلظ ثم اشتق منه اسم العضو لأنه دم غليظ. وقد يخص الإنسان على هذا التفسير بشخص واحد من جمح يكنى أبا الأشدين، كان يجعل تحت قدميه الأديم ثم يمدّ من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ويعضد هذا التفسير قوله {أيحسب} يعني ذلك الإنسان الشديد. وعلى الأول معناه لن يقدر على بعثه ومجازاته أو على تغيير أحواله وأطواره {يقول أهلكت ما لا لبداً} أي كثيراً بعضه فوق بعض وهو جمع لبدة بالضم لما يلبد قاله الفراء. وعن الزجاج أنه مفرد والبناء للمبالغة والكثرة. يقال: رجل حطم إذا كان كثير الحطم. ومن قرأ بالتشديد فهو جمع لا بد يريده كثرة ما أنفقه في الجاهلية فوبخه على ذلك بقوله {أيحسب أن لم يره أحد} يعنى أنه تعالى كان عالماً بقصده حين ينفق ما ينفق رياء وافتخاراً وحباً للانتساب إلى المكارم والمعالي أو معاداة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: أيظن أن الله لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وفي أي شيء أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذباً ولم ينفق شيئاً فقال الله: أيزعم أن الله ما رأى ذلك منه ولو كان قد أنفق لعلم الله. ثم دل على كمال قدرته مع إشارة إلى الاستعداد الفطري بقوله {ألم نجعل له عينين} يبصر بهما المصنوعات {ولساناً} يعبر به عما في ضميره {وشفتين} يستعين بهما على الإفصاح بالنطق {وهديناه النجدين} سبيلي الخير والشر كقوله {أية : إنا هديناه السبيل إما شاكراً أو كفوراً} تفسير : [الدهر: 3] هذا قول عامة المفسرين. والنجد في اللغة المكان المرتفع جعل الدلائل لارتفاع شأنها وعلو مكانها كالطرق المرتفعة العالية التي لا تخفى على ذوي الأبصار. وقال الحسن {يقول أهلكت ما لا لبداً} فمن الذي يحاسبني عليه؟ فقيل الذي قدر على أن خلق لك الأعضاء قادر على محاسبتك. وعن ابن عباس وسعيد بن المسيب: هما الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه هدى الله الطفل الصغير حتى ارتضعهما، قال القفال: والتفسير هو الأول. ثم قرر وجه الاستدلال به فقال: إن من قدر على أن خلق من الماء المنتن قلباً عقولاً ولساناً فؤولاً فهو على إهلاك ما خلق أقدر، فام الحجة في الكفر بالله مع تظاهر نعمه؟ وما العلة في التعزز على الله وأوليائه بالمال وإنفاقه وهو المعطي والممكن من الانتفاع؟ ثم عرف عباده وجوه الإنفاق الفاضلة تعريضاً بأن ذلك الكافر لم يكن إنفاقه في وجه مرضيّ معتدّ به لابتناء قبول الطاعات على الإيمان الذي هو أصل الخيرات. والاقتحام الدخول بشدّة ولهذا يستعمل في الأخطار والأهوال. والعقبة طريق الجبل؛ فعن ابن عمر: هي جبل زلال في جهنم. وعن مجاهد والضحاك: هي الصراط يضرب على متن جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار. وزيف الواحدي وغيره هاتين الروايتين بأنه من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا العقبة بهذا المعنى، وبأن تفسير الله سبحانه العقبة عيبه ينافيه. وعن الحسن: عقب والله شديدة إن هذا مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. قال النحويون: قلما توجد لا الداخلة على الماضي إلا مكررة كقوله {أية : فلا صدّق ولا صلّى}تفسير : [القيامة: 31] وتقول: لا خيبني ولا رزقني. والقرآن أفصح الكلام فهو أولى برعاية هذه القاعدة. والجواب أن القرآن حجة كافية ولو سلم فهي متكررة في المعنى. قال الزجاج: ألا ترى أنه فسر العقبة بفك الرقبة والإطعام؟ فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ولا سيما فيمن قرأ {فك} و {أطعم} على الإبدال من {اقتحم} وجعل ما بينهما اعتراضاً. ويجوز أن يراد فلا اقتحم العقبة ولا آمن يدل عليه قوله {ثم كان من الذين آمنوا} ومن قرأ {فك} {أو إطعام} على المصدرين فالفاعل محذوف وهو من خواص المصدر لا يجوز حذف الفاعل من غيره والتقدير: فك فاك رقبة أو إطعام مطعم يتيماً. والمسغبة مصدر على " مفعلة " من سغب إذا جاع، وكذا المقربة من قرب في النسب. والمتربة من ترب إذا افتقر والتصق بالتراب فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما يوطئه. عن النبي صلى الله عليه وسلم:هو الذي مأواه المزابل. ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه نحو " نهاره صائم". وفك الرقبة تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث حديث : إن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: "تعتق النسمة وتفك الرقبة. فقال: أوليسا سواء؟ قال: لا إعتاقها أن تتفرد بعتقها وفكها تخليصها من قود أو غرم"تفسير : وقد استدل أبو حنيفة من تقدم العتق على أنه أفضل من الصدقة. وعند بعضهم بالعكس لأن في الصدقة تخليص النفس من الإشراف على الهلاك فإن قوام البدن بالغذاء، وفي الفك تخليصها من القيد في الأغلب. وأيضاً لعل الأمر في الأول أضيق. ولا شك إن إطعام التيم القريب أفضل من اليتيم الأجنبي. وقد يستدل للشافعي أن المسكين أحسن حالاً من الفقير وأنه قد يكون بحيث يملك شيئاً وإلا وقع قوله {ذا متربة} تكراراً. وقال بعض أهل التأويل: فك الرقبة أن يعين المرء نفسه على إقامة الوظائف الشرعية ليتخلص بها عن النار. وعندي هو أن يفك رقبته عن الكونين ليلزم عنه زوال الحرص المستتبع لمواساة النفس على الطعام والإيثار. وفي قوله {ثم كان} وجوه أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في وجود فإن الإيمان مقدّم على جميع الخصال المعتدّ بها شرعأً كقوله:شعر : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده تفسير : أي ثم إنه أذكر ساد أبوه: وثانيها التأويل بالعاقبة أي ثم كان في عاقبة أمره ممن يموت على الإيمان. وثالثها أن الآية نزلت فيمن أتى بهذه الخصال قبل إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم آمن به بعد مبعثه. فعند بعضهم يثاب على تلك الطاعات يدل عليه ما روي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : أسلمت على ما قدّمت من الخير"تفسير : ورابعها وهو أولى الوجوه عند أصحاب المعاني أن المراد تراخي الرتبة والفضيلة لأن ثواب الإيمان أكثر من ثواب العتق والصدقة. وقد يوجه البيت المذكور على هذا بأن المراد ثم ساد أبوه مع ذلك ثم ساد جده مع ما ذكر، ولا ريب أن مجموع الأمرين أو الأمور أشرف من أن ساد هو بنفسه فقط. وحين ذكر خصال الكمال عقبه بما يدل على التكميل قائلاً {تواصوا} أي أوصى بعضهم بعضاً {بالصبر} على التكاليف الشرعية وعلى البلايا والمحن التي قلما يخلوا المؤمن عنها {وتواصوا} {بالمرحمة} أي التعاطف والتراحم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا أخواناً متعاضدين" تفسير : وفي الآية نكتة لطيفة وهي أنه سبحانه ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة والإطعام ثم الإيمان، وذكر في باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على الوظائف الدينية والتواصي بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله إلا أنه في الأول قدّم جانب الخلق، وفي الثاني قدم جانب الحق. ففي الأول إشارة إلى كامل رحمته ونهاية عنايته بالمخلوقات فإن رعاية مصالحهم عنده أهمّ، وفي الآخر رمز إلى حسن الأدب وتعليم للمكلفين أن يعرفوا ما هو الأقدم الأهمّ في نفس الأمر زادنا الله اطلاعاً على دقائق هذا الكتاب الكريم. قوله {أصحاب الميمنة} و {أصحاب المشأمة} مر في أول الواقعة تفسيرهما. قال أهل اللغة: أوصدت الباب وآصدته بالواو وبالهمز أي أطبقته وأغلقته. قال مقاتل: فلا يخرج أحد منهما ولا يدخل روح فيها. والإيصاد بالحقيقة صفة أبواب النار أي مؤصدة أبوابها فهو من الإسناد المجازي. وقيل: أراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب نعوذ بالله منها.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} الكلامُ في لا تقدم في {أية : لاَ أُقْسِمُ} تفسير : [القيامة:1] والبَلَدُ هو: «مكة». وقوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ} قال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت حَلاَلٌ بهذا البلد، يحلُّ لك فيه قَتْلُ من شئتَ، وكان هذا يومُ فَتْحِ مكة، وعلى هذا يتركبُ قولُ مَنْ قال: السورة مدنية نَزَلَتْ عَامَ الفتح، وقال آخرون: المعنى وأنْتَ حَالُّ ساكنٌ بهذا البلد.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}: يجوز أن تكون "لا": زائدة، كما تقدم في: "لا أقسم بيوم القيامة"، قاله الأخفش: أي: أقسم؛ لأنه قال: "بهذا البلد"، وقد أقسم به في قوله: {أية : وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} تفسير : [التين: 3]، فكيف يجوز القسمُ به، وقد أقسم به سبحانه؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5210- تَذَكَّرتُ لَيْلَى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكَادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقطَّعُ تفسير : أي: يتقطع، ودخل حرف "لا": صلة، ومنه قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] وقد قال تعالى في سورة "ص": {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} تفسير : [ص:75]. وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير: "لأُقْسِمُ" من غير ألفٍ بعد اللام إثباتاً. وأجاز الأخفش أيضاً، أن تكون بمعنى: "ألا". وقيل: ليست بنفي القسم،، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، لا والله لأفعلن كذا. وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد، إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكيٌّ، ورواه ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: "لا": رد عليهم، وهذا اختيار ابن العربي، لأنه قال: "وأما من قال: إنها رد، فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد". فهو رد لكلام من أنكر البعث، ثم ابتدأ القسم. وقال القشيريُّ: قوله: "لا" رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور في الدنيا، أي: ليس الأمر كما تحسبه من أنه لم يقسم عليه أحد، ثم ابتدأ القسم، وأجمعوا على أنَّ المراد بالبلد: مكَّة المشرفة، أي: أقسم بالبلد الحرام، الذي أنت فيه، لكرامتك عليَّ وحبي لك. قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}. فيه وجهان: أحدهما: أن الجملة اعتراضية على أحد معنيين، إما على معنى: أنه - تعالى - أقسم بهذا البلد، وما بعده، على أن الإنسان في كبد، واعترض بينهما بهذه الجملة، يعني: ومن المكابدة، أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، كما يستحل الصيد في غير المحرم. وإما على معنى: أنه أقسم ببلدة، على أنَّ الإنسان لا يخلُو من مقاساة الشدائد، واعترض بأن وعده فتح "مكة"، تتميماً للتَّسلية، فقال تعالى: وأنت حلٌّ به فيما يستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل، والأسر، فـ "حِلٌّ" بمعنى: حلال، قال معناه الزّمخشري. ثم قال: فإن قلت: أين نظير قوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ} في معنى الاستقبال؟. قلت: قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30]، ومثله واسع في كلام العبادِ، تقول لمن تَعدُه الإكرام والحباء: أنت مكرم محبوٌّ، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنَّ الأحوال المستقبلة عنده، كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال، وأنَّ تفسيره بالحال محال؛ لأن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة وقت نزولها فما بال الفتح؟. الثاني من الوجهين الأولين: أن الجملة حالية، أي: لا أقسم بهذا البلد، وأنت حالٌّ بها، لعظم قدرك، أي: لا نقسم بشيء، وأنت أحق بالإقسام بك منه. وقيل: المعنى: لا أقسم به، وأنت مستحلّ فيه، أي: مستحل إذ ذاك. فصل في المراد بهذا البلد أجمع المفسرون على أن ذلك البلد "مكة"، وفضلها معروف، فإنه تعالى، جعله حرماً آمناً قال تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب، وقال تعالى: {أية : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} تفسير : [البقرة: 144]، وأمر النَّاس بحجِّ البيتِ، فقال: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} تفسير : [آل عمران: 97] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً} تفسير : [البقرة: 125]، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26]، وقال تعالى: {أية : يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ} تفسير : [الحج: 27]، وشرف مقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} تفسير : [البقرة: 125]، وحرم صيده، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل، وأكثر منها، لما اجتمعت في "مكة" لا جرم أقسم الله تعالى بها. فصل في تفسير وأنت حلّ روى منصورٌ عن مجاهدٍ: "وأنْتَ حِلٌّ"، قال: ما صنعت فيه من شيء، فأنت في حل. وكذا قال ابن عبَّاسٍ: أحل له يوم دخل "مكة"، أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما، ولم يحل لأحد من الناس، أن يقتل بها أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السدي: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله. وروى أبو صالحٍ عن ابن عبَّاسٍ، قال: أحلت له ساعة من نهارٍ، ثم أطبقت، وحرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح "مكة". [قال ابن زيد: ولم يكن بها أحد حلالاً غير النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه: وأنت مقيم فيه، وهو محلك أي: من أهل "مكة" نشأت بينهم، ويعرفون فضلك وطهارتك لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128]. وقيل: أنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راضٍ]. وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حلٌّ وحلالٌ ومحل، ورجل حرم وحرام ومحرم. وقال قتادة: "وأنت حل به" أي لست بآثم، قيل: معناه أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليه ارتكابه معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه. وقال شرحبيل بن سعد: {وأنْتَ حلٌّ بِهَذَا البَلدِ} أي: حلال، أي هم يحرمون "مكة" أن يقتلوا بها صيداً، أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلُّون إخراجك وقتلك، ففيه تعجُّب في جرأتهم وشدة عدواتهم له. قوله: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}. قيل "ما" بمعنى: "من"، أو بمعنى: "الذي". وقيل: مصدرية أقسم بالشخص وفعله. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلا قيل: ومَنْ ولد؟ قلت: فيه ما في قوله: {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تفسير : [آل عمران: 36]، أي: بأي شيء وضعت، يعني: موضوعاً عجيب الشأن. وقيل: "ما": فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره: والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، "ومَا وَلَد" يعني: العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ. فصل في الكلام على الآية هذا معطوف على قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}، وقوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ: المراد بالوالد: آدم عليه الصلاة والسلام، "ومَا وَلَد" أي: وما نسل من ولده، أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} تفسير : [الإسراء: 70]. وقيل: هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى: {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ} تفسير : [الفرقان: 44]، وقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 18]. وقيل: الوالد: إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - {وَمَا وَلَدَ} [ذريته. وقيل: الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أقسم بمكة وإبراهيم]. قال الفراء: وصلح "ما" للناس، كقوله: {أية : مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [الليل: 3]، وهو خالق الذكر والأنثى. قال الماورديُّ: ويحتمل أن الوالد: النبي صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره، "ومَا وَلَد": أمته: لقوله عليه الصلاة والسلام، "حديث : إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ"تفسير : ، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عليه الصلاة والسلام. قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}: هذا هو المقسم عليه، والكبد: المشقة. قال الزمخشريُّ: والكَبدُ: أصله من قولك: كبدَ الرجل كبداً، فهو أكْبَد، إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه، حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المُكابَدةُ، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه، وأصله: كبده إذا أصاب كبده. قال لبيد: [المنسرح] شعر : 5211- يَا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أربَدَ إذْ قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبدِ تفسير : أي: في شدة الأمر، وصعوبة الخطب؛ وقال أبو الإصبع: [البسيط] شعر : 5212- لِيَ ابنُ عَمٍّ لو انَّ النَّاس في كَبدٍ لظَلَّ مُحْتَجِزاً بالنَّبْلِ يَرْمينِي تفسير : قال القرطبيُّ: ومنه تكبَّد اللبن: غلظ واشتد, ومنه الكبدُ؛ لأنه دمٌ تغلظ واشتد, ويقال: كابدتُ هذا الأمر, قاسيت شدته. فصل في المراد بـ "الإنسان" الإنسان هنا ابن آدم. قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: "في كبدٍ" أي: في شدة ونصبٍ وعن ابن عباسٍ أيضاً: في شدّة من حمله، وولادته، ورضاعه, ونبت أسنانه، وسائر أحواله. وروى عكرمةُ عنه, قال: منتصباً في بطن أمه، والكبدُ: الاستواء، والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطن أمها إلاَّ منكبةً على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصاباً. وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما. وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. [وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه، فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجل أمه. وقال الحسن: كابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة]. قال بعضُ العلماء: أول ما يكابدُ قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً، وشد رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الخِتَان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، ثم يكابد شغل الأولاد، والأجناد، ثم يكابد شغل الدُّور، وبناء القصور، ثم الكِبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدَّينِ، ووجع السن، وألم الأذُنِ، ويكابد مِحَناً في المال، والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمر عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعد ذلك مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة أو في النار، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} فلو كان الأمر إليه، ما اختار هذه الشَّدائد، ودل هذا على أن له خالقاً دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال، فليتمثل أمره. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام. وقوله تعالى: {فِي كَبَدٍ} أي: في وسط السماء. وقال الكلبيُّ: إنَّ هذا نزل في رجل من بني جمح، يقال له: أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة بن جُمَح، وكان قوياً، وكان يأخذ الأديم العكاظي، فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق الأديم، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نزل: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}، يعني: لقوته. قوله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}، أي: أيظنّ ابن آدم أن لن يحاسبه الله عزَّ وجل قال ابنُ الخطيب: إن فسرنا الكبد بالشدة والقوة، فالمعنى: أيحسب الإنسان الشديد أن لشدته لا يقدر عليه أحد؟ وإن فسرنا بالمحنة، والبلاء، كان المعنى: أنَّ الإنسان كان في النعمة، والشدة، أي: أفيظنّ أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه شيء، فهو استفهام على سبيل الإنكار. قوله: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً}: يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً. وقرأ العامة: "لُبَداً" بضم اللام وفتح الباء. وشدَّد أبُو جعفرٍ الباء جمع لابِدٍ، مثل: راكع وركع، وساجد وسُجَّد، وعنه أيضاً: سكونها. ومجاهدٌ وابنُ أبِي الزِّناد: بضمتين، وتقدم الكلام على هذه اللفظة في سورة: "الجن". قال أبو عبيدة: "لُبَداً": فعل من التلبيد، وهذا المال الكثير، بعضه على بعض. قال الزَّجَّاجُ: و "فعل" للكثرة، يقال: رجل حطم، إذا كان كثير الحطم. قال الفراءُ: واحدته: "لُبْدَة" و "لُبَدٌ": جمع. وجعل بعضهم: واحد، كـ "حطم"، وهو في الوجهين للكثرة، والمعنى: أنفقت مالاً كثيراً مجتمعاً؛ لأن أهل الجاهلية يدعونه مكارم ومفاخر. قوله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}، أي: أيظن أن لم يعاينه أحد، بل علم الله ذلك منه، فكان كاذباً، في قوله: أهلكت، ولم يكن أنفقه. وقال: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وأين أنفقه. وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالاً كثيراً، وهو في ذلك كاذب. وقال مقاتلٌ: نزلت في الحارثِ بنِ عامرٍ بنِ نوفل، أذنب، فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفَّارات، والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه، يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغياناً منه، أو أسفاً منه، فيكون ندماً منه. قال القرطبيُّ: "وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ: "أيَحْسُبُ"، بضم السين، في الموضعين". وقال الحسنُ: يقول: أتلفت مالاً كثيراً فمن يحاسبني به، دعني أحسبه، ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله - عزَّ وجلَّ- يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه، فقال: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ}: يبصر بهما، {وَلِسَاناً} ينطق بهما، {وَشَفَتَيْنِ}: يستر بهما ثغرهُ، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله. قوله: {وَشَفَتَيْنِ}، الشِّفةُ: محذوفة اللام، والأصل: شفهةٌ، بدليل تصغيرها على "شُفَيْهَة"، وجمعها على "ِفاه" ونظيره: سنة في إحدى اللغتين، وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا يجمع بالألف والتاء، استغناء بتكسيرها عن تصحيحها. قال القرطبي: "يقال: شفهاتٌ وشفواتٌ، والهاء: أقيس، والواو أعم تشبيهاً بالسنوات". قال الأزهريُّ: "يقال: هذه شفة، في الوصل، وشفة، بالتاء والهاء". قوله: {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}، يعني: الطريقتين: طريق الخير وطريق الشِّر. روى قتادةُ قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول: "حديث : يا أيُّها النَّاس، إنَّما هُمَا النَّجدانِ: نَجْدُ الخيرِ، ونجدُ الشَّرِّ، فلم تَجْعَلُ نَجْدَ الشر أحبَّ إليْكَ من نَجْدِ الخَيْرِ ". تفسير : فكأنه لما وهمت الدلائل، جعلت كالطريق المرتفعة العالية، لكونها واضحة للعقول، كوضوح الطريق العالي للأبصار، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 3]، بعد قوله: {أية : فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تفسير : [الإنسان: 2]. ورُوِيَ عن عكرمة، قال: النجدانِ: الثَّديانِ، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ وعلي - رضي الله عنهما - لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه. فقوله: "النجدين" إما ظرف، وإما على حذف الجار إن أريد بهما الثديان. والنَّجدُ في الأصل: العنقُ، لارتفاعه. وقيل: الطريق العالي. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5213- فَريقَانِ: مِنْهُمْ جَازعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ وأخَرُ مِنْهُمْ قَاطِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ تفسير : ومنه سميت نجد، لعلوها عن انخفاض تهامة.

البقاعي

تفسير : لما ختم كلمات الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق، لا سيما المضافة إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان، بعد ما ختم آياتها بالنفس المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد الندم الذي يتمنى لأجله العدم، بعد ما تقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء المعيشة في السراء والضراء، افتتح هذه بالأمارة مقسماً في أمرها بأعظم البلاد وأشرف أولي الانفس المطمئنة، فقال مؤكداً بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ما ثبت من مضمون الكلام مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك: {لا أقسم} أي أقسم قسماً أثبت مضمونه وأنفي ضده، ويمكن أن يكون النفي على ظاهره، والمعنى أن الأمر في الظهور غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم عارفون بأنه في غاية العظمة، فيكون كقوله {أية : فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}تفسير : [الواقعة: 86] {بهذا البلد *} أي الحرام وهو مكة التي لا يصل إليها قاصدوها إلا بشق الأنفس، ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حباً، الدال على أن الله تعالى جعلها خير البلاد، وقذف حبها في قلوب من اختارهم من كل حاضر وباد، لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد، ولم يصفه بالأمن لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين، فإن المراد هناك الكمالات. ولما عظم البلد بالإقسام به، زاده عظماً بالحال به إشعاراً بأن شرف المكان بشرف السكان، وذلك في جملة حالية فقال: {وأنت} يعني وأنت خير كل حاضر وباد {حلٌ} أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه {بهذا البلد *} فتحل قتل ابن خطل وغيره وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة، وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان وغير ذلك مما فعله الله لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة طويله علماً من أعلام النبوة، أو معنى: يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما لا يستحلونه من صيد ولا شجر، وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه تقبيحاً لما يستحلونه من أذى المؤمنين فيه، وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره، فقد وقع القسم بسيد البلاد وسيد العباد، ولكل جنس سيد، وهو انتهاؤه في الشرف، فأشرف الجماد الياقوت وهو سيده، ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار نباتاً ينمو كما في الجنة، وأشرف جنس النبات النخل ولو ارتفع صار حيواناً يتحرك بالإرادة، فالحيوان سيد الأكوان، وسيده الإنسان، لما له من النطق والبيان، وسيد الإنسان الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، لما لهم من عظيم الوصلة بالملك الديان، وسيدهم أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم الذي ختموا به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا القرآن، فسيد الخلق محمد بن عبد الله رسول الله أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام يمكن أن يكون لها، ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه، ولكونه أشرف كانت مكابدته أعلى المكابدات، يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ من السهام، ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف - نفديه بحر وجوهنا ومصون جباهنا وخدودنا - وهو ساجد، ووضع الشوك في طريقه، والإجماع على قصده بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قال صلى الله عليه وسلم"حديث : ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ". تفسير : ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو في الحقيقة به صلى الله عليه وسلم، كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال: {ووالد} ولما كان المراد التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان في جميع أمر التوليد ومما عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان السياق لذم أولي الأنفس الأمارة، وكانوا هم أكثر الناس، حسن التعبير بأداة ما لا يعقل لأنها من أدوات التعجيب فقال: {وما ولد *} أي من ذكر أو أنثى كائناً من كان، فدخل كما مضى النبي صلى الله عليه وسلم فصار مقسماً به مراراً، وكذا دخل أبواه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام وما صنعا وما صنع الله لهما بذلك البلد، ومعلوم أن ذكر الصنعة تنبيه على صانعها، فالمقصود القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه من الجلال، وخص النبي صلى الله عليه وسلم بما خصه به من الإرسال، وفاوت بين المتوالدين في الخصال، من النقص والكمال وسائر الأحوال، تنبيهاً على ما له من الكمال بالجلال والجمال، ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيتاً له على احتمال الأذى، إشارة إلى أن من كان قد حكم عليه بأنه لا يزال في نكد، كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك النكد فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة المشرفة في أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه رضي الله عنهم لعلو مقامه، فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر والصفح، وكل والد ومولود في شدة بالوالدية والمولودية، وغير ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية، من حين هو نطفة في ظلمات ثلاث في ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل؟ من المؤدب والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران، ومن يتسلط عليه من النسوان، مع أنه عرضة للأمراض، وسائر ما يكره من الأعراض والأغراض، والفاقات والنوائب والآفات، والمطالب والحاجات، لا يحظى بهواه، ولا يبلغ مناه، ولا يدرك ما اجتباه، ولا ينجو غالباً مما يخشاه، وتفاصيل هذا الإجمال لا تحصى، ولا حد لها فتستقصى، إلى الموت وما بعده، فلذلك كان المقسم عليه قوله: {لقد خلقنا} أي بما لنا من القدرة التامة والعظمة التي لا تضاهى {الإنسان} أي هذا النوع {في كبد *} أي شدة شديدة ومشقة عظيمة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف، لو وكله سبحانه وتعالى في شيء منها إلى نفسه هلك، ولولا هذه البلايا لادعى ما لا يليق به من عظيم المزايا، وقد ادعى بعضهم مع ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد - تعالى الله عن قولهم الواضح الفساد، بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض وسائر الأنكاد، فعل سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز - مع ما منحه به من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - ما له سبحانه من تمام العلم وشمول القدرة، وليظهر من خلقه له على هذه الصفة، علم جميع ما في السورة، فعلم قطعاً إنكار ظنه لتناهي قدرته وتعالي عظمته، وفساد هذا الظن بشاهد العقل من حيث كونه مصنوعاً، وبشاهد الوجود من أجل أنه يسلك طريق الشر ولا يقدر على طريق الخير إلا بالتوفيق، فعلم قطعاً إعجاز السورة لأنه لا قدرة لمخلوق على أن يأتي بجملة واحدة تجمع جميع ما وراءها من الجمل - هذا إلى ما لها من فنون الإيجاز التي وصلت إلى حد الإعجاز، هذا إلى ما لبقية الجمل من الإعجاز في حسن الرصف وإحكام التركيب والربط والمراعاة بالألفاظ للمعاني إلى غير ذلك مما لا يبلغ كنهه إلى منزله سبحانه وعز شأنه، وعلم أن الإكرام والإهانة ليستا دائرتين على التنعيم في الدنيا والتضييق كما تقدم شرحه في سورة الفجر، ولأجل ما علم من كون الإنسان لا يزال في نكد وشدة ونصب من حث احتياجه أولاً إلى مطلق الحركة والسكون، وثانياً إلى المأكل والمشرب، وثالثاً إلى ما يترتب عليهما إلى غير ذلك مما يعيي عده ويجهل حده، توجه الإنكار في قوله تعالى بياناً للأسباب الموقعة له في النكد، وهي شهوتان: نفسية وحسية، والنفسية منحصرة في أربع: الأولى أنه يشتهي أن يكون كل من في الوجود في قبضته فأشار إليها {أيحسب} أي هذا الإنسان لضعف عقله مع ما هو فيه من أنواع الشدائد {أن لن يقدر} ولما أكد بالفعلية وخصوص هذا النافي قدم الجار تأكيداً بما يفيد من الاهتمام بالإنسان فقال: {عليه} أي خاصة {أحد *} أي من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه مع ما ينظر من اقتداره على أمثاله بنفسه وبمن شاء من جنوده فيعادي رسله عليهم الصلاة والسلام ويجحد آياته.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ يعني بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صبراً، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها حراماً بحرمة الله، فأحل الله له ما صنع بأهل مكة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة {‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به، وأما غيرك فلا. وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال‏:‏ فيَّ نزلت هذه الآية ‏{‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ خرجت فوجدت عبد الله بن خطل متعلقاً بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة أخذ أبو برزة الأسلمي وهو سعيد بن حرب عبد الله بن خطل وهو الذي كانت قريش تسميه ذا القلبين، فأنزل الله {‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4‏]‏، فقدمه أبو برزة فضرب عنقه وهو متعلق بأستار الكعبة، فأنزل الله فيها ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏}‏ وإنما كان ذلك لأنه قال لقريش‏:‏ أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال‏: فاكتب فكان إذا أملى عليه من القرآن، وكان الله عليماً حكيماً كتب، وكان الله حكيماً عليماً، وإذا أملى عليه وكان الله غفوراً رحيماً كتب وكان الله رحيماً غفوراً‏.‏ ثم يقول‏:‏ يا رسول الله اقرأ عليك ما كتبت‏.‏ فيقول‏:‏ نعم، فإذا قرأ عليه وكان الله عليماً حكيماً أو رحيماً غفوراً قال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما هكذا أمليت عليك، وإن الله لكذلك إنه لغفور رحيم، وإنه لرحيم غفور‏.‏ فرجع إلى قريش فقال‏:‏ ليس آمره بشيء كنت آخذ به، فينصرف فلم يؤمنه، فكان أحد الأربعة الذين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم‏ . تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏لا أقسم‏} ‏ قال‏:‏ لا رداً عليهم ‏ {‏أقسم بهذا البلد‏}‏ ‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ يعني مكة ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ يعني رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم.‏ يقول‏:‏ أنت في حل مما صنعت فيه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ يقول‏:‏ لا تؤاخذ بما عملت فيه وليس عليك فيه ما على الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن منصور قال‏:‏ سأل رجل مجاهداً عن هذه الآية ‏{‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ لا أدري، ثم فسرها لي فقال‏:‏ ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ الحرام ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ الحرام، أحل الله له ساعة من النهار قيل له ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير ‏{‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ أحلت له ساعة من نهار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ أنت به غير حرج ولا آثم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطية ‏{‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ أحلت مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ثم حرمت إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ أحلها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار يوم الفتح‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أنت حل بالحرم فاقتل إن شئت أو دع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء ‏{‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لبشر إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولا يختلي خلاها، ولا يعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ لم يكن بها أحد حلاً غير النبي صلى الله عليه وسلم كل من كان بها حرام لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها، ولا يستحلوا حرمه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن شرحبيل بن سعد ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ يحرمون أن يقتلوا بها الصيد ويعضدوا بها شجرة ويستحلون اخراجك وقتلك‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏ {‏لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ أحل له أن يصنع فيه ما شاء ‏ {‏ووالد وما ولد‏}‏ يعني بالوالد آدم ‏ {‏وما ولد‏}‏ ولده‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏{‏ووالد وما ولد‏} ‏ قال‏:‏ الوالد الذي يلد ‏ {‏وما ولد‏} ‏ العاقر الذي لا يلد من الرجال والنساء‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني ‏{‏ووالد وما ولد‏} ‏ قال‏:‏ إبراهيم وما ولد‏.‏ وأخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا أقسم بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏وأنت حل بهذا البلد‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏ووالد وما ولد‏}‏ قال‏:‏ آدم ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ في اعتدال وانتصاب‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ووالد وما ولد‏}‏ قال‏:‏ آدم وما ولد ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان‏} ‏ قال‏:‏ وقع ههنا القسم ‏ {‏في كبد‏} ‏ قال‏:‏ في مشقة يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة ‏ {‏يقول أهلكت مالاً لبدا‏ً} ‏ قال‏:‏ كثيراً‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏ووالد وما ولد‏} ‏ قال‏:‏ الوالد آدم ‏ {‏وما ولد‏} ‏ ولده ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ في شدة ‏ {‏يقول أهلكت مالاً لبدا‏ً}‏ قال‏:‏ كثيراً ‏{‏أيحسب أن لم يره أحد‏}‏ قال‏:‏ لم يقدر عليه أحد‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏ووالد وما ولد‏} ‏ قال‏:‏ آدم ‏ {‏وما ولد‏}‏ ، ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ في نصب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ في شدة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق عطاء عن ابن عباس ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏}‏ قال‏:‏ في شدة خلق في ولادته ونبت أسنانه‏ وسوره ومعيشته وختانه‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم عن ابن عباس ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ خلق الله الإِنسان منتصباً، وخلق كل شيء يمشي على أربع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ منتصب في بطن أمه‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأم أو اضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم‏.‏ وأخرج الطستي في مسائل عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏}‏ قال‏:‏ في اعتدال واستقامة‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول لبيد بن ربيعة‏:‏ شعر : يا عين هلاّ بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه، أحسبه عن عبد الله ‏ {‏في كبد‏} ‏ قال‏:‏ منتصبا‏ً.‏ وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة‏.‏ وأخرج ابن المبارك عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد هذا الإِنسان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في كبد‏} ‏ قال‏:‏ يكابد أمور الدنيا وأمور الآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏في كبد‏} ‏ قال‏:‏ شدة وطول‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم رضي الله عنه ‏{‏في كبد‏}‏ قال‏:‏ في السماء خلق آدم‏.‏ وأخرج أبو يعلى والبغوي وابن مردويه عن رجل من بني عامر رضي الله عنه قال‏:‏ صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقرأ ‏ {‏أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد‏}‏ يعني بفتح السين من يحسب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه ‏ {‏أيحسب أن لن يقدر‏}‏ الآية، قال‏:‏ الكافر يحسب أن لن يقدر الله عليه ولم يره‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏مالاً لبدا‏ً} ‏ قال‏:‏ كثيراً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏أهلكت مالاً لبدا‏ً} ‏ قال‏:‏ أنفقت مالاً في الصد عن سبيل الله ‏ {‏أيحسب أن لم يره أحد‏} ‏ قال‏:‏ الأحد‏:‏ الله عز وجل‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏يقول أهلكت مالاً لبداً‏} ‏ قال‏:‏ أيمن علينا فما فضلناه أفضل ‏ {‏ألم نجعل له عينين‏} ‏ وكذا وكذا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏ألم نجعل له عينين‏} ‏ قال‏:‏ نعم من الله متظاهرة يقررنا بها كيما نشكر‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يقول الله يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً لا تحصي عدها، ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لساناً وجعلت له غلافاً فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فرجاً وجعلت لك ستراً فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك‏.‏ ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تستطيع انتقامي ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وهديناه النجدين‏} ‏ قال‏:‏ سبيل الخير والشر‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وهديناه النجدين‏}‏ قال‏:‏ عرفناه سبيل الخير والشر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وهديناه النجدين‏} ‏ قال‏:‏ الهدى والضلالة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب رضي الله عنه مثله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن علي رضي الله عنه أنه قيل له‏:‏ إن ناساً يقولون‏:‏ إن النجدين الثديين‏.‏ قال‏:‏ الخير والشر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك رضي الله عنهما مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعيد عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وهديناه النجدين‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏أيها الناس إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب من نجد الخير‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فذكر مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر، فلا يكن نجد الشر أحب إلى أحدكم من نجد الخير‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وهديناه النجدين‏} ‏ قال‏:‏ الثديين‏.

ابو السعود

تفسير : مكية وأيُها عشرون {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} أقسمَ سبحانَهُ بالبلدِ الحرامِ وبَما عُطفَ عليهِ عَلى أنَّ الإنسانَ خُلقَ ممنوَّاً بمقاساةِ الشدائدِ ومعاناةِ المشاقِّ واعترضَ بـينَ القسمِ وجوابِه بقولِه تعالَى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} إمَّا لتشريفهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بجعلِ حلولِه بهِ مناطاً لإعظامِه بالإقسامِ بهِ أو التنبـيهِ منْ أولِ الأمرِ عَلى تحققِ مضمونِ الجوابِ بذكرِ بعضِ موادِّ المكابدةِ على نهجِ براعةِ الاستهلالِ وبـيانِ أنَّه عليهِ الصلاةُ والسلامُ معَ جلالةِ قدرهِ وعظمِ حُرمتِه قد استحلُّوه في هَذا البلدِ الحرامِ وتعرضُوا لَهُ بما لاَ خيرَ فيهِ وهمُّوا بما لَمْ ينالُوا عن شُرَحْبـيلَ يحرمونَ أن يقتلُوا بَها صيداً ويعضدُوا بَها شجرةً ويستحلُّونَ إخراجَكَ وقتلكَ أو لتسليتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالوعدِ بفتحِه عَلى مَعْنى وأنتَ حلٌّ بهِ في المستقبلِ كَما في قولِه تعالَى: { أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} تفسير : [سورة الزمر، الآية 30] تصنعُ فيهِ ما تريدُ من القتلِ والأسرِ وقد كانَ كذلكَ حيثُ أحلَّ له عليهِ الصلاةُ والسلامُ مكةَ وفتحَها عليهِ وما فتحتْ عَلى أحدٍ قَبْله ولاَ أحلتْ لهُ فأحلَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فيهَا ما شاءَ وحرَّم ما شاءَ قتلَ ابْنَ خطلٍ وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبةِ ومقيسَ بْنَ ضبابةَ وغيرَهُما وحرَّمَ دارَ أبـي سفيانَ ثمَّ قالَ: "حديث : "إنَّ الله حرَّمَ مكةَ يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ فهَى حرامٌ إلى أنْ تقومَ الساعةُ لم تحلَّ لأحدٍ قَبْلي ولنْ تحلَّ لأحدٍ بعدي ولم تحلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ فَلا يُعضدُ شجرُهَا ولا يُختلى خَلاها ولا ينفرُ صيدُهَا ولا تحلُّ لُقطتُها إلا لمنشدٍ" فقالَ العباسُ يا رسولَ الله إلا الإِذْخِرَ فإنَّه لقيونِنا وقبورِنا وبـيوتِنا فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ "إلاَّ الإذخرَ""تفسير : {وَوَالِدٍ} عطفٌ على هَذا البلدِ والمرادُ بهِ إبراهيمُ وبقولِه تعالَى {وَمَا وَلَدَ} إسماعيلُ والنبـيُّ صلواتُ الله عليهمْ أجمعينَ حسبَما ينبىءُ عنْهُ المعطوفُ عليهِ فإنُه حرمُ إبراهيمَ ومنشأُ إسماعيلَ ومسقطُ رأسِ رسولِ الله عليهمُ الصلاةُ والسلامُ والتعبـيرُ عنهمَا بَما دُونَ مَنْ للتفخيمِ والتعظيمِ كتنكيرِ والدٍ، وإيرادُهم بعنوانِ الولادِ ترشيحٌ لمضمونِ الجوابِ وإيماءٌ إلى أنَّه متحققٌ في حَالتِي الوالديةِ والولديةِ وقيلَ: آدمُ عليهِ السلامُ ونسلُه وهُو أنسبُ لمضمونِ الجوابِ من حيثُ شمولُه للكُلِّ إلا أنَّ التفخيمَ المستفادَ من كلمةِ مَا لا بُدَّ فيهِ من اعتبارِ التغليبِ وقيلَ: وكُلُّ والدٍ وولدهُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}[1] قال: يعني مكة.

السلمي

تفسير : أى بحلولك بها أقسم، فبك عَظُمَ البلد، كما سماها طابة، وطابت به وبمكانه. قال ابن عطاء رحمه الله: أقسم الله بالمدينة لطيبها، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم سماها طيبة، وشرفها بأن جعل تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، ومقامه فيها، وهجرته إليه فقال: {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} الذى شرفته بمكانك حيًا، وببركاتك ميتًا.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}. أي: أُقْسِم بهذا البلد، وهو مكة. {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}. وإنما أُحِلَّتْ له ساعةً واحدةً. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}. كلِّ والدٍ وكلِّ مولود. وقيل: آدم وأولاده. وجواب القسم: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}. ويقال: أُقسم بهذا البلد لأنك حِلٌّ به.. وبَلَدُ الحبيبِ حبيبٌ. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}. أي: في مشقة؛ فهو يقاسي شدائد الدنيا والآخرة. ويقال: خَلَقه في بطن أمه (منتصباً رأسُه) فإذا أذِنَ الله أن يخرج من بطن أمِّه تنكَّس رأسُه عند خروجه، ثم في القِماط وشدِّ الرِّباط.. ثم إلى الصِّراط هو في الهِياط والمِياط. قوله جل ذكره: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}. أي: لقَّوته وشجاعته عند نَفْسِه يقول: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً}. {لُّبَداً} كثيراً، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}. أليس يعلم أنَّ الله يراه، وأَنه مُطَّلِعٌ عليه؟

البقلي

تفسير : اقسم الله سبحانه بمكة التى فيها بيته الذى فيه ايات شروق انوار صفاته فيها المشاهدى الحضرة وطلاب القدرة اقسم مما يبدو منها من انوار تلك الاسرار قال الواسطى اى يجلونك بهذا اقسم فيك اعظم البلد كما سماها طابة طابة به وبمكانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا اقسم بهذا البلد} اى اقسم بالبلد الحرام الذى هو مكة فكلمة لا صلة دل عليه ان الله اقسم بالبلد الامين فى سورة التين وبالفارسية سوكند ميخورم. بمكه وفى كشف الاسرار لا لتأكيد القسم كقول العرب لا والله ما فعلت كذا لا والله لافعلن كذا والبلد المكان والمحدود المتأثر باجتماع قطانه واقامتهم فيه وجمعه بلاد وبلدان ثم ان الله تعالى اقسم بمكة لفضلها فانه جعلها حرما آمنا ومسقط رأس النبى عليه السلام وحرم ابيه ابراهيم ومنشأ ابيه اسماعيل عليهما السلام وجعل البيت قبلة لاهل الشرق والغرب وحج البيت كفارة لذنوب العمر وجعل البيت المعمور فى السماء بازآئه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لا أُقسم بهذا البلد}؛ أَقسم تعالى بالبلد الحرام، وما عطف عليه على أنّ الإنسان خُلق مغموراً بمقاساة الشدائد ومعاناة المشاقّ. واعترض بين القسم وجوابه بقوله: {وأنت حِلّ بهذا البلد}، أي: وأنت حالّ ساكن به، فهو حقيق بأن يُقسم به لحلولك به، أو: وأنت حِل، أي: تُستحل حرمتُكَ, ويُؤذيك الكفرةُ مع أنَّ مكة لا يَحل فيها قتل صيد ولا بشر، ولا قطع شجر, وعلى هذا قيل: "لا أٌقسم" نفي، أي: لا أقسم بهذا وأنت تلحقك فيه إذاية، وهذا ضعيف، أو: وأنت حلال يجوز لك في هذا البلد ما شئت مِن قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنَّ هذا البلد حرام، حرّمه اللهُ يومَ خلق السموات والأرض، لم يَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أُحل لي ساعة من نهارٍ " تفسير : ، يعني: فتح مكة، وفيه أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بأستار الكعبة. فإن قلتَ: السورة مكية، وفتح مكة كان سنَة ثمان من الهجرة؟ قلتُ: هو وعد بالفتح وبشارة. انظر ابن جزي. وكثير من الآيات نزلت بمكة ولم يتحقق مصداقها إلاّ بعد الهجرة، كقوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [فصلت:6، 7] وقوله تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ} تفسير : [الأحقاف:10] وغير ذلك. {ووالدٍ وما وَلَد} أي: وآدم وجميع ولده، أو نوح وولده، أو إبراهيم وولده، أو إسماعيل ونبينا صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه حَرَمُ إبراهيم ومنشأ إسماعيل، ومسكن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وولده، أو جنس كل والد ومولود. {لقد خلقنا الإِنسانَ} أي: جنسه {في كبدٍ}؛ في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يُقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يُكابد مشاق التعلُّم، ثم مشاق القيام بأمور الدين وأمور معاشه وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره, ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلاّ بعد دخول الجنة لتكون حلوة عنده، هذا في عموم الناس، وأمّا خواص العارفين فقد استراحوا حين وصلوا إلى معرفة الحق، فأسقطوا عنهم الأحمال؛ لتحققهم أنهم محمولون بالقدرة الأزلية، فلما أَسقطوا حِمْلَهم قام الله بأمرهم، لقوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق:3]، يقال: كَبِدَ الرجل كَبَداً: إذا وجعت كبده من مرض أو تعب. {أَيَحْسَبُ أن لَّن يَقْدِر عليه أَحدٌ} أي: أيظن الإنسان الكافر أن لن يقدر على بعثه أحد، أو: أيظن بعض الإنسان ألن يغلبه أحدٌ، فعلى هذا نزلت في مُعَيّن, قيل: هو أبو الأشدّين الجمحي، رجل من قريش كان شديد القوة، مغترًّا بقوته، كان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه، ويقول: مَن أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعاً، ولا تزال قدماه، وقيل: عَمْرو بن عبد ود، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. {يقولُ أهلكتُ مالاً لُّبَداً} أي: كثيراً، جمع لُبْدَة وهو ما تلبّد بعضه على بعض، يريد كثرة ما أنفقه، مما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ومعالي، رياءً وفخراً. {أيَحْسَبُ أن لمْ يَرَه أحدٌ}؟ حين كان ينفق ما ينفق رياءً وسُمعةً، وأنه تعالى لا يُحاسبه ولا يجازيه, يعني: أنَّ الله كان يراه وكان عليه رقيباً فيُجازيه عليه. ثم ذكر نِعمه عليه، فقال: {ألم نجعل له عينين} يُبصر بهما المرئيات، {ولساناً} يُعَبِّرُ به عما في ضميره، {وشفتين} يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النُطق والأكل والشرب والنفخ وغيرها، {وهديناه النجدين} أي: طريقي الخير والشر المُفضيان إلى الجنة أو النار، فهو كقوله: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ...}تفسير : [الإنسان:3] الآية. وليس المراد بالهدى معنى الإرشاد, بل معنى الإلهام، أو: الثديين، وأصل النجد: المكان المرتفع، ومنه سُميت نجد, لارتفاعها عما انخفض من الحجاز. الإشارة: أقسم تعالى ببلد المعاني، التي هي أسرار الذات، ووالد، وهو الروح الأعظم وما تولّد منه من الأرواح الجزئيات، لقد خلق الإنسانَ في كبد: في تعب الظاهر والباطن إلاّ مَن رجع إلى أصله، أعني: روحانيًّا قدسيًّا، فإنه حينئذ يستريح من تعب الطبع. قال الكواشي: عن بعضهم: الإنسان في كبد ما دام قائماً بطبعه، واقفاً بحاله، فإنه في ظلمة وبلاء، فإذا فني عن أوصاف إنسانيته، بفناء طبائعه عنه، صار في راحةٍ. هـ. والحاصل: أنَّ الإنسان كله في تعب إلاَّ مَن عرف الله تعالى معرفة العيان، فإنه في روح وريحان، وجنات ورضوان. أَيَحْسَب الجاهل أن لن يقدر على حمل أثقاله أحدٌ، فلذلك أتعب نفسه في تدبير شؤونه، بلى نحن قادرون على حَمل حمله إن أسقطه توكلاً علينا. ألم نجعل له عينين، فلينظر بهما مَن حَمل السمواتِ والأرض، أليس ذلك بقادرٍ على حمل أثقاله؟ فليرح نفسه من تعب التدبير، فما قام به عنه غيرُه لا يقوم به هو عن نفسه، وجعلنا له لساناً يشكر به نِعَمَ مولاه، وشفتين يصمت بهما عما لا يعنيه، وهديناه الطريقين؛ الشريعة والحقيقة، فإذا سلكهما وصلناه إلينا. ثم أمره بالمجاهدة في سلوك الطريق التي تُفضي به إلى راحته، فقال: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو جعفر {لبداً} بتشديد الباء. الباقون بالتخفيف، قوله {لا أقسم} معناه أقسم، ولا صلة، كما قال الشاعر: شعر : ولا ألوم البيض ان لا تسخرا تفسير : أي ان تسخر. وقيل: هي رداً لكلام على طريق الجواب، لمن قد ظهر منه الخلاف أى ليس الامر على ما يتوهم. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. فاذا أثبت انه اقسم، فلا ينافي قوله {وهذا البلد الأمين} لأن هذا قسم آخر مثله. وإنما يكون مناقضة لو أراد نفي القسم بقوله {لا أقسم} فأما إذا كان الامر على ما بيناه فلا تنافي بينهما. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: يعني بالبلد مكة. وقوله {وأنت حل بهذا البلد} فمعناه في قول ابن عباس أنه حلال لك به قتل من رأيت حين أمر بالقتال، فقتل ابن حنظل صبراً، وهو آخذ باستار الكعبة ولم يحل لأحد بعده. وبه قال مجاهد وابن زيد والضحاك. وقال عطاء: لم يحل إلا لنبيكم ساعة من النهار. وقال الحسن: معناه وأنت فيه محسن وأنا عنك راض. وقيل: معناه أنت حل بهذا البلد أي انت فيه مقيم، وهو محلل. والمعنى بذلك التنبيه على شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى تعظيم الله وإخلاص عبادته المبشر بالثواب والمنذر بالعقاب، ويقال: رجل حل أي حلال وقالوا: حل معناه حال. أي ساكن. وقوله {ووالد وما ولد} قسم آخر بالوالد وما ولد، قال ابن عباس وعكرمة: المعني بذلك كل والد وما ولد يعني العاقل. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان وابو صالح: يعني آدم وولده. وقال ابو عمران الحوبي: يعني به إبراهيم عليه السلام وولده. وقوله {لقد خلقنا الإنسان في كبد} جواب القسم، ومعنى كبد قال ابن عباس والحسن: فى شدة. وقال قتادة: معناه يكابد الدنيا والآخرة. قال مجاهد وابو صالح وإبراهيم النخعي وعبد الله بن شداد: معناه في إنتصاب قامة، فكأنه في شدة قوام مخصوص بذلك من سائر الحيوان، قال لبيد: شعر : يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد تفسير : أي في شدة نصب، فالكَبد في اللغة شدة الأمر يقال: تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد، كأنه دم يغلظ ويشتد، وتكبد الدم إذا صار كالكبد، والانسان مخلوق في شدة أمر بكونه في الرحم. ثم في القماط والرباط. ثم على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف، فينبغي له أن يعلم ان الدنيا دار كدّ ومشقة، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة. وقوله {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} معناه أيظن هذا الانسان أن لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى وارتكب معاصيه فبئس الظن ذلك. وقيل: إنها نزلت في رجل يقال له أبو الاسدين كان من القوة بحيث يقف على أديم عكاظي فيجري العسرة من تحته، فتنقطع ولا يبرح من عليه فقال الله تعالى {أيحسب} لشدته وقوته {أن لن يقدر عليه أحد} ثم حكى ما يقول هذا الانسان من قوله {أهلكت مالاً لبداً} قال الحسن: معناه يقول أهلكت مالا كثيراً، فمن يحاسبني عليه، حميق ألم يعلم ان الله قادر على محاسبته، اللبد الكثير الذي قد تراكب بعضه على بعض، ومنه تلبد القطن والصوف إذا تراكب بعضه على بعض، وكذلك الشعر ومنه اللبد ومن قرأ {لبداً} بتشديد الباء، فهو جمع لابد. وقوله {أيحسب أن لم يره أحد} ايظن هذا الانسان انه لم يبصره أحد فيطالبه من اين كسب هذا المال، وفي أي شيء أنفقه - ذكره قتادة - وقيل: معنا ايظن أن لم يره أحد في انفاقه، لانه كاذب. وقال الحسن: يقول: أنفقت مالا كثيراً فمن يحاسبني عليه. وقيل الآيه نزلت في رجل من بني جمح يكنى أبا الاسدين، وكان قوياً شديداً. ثم نبهه تعالى على وجوه النعمة التى أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده وخلع الأنداد دونه بقوله {ألم نجعل له عينين} ليبصر بهما {ولساناً وشفتين} لينطق بهما {وهديناه النجدين} ليستدل بهما. وفي ذلك دليل واضح على أنه صادر من مختار لهذه الافعال التي فعلها بهذه الوجوه، فأحكمها لهذه الامور، فالمحكم المتقن لا يكون إلا من عالم، وتعليقه بالمعاني لا يكون إلا من مختار، لانه لا يعلق الفعل بالمعاني إلا في الارادة. وقال ابن مسعود: وابن عباس: معنى هديناه النجدين: نجد الخير والشر، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة، وفي رواية عن ابن عباس أنهما الثديان، والنجدان الطريقان للخير والشر. وأصل النجد للعلو ونجد بلد سمي نجد العلوة عن انجفاض تهامة، وكل عال من الارض نجد، والجمع نجود، ورجل نجد بين النجدة إذا كان جلداً قوياً، لاستعلائه على قوته، واستنجدت فلاناً فانجدني أي استعنته على خصمي فأعانني، والنجد الكرب والغم، والنجاد ما على العاتق من حمالة السيف، وشبه طريق الخير والشر بالطريقين العاليين لظهوره فيهما.

الجنابذي

تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} اى بلد مكّة وهو البلد الحرام وقد مضى بيان لا اقسم وانّ لا زائدةٌ لتأكيد القسم او نافية، ونفى لمعتقدهم، او نافية ونفى للقسم.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن إبراهيم بن أبي يحيى قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد وأنت حلّ بهذا البلد} قال: إن قريشاً كانوا يحرمون البلد ويتقلدون اللحاء الشجر- قال حماد: أغصانها- إذا خرجوا من الحرم فاستحلوا من نبي الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] الشتم والتكذيب فقال: {لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد} إنهم عظموا البلد واستحلوا ما حرم الله [تعالى. ر].

الأعقم

تفسير : {لا أقسم} الله سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإِنسان خلق معموراً في مكابدة المشاق والشدائد، وقيل: برب مكة، وبالاتفاق أن البلد مكة {وأنت حلّ بهذا البلد} حلال لك حين أمر بالقتال يوم الفتح وأحل له فدخلها كرهاً ولم يحل لأحد بعده، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خطب وقال: "حديث : إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض إلى أن تقوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار"تفسير : ، وقيل: أقسم بهذا البلد {وأنت حلّ} أي حال {ووالدٍ وما ولد} قيل: كل والد وما ولد، وقيل: ابراهيم وولده {لقد خلقنا الانسان في كبد} هو جواب القسم في كبد في نصب وشدة، وقيل: مكابدة أمر الدنيا والآخرة، وقيل: يحتاج إلى أن يكابد العيش وأمر الدنيا ويكابد ما أمر به من أمر الطاعة واجتناب المعصية ويكابد الشكر على النعم والصبر على المحن، وروي عن ابن عباس: ليس شيء من خلق الله يكابد الانسان في أموره وحياته ومعيشته ما يكابد مع ما يصير إليه من أمور الآخرة {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} على إعادته بعد موته ومجازاته على أعماله {يقول أهلكت مالاً لبداً} يعني مالاً جماً في معصية الله ندماً وتحسراً، وقيل: يقول ذلك على سبيل الافتخار {أيحسب أن لم يره أحد} يطالبه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة لا أقسم بهذا البلد، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} يعني مكة. و {لاَ أُقْسِمُ} وَأقسم واحد إذا أردت القسم. قال تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} يعني مكة. وهذا حين أُحِلّت للنبي عليه السلام ساعة من النهار يوم الفتح. قال النبي عليه السلام: إنما أحلّت لي ساعة من نهار. وتفسير الحسن: أي: لا تواخذ بما فعلت فيه، يعني مكة، أي: ليس عليك فيه ما على الناس. قال عز وجل: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} أي: آدم وما ولد. وهذا كله قسم من أول السورة إلى هذا الموضع. قال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} أي في انتصاب. وقيل: في شدة وذلك أن الخلق كلهم منكب إلا ابن آدم. وقال بعضهم: يكابد الدنيا حتى يموت، أي: يكابد عمل الدنيا والآخرة حتى يموت، فإن كان مؤمناً كابد أيضاً عمل الآخرة.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم *{لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ} تقدم الكلام عليه والبلد مكة في جميع أقوال المفسرين وكذا قيل وهو مشكل بالنظر إلى قول من قال أن السورة كلها مدنية.

اطفيش

تفسير : لا صلة للتـأكيد أو لأنا أقسم أو نفى الإِقسام لظهور الأَمر أو لإِعظامك أو لنقصهم حرمة هذا البلد بإهانتك فيه وهو مكة أو أنت أولى بالإِقسام بك منه وعلى الإِثبات يكون الإِقسام بالبلد تعظيماً لكون النبى - صلى الله عليه وسلم- فيه، وهذا تشريف عظيم له - صلى الله عليه وسلم - وعلى النفى للإِقسام مع أنه قد أقسم يكون المعنى استحقوا أو استحق كذا أن لا أقسم وقد أقسمت لحكمة أو النفى على ظاهره كمن قال لا أقول والله إِن زيداً قائم.

الالوسي

تفسير : أقسم سبحانه بالبلد الحرام - أعني مكة فإنه المراد بالمشار إليه بالإجماع - وما عطف عليه على الإنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق ومعاناة الشدائد. وقوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }

سيد قطب

تفسير : تضم هذه السورة الصغيرة جناحيها على حشد من الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني ذات الإيحاءات الدافعة واللمسات الموحية. حشد يصعب أن يجتمع في هذا الحيز الصغير في غير القرآن الكريم، وأسلوبه الفريد في التوقيع على أوتار القلب البشري بمثل هذه اللمسات السريعة العميقة.. تبدأ السورة بالتلويح بقسم عظيم، على حقيقة في حياة الإنسان ثابتة: {لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد. ووالد ما ولد. لقد خلقنا الإنسان في كبد}. والبلد هو مكة. بيت الله الحرام. أول بيت وضع للناس في الأرض. ليكون مثابة لهم وأمناً. يضعون عنده سلاحهم وخصوماتهم وعداواتهم، ويلتقون فيه مسالمين، حراماً بعضهم على بعض، كما أن البيت وشجره وطيره وكل حي فيه حرام. ثم هو بيت إبراهيم والد إسماعيل أبي العرب والمسلمين أجمعين. ويكرم الله نبيه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيذكره ويذكر حله بهذا البلد وإقامته، بوصفها ملابسة تزيد هذا البلد حرمة، وتزيده شرفاً، وتزيده عظمة. وهي إيماءة ذات دلالة عميقة في هذا المقام. والمشركون يستحلون حرمة البيت، فيؤذون النبي والمسلمين فيه، والبيت كريم، يزيده كرماً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حل فيه مقيم. وحين يقسم الله ـ سبحانه ـ بالبلد والمقيم به، فإنه يخلع عليه عظمة وحرمة فوق حرمته، فيبدو موقف المشركين الذين يدعون أنهم سدنة البيت وأبناء إسماعيل وعلى ملة إبراهيم، موقفاً منكراً قبيحاً من جميع الوجوه. ولعل هذا المعنى يرشح لاعتبار: {ووالد وما ولد}.. إشارة خاصة إلى إبراهيم، أو إلى إسماعيل ـ عليهما السلام ـ وإضافة هذا إلى القسم بالبلد والنبي المقيم به، وبانيه الأول وما ولد.. وإن كان هذا الاعتبار لا ينفي أن يكون المقصود هو: والد وما ولد إطلاقاً. وأن تكون هذه إشارة إلى طبيعة النشأة الإنسانية، واعتمادها على التوالد. تمهيداً للحديث عن حقيقة الإنسان التي هي مادة السورة الأساسية. وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من تفسيره للسورة في "جزء عم" لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه "الظلال" فنستعيرها منه هنا.. قال رحمه الله: "ثم أقسم بوالد وما ولد، ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود ـ وهو طور التوالد ـ وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ، وإبلاغه حده من النمو المقدر له". "فإذا تصورت في النبات كم تعاني البذرة في أطوار النمو: من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر، إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذوراً أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها ـ إذا أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو أشد وأجسم".. انتهى.. يقسم هذا القسم على حقيقة ثابتة في حياة الكائن الإنساني: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}.. في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح.. كما قال في السورة الأخرى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.. الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء ـ بإذن ربها وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض ـ إلى جانب ما تذوقه الوالدة ـ ما تذوق. وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم! ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة. وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء! ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق؛ هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره. وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف.. وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله. وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء. إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا. تختلف أشكاله وأسبابه. ولكنه هو الكبد في النهاية. فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمرّ في الأخرى. وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله. على أن في الأرض ذاتها بعض الجزاء على ألوان الكدح والعناء. إن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير. ليس مثله طمأنينة بال وارتياحاً للبذل، واسترواحاً بالتضحية، فالذي يكدح وهو طليق من أثقال الطين، أو للانطلاق من هذه الأثقال، ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل ويلصق بالأرض كالحشرات والديدان! والذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل نزوة.. ليس مثله في خاصة شعوره بالجهد والكبد الذي يلقاه. وبعد تقرير هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية يناقش بعض دعاوى "الإنسان" وتصوراته التي تشي بها تصرفاته: {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ يقول: أهلكت مالاً لبدا. أيحسب أن لم يره أحد؟}. إن هذا "الإنسان" المخلوق في كبد، الذي لا يخلص من عناء الكدح والكد، لينسى حقيقة حاله وينخدع بما يعطيه خالقه من أطراف القوة والقدرة والوجدان والمتاع، فيتصرف تصرف الذي لا يحسب أنه مأخوذ بعمله، ولا يتوقع أن يقدر عليه قادر فيحاسبه.. فيطغى ويبطش ويسلب وينهب، ويجمع ويكثر، ويفسق ويفجر، دون أن يخشى ودون أن يتحرج.. وهذه هي صفة الإنسان الذي يعرى قلبه من الإيمان. ثم إنه إذا دعي للخير والبذل (في مثل المواضع التي ورد ذكرها في السورة) {يقول: أهلكت مالاً لبداً}.. وأنفقت شيئاً كثيراً فحسبي ما أنفقت وما بذلت! {أيحسب أن لم يره أحد}؟ وينسى أن عين الله عليه، وأن علمه محيط به، فهو يرى ما أنفق، ولماذا أنفق؟ ولكن هذا "الإنسان" كأنما ينسى هذه الحقيقة، ويحسب أنه في خفاء عن عين الله! وأمام هذا الغرور الذي يخيل للإنسان أنه ذو منعة وقوة، وأمام ضنه بالمال وادعائه أنه بذل الكثير، يجابهه القرآن بفيض الآلاء عليه في خاصة نفسه، وفي صميم تكوينه، وفي خصائص طبيعته واستعدادته، تلك الآلاء التي لم يشكرها ولم يقم بحقها عنده: {ألم نجعل له عينين؟ ولساناً وشفتين؟ وهديناه النجدين؟}.. إن الإنسان يغتر بقوته، والله هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة. ويضن بالمال. والله هو المنعم عليه بهذا المال. ولا يهتدي ولا يشكر، وقد جعل له من الحواس ما يهديه في عالم المحسوسات: جعل له عينين على هذا القدر من الدقة في تركيبهما وفي قدرتهما على الإبصار. وميزه بالنطق، وأعطاه أداته المحكمة: {ولساناً وشفتين}.. ثم أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل: {وهديناه النجدين}.. ليختار أيهما شاء، ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين. والنجد الطريق المرتفع. وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء، وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقاً لحكمة الله في الخلق، وإعطاء كل شيء خلقه، وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود. وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية؛ كما أنها تمثل قاعدة "النظرية النفسية الإسلامية" هي والآيات الأخرى في سورة الشمس: {أية : ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} تفسير : (وسنرجئ عرضها بشيء من التفصيل إلى الموضع الآخر في سورة الشمس لأنه أوسع مجالاً). هذه الآلاء التي أفاضها الله على الجنس الإنسان في خاصة نفسه، وفي صميم تكوينه، والتي من شأنها أن تعينه على الهدى: عيناه بما تريان في صفحات هذا الكون من دلائل القدرة وموحيات الإيمان؛ وهي معروضة في صفحات الكون مبثوثة في حناياه. ولسانه وشفتاه وهما أداة البيان والتعبير؛ وعنهما يملك الإنسان أن يفعل الشيء الكثير. والكلمة أحياناً تقوم مقام السيف والقذيفة وأكثر؛ وأحياناً تهوي بصاحبها في النار كما ترفعه أو تخفضه. في هذه النار.. "عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار. قال: "حديث : سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل شعار الصالحين. ثم تلا قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع.....}. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه. قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم ـ أو قال: على مناخرهم ـ إلا حصائد ألسنتهم؟"تفسير : رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. وهدايته إلى إدراك الخير والشر، ومعرفة الطريق إلى الجنة والطريق إلى النار، وإعانته على الخير بهذه الهداية.. هذه الآلاء كلها لم تدفع هذا "الإنسان" إلى اقتحام العقبة التي تحول بينه وبين الجنة. هذه العقبة التي يبينها الله له في هذه الآيات: {فلا اقتحم العقبة.. وما أدراك ما العقبة؟ فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولـئك أصحاب الميمنة}.. هذه هي العقبة التي يقتحمها الإنسان ـ إلا من استعان بالإيمان ـ هذه هي العقبة التي تقف بينه وبين الجنة. لو تخطاها لوصل! وتصويرها كذلك حافز قوي، واستجاشة للقلب البشري، وتحريك له ليقتحم العقبة وقد وضحت ووضح معها أنها الحائل بينه وبين هذا المكسب الضخم.. {فلا اقتحم العقبة}! ففيه تحضيض ودفع وترغيب! ثم تفخيم لهذا الشأن وتعظيم: {وما أدراك ما العقبة!}.. إنه ليس تضخيم العقبة، ولكنه تعظيم شأنها عند الله، ليحفز به "الإنسان" إلى اقتحامها وتخطيها؛ مهما تتطلب من جهد ومن كبد. فالكبد واقع واقع. وحين يبذل لاقتحام العقبة يؤتي ثمره ويعوض المقتحم عما يكابده، ولا يذهب ضياعاً وهو واقع واقع على كل حال! ويبدأ كشف العقبة وبيان طبيعتها بالأمر الذي كانت البيئة الخاصة التي تواجهها الدعوة في أمسّ الحاجة إليه: فك الرقاب العانية؛ وإطعام الطعام والحاجة إليه ماسة للضعاف الذين تقسو عليهم البيئة الجاحدة المتكالبة، وينتهي بالأمر الذي لا يتعلق ببيئة خاصة ولا بزمان خاص، والذي تواجهه النفوس جميعاً، وهي تتخطى العقبة إلى النجاة: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة}.. وقد ورد أن فك الرقبة هو المشاركة في عتقها، وأن العتق هو الاستقلال بهذا.. وأياً ما كان المقصود فالنتيجة الحاصلة واحدة. وقد نزل هذا النص والإسلام في مكة محاصر؛ وليست له دولة تقوم على شريعته. وكان الرق عاماً في الجزيرة العربية وفي العالم من حولها. وكان الرقيق يعاملون معاملة قاسية على الإطلاق. فلما أن أسلم بعضهم كعمار بن ياسر وأسرته، وبلال بن رباح، وصهيب.. وغيرهم ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ اشتد عليهم البلاء من سادتهم العتاة، وأسلموهم إلى تعذيب لا يطاق. وبدا أن طريق الخلاص لهم هو تحريرهم بشرائهم من سادتهم القساة، فكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ هو السابق كعادته دائماً إلى التلبية والاستجابة في ثبات وطمأنينة واستقامة.. قال ابن إسحاق: "وكان بلال مولى أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ لبعض بني جمح مولدا من مولديهم وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة؛ ثم يأمرهم بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.." "حتى مر به أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يوماً وهم يصنعون ذلك به ـ وكانت دار أبي بكر في بني جمح. فقال لأمية بن خلف، ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى. فقال أبو بكر: أفعل. عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك" أعطيكه به. قال: قد قبلت. قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ غلامه ذلك وأخذه وأعتقه. "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب. بلال سابعهم: عامر بن فهيرة (شهد بدراً وقتل يوم بئر معونة شهيداً) وأم عبيس، وزنيرة. (وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى! فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان. فرد الله بصرها) وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبداً. فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ حلٌ يا أم فلان (أي تحللي من يمينك) فقالت: حل! أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. قال: قد أخذتهما وهما حرتان. أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: ذلك إن شئتما. "ومر بجارية بني مؤمل ـ هي من بني عدي ـ وكانت مسلمة، وكان عمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام ـ وهو يومئذ مشرك ـ وهو يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة! فتقول: كذلك فعل الله بك! فابتاعها أبو بكر فأعتقها". قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله، قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني إني أراك تعتق رقاباً ضعافاً. فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جُلدا يمنعونك ويقومون دونك! قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله...".. لقد كان ـ رضي الله عنه ـ يقتحم العقبة وهو يعتق هذه الرقاب العانية.. لله.. وكانت الملابسات الحاضرة في البيئة تجعل هذا العمل يذكر في مقدمة الخطوات والوثنيات لاقتحام العقبة في سبيل الله. {أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتمياً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة}.. والمسغبة: المجاعة، ويوم المجاعة الذي يعز فيه الطعام هو محك لحقيقة الإيمان. وقد كان اليتيم يجد في البيئة الجاهلية المتكالبة الخسف والغبن. ولو كان ذا قربى. وقد حفل القرآن بالوصية باليتيم. مما يدل على قسوة البيئة من حول اليتامى. وظلت هذه الوصايا تتوالى حتى في السور المدنية بمناسبة تشريعات الميراث والوصاية والزواج. وقد مر منها الكثير في سورة النساء خاصة.. وفي سورة البقرة وغيرهما. وكذلك إطعام المسكين ذي المتربة ـ أي اللاصق بالتراب من بؤسه وشدة حاله ـ في يوم المسغبة يقدمه السياق القرآني خطوة في سبيل اقتحام العقبة، لأنه محك للمشاعر الإيمانية من رحمة وعطف وتكافل وإيثار، ومراقبة لله في عياله، في يوم الشدة والمجاعة والحاجة. وهاتان الخطوتان: فك الرقاب وإطعام الطعام كانتا من إيحاءات البيئة الملحة، وإن كانت لهما صفة العموم، ومن ثم قدمها في الذكر. ثم عقب بالوثبة الكبرى الشاملة: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة}.. و {ثم} هنا ليست للتراخي الزمني، إنما هي للتراخي المعنوي باعتبار هذه الخطوة هي الأشمل والأوسع نطاقاً والأعلى أفقاً. وإلا فما ينفع فك رقاب ولا إطعام طعام بلا إيمان. فالإيمان مفروض وقوعه قبل فك الرقاب وإطعام الطعام. وهو الذي يجعل للعمل الصالح وزناً في ميزان الله. لأنه بمنهج ثابت مطرد. فلا يكون الخير فلتة عارضة ترضية لمزاج متقلب، أو ابتغاء محمدة من البيئة أو مصلحة. وكأنما قال: فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة.. وفوق ذلك كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. فثم هنا لإفادة معنى الفضل والعلو. والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة. والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته. درجة تماسك الجماعة المؤمنة، وتواصيها على معنى الصبر، وتعاونها على تكاليف الإيمان. فهي أعضاء متجاوبة الحس. تشعر جميعاً شعوراً واحداً بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه، فيوصي بعضها بعضاً بالصبر على العبء المشترك؛ ويثبت بعضها بعضاً فلا تتخاذل؛ ويقوي بعضها بعضاً فلا تنهزم. وهذا أمر غير الصبر الفردي. وإن يكن قائماً على الصبر الفردي. وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة. وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت، ولا يكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام؛ ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة. وكذلك التواصي بالمرحمة. فهو أمر زائد على المرحمة. إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتخاذه واجباً جماعياً فردياً في الوقت ذاته، يتعارف عليه الجميع، ويتعاون عليه الجميع. فمعنى الجماعة قائم في هذا التوجيه. وهو المعنى الذي يبرزه القرآن كما تبرزه أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهميته في تحقيق هذا الدين. فهو دين جماعة، ومنهج أمة، مع وضوح التبعة الفردية والحساب الفردي فيه وضوحاً كاملاً.. وأولئك الذين يقتحمون العقبة ـ كما وصفها القرآن وحددها ـ {أولئك أصحاب الميمنة}.. وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى. أو أنهم أصحاب اليمين والحظ والسعادة.. وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني. {والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة. عليهم نار مؤصدة}.. ولم يحتج هنا إلى ذكر أوصاف أخرى لفريق المشأمة غير أن يقول: {والذين كفروا بآياتنا}.. لأن صفة الكفر تنهي الموقف. فلا حسنة مع الكفر. ولا سيئة إلا والكفر يتضمنها أو يغطي عليها. فلا ضرورة للقول بأنهم الذين لا يفكون الرقاب ولا يطعمون الطعام، ثم هم الذين كفروا بآياتنا.. فإذا كفروا فما هو بنافعهم شيء من ذلك حتى لو فعلوه! وهم أصحاب المشأمة. أي أصحاب الشمال أو هم أصحاب الشؤم والنحس.. وكلاهما كذلك قريب في المفهوم الإيماني. وهؤلاء هم الذين بقوا وراء العقبة لم يقتحموها! {عليهم نار مؤصدة}.. أي مغلقة.. إما على المعنى القريب.. أي أبوابها مغلقة عليهم وهم في العذاب محبوسون. وإما على لازم هذا المعنى القريب؛ وهو أنهم لا يخرجون منها. فبحكم إغلاقها عليهم لا يمكن أن يزايلوها.. وهذان المعنيان متلازمان.. هذه هي الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني، وفي التصور الإيماني. تعرض في هذا الحيز الصغير. بهذه القوة وبهذا الوضوح.. وهذه خاصية التعبير القرآني الفريد...

ابن عاشور

تفسير : ابتدئت بالقسم تشويقاً لما يرد بعده وأطيلت جملة القسم زيادة في التشويق. و{لا أقسم} معناه: أقسم. وقد تقدم ذلك غير مرة منها ما في سورة الحاقة. وتقدم القول في: هل حرف النفي مزيد أو هو مستعمل في معناه كناية عن تعظيم أمر المقسم به. والإِشارة بــــ «هذا» مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة، ومثله ما في قوله: { أية : إنما أُمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة } تفسير : [النمل: 91]. وفائدة الإِتيان باسم الإِشارة تمييز المقسم به أكْمَلَ تمييز لقصد التنويه به. والبلد: جانب من متسع من أرض عامرةً كانتْ كما هو الشائع أم غامرة كقول رؤبة بن العجاج: شعر : بلْ بَلَدٍ ملءُ الفجاج قَتمُه تفسير : وأطلق هنا على جانب من الأرض مجعولة فيه بيوت من بناء وهو بلدة مكة والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلٰهية ولا من صفات أفعاله كنايةٌ عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله. وجملة: {وأنت حل بهذا البلد} معترضة بين المتعاطفات المقسم بها والواو اعتراضية. والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى {وأنتَ حِلّ} فيجوز أن يكون {حِلّ} اسم مصدرِ أحَلّ، أي أباح، فالمعنى وقد جعلَك أهلُ مكة حلالاً بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعَضْدُ شجره، وهم مع ذلك يُحلون قتلك وإخراجَك، قال هذا شُرَحْبيل بن سعد فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من مضمون الجملة وعليه فالإِخبار عن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف {حِلّ} يقدر فيه مضاف يعيِّنه ما يصلح للمقام، أي وأنت حلال منك ما حُرِّم من حقِّ ساكن هذا البلد من الحُرمة والأمن. والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في بلد لا يظلمون فيه أحداً. والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها، أي فهم يحرِّمون أن يتعرضوا بأذى للدواب، ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله. ويجوز أن يكون {حِل} اسماً مشتقاً من الحِلّ وهو ضد المنع، أي الذي لا تَبعة عليه فيما يفعله. قال مجاهد والسدي، أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حلّ أو أنت في حِل مِمن قَاتلك أن تقاتله. وقريب منه عن ابن عباس، أي مهما تمكنتَ من ذلك. فيصدق بالحال والاستقبال. وقال في «الكشاف»: «يعني وأنت حل به في المستقبل ونظيره في الاستقبال قوله عز وجل: { أية : إنك ميت وإنهم ميتون } تفسير : [الزمر: 30]، تقول لمن تَعِدُه بالإِكرام والحباء أنت مكرم محبُوّاً اهــــ. فهذا الاعتراض تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم قُدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإِسلام، ووعد بأنه سيمكنه منهم. وعلى كلا الوجهين في محمل صفة {حِل} هو خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم وقد خصصه النبي صلى الله عليه وسلم بيوم الفتح فقال: « حديث : وإنما أحلّت لي ساعةً من نَهَارٍ » تفسير : الحديث، وفي «الموطإ»: «قال مالك: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ (أي يوم الفتح) مُحْرِماً». ويُثار من هذه الآية على اختلاف المحامل النظرُ في جواز دخول مكة بغير إحرام لغير مريد الحج أو العمرة. قال الباجي في «المنتقى» وابنُ العربي في «الأحكام»: الداخل مكة غيرَ مريد النسك، لحاجة تتكرر كالحَطّابينَ وأصحاب الفواكهِ والمعاش هؤلاء يجوز دخولهم غيرَ محرمين لأنهم لو كلفوا الإِحرام لَحِقتهم مشقة. وإن كان دخولها لحاجة لا تتكرر فالمشهور عن مالك: أنه لا بد من الإِحرام، وروي عنه تركُه والصحيح وجوبه، فإن تركه قال الباجي: فالظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء ولم يُفصِّل أهل المذهب بين من كان من أهل داخل الميقاتِ أو مِن خارجه. والخلاف في ذلك أيضاً بين فقهاء الأمصار فذهب أبو حنيفة أن من كان من أهل داخل المواقيت يجوز له دخول مكة بغير إحرام إن لم يُرِد نسكاً من حج أو عمرة، وأما من كان مِن أهل خارج المواقيت فالواجب عليه الإِحرام لدخول مكة دون تفصيل بين الاحتياج إلى تكرر الدخول أو عدم الاحتياج. وذهب الشافعي إلى سقوط الإِحرام عن غير قاصد النسك، ومذهب أحمد موافق مذهب مالك. وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى {وأنت حل بهذا البلد} أنه حَال، أي ساكن بهذا البلد اهــــ. وجعله ابن العربي قولاً ولم يَعزُه إلى قائل، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك وهو يقتضي أن تكون جملة {وأنت حلّ} في موضع الحال من ضمير {أقسم} فيكون القسم بالبلد مقيداً باعتبار كونه بلَد محمد صلى الله عليه وسلم وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال {حِلّ} بمعنى: حَالّ، أي مقيم في مكانٍ فإن هذا لم يرد في كتب اللغة: «الصَحاحِ» و«اللسانِ» و«القاموسِ» و«مفرداتِ الراغب». ولم يعرج عليه صاحب «الكشاف»، ولا أحسب إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله، وقال الخفاجِي: والحِلّ: صفة أو مصدر بمعنى الحَال هنا على هذا الوجه ولا عبرة بمن أنكره لِعدم ثبوته في كتب اللغة» اهــــ وكيف يقال: لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة، وهل المَرجع في إثبات اللغة إلاّ كتب أيمتها. وتكرير لفظ {بهذا البلد} إظهار في مقام الإِضمار لقصد تجديد التعجيب. ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يَخْرُج عن حوزتهم. و{والد} وقع منكّراً فهو تنكيرَ تعظيم إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم. فتعين أن يكون المرادَ والداً عظيماً، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله {وما ولد}. والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد بــــ {والد} إبراهيمَ عليه السلام فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجَر قال تعالى: { أية : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنُبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام } تفسير : [إبراهيم: 35] ثم قال: { أية : ربَّنا أنَّي أسكنتُ من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } تفسير : [إبراهيم: 37]. وإبراهيم والد سُكان ذلك البلد الأصليين قال تعالى: { أية : ملة أبيكم إبراهيم } تفسير : [الحج: 78]، ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم. و{ما وَلد} موصول وصلة والضمير المستتر في {ولد} عائد إلى {والد}. والمقصود: وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية. وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمداً صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادُوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعِمارَةِ المسجد الحرام قال تعالى: { أية : إنَّ أولى الناس بإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } تفسير : [آل عمران: 68]. وجيء باسم الموصول {مَا} في قوله: {ومَا ولد} دون (مَن) مع أن (مَن) أكثرُ استعمالاً في إرادة العاقل وهو مراد هنا، فعُدل عن (مَن) لأن {ما} أشدُّ إبهاماً، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإِبهام لإرادة التفخيم، ونظيره قوله تعالى: { أية : واللَّهُ أعلم بمَا وضَعَت } تفسير : [آل عمران: 36] يعني مولوداً عجيبَ الشأن. ويوضِّح هذا أن {ما} تستعمل نَكرة تامة باتفاق، و(مَن) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي. ولان قوة الإِبهام في {ما} أنسب بإرادة الجماعة دون واحِدٍ معين، ألا ترى إلى قول الحَكَم الأصم الفَزاري: شعر : اللُّؤْم أكرم من وَبْرٍ ووالدهِ واللؤْمُ أكرمُ من وَبْر ومَا ولَدَا تفسير : يريد ومِن أولاده لا ولداً معيّناً. وجملة: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} جواب القسم وهو الغرض من السورة. والإِنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقولُ جمهور المفسرين، فالتعريف فيه تعريف الجنس، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك لأن قوله: { أية : أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } تفسير : [البلد: 5] إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين، فالعموم عموم عرفي، أي الإنسان في عُرف الناس يومئذ، ولم يكن المسلمون إلا نفراً قليلاً ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإِنسان مراداً به الكافرون من الناس. ويجوز أن يراد به إنسان معيّن، فالتعريف تعريف العهد، فعن الكلبي أنه أبو الأشدّ ويقال: أبو الأشَدّيْن واسمه أُسَيْد بن كَلْدَةَ الجُمَحِي كان معروفاً بالقوّة والشدة يجعل الأديم العُكَاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني فله كذا. فيجذبه عشرةُ رجال حتى يمزَّق الأديم ولا تزول قدماه، وكان شديد الكفر والعداوة للنبيء صلى الله عليه وسلم فنزل فيه: { أية : أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } تفسير : [البلد: 5] وقيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو جهل. وعن مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، زعم أنه أنفق مالاً على إفساد أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: هو عمرو بن عبد ودّ الذي اقتحم الخندق في يوم الأحزاب ليدخل المدينة فقتله علي بن أبي طالب خلْف الخندق. وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ولا يلائمها القَسَم ولا السياق. والخلق: إيجاد ما لم يكن موجوداً، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قويّ في الذات كقوله تعالى: { أية : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق } تفسير : [الزمر: 6] وقوله: { أية : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } تفسير : [المائدة: 110]. فهو جعل يغير ذات الشيء. والكَبَد بفتحتين: التعب والشدة، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكَبَد، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسِّر به الكَبَد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحِه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار، حتى كأنَّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلامٍ يجب التِئامُه، ويَحِق وِءَامُه. وقد غضُّوا النظر عن موقع فِعل {خلقنا} على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل {خلقنا} كمعذرة للإِنسان الكافر في ملازمة الكَبد له إذ هو مخلوق فيه. وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة. واضطرابُ رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجّههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر. ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول فقوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} دليل مقصوداً وحده بل هو توطئة لقوله: { أية : أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } تفسير : [البلد: 5]. والمقصود إثبات إعادة خلق الإِنسان بعد الموت للبعثِ والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سُور كثيرة من السور الأولى. فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله: { أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين } تفسير : [التين: 4، 5] بعد القسم بقوله: { أية : التين والزيتون } تفسير : [التين: 1] الخ. فمعنى: { أية : أيحسب أن لن يقدر عليه } تفسير : [البلد: 5]: أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقاً آخر، فهو في طريقة القسم والمُقسم عليه بقوله تعالى: { أية : لا أقسم بيوم القيامة } تفسير : إلى قوله: { أية : أيحسب الإنسان أَلَّن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه } تفسير : [القيامة: 1 ـــ 4]. أي كما خلقناه أول مرة في نَصَب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقاً ثانياً في كَبدٍ من العذاب في الآخرة لكفره. وبذلك يظهر موقع إدماج قوله {في كَبَد} لأن المقصود التنظير بين الخلْقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى. والظرفية من قوله: {في كبد} مستعملة مجازاً في الملازمة فكأنه مظروف في الكَبَد، ونظيره قوله: { أية : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم } تفسير : [سبأ: 8، 9] الآية. فالمراد: عذاب الدنيا، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاقِ المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية. فالمعنى: أن الكَبَد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإِشراك وهو حين تقوُّم العقل وكمالِ الإدراك. ومن الجائز أن يجعل قوله: {لقد خلقنا الإنسان في كبد} من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتباراً لطيفاً وهو شدة تلبّس الكَبد بالإِنسان المشرك حتى كأنه خُلِق في الكَبَد. والمعنى: لقد خلقنا الكَبَد في الإنسان الكافر. وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}. تقدم الكلام على هذه اللام، وهل هي لنفي القسم أو لتأكيده، وذلك عند قوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [القيامة: 1]، إلاَّ أنها هنا ليست للنفي، لأن الله تعالى قد أقسم بهذا البلد في موضع آخر، وهو في قوله تعالى: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} تفسير : [التين: 1-3]، لأن هذا البلد مراد به مكة إجماعاً لقوله تعالى بعده: {وَأَنْتَ} - أي الرسول صلى الله عليه وسلم - {حِلٌّ}، أي حال أو حلال {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} [البلد: 2]، أي مكة، على ما سيأتي إن شاء الله. وقد ذكر القرطبي وغيره نظائرها من القرآن، والشعر العربي مما لا يدل على نفي، كقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12]، مع أن المراد ما منعك من السجود، وكقول الشاعر: شعر : تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع تفسير : أي وكاد صميم القلب يتقطع. وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحثاً مطولاً في دفع إيهام الاضطراب. وقوله تعالى: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}، حل: بمعنى حال، والفعل المضعف يأتي مضارعه من باب، نصر، وضرب، فإن كان متعدياً كان من باب نصر. تقول: حل العقدة يحلها بالضم، وتقول: حل بالمكان يحل بالكسر إذا أقام فيه، والإحلال دون الإحرام. وقد اختلف في المراد بحل هل هو من الإحلال بالمكان، أو هو من التحلل ضد الإحرام؟ فأكثر المفسرين أنه من الإحلال ضد الإحرام، واختلفوا في المراد بالإحلال هذا. فقيل: هو إحلال مكة له في عام الفتح، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده. وقيل:حل: أي حلال له ما يفعل بمكة غير آثم، بينما هم آثمون بفعلهم. وقيل: حل: أي من المشركين معظمون هذا البلد وحرمته في نفوسهم، ولكنهم مستحلون إيذاءك وإخراجك. وذكر أبو حيان: أنه من الحلول والبقاء والسكن، أي وأنت حال بها. 1هـ. وعلى الأول يكون إخباراً عن المستقبل ووعداً بالفتح، وأنها تحل له بعد أن كانت حراماً، فيقاتل أهلها وينتصر عليهم أو أنه تسلية له، وأن الله عالم بما يفعلون به، وسينصره عليهم. وعلى الثاني: يكون تأكيداً لشرف مكة، إذ هي أولاً فيها بيت الله وهو شرف عظيم، ثم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حال فيها بين أهلها. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن هذا الثاني هو الراجح، وإن كان أقل قائلاً، وذلك لقرائن من نفس السورة ومن غيرها من القرآن الكريم. منها: أن حلوله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد له شأن عظيم فعلاً، وأهمه الله رافع عنهم العذاب لوجوده فيهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]، فكأنه تعالى يقول: وهذا البلد الأمين من العذاب، وهؤلاء الآمنون من العذاب بفضل وجودك فيهم. ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم بحلوله فيها بين أظهرهم، يلاقي من المشاق ويصبر عليها. وفيه أروع المثل للصبر على المشاق في الدعوة، فقد آذوه كل الإيذاء، حتى وضعوا سلا الجزور عليه وهو يصلي عند الكعبة. وهو يصبر عليهم، وآذوه في عودته من الطائف، وجاء ملك الجبال نصرة له، فأبى وصبر ودعا لهم، ومنعوه الدخول إلى بلده مسقط رأسه فصبر، ولم يدع عليهم، ورضى الدخول في جوار رجل مشرك وهذا هو المناسب لقوله بعده {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} تفسير : [البلد: 4]، وهذا من أعظمه. فإذا كان كل إنسان يكابد في حياته، أياً كان هو، ولأي غرض كان، فمكابدتك تلك جديرة بالتقدير والإعظام، حتى يقسم بها. والله تعالى أعلم.

الواحدي

تفسير : {لا أقسم} المعنى: أقسم، و {لا} توكيدٌ. {بهذا البلد} يعني: مكَّة. {وأنت} يا محمَّدُ {حلٌّ بهذا البلد} تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، أُحلَّت له مكَّةُ ساعةً من النَّهار يوم الفتح حتى قاتل وقتل من شاء. {ووالدٍ} أقسم بآدم عليه السَّلام {وما ولد} وولده، و {ما} بمعنى "مَنْ". {لقد خلقنا الإِنسان في كبد} أَيْ: مشقَّةٍ يكابد أمر الدُّنيا والآخرة وشدائدهما. وقيل مُنتصباً معتدلاً. {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} نزلت في رجلٍ من بني جمح يُكنى أبا الأشدين، كان يوصف بالقوَّة؛ فقال الله تعالى: أيحسب بقوَّته أن لن يقدر عليه أحدٌ، والله قادر عليه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم قسماً مؤكداً بمكة البلد الحرام. 2- وأنت مقيم بهذا البلد تزيده شرفاً وقدراً. 3- وبوالد وما ولد وبهما حفظ النوع وبقاء العمران. 4- لقد خلقنا الإنسان فى مشقة وتعب منذ نشأته إلى منتهى أمره. 5- أيظن الإنسان المخلوق فى هذه المشقة أن لن يقدر على إخضاعه أحد؟ 6- يقول: أنفقت فى عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - والصَّد عن دعوته مالاً كثيراً تجمع بعضه إلى بعض. 7- أيظن أن أمره قد خفى فلم يطَّلع عليه أحد حتى من خلقه؟

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا أقسم بهذا البلد: أي مكة. وأنت حل بهذا البلد: أي وأنت يا نبيّ الله محمد حلال بمكة. ووالد وما ولد: أي وآدم وذريته. في كبد: أي في نصب وشدة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. أيحسب أن لن يقدر: أي أيظن وهو أبو الأشدين بن كلدة وكان قويا شديدا. أهلكت مالا لبدا: يقول هذا مفاخرا بعداوة الرسول وأنه أنفق فيها مالا كثيرا. أيحسب أن لم يره أحد: أي أيظن أنه لم يره أحد؟ بل الله رآه وعلم ما أنفقه. وهديناه النجدين: أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر بما فطرناه عليه من ذلك وبما أرسلنا به رسلنا وأنزلنا به كتبنا. معنى الآيات: قوله تعالى {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} هذا قسم لله تعالى أقسم فيه بمكة بلده الأمين والرسول بها وهو حلّ يقاتل ويقتل فيها وذلك يوم الفتح الموعود. وقد قتل صلى الله عليه وسلم يومها ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وأقسم بوالد وما ولد فالوالد آدم وما ولد ذريته منهم الأنبياء والأولياء وجواب القسم أو المقسم عليه قوله {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} أي في نصب وتعب لا يفارقانه منذ تخلقه في بطن أمه إلى وفاته بانقضاء عمره ثم يكابد شدائد الآخرة ثم إما إلى نعيم لا نصب معه ولا تعب، وإما إلى جحيم لا يفارقه ما هو أشد من النصب والتعب عذاب الجحيم هكذا شاء الله وهو العليم الحكيم. وفي هذا الخبر الإِلهي المؤكد بأجل قسم على أن الإِنسان محاط منذ نشأته إلى نهاية أمره بالنصب والتعب ترويح على نفوس المؤمنين بمكة وهم يعانون من الحاجة والاضطهاد والتعذيب أحيانا من طغاة قريش لا سيما المستضعفين كياسر وولده عمار وبلال وصهيب وخبيب، وحتى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهو لم يسلم من أذى المشركين فإِذا عرفوا طبيعة الحياة وأن السعادة فيها أن يعلم المرء أن لا سعادة بها هان عليهم الأمر وقل قلقهم وخفت آلامهم. كما هو تنبيه للطغاة وإعلام لهم بما هم عنه غافلون لعلهم يصحون من سكرتهم بحب الدنيا وما فيها وقوله عز وجل {أَيَحْسَبُ} الإِنسان {أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} هذا الإِنسان الذي قيل أنه ابو الأشدّيْن الذي أنفق ماله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِسلام ويتبجّح بذلك ويقول {أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} كثيرا بعضه فوق بعض بلى إن الله تعالى قد رآه وعلم به وعَلِم القدر الذي أنفقه وسوف يحساب عليه ويجزيه به، ولن ينجيه اعتقاده الفاسد أنه لا بعث ولا جزاء قال تعالى مقررا له بقدرته ونعيمه عليه {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} أي أعطيناه عينين يبصر بهما ولسانا ينطق به ويفصح عن مراده وزيناه بشفتين يستر بهما فمه وأسنانه ثم هديناه النجدين أي بيّنا له طريق الخير والشر والسعادة والشقاء بما أودعنا في فطرته وبما أرسلنا به رسلنا وأنزلنا به كتبنا أنسي هذا كله وتعامى عنه ثم هو ينفق ما أعطيناه في حرب رسولنا وديننا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- شرف مكة وحرمتها وعلو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسمو مقامه وهو فيها وقد أحلها الله تعالى له ولم يحلها لأحد سواه. 2- شرف آدم وذريته الصالحين منهم. 3- إعلان حقيقة وهي أن الإِنسان لا يبرح يعاني من أتعاب الحياة حتى الممات ثم يستقبل شدائد الآخرة إلى أن يقر قراره وينتهي تطوافه باستقراره في الجنة حيث يستريح نهائيا، أو في النار فيعذب ويتعب أبدا.

القطان

تفسير : البلد: مكة المكرمة. حِل: مقيم فيه. ووالدٍ وما ولد: كل والد ومولود من الانسان والحيوان والنبات. في كبَد: في مشقة وتعب. أهلكتُ مالاً لبدا: انفقت مالاً كثيرا. النَّجدَين: طريقَي الخير والشر، والنجد: المرتفع من الأرض. اقتحم العقبة: دخل بشدة في الطريق الصعب. فكُّ رقبة: عتق العبيد. في يوم ذي مسغبة: في يوم فيه جوع، سَغِبَ الرجلُ يسغب: جاع. يتيماً ذا مقربة: من أهل قرابته. أو مسكينا ذا متربة: فقيرا جدا. تواصَوا بالصبر: نصح الناس بعضهم بعضا بالصبر. الميمنة: طريق النجاة والسعادة. المشأمة: طريق الشقاء. مؤصَدة: مغلقة مطبقة عليهم. أصَدَ البابَ أصدا: أغلقه. وآصده إيصادا. وأوصده. {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} أقسم قسماً مؤكدا بمكة، التي شرّفها الله فجعلَها حَرماً آمنا، وأنت يا محمدُ ساكنٌ ومقيم بمكّة تزيدها شَرفا وقدْرا. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} وأقسَم بكل والدٍ ومولودٍ من الانسان وغيره، لأن بهما حِفظَ النوع وبقاءَ العمران. وقد اقسم الله تعالى بوالدٍ وما ولد ليوجّه أنظارنا الى رفعة هذا الطور من أطوار الوجود. وهو طورُ التوالد، والى ما فيه من بالغِ الحكمة واتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالدُ والمولود في ابتداء النشء، وتكميلِ الناشئ وإبلاغِه حدَّ النمو المقدَّر له. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} لقد خلقنا الانسان في مشقةٍ وتعب منذُ نشأتِه الى منتهى أمره. فهو في مكابَدة وجَهدٍ وكَدْح، يقاسي من ضروب هذا التعبِ منذ نشأته في بطن أمّه إلى أن يصير رجلا. وكلّما كَبِرَ ازدادت متاعبُه ومطالبه، فهو في كَبَدٍ دائم، ولا تنتهي حاجاتُه الا بانتهاء أجله ووفاته. وبعد تقريرِ هذه الحقيقة عن طبيعة الحياة الإنسانية شَرَعَ يبين لهذا الانسانِ المغرور المبذِّر أنّ الله تعالى يراه في جميع أحوالِه، وأنه أنعَم عليه بنعمٍ لا تقدَّر فقال: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} أيظن هذا الانسانُ المخلوق في مشقة وتعبٍ ان لن يقدِر على إخضاعِه أحد! يقول هذا المغرور بكثرة ماله: لقد أنفقتُ أموالاً كثيرة في سبيل الشهوات والشيطان. أيظنُّ هذا المفتون بالشُّهرة والظهور أن الله غافلٌ عنه! وأن امره قد خفيَ فلم يطَّلع عليه أحد؟! كلاّ ان الله تعالى مطّلعُ على أعماله وسيسأله عنها يوم القيامة ويحاسِبه حساباً عسيرا. ثم ذكّره اللهُ تعالى بما أنعم عليه من نعمٍ لا تُحصى في خاصة نفسه وفي صَميم تكوينه واستعداده، ولكنه لم يشكر هذه النعم ولم يقُم بحقّها. {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} ألم نخلق له عينين ينظُر بهما دلائلَ قدرة الله في هذا الكون، ولساناً وشفتين ليتمكّنَ من النطق والإفصاح عما في نفسه!؟ فالكلمةُ أحيانا تقوم مقام السيف والمدفع واكثر.... وفي الحديث الصحيح عن معاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال:حديث : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركَ برأس هذا الأمرِ وعمودِه وذِروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: رأسُ الأمر الاسلام، وعمودُه الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: أَلا أُخبرك بمَلاكِ ذلك كلّه؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: كفَّ عليك هذا، وأشار الى لسانه. قلت: يا نبيّ الله وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلَتْكَ أمك: وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم الا حصائدُ ألسِنتهم؟ تفسير : رواه الامام احمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} بيّنا له طريقَ الخير والشر ليختارَ أيهما شاء، ففي طبيعته هذا الاستعدادُ المزدوج لسلوك أيّ النجدين.. {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}. هلاّ أنفقَ مالَه في سبيل الله حتى يجتازَ العقبة الصعبة، وما أدراك ما هو اقتحامُ العقبة؟ هو انفاقُ المال في تحريرِ الأرقاء، واطعامُ الطعام في أيام المجاعة - وأَولى الناس بالمواساة هم الايتام من الاقارب - وإطعامُ المساكين الذين عجزوا عن الكسْب حتى كأنهم لصقوا بالتراب من العجز والفقر. {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}. ثم ان هؤلاء الذين يقتحمون العقبة بإنفاق أموالهم في وجوه البرّ والإحسان يكونون من المؤمنين الذين يعملون الخير، ويوصي بعضُهم بعضاً بالصبر والرحمة.. يرحمون عبادَ الله ويواسُونهم ويساعدونهم. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} فهؤلاء هم أصحابُ اليمين، مآلهم الجنة في مقعدِ صِدقٍ عند مليك مقتدِر. أما الذين جحدوا واغتَرّوا باموالهم وأنفسِهم وكفروا بالرسالة فمآلهم كما يقول: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ} أما الكافرون الجاحدون فهم أصحابُ الشِّمال، وهم في نار جهنم في سَمومٍ وحميم، عليهم نارُ جهنم مغلَقة مطبَقَة خالدين فيها أبدا. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: فكَّ رقبةً، أو أطعمَ والباقون: فَكُّ رقبةٍ أو اطعامٌ بالتنوين. وقرأ ابو عمرو وحمزة وحفص: مؤصدة بالهمزة، والباقون موصدة بدون همزة.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى قَسَماً مُؤَكَّداً بِمَكَّةَ (هَذَا البَلَدِ)، التِي شَرَّفَهَا اللهُ تَعَالَى فَجَعَلَهَا حَرَاماً، وَجَعَلَ فِيهَا حَرَماً آمِناً مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً.

الثعلبي

تفسير : {لاَ أُقْسِمُ} يعني أقسم {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} يعني مكّة {وَأَنتَ} يا محمّد {حِلٌّ} حلال {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تصنع ما تريد من القتل والأسر، وذلك أنّ الله سبحانه أحلّ لنبيّه صلى الله عليه وسلم مكّة يوم الفتح حتّى قاتل وقتل، وأحلّ ما شاء وحرم ما شاء، وقتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومقيّس بن صبابة وغيرهما ثمّ قال: "حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" تفسير : فأحلّ دم ابن خطل وأصحابه وحرّم دار أبي سفيان، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحلّ لأحد قبلي ولا يحلّ لأحد بعدي ولم يحلّ لي إلاّ ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا نختلي خلالها ولا نفر صيدها ولا يحلّ لقطتها إلاّ المنشد". فقال العبّاس: يا رسول الله إلاّ الأذخر فإنّه لقيوتنا وقتورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلاّ الأذخر ". تفسير : وقال شرحبيل بن سعد: معنى قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} قال: يحرّمون أن تقتلوا بها صيداً أو يعضدوا بها شجرة، ويستحلّون إخراجك وقتلك. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} قال عكرمة وسعيد ابن جبير: (الوالد) الذي يولد له (وما ولد) العاقر الذي لا يولد له، وروياه عن ابن عبّاس وعلي، هذا القول تكون ما بقيا، وهو يُعبد ولا تصحّ إلاّ بإضمار. عطية عنه: الوالد وولده. مجاهد وقتادة والضحّاك وأبو صالح: ووالد آدم وما ولد ولده. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا برهان بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن الوليد العكبري قال: حدّثنا محمد بن موسى الحرشي قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا عمران الخولي قرأ "وَوَالِدٌ وَمَا وَلَدَ" قال إبراهيم وما ولد. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} أي نصّب. عن الوالبي عن ابن عبّاس الحسن: يكابد مصايب الدنيا وشدائد الآخرة. قتادة: في مشقّة فلا يلقاه إلاّ يكابد أمر الدنيا والآخرة. سعيد بن جبير: في شدّة، وعن الحسن أيضاً: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضرّاء فلا يخلو منهما. عطية عن ابن عبّاس: في شدّة خلق حمله وولادته ورضاعه وفصاله ومعاشه وحياته وموته. عمرو بن دينار عنه: نبات أسنانه. يمان: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف الخلق، وعن سعيد بن جبير أيضاً في ضيق معيشته. ابن كيسان: المكابدة مقاساة الأمر وركوب معظمه، وأصله الشدّة وهو من الكبد. قال لبيد: شعر : عين هلا بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد تفسير : وقال مجاهد وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شدّاد وعطية والضحّاك: يعني منتصباً قائماً معتدل القامة، وهي رواية مقسم عن ابن عبّاس قال: خلق كلّ شيء يمشي على الأرض على أربعة إلاّ الإنسان، فإنّه خُلق منتصباً قائماً على رجلين. مقاتل: في قوّة نزلت في ابن الاسدين واسمه أسيد بن كلده بن أسيد بن خلف، وكان شديداً قويّاً يضع الادم العكاظي تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن تنزع من تحت قدميه إلاّ قطعاً ويبقى موضع قدمه، ويقال: هو شدّة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وقال ابن زيد: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني آدم في كبد أي وسط السماء وذلك حين رفع إلى الجنّة. أبو بكر الوراق: يعني لا يدرك هواه ولا يبلغ مناه. خصيف في معناه ومقاساة وانتقال أحوال نطفة ثمّ علقة إلى آخر تمام الخلق. ابن كيسان: منتصباً رأسه فإذا أذن الله سبحانه في إخراجه انقلب رأسه إلى رجلي أُمّه، وقيل: جريء القلب غليظ الكبد مع ضعف خلقته ومهانة مادّته. جعفر: أي في بلاء ومحنة. ابن عطاء: في ظلمة وجهل. محمد بن علي الترمذي: مضيّعاً لما يعنيه مشتغلاً بما لا يعنيه. {أَيَحْسَبُ} يعني بالأشدين من قوّته. {أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} يعني الله سبحانه وتعالى، وقيل: هو الوليد بن المغيرة. أخبرني أبو الضحى عن ابن عبّاس. {يَقُولُ أَهْلَكْتُ} أنفقت {مَالاً لُّبَداً} بعضه على بعض، وهو من التلبّد في عداوة محمّد. وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنّه أذنب ذنباً فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يكفّر وقال: لقد ذهب مالي في الكفّارات والنفقات منذ دخلت في دين محمّد. واختلف القرّاء في قوله {لُّبَداً} فقرأ أبو جعفر بتشديد الباء على جمع لابد وراكع، وقرأ مجاهد بضمّ اللام والباء مخفّفاً كقولك: أمر بكر ورجل جنب، وقرأ الباقون بضمّ اللام وفتح الباء مخفّفين، ولها وجهان: أحدهما جمع لبدة، والثاني على الواحد، مثل قُثم وحُطم وليس بمعدول. {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} يعني الله سبحانه وقيل: محمّد (عليه السلام) فيعلم مقدار نفقته، وكان كاذباً لم ينفق جميع ما قال، وقال سعيد بن جبير وقتادة: أيظنُّ أن لم يره أحد فيسأله عن هذا المال من أين اكتسبه وأين أنفقه؟ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثني الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثني محمد بن يزيد بن سليمان مولى بني هاشم قال: حدّثنا حسين بن الحسين يعني الأشقر قال: حدّثنا هشام بن شبر عن أبي هاشم عن مخالد عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتّى يُسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه وعن حبّنا أهل البيت ". تفسير : قال ابن خرجة: ما سمعت هذا الحديث إلاّ من الهيثم. وأخبرنا الحسين قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن هارون بن محمد قال: حدّثنا موسى بن هارون بن عبد الله قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا نعيم بن ميسرة، قال: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: أخبرني رجل من بني عامر عن أبيه قال: صلّيت خلف النبيّ صلّى الله عليه فسمعته يقول: {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} يعني بكسر السين. {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} قال قتادة: نعم والله متظاهرة لقهرك بها كتماً لشكر. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن يحيى قال: حدّثنا جيغويه قال: حدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا عبد الحميد المدني عن أبي حازم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ابن آدم إنْ نازعك لسانك فيما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ". تفسير : {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال أكثر المفسّرين: يعني بيّنا له طريق الخير والشرّ والحقّ والباطل والهدى والضلالة كقوله: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 3]. ودليل هذا التأويل ما أخبرني عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرني أحمد بن يحيى قال: حدّثنا محمّد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن قرّة بن خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: "حديث : إنّما هما نجدان نجد الخير ونجد الشرّ، فما يجعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير ". تفسير : وأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: حدّثنا أبي عن عمرو بن أبي بكر القرشي عن محمّد بن كعب عن ابن عبّاس في قوله سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال: الثديين، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والضحّاك، والنجد الطريق في ارتفاع. قال الشاعر: شعر : غداة غدوا فسالك بطن نخلة وآخر منهم جازع نجد كبكب

الصابوني

تفسير : اللغَة: {كَبَدٍ} الكبدُ: الشدة والمشقة، وأصله من كبد الرجل كبداً إِذا وجعته كبده ثم استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد {ٱقتَحَمَ} الاقتحامُ: الدخول بسرعة وشدة يقال: اقتحم الأمر، واقتحم الحصن إِذا رمى نفسه فيه بدون روية {ٱلْعَقَبَةَ} الطريق الوعر في الجبل {فَكُّ} الفكُّ تخليص الشيء من الشيء يقال: فككت الحبل، وفككت الأسير أي خلصته من الأسر {مَسْغَبَةٍ} مجاعة يقال: سغبَ الرجل إذا جاع وقال الراغب: هو الجوع مع التعب {مَتْرَبَةٍ} افتقار يقال: تربَ الرجل إِذا افتقر ولصق بالتراب، وأترب إِذا استغنى وكذلك أثرى {مُّؤْصَدَةٌ} مطبقة من أوصد الباب إِذا أغلقه وأطبقه. التفسِير: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} هذا قسمٌ، أقسم سبحانه بالبلد الحرام "مكة" التي شرَّفها الله تعالى بالبيت العتيق - قبلة أهل الشرق والغرب - وجعلها مهبط الرحمات، وإِليها تجبى ثمرات كل شيء، وجعلها حرماً آمناً، وجعل حرمتها منذ خلق السماوات والأرض، فلما استجمعت تلك المزايا والفضائل أقسم الله تعالى بها قال في التسهيل: أراد بالبلد "مكة" باتفاق، وأقسم بها تشريفاً لها {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} أي وأنت يا محمد ساكنٌ ومقيم بمكة بلد الله الأمين قال البيضاوي أقسم بالبلد الحرام وقيَّده بحلوله عليه السلام فيه - أي إقامته فيه - إظهاراً لمزيد فضله، وإِشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} أي وأُقسم بآدم وذريته الصالحين قال مجاهد: الوالد آدم عليه السلام {وَمَا وَلَدَ} جميع ذريته قال ابن كثير: وما ذهب إِليه مجاهد وأصحابه حسنٌ قوي، لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي المساكن، أقسم بعده بالساكن وهو "آدم" أبو البشر وولده وقال الخازن: أقسم الله تعالى بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالآنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر - وإن كان من ذريته - لا حرمة له حتى يقسم به {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} هذا هو المقسم عليه أي لقد خلقنا الإِنسان في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يقاسي أنواع الشدائد، من وقت نفخ الروح فيه إلى حين نزعها منه قال ابن عباس: {فِي كَبَدٍ} أي في مشقة وشدة، من حمله، وولادته، ورضاعه، وفطامه، ومعاشه، وحياته، وموته، وأصل الكبد: الشدة، وقيل: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق قال أبو السعود: والآية تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يكابده من كفار مكة.. ثم أخبر تعالى عن طبيعة الإِنسان الجاحد بقدرة الله، والمكذب للبعث والنشور فقال {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} أي أيظن هذا الشقي الفاجر، المغتر بقوته، أنَّ الله تعالى لا يقدر عليه لشدته وقوته؟ قال المفسرون: نزلت في "أبي الأشد بن كلدة" كان شديداً مغتراً بقوته، وكان يبسط له الأديم - الجلد - فيوضع تحت قدميه، ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة فيتقطع قطعاً ولا تزلّ قدماه، ومعنى الآية: أيظن هذا القوي المارد، المستضعف للمؤمنين، أنه لن يقدر على الانتقام منه أحد؟ {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} أي يقول هذا الكافر: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم قال الألوسي: أي يقول فخراً ومباهاة على المؤمنين: أنفقت مالاً كثيراً، وأراد بذلك ما أنفقه "رياءً وسمعةً" وعبر عن الإِنفاق بالإِهلاك، إظهاراً لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع، فكأنه جعل المال الكثير ضائعاً، وقيل يقول ذلك إظهاراً لشدة عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؟ أي أيظن أنَّ الله تعالى لم يره حين كان ينفق، ويظن أن أعماله تخفى على رب العباد؟ ليس الأمر كما يظن، بل إن الله رقيب مطلعٌ عليه، سيسأله يوم القيامة ويجازيه عليه.. ثم ذكَّره تعالى بنعمه عليه ليعتبر ويتعظ فقال {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} أي ألم نجعل له عينين يبصر بهما؟ {وَلِسَاناً} أي ولساناً ينطق به فيعبر عما في ضميره؟ {وَشَفَتَيْنِ} أي وشفتين يطبقهما على فمه، ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلك؟ قال الخازن: يريد أن نعم الله على عبده متظاهرة، يقرره بها كي يشكره {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} أي وبينا له طريقي الخير والشر، والهدى والضلال، ليسلك طريق السعادة، ويتجنب طريق الشقاوة قال ابن مسعود: {ٱلنَّجْدَينِ} الخير والشر كقوله تعالى {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}تفسير : [الإِنسان: 3] {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} أي فهلا أنفق ماله في اجتياز العقبة الكئود، بدل أن ينفقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم؟! قال في البحر: والعقبةُ استعارةٌ للعمل الشاق على النفس، من حيث فيه بذل المال، تشبيهاً لها بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وقت الصعود، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها، ومعنى اقتحمها دخلها بسرعة وشدة، وهو مثلٌ ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، حتى ينال رضى الرحمن {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} أي وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل.. ثم فسرها تعالى بقوله {فَكُّ رَقَبَةٍ} أي هي عتق الرقبة في سبيل الله، وتخليص صاحبها من الأسر والرقِّ، فمن أعتق رقبة كانت له فداء من النار {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} أي أو أن يطعم الفقير في يوم عصيب ذي مجاعة، قال الصاوي وقيد الإِطعام بيوم المجاعة، لأن إِخراج المال فيه أشد على النفس {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} أي أطعم اليتيم الذي بينه وبينه قرابة {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أو المسكين الفقير البائس الذي قد لصق بالتراب من فقره وضره، وهو كناية عن شدة الفقر والبؤس قال ابن عباس: هو المطروح على ظهر الطريق لا يقيه من التراب شيء {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي عمل هذه القربات لوجه الله تعالى، وكان مع ذلك مؤمناً صادق الإِيمان قال المفسرون: وفي الآية إشارة إلى أن هذه القُرَب والطاعات لا تنفع إِلا مع الإِيمان {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} أي وأوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإِيمان وطاعة الرحمن، وبالرحمة والشفقة على الضعفاء والمساكين {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويسعدون بدخول جنات النعيم {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ} قرن بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشرار أي والذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا بالقرآن هم أهل الشمال - أهل النار - لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، وعبر عنهم بضمير الغائب إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه، وكرامة أُنسه {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} أي عليهم نارٌ مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها روحٌ ولا ريحان، ولا يخرجون منها أبد الزمان.. اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ونجنا من ذلك يا رب. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- زيادة {لاَ} لتأكيد الكلام، وهو مستفيض في كلام العرب {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} أي أُقسم بهذا البلد، وفائدتها تأكيد القسم كقولك: لا والله ما ذاك كما تقول أي والله قال امرؤ القيس: شعر : "لا وأبيك ابنة العامري" تفسير : 2- جناس الاشتقاق {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} فكل من الوالد والولد مشتق من الولادة. 3- الاستفهام الإِنكاري للتوبيخ {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}؟ ومثله {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؟ 4- الاستفهام التقريري للتذكير بالنعم {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}؟ 5- الاستفهام للتهويل والتعظيم {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ}؟ لأن الغرض تعظيم شأنها. 6- الاستعارة اللطيفة {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} أي طريقي الخير والشر، وأصل النجد الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، وسلوك طريق الشقاوة. 7- الاستعارة كذلك في قوله {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} لأن أصل العقبة الطريق الوعر في الجبل، واستعيرت هنا للأعمال الصالحة لأنها لا تصعب وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية. 8- الجناس الناقص بين {مَقْرَبَةٍ} و{مَتْرَبَةٍ} لتغير بعض الحروف. 9- المقابلة اللطيفة بين {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ} وبين {هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ}. 10- مراعاة الفواصل ورءوس الآيات مثل {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ .. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} ومثل {عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} وهو من المحسنات البديعية.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السلام في قولهِ تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} معنه بمكَة {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} معناه أَحلَّ لَهُ يَوم فَتحِها.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} الآية هذه السورة مكية في قول الجمهور ولما ذكر تعالى ابتلاء الإِنسان بحالة التنعيم وحالة التقدير وذكر من صفاته الذميمة ما ذكر وما آل إليه حاله وحال المؤمن اتبعه بنوع من ابتلائه ومن حاله السيىء وما آل إليه في الآخرة والإِشارة بهذا البلد إلى مكة. {وَأَنتَ حِلٌّ} جمل حالية تفيد تعظيم المقسم به أي وأنت مقيم به وهذا هو الظاهر. {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} لا يراد به معين بل ينطلق على كل ولد وولد وقيل على آدم وجميع ولده. {لَقَدْ خَلَقْنَا} هذه الجملة المقسم عليها والجمهور على أن الإِنسان إسم جنس وفي كبد يكابد مشاق الدنيا والآخرة ومشاقه لا تكاد تنحصر من أول قطع سرته إلى ان يستقر في قراره أما إلى جنة فنزول عنه المشقات جميعها وإما إلى نار فتتضاعف مشقاته وشدائده والظاهر أن الضمير في أيحسب عائد على الإِنسان أي هو لشدة شكيمته وعزته وقوته يحسب أنه لا يقاومه أحد ولا يقدر عليه لاستعصامه بعدده وعدده. {يَقُولُ} على سبيل الفخر. {أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} أي كثيراً في المكارم وما يحصل به الثناء. {أَيَحْسَبُ} أن أعماله تخفى وأنه لا يراه أحد ولا يطلع عليه في إنفاقه ومقصده مما يبتغيه مما ليس لوجه الله تعالى منه شىء بل عليه حفظة يكتبون ما يصدر عنه من قول وعمل في حياته ويحصونه إلى يوم الجزاء ثم عدد تعالى نعمه على الإِنسان فقال: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} أي يبصر بهما. {وَلِسَاناً} يفصح عما في باطنه ولم يتعرض للسمع لأنه يلزم من الكلام السمع. {وَشَفَتَيْنِ} يطبقهما على فيه ويستعين بهما على الأكل والشرب والنفخ وغير ذلك. {وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} قال ابن عباس: الخير والشر وقيل الثديان. {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} أي لم يشكر تلك النعم السابغة ولا نافية والمعنى لم يقتحم والعقبة استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل وهو ما صعب منه وكان صعوداً فإِنه يلحقه مشقة في سلوكها واقتحمها دخلها بسرعة وضغط وشدة والقحمة الشدة والسنة الشديدة يقال قحم في الأمر قحوماً رمى نفسه فيه من غير رؤية وقرىء فك فعلاً ماضياً رقبة نصباً أو أطعم فعلاً ماضياً وقرىء فك مرفوعاً خبر مبتدأ محذوف أي هي فك رقبة ورقبة مجرور بالإِضافة أو إطعام مصدر منون معطوف على فك وفيه دليل على اعمال المصدر منوناً إذ نصب به يتيماً ونظيره قول الشاعر: شعر : يضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلناها مهن عن المقيل تفسير : ووصف يوم بذي مسغبة على الإِتساع والمسغبة المجاعة. {ذَا مَقْرَبَةٍ} لتجمع صدقة وصلة. {أَوْ مِسْكِيناً} أو للتنويع. {ذَا مَتْرَبَةٍ} هم المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراث لا بيوت لهم. {ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا معطوف على قوله: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ} ودخلت ثم لتراخي الإِيمان في الرتبة والفضيلة لا للتراخي في الزمان لأنه لا بد أن يسبق تلك الأعمال الحسنة الإِيمان إذ هو شرط في صحة وقوعها من الطائع. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإِيمان والطاعات وعن المعاصي. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} أي بالتعاطف والتراحم أو بما يؤدي إلى رحمة الله تعالى. والميمنة والمشأمة تقدّم الكلام عليهما في الواقعة. {مُّؤْصَدَةٌ} قرىء بالهمز وبالواو ويقال أوصدت الباب وأصدته إذا أغلقته وأطبقته قال الشاعر: شعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة

الجيلاني

تفسير : {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} [البلد: 1] الذي هو كعبة آمال أرباب الإرادة والطلب؛ ألا وهو السواد الأعظم اللاهوتي؛ إذ لا حاجة بالقسم لأرباب المعرفة، بل أقسم لأصحاب الغفلة {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} يعني: مكة - شرَّفها الله - التي وضعت بيتاً حراماً، لا يحل لأحد أن يفعل فيها شيئاً من المحظرات المباح. {وَ} من جملة خواصك التي اصطفيناك وميزناك بها عن سائر الناس يا أكمل الرسل هي أنه: {أَنتَ حِلٌّ} يعني: أنت لجمعك وجامعيتك وحيازة مرتبتك عموم المراتب، مستحل للتعرف خاصة للقتل والأسر في الحرم من بين عموم الناس؛ لمزيد فضليتك ومنزلتك عند الله، وزيادة خصوصيتك {بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} [البلد: 2] الذي حرم على عموم العباد، وإنما أُحل لك أيضاً ساعة من نهار لا أزيد منها، وبعد ذلك يحرم لك أيضاً. {وَوَالِدٍ} أي: أقسم بالوالد الذي هو آدم الصفي عليه السلام في عالم الاهوت {وَمَا وَلَدَ} [البلد: 3] منه في عالم الطبيعة بعد هبوطها إلى مضيق الناسوت. وبالجملة: بحق هذه المقسمات العظام {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي: أظهرنا نشأة ناسوته مغموراً {فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] تعب ومشقة كثيرة، شاغلة لعموم حواسه ومداركه بحيث يستوعب ويحيط بجميع القوى والاَلات حوائج المعاش وأسبابه، فاشتغل عن الله بسبب ذلك وترك أمر معاده، فأخذه في كسب الأموال وجميع الحطام والآثام المبعدة عن الحكيم العلام، فصار من غاية استغراقه بالدنيا نسي العقبى، وزلت نعله عن طريق المولى. لذلك كذب وتولى، واستكبر واستولى، واستظهر بأمواله وأولاده، واستعلى وترقى أمره في الغفلة والغرور إلى أن طغى على الله، وبغى على عباده، وخيل أنه لا يغلب ولا يعلى، كما قال سبحانه مقرِّعاً عليه مسفهاً له: {أَيَحْسَبُ} المجبول على الكفر والنسيان {أَن لَّن يَقْدِرَ} أي: أنه لن يستطيع {عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد: 5] فينتقم عنه ويأخذه على ما صدر عنه من العتو والعناد. ومن كمال بطره وغروره ومفاخرته على بني نوعه {يَقُولُ} على سبيل الخيلاء والسمعة والرياء: {أَهْلَكْتُ} وأنفقت في سبيل الله {مَالاً لُّبَداً} [البلد: 6] مالاً كثيراً ملبَّداً منضداً مجتمعاً متراكماً. {أَيَحْسَبُ} ويعتقد ذلك الأحمق {أَن} أي: أنه {لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: 7] أي: لم يعلم الله إنفاقه ونيته فيه، واعتقاده عليه وإبطاله بالمن والأذى. وكيف يتأتى إنكار إطلاعنا إياه وإلى ما صدر عنه؟! {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ} ولم نظهر في جسده حين صورناه بمقتضى حولنا وقوتنا وكمال قدرتنا {عَيْنَيْنِ} [البلد: 8] ليبصر بهما عجائب صنعتنا وغرائب حكمتنا. {وَلِسَاناً} ليعرب ويترجم به ما جرى في خلده {وَشَفَتَيْنِ} [البلد: 9] مبينين على التكلم والتعريب على وجه الإفصاح والتوضيح. {وَ} بالجملة: {هَدَيْنَاهُ} بإعطاء هذه النعم العظام {ٱلنَّجْدَينِ} [البلد: 10] أي: طريقي الخير والشر، والهداية والضلال، واختبرناه بهما وابتليناه أيّ طريق يختار لنفسه بعدما وفقناه لكليهما ونبهناه عليهما؟!

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب البلد الأمين، ويا قارئ الكتاب المبين، اعلم أن الله تعالى أقسم بهذا البلد وقال: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} [البلد: 1-2]؛ أي: حرَّمنا هذا البلد على غيرك وأحللنا لك كل ما تفعل في بلد الوجود من قتل كفرة النفس ومشركها وأسر الهوى وسير قواها، {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد: 3]؛ أي: بحق اللطيفة الفاعلية ونتائجها؛ {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]؛ يعني: اللطيفة الإنسانية في مكابدة وشدة مع هؤلاء الأضداد المنفِّرة بالطبع [بعها] بعضها عن بعض، منه خلقناه {أَيَحْسَبُ} [البلد: 5] القوى الكافرة {أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} [البلد: 5] من هواها بقوتها واعتمادها على مكرها، {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً} [البلد: 6]؛ يعني: أنفق قوتي في مشتهيات الهوى وأسلطها على اللطيفة؛ لتجلب خواطرها النفسية ورجل خاطرها القالبية ويمنعها عن التسليط على أهل البلد. {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: 7]؛ أي: ما يكيد ويمكر؛ بل الله مطلع على جميع ما يخفي ويظهر، {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} [البلد: 8-10]؛ يعني: ألم نجعل للإنسان هذه القوى؛ يعني: القوة الباصرة وقوة التكلم وزينة التيقن والقوة المميزة بين الخير والشر، أيظن أن لن ير كيده خالقه الذي هداه على تمييز الخاطرين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقسم تعالى { بِهَذَا الْبَلَدِ } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصًا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه. فـ { يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا } أي: كثيًرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدًا هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه، ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك. { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } أي: لم يقتحمها ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته. وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة { فَكُّ رَقَبَةٍ } أي: فكها من الرق، بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار. { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } أي: مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت الحاجة أشد الناس حاجة. { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } أي: جامعًا بين كونه يتيمًا، فقيرًا ذا قرابة. { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } أي: قد لزق بالتراب من الحاجة والضرورة. { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم. من كل قول وفعل واجب أو مستحب. { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضًا على الانقياد لذلك، والإتيان به كاملا منشرحًا به الصدر، مطمئنة به النفس. { وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } لأنهم أدوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا } بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظهورهم، فلم يصدقوا بالله، [ولا آمنوا به]، ولا عملوا صالحًا، ولا رحموا عباد الله، { والذين كفروا بآياتنا همْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَة عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ } أي: مغلقة، في عمد ممددة، قد مدت من ورائها، لئلا تنفتح أبوابها، حتى يكونوا في ضيق وهم وشدة [والحمد لله].

همام الصنعاني

تفسير : 3615- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}: [الآية: 1]، قال: البلد، مكة. {وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}: [الآية: 2]، يقول: أنت به حل لست بآثم.