٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
115
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية. أما الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر، أو عن كون كل واحد منهما فاعلاً فعلاً يقتضي لحوق مشقة بصاحبه، وقوله {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام. قال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دلّه ذلك على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإسلام، فكان ذلك إظهار الشقاق بعد ما تبين له الهدى، قوله {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يعني غير دين الموحدين، وذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأوثان. ثم قال {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ } أي نتركه وما اختار لنفسه، ونكله إلى ما توكل عليه. قال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد. ثم قال {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } يعني نلزمه جنهم، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الاستدفاء {وَسَاءتْ مَصِيراً } انتصب {مَصِيراً } على التمييز كقولك: فلان طاب نفساً، وتصبب عرقاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً له لكان ذلك ضماً لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراماً، وإذا كان عدم اتباعهم حراماً كان اتباعهم واجباً، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض. فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين. وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعاً لهم، ولقائل أن يقول: الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال: الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله، ومعلوم أن ذلك لا يقال، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل، وفيه أبحاث أُخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم. المسألة الثانية: دلّت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى الله عليه وسلم عن جميع الذنوب، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه، وكل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققاً له، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه. المسألة الثالثة: دلّت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة، لكن المشاقة محرمة، فيلزم وجوب الاقتداء في أفعاله. المسألة الرابعة: قال بعض المتقدمين: كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطىء، واحتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا: لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلاً. وجوابه: أنه تمسك بالمفهوم، وهو دلالة ظنية عند من يقول به، والدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 116] والقاطع لا يعارضه المظنون. المسألة الخامسة: الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل والنظر والاستدلال، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، ولو لم يكن تبين الهدى معتبراً في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى. المسألة السادسة: الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم، إذ لو كان الهدى اسماً للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وأنه فاسد.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قال العلماء: هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أبَيْرِق السارق، لما حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه) بالقطع وهرب إلى مكة وٱرتدّ؛ قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتاً بمكة فلحقه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}. وقال الضحاك: قدِم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم ٱنقلبوا إلى مكة مرتدّين فنزلت هذه الآية {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ}. والمشاقّة المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدّرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين. و {ٱلْهُدَىٰ}: الرشد والبيان، وقد تقدّم. وقوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} يقال: إنه نزل فيمن ٱرتدّ؛ والمعنى: نتركه وما يعبد؛ عن مجاهد. أي نِكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؛ وقاله مقاتل. وقال الكلبي؛ نزل قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} في ٱبن أُبَيرق؛ لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتدّ ونقب حائطاً لرجل بمكة يقال له: حجّاج بنِ علاط، فسقط فبقي في النّقْب حتى وُجد على حاله، وأخرجوه من مكة؛ فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزلت: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}. وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو «نُوَلِّهْ» «ونُصْلِهْ» بجزم الهاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان. الثانية ـ قال العلماء في قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} دليل على صحة القول بالإجماع، وفي قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ردّ على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد تقدّم القول في هذا المعنى. وروى الترمذِيّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} (قال): هذا حديث غريب. قال ابن فُورَك: وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عُذب بالنار فلا مَحالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بٱبتداء رحمةٍ من الله تعالى. وقال الضحاك: إن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أُشرِك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ } يخالف {ٱلرَّسُولَ } فيما جاء به من الحق {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ } ظهر له الحق بالمعجزات {وَيَتَّبِعْ } طريقاً {غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ } نجعله والياً لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا {وَنُصْلِهِ } ندخله في الآخرة {جَهَنَّمَ } فيحترق فيها {وَسَآءَتْ مَصِيراً } مرجعاً هي.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول} نزلت في طعمة أيضاً وذلك أنه لما سرق وظهرت عليه السرقة خاف على نفسه القطع والفضيحة فهرب إلى مكة كافراً مرتداً عن الدين فأنزل الله عز وجل فيه: {ومن يشاقق الرسول} يعني يخالفه في التوحيد والإيمان وأصله من المشاقة وهي كون كل واحد منهما في شق غير شق الآخر {من بعد ما تبين له الهدى} أي وضح له التوحيد والحدود وظهر له صحة الإسلام وذلك لأن طعمة كان قد تبين له بما أنزل فيه وأظهر من سرقته ما يدل على صحة دين الإسلام فعادى الرسول صلى الله عليه وسلم وأظهر الشقاق ورجع عن الإسلام {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يعني ويتبع غير طريق المؤمنين وما هم عليه من الإيمان وتبيع عبادة الأوثان {نوله ما تولى} أي نكله في الآخرة إلى ما تولى في الدنيا ونتركه وما اختار لنفسه {ونصله جهنم} يعني ونلزمه جهنم وأصله من الصلي وهو لزوم النار وقت الاستدفاء {وساءت مصيراً} يعني وبئس المرجع إلى النار. وري أن الشافعي سئل عن آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى استخرج هذه الآية وهي قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وذلك لأن اتباع غير سبيل المؤمنين وهي مفارقة الجماعة حرام فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم واجباً وذلك لأن الله تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين فثبت بهذا أن إجماع الأمة حجة. قوله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} نزلت في طعمة بن أبيرق لكونه مات مشركاً وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ منهمك في الذنوب غير أني لم أشرك بالله منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ مند دونه ولياً ولم أواقع المعاصي جراءة على الله عز وجل وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عندا الله فأنزل الله هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} فهذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لأنه قد ثبت ان المشرك إذا تاب من شركه وآمن قبلت توبته وصح إيمانه وغفرت ذنوبه كلها التي عملها في حال الشرك {ويغفر ما دون ذلك} يعني ما دون الشرك {لمن يشاء} يعني لمن يشاء من أهل التوحيد قال العلماء لما أخبر الله أنه يغفر الشرك بالإيمان والتوبة علمنا أنه يغفر ما دون الشرك بالتوبة وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبة من أهل التوحيد فإذا مات صاحبه الكبيرة أو الصغيرة من غير توبة فهو على خطر المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة بفضله ورحمته وإن شاء عذبه ثم يدخله الجنة بعد ذلك {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} يعني فقد ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه فإن قلت لم كررت هذه الآية بلفظ واحد في موضعين من هذه السورة وما فأئدة ذلك. قلت فائدة ذلك التأكيد أو لأن الآية المتقدمة نزلت في سبب. ونزلت هذه الآية في سبب آخر وهو أن الآية المتقدمة نزلت في سبب سرقة طعمة بن أبيرق ونزلت هذه الآية في سبب ارتداده وموته على الشرك.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ومَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ...} الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ ٱتصفَ بهذه الصفاتِ إلَىٰ يوم القيامة. وقوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ}: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالَىٰ؛ أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضَىٰ تفسيرُ مِثْلِ هذه الآية.
ابن عادل
تفسير : تقدّم في آل عمران أن المُضَارعَ المَجْزُوم، والأمْرَ من نحو: "لم يَرْدُدْ" و "رَدَّ" يجُوزُ فيه الإدغامُ وتركُه، على تَفْصيلٍ في ذلك وما فيه من اللُّغَات وتقدم الكلام في المَشَاقَّةِ والشِّقَاقِ في البقرة، وكذلك حُكمُ الهَاء في قوله: "نُؤته" و "نُصْلِه". وهذه الآيَة [نَزَلَتْ] في طعمة بن أبَيْرِق، وذلك أنَّه لمَّا ظهرت عليه السَّرِقَةُ، خاف على نَفْسِهِ من قَطْع اليد والفضيحة، فهربَ مرتَدّاً إلى مَكَّة. فقال - تعالى -: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} أي: يُخَالِفُه، {مِن بَعد ما تَبَيَّنَ لَهُ ٱلهُدَى}: من التَّوحيد والحُدُودِ، {ويتَّبعْ غَيْر سَبِيلِ ٱلمُؤْمِنِين} أي: غير طَرِيق المُؤمِنِين، {[نولِّه ] مَا تَوَلَّى} أي: نَكِلُه [فِي الآخِرَة] إلى مَا تولَّى في الدُّنيا {وَنُصْلِه جَهَنَّم وَسآءَت مَصِيراً} فانْتَصب مَصِيراً على التَّمْيِيز؛ كقولهم: "فُلانٌ طَابَ نَفْساً". رُوِيَ أن طعمة نَزَل على رَجُل من بني سليم من أهْل مكَّة، يُقال له: الحجَّاج بْن علاط، فَنَقب [بَيْتَ الحَجَّاج، لِيَسْرِقَه،] فسقط عليه حَجَرٌ فلم يَسْتَطِع أن يَدْخُل، ولا أن يَخْرُج، فأخذ لِيُقْتَل، فقال بَعْضُهُم: دَعُوه، فقد لَجَأ إلَيْكُم، فتركوه، وأخْرَجُوه من مكة، فَخَرَج مع تُجَّار من قُضاعة نَحو الشَّام، فنزلوا مَنْزِلاً، فَسَرقَ بَعْضَ مَتَاعِهِم وهرب، فَطَلَبُوه، وأخَذُوه ورموه بالحِجَارة؛ حتَّى قتلوه، فَصَار قبره تِلْك الحِجَارة، وقيل: إنه رَكِبَ سفينةً إلى جدة، فسرق فيها كِيساً فيه دَنَانِير فأُخِذَ، وألْقِي في البَحْر، وقيل: إنه نزل في حَرَّة بني سَليم، وكان يَعْبُد صَنَماً لهم إلى أنْ مَاتَ، فأنزل الله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي: ذَهَب عن الطَّرِيق، وحُرِمَ الخَيْر كُلَّه. وقال الضَّحَّاك عن ابْن عبَّاسٍ: إنَّ هذه الآيَة نَزَلت في شَيْخٍ من الأعْراب، جَاءَ إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نَبِيَّ الله، إنِّي شيخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوب، إلاَّ أني لَمْ أشْرِكْ باللَّه شيئاً منذ عَرَفْتُه وآمنت به، ولمْ أتَّخِذْ من دُونِه ولِيّاً، ولَمْ أواقع المَعَاصِي جُرْأة على اللَّه، وما توهَّمْت طَرْفَة عَيْن أنِّي أعجِزُ اللَّه هَرَباً، وإنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ، مستغفرٌ، فما حالي؟ فأنزل اللَّه هذه الآية. فصل في استدلال الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على حجية الاجماع رُوِيَ أن الشَّافِعِي - رضي الله عنه - سُئِلَ عن آيَة في كِتَاب اللَّه - تعالى - تدلُّ على أنَّ الإجْمَاع حجَّة، فقرأ القُرآن ثلاثمِائَة مرَّة، حتَّى وَجَد هذه الآيَة، وتقرير الاسْتِدْلال، أن اتِّباع غَيْر سَبِيل المُؤمِنين حَرَامٌ [فوجب أن يكُون اتِّباع سَبِيل المؤمنين وَاجِباً] بيان المقدِّمة الأولى: أنه - تعالى - ألحق الوَعِيد بمن يُشَاقِقُ الرَّسُول، ويتَّبع غير سَبِيل المُؤمنين، ولو لم يَكُن ذلك مُوجِباً، لكان ذلك ضمّاً لما لا أثَر لَهُ في الوَعِيد إلى مَا هُو مُسْتَقِلٌّ باقْتِضَاء ذَلِك الوَعِيد، وإنَّه غير جَائز، وإذا كان اتِّبَاعُ غير سَبيل المُؤمنين حَرَاماً، لزم أن يَكُون اتِّباع سَبيلِ المؤمنين وَاجباً، وإذا كان عَدَم اتِّبَاعهم حَرَاماً، كان اتِّباعُهُم وَاجباً، لأنَّه لا خُرُوجَ عن طَرفَي النَّقِيضِ. فإن قيل: لا نُسَلِّم أنَّ عدم اتِّبَاعِ سَبيل المؤمنين، يصدق عَليْه أنَّه اتِّباعٌ لغير سَبِيل المُؤمِنين، فإنه [لا يَمتنِع ألاَّ] يتَّبع لا سبيل [المؤمنين] ولا غير سَبِيل المُؤمنين. الجوابُ: أنَّ المتابعة عِبَارةٌ عن الإتْيَان بِمثْل ما فعل الغَيْر، وإذا كَانَ من شَأن غير المُؤمنين ألاَّ يَتَّبِعُوا سبيل المؤمنين، فكُلُّ من لَمْ يَتَّبع سَبِيل المؤمنين، فقد أتَى بِمِثْل ما فعل غَيْر المُؤمنين؛ فوجب كَوْنُه مُتَّبِعاً لهم. ولقائل أن يَقُول: الاتِّبَاع ليس عِبَارة عن الإتْيَان بِمِثْل فِعْل الغَيْر، وإلا لزم أن يُقَال: الأنْبِيَاءُ والملائِكةُ يتبعون لآحَاد الخَلْق من حَيْثُ إنَّهُم يوحِّدُون اللَّه [- تعالى -] لما أن كُلَّ واحد من آحَاد الأمَّة يوحِّد اللَّه - تعالى -، ومعلوم أنَّ ذلك لا يُقَال، بل الاتِّباع عِبَارة عن الإتْيَان بمثل فِعْل الغَيْر، لأجْل أنه فِعْل ذلك الغَيْر، ومن كان كذلك فمن تركَ مُتابعَة سبيل المؤمنين؛ لأجل أنَّه ما وَجَد على وُجُوب مُتَابَعَتِهم دَلِيلاً، فلا جَرَم لم يَتَّبِعْهُم، فهذا شَخْصٌ لا يكون مُتَّبِعاً لغير سَبِيل المُؤمنين. وقال ابن الخَطِيب: وهذا سُؤال قَوِيٌّ على هذا الدَّلِيل، وفيه أبْحَاث أخَر دَقِيقَةٌ ذكرناها في كِتَاب المَحْصُول. فصل قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية قد تقدَّم بيان سَبَبِ نُزُولها، والفائِدَةُ في تكرارها؛ أن اللَّه - تعالى - ما أعَاد آيَةً من آيَاتِ الوعيد بِلَفْظِ واحدٍ مرَّتَيْن، وقد أعَادَ هذه الآيَة بِلَفْظ واحِدٍ، وهي من آيات الوَعْد، فدل ذلك على أنَّه - تعالى - خصَّ جَانِبَ الوَعْد والرَّحْمَة بمزيد التَّأكيد. فإن قيل: لمَ خَتَم تلك الآية بقوله: "فَقَدِ افْتَرَى" وهذه بقوله: "فَقَدْ ضَلَّ". فالجوابُ: أنَّ ذلك في غَاية المُنَاسَبة، فإن الأولى في شأن أهْل الكِتَاب من أنَّهم عِنْدَهم علمٌ بصِحَّة نبوته - عليه الصلاة والسلام -، وأن شريعته ناسِخَةٌ لجَمِيع الشَّرائعِ، ومع ذلك فقد كَابَرُوا في ذلك، فافْترُوا على الله - تعالى -، وهذه في شأنِ قَوْمٍ مُشْركين غير أهْلِ كِتَابٍ ولا عِلْمٍ، فناسَب وَصْفُهم بالضَّلال، وايضاً: فقد تقدَّم ذكر الهُدَى، وهو ضدُّ الضلال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: دعاني معاوية فقال: بايع لابن أخيك. فقلت: يا معاوية {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} فأسكته عني. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {نوله ما تولى} من آلهة الباطل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوّة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وصلاه جهنم وساءت مصيراً. وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذَّ في النار ". تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن ابن عباس"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : لا يجمع الله أمتي. أو قال: هذه الأمة على الضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة".
القشيري
تفسير : خواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد، فمن خَالَفَ إشارات ما طولب به مِنْ طريق الباطن استوجب عقوبات القلوب، ومنها أنْ يَعْمَى عن إبصار رشده. وكما أن مخالفَ الإجماع عن الدين خارجٌ فمخالِفُ ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق - ساقط.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: المشاقة: المخالفة والمباعدة، كأن كل واحد من المتخالفين في شَقِّ غيرِ شقَّ الآخر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن} يخالف {الرسول} ويتباعد عنه {من بعد ما تبين له الهدى} أي: بعد ما تحقق أنه على الهدى؛ بالوقوف على المعجزات، فيترك طريق الحق {ويتبع غير سبيل المؤمنين} أي: يسلك غير ما هم عليه، من اعتقاد أو عمل. {نوله ما تولى} أي: نتركه مع ما تولى، ونجعله وليًّا له، ونُخَلِّي بينه وبين ما اختاره من الضلالة، {ونُصله جهنم} أي: ندخله فيها، ونشويه بها، {وساءت مصيرًا} أي: قَبُحت مصيرًا جهنم التي يصير إليها. والآية تَدُل على حرمة مخالفة الإجماع، لأن الله رتَّب الوعيد الشدد على مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، وكل منهما محرم وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرمًا، كان اتباع سبيلهم واجبًا، انظر البيضاوي. ثم نزل في طُعمة لما ارتد مشركًا: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقيل: كرر للتأكيد تقبيحًا لشأن الشرك، وقيل: أتى شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئًا منذ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذ من دونه وليًا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أُعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت. {ومن يشرك بالله فقد ضل} عن الحق {ضلالاً بعيدًا}؛ لإن الشّرك أقبح أنواع الضلالة، وأبعدها عن الثواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى. {فقد افترى}؛ لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى الشيء على الله. قاله البيضاوي. الإشارة: كل من خالف شيخه، وسلك طريقًا غير طريقة؛ ولاه الله ما تولى، واستدرجه من حيث لا يشعر، وقد تؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا فيه سوء أدب مع الله، لقطع الإمداد وأوجب البعاد، وقد يقطع عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا وتخليته وما يريد. وبالجملة: فالخروج عن مشايخ التربية والانتقال عنهم، ولو إلى من هو أكمل في زعمه، بعد ما ظهر له الفتح والهداية على يديه؛ طردٌ وبعدٌ، وإفساد لبذرة الإرادة، فلا نتيجة له أصلاً. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى يشاقق الرسول يباين الرسول معادياً له، فيفارقه على العداوة، لأن المشاقة هي المباينة على وجه العداوة {من بعد ما تبين له الهدى} معناه من بعد ما نبين له وظهر أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله حق، وهدى موصل إلى الصراط المستقيم بما معه من الآيات والمعجزات مثل القرآن وغيره. وقوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} معناه ويتبع غير سبيل من صدقه وسلك منهاجا غير منهاجهم {نوله ما تولى} معناه نجعل ناصره ما استنصره واستعان به من الأوثان والاصنام وهي لا تغنيه ولا تدفع عنه من عذاب الله شيئاً {ونصله جهنم} أي ونجعله صلى نار جهنم معناه نحرقه بها وقد بينا معنى الصلى فيما تقدم {وساءت مصيراً} يعني موضعاً يصير إليه من صار اليه. [القراءة]: وقرأ ابو عمرو وحمزة وابو بكر الا البرجمي، والداجوى عن هشام، وابو جعفر من طريق النهرواني قوله "ونصله، ونوده" "ولا يؤده" حيث وقع بسكون الهاء فيهن، قال الزجاج يقول في ذلك كسر الهاء، واثبات الياء وضم الهاء، واشباعها بالواو وبكسر الهاء بلا ياء. ولا يجوز اسكان الهاء بلا كسر، لان الهاء من حقها أن تكون معها ياء فحذف الياء. واثبات الياء وضم الهاء ضعيف، ولا يجوز حذف الياء إلا اذا كان هناك كسرة يدل عليها النزول والمعنى. ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: {ولا تكن للخائنين خصيماً} لما أبى التوبة أبو طعمة بن الابيرق ولحق بالمشركين من عبدة الاوثان بمكة مرتدا مفارقا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو قول مجاهد وقتادة، واكثر المفسرين. وهو المروي عن أبى جعفر عليه السلام. وقد استدل خلق من المتكلمين، والفقهاء بهذه الآية على أن الاجماع حجة، بأن قالوا: توعد الله على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلولا أن اتباعهم واجب لم يجز ذلك، وهذا ليس بصحيح من وجوه: أحدها - أن الآية نزلت في من تقدم ذكره وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فيجب أن يتناوله ويتناول كل من يجري مجراه من المرتدين ومخالفي الاسلام. والثاني - أن من أصحابنا من قال: لا نسلم أنه أزاد ب (من) في هذه الآية الاستغراق، ولا بلفظة {سبيل} جميع السبل، ولا ب {المؤمنين} جميع المؤمنين، فمن أين لهم وجوب الاستغراق. وإذا احتمل التخصيص، جاز لنا أن نحمل على سبيل الايمان الذي من خالفه كان كافراً، أو المؤمنين أراد به الائمة المعصومين، ولو جاز حملها على العموم، لوجب حملها على أهل جميع الأعصار على وجه الجمع دون أهل كل عصر، لأن العموم يقتضي ذلك، فاذا خصوا بأهل كل عصر، خصصنا ببعض أهل العصر على أنه إنما حرم اتباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين وجوب اتباع سبيلهم، ولم لا يجوز أن يكون اتباع غير سبيلهم محصوراً. واتباع سبيلهم موقوفا على الدليل، ويجوز أن يكون أيضاً محظوراً مثله أو مباحاً أو مندوبا، فمن أين الوجوب مع احتمال جميع ذلك على أنه لو سلم جميع ذلك، لكان يجب علينا اتباع إذا كانوا مؤمنين، لأنه هكذا أوجب، فمن أين انهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين. ووجوب الاتباع تابع لكونهم مؤمنين، فيحتاجون الى دليل آخر في أنهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين غير الآية على أن ظاهر الآية يتضمن أن من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين يتناوله الوعيد، فمن أين أنه إذا انفرد احدهما عن الآخر يتناوله الوعيد. ونحن إنما نعلم تناول الوعيد على مشاقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بانفرادها بدليل غير الآية، فعلى من خالف أن يقول: إن اتباع غير سبيل المؤمنين يتناوله الوعيد بدليل غير الآية. وقد استوفينا ما في هذه الآية في أصول الفقه، وغيره من كتبنا مشروحا لا نطول بذكره ها هنا.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} بان يناجى بخلافه ولا يرضى بقوله وينهى عمّا يأمر به كمن تحالفوا فى مكّة لا يتركوا هذا الامر فى بنى هاشم ومثل من تخلّف عن جيش اسامة {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} الرّشاد او حقيقة الهدى وهى الولاية فانّها تبيّنت بقول الله وقول رسوله (ص) {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالبيعة الخاصّة الولويّة كسبيل سلمان وابى ذرّ واقرانهما او غير سبيل المسلمين من حيث اسلامهم فانّ سبيلهم من حيث الاسلام هى السّبيل المنتهية الى الولاية {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} نوجّهه تكويناً ما توجّه اليه باختياره من سبيل الجحيم {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} لانتهاء سبيله اليها {وَسَآءَتْ مَصِيراً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} باعتبار مظهره الّذى هو علىّ (ع) استيناف فى موضع التّعليل تعليلاً للحكم واظهاراً لانّ مشاقّة الرّسول (ص) فى علىّ (ع) والشّرك به شرك بالله {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} قد مضى الآية بتمام اجزائها سابقاً {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} باعتبار الشّرك بالولاية {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} وصف الضّلال بالبعد باعتبار بعد صاحبه مبالغةً.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى}: يكون فى جهة من الدين غير الجهة التى هى جهة الرسول، وهى دين الله من بعد ما ظهر له الحق بالاخبار بالغيب، الدال على أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخبر بأن السارق طعمة، وعلى أن دين الله هو ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ}: غير دينهم، وهو دين الله تعالى قولا وعملا واعتقادا. {نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى}: نصيره تاليا ما اختاره لنفسه، وتولاه من الضلال، أى نخذله ونبقيه على ضلاله، أو نجزيه بمثل ما فعل من الضلال، فان المعصية تجر الأخرى. {وَنُصْلِهِ}: ندخله. {جِهَنَّمَ}: ليحترق فيها، وقرئ بفتح النون من صلاه يصليه. {وَسَاءَتْ مَصِيراً}: جهنم. قال الفخر الرازى: سئل الشافعى، هل فى القرآن آية تدل على أن الاجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى استخرج قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنِين} ووجهه باختصار وايضاح ان الأمة لا تجتمع على ضلالة، فاذا اجتمع أهل عصر على شىء من الأصول أو الفروع كان فى سبيل الله، وخلافه غير سبيل الله تعالى، والحديث أيضا دليل على أن الاجماع حجة أعنى حديث أمتى لا تجتمع على ضلالة.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} يكن فى شق غير شق كان فيه الرسول، وهو دين الإسلام، وفك القاف هنا وفى الأنفال لانفكاك ما بين الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خالفه، وأدغم فى الحشر لعدم ذكر الرسول، وهذا أولى من أنه أدغم فى الحشر، للزوم أل فى لفظ الجلالة، واللزوم يثقل، فخفف بإدغام القاف، وهنا أل لا تلزم فى الرسول، وكذا فى الأنفال، والمعطوف عليه والمعطوف كشىء واحد فيها، وكأنه تلت القاف الرسول، وذكر الرسالة للتشنيع على من يخالف مقتضاها {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى} بظهور المعجزات الحسية، والإخبار بالغيوب الواقع، ونظم القرآن وصدقه فى الحكم {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنينَ} من اعتقاد وإقرار وعمل {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} نجعله تاليا جزاء ما تولى من المخالفة، او نبقه على ما اختاره لنفسه منها، حتى يلقانا بها، أو نكله إلى ما ادعى من شفاعة الأصنام له يوم القيامة، على فرض وقوع يوم القيامة، أو إلى ما انتصر به منهما فى الدنيا {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ} جهنم {مَصِيراً} ندخله، وهذا لعدم التأويل فيه أولى من تقدير وساءت التولية مصيراً، واتباع غير سبيل المؤمنين هو مشاقة الرسول، ومشاقته هى ابتاع غير سبيلهم، ولكن جمعهما نظرا إلى أن الرسول يأتى بالشرع من الله، والمسلمين يعملون به، والإتيان بالشرع غير عملهم به، وعملهم به غيره، والآية حجة فى أن الإجماع حجة، روى أنه سئل الشافعى عن آية تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، لأن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب إتباع سبيلهم، والإنسان إما متبع له أو غير متبع، ولا خروج عن طرفى المقيض، وقيل جعل يقرؤه ثلاثة أيام بلياليهن، وقيل ثلاث مرات، وعنه: قرأته ثلاث مرات فى كل يوم وليلة حتى وجدت الآية، واحتجاجه بالآية حق صحيح.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} أي يخالفه ـ من الشق فإن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر، ولظهور الانفكاك بين الرسول ـ ومخالفه فك الإدغام هنا، وفي قوله سبحانه في الأنفال [13] {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : ـ رعاية لجانب المعطوف، ولم يفك في قوله تعالى في الحشر [4] {أية : وَمَن يُشَآقّ ٱللَّهَ}تفسير : . وقال الخطيب: في حكمة الفك والإدغام أن أل في الاسم الكريم لازمة بخلافها في الرسول، واللزوم يقتضي الثقل فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول، وفي آية الأنفال صار المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وما ذكرناه أولى، والتعرض لعنوان الرسالة لإظهار كمال شناعة ما اجترءوا إليه من المشاقة والمخالفة، وتعليل الحكم الآتي بذلك، والآية نزلت كما قدمناه في سارق الدرع أو مودعها، وقيل: في قوم طعمة لما ارتدوا بعد أن أسلموا، وأياً مّا كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيندرج فيه ذلك وغيره من المشاقين. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} أي ظهر له الحق فيما حكم به النبـي صلى الله عليه وسلم أو فيما يدعيه عليه الصلاة والسلام بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل فيعم الأصول والفروع والكل والبعض {نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ} أي نجعله والياً لما تولاه من الضلال ويؤول إلى أنا نضله، وقيل: معناه (نخذله بأن) نخل بينه وبين ما اختاره لنفسه، وقيل: نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه وانتصر به في الدنيا من الأوثان {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أي ندخله إياها، وقد تقدم. وقرىء بفتح النون من صلاه {وَسَاءتْ مَصِيراً} أي جهنم أو التولية. واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على حجية الإجماع بهذه الآية، فعن المزني أنه قال: كنت عند الشافعي يوماً فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا فلما رآه ذا مهابة استوى جالساً وكان مستنداً لأسطوانة وسوى ثيابه فقال له: ما الحجة في دين الله تعالى؟ قال: كتابه، قال: وماذا؟ قال: سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة، قال: من أين هذا الأخير أهو في كتاب الله تعالى؟ فتدبر ساعة ساكتاً، فقال له الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام بلياليهنّ فإن جئت بآية وإلا فاعتزل الناس فمكث ثلاثة أيام لا يخرج وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر وقد تغير لونه فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي، فقال: نعم أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ} الخ لم يصله جهنم على خلاف المؤمنين إلا واتباعهم فرض، قال: صدقت وقام وذهب، وروي عنه أنه قال: قرأت القرآن في كل يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات حتى ظفرت بها. ونقل الإمام عنه أنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية. واعترض ذلك الراغب بأن سبيل المؤمنين الإيمان كما إذا قيل: اسلك سبيل الصائمين والمصلين أي في الصوم والصلاة، فلا دلالة في الآية على حجية الإجماع، ووجوب اتباع المؤمنين في غير الإيمان، / ورده في «الكشف» بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول، ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف مثلاً تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضاً فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه، فسبيل المؤمنين هنا عام على ما أشرنا إليه. واعترض بأن المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فيلزم في المعطوف ذلك فإذا لم يكن في الإجماع فائدة لأن الهدى عام لجميع الهداية، ومنها دليلا الإجماع وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة، وأجيب بمنع لزوم القيد في المعطوف، وعلى تقدير التسليم فالمراد بالهداية الدليل على التوحيد والنبوة، فتفيد الآية أن مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام، فيكون الإجماع مفيداً في الفروع بعد تبين الأصول، وأوضح القاضي وجه الاستدلال بها على حجية الإجماع وحرمة مخالفته بأنه تعالى رتب فيها الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما أو أحدهما أو الجمع بينهما، والثاني باطل إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحدّ، وكذا الثالث لأن المشاقة محرمة ضم إليها غيرها أو لم يضم، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً كان اتباع سبيلهم واجباً لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم. فإن قيل: لا نسلم أن ترك اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين لأنه لا يمتنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين. أجيب بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم فوجب أن يكون متبعاً لهم، وبعبارة أخرى إن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل البتة، واعترض أيضاً بأن هذا الدليل غير قاطع لأن {غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يحتمل وجوهاً من التخصيص لجواز أن يراد سبيلهم في متابعة الرسول أو في مناصرته أو في الاقتداء به عليه الصلاة والسلام أو فيما صاروا به مؤمنين، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن فيكون إثباتاً للإجماع بما لا يثبت حجيته إلا به فيصير دوراً، واستصعب التقصي عنه، وقد ذكره ابن الحاجب في «المختصر»، وقريب منه قول الاصفهاني في اتباع سبيلهم لما احتمل ما ذكر وغيره صار عاماً، ودلالته على فرد من أفراده غير قطعية لاحتمال تخصيصه بما يخرجه مع ما فيه من الدور، وأجاب عن الدور بأنه إنما يلزم لو لم يقم عليه دليل آخر، وعليه دليل آخر، وهو أنه مظنون يلزم العمل به لأنا إن لم نعمل به وحده فإما أن نعمل به وبمقابله أو لا نعمل بهما، أو نعمل بمقابله، وعلى الأول يلزم الجمع بين النقيضين، وعلى الثاني ارتفاعهما، وعلى الثالث العمل بالمرجوح مع وجود الراجح والكل باطل، فيلزم العمل به قطعاً، واعترض أيضاً بمنع حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقاً بل بشرط المشاقة، وأجاب عنه القوم بما لا يخلو عن ضعف وبأن الاستدلال يتوقف على تخصيص المؤمنين بأهل الحل والعقد في كل عصر، والقرينة عليه غير ظاهرة، وبأمور أخر ذكرها الآمدي والتلمساني وغيرهما، وأجابوا عما أجابوا عنه منها، وبالجملة لا يكاد يسلم هذا الاستدلال من قيل وقال، وليست حجية الإجماع موقوفة على ذلك كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله}تفسير : [النساء: 114] بمناسبة تضادّ الحالين. والمشاقّة: المخالفة المقصودة، مشتقّة من الشِّقّ لأنّ المخالف كأنّه يختار شِقّا يكون فيه غير شِقّ الآخر. فيحتمل قوله: {من بعد ما تبين له الهدى} أن يكون أراد به من بعد ما آمن بالرسول فتكون الآية وعيداً للمرتدّ. ومناسبتها هنا أن بشير بن أبَيْرق صاحب القصّة المتقدّمة، لمّا افتضح أمره ارتدّ ولحق بمكة، ويحتمل أن يكون مراداً به من بعد ما ظهر صدق الرسول بالمعجزات، ولكنّه شاقَّه عناداً ونِواء للإسلام. وسَبيل كلّ قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاصّ، فالسبيل مستعار للاعتقادات والأفعال والعادات، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحوّل عنها، كما يلازم قاصد المكان طريقاً يبلغه إلى قصده، قال تعالى: {أية : قل هذه سبيلي}تفسير : [يوسف: 108] ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله: {أية : إنّ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقّوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم}تفسير : [محمد: 32]، فمن اتّبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتّبع سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتّباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل، أو بناء الحصون، لا يحسن أن يقال فيه اتّبع غير سبيل المؤمنين. وكأنّ فائدة عطف اتّباع غير سبيل المؤمنين على مشاقّة الرسول الحَيطةُ لحفظ الجامعة الإسلامية بعد الرسول، فقد ارتدّ بعض العرب بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الحُطيئة في ذلك:شعر : أطعنا رسولَ اللَّه إذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر تفسير : فكانوا ممّن اتّبع غير سبيل المؤمنين ولم يُشَاقّوا الرسول. ومعنى قوله: {نوله ما تولى} الإعراض عنه، أي نتركه وشأنه لقلّة الاكتراث به، كما ورد في الحديث «حديث : وأمّا الآخر فأعرض الله عنه»تفسير : . وقد شاع عند كثير من علماء أصول الفقه الاحتجاج بهذه الآية، لكون إجماع علماء الإسلام على حكم من الأحكام حجّة، وأوّل من احتجّ بها على ذلك الشافعي. قال الفخر: «روي أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله تدلّ على أنّ الإجماع حجّة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتّى وجد هذه الآية. وتقرير الاستدلال أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتّباع سبيل المؤمنين واجباً. بيان المقدمة الأولى: أنّه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتّبع غير سبيل المؤمنين، ومشاقّة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتّباع غير سبيل المؤمنين موجباً له، لكان ذلك ضمّا لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقلّ باقتضاء ذلك الوعيد، وأنّه غير جائز، فثبت أنّ اتّباع غير سبيل المؤمنين حرام، فإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتّباع سبيلهم واجباً». وقد قرّر غيره الاستدلال بالآية على حجّيّة الإجماع بطرق أخرى، وكلّها على ما فيها من ضعف في التقريب، وهو استلزام الدليل للمدّعي، قد أوردت عليها نقوض أشار إليها ابن الحاجب في «المختصر». واتّفقت كلمة المحقّقين: الغزالي، والإمام في «المعالم»، وابنِ الحاجب، على توهين الاستدلال بهذه الآية على حجّيّة الإجماع.
الواحدي
تفسير : {ومَنْ يشاقق الرسول} أَيْ: يخالفه {من بعد ما تبيَّن له الهدى} الإِيمان بالله ورسوله، وذلك أنَّه ظهر له من الآية ما فيه بلاغ بما أطلع الله سبحانه على أمره، فعادى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد وضوح الحجَّة وقيام الدليل {ويتبع غير سبيل المؤمنين} غير دين الموحِّدين {نوله ما تولى} ندعه وما اختار لنفسه {ونصله جهنم} ندخله إيَّاها ونلزمه النَّار، ثمَّ أشرك بالله طعمة فكان يعبد صنماً إلى أن مات، فأنزل الله فيه: {إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به...} الآية. ثمَّ نزل في أهل مكة: {إن يدعون من دونه} أَيْ: ما يعبدون من دون الله {إلاَّ إناثاً} أَيْ: أصنامهم اللاَّت والعزَّى ومناة {وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً} ما يعبدون بعبادتهم لها إلاَّ شيطاناً خارجاً عن طاعة الله تعالى. يعني: إبليس؛ لأنَّهم أطاعوه فيما سوَّل لهم من عبادتها. {لعنه الله} دحره وأخرجه من الجنَّة {وقال} يعني إبليس: {لأتخذنَّ من عبادك} بإغوائي وإضلالي {نصيباً مفروضاً} معلوماً، أَيْ: مَن اتَّبعه وأطاعه. {ولأُضلنَّهم} عن الحقِّ {ولأمنينَّهم} أن لا جنَّة ولا نار. وقيل: ركوب الأهواء. {ولآمرنَّهم فليبتكنَّ آذان الأنعام} [أي: فليقطعنَّها] يعني: البحائر، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد [في سورة المائدة]. {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أَيْ: دينه. يكفرون ويحرِّمون الحلال، ويحلون الحرام {ومَنْ يتخذ الشيطان ولياً من دون الله} أيْ: [مَنْ] يُطعه فيما يدعو إليه من الضَّلال {فقد خسر خسراناً مبيناً} خسر الجنَّة ونعيمها.
د. أسعد حومد
تفسير : (115) - مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بِارْتِدَادِهِ عَنِ الإِسْلاَمِ، وَإظْهَارِ العَدَاوَةِ لَهُ، وَمَنْ يَسْلُكْ غَيْرَ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ التِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ، فَصَارَ فِي شِقٍّ، وَالشَّرْعُ فِي شِقٍّ آخَرَ، وَذَلِكَ عَنْ عَمْدٍ مِنْهُ، بَعْدَمَا ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الرُّشْدُ، وَمَنْ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ، التِي قَامَ عَلَيْهَا إجْمَاعُ الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ (وَإجْمَاعُ الأمَّةِ دَلِيلٌ عَلَى العِصْمَةِ مِنَ الخَطَأ)، جَازَاهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُحَسِّنَ لَهُ أَفْعَالَهُ فِي صَدْرِهِ، وَيُزَيِّنَهَا لَهُ اسْتِدْارَجاً لَهُ، وَيَجْعَلَ مَصِيرَهُ فِي جَهَنَّمَ، يَصْطَلِي بِلَظَاهَا، وَسَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمَصِيراً. يُشَاقِقِ - يُخَالِفِ. نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى - نُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. نُصْلِهِ جَهَنَّمَ - نُدْخِلْهُ فِيهَا فَيُشْوَى فِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "يشاقق" تدل على أن شقاً قد حدث في أمر كان ملتحماً، مثلما نشق قطعة الخشب فنجعلها جزئين بعد أن كانت كتلة واحدة. وأنتم أيها المؤمنون قد التحمتم بمنهج رسول الله إيماناً، واعترفتم به رسولا ومبلغ صدقٍ عن الله، فإياكم أن تشرخوا هذا الالتحام. فإن جاء حكم وحاول أحد المؤمنين أن يخرج عنه، فهذا شقاق للرسول والعياذ بالله. أو المعنى ومن سلك غير الطريقة التي جاء بها الرسول بأن صار في شق وشرع الله في شق آخر. { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} نعم فقد تبين الهدى للمسلم حينما آمن بالله خالقاً ورباً. وآمن بالرسول مبلغاً وهو بذلك قد أسلم زمامه إلى الله. ولذلك قلنا: إن عمل العقل هو أن ينظر في أدلة الوجود الأعلى لله، فإذا ما آمن الإنسان بالوجود الأعلى لله، بقيت مرتبة، وهي أن يؤمن الإنسان بالرسول المبلغ عن الله؛ لأن قصارى ما يطلبه العقل من الدليل الإيماني على وجود الله أن وراء الإنسان ووراء الكون قوة قادرة حكيمة عالمة فيها كل صفات الكمال. إن العقل لا يستطيع معرفة اسم هذه القوة. ولا يستطيع العقل أن يتعرف على مطلوباتها؛ لذلك لابد من البلاغ عن هذه القوة، وإذا تبين للإنسان الهدى في الوجود الأعلى وفي البلاغ عن الله فلا بد للإنسان أن يلتحم بالمنهج الذي جاء به المبلغ عن الله. ويفعل الإنسان مطلوب القوة العليا؛ لأن الله قد أمر به؛ ولأن رسول الله قد بلغ الأمر أو فعله أو أقرّه. أما إذا دخل الإنسان في مماحكات فإننا نقول له: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} تفسير : [النساء: 115] والهدى - كما نعرف - هو الطريق الموصل إلى الغاية. فكل فعل من أفعال الخلق لا بد له من هدف. ومن فعل فعلاً بلا هدف يعتبره المجتمع فاقداً للتمييز. أما إذا كان الإنسان صاحب هدف فهو يعترف على جدّية هدفه وأهميته. ويبحث له عن أقصر طريق، هذا الطريق هو ما نسميه الهدى. ومن يعرف الطريق الموصل إلى الهدى ثم يتبع غير سبيل المؤمنين فهو يشاقق الرسول، ولا يلتحم بمنهج الإيمان ولا يلتزم به، ومن يشاقق إنما يرجع عن إيمانه. وهكذا نعرف أن هناك سبيلا وطريقا للرسول، ومؤمنين اتبعوا الرسول بالتحام بالمنهج، ومن يشاقق الرسول يخالف المنهج الذي جاء به الرسول، ويخالف المؤمنين أيضاً. والحق هو القائل: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ} تفسير : [الأنعام: 153] فليس للحق إلا سبيل واحد. ومن يخرج عن هذا السبيل فما الذي يحدث له؟. ها هي ذي إجابة الحق: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}. وقد يأتي لفظ من المحتمل أن يكون أداة شرط ويحتمل أن يكون اسماً موصولاً مثل قولنا: مَن يذاكرُ ينجحُ. بالضم فيهما، و "من" هنا هي اسم موصول؛ فالذي يذاكر هو مَن ينجح. وقد نقول: مَن يذاكرْ ينجحْ. بالسكون وهنا "مَن" شرطية. وفي الاسم الموصول نجد الجملة تسير على ما هي، أما إذا كانت شرطية، فهناك الجزم الذي يقتضي سكون الفعل؛ ويقتضي - أيضا - جواباً للشرط. و "من" تصلح أن تكون اسماً موصولاً، وتصلح أن تكون أداة شرط، ونتعرف - عادة - على وضعها مما يأتي بعدها. مثال ذلك قوله الحق: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ} ونجد "يتبع" هنا عليها سكون الجزم، وهذا يدل على أن "مَنْ" شرطية. وتختلف القراءة لو اعتبرنا "مَن" اسم موصول؛ لأن هذا يستدعي ترك الفعل "يشاقق" في وضعه كفعل مضارع مرفوع بالضمة، وكذلك يكون "يتبعْ" فعلاً مضارعاً مرفوعاً بالضمة؛ عند ذلك نقول: "نوليه ما تولى ونصليه". ولكن إن اعتبرنا "مَن" أداة شرط - وهي في هذه الآية شرطية - فلا بد من جزم الفعل فنقرأها "ومن يشاققْ الرسول من بعد ما تبين له الهدى". وكذلك نجزم الفعل المعطوف وهو قوله: (ويتبعْ) ويجزم جواب الشرط وما عطف عليه وهو قوله: (نولّهِ) (ونصْلِه) والجواب وما عطف عليه مجزومان بحذف حرف العلة وهي الياء من آخره {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}. ومعنى "تَوَلَّى" أي قرب، ويقال: فلان وَلِي فلان؛ أي صار قريباً له. ومن يتبع غير سبيل المؤمنين، فالحق لا يريده بل ويقربه من غير المؤمنين ويكله إلى اصحاب الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه يقول: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركه". فالذي يحتاج إلى الشرك هو من زاوية من ضعف، ويريد شريكاً ليقويه فيها. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - لا نجد أحداً يشارك واحداً على تجارة إلا إذا كان يملك المال الكافي لإدارة التجارة أو لا يستطيع أن يقوم على شأنها. وسبحانه حين يعلمنا: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". أي أن له مطلق القوة الفاعلة التي لا تحتاج إلى معونة، ولا تحتاج إلى شريك؛ لأن الشركة أول ما تشهد فإنها تشهد ضعفا من شريك واحتياجاً لغريب. ولذلك فمن يشاقق الرسول في أمر إيماني فالحق يوليه مع الذي كفر ويقربه من مراده. وسبحانه يعلم أن الإنسان لن ينتفع بالشيء المشاقق لرسول الله، بل يكون جزاء المشاقق لرسول الله والمتبع لغير سبيل المؤمنين أن يقربه الله ويدينه من أهل الكفر والمعاصي، ويلحقه بهم ويحشره في زمرتهم. ولا يعني هذا أن الله يمنع عن العبد الرزق، لا، فالرزق للمؤمن وللكافر، وقد أمر الله الأسباب أن تخدم العبد إن فعلها. ومن رحمة الله وفضله أنه لا يقبض النعمة عن مثل هذا العبد، فالشمس تعطيه الضوء والحرارة، والهواء يهب عليه، والأرض تعطيه من عناصرها الخير: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20] ويقول سبحانه: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} تفسير : [الإسراء: 20] وهكذا نجد العطاء الرباني غير مقصور على المؤمنين فقط ولكنه للمؤمن وللكافر، ولو لم يكن لله إلا هذه المسألة لكانت كافية في أن نلتحم بمنهجه ونحبه. {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} ولا بد أن يكون المصير المؤدي إلى جهنم غاية في السوء. وبعد ذلك تأتي سيرة الخيانة العظمى للإيمان، إنها قول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ..}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} [الآية: 115] يقول: نوله في الآخرة ما تولى من الهه الباطل في الدنيا. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ إِنَاثاً} [الآية: 117]. يعني أَوثاناً. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {إِلاَّ إِنَاثاً} [الآية: 117]. كل شيء ليس فيه روح، الخشبة والحجر ونحوه. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أَبي عمار، عن ابن عباس قال: نا حماد بن سلمة عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} [الآية: 119]. يعني: اخصاءَ البهائم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن مغيرة عن إِبراهيم قال: يعني دين الله، عز وجل [الآية: 119]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا أَبو جعفر الرازي، عن مغيرة عن إِبراهيم مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: يعني الفطرة الدين. [الآية: 119]. انبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال: حدثنا، آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [الآية: 127]. قال: كان أَهل الجاهلية لا يقسمون للنساءِ ولا للصبيان شيئاً. يقولون: إِنهم لا يغزون ولا يغنون خيراً، ففرض الله، عز وجل، لهم الميراث. ثم قال: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [الآية: 127] . فقال: ليتقين رجل في مال يتيمه إِن لم يكن له حسنة. وأُمروا فليتيم بالقسط يعني بالعدل.
الأندلسي
تفسير : {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} الآية نزلت في طعمة بن أبيرق لما فضحه الله بسرقته وبرأ اليهودي ارتد وذهب إلى مكة، وقيل في أهله قدموا فأسلموا ثم ارتدوا ومن يشاقق عام فيندرج فيه طعمة وغيره من المشاققين وفي سورة الحشر بيشاق بالإِدغام وهي لغة تميم والفك لغة الحجاز وقد قرىء بهما في قوله: {أية : مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} تفسير : [المائدة: 54] والرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} أي اتضح له الحق الذي هو سبب الهداية وهذا تقبيح عظيم لمن اتضح له الحق وسلك غيره وسبيل المؤمنين هو الدين الحنيفي الذي هم عليه، وهذه الجملة المعطوفة هي على سبيل التوكيد والتشنيع والا فمن يشاقق الرسول هو متبع غير سبيل المؤمنين ضرورة ولكنه بدأ بالأعظم في الاثم واتبع بملازمة توكيداً واستدل الشافعي رضي الله عنه وغيره بهذه الآية والزمخشري في تفسيره على أن الإِجماع حجة لا تجوز مخالفتها كما لا يتجوز مخالفة الكتاب والسنة وما ذكروه ليس بظاهر لأن المرتب على وصفين اثنين لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما فالوعيد إنما يترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ولذلك كان الفعل معطوفاً على الفعل، ولم يعد معه اسم الشرط فلو أعيد اسم الشرط فكان يكون ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين لكان فيه ظهوراً على ما ادعوا وهذا كله على تسليم أن يكون قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين مغايراً لقوله: ومن يشاقق الرسول، وليس بمغاير بل هو أمر لازم لمشاقة الرسول وذكر على سبيل المبالغة والتوكيد وتفظيع الأمر وتشنيعه والآية بعد هذا كله هي في وعيد الكفار فلا دلالة فيها على جزئيات فروع مسائل الفقه. وقرىء يوله ويصله بالياء وبالنون فيهما ويصل الهاءين بياء واختلاس الحركة فيهما وسكونها. وقرىء ونصله بفتح النون من صلا وبضمها من أصلي ومصيراً تمييز والمخصوص بالذم محذوف مضمر يعود على جهنم أي وساءت مصيراً هي. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، تقدم تفسيرها إلا أن آخر ما تقدم فقد افترى إثماً عظيماً، وآخر هذه فقد ضل ضلالاً بعيداً، ختمت كل آية بما يناسبها فتلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع شريعته ونسخها جميع الشرائع ومع ذلك فقد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله والإِيمان بما نزل فصار ذلك افتراء واختلافاً مبالغاً في العظم والجرأة على الله وهذه الآية في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم ومع ذلك فقد جاءهم الهدى من الله وبأن لهم طريق الرشد فأشركوا بالله فضلوا بذلك ضلالاً يستبعد وقوعه أو يبعد عن الصواب ولذلك جاء بعده أن يدعون من دونه إلا إناثاً وجاء بعد تلك ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم. وقوله: {أية : انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} تفسير : [النساء: 50] ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد بهم اليهود وإن كان اللفظ عاماً. ولما كان الشرك أعظم الكبائر كان الضلال الناشىء عنه بعيداً عن الصواب لأن غيره من المعاصي وإن كان ضلالاً لكنه قريب من أن يراجع صاحبه الحق لأن له رأس مال يرجع إليه وهو التوحيد، بخلاف المشرك، ولذلك قال تعالى: {أية : يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ}تفسير : [الحج: 12]. وناسب هنا أيضاً ذكر الضلال لتقدم الهدى قبله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ويعانده فيما جاء به { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية. { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلا أن يبقيه في ضلاله حائرا ويزداد ضلالا إلى ضلاله. كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : وقال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } . تفسير : ويدل مفهومها على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب أو الهّم بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه بحفظه ويعصمه من السوء، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: {أية : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } تفسير : أي: بسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء، وكذلك كل مخلص، كما يدل عليه عموم التعليل. وقوله: { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } أي: نعذبه فيها عذابا عظيما. { وَسَاءَتْ مَصِيرًا } أي: مرجعا له ومآلا. وهذا الوعيد المرتب على الشقاق ومخالفة المؤمنين مراتب لا يحصيها إلا الله بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا، فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان. ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق. وهو: أن الشرك لا يغفره الله تعالى لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات. فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود وعدم الكمال وعدم الغنى، والفقر من جميع الوجوه. وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته، وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ. ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، و { سبيل المؤمنين } مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } . ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس } تفسير : فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا أي: عدلا خيارا ليكونوا شهداء على الناس أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم ولا عالمين بها. ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } تفسير : يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه بل اتفقوا عليه أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة فلا يكون مخالفا. فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، ولهذا بيَّن الله قبح ضلال المشركين بقوله: { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):