Verse. 603 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَ مَنْ يَّعْمَلْ سُوْۗءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَہٗ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللہَ يَجِدِ اللہَ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا۝۱۱۰
Waman yaAAmal sooan aw yathlim nafsahu thumma yastaghfiri Allaha yajidi Allaha ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يعمل سوءا» ذنبا يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي «أو يظلم نفسه» يعمل ذنبا قاصرا عليه «ثم يستغفر الله» منه أي يتب «يجد الله غفورا» له «رحيما» به.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالاً للضرر إلى الغير، والضرر سوء حاضر، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضرراً حاضراً لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه. وأعلم أن هذه الآية دالة على حكمين: الأول: أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفراً أو قتلاً، عمداً أو غصباً للأموال لأن قوله {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } عم الكل الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف، وقال بعضهم: أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار، وقوله {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } معناه غفوراً رحيماً له، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك. والنوع الثاني: من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قال ٱبن عباس: عرض الله التوبة على بني أُبَيْرِق بهذه الآية، أي {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً} بأن يسرق {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بأن يشرك {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} يعني بالتوبة، فإن الاستغفار باللسان من غير توبة لا ينفع، وقد بيّناه في «آل عمران» وقال الضحاك: نزلت الآية في شأن وحشي قاتِل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لنادِم فهل لي من توبة؟ فنزل: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الآية. وقيل: المراد بهذه الآية العموم والشمول لجميع الخلق. وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا: قال عبدالله بن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة «النساء» ثم ٱستغفر غفر له: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء، وإذا سمعته من غيره حلفته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر: قال: ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غَفَر له، ثم تلا هذه الآية{وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه، تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال، رواه ابن جرير، وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً، أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئاً، قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً، فقال عبد الله رضي الله عنه: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهوراً، وقال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 135]، وقال: { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}، وقال أيضاً: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم عن ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت، قتلت ولدها، قال عبد الله بن مغفل: لها النار، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} قال: فمسحت عينها، ثم مضت. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة عن عثمان بن المغيرة، قال: سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء، أو ابن أسماء من بني فزارة، قال: قال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر ـ وصدق أبو بكر ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مسلم يذنب ذنباً، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له» تفسير : وقرأ هاتين الآيتين: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الآية، {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 135]، الآية. وقد تكلمنا على هذا الحديث، وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضاً. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي، فقال: حدثنا أحمد بن محمد ابن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحراني، حدثنا دواد بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، قال: سمعت أبا بكر ـ هو الصديق ـ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد أذنب، فقام فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى، واستغفر من ذنبه، إلا كان حقاً على الله أن يغفر له»تفسير : ؛ لأن الله يقول: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الآية، ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق، بنحوه، وهذا إسناد لا يصح. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن تمام بن نجيح، حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها، وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه، أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء، فاتبعته، فمضى ساعة ثم رجع، ولم يقض حاجته، فقال: «حديث : إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} فأردت أن أبشر أصحابي».تفسير : قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الآية التي قبلها: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123] فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . ثم قلت الثانية، قال: «حديث : نعم»تفسير : . قلت الثالثة، قال: «حديث : نعم، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر الله، غفر الله له على رغم أنف أبي الدرداء»تفسير : . قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه، هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف. وقوله: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} الآية، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [فاطر: 18] الآية، يعني: أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت، لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك، ثم قال: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} الآية، يعني: كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح، وهو لبيد بن سهل؛ كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي؛ على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئاً، وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم، فارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم. وقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ} وقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة ابن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ} يعني: أسير بن عمرو وأصحابه، يعني بذلك: لما أثنوا على بني أبيرق، ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم، وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ} تفسير : [الشورى: 52] إلى آخر السورة، وقال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [القصص: 86] ولهذا قال: {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } ذنباً يسوء به غيره كرمي (طُعْمَة) اليهودي {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } يعمل ذنباً قاصراً عليه {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } منه أي يتب {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً } له {رَّحِيماً } به.

الشوكاني

تفسير : هذا من تمام القصّة السابقة، والمراد بالسوء: القبيح الذي يسوء به: {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بفعل معصية من المعاصي، أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره: {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } يطلب منه أن يغفر له ما قارفه من الذنب: {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً } لذنبه: {رَّحِيماً } به، وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبيرق أن يتوب إلى ا ويستغفره، وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به. وقال الضحاك: إن هذه الآية نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة، أشرك بالله، وقتل حمزة، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: هل لي من توبة؟ فنزلت. وعلى كل حال، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنباً، ثم استغفر الله سبحانه. قوله: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً } من الآثام بذنب يذنبه {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } أي عاقبته عائدة عليه، والكسب ما يجرّ به الإنسان إلى نفسه نفعاً أو يدفع به ضرراً، ولهذا لا يسمى فعل الربّ كسباً، قاله القرطبي: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً } قيل: هما بمعنى واحد كرر للتأكيد. وقال الطبري: إن الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل: الخطيئة: الصغيرة، والإثم: الكبيرة. قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو لتغليب الإثم على الخطيئة، وقيل: إنه يرجع إلى الكسب. قوله: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13]، والبهتان مأخوذ من البهت: وهو الكذب على البريء بما ينبهت له، ويتحير منه، يقال بهته بهتاً، وبهتاناً: إذا قال عليه ما لم يقل، ويقال بهت الرجل بالكسر: إذا دهش وتحير، وبهت بالضم، ومنه: {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ } تفسير : [البقرة: 258]، والإثم المبين: الواضح. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بهذا الفضل، والرحمة لرسول الله أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق. وقيل: المراد بهما: النبوّة والعصمة {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي: من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق، كما تقدّم: {أَن يُضِلُّوكَ } عن الحق: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لأن وبال ذلك عائد عليهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } لأن الله سبحانه هو عاصمك من الناس؛ ولأنك عملت بالظاهر، ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، والجار والمجرور في محل نصب على المصدرية، أي: وما يضرونك شيئاً من الضرر. قوله: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } قيل: هذا ابتداء كلام، وقيل: الواو للحال، أي: وما يضرّونك من شيء حال إنزال الله عليك الكتاب، والحكمة، أو مع إنزال الله ذلك عليك. قوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } معطوف على أنزل، أي: علمك بالوحي ما لم تكن تعلم من قبل: {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } إذ لا فضل أعظم من النبوّة ونزول الوحي. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } الآية. قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً، ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود قال: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثم استغفر الله غفر له: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ }تفسير : [النساء: 64] الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } قال: علمه الله بيان الدنيا، والآخرة بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه. وأخرج أيضاً عن الضحاك قال: علمه الخير والشر، وقد ورد في قبول الاستغفار، وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدوّنة في كتب السنة.

ابن عادل

تفسير : لما ذكر الوعيد أتبعه بالدعوة إلى التوبة فقال: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً} يعني: السَّرِقَة، {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بِرَمْيه البَرِيء، وقيل: السُّوء: الشِّرْكُ، وظلم النَّفْسِ: ما دون الشِّرْكِ، وقيل: المراد بالسُّوء: ما يَتَعَدَّى إلى الغَيْر، وظلم النَّفْس: ما يَخْتَصُّ به الإنْسَان؛ كالحَلْف الكَاذِب، وإنما خَصَّ ما يتعدى إلى الغَيْر باسم السُّوء؛ لأنَّ ذلك يكون في الأكْثَر إيصَالاً للضَّرَر إلى الغَيْر، والضَّرَرُ سوءٌ حَاضِرٌ. فأمَّا الذَّنْبُ الذي يَخُصُّ الإنْسَان: فذلك لا يَكُون في الأكثر ضَرَراً حَاضِراً. وقوله: {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} أي: يَتُبْ إلى الله ويَستغفرهُ {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} وهذه الآيَة دَلَّتْ على أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ عن جميع الذُّنُوبِ سواءً كانت كُفْراً، أو قَتْلاً عَمْداً، أو غَصْباً للأمْوَال؛ لأن السُّوء [و] ظلم النَّفْسِ يَعُمُّ الكلُّ، وظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّ مجرد الاسْتِغْفَار كَافٍ. وقال بعضهم: إنَّه مقيَّد بالتَّوْبَة؛ لأنَّهُ لا يَنْفَع الاسْتِغْفَارُ مع الإصرار. وقوله: {غَفُوراً رَّحِيماً} معناه: غفوراً رحيماً له، وحُذِفَ هذا القَيْد؛ لدلالة الكَلاَم عَلَيْه. قال الضَّحَّاك: نَزَلَت هذه الآية في وَحْشي قاتلِ حمْزة، أشْرك باللَّه، وقتل حَمْزَة، ثم جاء إلى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لَنَادِمٌ، فهل لي من تَوْبَةٍ؟. فنزلت هذه الآية. وروى سُفْيَانُ عن ابن مَسْعُودٍ، قال: من قرأ هَاتَيْن الآيَتين من سُورة النِّسَاء، ثم اسْتَغْفَرَ، غُفِرَ له وقرأ: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110] الآية، {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 64] الآية. وعن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: حدَّثَنِي أبُو بكر، وصدق أبُو بكر قال: ما من عَبْدٍ يُذْنِب ذَنْباً، ثم يَتَوَضَّأُ، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ويستغفر الله، إلا غَفَرَ له، ثم تَلاَ هذه الآيَة [{ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه} الآية قال ابن عَطيَّة: قوله: "يَجِدِ اللَّه" أي: يجد عِنْدَه المَغْفِرة والرَّحْمَة، فجعل المَغْفِرَة كالمورد يرده التَّائِب] المُستْغَفِر.

القشيري

تفسير : "ثم": حرفٌ يدل على التراخي؛ أي يزجون عمرهم في البطالات والمخالفات ثم في آخر أعمارهم يستغفرون الله. وقوله: {يَجِدِ ٱللَّهَ}: الوجود غاية الحديث، والعاصي لا يطلب غير الغفران، ولكن الله - سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله - إذا شاء، فسُنَّتُه تحقيق ما فوق المأمول لمن رجاه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يعمل سوأ} عملا قبيحا متعديا يسوء به غيره ويخزيه كما فعل طعمة بقتادة واليهودى {او يظلم نفسه} بما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل السوء ما دون الشرك والظلم الشرك لان الشرك ظلم عظيم. وقيل هما الصغيرة والكبيرة {ثم يستغفر الله} بالتوبة الصادقة وشرطت التوبة لان الاستغفار لا يكون توبة بالاجماع ما لم يقل معه تبت واسأت ولا اعود اليه ابدا فاغفر لى يا رب كما فى تفسير الحدادى {يجد الله غفورا} لذنوبه كائنة ما كانت {رحيما} متفضلا عليه وفيه مزيد ترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار لما ان مشاهدة التائب لآثار المغفرة والرحمة نعمة زائدة. وعن على رضى الله عنه قال حدثنى ابو بكر وصدق ابو بكر رضى الله عنه قال (ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلى ركعتين ويستغفر الله الا غفر الله له وتلا هذه الآية ومن يعمل سوأ الخ). شعر : اى كه بى حد كناه كردستى مى نترسى ازان فعال شنيع توبه كن تا رضاى حق يابى كه به ازتوبه نيست هيج شفيع

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن يعمل سوءًا} أي: ذنبًا قبيحًا يسوءُ به غيره، {أو يظلم نفسه} بذنب يختص به، أو من يعمل سوءًا بذنبٍ غيرِ الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك، أو من يعمل سوءًا بالكبيرة، أو يظلم نفسه بالصغيرة، {ثم يستغفر الله} بالتوبة {يجد الله غفورًا} لذنوبه {رحيمًا} بقبول توبته، وفيه حث لطُعمَة وقومِه على التوبة والاستغفار. الإشارة: ومن يعمل سوءًا بالميل إلى الهوى، أو يظلم نفسه بالالتفات إلى السوى، أو من يعمل سوءًا بالهفوات والخطرات، أو يظلم نفسه بالغفلات والفترات، أو من يعمل سوءًا بالوقوف مع الكرامات وحلاوة الطاعات، أو يظلم نفسه بالقناعة من الترقي في الدرجات والمقامات، ثم يستغفر الله من حينه يجد الله غفورًا رحيمًا، حيث لم يُخرِجهُ من حضرته، ولم يتركه مع غفلته.

الطوسي

تفسير : [المعنى]: المعنى من يعمل ذنباً، وهو السوء، أو يظلم نفسه باكتساب المعاصي التي يستحق بها العقوبة {ثم يستغفر الله} يعني يتوب اليه مما عمل من المعاصي، ويراجعه {يجد الله غفوراً رحيماً} ومعناه يعلمه ساتراً عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبة جرمه {رحيماً} به. واختلفوا فيمن عنى بهذه الاية، فقال قوم: عنى بها الخائنين الذين وصفهم في الآية الاولى. وقال آخرون: عنى الذين كانوا يجادلون عن الخائنين. قال لهم: {ها أنتم جادلتم عنهم في الحياة الدنيا}. والاولى حمل الآية على عمومها في كل من عمل سوءاً أو ظلم نفسه، وان كان سبب نزولها فيمن تقدم ذكره من الخائنين أو المجادلين. وبه قال أكثر المفسرين: الطبري، والبلخي، والجبائي، وابن عباس، وعبد الله ابن معقل، وابو وائل، وغيرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً} بارتكاب ما لا يرضاه العقل والشّرع {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بترك ارتكاب ما يرضاه العقل والشّرع فانّ المراد بعامل السّوء من يرتكب القبائح الّتى يبعده عن حضرة العقل والرّبّ، وبظالم النّفس من يقف عمّا يقرّ به الى حضرة العقل، وقد فسّر فى الخبر الظّالم لنفسه بمن يحوم حول نفسه من دون الحركة الى حول القلب {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} وعد للخائن والمجادل عنه بقبول توبته ان تاب، والمغفرة ستر الذّنوب وترك العقاب عليها. والرّحمة التّفضّل عليه زائداً على ترك العقاب.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَعْمَل سُوءاً}: قبيحا يسوء به غيره، بدليل مقابلته بقوله: {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}: بذنب من ذنوب ما بين الانسان والله، وقيل السوء ما دون الشرك، والظلم الشرك بقوله تعالى: {أية : ان الشرك لظلم عظيم }تفسير : وقيل: السوء الصغيرة، والظلم الكبيرة، شركا كانت أو دونه، فالشرك كارتداد طعمة وما دونه كالسرقة والرمى بها لليهود، وكرمى قوم طعمة لليهودى. {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ}: من ذنوبه. {يَجِدِ اللهَ غَفُوراً}: لذنوبه. {رَّحِيماً}: متفضلا عليه، قيل: نزلت الآية فى طعمة وقومه حثا على التوبة، ويلحق بهم غيرهم الحاقا، وقيل: نزلت عامة، والآية أفادت أن التوبة تقبل من الشرك ومن سائر الكبائر، ومن الصغائر وأنه لا تقبل الا بالاستغفار والمراد به التوبة، فلا ينفع الاستغفار باللسان مع الاصرار.

اطفيش

تفسير : {وَمَن يَعْمَل سُوءاً} ذنباً، يضر به نفسه وغيره، كبهت طعمة اليهودى، أو نفسه وحده، كما قال {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بعمل ذنب لا يتعدى إلى غيره من ذاته، ولو تعدى إليه من قبل الله، كالطاعون، والقحط، والمضار المترتبة على المعاصى، أو يدخل هذا فى عمل السوء، ويختص ظلم النفس بما لا يترتب عليه ذلك، أو الظلم الشرك، {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13]، والسوء ما دونه، أو السوء الصغيرة والظلم الكبيرة {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ} بالتوبة {يَجِدِ اللهَ غَفُوراً} لذنوبه {رَّحِيماً} متفضلا، وفى الآية حث طعمة وقومه على التوبة، ولم يتب طعمة ومات مشركا.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً} أي شيئاً يسوء به غيره كما فعل بشير برفاعة أو طعمة باليهودي {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بما يختص به كالإنكار، وقيل: السوء ما دون الشرك، والظلم الشرك، وقيل: السوء الصغيرة والظلم الكبيرة. {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت بيسير {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً} لما استغفره منه كائناً ما كان {رَّحِيماً} متفضلاً عليه، وفيه حث لمن فيهم نزلت الآية من المذنبين على التوبة والاستغفار، قيل: وتخويف لمن لم يستغفر ولم يتب بحسب المفهوم فإنه يفيد أن من لم يستغفر حرم من رحمته تعالى وابتلي بغضبه.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض بتذييل بين جملة {هَأنتم هَؤلاء جادلتم عنهم} وبين جملة: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمَّت طائفة منهم أن يُضلّوك} [النساء: 109 ـــ 113]. وعَمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه. وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر، وأطلق أيضاً على ارتكاب المعاصي. وأحسنُ ما قيل في تفسير هذه الآية: أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس، وهو الاعتداء على حقوقهم، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نُهيَ عنه. والمراد بالاستغفار التوبة وطلب العفو من اللَّهِ عمّا مضى من الذنوب قبل التوبة، ومعنى {يجد الله غفوراً رحيماً} يتحقّق ذلك، فاستعير فعل {يجد} للتحقّق لأنّ فعل وَجد حقيقته الظَفَر بالشيء ومشاهدته، فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة. ومعنى {غفوراً رحيماً} شديد الغفران وشديد الرحمة وذلك كناية عن العموم والتعجيل، فيصير المعنى يجد الله غافراً له راحماً له، لأنّه عامّ المغفرةِ والرحمةِ فلا يخرج منها أحد استغفره وتاب إليه، ولا يتخلّف عنه شمول مغفرته ورحمته زَمناً، فكانت صيغة {غفوراً رحيماً} مع {يجد} دَالَّةً على القبول من كلّ تائب بفضل الله. وذكر الخطيئة والإثمِ هنا يدلّ على أنّهما متغايران، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم الكبيرة. والرمي حقيقته قذف شيء من اليد، ويطلق مجازاً على نسبة خبر أو وصف لصاحبه بالحقّ أو الباطل، وأكثر استعماله في نسبة غير الواقع، ومن أمثالهم «رَمتْنِي بِدائها وانْسَلَّتْ» وقال تعالى: {أية : والذين يرمون المحصنات}تفسير : [النور: 4] وكذلك هو هنا، ومثله في ذلك القذف حقيقة ومجازا. ومعنى {يرم به بريئاً} ينسبه إليه ويحتال لترويج ذلك، فكأنَّه ينزع ذلك الإثم عن نفسه ويرمي به البريء. والبهتان: الكذب الفاحش. وجُعل الرمي بالخطيئة وبالإثم مرتبة واحدة في كون ذلك إثماً مبينا: لأنّ رمي البريء بالجريمة في ذاته كبيرة لما فيه من الاعتداء على حقّ الغير. ودُلّ على عظم هذا البهتان بقوله: {احتمل} تمثيلاً لحال فاعله بحال عناء الحامل ثِقلا. والمبين الذي يَدلّ كلّ أحدٍ على أنّه إثم، أي إثماً ظاهراً لا شبهة في كونه إثماً. وقوله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك} عطف على {أية : ولا تكن للخائنين خصيماً}تفسير : [النساء: 105]. والمراد بالفضل والرحمة هنا نِعمة إنزال الكتاب تفصيلا لوجوه الحقّ في الحكم وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه. وظاهر الآية أنّ هَمّ طائفة من الذين يختانون أنفسهم بأن يُضلّون الرسول غيرُ واقع من أصله فضلا عن أن يضلّوه بالفعل. ومعنى ذلك أنّ علمهم بأمانته يزعهم عن محاولة ترويج الباطل عليه إذ قد اشتهر بين الناس، مؤمنهم وكافرهم، أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أمين فلا يسعهم إلاّ حكاية الصدق عنده، وأنّ بني ظَفَر لما اشتكوا إليه من صنيع قتادة بن النعمان وعمّه كانوا يظنّون أنّ أصحابهم بني أبيرق على الحقّ، أوْ أنّ بني أبيرق لمّا شكوا إلى رسول الله بما صنعه قتادة كانوا موجسِين خِيفة أن يُطلع الله رسوله على جليّة الأمر، فكان ما حاولوه من تضليل الرسول طمعاً لا هَمّا، لأنّ الهمّ هو العزم على الفعل والثقة به، وإنّما كان انتفاءُ همّهم تضليلَه فضلاً ورحمة، لدلالته على وقاره في نفوس الناس، وذلك فضل عظيم. وقيل في تفسير هذا الانتفاء: إنّ المراد انتفاء أثره، أي لولا فضل الله لضلِلْت بهمّهم أن يُضلّوك، ولكن الله عصمك عن الضلال، فيكون كناية. وفي هذا التفسير بُعد من جانب نظم الكلام ومن جانب المعنى. ومعنى: {وما يضلون إلا أنفسهم} أنّهم لو همُّوا بذلك لكان الضلال لاحقاً بهم دونك، أي يكونون قد حاولوا ترويج الباطل واستغفال الرسول، فحقّ عليهم الضلال بذلك، ثم لا يجدونك مصغِيا لضلالهم، و{من} زائدة لتأكيد النفي. و{شيء} أصله النَّصب على أنّه مفعول مطلق لقوله {يضرّونك} أي شيئاً من الضرّ، وجُرّ لأجل حرف الجرّ الزائد. وجملة: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} عطف على {وما يضرونك من شيء}. وموقعها لزيادة تقرير معنى قوله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته} ولذلك ختمها بقوله: {وكان فضل الله عليك عظيماً}، فهو مثل ردّ العجز على الصدر. والكتاب: والقرآن. والحكمة: النبوءة. وتعليمه ما لم يكن يعلم هو ما زاد على ما في الكتاب من العلم الوارد في السنّة والإنباء بالمغيّباتِ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سوءاً: السوء: ما يسيء إلى النفس أو إلى الغير. أو يظلم نفسه: ظلم النفس: بغشيان الذنوب وارتكاب الخطايا. إثماً: الإِثم: ما كان ضاراً بالنفس فاسداً. بريئاً: البريء: من لم يجن جناية قد اتهم بها. احتمل بهتاناً: تحمل بهتاناً: وهو الكذب المحير لمن رمي به. الكتاب والحكمة: الكتاب: القرآن والحكمة السنة. معنى الآيات: هذا السياق معطوف على سابقه في حادثة طعمة بن أبيرق وهو يحمل الرحمة الإِلهية لأولئك الذين تورطوا في الوقوف إلى جنب الخائن ابن أبيرق فأخبرهم تعالى أن من يعمل سوءاً يؤذي به غيره أو يظلم نفسه بارتكاب ذنب من الذنوب ثم يتوب إلى الله تعالى باستغفاره والإِنابة إليه يتب الله تعالى عليه ويقبل توبته وهو معنى قوله تعالى في الآية [110] {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} يغفر له ويرحمه. قوله تعالى {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً} أي ذنباً من الذنوب صغيرها وكبيرها {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} إذ هي التي تتدسَّى به وتؤاخذ بمقتضاه إن لم يغفر لها. ولا يؤاخذ به غيرها وكان الله عليماً أي بذنوب عباده حكيماً أي في مجازاتهم بذنوبهم فلا يؤاخذ نفساً بغير ما اكتسبت ويترك نفساً قد اكتسبت [112] يخبر تعالى أن من يرتكب خطيئة ضد أحد، أو يكسب إثماً ويرمي به أحداً بريئاً منه قد تحمل تبعة عظيمة قد تصليه نار جهنم وهو معنى قوله: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}. وفي الآية [113] يواجه الله تعالى رسوله بالخطاب ممتناً عليه بما حباه به من الفضل والرحمة فيقول: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ}، والمراد بالطائفة التي ذكر الله تعالى هم بنو أبيرق أخوة طعمة وقوله {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ}، فهو كما قال عز وجل ضلالهم عائد عليهم أما الرسول فلن يضره ذلك وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} امتنان من الله تعالى على رسوله بأنه أنزل عليه القرآن أعظم الكتب وأهداها وعلمه الحكمة وهي ما كشف له من أسرار الكتاب الكريم، وما أوحي إليه من العلوم والمعارف التي كلها نور وهدى مبين، وعلمه من المعارف الربانية ما لم يكن يعلم قبل ذلك وبهذا كان فضله على رسوله عظيماً فلله الحمد والمنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه. 2- عظم ذنب من يكذب على البرءاء، ويتهم الأمناء بالخيانة. 3- تأثير الكلام على النفوس حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كاد يضلله بنو أبيرق فيبرىء الخائن ويدين البريء إلا أن الله عصمه. 4- عاقبة الظلم عائدة على الظالم.

القطان

تفسير : بعد تلك الحملة الغاضبة على الخونة، والعقاب الشديد للمنافحين عنهم والمجادلين ـ تأتي هذه الآية الكريمة وتقرر ان باب التوبة مفتوح عند الله. ونحن نجد هذا الاسلوب في القرآن الكريم يتكرر، يؤكدُه الكتاب بعد كل تهديد ووعيد لئلا تَقْنَطوا من رحمةِ الله. والمعنى: إن من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه بارتكاب المعاصي، ثم يستغفر الله ويطلب عفوه يجد الله تعالى غفاراً لذنوبه، قابلاً لتوبته رحيماً متفضلا عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : (110) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِعَفْوِهِ وَحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَمَنْ أذْنَبَ ذَنْباً صَغِيراً كَانَ أوْ كَبِيراً، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللهَ، فَإنَّهُ يَجِدُ عِنَدَ اللهِ المَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ كَبيرةً. (وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ: "حديث : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ إلاّ غَفَرَ لَهُ"تفسير : ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه وتعالى حينما خلق الخلق جعلهم أهل أغيار؛ لذلك لم يشأ أن يُخرج مذنباً بذنب عن دائرة قدرته ورحمته، بل إنه - سبحانه - شرع التوبة للمذنب حماية للمجتمع من استشراء شره. فلو خرج كل من ارتكب ذنباً من رحمة الله، فسوف يعاني المجتمع من شرور مثل هذا الإنسان، ويصبح كل عمله نقمة مستطيرة الشر على المجتمع. إذن فالتوبة من الله، مشروعية وقبولاً، إنما هي حماية للبشر من شراسة من يصنع أول ذنب. وهكذا جاءت التوبة لتحمي الناس من شراسة أهل المعصية الذين بدأوا بمعصية واحدة. إن الذين وقفوا في محاولة تبرئة "ابن أبيرق" انقسموا إلى قسمين: قسم في باله أن يبرئ "ابن أبيرق"، وقسم في باله ألا يفضح مسلماً. وكل من القسمين قد أذنب. ولكن هل يخرجهم هذا الذنب من رحمة الله؟. لا، فسبحانه يقول: {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} والحق يعفو عن تلك المسألة. إن القسمين جميعا أصبحوا مطالبين بعمل طيب بعد أن أوضح لهم الرسول، وفهموا مراد الحق. وسبحانه يبقيهم في الصف الإيماني، وقد حكم رسول الله على "ابن أبيرق" لصالح اليهودي، وبعد ذلك ارتد "ابن أبيرق"، وذهب إلى مكة مصاحباً لِعادة الخيانة، فنقب حائطا على رجل ليسرق متاعه فوقع الحائط عليه فمات. والحق سبحانه يضع المعايير، فمن يرتكب ذنباً أو يظلم نفسه بخطيئة ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً. ونلاحظ أن بعض السطحيين لا يفهمون جيداً قول الحق: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} فيتساءلون: أليس الذي ارتكب العمل السيئ قد ظلم نفسه؟ ونقول: إن دقة القرآن توضح لنا المعنى؛ فمعنى عمل سوءًا أضرّ بهذا العمل آخرين، إنّه غير الذي ارتكب شيئاً يضرّ به نفسه فقط؛ فالذي سرق أو قتل أو اعتدى على آخر قذفاً أو ضرباً أو إهانة، مثل هذه الأعمال هي ارتكاب للسوء؛ فالسوء هو عمل يكرهه الناس، ويقال: فلان رجل سوء، أي يلقى الناس بما يكرهون. لكن الذي يشرب الخمر قد يكون في عزلة عن الناس لم يرتكب إساءة إلى أحد، لكنه ظلم نفسه؛ لأن الإنسان المسلم مطلوب منه الولاية على نفسه أيضاً، والمنهج يحمي المسلم حتى من نفسه، ويحمي النفس من صاحبها، بدليل أننا نأخذ من يقتل غيره بالعقوبة، وكذلك يحرم الله من الجنة من قتل نفسه انتحاراً. وهكذا نرى حماية المنهج للإنسان وكيف تحيطه من كل الجهات؛ لأن الإنسان فرد من كون الله، والحق يطلب من كل فرد أن يحمي نفسه. فإن صنع سوءا أي أضر بغيره، فهذا اسمه "سوء". أما حين يصنع فعلاً يضر نفسه فهذا ظلم النفس: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [سورة آل عمران: 135] وهل فعل الفاحشة مخالف لظلم النفس؟. إنه إساءة لغيره أيضا، لكن ظلم النفس هو الفعل الذي يسئ إلى النفس وحدها. أو أن الإنسان يصنع سيئة ويمتع نفسه بها لحظة من اللحظات ولا يستحضر عقوبتها الشديدة في الآخرة. وقد تجد إنساناً يرتكب المعصية ليحقق لغيره متعة، مثال ذلك شاهد الزور الذي يعطي حق إنسان لإنسان آخر ولم يأخذ شيئاً لنفسه، بل باع دينه بدنيا غيره، وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : بادروا بالأعمال ستكون فتنة كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويُمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض الدنيا ". تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} والله غفور ورحيم أزلاً ودائماً، والعبد التائب يرى مغفرة الله ورحمته. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ.. }

الأندلسي

تفسير : {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} الظاهر أنهما غير ان عمل السوء وظلم النفس وخصوصاً للعطف بأوقاتها تقتضي أحد الشيئين والسوء القبيح الذي يسوء به غيره وظلم النفس ما يختص به كالحلف الكاذب مثلاً. {يَجِدِ ٱللَّهَ} مبالغة في الغفران كأن المغفرة والرحمة معدان لطالبهما مهيآن له متى طلبهما وجدهما وجاء جواب الشرط مصرحاً فيه باسم الله ولم يأت بالضمير فكان يكون يجده لأن في لفظ الله من الجلالة والتعظيم ما ليس في الضمير ولما تقدم شيئان: عمل سوء، وظلم النفس. قابلهما بوصفين وهما الغفران لعامل السوء والرحمة لمن ظلم نفسه. {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً} والاثم جامع للسوء وظلم النفس السابقين، والمعنى أن وبال ذلك لاحق له لا يتعداه إلى غيره وهو إشارة إلى الجزاء اللاحق له في الآخرة وختمها بصفة العلم لأنه يعلم جميع ما يكتسب لا يغيب عنه شيء ثم بصفة الحكمة لأنه واضع الأشياء مواضعها فيجازي على ذلك الآثم بما تقتضيه حكمته فالصفتان إشارة إلى علمه بذلك الاثم وإلى ما يستحق عليه فاعله وفي لفظه على دلالة على استعلاء الاثم عليه واستيلائه وقهره له. {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً} ظاهر العطف بأو المغايرة فالخطيئة ما كان عن غير عمد. وعن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول حيث رمى بالافك من رمى والبهتان مصدر بهته. {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي ظاهراً لكسبه الخطيئة والاثم، والمعنى أنه يستحق عقابين عقاب الكسب وعقاب البهت وقدم البهت لقربه من قوله: ثم يرم به بريئاً ولأنه ذنب أفظع من كسب الخطيئة أو الاثم ولفظ احتمل أبلغ من حمل لأن افتعل فيه للتسبب كاعتمل. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} عن ابن عباس أنها نزلت في وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة فلم يجبهم فنزلت. والهم العزم على الشيء والاهتمام به ويتعدى بالباء كما في قوله: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} تفسير : [يوسف: 24]. و{أَن يُضِلُّوكَ} محذوف منه الباء أي بأن يضلوك وإنْ مع الفعل بتأويل المصدر. {مِن شَيْءٍ} من زائدة دخلت على نكرة عامّة في سياق النفي أيْ لا يضرونك لا قليلاً ولا كثيراً. {مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} قال ابن عباس: هو الشرع والنجوى مصدر نجوت أنجو وهي المسارّة بين اثنين فصاعداً، وقيل: جمع نحيّي فإِن كان مصدراً فلا بد في الكلام من حذف إما من الأول تقديره من ذوي نجوى أي أصحاب تناجيهم أو حذف من الآخر تقديره إلا نجوى من أمر وإن كان النجوى جمع نجى فالمعنى لا خير في كثير من القوم الذين يتناجون إلا من أمر فيكون استثناء متصلاً ولا يحتاج إلى حذف. {بِصَدَقَةٍ} يشمل الفرض والتطوع والمعروف عام في كل بر. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} الإِشارة بذلك إلى الأمر بما ذكر من الصدقة أو المعروف أو الاصلاح. وقرىء فسوف يؤتيه بالياء ففيه ضمير غيبة يعود على الله. وقرىء نؤتيه بالنون وهو التفات من الغيبة إلى التكلم وابتغاء مفعول من أجله ومرضات مصدر بمعنى الرضى.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءاً} معصية متعدية ليسوء به غيره رمياً وافتراء {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بالخروج عن حدود الله بلا تعدية إلى الغير، ثم بعدما تفطن بوخامة عاقبته {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} بالتوبة والندامة الناشئة عن محض الخلوص والتيقظ {يَجِدِ ٱللَّهَ} الموفق له على التوبة {غَفُوراً} يغفر ذنوبه {رَّحِيماً} [النساء: 110] يقبل توبته تفضلاً وامتناناً. {وَمَن يَكْسِبْ} منكم {إِثْماً} موجباً للنكال والعذاب {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} لا يتعدى وباله عنه {وَكَانَ ٱللَّهُ} المجازي لعباده {عَلِيماً} بما صدر عنهم {حَكِيماً} [النساء: 111] فيما جرى عليهم. {وَمَن يَكْسِبْ} منكم {خَطِيۤئَةً} معصية صادرة عن خطأ لا عن قصد {أَوْ إِثْماً} صادراً عن قصد وعن اختيار {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} منزهاً عند نزاهة نفسه {بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ} وتحمل الرامي {بُهْتَاناً} افتراء {وَإِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 112] في إسقاط العدالة واستجلاب العذاب. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل بإنزال الوحي {وَرَحْمَتُهُ} بإعلام ما هم عليه من رمي البريء {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} عن منهج الرشاد ومقتضى حكم الله وأمره {وَ} بعدما أدركك الوحي والإلهام {مَا يُضِلُّونَ} بتلبيسهم {إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} إذ عاد وباله ونكاله عليهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} أي: شيئاً من الضرر؛ لأن الله يعصمك عما لبَّسوه عليك، ويأخذهم {وَ} عليك أن تجتنب عن تلبيساتهم وتزوراتهم، والإصغاء إلى أكاذيبهم ومفترياتهم؛ إذ {أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} من غاية لطفه {ٱلْكِتَابَ} المبين للوقائع والأحكام {وَٱلْحِكْمَةَ} المتقنة الكاشفة عن سرائرها {وَعَلَّمَكَ} من الحقائق والمعارف {مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} من قبل {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ} بإعطاء هذه الفضائل {عَظِيماً} [النساء: 113] إذ لا فضل أعظم منه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الدواء بعد الداء بقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110]، والإشارة فيها: إن من يعمل سوءاً؛ أي: عملاً من مأمورات النفس وشهواته، {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} تفسير : [يوسف: 53]، أو يظلم نفسه بأن يشرك بالله في عبودية أحداً، {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ} [النساء: 110]، يفر من أنانيته ويطلب من الله أن يغفر بهويته، {يَجِدِ ٱللَّهَ} [النساء: 110] عند الطلب، فإنه قال: "حديث : من طلبني وجدني"تفسير : ، {غَفُوراً} [النساء: 110] بهوية أنانيته، {رَّحِيماً} [النساء: 110] فيرحم أنانيته بهويته، {وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً} [النساء: 111]، ولا يستغفر الله، {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [النساء: 111]، فإن دين الإثم يظهر في الحال في صفاء مرآة قلبه فيعميه عن رؤية الحق، ويضمه عن سماع الحق، كما قال تعالى: {أية : بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14]، {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 111] في الأزل {عَلِيماً} [النساء: 111]، بكسب إثمه {حَكِيماً} [النساء: 111] فيما أظهر أثر كسبه في زين قلبه، {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً} [النساء: 112]؛ وهي ما تكسب نفسه من مذمومات الصفات بغير عمده وقصده، {أَوْ إِثْماً} [النساء: 112] ذنباً بعمده وسعيه، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} [النساء: 112]؛ أي: قلبه البريء من مذمومات الصفات وعمده الذنب فإن من شأن القلب الطاعة والعبودية والصفات الحميدة؛ يعني: تسعى النفس وتتبع شهواتها واستيفاء حظوظها إلى أن يؤثر ظلمة طبيعتها في صفات القلب، ويستلذ القلب من مشتهيات النفس فيتصف القلب بصفات النفس فيبهت عنها ويقع في ورطة الهلاك، {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ} [النساء: 112] صاحب النفس {بُهْتَاناً} [النساء: 112] مما أبهت القلوب عن العبودية والطاعة {وَإِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 112] مما أنبت به نفسه من المعاصي وأثم بها قلبه، فيكون بمنزلة من جعل اللب وهو القلب جلداً وهو النفس، وهذا من إكسير الشقاوة فلا ينقطع عنه العذاب، إذا صار كل وجوده جلوداً فيكون من جملة الدين، قال الله تعالى فيهم: {أية : سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56]؛ لأنهم بدلوا الألباب بالجلود وهاهنا كما قررنا، والله أعلم. ثم أخبر عن فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بالفضل جعله خير البرية بقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [النساء: 113]، والإشارة فيها: إن فضل الله موهبة من مواهب يؤتيه من يشاء، وليس لأحد فيه مدخل بالكسب والاستجلاب، وبذلك يهدي للإيمان ويوفقه الله للعمل الصالح، ولهذا قال سيد الأولين والآخرين: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113] من الأزل إلى الأبد {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [النساء: 113] عن طريق الوصول إلى الله، ولولا إنا أفنيناك عنك بل عن كل ذرة من ذرات المخلوقات من الروحانيات والجسمانيات حتى نفسك وروحك لكان حجابك عن الحضرة وما معك من الوصلة، فبجذبات الفضل أفنينا عنك وعن حجب المكونات، وبكرامات الرحمة جعلنا ذرات المكونات مرقات لك إلى الوصلة، وأبقيناك بنا حتى كنت فضلنا ورحمتنا فأرسلناك {أية : رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]، وقلنا لهم: {أية : فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [البقرة: 64]، فلا يقدر أحد أن يضلك {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 113]، من أراد أن يضلك؛ لأنهم بإرادة إضلالك يضلون أنفسهم عن متابعتك ومطاوعتك، وأنت فضل الله ورحمته عليهم فيضلون عنك، {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} [النساء: 113]؛ بل يضلون أنفسهم بالحرمان عما {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} [النساء: 113]؛ وهو القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ} [النساء: 113]؛ وهي حقائق القرآن وأسراره ولطائفه وإشاراته، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113]؛ وهو علم ما كان وما سيكون، فإنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم قبل أن أسري به علم ما كان وما سيكون، وهذا هو حقيقة {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء: 113]، والعظيم هو الله، والإشارة أن الله العظيم هو فضل الله عليك ورحمته، كما أن فضل الله ورحمته على العالمين، ولهذا قال: "حديث : لولاك لما خلقت الأفلاك"تفسير : ، فافهم جيداً.