Verse. 607 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

لَا خَيْرَ فِيْ كَثِيْرٍ مِّنْ نَّجْوٰىھُمْ اِلَّا مَنْ اَمَرَ بِصَدَقَۃٍ اَوْ مَعْرُوْفٍ اَوْ اِصْلَاحٍؚ بَيْنَ النَّاسِ۝۰ۭ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذٰلِكَ ابْتِغَاۗءَ مَرْضَاتِ اللہِ فَسَوْفَ نُؤْتِيْہِ اَجْرًا عَظِيْمًا۝۱۱۴
La khayra fee katheerin min najwahum illa man amara bisadaqatin aw maAAroofin aw islahin bayna alnnasi waman yafAAal thalika ibtighaa mardati Allahi fasawfa nuteehi ajran AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا خير في كثير من نجواهم» أي الناس أي يتناجون فيه ويتحدثون «إلا» نجوى «من أمر بصدقة أو معروف» عمل بر «أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك» المذكور «ابتغاء» طلب «مرضات الله» لا غيره من أمور الدنيا «فسوف نؤتيه» بالنون والياء أي الله «أجرا عظيما».

114

Tafseer

الرازي

تفسير : وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: النجوى في اللغة سر بين إثنين، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء، ويقال: نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته، والنجوى قد تكون مصدراً بمنزلة المناجاة، قال تعالى {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7] وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون، قال تعالى {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47]. المسألة الثانية: قوله {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } ذكر النحويون في محل {مِنْ } وجوهاً، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله {أية : إِلاَّ أَذًى } تفسير : [آل عمران: 111] ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله:شعر : إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال: التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدي يكون {مِنْ } في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: إحدهما: الخفض بدل من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد. والثاني: النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً، وهذا استثناء الجنس من الجنس، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس، ويجوز أن يكون {مِنْ } في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجلعه تبعاً لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم. والثاني: أن تجعله تبعاً للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة، وإن شئت أتبعته القوم، والله أعلم. المسألة الثالثة: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} وإما أن يكون من الخيرات الروحانية، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله { أَوْ مَعْرُوفٍ } وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام: [حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله]تفسير : وقيل لسفيان الثوري: ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } فهو هذا بعينه، أما مسعت الله يقول {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } تفسير : [العصر: 1، 2] فهو هذا بعينه. ثم قال تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينه: 5] وقوله {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } تفسير : [النجم: 39] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات» تفسير : وهٰهنا سؤالان: السؤال الأول: لم انتصب {ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ }؟ والجواب: لأنه مفعول له، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله. السؤال الثاني: كيف قال {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } ثم قال {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ }. والجواب: أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضاً فعل من الأفعال.

القرطبي

تفسير : أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير، وذكروه للنبيّ صلى الله عليه وسلم. والنَّجْوَى: السر بين الاثنين، تقول: ناجيت فلاناً مناجاة ونِجاء وهم ينْتَجون ويتناجوْن. ونَجَوْت فلاناً أنجوه نجوا، أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي خلصته وأفردته، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عمّا حوله، قال الشاعر: شعر : فَمَنْ بِنَجْوَتِهِ كمن بِعَقوتِهِ والمُسْتَكِنّ كمن يَمْشِي بِقِرْواحِ تفسير : فالنجوى المسارّة، مصدر، وقد تُسمَّى به الجماعة، كما يقال: قومٌ عدلٌ ورِضاً. قال الله تعالى: { أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47]، فعلى الأول يكون الأمر أمر استثناء من غير الجنس، وهو الاستثناء المنقطع. وقد تقدم، وتكون {مَنْ} في موضع رفع، أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير. ويجوز أن تكون {منْ} في موضع خفض ويكون التقدير: لا خير في كثير مِن نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقة ثم حذف. وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسماً للجماعة المنفردين، فتكون {منْ} في موضع خفض على البدل، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة. أو تكون في موضع نصب على قول من قال: ما مررت بأحد إلا زيداً. وقال بعض المفسرين منهم الزجاج: النَّجْوَى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سِرّاً أو جهراً، وفيه بُعْدٌ. والله أعلم. والمعروف لفظ يَعُمّ أعمالَ البِرِّ كلَّها. وقال مقاتِل: المعروف هنا الفرض، والأول أصح. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طَلْق » تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله » تفسير : . وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر. وقال الحُطَيئة: شعر : من يفعل ٱلخير لا يعدم جوازِيَه لا يذهبُ العُرْفُ بين الله والناسِ تفسير : وأنشــد الـريَّـاشِـــيّ: شعر : يَدُ المعروفِ غُنْمٌ حيث كانت تحمّلها كَفورٌ أو شكورُ ففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفَر الكفور تفسير : وقال الماوردِي: «فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خِيفةَ عجزه، وليعلم أنه من فُرض زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت نَدَما، ومعوّل على مِكْنَة زالت فأوْرثَتْ خجلاً، كما قال الشاعر: شعر : ما زلت أسمع كم من واثق خجل حتى ٱبتليت فكنت الواثق الخجلا تفسير : ولو فطِن لنوائب دهره، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة، ومغارمه مجبورة، فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : مَن فُتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه » تفسير : . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح » تفسير : . وقيل لأنُو شِرْوان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت. وقال عبد الحميد: من أخّر الفُرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. وقال بعض الشعراء: شعر : إذا هبّتْ رياحُك فٱغْتَنِمها فإنّ لكل خافِقَة سُكونُ ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون تفسير : وكتب بعض ذوي الحرمات إلى والٍ قصّر في رعاية حُرْمته: شعر : أعَلَى الصراط تريد رِعْية حرمتي أم في الحساب تمنّ بالإنعام للنفع في الدنيا أُريدك، فٱنتبه لحوائجي من رقدة النوّام تفسير : وقال العباس رضي الله عنه: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظّمته، وإذا سترته أتممْته. وقال بعض الشعراء: شعر : زاد معروفُك عندي عظما إنه عندك مستور حقير تتناساه كأنْ لم تأتِه وهو عند الناس مشهور خطير تفسير : ومن شرط المعروف تركُ الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر. وقد تقدّم في «البقرة» بيانه. قوله تعالى: {أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى. وفي الخبر: « حديث : كلام ٱبنِ آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكرٍ لله تعالى » تفسير : . فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعرِيّ رضي الله عنه: ردّ الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورِث بينهم الضغائن. وسيأتي في «المجادلة» ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله تعالى. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: من أصلح بين ٱثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. حديث : وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب: «ألا أدُلُّك على صدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين أُناس إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا» تفسير : . وقال الأُوزاعيّ: ما خطوة أحبّ إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار. وقال محمد بن المُنْكَدِر: تنازع رجلان في ناحية المسجد فمِلْت إليهما، فلم أزل بهما حتى اصطلحا؛ فقال أبو هريرة وهو يراني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : مَنْ أصلح بين ٱثنين استوجب ثواب شهيد » تفسير : . ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضّل النسفيّ في كتاب اللؤْلُئيّات له، وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه. و {ٱبْتَغَآءَ} نصب على المفعول من أجله.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} يعني: كلام الناس {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي: إلا نجوى من قال ذلك؛ كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح، ردِّده علي، فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ذكر الله عز وجل، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» تفسير : فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}؟ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [النبأ: 38] فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} تفسير : [العصر: 1 ـ 2] إلخ؟ فهو هذا بعينه، وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيس عن سعيد بن حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها، ثم قال الترمذي: حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث ابن خُنَيس. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيراً، أو يقول خيراً»تفسير : ، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، قال: وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن الزهري به نحوه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟»تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : إصلاح ذات البين»تفسير : ، قال: «حديث : وفساد ذات البين هي الحالقة»تفسير : . ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حدثنا أبي عن حميد، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب: «حديث : ألا أدلك على تجارة؟» تفسير : قال: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا» تفسير : ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين، وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ولهذا قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَآءَ مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ} أي: مخلصاً في ذلك، محتسباً ثواب ذلك عند الله عز وجل، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي: ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً. وقوله: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه، بعد ما ظهر له الحق، وتبين له، واتضح له. وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ؛ تشريفاً لهم، وتعظيماً لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفاً صالحاً في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي رحمه الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته، هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك، فاستبعد الدلالة منها على ذلك، ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك؛ بأن نحسنها في صدره، ونزينها له؛ استدراجاً له، كما قال تعالى: {أية : فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [القلم: 44]، وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]، وقوله: {أية : وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى، لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَٰجَهُمْ} تفسير : [الصافات: 22] الآية، وقال تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} تفسير : [الكهف: 53].

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ } أي الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون {إِلا } نجوى {مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ } عمل بر {أَوْ إِصْلَٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } المذكور {ٱبْتِغآءَ } طلب {مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } لا غيره من أمور الدنيا {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } بالنون والياء أي الله {أَجْراً عَظِيماً }.

الشوكاني

تفسير : النجوى: السرّ بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلاناً مناجاة ونجاء، وهم ينتجون ويتناجون، ونجوت فلاناً أنجوه نجوى، أي: ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه، أي: خلصته وأفردته. والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، فالنجوى: المسارّة مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال قوم عدل، قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47] فعلى الأوّل يكون الاستثناء منقطعاً. أي: لكن من أمر بصدقة، أو متصلاً على تقدير إلا نجوى من أمر بصدقة، وعلى الثاني يكون الاستثناء متصلاً في موضع خفض على البدل من كثير، أي: لا خير في كثير إلا فيمن أمر بصدقة. وقد قال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة المنفردة، أو الاثنين سواء كان ذلك سراً أو جهراً، وبه قال الزجاج. قوله: {بِصَدَقَةٍ } الظاهر أنها صدقة التطوّع، وقيل: إنها صدقة الفرض. والمعروف صدقة التطوّع، والأوّل أولى. والمعروف لفظ عام يشمل جميع أنواع البرّ. وقال مقاتل: المعروف هنا القرض. والأوّل أولى، منه قول الحطيئة:شعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : ومنه الحديث: "حديث : كل معروف صدقة" "حديث : وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق"تفسير : ، وقيل: المعروف إغاثة الملهوف. والإصلاح بين الناس عامّ في الدماء والأعراض والأموال، وفي كل شيء يقع التداعي فيه. قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } إشارة إلى الأمور المذكورة، جعل مجرّد الأمر بها خيراً، ثم رغب في فعلها بقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرّد الأمر بها، إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها. قوله: {ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ } علة للفعل؛ لأن من فعلها لغير ذلك، فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج من الوزر، والأعمال بالنيات. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } المشاققة: المعاداة والمخالفة. وتبين الهدى ظهوره، بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك، ثم يفعل المشاققة {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: غير طريقهم، وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه. {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ } أي: نجعله والياً لما تولاه من الضلال {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } قرأ عاصم وحمزة، وأبو عمرو: "نُوَلّهِ وَنُصْلِهِ" بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ الباقون بكسرهما، وهما لغتان، وقريء ونصله بفتح النون من صلاه، وقد تقدّم بيان ذلك. وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا: هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام، فأدّاه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين، وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم. وقد أخرج عبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم عن أمّ حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ذكراً لله عزّ وجلّ»تفسير : . قال سفيان الثوري هذا في كتاب الله: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } الآية، وقوله: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }تفسير : [النبأ: 38]، وقوله: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } تفسير : [العصر: 1 - 3]. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت، والتحذير من آفات اللسان، والترغيب في حفظه، وفي الحثّ على الإصلاح بين الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان في قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس. وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أنس قال: «جاء أعرابيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله أنزل عليّ القرآن يا أعرابيّ: {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } إلى قوله: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } يا أعرابيّ الأجر العظيم الجنة"تفسير : ؛ قال الأعرابي: الحمد لله الذي هدانا للإسلام. وأخرج الترمذي، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة، فمن شذّ شذّ في النار»تفسير : . وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {نجواهم} عائد على الناس أجمع، وجاءت هذه الآيات عامة التناول، وفي عمومها يتدرج أصحاب النازلة، وهذا عن الفصاحة والإيجاز المضمن الماضي والغابر في عبارة واحدة، والنجوى: المسارَّة، مصدر، وقد تسمى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ورضا، وتحتمل اللفظة في هذه الآية أن تكون الجماعة وأن تكون المصدر نفسه، فإن قدرناها الجماعة فالاستثناء متصل، كأنه قال: لا خير في كثير من جماعاتهم المنفردة المتسارة إلا من، وإن قدرنا اللفظة المصدر نفسه، كأنه قال: لا خير في كثير من تناجيهم، فالاستثناء منقطع بحكم اللفظ، ويقدر اتصاله على حذف مضاف، كأنه قال: إلا نجوى من، قال بعض المفسرين: النجوى كلام الجماعة المنفردة كان ذلك سراً أو جهراً. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: انفراد الجماعة من الاستسرار، والغرض المقصود أن النجوى ليست بمقصورة على الهمس في الأذن ونحوه، و " المعروف": لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خُصَّا بالذكر اهتماماً بهما، إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد، ثم وعد تعالى "بالأجر العظيم" على فعل هذه الخيرات بنية وقصد لرضا الله تعالى. و {ابتغاء} نصب على المصدر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم والكسائي {فسوف نؤتيه} بالنون وقرأ أبو عمر وحمزة " يؤتيه" بالياء والقراءتان حسنتان. وقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} الآية، لفظ عام نزل بسبب طعمة بن أبيرق، لأنه ارتد وسار إلى مكة، فاندرج الإنحاء عليه في طي هذا العموم المتناول لمن اتصف بهذه الصفات إلى يوم القيامة، وقوله {ما تولى} وعيد بأن يترك مع فاسد اختياره في تولي الطاغوت، وقرأ ابن أبي عبلة "يوله" و "يصله" بالياء فيهما. ثم أوجب تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية وما يتصل بها من المعتقد والبعد في صفة الضلال، مقتض بعد الرجوع إلى المحجة البيضاء وتعذره وإن بقي غير مستحيل.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} يعني من نجوى قوم طعمة وقيل هي عامة في جميع ما يتناجى الناس به والنجوى هي الإسرار في التدبير وقيل النجوى ما تفرد بتدبيره قوم سراً كان ذلك أو جهراً وناجيته ساررته وأصله أن يخلوا في نجوة من الأرض وقيل أصله من النجي والمعنى لا خير في كثير ما يدبرونه ويتناجون فيه {إلاّ من أمر بصدقة} يعني إلاّ في نجوى من أمر بصدقة وقيل معناه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلاّ فيما كان من أعمال الخير وقيل هو استثناء منقطع تقديره لكن من أمر بصدقة وحث عليها {أو معروف} يعني أو أمر بطاعة الله وما يجيزه الشرع وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها {أو إصلاح بين الناس} يعني الإصلاح بين المتباينين والمتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع على ما أذن الله فيه وأمر به. عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وإن فساد ذات البين هي الحالقة" تفسير : أخرجه الترمذي وأبو داود وقال الترمذي ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" تفسير : (خ) عن سهل بن سعد حديث : أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اذهبوا بنا نصلح بينهم" تفسير : (ق) عن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس فيقول خيراً أو ينمى خيراً" تفسير : زاد مسلم في رواية قالت ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلاّ فيما في ثلاث: يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها {ومن يفعل ذلك} يعني هذه الأشياء التي ذكرت {ابتغاء مرضاة الله} يعني طلب رضاه لأن الإنسان إذا فعل ذلك خالصاً لوجه الله نفعه وإن فعله رياء وسمعة لم ينفعه ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الأعمال بالنيات" تفسير : الحديث {فسوف نؤتيه} يعني في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله {أجراً عظيماً} لا حد له لأن الله سماه عظيماً وإذا كان كذلك فلا يعلم قدره إلاّ الله.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يؤتيه} بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل. الباقون بالنون. {نوله} {ونصله} مثل {أية : يؤده} تفسير : [آل عمران:75]. {يدخلون} بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد. الآخرون بالعكس {إبراهام} وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان. الوقوف: {بين الناس} ط {عظيماً} ه {جهنم} ط {مصيراً} ه {لمن يشاء} ط {بعيداً} ه {إناثاً} ج لابتداء النفي مع واو العطف. {مريداً} لا لأن ما بعده صفى له. {لعنه الله} م لأنّ قوله: {وقال} غير معطوف على {لعنه} {مفروضاً} ه لا للعطف {خلق الله} ط {مبيناً} ط كيلا يصير {يعدهم} وصفاً للخسران {ويمنيهم} ط {غروراً} ه {محيصاً} ه {أبداً} ط {حقاً} ط {قيلاً} ه {الكتاب} ط يجز به لا للعطف {نصيراً} ه {نقيراً} ه {حنيفاً} ط {خليلاً} ه {وما في الأرض} ط {محيط} ه. التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول. والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته. قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة. والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث. {إلاّ من أمر بصدقة} وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى. فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس. أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه. وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: {أية : وإذ هم نجوى} تفسير : [الإسراء:47] كان محله أيضاً مجروراً من {كثير} أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم. وإنما قال: {لا خير في كثير} مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر"تفسير : أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف. والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} تفسير : [البقرة:44] {أية : لم تقولون ما لا تفعلون} تفسير : [الصف:1] وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} ويمكن أن يقال: إنّ معنى {ومن يفعل} الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال. والمراد بقوله: {من أمر} من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً. ثم قال: {ومن يشاقق الرسول} قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم. ومعنى {نوله ما تولى} نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه. قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد. والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان {ونصله جهنم} نلزمه إياها {وساءت مصيراً} هي. وانتصب {مصيراً} على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور. يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية. ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه تعالى جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين. فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول. وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل. قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين. وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي صلى الله عليه وسلم والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل. ثم إنه كرّر في السورة قوله: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به} للتأكيد. وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله. {ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً} لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد. ثم أوضح هذا المعنى بقوله سبحانه: {إن يدعون} أي ما يعبدون {من دونه إلاّ إناثاً} أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز. قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة {إلاّ أوثاناً} وقراءة ابن عباس {إلاّ أثنا} جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه. وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث. تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله. وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله. {وإن يدعون} ما يعبدون بعبادة الأصنام {إلاّ شيطاناً مريداً} بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة. يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية. قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم. وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه. والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: {لعنه الله وقال لأتخذن} وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم. ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به. ومعنى {نصيباً مفروضاً} حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار {أية : وقد فرضتم لهن فريضة} تفسير : [البقرة: 237] جعلتم لهن قطعة من المال. وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين. قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: " حديث : يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك. قال: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" تفسير : الحديث. وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟ والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة. وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا {ولأضلنهم} يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك. وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: {لأضلنهم} {أية : لأغوينهم} تفسير : [ص:82] وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: {أية : رب بما أغويتني} تفسير : [الأعراف:16] {ولأمنينهم} الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة. {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة. وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة. وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق. قوله: {فليبتكن} صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: {ولآمرنهم} ومثله في الإعراب قوله: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي. فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري {أية : فطرت الله التي فطر الناس عليها} تفسير : [الروم:30] "حديث : كل مولود يولد على الفطرة " تفسير : ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " تفسير : وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا. أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل. والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره. وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون. وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها. وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور. وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى. وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر. وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله. واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: {لأضلنهم} ثم فصل ذلك بقوله: {ولأمنينهم} وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية. وقوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة. وقوله: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة. {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله} بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به {فقد خسر خسراناً مبيناً} إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها. والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري {وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً} لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى. وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: {أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً} مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق. / ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً} قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق. وقوله:{أبداً} مفيد للتأبيد. {وعد الله حقاً} مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: {سندخلهم} وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما {حقاً} فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع {ومن أصدق من الله قيلاً} توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار. وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه. والقيل: مصدر قال قولاً. وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران. عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت:{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت. ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: {ومن يعمل من الصالحات} وبقوله: {ومن أحسن ديناً} الآيتان. وقيل: الخطاب في: {أمانيكم} لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله. وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: {أية : لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة:111] {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة:18] {أية : لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة} تفسير : [البقرة:80] واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم. وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: {سندخلهم} وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل. ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: {من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا. سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟ روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟ فهو ما تجزون تفسير : . عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: حديث : يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه تفسير : .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: حديث : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه تفسير : ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس حديث : أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشارهتفسير : . وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة. قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} تفسير : [الحجرات:9] أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله. قال في الكشاف: "من" في قوله: {من الصالحات} للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال. ومن في قوله: {من ذكر} لتبيين الإبهام في: {من يعمل} والضمير في: {لا يظلمون} عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط. وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: {ومن أحسن ديناً} وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: {أسلم وجهه لله} وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: {وهو محسن} وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات. وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم عليه السلام، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته. قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله تعالى إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع. وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : تخلقوا بأخلاق الله" تفسير : فلما بلغ إبراهيم عليه السلام في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل. وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله تعالى ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك. هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمدتفسير : . وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: حديث : دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم عليه السلام: بإذن من دخلت؟ فقال: بإذن رب المنزل. فعرفه إبراهيم عليه السلام. فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً. قال إبراهيم: ومن ذلك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أكون خادماً له حتى أموت. قال: فإنه أنتتفسير : . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: حديث : أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر. ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاًتفسير : . وقال شهر بن حوشب: حديث : هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج. فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً. فقال: لك مالي كله. فذكره الملك بصوت أشجى من الأول. فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانكتفسير : . فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً. وروى طاوس عن ابن عباس حديث : أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره. فقال جبريل: أنت خليل اللهتفسير : . عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً. ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " تفسير : قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : إذ قال له ربه أسلم} تفسير : [البقرة:131] فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه. قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟ والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه سبحانه متعال عن مجانسة المحدثات. ولهذا قال بعد ذلك: {ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً} ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: {أية : أسلمت لرب العالمين} تفسير : [البقرة:131] وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: {ولله ما في السموات وما في الأرض} وإلى الثاني بقوله: {وكان الله بكل شيء محيطاً} وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني. وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله تعالى: {أية : وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها} تفسير : [الفتح:21] ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه. التأويل: {لا خير في كثير} من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده. {ومن يشاقق الرسول} أي يخالف الإلهام الرباني {ويتبع غير سبيل المؤمنين} بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان {نوله ما تولى} نكلله بالخذلان إلى ما تولي {ونصله} بسلاسل معاملاته. {جهنم} الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية. {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ولو كان مغفوراً لم يشرك به {ومن يشرك بالله} الآن {فقد ضل ضلالاً بعيداً} وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم {إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً} صفات ذميمة يتولد منها الشرك {وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً} هي الدنيا كما قال عليه السلام: "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " تفسير : والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار {ولأضلنهم} كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء "تفسير : {وعد الله حقاً} وهو قوله: " حديث : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي "تفسير : . {ليس بأمانيكم} يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً} تفسير : [طه:82] و {ولا أماني أهل الكتاب} علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته {من يعمل سوءاً يجز به} في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" تفسير : {ولا يجد له من دون الله ولياً} يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة. {ولا نصيراً} ينصره بالظفر على النفس الأمارة {من ذكر أو أنثى} أي من قلب أو نفس {ومن / أحسن ديناً} يعني من محمد صلى الله عليه وسلم حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " حديث : أسلم شيطاني على يدي " تفسير : ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "حديث : أمتى أمتي" تفسير : حين يقول الأنبياء نفسي نفسي {وهو محسن} بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم. واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟ قال: ليلى. وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم. ما اسمك؟ قال: الحبيب. فكان محمد صلى الله عليه وسلم حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله. والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أن الخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله {أية : فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين} تفسير : [الشعراء:77] والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَٰهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ...} الآية: الضَّمِيرُ في {نَّجْوَٰهُمْ}: عائدٌ على النَّاس أجمع، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ، قال النوويُّ ورُوِّينا في كتابَيِ «الترمذيِّ» و «ابن ماجة»، عن أمِّ حَبِيبَة (رضي اللَّه عنها)، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَال: «حديث : كُلُّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إلاَّ أَمْراً بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ، أو ذِكْراً لِلَّهِ تَعَالَى»تفسير : . انتهى. والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تَسمَّىٰ بها الجماعةُ؛ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوَىٰ بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر؛ اهتماماً؛ إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالَىٰ بالأجر العظيم علَىٰ فعل هذه الخَيْرات بنيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضَا اللَّه تعالَىٰ.

ابن عادل

تفسير : قال الوَاحِدِي: النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال: ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال: نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى: نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدراً بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال - تعالى -: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} تفسير : [المجادلة: 7] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازاً، قال - تعالى -: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء: 47] ومَعْنَاها: المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر. وقال الزَّجَّاج: [النَّجْوى] ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِراً. وقيل: النَّجْوى جمع نَجِيّ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله. فصل فيمن المقصود بالآية؟ والمراد بالآية: قَوْم طعمة. وقال مُجَاهد: الآية عَامَّة في حَقِّ جميع النَّاسِ، والنَّجْوى: هي الإسْرَار في التَّدْبِير. وقيل: النَّجْوى: ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرّاً كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة: لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلاً، وقيل: هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى: لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها: المَصْدرُ كالدَّعْوى؛ فتكون بِمعنَى: التناجي، وأنْ يُرادَ بها: القَوْمُ المتناجُون إطلاقاً للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازاً، نحو: "رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ". فعلى الأول يكون مُنْقَطِعاً؛ لأنَّ مَنْ أمَر لَيْس تَنَاجِياً؛ فكأنه قيل: لكنْ مَنْ أمَر بصدَقةٍ، ففي نَجْوَاه الخيرُ، والكوفِيُّون يقدِّرون المُنْقَطع بـ "بل"، وجعل بعضهم الاستِثْنَاء متَّصِلاً، وإنْ أُريد بالنَّجْوى: المصدرُ، وذلك على حَذْفِ مُضَافٍ؛ كأنه قيل: إلا نَجْوَى مَنْ أمر وعلى هذا يَجُوز في مَحَلِّ "مِنْ" وجهان: أحدهما: الخَفْضُ بدل من "نَجْوَاهُم"؛ كما تقول: "ما مَرَرْتُ بأحد إلا زَيْدٌ". والثاني: النَّصْب على الاستِثْناء [كما تقول: مَا جَاءني أحَدٌ إلا زَيْدٌ، على الاستثناء؛] لأنَّ هذا استِثْنَاء الجِنْس من الجِنْس وإن جعلنا النَّجْوى بِمَعنى: المُتَناجين، كان مُتَّصِلاً، وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع مَنْصُوبٌ أبداً في لغة الحِجاز، وأنَّ بَنِي تَمِيم يُجرونه مُجْرى المُتَّصِل، بشرط توجُّه العَامِل عليه، وأنَّ الكَلاَمَ إذا كان نفياً أو شبهه، جاز في المُسْتَثْنَى الإتباعُ بدلاً، وهو المختار، والنَّصْبُ على أصْل الاستِثْنَاء، فقوله "إلا مَنْ أمَر": إما مَنصُوبٌ على الاستِثْنَاء المُنْقَطِع، إنْ جَعَلْتَه مُنْقطعاً في لغة الحِجَاز، أو على أصْلِ الاستِثْنَاء إن جعلته مُتَّصلاً، وإمَّا مَجْرورٌ على البَدَلِ من "كثير"، أو من "نجواهم"، أو صِفَةٌ لأحدهما؛ كما تقُول: "لا تَمُرُّ بجماعة من القَوْم إلا زيد" إنْ [شئت] جَعلْتَ زَيْداً تَابِعاً للجماعةِ أو للقوم، ولم يجعله الزَّمَخْشَرِي تَابِعاً إلا "لِكَثير" قال: إلا نَجْوَى مَنْ أمَر، على أنَّه مَجْرورٌ بَدَلٌ من "كَثِيرٍ"؛ كما تقُولُ: "لا خير في قِيامهم إلا قيام زيدٍ" وفي التَّنْظِير بالمثال نظرٌ لا تَخْفَى مباينته للآية، هذا كُلُّه إن جعلنا الاستِثْناء مُتصِلاً بالتَّأويلين المَذْكُورين، أو مُنْقَطِعاً على لغة تميم، وتلخَّص فيه سِتَّة أوْجُه: النَّصبُ على الانقطاع في لغة الحجاز، أو على أصْلِ الاستثناءِ، والجرُّ على البَدَل من "كَثِير"، أو من "نَجْوَاهُم"، أو على الصِّفَةِ لأحدهما. و"مِنْ نَجْوَاهُم" متعلقٌ بمحذُوفٍ؛ لأنه صِفَةٌ لـ "كثير" في مَحَلِّ جَر. فصل إنَّما ذكر - تعالى - هذه الأقْسَام الثَّلاثة؛ لأن عَمَل الخَيْر، إمَّا أن يكُون بإيصَال المَنْفَعَةِ، أو بدفع المَضَرَّة، وإيصال الخَيْر: إمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الجسْمَانِيَّة، وهو إعْطاء المَالِ، وإليه الإشارة بقوله: {إلا مَنْ أمَر بِصَدَقَةٍ}. وإمَّا أن يكُون من الخَيْرَات الرُّوْحَانية، وإليه الإشارة بقوله: "أو مَعْرُوف". وإمَّا إزالة الضَّرَرِ وإليه الإشارة بقوله: {أَوْ إصلاحٍ بَيْن النَّاسِ}. قوله "بَيْن" يجُوز أن يكون مَنْصُوباً بِنَفْس إصْلاح، تقول: أصْلَحْت بَيْن القَوْم، قال - تعالى -: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} تفسير : [الحجرات:10]، وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَة لإصلاح. [و] قوله: {ومن يَفْعَل ذَلك} أي: هذه الأشْيَاء، {ابْتِغَاء مَرْضَات الله} أي: طَلَب رِضَاه، و"ابْتِغَاء" مَفْعُول من أجْله، وألِفُ "مَرْضَاتِ" عن وَاوٍ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُه. فإن قِيلَ: كَيْف قال: {إلاَّ مَنْ أَمَر} ثم قال: {وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ}. فالجواب: أنَّه ذكر الأمْرَ بالخير، ليَدُل به على فَاعِلِه؛ لأنَّ الآمِرَ بالخَيْر لما دَخَل في زُمْرَة الخَيِّرين، فبأن يَدْخل فَاعِل الخَيْر فيهم أوْلى، ويجوز أن يُرَاد: ومن يأمُر بذلك، فعبر عن الأمْر بالفعل؛ لأنَّ الأمْر أيضاً فِعْل من الأفعال. ثم قال: "فسوف يُؤتيه" بالياء نظراً إلى الاسْمِ الظَّاهر في قوله: "مَرْضَات الله"، وقرئ بالنُّون؛ نظراً لِقَوله بعدُ: "نُولِّه، ونُصْلِه" وهو أوقعُ للتَّعْظِيم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد أسلم في قوله ‏ {‏لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس‏} ‏ من جاءك يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت عنه ذاك لا تناجيه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ‏ {‏إلا من أمر بصدقة أو معروف‏}‏ قال‏:‏ المعروف القرض‏.‏ وأخرج الترمذي وابن ماجه وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن حنيش قال‏:‏ دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان‏:‏ أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح‏.‏ قال‏:‏ حدثتني أم صالح بنت صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، أو ذكر الله عز وجل‏ "تفسير : . فقال محمد بن يزيد‏:‏ ما أشد هذا الحديث‏!‏ فقال سفيان‏:‏ وما شدة هذا الحديث‏؟‏ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم، أما سمعت الله يقول ‏ {‏لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس‏} ‏ فهذا هو بعينه، أو ما سمعت الله يقول {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا‏ً}‏ تفسير : ‏[‏النبأ: 38‏]‏ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول ‏{أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏تفسير : [‏العصر‏:‏ السورة كلها‏]‏ فهو هذا بعينه‏‏‏.‏ وأخرج مسلم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري والبيهقي عن سهل بن سعد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : ‏من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن سهل بن سعد عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان‏:‏ الفم والفرج‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي ‏ ‏حديث : عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله مرني بأمر أعتصم به في الإسلام‏؟‏ قال‏: ‏"قل آمنت بالله ثم استقم‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي‏؟‏ قال‏: هذا، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي حديث : عن أبي عمرو والشيباني قال‏:‏ حدثني صاحب هذه الدار - يعني عبد الله بن مسعود - قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل‏؟‏ قال‏:‏ الصلاة على ميقاتها‏.‏ قلت‏:‏ ثم ماذا يا رسول الله‏؟‏ قال‏: بر الوالدين‏. قلت‏:‏ ثم ماذا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أن يسلم الناس من لسانك‏. قال‏:‏ ثم سكت، ولو استزدته لزادني ‏‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي حديث : عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قلت يا نبي الله ما النجاة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي الدينا في الصمت والبيهقي ‏‏حديث : عن أسود بن أبي أصرم المحاربي قال‏:‏ قلت يا رسول الله أوصني‏.‏ قال‏:‏ "هل تملك لسانك‏؟ قلت‏:‏ فما أملك إذا لم أملك لساني‏.‏ قال‏: فهل تملك يدك‏؟ قلت‏:‏ فما أملك إذا لم أملك يدي‏!‏ قال‏:‏ فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار‏:‏ "حديث : رحم الله امرأً تكلم فغنم أو سكت فسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن قال‏:‏ بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "حديث : رحم الله عبداً تكلم فغنم أو سكت فسلم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن مسعود. أنه أتى على الصفا فقال‏:‏ يا لسان قل خيراً تغنم أو اصمت تسلم من قبل أن تندم، قالوا‏:‏ يا أبا عبد الرحمن هذا شيء تقوله أو سمعته‏؟‏ قال‏:‏ لا، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن سعيد بن جبير قال‏:‏ رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول‏:‏ يا لساناه قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم قبل أن تندم‏.‏ فقال له رجل‏:‏ ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول كذا وكذا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو عن شيء أحنق منه على لسانه‏.‏ وأخرج أبو يعلى والبيهقي عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من سره أن يسلم فليلزم الصمت‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي أبا ذر فقال ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما‏؟‏ قال‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏: عليك بحسن الخلق وطول الصمت، والذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي ‏ حديث : عن أبي ذر قال‏:‏ قلت يا رسول الله أوصني‏.‏ قال‏: أوصيك بتقوى الله، فإنه أزين لأمرك كله‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ قل الحق ولو كان مرًّا‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ لا تخف في الله لومة لائم‏.‏ قلت‏:‏ زدني‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ركب المصري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا أصبح ابن آدم فإن كل شيء من الجسد يكفر اللسان يقول‏:‏ ننشدك الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت أعوججنا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه. أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه قال‏:‏ ما تصنع يا خليفة رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ إن هذا الذي أوردني الموارد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقيحديث : عن أبي جحيفة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"أي الأعمال أحب إلى الله‏؟‏ قال‏:‏ فسكتوا، فلم يجبه أحد‏.‏ قال‏:‏ هو حفظ اللسان‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عمران بن الحصين‏ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:حديث : ‏ مقام الرجل بالصمت أفضل من عبادة ستين سنة‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي ‏ حديث : عن معاذ بن جبل قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأصاب الناس ريح فتقطعوا، فضربت ببصري فإذا أنا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ لأغتنمن خلوته اليوم، فدنوت منه فقلت‏:‏ يا رسول الله أخبرني بعمل يقربني - أو قال - يدخلني الجنة، ويباعدني من النار‏؟‏ قال‏: لقد سألت عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير‏. قلت‏:‏ أجل يا رسول الله‏.‏ قال‏: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل يبتغي به وجه الله، ثم قرأ الآية {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [‏ألم السجدة: 16‏]‏ ثم قال‏:‏ إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه‏. قلت أجل يا رسول الله‏.‏ قال‏: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد، وإن شئت أنبأتك بأملك الناس من ذلك كله‏.‏ قلت‏:‏ ما هو يا رسول الله‏؟‏ فأشار بإصبعه إلى فيك‏.‏ فقلت‏:‏ وإنا لَنُؤَاخَذَ بكل ما نتكلم به‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكِبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم، وهل تتكلم إلا ما عليك أو لك‏؟‏‏! ‏‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال‏:‏ إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتذكرون أن عليكم حافظين {أية : كراماً كاتبين‏}‏ ‏تفسير : [‏الانفطار: 11‏]‏ ‏{أية : عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‏}‏ ‏تفسير : [‏ق:17-18‏]‏ أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال‏:‏ لا يتقي الله عبد حتى يخزن من لسانه‏.‏ وأخرج أحمد عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال‏:‏ ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه، به يدخله الجنة، وما في الكافر بضعة أبغض إلى الله من لسانه، به يدخله النار‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ لا تنطق فيما لا يعنيك، وأخزن لسانك كما تخزن درهمك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال‏:‏ أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في معصية الله‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال‏:‏ أكثر الناس خطايا أكثرهم خوضاً في الباطل‏.‏ وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال‏:‏ والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان‏.‏ وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصلح الكذب إلا في ثلاث‏:‏ الرجل يرضي امرأته، وفي الحرب، وفي صلح بين الناس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن النواس بن سمعان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث‏:‏ الحرب فإنها خدعة، والرجل يرضي امرأته، والرجل يصلح بين اثنين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصلح الكذب إلا في ثلاث‏:‏ الرجل يكذب لامرأته لترضى عنه، أو إصلاح بين الناس، أو يكذب في الحرب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ما من عمل ابن آدم شيء أفضل من الصدقة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أفضل الصدقة صلاح ذات البين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي أيوب قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أبا أيوب ألا أخبرك بما يعظم الله به الأجر ويمحو به الذنوب‏؟‏ تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا، فإنها صدقة يحب الله موضعها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي‏‏حديث : عن أم كلثوم بنت عقبة "أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً، وقالت‏:‏ لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث‏:‏ في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ألا أخبركم بأفضل من درجات الصيام والصلاة والصدقة‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ إصلاح ذات البين‏.‏ قال‏:‏ وفساد ذات البين هي الحالقة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي ‏‏حديث : عن أبي أيوب "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله ورسوله موضعها‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البزار عن أنس‏ ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب‏: ألا أدلك على تجارة‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏: تسعى في صلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ كنت جالساً مع محمد بن كعب القرظي، فأتاه رجل فقال له القوم‏:‏ أين كنت‏؟‏ فقال‏:‏ أصلحت بين القوم، فقال محمد بن كعب‏:‏ أصبت لك مثل أجر المجاهدين، ثم قرأ ‏{‏لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله ‏ {‏ومن يفعل ذلك‏} ‏ تصدق أو اقرض أو اصلح بين الناس‏.‏ وأخرج أبو نصر السجري في الإبانة عن أنس قال‏:‏ ‏ ‏حديث : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: ‏إن الله أنزل عليّ في القرآن يا أعرابي ‏{‏لا خير في كثير من نجواهم‏}‏ إلى قوله ‏{‏فسوف نؤتيه أجراً عظيماً‏}‏ يا أعرابي الأجر العظيم‏:‏ الجنة‏. قال الأعرابي‏:‏ الحمد لله الذي هدانا للإسلام ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ} أي في كثير من تناجي الناسِ {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} أي إلا في نجوى مَنْ أمرَ {بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} وقيل: المرادُ بالنجوى المتناجون بطريق المجازِ، وقيل: النجوى جمع نُجا نقله الكرماني وأياً ما كان فالاستثناءُ متصلٌ ويجوز الانقطاعُ أيضاً على معنى لكنْ مَنْ أمر بصدقة الخ، ففي نجواه الخير. والمعروفُ كلُّ ما يستحسنه الشرعُ ولا يُنكره العقلُ فينتظم أصنافَ الجميلِ وفنونَ أعمالِ البِرِّ، وقد فُسِّر هٰهنا بالقَرْض وإغاثةِ الملهوف وصدقةِ التطوعِ على أن المرادَ بالصدقة الصدقةُ الواجبة {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} عند وقوعِ المُشاقّةِ والعِداءِ بـينهم من غير أن يجاوزَ في ذلك حدودَ الشرعِ الشريفِ، وبـين إما متعلقٌ بنفس إصلاحٍ، يقال: أصلحتُ بـين القوم أو بمحذوف هو صفةٌ له أي كائنٍ بـين الناسِ. عن أبـي أيوبَ الأنصاري رضي الله تعالى عنه «حديث : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ألا أدلك على صدقةٍ خيرٍ لك من حُمْرِ النَّعَم"، قال: بلى يا رسول الله، قال: "تُصلح بـين الناسِ إذا تفاسدوا وتُقرِّب بـينهم إذا تباعدوا"»تفسير : ، قالوا: ولعل السرَّ في إفراد هذه الأقسامِ الثلاثةِ بالذكر أن عملَ الخيرِ المتعدِّي إلى الناس إما لإيصال المنفعةِ أو لدفع المضرَّةِ، والمنفعةُ إما جُسمانية كإعطاء المالِ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} [النساء، الآية: 114] وإما روحانيةٌ وإليه الإشارةُ بالأمر بالمعروف، وأما دفعُ الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى: {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [النساء، الآية: 114]. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الأمور المذكورةِ أعني الصدقةَ والمعروفَ والإصلاحَ فإنه يشار به إلى متعدد، وما فيه من معنى البُعدِ مع قُرب العهدِ بها للإيذان ببُعد منزلتِها ورفعةِ شأنِها، وترتيبُ الوعدِ على فعلها إثرَ بـيانِ خيريةِ الأمرِ بها لما أن المقصودَ الأصليَّ هو الترغيبُ في الفعل وبـيانُ خيريةِ الأمرِ به للدِلالة على خيريته بالطريق الأولى لما أن مدارَ حُسنِ الأمرِ وقُبحِه حسنُ المأمورِ به وقبحُه فحيث ثبت خيريةُ الأمرِ بالأمور المذكورةِ فخيريةُ فعلِها أثبتُ، وفيه تحريضٌ للأمر بها على فعلها أو إشارةٌ إلى الأمر بها كأنه قيل: ومن يأمْر بها، والكلامُ في ترتيب الوعدِ على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباعَ الأمرِ بها الأجر العظيمِ إنما هو لكونه ذريعةً [وسبباً] إلى فعلها فاستتباعُه له أولى وأحقُّ. {ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ} علةٌ للفعل، والتقيـيدُ به لأن الأعمالَ بالنيات وأن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحِقَّ به غيرَ الحِرْمان {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} بنون العظمةِ على الالتفاتِ وقرىء بالياء {أَجْراً عَظِيماً} يقصُر عنه الوصفُ {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} التعرُّض لعنوان الرسالةِ لإظهار كمالِ شناعةِ ما اجترأوا عليه من المُشاقة والمخالفةِ، وتعليلِ الحُكمِ الآتي بذلك {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على ثبوته {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي غيرَ ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل وهو الدين القيم {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ} أي نجعله والياً لِمَا توَلّىٰ من الضلال ونخذُله بأن نُخلِّيَ بـينه وبـين ما اختاره {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أي نُدخله إياها، وقرىء بفتح النون من صَلاه {وَسَاءتْ مَصِيراً} أي جهنم، وفيها دِلالةٌ على حجية الإجماعِ وحُرمةِ مخالفتِه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 114]. قيل: الأخير فى الجماعات إلا ما يعود نفعه عليك أو على أهل مجلسك. وقيل: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} إلا من تصدق على نفسه بمنعه عن أذى المسلمين وارتكاب المحارم {أَوْ مَعْرُوفٍ} قيل: المعروف حث النفس على سُبل الرشاد. وقيل: إلا من تصدق بنفسه على الخلق فلا ينتقم لنفسه.

القشيري

تفسير : أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبَه إلى غيره؛ ففضيلة الصَدَقَة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفُتُوةُ أن يكون سعيك لغيرك، ففي الخبر: "حديث : شَرُّ الناسِ مَنْ أكَلَ وَحْدَه" تفسير : وكلُّ أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة. قال صلى الله عليه وسلم في قَصْرِ الصلاة في السفر: "حديث : هذه صدقة تصدَّقها الله عليكم فاقبلوا صَدَقَته ". تفسير : والصدقة على أقسام: صدقتك على نفسك، وصدقتك على غيرك؛ فأمَّا صدقتك (على نفسك فَحْملُها على أداء حقوقه تعالى، ومَنْعُها عن مخالفة أمره، وقصرُ يدها عن أذية الخَلْق وصَوْنُ خواطرها وعقائدها عن السوء. وأمَّا صدقتك) على الغير فَصَدقةٌ بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن. فصدقة بالمال بإنفاق النعمة، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة، وصدقة بالقلب بحسن النية وتوكيد الهمة. والصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكالَ فيها، أمَّا الصدقة على الأغنياء فتكون بأن تجود عليهم بهم، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم. وأمّا المعروف: فكلُّ حَسَنٍ في الشرع فهو معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله، وزلفى عنده، وإعلاء النواصي بالطاعة. ومن تصدَّق بنفسه على طاعة ربه، وتصدَّقَ بقلبه على الرضا بحكمه، ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحثَّ الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه، وأصلح بين الناس بِصِدْقه في حاله - فإنَّ لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه، فهو الصِّدِيق في وقته. ومن لم يؤدِّبْ نَفْسَه لم يتأدبْ به غيرُه، وكذلك من لم يهذِّب حالَه لم يتهذَّبْ به غيره. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} غيرَ سائلٍ به مالاً أو حائزٍ لنفسه به حالاً فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة في طريق الله، وهذا هو الأجر الموعود في هذه الآية.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} وبخ الله سبحانه قوما ما ليس مجالستهم وبخوبهم الله فكل مجالسة على غير ابتغاء وجه الله والشيطان يغريهم الى الغيبة والبهتان والضمية والنزهات اى لا خير فى كثير من هؤلاء فى نجواهم يعنى طعمه وقومه ثم استدرك وصف اهل المجالسة لله الذين جلسوا لمحبته قاموا لشوقه واجتمعوا العشقة وتفرقوا لطلب زيادة معرفته والمساكنة فى مجالس انسه بالخلوات فى الغلوات ثم وصفهم باحسن الوصف حيث اواهم الى كنف قربه وحجال انسه بقوله ما يكون من نجى ثلثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا وهو سادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر من ذلك هو معهم اينما كانوا ثم وصفهم على لسان نبيه وزاد شرفهم حيث قال عليه الصلاة والسلام فيما روى عن الله عز وجل وجبت محبتى للمتحابين فى المتزاورين فى والمجالسين فى والمتباذلين فى سبق الازل محبته لهم فاوقعتهم تلك المحبة الازلية فى بحار محبته عحتى استغرقوا فيها الا الاباد لا مخرج منالهم بالنظر سواه قال تعالى وصفهم يحبهم ويحبونه نجاهم جريان اسراره وجولان انفساهم فى ميادين انواره فساعة تاهوا وساعة تحيروا روحهم بمروحة نسه وادخلهم فى قباب قدسه وساقهم من شراب لطفه واسكرهم بجمال وجهه وحثهم الى مسامرته وذوق فهم طعم لطف مناجاته فاذا سكنوا من سطوات مشاهدة جلاله وافاقوا من سكر جماله لحظة احتالوا لزيادة محبته فى اخذهم طريق بذل المهجة لمحتبه ورجعوا الى سنن المجاهدات وحقائق العبادات امر بعضهم بعضا ببدل الارواح والاشباح لشقوهم الى عالم الافراح وامر بالمعرفون بحكمهم على النفوس الامارة بانايتها فى توفقة المجاهدة بنيران الرياضة ويراعى بعضهم بعضا بسحن النصيحة واداب الطريقة ويسالوا الله صلاح هذه الاممة من كما شفقتهم على عباد الله وبلاد الله وهم المستثنون بقوله تعالى {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} وبين ان ذلك لزيادة رغبته فى مشاهدة الله وشوقهم الى تجماله وهو تعالى وعدهم بتضاعف زيادة كراماتهم ودرجاتهم بقوله تعالى {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} قيل فى تفسيره الاخير فى الاجتماعات الا ما يعود نفسه عليك او على اهل مجلسك وقيل الا من امر تصديق بنفسه بمعه عن اذى المسلمين وارتكاب المحار ومعروف قيل المعروف حث النفس على سبيل الرشاد.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا خير فى كثير من نجواهم} اى فى كثير من تناجى الناس وهو فى اللغة سر بين اثنين وذهب الزجاج الى ان النجوى ما تفرد به الجماعة او الاثنان سرا كان او ظاهرا. قال مجاهد هذه الاية عامة فى حق جميع الناس غير مختصة بقوم طعمة وان نزلت فى تناجى قوم السارق لتخليصه {الا من امر} اى الا فى نجوى من امر على انه مجرور بدل من كثير كما تقول لا خير فى قيامهم الا قيام زيد {بصدقة او معروف} المعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل فينتظم اصناف الجميل وفنون اعمال البر وقد فسر هنا بالقرض واغاثة الملهوف وصدقة التطوع على ان المراد بالصدقة الصدقة الواجبة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : كل معروف صدقة " .تفسير : واول اهل الجنة دخولا اهل المعروف وصنائع المعروف تقى مصارع السوء شعر : تونيكى كن بآب انداز اى شاه اكر ما هى نداند داند الله تفسير : وفى الحديث "حديث : عمل ابن آدم كله عليه لا له الا ما كان من امر بمعروف او نهى عن منكر او ذكر الله " .تفسير : {او اصلاح بين الناس} عند وقوع المشاقة والمعاداة بينهم من غير انه يجاوز فى ذلك حدود الشرع الشريف وفى الحديث "حديث : "ألا اخبركم بافضل درجة من الصلاة والصدقة" قالوا بلى يا رسول الله قال "اصلاح ذات البين" وفساد ذات البين هى الحالقة فلا اقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين " .تفسير : وعن ابى ايوب الانصارى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "حديث : "ألا ادلك على صدقة خير لك من حمر النعم" قال بلى يا رسول الله قال "صلح بين الناس اذا تفاسدوا وتقرب بينهم اذا تباعدوا " .تفسير : قالوا ولعل السر فى افراد هذه الاقسام الثلاثة بالذكر ان عمل الخير المتعدى الى الناس اما لايصال المنفعة او لدفع المضرة والمنفعة. اما جسمانية كاعطاء المال واليه الاشارة بقوله عز وجل {الا من امر بصدقة}. واما روحانية واليه الاشارة بقوله {او معروف}. واما دفع الضرر فقد اشير اليه بقوله {أو اصلاح بين الناس} {ومن يفعل ذلك} اشارة الى الامور المذكورة اعنى الصدقة والمعروف والاصلاح فانه يشار به الى متعدد وانما بنى الكلام على الامر حيث قال اولا الا من امر فهو كلام فى حق الآمر بالفعل ورتب الجزاء على الفعل حيث قال ومن يفعل فهو كلام فى حق الفاعل وكان المناسب للاول ان يبين حكم الآمر ويقول ومن يأمر بذلك ليدل على انه لما دخل الآمر فى زمرة الخيرين كان الفاعل ادخل فيهم وان العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الامر من حيث انه وصلة اليه. ففيه تحريض الآمر بالامور المذكورة على فعلها {ابتغاء مرضاة الله} اى طلب رضى الله تعالى علة للفعل والتقييد به لان الاعمال بالنيات وان من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به غير الحرمان: قال السعدى شعر : كرت بيخ اخلاص در بوم نيست ازين دركسى جون تو محروم نيست زعمرو اى بسر جشم اجرت مدار جو در خانه زيد باشى بكار تفسير : {فسوف نؤتيه اجرا عظيما} يقصر عنه الوصف ويستحقر دونه ما فات من اعراض الدنيا {ومن يشاقق الرسول} يخالفه من الشق فان كلا من المتخالفين فى شق غير شق الآخر {من بعد ما تبين له الهدى} ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته {ويتبع غير سبيل المؤمنين} اى غير ما هم مستمرون عليه من اعتقاد وعمل وهو الدين القيم {نوله ما تولى} اى نجعله واليا لما تولاه من الضلال ونخذله بان نخلى بينه وبين ما اختار {ونصله جهنم} اى ندخله فيها {وساءت مصيرا} اى جهنم ـ روى ـ ان طعمة عاند حكم الله وخالف رسول الله خوفا من فضاحة قطع اليد فهرب الى مكة واتبع دين اهلها ومات كافرا فعلى العاقل ان لا يخالف الجماعة وهم المؤمنون فان الشاة الخارجة عن القطيع يأكلها الذئب وسبيل المؤمنين هو السبيل الحق الموصل الى الجنة والقربة والوصلة واللقاء. والاشارة انه {لا خير فى كثير من نجواهم} اى الذين يتناجون من النفس والشيطان والهوى لانهم شرار ولا فيما يتناجون به لانهم يأمرون بالسوء والفحشاء والمنكر ثم استثنى وقال {الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس} اى الا فيمن امر بهذه الخيرات فان فيه الخير وهو الله تعالى فانه يأمر بالخيرات بالوحى عموما او يأمر بالخاطر الرحمانى والالهام الربانى خواص عباده فالخاطر يكون بواسطة الملك وبغير الواسطة كما قال عليه السلام "حديث : ان للملك لمة وان للشيطان لمة فلمة الملك ايعاد بالخير ولمة الشيطان ايعاد بالشر " .تفسير : والالهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة وهو على ضربين. ضرب منه ما لا شعور به للعبد انه من الله. وضرب منه ما يكون باشارة صريحة يعلم العبد انه آت من الله تعالى لتعليم نور الالهام وتعريفه لا يحتاج الى معرفة آخر انه من الله تعالى وهذا يكون للولى وغير الولى كما قال بعض المشايخ حدثنى قلبى عن ربى وقال عليه السلام "حديث : ان الحق لينطق على لسان عمر ". تفسير : وقال "حديث : كادت فراسته ان تسبق الوحى ". تفسير : ثم قال {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله} اى ومن يفعل بما الهمه الله طلبا لمرضاته {فسوف نؤتيه اجرا عظيما} ذكر بفاء التعقيب قوله فسوف يعنى عقيب الفعل نؤتيه اجرا وهو جذبة العناية التى تجذبه عنه وتوصله الى العظيم ثم قال {ومن يشاقق الرسول} اى يخالف الالهام الربانى الذى هو رسول الحق اليه {من بعد ما تبين له الهدى} بتعريف الالهام ونوره {ويتبع غير سبيل المؤمنين} الموقنين بالالهام بان يتبع الهوى وتسويل النفس وسبيل الشيطان {نوله ما تولى} اى نكله بالخذلان الى ما تولى {ونصله} بسلاسل معاملاته التى تولى بها الى {جهنم} سفليات الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية {وساءت مصيرا} اى ما صار اليه من عبادة الهوى واتباع النفس والشيطان واشراكهم بالله فى المطاوعة كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: إن كان المراد بالنجوى الكلام الخفي؛ فالاستثناء منقطع، وقد يكون متصلاً على حذف مضاف؛ أي: إلا نجوى مَن أمر... الخ، وإن كان المراد بالنجوى الجماعة المتناجين، بالاستثناء متصل. قاله ابن جزي. يقول الحقّ جلّ جلاله: محرّضًا على الصمت: {لا خير في كثير} مما يتناجون به في شأن السارق أو غيره، بل لا خير في الكلام بأسره {إلا من أمر بصدقة} واجبة أو تطوعية، فله مثل أجره، {أو معروف} وهو: ما يستحسنه الشرع، ويوافقه العقل، كالقرض، وإغاثة الملهوف، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وغير ذلك من أنواع المعروف. أو أمر بإصلاح {بين الناس}، أي: إصلاحات ذات البين، كإصلاح بين طعمة واليهودي وغيرهما. قال مجاهد: ( هي عامة للناس)، يريد أنه لا خير فيما يتناجى في الناس، ويخوضون فيه من الحديث، إلا ما كان من أعمال الخير. {ومن يفعل ذلك} أي: الصدقة، والمعروف والإصلاح، {ابتغاء مرضات الله} أي: مُخلصًا لله {فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} وخيرًا جسيمًا. قال البيضاوي: بَنَى الكلامَ على الأمر، ورتَّب الجزاء على الفعل، ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخَيّرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل، واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه. وقيد الفعل بأن يكون لطلب مرضاة الله؛ لأن الأعمال بالنيات، وإن من فعل خيرًا رياء وسمعة، لم يستحق بها من الله أجرًا، ووصف الأجر بالعظم تنبيهًا على حقارة ما فات في جنبه من أغراض الدنيا. هـ. الإشارة: في الآية حثٌّ على الصمت، وهو ركن قوي في طريق التصوف، وهو أحد الأركان الأربعة؛ التي هي: العزلة والجوع والسهر، فهذه طريق أهل البداية، ومن لا بداية له لا نهاية له، وقالوا: بقدر ما يصمت اللسان؛ يعمر الجنان، وبقدر ما كان يتكلم اللسان يخرب الجنان. وقالوا أيضًا: إذا كثر العلمُ قلَّ الكلام، وإذا قل العلم كثر الكلام، وقالوا أيضًا: من عرف الله كَلَّ لسانهُ. وقيل لبعض العلماء: هل العلم فيما سلف أكثر، أو اليوم أكثر؟ قال: العلم فيما سلف أكثر، والكلامُ اليومَ أكثر. وفي قوله: {ومن يفعل ذلك...} إشارة إلى أن العمل أشرف من العلم بلا عمل. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : (القراءة والحجة): قرأ {فسوف يؤتيه} - بالياء - ابو عمر، وحمزة، وقتيبة، وخلف. الباقون بالنون من قرأ بالياء حمله على قوله: {ومن يفعل}. ومن قرأ بالنون حمله على المعنى. أخبر الله تعالى: أنه لا خير في كثير من نجوى الناس جميعاً. والنجوى هو ما ينفرد به الاثنان أو الجماعة سراً كان أو جهراً. ويقال: نجوت الشيء: إذا خلصته والقيته. يقال: نجوت الجلد: إذا القيته عن البعير، وغيره قال الشاعر: شعر : فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه سيرضيكما منها سنام وغاربه تفسير : ونجوت فلاناً: اذا استنكهته قال الشاعر: شعر : نجوت مجالداً فوجدت منه كريح الكلب مات حديث عهد تفسير : ونجوت الوتر واستنجيته إذا خلصته كما قال الشاعر: شعر : فتبازت فتبازخت لها جلسة الاعسر يستنجي الوتر تفسير : وأصله كله من النجوة، وهو ما ارتفع من الارض، قال الشاعر يصف سيلا: شعر : فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن كمن يمشي بقرواح تفسير : ويقول: ما أنجا فلان شيئاً وما نجا شيئاً منذ أيام إذا لم يتغوّط. والتقدير في الآية {لا خير في كثير} مما يديرونه بينهم من الكلام {إلا} كلام {من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}. [الاعراب]: قال الزجاج يحتمل موضع من نصبا وأن يكون خفضاً، فالخفض على إلا في نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح. والنصب على أن يكون إستثناء منقطعاً بمعنى لكن كأنه قال: لكن من أمر بصدقة أو معروف ففي نجواه خير. وطعن بعضهم على الوجه الأول بأن قال لا يجوز أن يعطف بالاّ على الهاء والميم في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال الفراء: يحتمل الخفض على تقدير لا خير فى كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة فيكون النجوى على هذا هم الرجال المتناجون كما قال: {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} تفسير : وكما قال: {أية : وإذ هم نجوى } تفسير : والنصب على أن يجعل النجوى فعلا فيكون نصباً، لانه حينئذ يكون استثناء منقطعاً، لان (من) خلاف النجوى ومثله قول الشاعر: شعر : وقفت فيها اُصيلالاً أسائلها أعيت جواباً وما بالدار من أحد إلا الأواري لاياما اُبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : ويحتمل وجهاً ثالثاً أن يكون رفعاً كما قال الشاعر: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير والا العيس تفسير : واقوى الوجوه أن تجعل (من) في موضع خفض بالرد على النجوى، ويكون بمعنى المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى، ويكون التقدير لا خير في كثير من نجواهم يعني من المتناجين يا محمد إلاّ فيمن أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس، فان أولئك فيهم الخير. وقوله: {ومن يفعل ذلك} اشارة إلى ما تقدم من الامر بالصدقة والمعروف والاصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله يعني طلب مرضاة الله ونصب ابتغاء على أنه مفعول له وتقديره لابتغاء مرضاة الله، وهو في معنى المصدر، لأن التقدير ومن يتبع ذلك ابتغاء مرضاة الله، وقوله: {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} يعني ثواباً جزيلا في المستقبل.

الجنابذي

تفسير : {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} من تبعيضيّة او بيانيّة وما بعدها بيان لكثيرٍ، او من ابتدائيّة او تعليليّة والمعنى لا خير فى كثيرٍ من النّاس ناشئاً من نجواهم او ليس لهم خير لاجل نجواهم وحينئذٍ يكون من نجويهم قيداً للنّفى او للمنفىّ مرفوعاً بالنّفى، وقوله تعالى {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} استثناء من كثير بتقدير نجوى من امر بصدقة على الاوّل، وبدون التّقدير على الاخيرين، او الاستثناء منقطع على الوجه الاوّل {أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} وفسّر المعروف بالقرض فمن امر بالصّدقة فى نجواه من حيث انّه امر بالصّدقة كان النّجوى خيراً له وللمأمور وللمأمور سواء كان نجواه مع غيره والمأمور غيره، او كان نجواه مع نفسه بالخطرات والخيالات وكان المأمور نفسه وقد جاء عنهم قراءة قوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [المجادلة:10] (الى آخر الآية) عند المنامات المشوّشة اشارة الى انّها نجوى الشّيطان، وروى عن الصّادق (ع) انّ الله تعالى فرض التّجمّل فى القرآن فسئل وما التّجمّل؟ - قال: ان يكون وجهك اعرض من وجه أخيك لتمحل له وهو قوله تعالى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} (الآية) {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال كأنّه قال: ومن يفعل ذلك فلة اجر عظيم، ومن يشاقق الرّسول بنجواه فله عذاب عظيم ومن لم يأمر بالصّدقة ولم يشاقق الرّسول فلا اجر كاملاً له ولا عذاب فمن يفعل النّجوى {ٱبْتَغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} خالصاً عن شوب رياء وسمعة وعظمة ورفعة بالنّسبة الى المأمور او المأمور له او غيرهما {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} لصرف عرضه او لتحمّل تعب الاصلاح.

الأعقم

تفسير : {لا خير في كثير من نجواهم} مما يناجي به الناس {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله} شرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة الله والتقرب إليه وأن يبتغي به وجه الله خالصاً لأن الأعمال بالنيَّات {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} الآية نزلت في شأن طعيمة وسرقه للدرع، وروي أنه نقب بيتاً يسرقه فانهدم عليه الجدار فقتله، وقيل: أنه ركب سفينة فسرق كيساً فيه دراهم فأخذ وألقي في البحر، وقيل: نزلت في نفر من قريش أسلموا ثم ارتدّوا وعبدوا الأصنام {ويتَّبع غير سبيل المؤمنين} هو السبيل الذي عليه الدين القيم {نوله ما تولى} فجعله والياً لما تولى من الضلال بأن يخلي بينه وبين ما اختاره، وقيل: هو طعيمة لأنه ارتدّ {إن الله لا يغفر أن يشرك به} تكرير للتأكيد، وقيل: كرر لقصة طعيمة، وروي أنه مات مشركاً، وقيل: نزلت في شيخ أتى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول الله أنا شيخ منهمك بالذنوب إلا أني لم أشرك بالله منذ آمنت، ولم أتخذ من دونه وليَّاً، ولم أواقع المعاصي جراءة وإني لنادم تائب مستغفر لما جاءني عند الله فنزلت الآية {إن يدعون} يعني يعبدون {من دونه} الله {إلا إناثاً} هي اللات والعزى ومنات، وعن الحسن لم يكن حي من العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان، وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هي بنات الله {وإِن يدعون} وان يعبدون عبادة الأصنام {إلاَّ شيطاناً مريداً} لأنه هو الذي أغواهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة لعنه الله تعالى {وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً} مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي قال الحسن من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار {ولأُمنِّينَّهم} الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال ورحمة الله للمجرمين من غير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} هي البحيرة كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكر وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} قيل: هو الخصي وهو المباح في البهائم وأما في بنو آدم فمحظور عند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، وقيل: فطرة الله التي هو دين الإِسلام، وعن ابن مسعود هو الوشم، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لعن الله الواشرات والمنتمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله" تفسير : وقيل: دين الله وهو اللواط {ومن يتخذ الشيطان وليَّاً} أي ربَّاً {من دون الله} فيطيعه {فقد خسر خسراناً مبيناً} قيل: هلاكاً بيناً إذا حرم نفسه الثواب واستوجب العقاب الدائم {يعدهم} قيل: يعدهم أن يكون ناصراً لهم ممن أرادهم بسوء، وقيل: يعدهم الفقر إن أنفقوا أموالهم في أبواب البر، وقيل: يعدهم أن ينالوا الدنيا والآخرة بالمعاصي، وقيل: لا بعث ولا جزاء {ويمنيهم} الأباطيل والأكاذيب {وما يعدهم الشيطان إلا غررواً} يعني ما يعدهم إلا باطل، وقيل: وعدهم الظفر وكان للمسلمين عليهم الغلبة {أولئك مأواهم} يعني مصيرهم ومرجعهم {جهنم ولا يجدون عنها محيصاً} قيل: معدلاً، وقيل: مقراً وخلاصاً.

اطفيش

تفسير : {لا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ}: من نجوى الخائنين طعمة وقومه الذين يناجون فى تبرئته ورمى اليهودى، فهذه النجوى منهم من التناجى الكثير الصادر عنهم، الذى لا خير فيه. {إِلا مَنْ أَمَرَ}: أى لكن من أمر، بالاستثناء منقطع، والآمر غير طعمة وقومه، أى الا أمر من أمر، أو الا نجوى من أمر. {بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَينَ النَّاسِ}: فليس يخرج الاستثناء عن الانقطاع بتقدير المضاف، هكذا الا أمر من أمر بصدقة أو نجوى من أمر بصدقة، لأن المراد ليس من أمر من طعمة وقومه بصدقة، بل غيرهم نعم يكون الاستثناء متصلا عند من يرد الضمير فى نجواهم للناس مطلقا، فيقدر المضاف الذى قدرته، واذا لم نقدر المضاف كان منقطعا على كل حال سواء وردنا الضمير للناس أو لطعمة وقومه، ويلتحق بهم غيرهم، أى لكن من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس فى نجواه خير، والنجوى اسم مصدر تناجى القوم، واثنان أى أسر بعضهم الى بعض كلاما، ولا يختص بالكلام فى الأذن. وان جعلناه جمع نجى وهو وصف أو أسم مصدر بمعنى اسم الفاعل، كان الاستثناء متصلا، أى لا خير فى كثير من الذين يتناجون منهم الا من أمر بصدقة، والصدقة صدقة التطوع، والمعروف مطلق عمل البر كالقرض، واغاثة الملهوف أو الصدقة الواجبة، والمعروف صدقة التطوع، وقيل: المعروف القرض، قيل: اغاثة الملهوف، قال ابن ماجه والترمذى: قالت أم حبيبة: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له الا ما كان من أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله "تفسير : وسمع سفيان رجلا يقول ما أشد هذا الحديث، فقال: ألم تسمع الله يقول: {لا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُم} فهو هذا بعينه، أو ما سمعته يقول: {أية : والعصر0 ان الانسان لفى خسر }تفسير : فهو هذا بعينه، واصلاح بين الناس السعى فى ازالة ما بينهم من الحقد والفتنة. قال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة" قالوا: بلى يا رسول الله قال: "اصلاح ذات البين، وان فساد ذات البين هى الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" تفسير : وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل قباء اقتتلوا وتراموا بالحجارة فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم، قالت أم مكتوم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : ليس الكذاب الذى يصلح بين اثنين ـ أو قال بين الناس ـ فيقول خيرا ". تفسير : {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ}: لا رياء أو سمعة أو باهمال عن النية فسوف نؤتيه، وقرأ حمزة وأبو عمر: ويؤتيه، بالياء والنون. {أجْراً عَظِيماً}: لا يوصف وهو الجنة، وما له فيها، وان فعل رياء وسمعة فذلك كفر، وان فعل مهملا فلا ثواب ولا وزر، والاشارة الى المذكور من الأمر بالصدقة، والمعروف والاصلاح، أى من يفعل بعض ذلك، فحذف المضاف، وأريد حقيقة ذلك المجموع فيصدق الأمر بها وببعضها، أو الاشارة الى أحدها أيا كان، لأن العطف بأو كأنه قيل: ومن يفعل واحدا من الثلاثة الأوامر، ويجوز أن يكون المراد بفعل ذلك التصدق، وفعل المعروف، والاصلاح لا الأمر بهن، بل هذا الوجه أفضل، أو مع متعين، والكلام على الاشارة على حد ما مر فتكون الآية دالة على أن للأمر بالخير ثوابا، ولفاعله ثوابان كما جاء فى الحديث: "حديث : الدال على الخير كفاعله " تفسير : وهو تشبيه ولا تسوية، فان الظاهر أن الفاعل أعظم ثوابا، ولذلك قال فيه: {أجْراً عَظِيماً}. وقال فى الأمر له خيرا، ولا يخفى أن المقصود بالذات فعل ذلك، فهو أولى من الوسيلة اليه، وهو الأمر به، ولما افتضح طعمة بالسرقة خاف فهرب الى مكة مرتدا، فنزل فيه قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ}

اطفيش

تفسير : {لاّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} نجوى الناس عموما،وليس المراد قوم طعمة بن أبيرق كما قيل، والنجوى ما يتحدث به اثنان فصاعدا، منحازين به عن غيرهم، كذا ظهر لى، ثم رأيته للزجاج، وانحيازهم به مسارة عن غيرهم ولو جهروا به فيما بينهم، وشرط بعض الأسرار بينهم، أو النجوى المتناجون، والمفرد نجى كمريض ومرضى، أو التناجى {إلاّ مَنْ أَمَرَ} منهم غيره، أى إلا نجوى من أمر، أو إلا أمر من أمر، أو الاستثناء منقطع، وإن أريد بالنجوى المتناجون كان متصلا، فإنه يكفى فى صحة الاتصال صحة الدخول فيما قبل إلا، ولو لم يجزم به، نحو جاءنى كثير من الرجال إلا زيداً، وشرط بعضهم الجزم، فيكون المثال من المنقطع، وكذا الآية {بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} أى إلا متناجين، أمروا بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، أو إلا تناحى من أمر، والصدقة تشمل الواجبة وغيرها، والمعروف ما يستحسنه الشرع ولو أنكره العقل، لأنه لا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين، وذلك كالكلمة الطيبة لأهله، وتعليم العلم، والأمر والنهى، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، والقرض، قالت أم حبيبة رضى الله عنها: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو ذكر الله"تفسير : ، والمعروف يعم الصدقة، خصها بالذكر تعظيما لها، وخص الثلاثة لأن عمل الخير فى حق الغير، إما إيصال النفع بالمال وهو الصدقة، وإما بمنفعة روحانية وهى الأمر بالمعروف، وإما دفع الضر وهو الإصلاح بين الناس فى فساد فى واقع أو مشرف عليه، كذا قيل، وبقيت المنفعة بالبدن، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"تفسير : ، وعن أبى الدرداء - مرفوعا- "حديث : إصلاح ذات البين أفضل من الصوم والصدقة والصلاة" تفسير : ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى أيوب الأنصارى، فى رواية البيهقى عنه: "حديث : يا أبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها؟ قال: بلى. قال: أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا"تفسير : ، وفى رواية: حديث : ألا أدلك على صدقة، هى خير لك من حمر النعم؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدواتفسير : ، قالت أم كلثوم بنت عقبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بقول: "حديث : ليس الكذاب بالذى يصلح بين الناس، فينمى خيرا، أو يقول خيرا"تفسير : ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود، وليس فى الآية فعل الصدقة والمعروف والإصلاح، بل الأمر بهن، ففى الآية الآمر بالخير كفاعله، وفيها جواز أن تقول للإنسان تصدق بكذا من مالك للفقراء، أو على الناس، أو على فلان، أو فى وجه كذا من وجوه الأجر، وفى الفروع منع ذلك، ووجهه خوف أن يعطى بلا طيب نفس حياء، فنقول تحمل الآية على الأمر تعميما، أو حيث لا يعطى إلا بطيب نفس، وذلك أمر الإنسان غيره بالفعل، وذكر نفس الفعل المأمور به فى قوله {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أى من يتصدق أو يعمل معروفا أو يصلح بين الناس، ويجوز أن يراد يفعل ذلك الآمر به المذكور، أى ومن يأمر بذلك، فيفهم الفعل بالأولى، والأمر فعل، أو عبر بالفعل ليشمل الإشارة، والكتابة فى إيقاع ذلك، وفى الأمر به، ولأن المقصود الترغيب فى الفعل، وإما أن يراد بالفعل ما يعم الأمر بذلك وفعله، فجمع بين الحقيقة والمجاز، أو من عموم المجاز، والمراد بقوله، ذلك، بعض ذلك، أو المراد ما ذكر على ما فى الآية من أو {ابْتِغآءَ مَرْضَاتِ اللهِ} لا رياء أو سمعة، أو غرضا دنيويا، والأعمال بالنيات، والرئاء محبط للعمل ومهلك، وذكر الغزالى أنه إذا كان الإحلاص غالبا أثيب وإلا أحبط، وقيل يثاب على قدر الإحلاص ولو قل {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يستحقر عنده كل ما فعله من الخير.

الالوسي

تفسير : {لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ} أي الذين يختانون، واختار جمع أن الضمير للناس، وإليه يشير كلام مجاهد، و ـ النجوى ـ في الكلام كما قال الزجاج: ما يتفرد به الجماعة أو الاثنان، وهل يشترط فيه أن يكون سراً أم لا؟ قولان: وتكون بمعنى التناجي، وتطلق على القوم المتناجين ـ كـ {أية : إِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء: 47] وهو إما من باب رجل عدل، أو على أنه جمع نجي ـ كما نقله الكرماني ـ والظرف الأول خبر {لا} والثاني في موضع الصفة للنكرة أي: كائن من نجواهم. {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} أي إلا في نجوى من أمر {بِصَدَقَةٍ} فالكلام على حذف مضاف، وبه يتصل الاستثناء، وكذا إن أريد بالنجوى المتناجون على أحد الاعتبارين، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ، ويكفي في صحة الاتصال صحة الدخول وإن لم يجزم به فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن مثل جاءني كثير من الرجال إلا زيداً لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه، ولا حاجة إلى ما تكلف في دفعه ـ بأن المراد لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر الخ، فإنه في كثير من نجواه خير ـ فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع، وجوز رحمه الله تعالى، بل زعم أنه الأولى أن يجعل {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} متعلقاً بما أضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل، ولا يخفى أنه إن سلم أن له معنى خلاف الظاهر، وجوز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى لكن من أمر بصدقة وإن قلّت ففي نجواه الخير. {أَوْ مَعْرُوفٍ} وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه، فيشمل جميع أصناف البر كقرض وإغاثة ملهوف، وإرشاد ضال إلى غير ذلك، ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى: {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع، وتخصيص الصدقة فيما تقدم بالصدقة الواجبة مما لا داعي إليه وليس له سند يعول عليه، وخص الصدقة والإصلاح بين الناس/ بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح وما في الثاني: من إزالة فساد ذات البين ـ وهي الحالقة للدين ـ كما في الخبر، وقدم الصدقة على الإصلاح لما أن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل المحبوب، والنفس تنفر عمن يكلفها ذلك، ولا كذلك الأمر بالإصلاح، وذكر الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر «أن عمل الخير المتعدي إلى الناس، إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة، والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، وأما رفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى: {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}» ولا يخفى ما فيه، والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف، نعم أبيح الكذب لذلك، فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها»تفسير : . وعد غير واحد الإصلاح من الصدقة، وأيد بما أخرجه البيهقي عن أبي أيوب «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها؟ قال: بلى قال: تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا»تفسير : ، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الصدقة إصلاح ذات البين»تفسير : وهذا الخبر ظاهر في أن الإصلاح أفضل من الصدقة بالمال. ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين»تفسير : ولا يخفى أن هذا ونحوه مخرّج مخرج الترغيب، وليس المراد ظاهره إذ لا شك أن الصيام المفروض والصلاة المفروضة والصدقة كذلك أفضل من الإصلاح اللهم إلا أن يكون إصلاح يترتب على عدمه شر عظيم وفساد بين الناس كبير. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي المذكور من الصدقة وأخويها، والكلام تذييل للاستثناء، وكان الظاهر ومن يأمر بذلك ليكون مطابقاً للمذيل إلا أنه رتب الوعد على الفعل إثر بيان خيرية الآمر لما أن المقصود الترغيب في الفعل وبيان خيرية الآمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى، وجوز أن يكون عبر عن الأمر بالفعل إذ هو يكنى به عن جميع الأشياء كما إذا قيل: حلفت على زيد وأكرمته وكذا وكذا فتقول: نعم ما فعلت، ولعل نكتة العدول عن يأمر إلى {يَفْعَلُ} حينئذ الإشارة إلى أن التسبب لفعل الغير الصدقة والإصلاح والمعروف بأي وجه كان كاف في ترتب الثواب، ولا يتوقف ذلك على اللفظ، ويجوز جعل ذلك إشارة إلى الأمر فيكون معنى من أمر {وَمَن يَفْعَلْ} الأمر واحداً، وقيل: لا حاجة إلى جعله تذييلاً ليحتاج إلى التأويل تحصيلاً للمطابقة، بل لما ذكر الآمر استطراد ذكر ممتثل أمره كأنه قيل: ومن يمتثل. {ٱبْتَغَآءَ مَرْضَـاتِ ٱللَّهِ} أي لأجل طلب رضاء الله تعالى {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} بنون العظمة على الالتفات، وقرأ أبو عمرو وحمزة وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء {أَجْراً عَظِيماً} لا يحيط به نطاق الوصف، قيل: وإنما قيد الفعل بالابتغاء المذكور لأن الأعمال بالنيات، وإن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان، ولا يخفى أن هذا ظاهر في أن الرياء محبط لثواب / الأعمال بالكلية وهو ما صرح به ابن عبد السلام والنووي، وقال الغزالي: إذا غلب الإخلاص فهو مثاب وإلا فلا، وقيل: هو مثاب غلب الإخلاص أم لا لكن على قدر الإخلاص، وفي دلالة الآية ـ على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان ـ نظر لأنه سبحانه أثبت فيها للمخلص أجراً عظيماً وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه، وكون العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر.

سيد قطب

تفسير : يتصل هذا الدرس بالدرس السابق، بأكثر من صلة. فهو أولاً نزلت بعض آياته تعليقاً وتعقيباً على الأحداث التي تلت حادث اليهودي. من ارتداد "بشير بن أبيرق" ومشاقته للرسول - صلى الله عليه وسلم - وعودته إلى الجاهلية؛ التي تحدث هذا الدرس عنها، وعن تصوراتها وحماقاتها وعلاقاتها بالشيطان، ودور الشيطان فيها! ويقرر أن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء. وهو ثانياً يتحدث عن النجوى والتآمر؛ وأنه لا خير في كثير مما يتناجون به، من أمثال ما بيتوا في ذلك الحادث وتناجوا. ويحدد أنواع النجوى التي يحبها الله؛ وهي التناجي في فعل الخير والمعروف والإصلاح بين الناس. ويقرر جزاء هذه النجوى وتلك عند الله.. وأخيراً يقرر القواعد العادلة التي يجازي بها الله على الأعمال؛ وأنها ليست تابعة لرغبات أحد من الناس وتمنياتهم. لا أماني المسلمين ولا أماني أهل الكتاب. إنما هي ترجع إلى عدل الله المطلق؛ وإلى الحق الذي لو اتبع أهواءهم لفسدت السماوات والأرض.. فالدرس كله، موضوعاً واتجاهاً، موصول الأسباب بالدرس السابق من هذه الناحية.. ثم هو حلقة من حلقات المنهج التربوي الحكيم، في إعداد هذه الجماعة لتكون الأمة التي تقود البشرية؛ بتفوقها التربوي والتنظيمي؛ وليعالج فيها مواضع الضعف البشري ورواسب المجتمع الجاهلي؛ وليخوض بها المعركة في ميادينها كلها.. وهو الهدف الذي تتوخاه السورة بشتى موضوعاتها، ويتولاه المنهج القرآني كله.. {لا خير في كثير من نجواهم. إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. لقد تكرر في القرآن النهي عن النجوى؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيداً عن الجماعة المسلمة، وعن القيادة المسلمة، لتبيت أمراً.. وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه، فيعرضه على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسارة إن كان أمراً شخصياً لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس. أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص. والحكمة في هذه الخطة، هو ألا تتكون "جيوب" في الجماعة المسلمة؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها، أو بأفكارها واتجاهاتها. وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمراً بليل، وتواجه به الجماعة أمراً مقرراً من قبل؛ أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول. وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها.. ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة المسلمة، تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة ولشؤون الحياة. وكان المجتمع المسلم كله مجتمعاً مفتوحاً؛ تعرض مشكلاته - التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيرها؛ والتي ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن - عرضاً عاماً. وكان هذا المجتمع المفتوح من ثم مجتمعاً نظيفاً طلق الهواء. لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره، إلا الذين يتآمرون عليه! أو على مبدأ من مبادئه - من المنافقين غالباً - وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع. وهذه حقيقة تنفعنا. فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئاً من هذه الظاهرة، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات! والنص القرآني هنا يستثني نوعاً من النجوى.. هو في الحقيقة ليس منها، وإن كان له شكلها: {إلا من أمر بصدقة أو معروف، أو إصلاح بين الناس}.. وذلك أن يجتمع الرجل الخير بالرجل الخير، فيقول له: هلم نتصدق على فلان فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين. أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه. أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعاً.. وقد تتكون العصبة من الخيرين لأداء أمر من هذه الأمور، وتتفق فيما بينها سراً على النهوض بهذا الأمر. فهذا ليس نجوى ولا تآمراً. ومن ثم سماه "أمراً" وإن كان له شكل النجوى، في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه أو خطر له.. على شرط أن يكون الباعث هو ابتغاء مرضاة الله: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}.. فلا يكون لهوى في الصدقة على فلان، أو الإصلاح بين فلان وعلان. ولا يكون ليشتهر الرجل بأنه - والله رجل طيب -! يحض على الصدقة والمعروف، ويسعى في الإصلاح بين الناس! ولا تكون هناك شائبة تعكر صفاء الاتجاه إلى الله، بهذا الخير. فهذا هو مفرق الطريق بين العمل يعمله المرء فيرضى الله عنه ويثيبه به. والعمل نفسه يعمله المرء فيغضب الله عليه، ويكتبه له في سجل السيئات! {ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً. إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً}. وقد ذكر في سبب نزول هذه المجموعة من الآيات. أن بشير بن أبيرق قد ارتد والتحق بالمشركين.. {من بعد ما تبين له الهدى}.. فقد كان في صفوف المسلمين، ثم اتبع غير سبيل المؤمنين.. ولكن النص عام، ينطبق على كل حالة، ويواجه كل حالة من مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومشاقته كفر وشرك وردة، ينطبق عليه ما ينطبق على ذلك الحادث القديم. والمشاقة - لغة - أن يأخذ المرء شقاً مقابلاً للشق الذي يأخذه الآخر. والذي يشاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يأخذ له شقاً وجانباً وصفاً غير الصف والجانب والشق الذي يأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أن يتخذ له منهجاً للحياة كلها غير منهجه، وأن يختار له طريقاً غير طريقه. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء يحمل من عند الله منهجاً كاملاً للحياة يشتمل على العقيدة والشعائر التعبدية، كما يشتمل على الشريعة والنظام الواقعي لجوانب الحياة البشرية كلها.. وهذه وتلك كلتاهما جسم هذا المنهج، بحيث تزهق روح هذا المنهج إذا شطر جسمه فأخذ منه شق وطرح شق! والذي يشاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو كل من ينكر منهجه جملة، أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فيأخذ بشق منه ويطرح شقاً! وقد اقتضت رحمة الله بالناس، ألا يحق عليهم القول، ولا يصلوا جهنم وساءت مصيراً، إلا بعد أن يرسل إليهم رسولاً. وبعد أن يبين لهم. وبعد أن يتبينوا الهدى. ثم يختاروا الضلالة. وهي رحمة الله الواسعة الحانية على هذا المخلوق الضعيف. فإذا تبين له الهدى. أي إذا علم أن هذا المنهج من عند الله. ثم شاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه، ولم يتبعه ويطعه، ولم يرض بمنهج الله الذي تبين له، فعندئذ يكتب الله عليه الضلال، ويوليه الوجهة التي تولاها، ويلحقه بالكفار والمشركين الذين توجه إليهم. ويحق عليه العذاب المذكور في الآية بنصه: {ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى، ونصله جهنم. وساءت مصيراً!}.. ويعلل النص هذا المصير البائس السيئ، بأن مغفرة الله - سبحانه - تتناول كل شيء.. إلا أن يشرك به.. فهذه لا مغفرة لمن مات عليها: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً}.. والشرك بالله - كما أسلفنا في هذا الجزء عند تفسير مثل هذه الآية من قبل - يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذاً صريحاً على طريقة الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة - كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص الألوهية؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص. كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم{أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}تفسير : ولم يكونوا عبدوهم مع الله. ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله. فحرموا عليهم وأحلوا لهم. فاتبعوهم في هذا. ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية! فحق عليهم وصف الشرك. وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد {أية : وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً}. تفسير : فيقيموا له وحده الشعائر، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر. ولا غفران لذنب الشرك - متى مات صاحبه عليه - بينما باب المغفرة مفتوح لكل ذنب سواه.. عندما يشاء الله.. والسبب في تعظيم جريمة الشرك، وخروجها من دائرة المغفرة، أن من يشرك بالله يخرج عن حدود الخير والصلاح تماماً؛ وتفسد كل فطرته بحيث لا تصلح أبداً: {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً}.. ولو بقي خيط واحد صالح من خيوط الفطرة لشده إلى الشعور بوحدانية ربه؛ ولو قبل الموت بساعة.. فأما وقد غرغر - وهو على الشرك - فقد انتهى أمره وحق عليه القول: {ونصله جهنم وساءت مصيراً!}. ثم يصف بعض أوهام الجاهلية العربية في شركها. وأساطيرها حول اتخاذ الله بنات - هن الملائكة - وحول عبادتهم للشيطان - وقد عبدوه كما عبدوا الملائكة وتماثيلها الأصنام - كما يصف بعض شعائرهم في تقطيع أو تشقيق آذان الأنعام المنذورة للآلهة! وفي تغييرهم خلق الله. والشرك بالله. وهو مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً، وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً، لعنه الله وقال: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً، ولأضلنهم، ولأمنينهم، ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام؛ ولآمرنهم فلغيرن خلق الله.. ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً. يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}. لقد كان العرب - في جاهليتهم - يزعمون أن الملائكة بنات الله. ثم يتخذون لهذه الملائكة تماثيل يسمونها أسماء الإناث: "اللات. والعزى. ومناة" وأمثالها ثم يعبدون هذه الأصنام - بوصفها تماثيل لبنات الله - يتقربون بها إلى الله زلفى.. كان هذا على الأقل في مبدأ الأمر.. ثم ينسون أصل الأسطورة، ويعبدون الأصنام ذاتها، بل يعبدون جنس الحجر، كما بينا ذلك في الجزء الرابع. كذلك كان بعضهم يعبد الشيطان نصاً.. قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن.. على أن النص هنا أوسع مدلولاً، فهم في شركهم كله إنما يدعون الشيطان، ويستمدون منه: هذا الشيطان صاحب القصة مع أبيهم آدم؛ الذي لعنه الله, بسبب معصيته وعدائه للبشر. والذي بلغ من حقده بعد طرده ولعنته، أن يأخذ من الله - سبحانه - إذناً بأن يغوي من البشر كل من لا يلجأ إلى حمى الله: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً. وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً. لعنه الله. وقال: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً. ولأضلنهم، ولأمنينهم؛ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}. إنهم يدعون الشيطان - عدوهم القديم - ويستوحونه ويستمدون منه هذا الضلال. ذلك الشيطان الذي لعنه الله. والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة، وشعائر سخيفة، من نسج الأساطير. كتمزيق آذان بعض الأنعام؛ ليصبح ركوبها بعد ذلك حراماً، أو أكلها حراماً - دون أن يحرمها الله - ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان، كخصاء الرقيق، ووشم الجلود.. وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام. وشعور الإنسان بأن الشيطان - عدوه القديم - هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية، يثير في نفسه - على الأقل - الحذر من الفخ الذي نصبه العدو. وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان. ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض؛ والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه: وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها. لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده. والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ينسحب منها. وهو يعلم أنه إما أن يكون ولياً لله، وإما أن يكون ولياً للشيطان؛ وليس هنالك وسط.. والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات؛ ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة. والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه.. معركة واحدة متصلة طوال الحياة. ومن يجعل الله مولاه فهو ناج غانم. ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً}.. ويصور السياق القرآني فعل الشيطان مع أوليائه، في مثل حالة الاستهواء. {يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}. إنها حالة استهواء معينة هي التي تنحرف بالفطرة البشرية عن الإيمان والتوحيد، إلى الكفر والشرك. ولولا هذا الاستهواء لمضت الفطرة في طريقها، ولكان الإيمان هو هادي الفطرة وحاديها. وإنها حالة استهواء معينة هي التي يزين فيها الشيطان للإنسان سوء عمله، فيراه حسناً! ويعده الكسب والسعادة في طريق المعصية، فيعدو معه في الطريق! ويمنيه النجاة من عاقبة ما يعمل فيطمئن ويمضي في طريقه إلى المهلكة! {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}.. وحين يرتسم المشهد على هذا النحو، والعدو القديم يفتل الحبال. ويضع الفخ، ويستدرج الفريسة، لا تبقى إلا الجبلات الموكوسة المطموسة هي التي تظل سادرة لا تستيقظ، ولا تتلفت ولا تحاول أن تعرف إلى أي طريق تساق، وإلى أية هوة تُستهوى! وبينما هذه اللمسة الموقظة تفعل فعلها في النفوس، وتصور حقيقة المعركة، وحقيقة الموقف، يجيء التعقيب ببيان العاقبة في نهاية المطاف: عاقبة من يستهويهم الشيطان، ويصدق عليهم ظنه. وينفذ فيهم ما صرح به من نيته الشريرة.. وعاقبة من يفتلون من حبالته، لأنهم آمنوا بالله حقاً. والمؤمنون بالله حقاً في نجوة من هذا الشيطان لأنه - لعنة الله عليه - وهو يستأذن في إغواء الضالين، لم يؤذن له في المساس بعباد الله المخلصين. فهو إزاءهم ضعيف ضعيف؛ كلما اشتدت قبضتهم على حبل الله المتين: {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً. يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً. أولئك مأواهم جهنم، ولا يجدون عنها محيصاً. والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً، وعد الله حقاً، ومن أصدق من الله قيلاً؟}.. فهي جهنم ولا محيص عنها لأولياء الشيطان.. وهي جنات الخلد لا خروج منها لأولياء الله.. وعد الله:{ومن أصدق من الله قيلا}؟ والصدق المطلق في قول الله هنا؛ يقابل الغرور الخادع، والأماني الكاذبة في قول الشيطان هناك! وشتان بين من يثق بوعد الله، ومن يثق بتغرير الشيطان! ثم يعقب السياق بقاعدة الإسلام الكبرى في العمل والجزاء.. إن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً إلى الأماني. إنه يرجع إلى أصل ثابت، وسنة لا تتخلف، وقانون لا يحابي. قانون تستوي أمامه الأمم - فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر - وليس أحد تخرق له القاعدة، وتخالف من أجله السنة، ويعطل لحسابه القانون.. إن صاحب السوء مجزى بالسوء؛ وصاحب الحسنة مجزى بالحسنة. ولا محاباة في هذا ولا مماراة: { ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب. من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً.. ومن يعمل من الصالحات - من ذكر أو أنثى وهو مؤمن - فأولئك يدخلون الجنة، ولا يظلمون نقيراً ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله - وهو محسن - واتبع ملة إبراهيم حنيفاً، واتخذ الله إبراهيم خليلاً}. ولقد كان اليهود والنصارى يقولون: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : وكانوا يقولون: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}تفسير : وكان اليهود ولا يزالون يقولون: إنهم شعب الله المختار! ولعل بعض المسلمين كانت تراود نفوسهم كذلك فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس. وأن الله متجاوز عما يقع منهم.. بما أنهم المسلمون.. فجاء هذا النص يرد هؤلاء وهؤلاء إلى العمل، والعمل وحده. ويرد الناس كلهم إلى ميزان واحد. هو إسلام الوجه لله - مع الإحسان - واتباع ملة إبراهيم وهي الإسلام. إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً.. فأحسن الدين هو هذا الإسلام - ملة إبراهيم - وأحسن العمل هو "الإحسان".. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وقد كتب الإحسان في كل شيء حتى في إراحة الذبيحة عند ذبحها، وحد الشفرة؛ حتى لا تعذب وهي تذبح! وفي النص تلك التسوية بين شقي النفس الواحدة؛ في موقفهما من العمل والجزاء؛ كما أن فيه شرط الإيمان لقبول العمل، وهو الإيمان بالله: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى - وهو مؤمن - فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً}.. وهو نص صريح على وحدة القاعدة في معاملة شقي النفس الواحدة - من ذكر أو أنثى. كما هو نص صريح في اشتراط الإيمان لقبول العمل. وأنه لا قيمة عند الله لعمل لا يصدر عن الإيمان. ولا يصاحبه الإيمان. وذلك طبيعي ومنطقي. لأن الإيمان بالله هو الذي يجعل العمل الصالح يصدر عن تصور معين وقصد معلوم؛ كما يجعله حركة طبيعية مطردة، لا استجابة لهوى شخصي، ولا فلتة عابرة لا تقوم على قاعدة.. وهذه الألفاظ الصريحة تخالف ما ذهب إليه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير جزء "عم" عند قوله تعالى: {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره}تفسير : إذ رأى النص لعمومه هذا يشمل المسلم وغير المسلم. بينما النصوص الصريحة الأخرى تنفي هذا تماماً. وكذلك ما رآه الأستاذ الشيخ المراغي - رحمه الله. وقد أشرنا إلى هذه القصة في جزء عم (الجزء الثلاثين من الظلال). ولقد شق على المسلمين قول الله لهم: {ومن يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية؛ ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءاً. مهما صلحت، ومهما عملت من حسنات. كانوا يعرفون النفس البشرية - كما هي في حقيقتها - وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم.. لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها؛ ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها؛ ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف أحياناً، ولم ينكروا أو يغطوا هذا الضعف الذي يجدونه. ومن ثم ارتجفت نفوسهم، وهم يواجهون بأن كل سوء يعملونه يجزون به. ارتجفت نفوسهم كالذي يواجه العاقبة فعلاً ويلامسها، وهذه كانت ميزتهم. أن يحسوا الآخرة على هذا النحو، ويعيشوا فيها فعلاً بمشاعرهم كأنهم فيها. لا كأنها آتية لا ريب فيها فحسب! ومن ثم كانت رجفتهم المزلزلة لهذا الوعيد الأكيد! قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن نمير، حدثنا إسماعيل، "حديث : عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: "أخبرت أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: "يا رسول، الله كيف الفلاح بعد هذه الآية؟ {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به}.. فكل سوء عملناه جزينا به.. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "غفر الله لك يا أبا بكر. ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟" قال بلى! قال: فهو مما تجزون به"تفسير : .. ورواه الحاكم عن طريق سفيان الثوري عن إسماعيل. وروى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - إلى"حديث : ابن عمر، يحدث عن أبي بكر الصديق. قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية: {من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية نزلت علي؟" قال: قلت يا رسول الله فأقرأنيها.. فلا أعلم أني قد وجدت انفصاماً في ظهري، حتى تمطيت لها! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مالك يأ أبا بكر" فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب. وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة"تفسير : . (وكذا رواه الترمذي). وروى ابن أبى حاتم - بإسناده - "حديث : عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن. فقال: "ما هي يا عائشة؟" قلت: {من يعمل سوءاً يجز به} فقال. ما يصيب العبد المؤمن، حتى النكبة ينكبها"تفسير : . (ورواه ابن جرير). وروى مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - بإسناده - "حديث : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: {من يعمل سوءاً يجز به} شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة. حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها ".. تفسير : على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء. ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى. ولقد هزت هذه الآية كيانهم، ورجفت لها نفوسهم، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جداً. ويعرفون صدق وعد الله حقاً. ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا. وفي الختام يجيء التعقيب على قضية العمل والجزاء، وقضية الشرك قبلها والإيمان، برد كل ما في السماوات والأرض لله، وإحاطة الله بكل شيء في الحياة وما بعد الحياة: {ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله بكل شيء محيطاً}. وإفراد الله سبحانه بالألوهية يصاحبه في القرآن كثيراً إفراده سبحانه بالملك والهيمنة - والسلطان والقهر، فالتوحيد الإسلامي ليس مجرد توحيد ذات الله. وإنما هو توحيد إيجابي. توحيد الفاعلية والتأثير في الكون، وتوحيد السلطان والهيمنة أيضاً. ومتى شعرت النفس أن لله ما في السموات وما في الأرض. وأنه بكل شيء محيط، لا يند شيء عن علمه ولا عن سلطانه.. كان هذا باعثها القوي إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والعبادة؛ وإلى محاولة إرضائه باتباع منهجه وطاعة أمره.. وكل شيء ملكه. وكل شيء في قبضته. وهو بكل شيء محيط. وبعض الفلسفات تقرر وحدانية الله. ولكن بعضها ينفي عنه الإرداة. وبعضها ينفي عنه العلم. وبعضها ينفي عنه السلطان. وبعضها ينفي عنه الملك.. إلى آخر هذا الركام الذي يسمى" فلسفات!".. ومن ثم يصبح هذا التصور سلبياً لا فاعلية له في حياة الناس، ولا أثر له في سلوكهم وأخلاقهم؛ ولا قيمة له في مشاعرهم وواقعهم.. كلام! مجرد كلام! إن الله في الإسلام، له ما في السموات وما في الأرض. فهو مالك كل شيء.. وهو بكل شيء محيط. فهو مهيمن على كل شيء.. وفي ظل هذا التصور يصلح الضمير. ويصلح السلوك. وتصلح الحياة..

ابن عاشور

تفسير : لم تَخْلُ الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة، ولا الأحوال التي حذّرت منها، من تناج وتحاوُر، سِرّا وجهراً، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها، لذلك كان المقام حقيقاً بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه، لأنّ في ذلك تعليماً وتربية وتشريعاً، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس في مجتمعاتهم، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين، وكان التناجي فاشياً لمقاصد مختلفة، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكّا، أي خوفاً، إذ كان المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهلِ الكتاب، فلذلك تكرّر النهي عن النجوى في القرآن نحو {أية : ألَمْ تَرَ إلى الذين نُهوا عن النجوى}تفسير : [المجادلة: 8] الآيات، وقوله: {أية : إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى}تفسير : [الإسراء: 47] وقوله: {أية : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم}تفسير : [البقرة: 14]، فلذلك ذمّ الله النجوى هنا أيضاً، فقال: {لا خير في كثير من نجواهم}. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لإفادة حكم النجوى، والمناسبةُ قد تبيّنت. والنجوى مصدر، هي المسَارّة في الحديث، وهي مشتقّة من النجو، وهو المكان المستتر الذي المفضِي إليه ينجو من طالبه، ويطلق النجوى على المناجين، وفي القرآن {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى}، وهو ــــ وصف بالمصدر ــــ والآية تحتمل المعنيين. والضمير الذي أضيف إليه {نجوى} ضمير جماعة الناس كلّهم، نظير قوله تعالى: {ألا إنّهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} إلى قوله: {أية : وما يُعلنون}تفسير : في سورة هود (5)، وليس عائداً إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله في قوله: {أية : يستخفون من الناس}تفسير : [النساء: 108] إلى هنا؛ لأنّ المقام مانع من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلاّ فيما يختصّ بقضيتهم، فلا عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله: {إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}. وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة، فإنّ شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة، لأنّ الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلّم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره، فلا يصير إلى المناجاة إلاّ في أحوال شاذّة يناسبها إخفاء الحديث. فمَن يناجي في غير تلك الأحوال رُمي بأنّ شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبد القدوس:شعر : الستر دون الفاحشات ولا يَغشاك دون الخير مِنْ ستْرِ تفسير : وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرّة، لأنّ التناجي كان من شأن المنافقين فقال: {أية : ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه}تفسير : [المجادلة: 8] وقال: {أية : إنّما النجوى من الشيطان ليُحزن الذين آمنوا}تفسير : [المجادلة: 10]. وقد ظهر من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أنّ النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين، فعلمنا من ذلك أنّها لا تغلب إلاّ على أهل الريَب والشبهات، بحيث لا تصير دأباً إلاّ لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى. ومعنى {لا خير} أنّه شرّ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: {أية : فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال}تفسير : [يونس: 32]، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ. وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو مُتناجيِهم، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع. والاستثناء في قوله: {إلاّ من أمر بصدقة} على تقدير مضاف، أي: إلاّ نجوى من أمر، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين، وهو مستثنى من {كثير}، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما الخير، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم. أمّا القسم الذي أخرجَته الصفة، فهو مجمل يصدق في الخارج على كلّ نجوى تصدر منهم فيها نفع، وليس فيها ضرر، كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة، أو نكاح أو نحو ذلك. وأمّا القسم الذي أخرجه الاستثناء فهو مبيّن في ثلاثة أمور: الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس. وهذه الثلاثة لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخير، فلمّا ذكرت بطريق الاستثناء علمنا أنّ نظم الكلام جرى على أسلوب بديع فأخرج ما فيه الخير من نجواهم ابتداء بمفهوم الصفة، ثم أريد الاهتمام ببعض هذا القليل من نجواهم، فأخرج من كثير نجواهم بطريق الاستثناء، فبَقي ما عدا ذلك من نجواهم، وهو الكثير، موصوفاً بأن لا خير فيه وبذلك يتّضح أنّ الاستثناء متّصل، وأنْ لا داعي إلى جعله منقطعاً. والمقصد من ذلك كلّه الاهتمام والتنويه بشأن هذه الثلاثة، ولو تناجى فيها مَن غالب أمره قصد الشرّ. وقوله: {ومن يفعل ذلك} إلخ وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله. فدلّ على أنّ كونها خيراً وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، ولأنّها مأمور بها في الشرع، إلاّ أنّ الثواب لا يحصل إلاّ عن فعلها ابتغاء مرضاة الله كما في حديث: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : . وقرأ الجمهور: (نُؤتيه) ــــ بنون العظمة ــــ على الالتفات من الغيبة في قوله: {مرضاة الله}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه. ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المجادلة: 9-10] وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [النساء: 114] لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا. ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} تفسير : [الحجرات: 10]. وقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَ} تفسير : [الحجرات: 9] فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} تفسير : [الأنفال: 1]. وقال بعض العلماء: إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} يبينه. قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3] وقوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابا} تفسير : [النبأ: 38] والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة، والأمر بالمعروف المذكور إنما هو في الدنيا والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 114- إن الذين يخفون أحاديث يحدثون بها أنفسهم أو يتحدثون بها فيما بينهم، لا خير فى هذه الأحاديث فى الكثير، لأن الشر يفرخ فى الخفاء، لكن إذا كان التحدث للأمر بصدقة يعطونها، أو للعزم على القيام بعمل غير مستنكر، أو تدبير إصلاح بين الناس، فإن ذلك خير، ومن يفعله طلباً لرضا اللَّه - سبحانه - فإن اللَّه - تعالى - يعطيه جزاءً كبيراً على عمله فى الدنيا والآخرة. 115- وإن الذى يكون فى شقاق مع الرسول من بعد أن يتبين طريق الحق والهداية، ويتبع طريقاً غير طريق المؤمنين، ويدخل فى ولاية أعداء أهل الإيمان، فإنه يكون منهم إذ اختارهم أولياءه، وسيدخله الله - تعالى - النار يوم القيامة. 116- وإن هذا المصير المؤلم لمن هم كذلك، لأنهم أعداء الإسلام، ومثله مثل من أشرك بالله، وإن كل ذنب قابل للغفران إلا الشرك بالله، وعبادة غيره، ومعاندة رسوله فى الحق، فإن الله من شأنه المغفرة إلا أن يشرك به فى عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وإن من يشرك بالله فى عبادته وولائه فقد تاه عن الحق وبَعُدَ عنه كثيراً، لأنه أفسد عقله ونفسه. 117- وإن من أظهر مظاهر الضلال الذى بَعُد به عن الحق الشرك بالله، إنه يعبد ما لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، ويُسَمَّى آلهته الباطلة بأسماء الإناث، كاللات والعزى ومناة، وغيرها من الأسماء المؤنثة، وإنه يتبع بهذه العبادة الشيطان. 118- وإن هذا الشيطان طرده الله - تعالى - من ظل رحمته، وجعله فى طريق غوايته، وقد أقسم وأخذ على نفسه عهداً أن يتخذ من عباد الله - تعالى - عدداً معلوماً مقدراً يستهويهم بغوايته ويوسوس لهم بشرِّه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نجواهم: النجوى: المسارة بالكلام، ونجواهم: أحاديثهم التي يسرها بعضهم إلى بعض. أو بمعروف: المعروف: ما عرفه الشرع فأباحه، أو استحبه أو أوجبه. ابتغاء مرضاة الله: أي طلباً لمرضاة الله أي للحصول على رضا الله عز وجل. نؤتيه: نعطيه والأجر العظيم: الجنة وما فيها من نعيم مقيم. يشاقق الرسول: يحاده ويقاطعه ويعاديه. كمن يقف في شق، والآخر في شق. ويتبع غير سبيل المؤمنين: أي يخرج عن إجماع المسلمين. نوله ما تولى: نخذله فنتركه وما تولاه من الباطل والشر والضلال حتى يهلك فيه. ونصله نار جهنم: أي ندخله النار ونحرقه فيها. معنى الآيتين: ما زال السياق في بني أبيرق ففي الآية الأولى [114] يخبر تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين ولا في نجواهم لنفاقهم وسوء طواياهم اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإِحسان أو إصلاح بين الناس للإِبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين. ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس طلباً لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب ألا وهو الجنة دار السلام إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الثانية [115] فإن الله تعالى يتوعد أمثال طعمة بن أبيرق فيقول جل ذكره. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} أي يخالفه ويعاديه {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} أي من بعد ما عرف أنه رسول الله حقاً جاء بالهدى ودين الحق، ثم هو مع معاداته للرسول يخرج من جماعة المسلمين ويتبع غير سبيلهم هذا الشقي الخاسر {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} أي نتركه لكفره وضلاله خذلاناً له في الدنيا ثم نصله نار جهنم يحترق فيها، وبئس المصير جهنم يصير إليها المرء ويخلد فيها. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- حرمة تناجي إثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة. 2- الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجتماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين. 3- حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإِسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.

القطان

تفسير : النجوى: الحديث بالسر. المعروف: عمل الخير. ابتغاء مرضاة الله, طلباً لرضاه. يشاقق الرسول: يعاديه. نولَّه ما تولى: نجعله واليا لما اختار من الضلال. لا خير في كثيرٍ من تَناجي اولئك الذين يُسّرون الحديثَ من جماعة طُعْمة، فقد أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي بالسرقة. كذلك لا خير في كل من كان على شاكلتهم، من الذين يتناجون بالإثم والعدوان ويدبّرون المكائد للمسلمين. وانما الخير في التناجي بالبِرّ والتقوى، كأمرٍ بصدقة او عمل معروف، او قيام بإصلاح ذات البين. ومثلُ هذا ان يجتمع الرجل بأخيه المسلم فيقول: ان فلاناً بحاجةٍ فهيّا لنساعده، او قم معي الى دار فلان فقد بلغني أن بينه وبين جاره نزاعاً، وغير ذلك من اعمال الخير. فهذه من الأمور الحسنة المطلوبة شرعا. وقد ورد في الحديث عن النبي عليه السلام: "حديث : أفضَلُ الصدقة إصلاحُ ذات البَين"تفسير : . ومن يفعل هذا الخير لوجه الله وطلبِ مرضاته فان الله سيؤتيه الثواب العظيم في الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ حمزة وابو عمرو "فسوف يؤتيه" بالياء. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} ومن يجعل من الرسول شقاقاً، بارتداده عن الإسلام، واظهار عداوته له ـ ومن بعد ما ظهرت له الهداية، نتركُه وما اختار لنفسه، ونَكِلُه الى ما توكل عليه، ثم نُدخله النار يوم القيامة، وساءت مصيراً. ذُكر في سبب نزول هذه الآيات ان بشير أبيرق ارتد عن الاسلام والتحق بالمشركين {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ}. وبعضهم يقول إنه كان منافقا. وبعض الروايات تقول ان طعمة هرب والتحق بالمشركين.. والعبرة هنا بعموم النَص، فالحكم ينطبق على كل من يكيدون للاسلام، او يرتدون عنه، او يشاقّون الرسول عليه الصلاة والسلام.

د. أسعد حومد

تفسير : {نَّجْوَاهُمْ} {إِصْلاَحٍ} {مَرْضَاتِ} (114) - لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتَنَاجَى بِهِ هَؤُلاءِ الذِينَ يُسِرُّونَ الحَدِيثَ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أبَيْرق، الذِينَ أرَادُوا مُسَاعَدَتَهُ عَلَى اتِّهَامِ اليَهُودِيِّ وَبَهْتِهِ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَنْ يَكُونَ الخَيْرُ فِي نَجْوَى النَّاسِ، إلاّ إذا تَنَاوَلَتْ أحَاديثُهُمْ ذِكْرَ اللهِ، أوْ أمْراً بِصَدَقَةٍ، أوْ أمْراً بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَلاَمُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيهِ لاَ لَهُ إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، أوْ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ)تفسير : ، أوْ سَعْياً فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ بَيْنَ أنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ مُتَخَاصِمِينَ. وَمَنْ يَفْعَلْ هَذِهِ الأعْمَالَ الثَّلاَثَةَ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَرْضَاتِهِ لاَ يَبْغِي ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ اللهِ، فَسَوْفَ يُثِيبُهُ اللهُ ثَوَاباً جَزِيلاً كَثِيراً. النَّجْوَى - المَسَارَّةُ فِي الحَدِيثِ. وَالنَّجْوَى مَظنَّةُ الشَّرِّ، لأنَّ عَادَةَ النَّاسِ جَرَتْ بِحُبِّ إظَهَارِ الخَيْرِ، وَالتَّحَدُّثِ فِيهِ، وَلأنَّ الإِثْمَ وَالشَّرَّ هُمَا اللّذَانِ يُذْكَرانِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى.

الثعلبي

تفسير : {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ}. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس يعني قوم طعمة {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي حثّ عليها {أَوْ مَعْرُوفٍ} يعينه بفرض أسباب {أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} يعني بين طعمة واليهودي {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} القرض بمنح أو هدية {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} أي طلب رضاه {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} في الآخرة {أَجْراً عَظِيماً} يعني جنة. وعن ابن سيرين: معنى النجوى في الكلام المفرد به الجماعة، والانسان سراً كان أو ظاهراً، ومعنى النجوى في لغة خاصة ومنه نجوت الجلد عن البعير وغيره أي ألقيته عنه. قال الشاعر: شعر : فقلت أنجوا منها نجا الجلد انه سيرضيكما منها سنام وغار به تفسير : ويقال: نجوت فلاناً إذا استنكهته. قال الشاعر: شعر : نجوت مجالداً فوجدت منه كريح الكلب مات حديث عهد تفسير : ونجوت وتر واستنجيته إذا أخلصه. قال الشاعر: شعر : فتبازت فتبازخت لها كجلسة الأعسر يستنجي الوتر تفسير : وأصله كله من النجوة فهو مرتفع من الأرض. قال الشاعر: شعر : كمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن كمن يمشي بقرواح تفسير : فمعنى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} يعني ما دوّن منهم من الكلام (إلاّ من أمر بصدقة) يجوز ان يكون في موضع الخفض والنصب والرفع، فوجه الخفض على قولك: لاخير في كثير من نجواهم إلاّ فيمن أمر بصدقة. والنجوى ههنا الرجال المتناجون كما قال: ولاهم نجوى. وقال قائلون: النجوى لمنة فيه فالمنصوب يعلا أن يجعل النجوى فعلاً ويكون قوله إلاّ استنثاء من غير الجنس فيكون وجه النصب ظاهراً. قال النابغة: شعر : إلاّ الأواري لأيّا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وقد يكون في موضع رفع فمن نصب على المعرفة. وقال الشاعر: شعر : وبلدة ليس بها أنيس إلاّ اليعافير وإلاّ العيس تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} نزلت في طعمة بن الأبرق أيضاً وذلك إنه لما نزل القرآن فيه وعلم قومه إنه ظالم وخاف هو على نفسه من القطع والفضيحة، هرب إلى مكة فأنزل الله فيه {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} أي يخالف (من بعد ما تبين له الهدى) أي التوحيد بحدوده {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يقول غير دين المؤمنين دين أهل مكة عبادة الاوثان {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} نكله وما أدخره إلى ما تولى في الدنيا {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} فلم ينتهِ طعمة ولم يراجع وتعمد فأدلج على الرجل من بني سليم من أهل مكة فقال له الحجاج: كف أخلاط فنقب بيته فسقط عليه حجر من البيت فتسبب فيه فلم يستطع أن يدخل فقال رجّحني بمعنى أصبح فأخذ [يتفل]، فقال بعضهم: دعوه فإنه لجأ إليكم، فتركوه وأخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فرد فراراً منهم فسرق بعض بضاعتهم وهرب فطلبوه وأخذوه فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الاحجار ويقال انه ركب البحر إلى جدّة فسرق من السفينة كيساً فيه دنانير فأمسكوا به فأخذ وأُلقي في البحر، ويقال إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنماً لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} فنزل فيه {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] الآية. جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ}: نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الاوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ) أي يفارق الرسول، ويعاديه ويحاربه (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} يعني من بعد ماوضح له إن محمد عبده ورسوله {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي غير طريق المسلمين {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} أي نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهي لا تملك ضراً ولانفعاً ولا ينجيهم من عذاب الله ونصله جهنم بعبادة الأصنام. {وَسَآءَتْ مَصِيراً} يعني بئس المنزل حلوا به يوم القيامة. الضحاك عن ابن عباس: قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} قال: إن شيخاً من الاعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يانبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلاّ إني لم اشرك بالله شيئاً منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله عز وجل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} والشرك ذنب لا يغفر لمن مات عليه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} يعني فقد ذهب عن الطريق وحرم الخير كله. واعلم أن في قوله تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} دليل على قوة حجة الاجماع وفي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله عز وجل قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ففرّق بين الشرك وسائر الذنوب وحَتم على نفسه بأن لايغفر الشرك. لو كان الكبيرة كفراً لكان قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} مستوعباً فلما فرّق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم، وقد بيّن الله تعالى بأنه الشرك في آخر القصة وهو قوله {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} وقد علم أن صاحب الكبيرة غير مستحل لها فلم يجز أن يكون حكمه حكم الكافر، وفيه دليل على فساد قول المعتزلة في المنزلة [بين الشرك والإيمان] إذ الله تعالى لم يجعل بين الشرك والإيمان منزلة ولم يجعل الذنوب ضداً للإيمان. وكان فيه فساد قول من جعل الكبيرة الكفر، وفيه دليل على فساد قول المرجئة حين قالوا: إن المؤمن لايعذّب، وإن كان مرتكباً للذنوب. لأن الله أخرج المشرك من المشيئة وجعل الحكم فيه حتماً، فلو لم يجز تعذيب المؤمن المذنب لأخرجه من باب الاستثناء وأطلق الحكم فيه كما [علّقه] في الشرك، وفيه دليل على فساد قول الوعيدية وقد ذكرناه من قبل. ثم نزلت في أهل مكة {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} من دونه كقوله تعالى {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] أي اعبدوني أستجب، لكم يدلّ عليه قوله بعده {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} تفسير : [غافر: 60] من دونه، أي من دون الله وكان في كل واحدة فيهن شيطان يتراءى للسَدنة والكهَنة يكلمهم فذلك قوله {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} [النساء: 117] وكان المشركون يدعون اصنامهم باسمها وكان هذا قول مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين. ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس: إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً جمع الوثن فصيّر الواو همزة كقوله أقب ووقب. وأصله وثن وقرئت إنثا على جمع الإناث كمثل مثال ومثل وثمار وثمر. قال الحسن وقتادة وأبو عبيدة: إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً يعني أمواتاً لاروح فيه خشبة وحجر ومدر ونحوها. وذلك إن الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث يقول من ذلك الأصنام متعجبين، فإن يدعون وما تعبدون إلاّ شيطاناً مريداً والمريد المارد فقيل: بمعنى فاعل. نحو قدير وقادر وهو الشديد العاتي الخارج من الطاعة. يقال: مرد الرجل يمرد مروداً ومراده إذا عتى وخرج من الطاعة وأصل المريد من قول العرب: حدثنا ممرد أي مملس. ويقال: شجرة مردا إذا يتناثر ورقها، ولذلك سمي من لم تنبت لحيته أمرد، أي أملس موضع اللحية. فالمراد: الخارج من الطاعة المتملّص منها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وسبحانه يوضح أمر هذه النجوى التي تحمل التبييت للإضلال، ولكن ماذا إن كانت النجوى لتعين على حق؟ إنه سبحانه يستثنيها هنا؛ لذلك لم يصدر حكماً جازماً ضد كل نجوى، واستثنى منها نجوى مَن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، بل ويجزى عليها حسن الثواب. لذلك قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. ويستخدم الحق هنا كلمة "سوف"، وكان من الممكن أن يأتي القول {فسنؤتيه أجراً عظيماً" لكن لدقة الأداء القرآني البالغة جاءت بأبعد المسافات وهي "سوف". ونعرف أن جواب شرط الفعل إذا ما جاء على مسافة قريبة فنحن نستخدم "السين"، وإذا ما جاء جواب الشرط على مسافة بعيدة فنحن نستخدم "سوف". وجاء الحق هنا بـ "سوف" لأن مناط الجزاء هو الآخرة، فإياك أيها العبد المؤمن أن تقول: لماذا لم يعطني الله الجزاء على الطيب في الدنيا؟؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يقل: "فسنؤتيه" ولكنه قال: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} مما يدل على أن الفضل والإكرام من الله؛ وإن كان عاجلاً ليس هو الجزاء على هذا العمل؛ لأن جزاء الحق لعبادة المؤمنين سيكون كبيراً، ولا يدل على هذا الجزاء في الآخرة إلاّ "فسوف". ونعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يمني أمته الإيمانية بشيء فهو يمنيها بالآخرة، ولننظر إلى بيعة العقبة عندما جاء الأنصار من المدينة لمبايعة رسول الله: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: "حديث : بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه . تفسير : لقد أخذت لنفسك يا رسول الله ونحن نريد أن نأخذ لأنفسنا، ماذا لنا إن نحن وفّينا بهذا؟ ولنر عظمة الجواب وإلهامية الرد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (حديث : لكم الجنة ). تفسير : كان في استطاعة رسول الله أن يقول لهم: إنكم ستنتصرون وإنكم ستأخذون مشارق الأرض ومغاربها وسيأتي لكم خير البلاد الإسلامية كلها. لكنه بحكمته لم يقل ذلك أبداً فقد يستشهد واحد منهم في قتال من أجل نصرة دين الله، فماذا سيأخذ في الدنيا؟. إنه لن يأخذ حظه من التكريم في الدنيا، ولكنه سينال الجزاء في الآخرة. لذلك جاء بالجزاء الذي سيشمل الكل، وهو الجنة ليدلهم على أن الدنيا أتفه من أن يكون جزاء الله محصوراً فيها، ويحض كل المؤمنين على أن يطلبوا جزاء الآخرة؛ ونعلم جميعاً هذه الحكاية، ونجد رجلاً يقول لصاحبه: أتحبني؟ فأجاب الصاحب: نعم أحبك. فسأل السائل: على أي قدر تحبني؟ قال الصاحب: قدر الدنيا. أجاب الرجل: ما أتفهني عندك!!. يقول الحق: { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} ومن صاحب "نؤتيه" والفاعل لهذا العطاء؟ إنه الحق سبحانه وتعالى الذي وصف الأجر بأنه أجر عظيم. وكأن الحق يبلغنا: - يا معشر الأمة الإيمانية التحموا بمنهج رسول الله وامتزجوا به لتكونوا معه شيئاً واحداً. وإياكم أن يكون لكم رأي منفصل عن المنهج؛ فهو مبلغ عن الله، فمن آمن به فليلتحم به. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ساعة حدثوه في حكاية الإسراء والمعراج نجده يسأل محدثه: أقال رسول الله ما قلتموه..؟ فيقولون: بلى، لقد قال. فيرد عليهم الصديق: إن كان قال فقد صدق؛ فالصديق أبو بكر لا يحتاج إلى دليل على صدق ما قال رسول الله. ويأتي الحق بالمقابل فيقول: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ...}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة طُعْمة وحادثة السرقة التي اتهم بها اليهودي البريء ودفاع قومه عنه وتآمرهم في السرّ لإِيقاع البرئ بها، ذكر تعالى هنا أن موضوع النجوى لا يخفى على الله وأن كل تدبير في السرّ يعلمه الله، وأنه لا خير في التناجي إِلا ما كان بقصد الخير والإِصلاح، ثم ذكر تعالى أن مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم جرمٌ عظيم وحذَّر من الشيطان وطرق إِغوائه، ثم عاد الحديث إِلى التحذير من ظلم النساء في ميراثهن ومهورهن وأكد على وجوب الإِحسان إِليهن، وأعقبه بذكر النشوز والطريق إِلى الإِصلاح بين الزوجين إِمّا بالوفاق أو بالفراق. اللغَة: {نَّجْوَاهُمْ} النجوى: السرُّ بين الإِثنين قال الواحدي: ولا تكون النجوى إِلا بين اثنين {يُشَاقِقِ} يخالف والشقاقُ: الخلاف مع العداوة لأن كلاً من المتخالفين يكون في شق غير شق الآخر {مَّرِيداً} المريد: العاتي المتمرد من مرد إِذا عتا وتجبر قال الأزهري: مرد الرجل إِذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد {فَلَيُبَتِّكُنَّ} البتك: القطع ومنه سيف باتك أي قاطع {مَحِيصاً} مهرباً من حاص إِذا هرب ونفر وفي المثل "وقعوا في حيص بيص" أي فيما لا يقدر على التخلص منه {خَلِيلاً} من الخلة وهي صفاء المودة قال ثعلب: سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إِلا ملأته قال بشار: شعر : قد تخلّلتِ مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلاً تفسير : { ٱلشُّحَّ} شدة البخل {ٱلْمُعَلَّقَةِ} هي التي ليست ذات بعل ولا مطلقة. سَبَبُ النّزول: أ - لما سرق "طُعْمة بن أُبيرق" وحكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع هرب إِلى مكة وارتد عن الإِسلام فأنزل الله {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} الآية. ب - قال قتادة: تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحقُّ بالله منكم، وقال المؤمنون: نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب فنزلت {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية. التفسِير: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} أي لا خير في كثير مما يُسرّه القوم ويتناجون به في الخفاء {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أي إِلا نجوى من أمر بصدقةٍ ليعطيها سراً أو أمر بطاعة الله قال الطبري: المعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إِليه من أعمال البر والخير، والإِصلاح هو الإِصلاح بين المختصمَين {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} أي ومن يفعل ما أمر به من البر والمعروف والإِصلاح طلباً لرضى الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي فسوف نعطيه ثواباً جزيلاً هو الجنة قال الصاوي: والتعبير بسوف إِشارة إلى أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة لا في الدنيا لأنها ليست دار جزاء {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} أي يخالف أمر الرسول فيما جاء به عن الله من بعد ما ظهر له الحق بالمعجزات {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي يسلك طريقاً غير طريق المؤمنين ويتبع منهاجاً غير منهاجهم {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أي نتركه مع اختياره الفاسد وندخله جهنم عقوبة له {وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي وساءت جهنم مرجعاً لهم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} أي لا يغفر ذنب الشرك ويغفر ما دونه من الذنوب لمن يريد {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي فقد بَعُد عن طريق الحق والسعادة بعداً كبيراً {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} أي ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثاناً سموها بأسماء الإِناث "اللات والعزى ومناة" قال في التسهيل: كانت العرب تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} أي وما يعبدون إلا شيطاناً متمرداً بلغ الغاية في العتو والفجور وهو إبليس الذي فسق عن أمر ربه {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي أبعده الله عن رحمته فأقسم الشيطان قائلاً: لأتخذنَّ من عبادك الذين أبعدتني من أجلهم نصيباً أي حظاً مقدراً معلوماً أدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة وفي صحيح مسلم يقول الله تعالى لآدم يوم القيامة "حديث : إبعثْ بعثَ النار فيقول: وما بعثُ النار؟ فيقول من كل ألفٍ تسعمائةٌ وتسعة وتسعون" تفسير : {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} لأصرفَنّهم عن طريق الهدى وأعدهم الأماني الكاذبة وألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ} أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام قال قتادة: يعني تشقيقها وجعلها علامة للبحيرة والسائبة كما كانوا يفعلون في الجاهلية {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله كخصاء العبيد والحيوان والوشم وغيره وقيل: المراد به تغيير دين الله بالكفر والمعاصي وإحلال ما حرّم الله وتحريم ما أحل {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} أي خسر دنياه وآخرته لمصيره إلى النار المؤبدة وأي خسرانٍ أعظم من هذا؟ ثم قال تعالى عن إبليس {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} أي يعدهم بالفوز والسعادة ويمنيهم بالأكاذيب والأباطيل قال ابن كثير: هذا إخبارٌ عن الواقع فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة وقد كذب وافترى في ذلك {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي وما يعدهم إلا باطلاً وضلالاً قال ابن عرفة: الغُرور ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، فهو مزيّن الظاهر فاسد الباطن {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مصيرهم ومآلهم يوم القيامة نار جهنم {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي ليس لهم منها مفر ولا مهرب، ثم ذكر تعالى حال السعداء الأبرار وما لهم من الكرامة في دار القرار فقال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي مخلدين في دار النعيم بلا زوال ولا انتقال {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أي وعداً لا شك فيه ولا ارتياب {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} أي ومن أصدق من الله قولاً؟ والاستفهام معناه النفيُ أي لا أحد أصدق قولاً من الله قال أبو السعود: والمقصود معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإِيمان والعمل الصالح قال الحسن البصري: ليس الإِيمان بالتمني ولكنْ ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} أي من يعمل السوء والشر ينال عقابه عاجلاً أو آجلاً {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي لا يجد من يحفظه أو ينصره من عذاب الله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكراً أو أنثى بشرط الإِيمان {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} أي يدخلهم الله الجنة ولا يُنقصون شيئاً حقيراً من ثواب أعمالهم كيف لا والمجازي أرحم الراحمين!! وإنما قال {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ليبيّن أن الطاعة لا تنفع من دون الإِيمان، ثم قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}؟ أي لا أحد أحسن ديناً ممن انقاد لأمر الله وشرعه وأخلص عمله لله {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي مطيعٌ لله مجتنبٌ لنواهيه {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} أي واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، مستقيماً على منهاجه وسبيله وهو دين الإِسلام {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} أي صفياً اصطفاه لمحبته وخلته قال ابن كثير: فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي جميع ما في الكائنات ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى ولا معقب لما حكم {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} أي علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ} أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} أي قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي ويفتيكم أيضاً في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن لجمالهن أو لمالهنَّ ولا تدفعون لهن مهورهنَّ كاملة فنهاهم الله عز وجل عن ذلك قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً فإن كانت جميلة واحبها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمةً منعها الرجال حتى تموت فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} أي ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر، وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغار ولا النساء ويقولون: كيف نعطي المال من لا يركب فرساً ولا يحمل سلاحاً ولا يقاتل عدواً! فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يعطوهم نصيبهم من الميراث {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} أي وما تفعلوه من عدلٍ وبرٍّ في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه قال ابن كثير: وهذا تهييجٌ على فعل الخيرات وامتثال الأوامر وأن الله سيجزي عليه أوفر الجزاء، ثم ذكر تعالى حكم نشوز الرجل فقال {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} أي وإذا علمت امرأة أو شعرت من زوجها الترفع عليها أو الإِعراض عنها بوجهه بسبب الكره لها لدمامتها أو لكبر سنها وطموح عينه إلى من هي أشبُّ وأجمل منها {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} أي فلا حرج ولا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما بإسقاط المرأة بعض حقوقها من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت لتستعطفه بذلك وتستديم مودته وصحبته، روى ابن جرير عن عائشة أنها قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان إحداهما قد عجزت أو هي دميمة وهو لا يحبها فتقول: لا تطلقني وأنت في حلٍّ من شأني {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} أي والصلح خيرٌ من الفراق {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} أي جبلت الأنفس على الشح وهو شدة البخل فالمرأة لا تكاد تسمح بحقها من النفقة والاستمتاع، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحبَّ غيرها {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ} أي وإن تحسنوا في معاملة النساء وتتقوا الله بترك الجور عليهن {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي فإن الله عالم بما تعملون وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء.. ثم ذكر تعالى أن العدل المطلق بين النساء بالغٌ من الصعوبة مبلغاً لا يكاد يطاق، وهو كالخارج عن حد الاستطاعة فقال {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ} أي لن تستطيعوا أيها الرجال أن تحققوا العدل التام الكامل بين النساء وتسوّوا بينهن في المحبة والأُنس والاستمتاع {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي ولو بذلتم كل جهدكم لأن التسوية في المحبة وميل القلب ليست بمقدور الإِنسان {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} أي لا تميلوا عن المرغوب عنها ميلاً كاملاً فتجعلوها كالمعلقة التي ليست بذات زوج ولا مطلقة، شبّهت بالشيء المعلَّق بين السماء والأرض، فلا هي مستقرة على الأرض ولا هي في السماء، وهذا من أبلغ التشبيه {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ} أي وإن تصلحوا ما مضى من الجور وتتقوا الله بالتمسك بالعدل {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي يغفر ما فرط منكم ويرحمكم {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} أي وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يغنيه بفضله ولطفه، بأن يرزقه زوجاً خيراً من زوجه، وعيشاً أهنأ من عيشه {وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} أي واسع الفضل على العباد حكيماً في تدبيره لهم {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي ملكاً وخلقاً وعبيداً {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ} أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به من امتثال الأمر والطاعة {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي وصيناكم جميعاً بتقوى الله وطاعته {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم لأنه مستغنٍ عن العباد وهو المالك لما في السماوات والأرض {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} أي غنياً عن خلقه، محموداً في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي كفى به حافظاً لأعمال عباده {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} أي لو أراد الله لأهلككم وأفناكم وأتى بآخرين غيركم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} أي قادراً على ذلك {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي من كان يريد بعمله أجر الدنيا فعند الله ما هو أعلى وأسمى وهو أجر الدنيا والآخرة فلم يطلب الأخسّ ولا يطلب الأعلى؟ فليسأل العبد ربه خيري الدنيا والآخرة فهو تعالى سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة في {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} استعار الوجه للقصد والجهة وكذلك في قوله {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} لأن الشح لما كان غير مفارق للأنفس ولا متباعد عنها كان كأنه أحضرها وحمل على ملازمتها فاستعار الإِحضار للملازمة. 2- الجناس المغاير في {ضَلَّ... ضَلاَلاً} وفي {خَسِرَ... خُسْرَاناً} وفي {أَحْسَنُ... مُحْسِنٌ} وفي {صُلْحاً... وَٱلصُّلْحُ} وفي {تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ}. 3- التشبيه في {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ} وهو مرسل مجمل. 4- الإِطناب والإِيجاز في عدة مواضع. تنبيه: العدل المقصود في هذه الآية هو العدل في المحبة القلبية فقط وإلا لتناقضت الآية مع الآية السابقة {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [النساء: 3] وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول "حديث : اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" تفسير : يعني بذلك المحبة القلبية ويدل على هذا قوله تعالى {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ}، وأما ما يدعو إليه بعض من يتسمون بـ "المجددين" من وجوب التزوج بواحدة فقط بدليل هذه الآية فلا عبرة به لأنه جهل بفهم النصوص وهو باطل محض تَرُدُّهُ الشريعة الغراء، والسنة النبوية المطهرة، وكفانا الله شر علماء السوء.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} معناهُ مِنْ أَسْرارِهِمْ.

الجيلاني

تفسير : وإذا كان شأنك عند الله هذا، لا تبالك بهم وبمعاونتهم ومصاحبتهم؛ إذ {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} دعائهم ومناجاتهم في خلواتهم {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ} نفسه {بِصَدَقَةٍ} على الفقراء موجبة لرحمة الله له {أَوْ مَعْرُوفٍ} مستحسن عقلاً وشرعاً من الأخلاق الحميدة والخصائل المرضية {أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} على الوجه الأحسن الأوفق {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} كل واحد من ذلك {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} خالصاً لرضاه، بل تخلل الرياء والسمعة، وقصد الرئاسة والجاة بين الأنام {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} من فضلنا وجودنا {أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] فوق ما يستحقه. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} ويخالفه {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} ظهر {لَهُ ٱلْهُدَىٰ} جاء به الرسول لدلالة المعجزات الساطعة والبراهين القاطعة على صدقه {وَ} مع ظهور هذه الدلائل الواضحة {يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المتابعين لهم كابرة وعناداً {نُوَلِّهِ} على {مَا تَوَلَّىٰ} من الغي والضلال، ونخل بينه وبينه في النشأة الأولى {وَ} في النشأة الأخرى {نُصْلِهِ} ندخله {جَهَنَّمَ} البعد والخلاذن {وَسَآءَتْ} جهنم {مَصِيراً} [النساء: 115] منقلباً ومآباً لأهلها. أجرنا من النار يا مجير. ثم قال سبحانه؛ تسلية للعصاة وترغيباً لهم إلى الإنابة والرجوع: {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لسرائر عباده {لاَ يَغْفِرُ} ولا يعفو {أَن يُشْرَكَ بِهِ} شيئاً من مصنوعاته في استحقاق العبادة، وإسناد الحوادث نحوه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} وإن استكرهه واستنكره وندم منه، ولم يصر عليه {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} بنسبة الحوادث الكائنة إلى غيره {فَقَدْ ضَلَّ} عن جادة التوحيد {ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 116] لا ترجى هدايته أصلا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نجوى أصحاب الهوى بقوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} [النساء: 114]، إشارة في الآيتين: إن لا خير في كثير من نجواهم؛ أي: الذين يتناجون من النفس والهوى والشيطان؛ لأنهم شراً، ولا فيما يتناجون به؛ لأنهم يأمرون بالسوء والشر والفحشاء والمنكر، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [النساء: 114]، إلا فيمن أمر بهذه الخيرات فإنه فيه الخير وهو الله تعالى، فإنه يأمر بالخيرات بالوحي عموماً، ويأمر بالخاطر الروحاني والإلهام الرباني خواص عباده، والخاطر يكون بواسطة الملك وبغير الواسطة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَلا وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لمَّةٌ، وَلِلْشَيْطَانِ لمَّةٌ، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ لِخْخَيْرِ، وَلمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، فَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الْمَلَكِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الشَّيْطَانِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ ذَلِكَ"تفسير : ، والإلهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة؛ وهو على ضربين: ضرب منه: ما لا شعور للعبد به إنه من الله تعالى، وضرب منه: ما يكون بإشارة صريحة يعلم العبد إنه وارد من الله تعالى بتعليم نور الإلهام، وتعريفه لا يحتاج إلى معرف آخر إنه مع الله تعالى، وهذا يكون بالولي وغير الولي، كما قال بعض المشايخ: حدثني قلبي عن ربي، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الحق ينطق على لسان عمر ". تفسير : وقال: "حديث : كادت فراسة عمر أن تسبق الوحي"تفسير : ، ثم قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} [النساء: 114]، أي: من يفعل بما ألهمه الله تعالى طلباً لمرضاته: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] ذكر بقاء التعقيب قوله: {فَسَوْفَ} [النساء: 114]؛ يعني: عقيب الفعل {نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114]، وهو جذبة العناية التي تجذبه عنه وتوصله إلى العظيم. ثم قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} [النساء: 115]؛ أي: يخالف الإلهام الرباني الذي هو رسول الحق تعالى إليه، {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} [النساء: 115] بتعريف إلهامه ونوره، { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] الموقنين بالإلهام، بأن يتبع الهوى وتسويل النفس وسبيل الشيطان، {نُوَلِّهِ} [النساء: 115]؛ أي: نكله بالخذلان {مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ} [النساء: 115]، بسلاسل معاملاته التي تؤتي بها إلى {جَهَنَّمَ} [النساء: 115]، سفليات البهيمية والسبعية والشيطانية {وَسَآءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115]؛ أي: ما صار إليه من عباده الهوى واتباع النفس والشيطان وإشراكهم بالله في المطاوعة. ثم أخبر عن حال أهل الشرك بالضلال بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116]. والإشارة فيه: إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، فمن خلقه أهلاً للجنة فقد غفر له قبل أن يخلقه، ومن غفر له فإنه لا يشرك بالله، فالإشارة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116]، إن لم يغفر فأشرك به، ولو كان مغفوراً لم يشرك به، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 116]؛ يعني: وقد غفر ما دون من أشرك به في الأزل فلم يشرك به الآن، ومما يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}تفسير : [السجدة: 13]، وأمثاله في القرآن، ويدل عليه أيضاً بقية الآية وهي: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 116]؛ يعني: ومن يشرك بالله الآن فقد ضل ضلاله في الأزل، وهو الضلال البعيد الأزلي بمشيئته في تحقيق: ويضل من يشاء، ولهذا قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 116]، ومشيئته أزلية أبدية فافهم جيداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال: { إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } من مال أو علم أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة" تفسير : الحديث. { أَوْ مَعْرُوفٍ } وهو الإحسان والطاعة وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي. { أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال تعالى: {أية : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } تفسير : وقال تعالى: {أية : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } تفسير : الآية. وقال تعالى: {أية : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } تفسير : والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: {أية : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ }. تفسير : فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء. ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا قال: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.