٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
الرازي
تفسير : وذكروا في الخطيئة والإثم وجوهاً: الأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة وثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل. وثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله {أية : وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } تفسير : [النساء: 111] فبيّـن أن الإثم ما يكون سبباً لاستحقاق العقوبة. وأما قوله {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } فالضمير في {بِهِ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه: الأول: ثم يرم بأحد هذين المذكورين. الثاني: أن يكون عائداً إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } الثالث: أن يكون عائداً إلى الكسب، والتقدير: يرم بكسبه بريئاً، فدل يكسب على الكسب. الرابع: أن يكون الضمير راجعاً إلى معنى الخطيئة فكأنه قال: ومن يكسب ذنباً ثم يرم به بريئاً. وأما قوله {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً } فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو برىء منه. وأعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً } إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا، وقوله {وَإِثْماً مُّبِيناً } إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً } ذنباً صغيراً {أَوْ إِثْماً } ذنباً كبيراً {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } منه {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ } تحمل {بُهْتَٰناً } برميه {وَإِثْماً مُّبِيناً } بيِّناً يكسبه.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} أراد الذي اتهمه طعمة فلما نزلت فيه الآية، ارتد طعمة، ولحق بمشركي مكة، فنزلت، {أية : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ}تفسير : [النساء: 115].
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً}، ذهب بعضُ النَّاسِ إلَىٰ أنهما لفظانِ بمعنًى، كُرِّرَ؛ لإختلافِ اللفْظِ، وقال الطَّبَرِيُّ: إنما فَرَقَ بين الخطيئَةِ والإثْم؛ لأنَّ الخطيئة تكُونُ عَنْ عَمْدٍ، وعن غير عَمْدٍ، والإثمُ لا يكُونُ إلا عَنْ عمد، وهذه الآية لفظها عامٌّ، ويندرجُ تحْتَ ذلك العمومِ أهْلُ النازلةِ المَذْكُورة، وبَرِيءُ النَّازِلَةِ، وهو لَبِيدٌ، كما تقدَّم، أيْ: ويتناولُ عمومُ الآية كلَّ بريءٍ. وقوله: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً}: تشبيهٌ، إذ الذنوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ، فهي كالمحمولاتِ، و {بُهْتَـٰناً}: معناه: كَذِباً، ثم وقَفَ اللَّه تعالَىٰ نبيَّه علَىٰ مقدارِ عِصْمَتِهِ له، وأنها بفَضْل منه سُبْحَانه ورَحْمَتِهِ. وقوله تعالى: {لَهَمَّتْ}: معناه: لَجَعَلَتْهُ همَّها وشُغُلَها، حتى تنفذه؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الألفاظ عامَّة في غير أهْل النَّازلة، وإلاَّ فأهْلُ التعصُّب لبني أُبَيْرِقٍ قد وقَع هَمُّهم وثَبَت، ثم أخبر تعالى أنهم لا يضلُّون إلاَّ أنفسهم، وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء، قُلْتُ: ثم ذكر سبحانه ما أنعم بِهِ علَىٰ نبيه مِنْ إنزالِ الكتابِ، والحِكْمَةِ، وتعليمِهِ ما لم يكُنْ يعلم، قال ابنُ العربيِّ في رحلته: ٱعْلَمْ أنَّ علومَ القُرآنِ ثلاثةُ أقْسَامٍ: تَوْحِيدٌ، وتَذْكِيرٌ، وأَحْكَامٌ، وعلْم التذكيرِ هو معظم القُرآن، فإنه مشتملٌ علَى الوَعْد والوَعِيدِ، والخَوْف والرجاء، والقُرَبِ وما يرتبط بها، ويدْعو إليها ويكُونُ عنها، وذلك معنًى تَتَّسِعُ أبوابه، وتمتدُّ أطنابه. انتهى، وباقِي الآيةِ وعْدٌ كريمٌ لنبيِّهِ ـــ عليه السلام ـــ، وتقريرٌ نعمه لدَيْه سبحانه، لا إله غيره.
ابن عادل
تفسير : قيل: المراد بالخَطِيئَةِ: سَرِقَةُ الدِّرْع، وبالإثْمِ: يَمينه الكَاذِبَة. وقيل: الخَطِيئَةُ: الصَّغيرة، والإثْم: الكَبِيرة. وقيل: الخَطِيئَة: ما لا يَنْبَغِي فِعْلُه سواءً كان بالعَمْد أو بالخَطَأ، والإثْم: ما يَحْصُل بسبب العَمْد؛ لقوله في الَّتِي قَبْلَها: {أية : وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [النساء: 111] فبيَّن أن الإثْم ما يَسْتَحِقُّ به العُقُوبَة. وقيل: هُما بمَعْنَى وَاحِد، كرر لاخْتِلاَف اللَّفْظ تَأكِيداً. وقال الطَّبَرِيّ: الخَطِيئَة تكون عن عَمْد، وعَنْ غَيْر عمد، والإثْم لا يكون إلا عن عَمْد، وقيل: الخَطِيئَة مَا لَمْ يُتَعَمَّد خاصَّة؛ كالقَتْل الخَطَأ. قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ}: في هذه الهَاءِ أقوالٌ: أحدُها: أنها تعود على "إثماً" لأنه الأقْرب، والمتعاطفان بـ "أو": يجُوز أن يعودَ الضَّمير على المَعْطُوف كهذه الآية، وعلى المعطوف عليه؛ كقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11]. والثاني: أنها تعودُ على الكَسْبِ المدْلُول عليه بالفعل، نحو: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [المائدة: 8] أي العدل. الثالث: أنها تعودُ على أحد المذكُورَيْن الدَّالِّ عليه العَطْفُ بـ "أو" فإنه في قُوَّة "ثم يَرْمِ بأحَدِ المذكُورَيْن". الرابع: أنَّ في الكَلاَم حَذْفاً، والأصْل: "ومن يكسب خطيئة ثم يرم بها"؛ وهذا كما قيل في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} تفسير : [التوبة: 34] أي: يَكْنزِون الذَّهب، ولا ينفقونه. الخامس: أن يعُود على معنى الخَطِيئة، فكأنَّه قال: ومن يَكْسِب ذَنْباً ثم يَرْم بِهِ، وقيل: جَعَل الخَطِيئَة والإثْم كالشَّيْء الوَاحِد، و"أو" هنا لتَفْصِيل المُبْهَمِ، وتقدَّم له نَظَائرُ. وقرأ مُعاذُ بن جَبَل: "يَكسِّبْ" بِكسْر الكاف وتَشْدِيد السِّين، وأصْلُها: يَكْتَسِبْ، فأدغمت تَاءُ الافْتعال في السِّين، وكُسِرت الكافُ إتباعاً، وهذا شَبيهٌ بـ "يَخِطِّف" [البقرة:20]، وقد تقدَّم تَوْجِيههُ في البقرة، وقرأ الزهري: "خَطِيَّة" بالتَّشديدِ، وهو قياسُ تَخْفِيفها. وقوله: {يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً} أي: يقْذِفُ بما جَنَى "بَريئاً" منه كما نُسِبَتِ السَّرِقَة إلى اليَهُودِي. [قوله]: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً} البهتان: هو البهْت، وهو الكَذِب الَّذي يتحيَّر في عِظمهِ؛ لأنَّهُ إذا قيل للإنْسَان، بُهت وتَحَيَّر. رَوَى مُسْلِمٌ، عن أبِي هُرَيْرة، حديث : قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: تَدْرُون ما الغيبة؟ قالُوا: الله ورسُولُه أعْلَم، قال: "ذِكْرُكَ أخَاكَ بما يَكْرَهُ". قيل: أفَرَأيْت إن كَانَ في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تَقُول، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإن لم يَكُن فِيهِ، فقد بَهَتَّهُ""تفسير : ؛ فرمْيُ البَرِيءِ بَهْتٌ له، يقال: بَهَتَهُ بَهْتاً وَبُهْتَاناً، إذا قَالَ عَنْه ما لم يَقُل، وهو بَهَّاتٌ، والمَفْعُول له: مَبْهُوتٌ، ويُقَال: بَهِتَ الرَّجُل بالكَسْر، إذا دُهشَ وتَحَيَّر، وبَهُتَ بالضَّمِّ مثله، وأفْصَحُ منها: بُهِتَ؛ كقوله - تعالى -: {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] لأنَّه يُقَال: رَجُل مَبْهُوتٌ، ولا يُقَال: باهِت، ولا بَهِيتٌ؛ قال الكسائي، و"إثْماً مُبِيناً" أي: ذَنباً بَيِّناً.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال: {ومن يكسب خطيئة} أي ذنباً غير متعمد له {أو إثماً} أي ذنباً تعمده. ولما كان البهتان شديداً جداً قلَّ من يجترىء عليه، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم يرم به بريئاً} أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي، وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها. وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة الافتعال في قوله: {فقد احتمل} وبقوله: {بهتاناً} أي خطر كذب يبهت المرمى به لعظمه، وكأنه إشارة إلى ما يلحق الرامي في الدنيا من الذم {وإثماًَ} أي ذنباً كبيراً {مبيناً} يعاقب به في الآخرة، وإنما كان مبيناً لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به، ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوماً ما بطريق من الطرق ولو لبعض الناس. ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر، بين نعمته على نبيه صلى الله عليه وسلم في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله تعالى: {ولولا فضل الله} أي الملك الأعلى {عليك} أي بإنزال الكتاب {ورحمته} أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد {لهمت طائفة منهم} أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق، لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد {أن يضلوك} أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا بذلك، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه، ولو هموا لما أضلوك {وما يضلون} أي على حالة من حالات هذا الهم {إلا أنفسهم} إذ وبال ذلك عليهم {وما يضرونك} أي يجددون في ضرك حالاً ولا مالاً بإضلال ولا غيره {من شيء} وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية المائدة أيضاً وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر {وأنزل الله} أي الذي له جميع العظمة {عليك} وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك {الكتاب} أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري الدارين {والحكمة} أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل، وعمم بقوله: {وعلمك ما لم تكن تعلم} أي من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا {وكان فضل الله} أي المتوحد بكل كمال {عليك عظيماَ *} أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل. ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه، نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن يقع به التناجي، ويحسن فيه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي بقوله سبحانه وتعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} أي نجوى جميع المناجين {إلا من} أي نحوى من {أمر بصدقة} ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك الحال، عمم بقوله: {أو معروف} أيّ معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة وغيرها. ولما كان إصلاح ذات البين أمراً جليلاً، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: {أو إصلاح بين الناس} أي عامة، فقد بين سحانه وتعالى أن غير المستثنى من التناجي لا خير فيه، وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنباً - كما روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأمور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيّه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه ". تفسير : ولما كان التقدير: فمن أمر بشي من ذلك فنجواه خير، وله عليها أجر؛ عطف عليه قوله: {من يفعل ذلك} أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء {ابتغاء مرضاة الله} الذي له صفات الكمال، لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية {فسوف نؤتيه} أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه {أجراًَ عظيماً *} وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد. ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم على الموافقة، رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة، ووكل المخالف إلى نفسه بقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} أي الكامل في الرسلية، فيكون بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته على وجه المقاهرة، وعبر بالمضارع رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد بالاستمرار، وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه بالمجاهرة، ولأن السياق لأهل الأوثان وهم مجاهرون، وقد جاهر سارق الدرعين الذي كان سبباً لنزول الآية في آخر قصته - كما مضى. ولما كان في سياق تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها، لا في سياق الملة المعلومة بالعقل، أتى بـ "من" تقييداً للتهديد بما بعد الإعلام بذلك فقال: {من بعد ما} ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد بالمشاققة. ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الظهور قال: {تبين له الهدى} أي الدليل الذي هو سببه. ولما كان المخالف للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة، عبر بعد التبين بالاتباع فقالك {ويتبع غير سبيل} أي طريق {المؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة، والمراد الطريق المعنوي، وجه الشبه الحركة البدنية الموصلة إلى المطلوب في الحسي، والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى المطلوب في المعنوي {نوله} أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة {ما تولى} أي نكله إلى ما اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلاناً منا له {ونصله} أي في الآخرة {جهنم} أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم. ولما كان التقدير: فهو صائر إليها لا محالة، بين حالها في ذلك فقال: {وساءت مصيراً *} وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لا يتوعد إلا على مخالفة الحق، وكذا حديث " حديث : لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله - وفي رواية: ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله "تفسير : رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان والمغيرة وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة، بعض أحاديثهم في الصحيحين، وبعضها في السنن، وبعضها في المسانيد، وبعضها في المعاجيم وغير ذلك؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالحق في جملة أهل الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق. ولما كان فاعل ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين بما ألقوه إليهم من الشبه، فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت أبصارهم أشعة التوحيد؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللاً تعظيماً لأهل الإسلام، وحثاً على لزوم هديهم، وذما لمن نابذهم وتوعداً له، إشارة إلى أن من خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين، فكيف بمن نابذ المرسلين: {إن الله} أي الأحد المطلق فلا كفوء له {لا يغفر أن يشرك به} أي وقوع الشرك به، من أي شخص كان، وبأي شيء كان، لأن من قدح في الملك استحق البوار والهلك، وسارق الدرع أحق الناس بذلك {ويغفر ما} أي كل شيء هو {دون ذلك} أي الأمر الذي لم يدع للشناعة موضعاً - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ربقة العبودية، ثم غلبته الشهوة فقصر في بعض أنواع الخدمة. ثم دل على نفوذ أمره بقوله: {لمن يشاء}. ولما كان التقدير: فإن من أشرك به فقد افترى إثماً مبيناً، عطف عليه قوله: {ومن يشرك} أي يوقع هذا الفعل القذر جداً في أي وقت كان من ماض أو حال أو استقبال مداوماً على تجديده {بالله} أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد {فقد ضل} أي ذهب عن السنن الموصل {ضلالاً بعيداً *} لا تمكن سلامة مرتكبه، وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب، وذكر مقدمة الضلال، لأن معظم السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش، بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب.
القشيري
تفسير : من نسب إلى بريء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال، وألبس ذلك البريء ثواب محاسن راميه، وسحب ذيل العفو على مساويه، وقَلَبَ الحال على المتعدِّي بما يفضحه بين أشكاله، في عامة أحواله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يكسب خطيئة} صغيرة او ما لا عمد فيه من الذنوب {او اثما} كبيرة او ما كان عن عمد {ثم يرم به} اى يقذف باحد المذكورين ويسب به {بريئا} اى مما رماه به ليحمله عقوبة العاجلة كما فعل طعمة بزيد اليهودى {فقد احتمل} اى بما فعل من تحميل جريرته على البرى {بهتانا} لا يقادر قدره {واثما مبينا} اى بينا فاحشا لانه بكسب الاسم آثم وبرمى البريئ باهت فهو جامع بين الامرين وسمى رمى البريئ بهتانا لكون البريئ متحيرا عند سماعه لعظمه فى الكذب يقال بهت الرجل بالكسر اذا دهش وتحير ويقال بهته بهتانا اذا قال عنه ما لم يقله او نسب اليه ما لم يفعله ـ روى ـ عنه عليه السلام انه قال "حديث : الغيبة ذكرك اخاك بما يكره " .تفسير : فقيل أفرأيت ان كان فى اخى ما اقول قال "حديث : ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته " .تفسير : وفى التأويلات النجمية {فقد احتمل} صاحب النفس {بهتاناً} ابهت القلوب عن العبودية والطاعة {واثما مبينا} بما اثمت به نفسه من المعاصى واثم بها قلبه فيكون بمنزلة من جعل اللب وهو القلب جلدا وهو النفس وهذا من اكبر الشقاوة فلا ينقطع عنه العذاب اذا صار كل وجوده جلودا فيكون من جملة الذين قال الله تعالى فيهم {أية : سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} تفسير : [النساء: 56]. لانهم بدلوا الالباب بالجلود ههنا انتهى. واعلم ان الاستغفار فرار العبد من الخلق الى الخالق ومن الانانية الى الهوية الذاتية وذلك عند صدق الطالب ومن طلبه وجده كما قال (ألا من طلبنى وجدنى) قال موسى عليه السلام أين اجدك يا ربى قال (يا موسى اذا قصدت الىّ فقد وصلت الىّ) فلا بد من الاستغفار مطلقا: ويقال. سلطان بلا عدل كنهر بلا ماء. وعالم بلا عمل كبيت بلا سقف. وغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر. وشاب بلا توبة كشجر بلا ثمر. وفقير بلا صبر كقنديل بلا ضوء. وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح. وتهذيب الاخلاق قبل الموت من سنن الاخيار والعمل الصالح قرين الرجل كما ان السوء كذلك شعر : ناكهان بانك درسراى افتاد كه فلانرا محل وعده رسيد دوستان آمدند تالب كور قدمى جند وبازبس كرديد وين كز ودسترس نميد آرى مال وملك وقباله برده كليد وين كه بيوسته باتوخواهدبود عمل تست ونفس باك وبليد نيك درياب وبدمكن زنهار كه بدونيك باز خواهى ديد تفسير : ـ حكى ـ ان الشيخ وفا المدفون بقسطنطنية فى حريم جامعه الشريف اهدى اليه ثمانون الف درهم من قبل السلطان بايزيد الثانى ليعقد عقد النكاح لبعض بناته فقال لا افعل ولو اعطيت الدنيا وما فيها قيل ولم قال لان لى اورادا الى الضحى لا انفك عنها ساعة وانام من الضحى الى الظهر لا اترك منه ساعة واما بعد الظهر فانتم لا ترضونه لان النهار يكون فى الانتقاص وهكذا يكون طالب الحق فى ليله ونهاره فان الدنيا فانية فالحى الباقى هو الله تعالى فلا بد من طلبه.
الطوسي
تفسير : [ اللغة، والمعنى]: الخطيئة، والخطيء: الأثم العمد، تقول: خطىء يخطأ: إذا تعمد الذنب، وأخطأ يخطأ: إذا لم يتعمد. قال الزجاج: لما سمى الله تعالى المعاصي بانها خطيئة ووصفها دفعة أخرى بأنها إثم، فصل بينهما ها هنا حتى يدخل الجنسان فيه. وقال غيره: المعنى من يعمل خطيئة، وهي الذنب، أو إثما، وهو ما لا يحل من المعصية، وفرق بين الخطيئة والاثم، لأن الخطيئة قد تكون عمداً وغير عمد، والاثم لا يكون إلا عمداً. فبين تعالى أن من يفعل خطيئة على غير عمد منه لها مما يلزمه فيه الغرامة، وان لم يكن إثم فيه، أو آثماً فيه على عمد منه، وهو ما يستحق به العقاب {ثم رمى به بريئاً} يعني أضافه إلى من هو بريء منه {فقد احتمل بهتاناً} يعني فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً {وإثماً مبيناً} يعني وجرماً عظيماً. والبهتان: الكذب الذي تتحير فيه من عظمه وبيانه. يقال: بهت فلان: إذا كذب، وبهت يبهت: إذا تحير، قال الله تعالى: {أية : فبهت الذي كفر}تفسير : وإنما قال {به} وقد ذكر الخطيئة والاثم قال الفراء: لأنه يجوز أن يكنى عن الفعلين أحدهما مؤنث والآخر مذكر بلفظ التذكير والتوحيد ولو كثر لجازت الكناية بالتوحيد، لأن (الافاعيل) تقع على فعل واحد، فكذلك جاز، فان شئت جعلتها لواحد، وإن شئت جعلت الهاء للاثم خاصة كما قال: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها } تفسير : فجعله للتجارة. وفي قراءة عبد الله {وإذا رأوا لهواً أو تجارة} فجعله للتجارة في تقديمها وتأخيرها. ولو ذكر على نية اللهو لجاز وقد جاء مثنى، قال تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما } تفسير : وفى قراءة أبي {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهم}. وفي قراءة عبد الله بن مسعود مثله، لأنه في مذهب الجمع كما يقول: أصبح الناس صائماً ومفطراً، فأدى اثنان عن الجمع. وقال الزجاج: المعنى ثم يرمي بذلك بريئاً. قال رؤبة: شعر : فيه خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : أي كأن ذلك. واختلفوا فيمن عنى به بقوله: {بريئاً} بعد إجماعهم على أن الرامي ابن أبيرق، فقال قوم: البريء رجل مسلم يقال له: لبيد بن سهل. وقال آخرون: بل هو رجل يهودي يقال له زيد بن السمين. وقد ذكرناه فيما مضى. وبالاخير قال ابن سيرين، ورواه ابو الجارود عن ابي جعفر (ع).
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً} الخطيئة كاللّمة ما صدر عن الشّخص مع انزجار النّفس كأنّه لم يقصده، والاثم ما كان بدون انزجار {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً} بسبب نسبة السّوء الى من هو بريٌ منه {وَإِثْماً مُّبِيناً} زائداً على اثمه الاوّل بسبب تنزيه النّفس الخاطئة او الآثمة منه ورمى البريء به.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً}: صغيرة. {أَوْ إِثْماً}: كبيرة أو لخطيئة ما لم يتعمد، والذنب ما تعمده، أو الخطيئة الذنب بينك وبين ربك، والذنب ذنبك بينك وبين مخلوق، وقيل: ان هذه الآيات فى طعمة، ويلحق به غيره، فالخطيئة سرقة الدرع، والاثم يمينه الكاذبة، وقيل: الخطيئة والاثم سواء، ولكن باعتبار أن الذنب خلاف الحق سمى خطيئة وباعتبار أنه يعاقب عليه سمى اثما، وفيه أنه خلاف الظاهر، ويحتاج الى كون أو بمعنى الواو. {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً}: منه كما رمى طعمة اليهودى بالسرقة، وهو السارق دون اليهودى، وأفرد الضمير فى به، لأن العطف بأو، فكأنه قيل بأحدهما أى بأحد المذكورين الخطيئة والمأثم، وأما على أن الخطيئة والاثم واحد فظاهر، ولكن الأولى تغايرهما فقد يجوز عود الضمير الى الكسب المعلوم من قوله يكسب فيعم الخطيئة والاثم معا. {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً}: حمل ذنبا عظيما كالجسم الثقيل الذى يتكلف حمله فان من معانى افتعل كاحتمل التكلف، وذلك الذنب يسمى بهتانا وهو رميه غيره بما ليس فيه، مما يعظم عليه حتى انه ليبقى المرمى به باهتا متحيرا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغيبة ذكر أخاك بما يكره فقيل: أرأيت ان كان فى أخى ما أقول؟ قال: ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته وان لم يكن فيه فقد بهته ". تفسير : {وَإِثْماً مُّبِيناً}: أى ذنبا ظاهرا فى قبحه، اذ برأ نفسه الخطيئة، ونسب خطيئته للبراءة منها، فكل من البهتان والاثم المبين واحد، فرميه ذنب مبين يبهت به المرمى، ويجوز أن يراد بالاثم المبين الذنب الذى فعل، ثم رمى به غيره لا نفس الرمى، وقد عظم أمر البهتان حتى انه قيل: الرمى بالصغيرة كبيرة، وهو كذلك لأنه كذب، والكذب كبيرة، لأنه ظلم.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً} صغيرة {أَوْ إثْماً} كبيرة أو الخطيئة ما لا عمد فيه، والإثم ما كان عمدا {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} أى بواحد منهما، لأن العطف بأو، والمذكر يغلب على المؤنث، أو بالكسب المدلول عليه بيكسب، كقوله تعالى: {أية : وإن تشكروا يرضه لكم} تفسير : [الزمر: 7]، أى يرضى الشكر، اعدلوا هو أقرب، أى العدل أقرب، ولا حاجة إلى أن يقال، ومن يكسب خطيئة ثم يرم بها بريئا منها أو إثما ثم يرم به كطعمة، وثم لتراخى الرتبة فإن البهتان أشد من ظلم الإنسان نفسه، والكذب محرم فى جميع الأديان {بَرِيئاً} منه كاليهودى {فَقَدِ احْتَمَلَ} تحمل {بهتانا} برميه {وَإِثْمَاً مُّبِينَاً} بينا بكسبه، وهو أشد من كاسب إثم بلا بهت، فله عقوبتان، لأن فيه تبرئة نفسه الخاطئة، ورمى البرىء منها، والبهت الإيقاع فى الحيرة والدهش، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أرأيت إن كان فى أخى ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"تفسير : ، ولا نسلم أن همزة إثم عن واو، من وثم الشىء كسره، والذنب يكسر الأعمال الصالحات أى يحبطها.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً} أي صغيرة أو ما لا عمد فيه من الذنوب. وقرأ معاذ بن جبل {يَكْسِبْ} بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب {أَوْ إِثْماً} أي كبيرة أو ما كان عن عمد، وقيل: الخطيئة الشرك والإثم ما دونه، وفي «الكشاف» الإثم الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يَثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه، وفي «الكشف» كأن هذا أصله، ثم استعمل في مطلق الذنب في نحو قوله تعالى: {أية : كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ} تفسير : [الشورى: 37]، ومن هذا يعلم ضعف ما ذكره صاحب القيل {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} أي يقذف به ويسنده، وتوحيد الضمير لأنه عائد على أحد الأمرين لا على التعيين كأنه قيل: ثم يرم بأحد الأمرين، وقيل: إنه عائد على {إِثماً} فإن المتعاطفين ـ بأو ـ يجوز عود الضمير فيما بعدهما على المعطوف عليه نحو {أية : إِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] وعلى المعطوف نحو {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا} تفسير : [التوبة: 34]، وقيل: إنه عائد على الكسب على حدّ {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]، وقيل: في الكلام حذف أي ـ يرم بها وبه ـ و {ثُمَّ} للتراخي في الرتبة، وقرىء [يرم] بهما {بَرِيئاً} مما رماه به ليحمله عقوبة العاجلة كما فعل من عنده الدرع بلبيد بن سهل أو بأبـي مليك {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ} بمافعل من رمى البريء، وقصده تحميل جريرته عليه وهو أبلغ من حمل، وقيل: افتعل بمعنى فعل فاقتدر وقدر {بُهْتَـٰناً} وهو الكذب على الغير بما يبهت منه ويتحير عند سماعه لفظاعته، وقيل: هو الكذب الذي يتحير في عظمه، والماضي ـ بهت ـ كمنع، ويقال في المصدر: بهتاً وبهتاً وبهتاً {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي بيناً لا مرية فيه ولا خفاء وهو صفة ـ لإثماً ـ وقد اكتفى في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي على أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد / هو رمي البريء بجناية نفسه. وعبر عنه بهما تهويلاً لأمره وتفظيعاً لحاله فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمي البريء بجناية ما خطيئة كانت أو إثماً بهتان وإثم في نفسه، أما كونه بهتاناً فظاهر، وأما كونه إثماً فلأن كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه إلى البريء منه أيضاً كذلك، بل لا يجوز ذلك قطعاً كيف لا وهو كذب محرم في سائر الأديان، فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة، وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحاً لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة إلى رمي البريء وإلا لكان الرمي بغير جنايته مثله في العظم، ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير جنايته مع تبرئة نفسه مثله في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البريء وإجراء عقوبتها عليه كما ينبىء عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره مع ما فيه من الإشعار بثقل الوزر وصعوبة الأمر على ما يقتضيه ظاهر صيغة الافتعال، نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه إلى رمي البريء تزداد الجناية قبحاً لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم فقط ـ كذا قاله شيخ الإسلام ـ ولا يخفى أنه أولى مما يفهم من ظاهر كلام «الكشاف» من أن في التنزيل لفاً ونشراً غير مرتب حيث قال إثر قوله تعالى: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ} الخ لأنه بكسبه الإثم آثم، وبرميه البريء باهت فهو جامع بين الأمرين لخلوه عما يلزمه، وإن أجيب عنه فافهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَرِيئاً} {بُهْتَاناً} (112) - وَالذِينَ يَرْتَكِبُونَ الجُرْمَ وَيَرْمُونَ بِهِ بَرِيئاً، كَمَا فَعَلَ بَنُو أبيْرِق، الذِينَ سَرَقُوا الدِّرْعَ، وَاتَّهَمُوا الرَّجُلَ اليَهُودِيَّ البَرِيءَ بِهَا، فَإنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ إثْماً عَظِيماً وَاضِحاً، إِذْ حَمَّلُوا أَنْفُسَهُمْ وِزْرَ البُهْتَانِ بِافْتِرائِهِمْ عَلَى إنسانٍ بَريءٍ، مَعَ وِزْرِ الجُرْمِ الذِي ارْتَكَبُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قالوا: إن الخطيئة هي الشيء غير المتعمَّد، مثال ذلك حين نعلِّم التلميذ قاعدة من قواعد النحو، ثم نطلب منه أن يطالع نصاً من النصوص، ونلتفت لنجد التلميذ قد نصب الفاعل ورفع المفعول، ونصحح له الخطأ، إنّه لم يتعمده، بل نسي القاعدة ولم يستحضرها. ونظل نصحح له الخطأ إلى أن يتذكر القاعدة النحوية، وبالتدريب يصبح الإعراب ملكة عند التلميذ فلا يخطئ. والخطيئة - إذن - هي الخطأ غير المتعمد. اما الإثم فهو الأمر المتعمَّد. فكيف إذا رمى واحد غيره بإثم ارتكبه أو خطيئة ارتكبها هو.. ما حكم الله في ذلك؟ {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 112] لقد ارتكب الخطيئة أو الإثم، ويا ليته اكتفى بهذا، لا، بل يريد أن يصعد الجريمة بارتكاب جريمة ثانية وذلك بأن يرمي بالخطيئة أو الإثم بريئاً، إنَّ إثمه مركب، ولذلك قال الحق: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} واستخدام الحق هنا لكلمة "احتمل" وليس "حمل" تؤكد لنا أن هناك علاجاً ومكابدة وشدة ليحمل الإنسان هذا الشيء الثقيل؛ فالجريمة جريمتان وليست واحدة، لقد فعل الخطيئة ورمى بها بريئاً، وفاعل الخطيئة يندم على فعلها مرة، ويندم أيضاً على إلصاقها ببريء. إذن فهي حمل على أكتافه. ونعلم أن الإنسان ساعة يقع أسير سُعار العداوة؛ يهون عليه أن يصنع المعصية، ولكن بعد أن يهدأ سعار العداوة فالندم يأتيه. قال الحق: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27] هابيل - إذن - يسأل قابيل: وما ذنبي أنا في ذلك، إن الله هو الذي يتقبل القربان وليس أنا فلماذا تقلتني؟ ويستمر القول الحكيم: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [المائدة: 28] وماذا يقول الحق من بعد ذلك: {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 30] كأن مسألة القتل كانت عملية شاقة وليست سهلة، وأخذت مغالبة. وعلى سبيل المثال: لن يقول أحد: "لقد طوعت الحبل" ولكن هناك من يقول: "أنا طوعت الحديد". وسعار الغضب جعل قابيل ينسى كل شيء وقت الجريمة، وبعد أن وقعت، وهدأ سعار الغضب الذي ستر موازين القيم، هنا ظهرت موازين القيم ناصعة في النفس. ولذلك نجد من يرتكب جريمة ما، ويتجه بعد ذلك لتسليم نفسه إلى الشرطة، وهو يفعل ذلك لأن سعار الجريمة انتهى وظهر ضوء موازين القيم ساطعاً. وعلى ذلك نفهم قول الحق: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}. وهذا يدل على أن من يصنع جريمة ثم يرمي البريء بالإثم إنما يرتكب عملأً يتطلب مشقة وتتنازعه نفسه مرة بالندم؛ لأنه فعل الجريمة، وتنازعه نفسه مرة ثانية لأنه رمى بريئاً بالجريمة؛ لذلك قال الحق: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} وساعة نسمع كلمة "بهتان" فهي مأخوذة من مادة "بهت". والبهتان هو الأمر الذي يتعجب من صدوره من فاعله. مثال ذلك قوله الحق في شرح قضية سيدنا إبراهيم مع النمرود، حيث يقول سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} تفسير : [البقرة: 258] فماذا كان موقف الرجل؟ {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] أي أنه سمع شيئاً عجيباً يخرسه عن أن يتكلم؛ فقد جاء له سيدنا إبراهيم بأمر عجيب لا يخطر على باله، ولا يستطيع أن يجد منه مفراً، فكأن الأمور المخالفة لمنطق الحق ولمطلوب القيم أمور غريبة عن الناس إنَّها هي البهتان، والدليل على ذلك أنها أمور يستتر فاعلها عن الناس. وإذا ما نظرنا إلى القضية التي نزلت الآية بسببها. وجدنا أن سارقاً سرق وأراد أن يبرئ نفسه وأن يُدخل في الجريمة بريئاً. ويلصقها به، وأن يرتكب المجرم الجريمة فهذا يحمِّلُه إثماً. أما أن ينقل الجريمة إلى سواه فهذا يدل على وجود طاقة أخرى حتى يحتمل ما فعله، وهذا صعب على النفس، ولا يتعجب أحد لسماع شيء إلا إذا كان هذا الشيء مخالفاً لما هو مألوف ومعروف. وإنّ في الحوار بين سيدنا إبراهيم والنمرود لدليلاً واضحاً وناصعاً؛ فعندما قال النمرود: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] قصد بذلك قدرته على أن يقتل إنساناً، ويترك إنساناً آخر لمسعاه. وهنا عاجله سيدنا إبراهيم بالقضية التي تبهته ولا يدخل فيها هذا التماحك اللفظي. فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] أي أن النمرود سمع قولاً عجيباً وليس عنده من الذكاء ما يحتاط به إلى دفعه، وكذلك الرجل الذي صنع الجريمة ثم رمى بها غيره احتاج إلى طاقة تتحمل هذا، مما يدل على أن الفطرة السليمة كارهة لفعل القبيح. فإذا ما فعل الإنسان ذنباً فقد حمل بهتاناً، وإذا ما عَدَّى ذلك إلى أن يحمله إلى بريء، فذلك يعني أن الأمر يحتاج إلى طاقة أخرى. إذن فقوله الحق: {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} أي أنه احتمل أمراً عجيباً يبهت السامع ويتعجب كيف حدث ذلك. ويحتمل من يفعل ذلك الإثمَ أيضاً. والإثم - كما عرفنا - هو السيئة المتعمَّدة. ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه القضية: إن الله سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته وبرعايته وبفضله، وإن حاول بعض من قليلي الإيمان أن يخرجوك عن هذه المسألة، وأن يزينوا لك أن تبرئ مذنباً لتجرم آخر بريئاً وإن كان المذنب مسلماً وإن كان البريئ غير مسلم، والله لم يرسل محمداً ليحكم بين المؤمنين فقط، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن الله أرسل رسوله ليحكم بالحق: "لتحكم بين الناس" أي ليحكم بين الناس على إطلاقهم. فإياك حين تحكم أن تقول: هذا مسلم وذلك كافر. أو تقول: هذا مسلم وذلك من أهل الكتاب، بل كل الناس أمام قضايا الحق سواء. ولذلك أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الجرعة الإيمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد، وكلّمه حبيبه أسامة بن زيد في أن يرفع عنها الحد، فقال رسول الله: حديث : عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: مَنْ يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجرؤ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: "أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ". تفسير : هذا القول مستخلص من القضية السابقة. ويقول سبحانه وتعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ..}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):