Verse. 606 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللہِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُہٗ لَہَمَّتْ طَّاۗىِٕفَۃٌ مِّنْھُمْ اَنْ يُّضِلُّوْكَ۝۰ۭ وَمَا يُضِلُّوْنَ اِلَّاۗ اَنْفُسَھُمْ وَمَا يَضُرُّوْنَكَ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ وَاَنْزَلَ اللہُ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ۝۰ۭ وَكَانَ فَضْلُ اللہِ عَلَيْكَ عَظِيْمًا۝۱۱۳
Walawla fadlu Allahi AAalayka warahmatuhu lahammat taifatun minhum an yudillooka wama yudilloona illa anfusahum wama yadurroonaka min shayin waanzala Allahu AAalayka alkitaba waalhikmata waAAallamaka ma lam takun taAAlamu wakana fadlu Allahi AAalayka AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولولا فضل الله عليك» يا محمد «ورحمته» بالعصمة «لهمَّت» أضمرت «طائفة منهم» من قوم طعمة «أن يضلوك» عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك «وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من» زائدة «شيء» لأن وبال إضلالهم عليهم «وأنزل الله عليك الكتاب» القرآن «والحكمة» ما فيه من الأحكام «وعلَّمك ما لم تكن تعلم» من الأحكام والغيب «وكان فضل الله عليك» بذلك وغيره «عظيما».

113

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ } والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوّة، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ. ثم قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين. {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } فيه وجهان: الأول: قال القفال رحمه الله: وما يضرونك في المستقبل، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل. الثاني: أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } وأعلم أنّا إن فسرنا قوله {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } مؤكداً لذلك الوعد، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذوراً في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى: وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر. ثم قال تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } قال القفال رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما يتعلق بالدين، كما قال {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] وعلى هذا الوجه تقدير الآية: أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك. الوجه الثاني: أن يكون المراد: وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم، ثم قال {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل، كما قال {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلاً، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيماً حيث قال {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } وسمى جميع الدنيا قليلاً حيث قال {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } تفسير : [النساء: 77] وذلك يدل على غاية شرف العلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} ما بعد «لَوْلاَ» مرفوع بالابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف لا يظهر، والمعنى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} بأن نبهك على الحق، وقيل: بالنبوءة والعِصمة. {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرىء ٱبن أُبَيرِق من التُّهمَة ويُلحقها اليهوديَّ، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم. {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} لأنك معصوم. {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} هذا ابتداء كلام. وقيل: الواو للحال، كقولك: جئتك والشمس طالعة؛ ومنه قول ٱمرىء القيس: شعر : وقد أغتدِي والطيرُ في وُكُناتها تفسير : فالكلام متصل، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن. {وَٱلْحِكْمَةَ} القضاء بالوحي. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} يعني من الشرائع والأحكام. و {تَعْلَمُ} في موضع نصب؛ لأنه خبر كان. وحذفت الضمة من النون للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ } يا محمد {وَرَحْمَتُهُ } بالعصمة {لَهَمَّتْ } أضمرت {طّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ } من قوم طعمة {أَن يُضِلُّوكَ } عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن } زائدة {شَىْءٍ } لأن وبال إضلالهم عليهم {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ } ما فيه من الأحكام {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من الأحكام والغيب {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ } بذلك وغيره {عَظِيماً }.

ابن عادل

تفسير : قال القُرْطُبِي: ما بَعْد "لَوْلاَ" مرفوعٌ بالابْتِدَاء عند سِيبَويْه، والخَبَر مَحْذُوف لا يَظْهَر، والمَعْنَى: ولولا فَضْلُ اللَّه عَليكَ ورَحْمَتُه بأن نبَّهك على الحَقِّ، وقيل: بالنُّبُوءَة والعِصْمَة، {لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} عن الحق. قال شهاب الدين: في جواب "لولا" وجهان: أظهَرُهُمَا: أنه مَذْكُورٌ، وهو قوله: "لَهَمَّتْ". والثاني: أنه مَحْذُوفٌ، أي: لأضلُّوك، ثم اسْتأنَفَ جُمْلة فقال: "لَهَمَّتْ" أي: لقد هَمَّتْ. قال أبو البقاء في هذا الوَجْه، ومثلُ حذفِ الجَوابِ هنا حَذْفُه في قوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} تفسير : [النور: 10] وكأنَّ الذي قَدَّر الجوابَ مَحْذُوفاً، استشكل كَوْنَ قوله: "لهمتْ" جواباً؛ لأنَّ اللَّفْظ يقتضي انْتِفَاء هَمِّهم بذلك، والغرضُ: أنَّ الواقع كوْنُهم همُّوا على ما يُرْوَى في القصَّة؛ فلذلك قدَّره مَحْذُوفاً، والذي جَعَلَه مثبتاً، أجَابَ عن ذلك بأحَدِ وَجْهَيْن: إمَّا بتَخْصيص الهَمِّ، أي: لَهَمَّتْ هَمّاً يؤثِّر عندك. وإمَّا بتخصيص الإضْلال، أي: يُضِلُّوك عن دينك وشريعتك، وكلا هذيْن الهمَّيْن لم يقع. و"أَن يضلُّوك" على حَذْف الباء، أي: بأن يُضِلُّوك، ففي مَحَلِّها الخِلافُ المَشْهُور، و"مِنْ" في "مِنْ شَيء" زائدةٌ، و"شيء" يراد به المَصْدرُ، أي: وما يَضُرُّونك ضَرَراً قليلاً، ولا كثيراً. فصل هذا قول للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لَوْلا أن خَصَّكَ الله بالنُّبُوَّة والرَّحمة، "لهمت طائفة": لقد هَمَّتْ طائفة، أي: أضْمَرَت طَائِفَة منهم، يعني: قَوْم طعمة، "أَن يضلوك" أي: يُخَطِّئُوك في الحُكْم، ويُلْبِسُوا عليك الأمْر؛ حَتَّى تدافع عن طعمة، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} يعني: يرجع وَبالُهُ عليهم، {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} فيه وَجْهَان: الأوَّل: قال القفَّال - رحمه الله تعالى - وما يضُرُّونك في المُسْتَقْبل، فوعده - تعالى - بإدَامَة العِصْمَة لما يُرِيدُون من إيقَاعِه في البَاطِل. الثَّاني: المَعْنَى: أنَّهم وإنْ سَعوْا في إلْقَائك فأنْتَ ما وقَعْتَ في البَاطِل: لأنَّك بنيت الأمر على ظَاهِر الحَال، وأنت ما أمرت إلا بِبِنَاءِ الأحْكَام على الظَّاهِر. ثم قال: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} وهذا مؤكد لذلك الوَعْد إن فَسَّرْنا قوله: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} بالوَعْد والعِصْمَة في المُسْتَقْبل، يعني: لما أنْزَل عليك الكتاب والحكمة، وأمر بِتَبْلِيغ الشَّريعة إلى الخَلْقِ، فكيف يَلِيقُ بحكمته ألاَّ يَعْصِمَك عن الوُقُوع في الشُّبُهَات، وإن فَسَّرْنا الآية بأنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان مَعْذُوراً في بناء الحُكْم على الظَّاهر، كان المَعْنَى: وأنزل عليك الكتاب والحكمة، وأوْجَبَ فيها بِنَاء أحكام [الشَّرْع] على الظَّاهر، فكيف يَضُرُّك بناء الأمْر على الظَّاهِر. قال القُرْطُبِي: قوله [تعالى]: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} ابْتِداء كلام. وقيل: "الواو" للحال؛ كقوله "جئتك والشمس طالعة"، والكلام مُتَّصِلٌ، أي: [ما يَضُرُّونك من شَيْء مع إنْزَال اللَّه عليك] القُرْآن، "والحِكْمَة": القَضَاء بالوَحْي. ثم قال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ}. قال القَفَّال: هذه الآيَة تَحْتَمِلُ وَجْهَيْن: أحدهما: أن يكُون المُراد [ما يتعَلَّق] بالدِّين؛ كما قال: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى: 52] فيكون تَقْدِير الآيَة: أنْزَل عليك الكتاب والحِكْمة، وأطْلَعَك على أسْرَارِهَا، مع أنَّك قبل ذَلِك لم تكن عَالِمَاً بشيء منهما، فكَذَلِكَ يفْعَل بك في مُسْتَأنف أيَّامك، لا يَقْدِر أحدٌ من المُنَافِقِين على إضلالك. الثاني: أن المُراد: وعَلَّمك ما لم تكُن تَعْلَم من أخْبَار الأولِين؛ فكذلك يُعَلِّمك من حِيَل المُنَافِقِين وَوُجوه كَيْدِهِم، ما تَقْدِر [به] على الاحتراز عن كَيْدهم ومَكْرِهِم. {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}. وهذا يَدُلُّ على أنَّ العِلْم أشْرَف الفَضَائِلِ والمَنَاقِب؛ لأنَّ الله - تعالى - ما أعْطَى الخَلْق من العِلْم إلا القَلِيل؛ لقوله - تعالى -: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] ثم إنَّه سمَّى ذلك القَلِيل عَظِيماً، وسمَّى جَمِيع الدُّنْيَا قَلِيلاً، لقوله [- تعالى -]: {أية : قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77] وذلك يَدُلُّ على شَرَف العِلْم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبـيهِك على الحق، وقيل: بالنبوة والعِصمة {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ} أي من بني ظفَر وهم الذابّون عن طُعمةَ، وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالطائفة كلَّهم، ويكونُ الضميرُ راجعاً إلى الناس وقيل: هم وفدُ بني ثقيفٍ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: جئناك لنبايعَك على أن لا تكسِرَ أصنامَنا ولا تعشِّرَنا فردّهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {أَن يُضِلُّوكَ} أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق مع علمهم بكُنه الأمرِ، والجملةُ جوابُ لولا وإنما نفىٰ همَّهم مع أن المنفيَّ إنما هو تأثيرُه فقط إيذاناً بانتفاء تأثيرِه بالكلية، وقيل: المرادُ هم الهمُّ المؤثّر، ولا ريب في انتفائه حقيقةً، وقيل: الجوابُ محذوفٌ أي لأضلوك، وقوله تعالى: {لَهَمَّتْ} جملةٌ مستأنفةٌ أي لقد همت طائفة الخ {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ} لاقتصار وبالِ مكرِهم عليهم من غير أن يُصيبَك منه شيءٌ والجملةُ اعتراضٌ، وقوله تعالى: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء} عطفٌ عليه ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمُك، وأما ما خطرَ ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحالِ ثقةً بأقوال القائلين من غير أن يخطُر ببالك أن الحقيقةَ على خلاف ذلك {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي القرآنَ الجامعَ بـين العنوانين، وقيل: المرادُ بالحكمة السنة {وَعَلَّمَكَ} بالوحي من خفيّات الأمورِ التي من جملتها وجوهُ إبطالِ كيدِ المنافقين، أو من أمور الدين وأحكامِ الشرع {مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} ذلك إلى وقت التعليم {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوة العامةِ والرياسة التامّة.

السلمي

تفسير : {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [الآية: 113]. قال الواسطى رحمة الله عليه: إنما عظمت بالمباشرة فاحتمل الذات بعد ما احتمل الصفات، وموسى صلى الله عليه وسلم احتمل الصفات ولم يحتمل الذات. وقال بعضهم: فُضلت فى الأزل بالفضائل وقد تغتر فى المشاهد العثرة، كما قال الله عز وجل: { أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } تفسير : [التوبة: 43] فتعاتب ثم ترد إلى الفضل الذى جرى لك فى الأزل. قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}. قال الجنيد رحمة الله عليه: عرَّفك قدر نفسك وقال أيضًا: العلوم أربعة: علم المعرفة، وعلم العبارة، وعلم العبودية، وعلم الخدمة. جعل حظك منها أوفر الحظوظ. قال أبو يزيد: العلم علمان: علم بيان وعلم برهان. قال سهل: العلماء ثلاثة: عالم بالله لا عالم بأمر الله ولا بأيام الله وهم المؤمنون. وعالم بالله: عالم بأمر الله لا عالم بأيام الله وهم العلماء. وعالم بالله: عالم بأمر الله عالم بأيام الله فهم النبيون والصديقون. وقيل: علمتك من مكنون أسرارى ما لم تعلمه إلاَّ بى. وقال أبو محمد الجريرى: الأدلة ثلاثة: العلماء والحكماء، والأكابر، فالعلماء يرون ظاهر الأشياء ومناقبها، والحكماء يرون باطن الأشياء وعيوبها، والأكابر يرون عيون الأشياء وحقائقها. وقال بعضهم: العلماء أربعة: عالم حظه من اللهِ اللهُ. وعالم حظه من الله العلم، والمعرفة بالله، وعالم حظه السير إلى الآخرة. وعالم حظه علم السير إلى الآخرة.

القشيري

تفسير : الفضلُ إحسانٌ غيرُ مستحق، والإشارة هاهنا - من الفضل - إلى عصمته إياه، فالحقُّ - سبحانه - عَصَمَه تخصيصاً له بتلك العصمة، وكما عصمه عن تَرْكِ حقه - سبحانه - عصمته بأن كفَّ عنه كيد خلقه فقال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} الآية. كلاَّ، لن يكونَ لأحدٍ سبيلُ إلى إضلالك فأنت في قبضة العزة، وما يُضِلُّونَ إلا أنفسهم، وما يضرونك بشيء، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير، وإنَّ الله سبحانه قد اختصك بإنزال الكتاب، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب، وعلَّمك ما لم تكن تعلم، ولم يمن عليك بشيءٍ بمثل ما مَنَّ به على من خصَّه به من العلم. ويحتمل أنه أراد به علمه - صلى الله عليه وسلم - بالله وبجلاله، وعلمه بعبودية نَفْسه، ومقدار حاله في استحقاق عِزِّه وجماله. ويقال علَّمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبساً عليك معرفة الحقيقة. ويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحدٍ نور إلا مُقْتَبَساً مِنْ نورِك، ومَنْ لم يمشِ تحت رايتك لا يصل إلى جميع برِّنا، ولا يحظى بقربنا وَوصْلنا. {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}: في الآباد؛ أنَّكَ كنت - لنا بشرف العز وكرم الربوبية في الآزال - معلوماً. ويقال وعلَّمك ما لم تكن تعلم من عُلُوِّ رُتْبَتِكَ على الكافة. ويقال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} أنَّ أحَداً لا يُقَدِّرُ قَدْرَنا إلا بمقدار مُوافَقَتِه لأمْرِنا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} اى انزل عليك الكتاب اشهدا على ما كوشف لك قل نزول الكتاب من احكام المشاهدة والمعرفة وما استاثرك من علوم الغيبة لتثبيت فوادك بما وجدت منا قبل نزول الكتاب كقوله نص عليك من ابناء الرسل ما نتبت به فؤادك والحكمة احكام الطريقة واداب اقربة ونوادر علوم الالهية وعلمك ما لم تكن تعلم اى علوم عواقب الخلق وعلم ما كان وما سيكون {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} بمسابقتك على الانبياء بشكف جمالى وروية ذاتى وصفاتى ودنوك مى حيث قلت دنا فتدلى فكان قاب قوسين اودنى وعنى بالفضل العظيم استغراقه فى بحار قدمه وبقاءه بنعت المعارف والكواشف قال الجنيد فى قوله علمك ما لم تكن تعلم عرفك قدر نفسك قال سهل العلماء ثلثة عالم لا عالم بامرا لله ولا بايام الله وهم المؤمنين وعالم بالله عالم بامر الله لا عالم بايام الله وهم العلماء وعالم بامر الله وعالم بايام الله فهم النبيون والصديقون وقيل علمتك من مكنون اسرار ما لم تكن تعلمه الا بى قال الواسطى فى قوله وكان فضل الله عليك عظيما انما عظمه بالمباشرة فاحتمل الذات بعدما احتمل الصفات وموسى احتمل الصفات ولم يحتمل الذات قال بعضهم وفضلت فى الازل بفضائل وقد تعثر فى المشاهدة العثرة كما قال عفا الله عنك فتاعبت ثم ترد الى الفضل الذى جرى لك فى الازل قيل فى قوله علمك ما لم تكن تعلم من علور رتبتك على الكافة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولولا فضل الله عليك ورحمته} بالعصمة {لهمت طائفة منهم} اى من بنى ظفر وهم الذابون عن طعمة {ان يضلوك} اى بان يضلوك عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك مع علمهم بان الجانى هو صاحبهم وليس القصد فيه الى نفى همهم بل الى نفى تأثيره {وما يضلون الا انفسهم} لان وباله عليهم {وما يضرونك من شىء} محل الجار والمجرور النصب على المصدرية اى وما يضرونك شيئاً من الضرر لان الله عاصمك وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على ظاهر الامر لا ميلا فى الحكم {وانزل الله عليك الكتاب} اى القرآن {والحكمة} اى ما فى القرآن من الاحكام وعرفك الحلال والحرام {وعلمك} بالوحى من الغيب وخفيات الامور {ما لم تكن تعلم} ذلك الى وقت التعليم {وكان فضل الله عليك عظيما} اذ لا فضل اعظم من النبوة العامة والرياسة التامة ومن ذلك الفضل العظيم عصمته وتعليمه ما لم يعلم. قال الحدادى فى تفسيره وفى هذه الآيات دلالة على انه لا يجوز لاحد ان يخاصم لغيره فى اثبات حق او نفيه وهو غير عالم بحقيقة امره وانه لا يجوز للحاكم الميل الى احد الخصمين وان كان احدهما مسلما والآخر كافرا وان وجود السرقة فى يدى انسان لا يوجب الحكم بها عليه انتهى. واعلم ان هذه الآية جامعة لفضائل كثيرة. منها بيان ان وبال الشر يعود على صاحبه كما ان منفعة الخير تعود على فاعله: قال الصائب شعر : اول بظالمان اثر ظلم ميرسد بيش از هدف هميشه كمان ناله ميكند تفسير : ـ حكى ـ ان الله تعالى ايبس يد رجل يذبح عجل بقرة بين يدى امه ثم ردها برد فرخ سقط من وكره الى امه يقال ثلاثة لا يفلحون بائع البشر وقاطع الشجر وذابح البقر ـ وحكى ـ ان امرأة وضعت لقمة فى فم سائل ثم ذهبت الى مزرعة فوضعت ولدها فى موضع فاخذه الذئب فقالت يا رب ولدى فاخذ آت عنق الذئب واستخرج ولدها من غير اذى ثم قال هذه اللقمة لتلك اللقمة التى وضعتها فى فم السائل فكل يرى اثر صنعه فى الدنيا ايضا. ومنها ان العلم والحكمة من اعظم الفضائل والمراد العلم النافع المقرب الى الله تعالى اعاذنا الله مما لم ينفع منه على ما قال عليه الصلاة والسلام فى دعائه "حديث : واعوذ بك من علم لا ينفع " .تفسير : فان العلم النافع لا ينقطع مدده فى الآخرة ايضا على ما روى مسلم عن ابى هريرة رضى الله عنه "حديث : اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له". تفسير : ومنها ان لا يرى العبد الفضائل والخيرات من نفسه بل من فضل الله ورحمته وليس للعبد ان يزكى نفسه فان الانفس ليست بمحل التزكية فمن استحسن من نفسه شيئاً فقد اسقط من باطنه انوار اليقين والكامل لا يرى لنفسه قدرا فكيف لعمله وكل ما يعمله العبد من بدايته الى نهايته لا يقابل لنعمة الوجود ـ حكى ـ عن شاه شعاع الكرمانى انه كان جالسا فى مسجد فقام فقير وسأل الناس فلم يعطوه شيئاً فقال الكرمانى من يشترى حج خمسين سنة بمن من الخبز. فيعطى هذا الفقير وكان هناك فقيه فقال ايها الشيخ قد استحففت بالشريعة فقال الكرمانى لا ارى لنفسى قيمة فكيف ارى لعملى وليس المراد التعطيل عن العمل بل يعملون جميع الحسنات ولا يرون لها قدرا بل يرون التوفيق لها من فضل الله تعالى: قال السعدى قدس سره شعر : كراز حق توفيق خيرى رسد كه از بنده خيرى بغيرى رسد جورويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثنا كوى وخودرا مبين تفسير : والاشارة فى الآية ان فضل الله موهبة من مواهب الحق يؤتيه من يشاء وليس لأحد فيه مدخل بالكسب والاستجلاب وبذلك يهدى العبد للايمان ويوفقه للعمل الصالح والعظيم فى قوله {وكان فضل الله عليك عظيما} هو الله تعالى اى ان الله العظيم هو فضل الله عليك ورحمته كما انك فضل الله ورحمته على العالمين ولهذا قال (لولاك لما خلقت الافلاك) ومن فضل الله عليه انه لم يضله شىء من الروحانيات والجسمانيات عن طريق الوصول اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول اليك آفاقية او انفسية والحقنا بفضلك بالنفوس القدسية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الجارّ في قوله: {من شيء}، في موضع نصب على المصدر، أي: لا يضرونك شيئًا من الضرر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولولا فضل الله عليك} بالعصمة ورحمته بالعناية، {لهمت طائفة منهم} وهم رهط السارق {أن يضلوك} عن القضاء بالحق، مع علمهم بالقصة، لكن سبقت العناية، وحفت الرعاية، فلم تخرج من عين الهداية. وليس المراد نفي همهم لأنه وقع، إنما المراد نفي تأثيره فيه، {وما يضلون إلا أنفسهم} لعوده عليهم، {وما يضرونك من شيء}؛ لأن الله عصمك، وما خطر ببالك من المجادلة عنهم، كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر وإنما أُمرتَ أن تحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر. {وأنزل الله عليك الكتاب} أي: القرآن، {والحكمة} ما نطقتَ به من الحِكَم، {وعَلَّمَكَ ما لم تكن تعلم} من خفيات الأمور، التي لم تطلع عليها، أو من أمور الدين والأحكام، {وكان فضل الله عليك عظيمًا} ولا فضل أعظم من النبوة، لا سيما وقد فضَّله على كافة الخلق وأرسله إلى كافة الناس، وهدى الله على يديه ما لم يَهدِ على يدِ أحد من الأنبياء قبله، إلى غير ذلك من الفضائل التي تفوت الحصر. الإشارة: لولا أن الله تفضَّل على أوليائه بسابق العناية، وحفَّت بهم منه الكلاءة والرعاية، لأضلتهم العموم عن عين التحقيق، ولأتلفتهم القواطع عن سلوك الطريق، لكن من سبقت له العناية لا يصيبه سهمُ الجناية، فثَّبتَ أقدامهم على سير الطريق، حتى أظهر لهم معالم التحقيق، فكشف عن قلوبهم رين الحجاب، حتى فهموا أسرار الكتاب، ونبع من قلوبهم ينابيع الحَكَم والأسرار، واطلعوا على علوم لم يُحِط بها كتاب ولا دفتر، فحازوا في الدارين خيرًا جسيمًا، وكان فضل الله عليهم عظيمًا.

الطوسي

تفسير : معنى الآية أنه لولا أنه تعالى تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وبيانه لك أمر هذا الخائن حتى كففت عن الجدال عنه {لهمت طائفة} ومعناه لقد همت فرقة منهم، بتقدير (قد) ذكره الفراء. ويعني بالفرقة التي همت من الخائنين أنفسهم {أن يضلوك} بمعنى يزلوك عن الحق، ويخطئوك. وقيل: يهلكوك بتلبيسهم أمر الخائن عليك وشهادتهم عندك بانه بريء مما ادعي عليه، ثم قال تعالى: {وما يضلون} هؤلاء الذين هموا باضلالك عن الواجب في أمر هذا الخائن {إلا أنفسهم}. واضلالهم انفسهم كان بأن الله لما كان قد بيّن لهم ما ينبغي أن يعملوا عليه من المعاونة على البر والتقوى، والاّ يتعاونوا على الاثم والعدوان، فلما عدلوا عن ذلك وتعاونوا على الاثم والعدوان، فكانوا بذلك مضلين انفسهم عن طريق الحق. وقوله: {وما يضرونك من شيء} يعني هؤلاء الذين هموا بازلالك، لا يضرونك، لأن الله قد يثبتك ويسددك في أمورك، ويبين لك أمر المحق والمبطل. {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} معناه ومن فضل الله عليك يا محمد، ما تفضل به عليك، انزاله عليك الكتاب الذي هو القرآن، وفيه تبيان كل شيء وهدىً وموعظة وانزل عليك الحكمة مضافة إلى الكتاب، وهي بيان ما ذكره في الكتاب مجملا من أحكام الكتاب: من الحلال والحرام، والامر والنهي {وعلمك ما لم تكن تعلم} من خبر الاولين والآخرين وما كان وما هو كائن. وكل ذلك من فضل الله. وقوله: {وكان فضل الله عليك عظيماً} يعني لم يزل فضل الله عليك يا محمد عظيماً، فاشكره على ما أولاك من نعمه واحسانه. قال الجبائي: وفي الآية دلالة على أن التسمية بالضلال تسمى اضلالاً، لأنه لو كان ذلك صحيحاً، لكانوا قد اضلوا النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث نسبوه إلى الضلال وقد نفى الله عنه ذلك. وهذا ليس بصحيح لامرين: أحدهما - انهم ما سموه بهذا الفعل ضالاً، وانما قصدوا التمويه، والتلبيس عليه، فلما كشف الله تعالى ذلك بطل غرضهم. والثاني - ان من قال: إن الضلال يكون بمعنى التسمية لم يقل: إنه لا يكون إلا كذلك، لان الاضلال على وجوه مختلفة: بمعنى التسمية، وغير ذلك مما بيناه فيما تقدم. والاضلال يكون بمعنى الدفن قال النابغة: شعر : وآب مضلوه بغير جلية وغودر بالجولان جرم ونائل تفسير : يعني دافنوه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} النّبوّة والرّسالة بالنّسبة الى النّبىّ المخاطب به ولولا النّبىّ والرّسول بالنّسبة الى المعرّض به {عَلَيْكَ} وارداً او حافظاً عليك {وَرَحْمَتُهُ} الولاية او علىّ (ع) بالنّسبتين {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} يعنى انّ هيبة الفضل والرّحمة مانعة من همّتهم او من تأثير همّتهم على تضمين اثّرت {أَن يُضِلُّوكَ} عن رأيك الصّواب او عن رؤيتك الصّواب وعلى ما بيّنا فالمعنى لولا النّبىّ (ص) وعلىّ (ع) حافظاً عليكم لهمّ منافقوا الامّة ان يضلّوكم عن نهج الصّواب والطّريق المدلول عليه بالاسلام من ولاية علىّ (ع) {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} بهمّتهم {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} على فرض الهمّة منهم {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} اى النّبوّة {وَٱلْحِكْمَةَ} اى الولاية {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} بانزال الولاية من دقائق الكثرات ودقائق احكامها الّتى هى لازمة الرّسالة {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ} اى الرّسالة او مطلق نعم الله {عَلَيْكَ عَظِيماً} وفى وصل هذا الامتنان اشارة الى تعليل عدم الاضرار.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلا فَضْلُ االلهِ عَلَيْكَ}: يا محمد بالنبوة. {وَرَحمَتُهُ}: بالعصمة عن تعمد الذنب، وباطلاعك بالوحى على أمر طعمة وقومه. {لَهَمَّتَ طَّائِفَةٌ مِّنْهُم}: من الخائنين من قوم طعمة. {أَن يُضِلُوكَ}: أى يوقعوك فيما هو ضلال عند تعمده لو تعمده متعمد، وذلك بأن يحكم ببراءة طعمة من السرقة، وبالسرقة على اليهودى وقطعه، وجواب لولا هو قوله: {هَمَّتَ} وجوابها ممتنع لوجود شرطها، لكن الممتنع هنا تأثير اضلالهم لا نفس تعاطيه، فانهم حالوه ولم يدركوه. {وَمَا يَضِلُّونَ إِلا أَنفُسِهُمْ}: لأنك لم تتبعهم فى الضلال، وقد ضلوا، وعقاب ضلالهم عائد عليهم. {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىءٍ}: فانه لا بأس عليك فى همك بقطع اليهودى، وابراء طعمة، وقولك لقتادة: انه ذكر الصلاح والاسلام فى طعمة، لأن ذلك منك جرى على ظاهر الأمر من شهادة قومه وغيرهم له بذلك، ومن ظهور الدقيق والذرع عند اليهودى، ومن صلة للتأكيد وشىء مفعول مطلق واقع على الضر، فالمعنى وما ضروك، وجاء بلفظ المضارع احضار الحال تناولهم الاضرار ليشاهد أنه لم يؤثر فيه أو المعنى ما اتصفوا الآن يضرك، أو المعنى لا يضرونك بعد كما لم يضروك. {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ}: القرآن. {وَالحِكْمَةَ}: السنة، فانها موحاة، وقيل: يجتهد أيضا أو الكتاب ألفاظ القرآن، والحكمة معناه أو القضاء به. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ}: مما أضمره الناس والغيوب وأمر الدين والأحكام. {وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}: اذ لا فضل أعظم من النبوة والرسالة، وكتاب الله، ولا سيما نبوتك ورسالتك وكتابك، فانها أعظم من نبوة غيرك ورسالته وكتابه، ومن جملة فضله رد مكر الماكرين.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ} يا محمد {وَرَحْمَتُهُ} بإعلامه إياك بالوحى بما همَّ به طعمه، وقومه، من تبرئة طعمه الخائن، أو بنوا أبيرق وبهت اليهودى، وهذا الإعلام فضل، من حيث إنه زيادة على إنزال الحلال والحرام، إذ لم يبقك على ما يجوز لك من العمل بالظاهر، كما تعبد بالعمل به، ورحمة من حيث إنه إنعام عليك بالبيان أو فضله بالنبوءة، ورحمته بالعصمة، أو فضله بالنبوة ورحمته بالوحى أو فضله بالحفظ ورحمته بالحرس {لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} من للبيان، أى طائفة، هى هؤلاء المختانون المجادلون، قوم طعمه، أو المجادلون عن بنى أبيرق، المجموع لا الجميع، أو الجميع، بأن رضى من لم يبيت منهم، وصوب فعلهم، ولم أجعلها للتبعيض بعود الضمير فى منهم لقوله، {أية : الذين يختانون} تفسير : [النساء: 107]، لأن من اتصف بالاختيار كلهم هموا، اللهم إلا أن يرد الهاء إلى قومه، كلهم، على أنهم له يهموا كلهم، بل طائفة فقط، ولو لم يجر لهم ذكر لصحة المعنى أو بعود الهاء إلى الناس كذلك، وقيل المراد المنافقون، إذ هموا أن يقتلوه صلى الله عليه وسلم {أن يُضِلُّوكَ} أى بأن يضلوك عن القضاة بما فى نفس الأمر، من أن السارق هو طعمة أو بنو أبيرق إلى الحكم بحسب الظاهر، وهو أنه اليهودى؛ فهذا الإضلال بمعنى مطلق الإذهاب عن الشىء، لا الإيقاع فى الحرام لأنه صلى الله عليه وسلم لو حكم بالظاهر دون نزول الوحى لم يأثم، وجواب لولا ينفى لثبوت، شرطها، وهمهم بالإضلال ثابت غير منتف هنا لأنهم هموا، فيجاب، بأن المعنى لأثر فيك همهم، فاستعمل لفظ السبب فى معنى المسبب، قيل: أو لهمت طائفة من الناس أن يضلوك عن دينك مطلقا، لا فى خصوص مسألة طعمة وفيه أن هذا الهم واقع فى مكة، وفى المدينة أو الجواب لأضلوك محذوفا، ولهمت جواب قسم، أى والله لهمت، وفيه أنه لا يقع جواب القسم ماضيا متصرفا مجرداً عن قد إلا قليلا، ودعوى تقدير قد تكلف، وقد قيل: أراد قوم مبايعته على أن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فلم يقبل منهم، لأن ذلك بقاء على شائبة كفر، وقوم شرطوا أن يتمتعوا بالأصنام سنة ولم يقبل منهم {وَمَا يُضِلُّونَ} الإضلال المهلك، أو ما يضرون، لأن الإضلال سبب للإهلاك {إلآَّ أَنفُسَهُمْ} لأن وبال الإضلال عليهم، وما أثروا فيك، وأما إذهابه عن القضاء بما فى نفس الأمر لو أذهبوه عنه فليس بضار له، لأنا تعبدناه بالظاهر {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ} أى شيئاً، أى ضراً، ولو قضيت بما أحبوا من الحكم على اليهودى، لأنه هو الظاهر، ولا ميل لك عن الحق، ولا أكلفك الغيب، فكيف وقد أخبرك الله بالغيب وجريت عليه {وَأَنزلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ} القرآن {وَالْحِكْمَةَ} سائر الوحى والآداب، ومن الإنزال إنزال الهم على قلبه، أو الكتاب، والحكمة القرآن لأنه مكتوب وحكمة {وَعلْمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} من الغيب، مما سيكون، أو كان فى الحال، أو فى الأمم السابقة، وما فى الصدور فصرت معجزاً به كما أعجزتهم بالقرآن، ومن الخير والشر ومن أمر الدين وهو غير القرآن لأن القرآن أَلفاظ، أو الحكمة معانى القرآن، وما لم يعلم هو الغيب {وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} هو رسالة عامة تامة خاتمة لا تعقبها نبوءة ولا كتاب، والشفاعة العظمى.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} بإعلامك بما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالعصمة، وقيل: لولا فضله بالنبوة ورحمته بالوحي؛ وقيل: المراد لولا حفظه لك وحراسته إياك. {لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ} أي من الذين يختانون، والمراد بهم أسير بن عروة وأصحابه، أو الذابون عن طعمة المطلعون على كنه القصة العالمون بحقيقتها، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الناس، والمراد بالطائفة الذين انتصروا للسارق أو المودع الخائن، وقيل: المراد بهم وفد ثقيف، فقد روي عن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وعلى أن نتمتع بالعزى سنة، فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم وعصمه الله تعالى من ذلك فنزلت». وعن أبـي مسلم أنهم المنافقون هموا بما لم ينالوا من إهلاك النبـي صلى الله عليه وسلم فحفظه الله تعالى منهم وحرسه بعين عنايته. {أَن يُضِلُّوكَ} أي بأن يضلوك عن القضاء بالحق، أو عن اتباع ما جاءك في أمر الأصنام، أو بأن يهلكوك، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى، ومنه على ما قيل: قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] والجملة جواب {لَوْلاَ} وإنما نفى همهم مع أن المنفي إنما هو تأثيره فقط إيذاناً بانتفاء تأثيره بالكلية، وقيل: المراد هو الهم المؤثر ولا ريب في انتفائه حقيقة. وقال الراغب: إن القوم كانوا مسلمين ولم يهموا بإضلاله صلى الله عليه وسلم أصلاً وإنما كان ذلك صواباً عندهم وفي ظنهم؛ وجوز أبو البقاء أن يكون الجواب محذوفاً والتقدير ـ ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك ـ ثم استأنف بقوله سبحانه: {لَهَمَّتْ} أي لقد همت بذلك {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ} أي ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم، أو ما يهلكون إلا إياها لعود وبال ذلك وضرره عليهم، والجملة اعتراضية، وقوله تعالى: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} عطف عليه وعطف على {أَن يُضِلُّوكَ} وهم محض؛ و {مِنْ} صلة، والمجرور / في محل النصب على المصدرية أي وما يضرونك شيئاً من الضرر لما أنه تعالى عاصمك عن الزيغ في الحكم، وأما ما خطر ببالك فكان عملاً منك بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر لك أن الحقيقة على خلاف ذلك، أو لما أنه سبحانه عاصمك عن المداهنة والميل إلى آراء الملحدين والأمر بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك، أو لما أنه جل شأنه وعدك العصمة من الناس وحجبهم عن التمكن منك. {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي القرآن الجامع بين العنوانين، وقيل: المراد بالحكمة السنة، وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك، والجملة على ما قال الأجهوري: في موضع التعليل لما قبلها، وإلى ذلك أشار الطبرسي وهو غير مسلم على ما ذهب إليه أبو مسلم. {وَعَلَّمَكَ} بأنواع الوحي {مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} أي الذي لم تكن تعلمه من خفيات الأمور وضمائر الصدور، ومن جملتها وجوه إبطال كيد الكائدين، أو من أمور الدين وأحكام الشرع ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو من الخير والشر ـ كما قال الضحاك ـ أو من أخبار الأولين والآخرين ـ كما قيل ـ أو من جميع ما ذكر ـ كما يقال ـ. ومن الناس من فسر الموصول بأسرار الكتاب والحكمة أي أنه سبحانه أنزل عليك ذلك وأطلعك على أسراره وأوقفك على حقائقه فتكون الجملة الثانية كالتتمة للجملة الأولى، واستظهر في «البحر» العموم. {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} لا تحويه عبارة ولا تحيط به إشارة، ومن ذلك النبوة العامة والرياسة التامة والشفاعة العظمى يوم القيامة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه علم نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يكن يعلمه، وبين في مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52] الآية. وقوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ}تفسير : [يوسف: 3] إلى غير ذلك من الآيات.

القطان

تفسير : لولا أن تفضّل الله عليك يا محمد بالوحي، ورحِمَك ببيان حقيقة الواقع لأرادت جماعة من المتحكمين اليك ان يضلّوك عن سلوك العدل، لكنهم في الواقع لا يضلون الا أنفسهم، فالله قد أوحى إليك ببيان الحقيقة قبل ان يطمعوا في صَرْفك عنه، وذلك لتقيم اركان العدل والمساواة، وتنقذ البريء، ولو أنه يهوديّ من أعداء الاسلام. {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} لقد عَصَمَك الله من الناس ومن اتّباع الهوى، وأنزل عليك القرآن ميزاناً للحق، وآتاك الحكمة من لدنه كي تبيّن للناس مقاصد الدين وأسراره، وعلّمك من الشرائع والاحكام ما لم تكن تعلمه من قبل. وكان فضله عليك عظيماً حين أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم النبيّين.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَّآئِفَةٌ} {ٱلْكِتَابَ} (113) - لَقَدْ حَاوَلَ أَصْحَابُ بَني أبَيْرِق تَبْرِئَةَ صَاحِبِهِمْ مِنْ سَرِقَةِ الدِّرْعِ، وَعَزَوْا إليهِ الصَّلاَحَ والتُّقَى، وَلامُوا صَاحِبَ الدِّرْعِ لاتِّهَامِهِ قَوْماً صُلَحَاءَ، وَهُمْ بِذَلِكَ إنَّما كَانُوا يُرِيدُونَ أنْ يُضِلُّوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةَ مَا وَقَعَ. وَهُؤلاَءِ الذِينَ حَاوَلُوا تَضْلِيلَ رَسُولِ اللهِ، إنَّمَا يُضِلُّونَ أَنْفُسَهُمْ، فَقَدْ عَصَمَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ أنْ يَقَعَ فِي الخَطَأ، وَأَيَّدَهُ بِفَضْلِهِ، وَأنْزَلَ عَلَيهِ القُرْآنَ (الكِتَابَ) وَالحِكْمَةَ (وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى الحِكْمَةِ هُنَا مَا تَضَمَّنَتْهُ سُنَّةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم) وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الوَحْي عَلَيهِ، وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَظِيماً عَلَى رَسُولِهِ الكَرِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا نتساءل: هل هَمَّ أحد بإضلال رسول الله؟ علينا أن نفهم أن "الهمّ" نوعان: هم إنفاذ، وهم تزيين. وقد رفض رسول الله هم الإنفاذ، ودفعه الله عنه لأنه سبحانه وتعالى يحوط رسوله بفضله ورحمته ويأتي بالأحداث ليعلمه حكماً جديداً. وفضل الله على رسوله ورحمته جعل الهم منهم هم تزيين فقط وحفظ الله رسوله منه أيضا. وعندما تعلم الرسول هذا الحكم الجديد، صار يقضي به من بعد ذلك في كل قضايا الناس. فإذا ما جاء حدث من الأحداث وجاء له حكم من السماء لم يكن يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفضل لله لأنه يزيد رسوله تعليما. {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113] وكان قصد الذين دافعوا عن "ابن أبيرق" أن يزينوا لرسول الله، وهذا هو هم التزيين لا هم الإنفاذ. وكان الهدف من التزيين أن يضروا الرسول ويضلوه والعياذ بالله، ليأخذوه إلى غير طريق الحق وغير طريق الهدى، وهذا أمر يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن رسول الله برأ المذنب الذي يعلم أنه مذنب لاسْتقرّ في ذهن المذنب أن قضايا الدين ليست جادة، أما البريء الذي كان مطلوباً أن يدينه رسول الله ماذا يكون موقفه؟ لا بد أن يقول لنفسه: إن دين محمد لا صدق فيه لأنه يعاقب بريئاً. إذن فَهَمَّ التزيين يضر بالرسول عند المبرأ وعند من يراد إلصاق الجريمة به. لكن الله صان رسوله بالفضل وبالرحمة عن هذا أيضا. {أية : لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [النساء: 113] لقد أنزل الحق كتاباً ليفصل في القضية, ونزول الحكم بعد وقوع تلك الحادثة إنما جاء ليبين ضمن ما يبين سر نزول القرآن منجماً؛ لأن القرآن يعالج أحداثاً واقعية، فيترك الأمر إلى أن يقع الحدث ثم يصب على الحدث حكم الله الذي ينزل من السماء وقت حدوث الحدث، وإلا كيف يعالج القرآن الأحداث لو نزل مرة واحدة بينما الأحداث لم تقع؟ لذلك أراد الله أن تنزل الأحداث أولاً ثم يأتي الحكم. وقد سبق أن قال الكفار: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} تفسير : [الفرقان: 32] لا؛ فقد أراد الله القرآن منجماً ومتفرقاً ومُقَسَّطاً لماذا؟ {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] فكلما حدثت هزة للفؤاد من اللّدَد والخصومة الشديدة ومن العناد الذي كان عليه الكفار وردّهم للحق - وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم - ينزل نجم من القرآن، وفي شغب البشر مع الرسول تنزل رحمة السماء تُثَبِّت الفؤاد؛ فإن تعب الفؤاد من شغب الناس؛ فآيات اتصال الرسول بالسماء وبالوحي تنفي عنه هذه المتاعب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الدعوة كانت تحدث له كل يوم هزات؛ لذلك كان في كل لحظة يحتاج إلى تثبيت. وعندما ينزل النجم القرآني بعد العراك مع الخصوم فإن حلاوة النجم القرآني تُهَوِّنُ عليه الأمر، وإذا ما جاء للرسول صلى الله عليه وسلم أمر آخر يعكر صفوه، فهو ينتظر حلاوة الوحي لتنزل عليه، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [الفرقان: 32] أي أنزلناه منجماً لنثبت به فؤادك. ولو نزل القرآن جملة واحدة لقلل من مرات اتصال السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو يريد مداومة اتصال السماء به. بدليل أن الوحي عندما فتر جلس الرسول يتطلع إلى السماء ويتشوق. لماذا؟ ففي بداية النزول أرهقه الوحي، لذلك قال الرسول: "فضمني إليه حتى بلغ مني الجهد". ورأته خديجة - رضي الله عنها - "وإن جبينه ليتفصد عرقاً" فاتصال جبريل بملكيته ونورانيته برسول الله صلى الله عليه وسلم في بشريته لا بد أن يحدث تغييراً كيميائيا في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم. حديث : عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. قال عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ". تفسير : إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يواجه المتاعب وأراد الله بفترة الوحي أن يحس محمد حلاوة الوحي الذي نزل إليه، وأن يشتاق إليه، فالشوق يعين الرسول على تحمل متاعب الوحي عندما يجيء، ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق لم تستمر كثيرا؛ لأن الحق قال: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] أي أن الحق أوضح لرسوله: إنك ستجد شوقا وحلاوة ولذة في أن تستقبل هذه الأشياء. {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان: 32] وهكذا كان القرآن ينزل منجماً، على فترات، ويسمع الصحابة عدداً من آيات القرآن. ويحفظونها ويكتبها كُتَّابُ الوحي, وبعد ذلك تأتي معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنزل سورة كاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يُسرى عنه يقول للكتبة: اكتبوا هذه. ويرتب رسول الله الآيات بمواقعها من السورة. ثم يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة في الصلاة ويسمع المصلون الترتيل الذي تكون فيه كل آية في موقعها، وهذا دليل على أن المسألة مدروسة دراسة دقيقة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يحكي إنما يحكي صدقاً. وإلا فَقُولُوا لي: كيف ينزل الوحي على رسول الله بسورة بأكملها ويميلها للكتبة، ثم يقرؤها في الصلاة كما نزلت وكما كتبها أصحابه، كيف يحدث ذلك إن لم يكن ما نزل عليه صدقاً كاملاً من عند الله؟ ونحن قد نجد إنساناً يتكلم لمدة ربع ساعة، لكن لو قلنا له: أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبداً الكلمات نفسها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الآيات كما نزلت. مما يدل على أنه يقرأ كتاب الله المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد. ولذلك يقول الحق: {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} تفسير : [الفرقان: 33] أي لا يأتونك بحادثة تحدث إلا جئناك بالحق فيها. إذن لم يكن للقرآن أن ينزل منجماً إلا ليثبت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تتابع الهزات التي يتعرض لها، وأراد الله أن ينشر اتصال السماء برسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلاثة والعشرين عاماً التي استغرقتها الرسالة. والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه الرسول في الصلاة مثلما نزل عليه قبل ذلك دون تحريف أو تبديل، والحق يقول: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6] وكل حادثة تحدث ينزل لها ما يناسبها من القرآن. كما حدثت حادثة سرقة ابن أبيرق فنزل فيها الحكم والحق يقول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}. فإذا ما علمك الله - يا رسول الله - ما لم تكن تعلم بنزول الكتاب، فهل أنت يا سيدي يا رسول الله مشرع فقط بما نزل من الكتاب؟ لا؛ فالكتاب معجزة وفيه أصول المنهج الإيماني، ولكن الله مع ذلك فوض رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرِّع؛ وتلك ميزة لم تكن لرسول قبله، بدليل قوله الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7] فالرسل من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يتناولون ما أخذوه عن الله، وميز سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بتفويض التشريع. وأوضح الحق أنه عَلَّمَ رسوله الكتاب والحكمة. والحكمة مقصود بها السنة، فسبحانه القائل: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} تفسير : [الأحزاب: 34] وسبحانه صاحب الفضل على كل الخلق وصاحب الفضل على رسوله: {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} ولنا أن نلحظ أن {فَضْلُ ٱللَّهِ} تكرر في هذه الآية مرتين. ففضل الله الأول في هذه الآية أنه عصمه من أن تضله طائفة وتنأى به عن الحق، ثم كان فضل الله عليه ثانيا أنه أنزل عليه الكتاب بكل أحكامه وأعطاه الحكمة وهي التفويض من الله لرسوله أن يشرّع. إذن فالحق سبحانه وتعالى جعل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم امتداداً لوحيه. ولذلك إذا قيل من قوم يحاولون التشكيك في حديث رسول الله: إن الصلاة لم تأت في القرآن. نقول سائلين الواحد منهم: هل تؤدي الصلاة أم لا.؟ فيقول: إنني أصلي.. فنقول له: كم فرضاً تصلي؟. فيقول: خمسة فروض. فنقول: هات هذه الفروض الخمسة من القرآن. ولسوف يصيبه البهت، وسيلتبس عليه أمر تحديد الصبح بركعتين والظهر بأربع ركعات، والعصر بمثلها، والمغرب بثلاث، والعشاء بأربع ركعات. وسيعترف أخيراً أنه يصلي على ضوء قول الرسول: (حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي) تفسير : وهذه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} وقد نجد واحداً من اهل السطحية واللجاجة يقول: القرآن يكرر الكلمات في أكثر من موقع، ولماذا يذكر فضل الله في صدر هذه الآية، ويذكره مرة أخرى في ذيل نفس الآية؟. نقول: أنت لم تلحظ فضل الله في الجزئية الأولى لأنه أنقذ رسوله من همّ التزيين بالحكم على واحد من أهل الكتاب ظلماً، وفي الجزئية الثانية هو فضل في الإتمام بأنه علم رسوله الكتاب والحكمة وكان هذا الفضل عظيماً حقاً. وساعة يذهب هؤلاء الناس ليحدثوا الرسول في أمر طعمة ابن أبيرق، ألم يجلسوا معا ليتدارسوا كيف يفلت طعمة بن أبيرق من الجريمة؟. لقد قاموا بالتداول فيما بينهم لأمر طعمة واتفقوا على أن يذهبوا للرسول؛ فكانت الصلة قريبة من النجوى. ولذلك حرص أدب الإسلام على أن يحترم كرامة أي جليس ثالث مع اثنين فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما؛ لأن ذلك يحزنه. وقد يكون الأمر جائزاً لو كان الجلوس أربعة، فواحد يتحدث مع آخر، وهناك يستطيع اثنان أن يتناجيا. إذن فالنجوى معناها المسارّة، والمسارّة لا تكون إلا عن أمر لا يحبون أن يشيع، وقد فعل القوم ذلك قبل أن يذهبوا إلى الرسول ليتكلموا عن حادثة طعمة بن أبيرق، ولذلك يفضح الحق أمر هذه النجوى، فينزل القول الحق: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ ..}