Verse. 609 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّ اللہَ لَا يَغْفِرُ اَنْ يُّشْرَكَ بِہٖ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللہِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰلًۢا بَعِيْدًا۝۱۱۶
Inna Allaha la yaghfiru an yushraka bihi wayaghfiru ma doona thalika liman yashao waman yushrik biAllahi faqad dalla dalalan baAAeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا» عن الحق.

116

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد. والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ } تفسير : [النساء: 115] إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } {إن} ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } تفسير : [النساء: 159] و {يَدْعُونَ } بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، وقوله {إِلاَّ إِنَـٰثاً } فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز. قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد وأسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله {أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } تفسير : [المرسلات: 11] قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة. القول الثاني: قوله {إِلاَّ إِنَـٰثاً } أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني. الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات. القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلاْنثَىٰ } تفسير : [النجم: 27] والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى. ثم قال: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً } قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هـٰهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية {وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } ولا شك أن قائل هذاالقول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء. ثم قال تعالى؛ {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } وفيه مسألتان. المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قوله {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ } صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع. واعلم أن الشيطان هـٰهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم، وكذا قوله {أية : وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } تفسير : [البقرة: 237] أي جعلتم لهن قطعة من المال. إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».تفسير : فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله. أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر {أية : فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 20] وقال حاكياً عن الشيطان {أية : لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 62]. وحكي عنه أيضاً أنه قال {أية : لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [صۤ: 82، 83] ولا شك أن المخلصين قليلون. وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس. إذا ثبت هذا فنقول: لم قال {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً } مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟ والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس. وثانيها: {ولأَضِلَّنَّهُمْ } يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا. فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله تعالى قالوا: وإنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه، ونظيره قوله {لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وقوله {لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } وقوله {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإلۤه موصوفاً بذلك. والأصل الثاني: وهو أن أهل السنة يقولون: الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال. والجواب: أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً، فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو قوله {لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله {أية : رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } تفسير : [القصص: 39] وتارة يظهر التردد فيه حيث قال: {أية : رَبَّنَا هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَـٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } تفسير : [القصص: 63] يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟ ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله. وثالثها: قوله {وَلأَمَنّيَنَّهُمْ } واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال {وَلأمَنّيَنَّهُمْ } وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل» تفسير : والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة. ورابعها: قوله {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلاْنْعَـٰمِ } البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع. قال الواحدي رحمه الله: التبتيك هۤهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق. خامسها: قوله {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } وللمفسرين هـٰهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة» تفسير : ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام. القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله الواصلات والواشمات» تفسير : قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا. الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هـٰهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها. الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان. فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، وضرر الدين هو قوله {وَلأمَنّيَنَّهُمْ } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلاْنْعَـٰمِ } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله {وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، وهي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بدّ من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة، وهو كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [الحشر: 19] وقال {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46]. واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال: {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى، وإنما قال {خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلاً، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق. ثم قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده، ويستولي على أعدائه، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لا بدّ وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب. وفي الآية وجه آخر: وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } المحيص المعدل والمفر. قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا بدّ لهم من ورودها. الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله {وَلاَ يَجِدُونَ } عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً. والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار. ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا}. وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع. ثم قال: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } قال صاحب «الكشاف»: هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقاً. ثم قال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } وهو توكيد ثالث بليغ. وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، وقرأ حمزة والكسائي {أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } باشمام الصاد الزاي، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو {أية : قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [النحل: 9] {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ }تفسير : [الحجر: 94] والقيل: مصدر قال قولاً وقيلاً، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى:

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } كرره للتأكيد، أو لقصة طعمة. وقيل جاء شيخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني شيخ منهك في الذنوب ألا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً، وإني لنادم تائب فما ترى حالي عند الله سبحانه وتعالى. فنزلت {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً } عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله سبحانه وتعالى.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} الآية، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة، وقد روى الترمذي: حدثنا ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه: أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} الآية، ثم قال: هذا حسن غريب. وقوله: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه، وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة. وقوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسن بن واقد عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية. وحدثنا أبي، حدثنا محمد ابن سلمة الباهلي عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} قالت: أوثاناً. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. وقال جويبر عن الضحاك في الآية: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أرباباً، وصوروهن جواري، فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون: الملائكة، وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: {أية : أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ } تفسير : [النجم: 19] الآيات، وقال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} تفسير : [الزخرف: 19] الآية، وقال: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] الآيتين. وقال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} قال: يعني موتى. وقال مبارك، يعني: ابن فضالة، عن الحسن: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة، وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهو غريب. وقوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً} أي: هو الذي أمرهم بذلك، وحسنه وزينه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس: 60] الآية. وقال تعالى إخباراً عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا: {أية : بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}. تفسير : [سبأ: 41]. وقوله: {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، وقال: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي: معيناً مقدراً معلوماً. قال مقاتل بن حيان: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} أي: عن الحق، {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وقوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ}. قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني: تشقيقها، وجعلها سمة، وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة، {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}، قال ابن عباس: يعني بذلك: خصي الدواب، وقد روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري، وقد ورد في حديث النهي عن ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك: الوشم، وفي صحيح مسلم، النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: «حديث : لعن الله من فعل ذلك» تفسير : وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «حديث : لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله عز وجل» تفسير : ثم قال: ألا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل، يعني قوله: {أية : وَمَآ ءَاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا} تفسير : [الحشر: 7] وقال ابن عباس في رواية عنه، ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} يعني: دين الله عز وجل، هذا كقوله: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 30] على قول من جعل ذلك أمراً، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء»تفسير : ؟ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم».تفسير : ثم قال تعالى: {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها. وقوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} وهذا إخبار عن الواقع؛ فإن الشيطان يعد أولياءه، ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدينا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال الله تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً}، كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ} ـ إلى قوله ـ {إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقوله: {أُوْلَٰئِكَ} أي: المستحسنون له فيما وعدهم ومناهم {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص. ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء، ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي: صدقت قلوبهم، وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: يصرفونها حيث شاؤوا، وأين شاؤوا {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: بلا زوال ولا انتقال {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: حقاً، ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} أي: لا أحد أصدق منه قولاً، أي: خبراً، لا إله هو، ولا رب سواه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: «حديث : إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلاً بعيداً} عن الحق.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } قد تقدّم تفسير هذه الآية، وتكريرها بلفظها للتأكيد، وقيل: كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق، وقيل إنها نزلت هنا لسبب غير قصة بني أبيرق. وهو ما رواه الثعلبي، والقرطبي في تفسيريهما عن الضحاك: أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته، وآمنت به، ولم أتخذ من دونه، ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب ومستغفر، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ } عن الحق {ضَلَـٰلاً بَعِيداً } لأن الشرك أعظم أنواع الضلال، وأبعدها من الصواب. {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } أي: ما يدعون من دون الله إلا أصناماً لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة وقيل المراد بالإناث: الموات التي لا روح لها كالخشبة، والحجر. وقيل المراد بالإناث: الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله. وقرىء «وثنا» بضم الواو والثاء جمع وثن، روى هذه القراءة ابن الأنباري عن عائشة. وقرأ ابن عباس «إلا أثنا» جمع وثن أيضاً، وأصله "وثن"، فأبدلت الواو همزة، وقرأ الحسن "إلا أنثا" بضم الهمزة والنون بعدها مثلثة، جمع أنيث كغدير وغدر. وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر. وحكى هذه القراءة أبو عمرو الداني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقرأ بها ابن عباس، والحسن، وأبو حيوة. وعلى جميع هذه القراءات، فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين، والإزراء عليهم، والتضعيف لعقولهم، لكونهم عبدوا من دون الله نوعاً ضعيفاً {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً } أي: وما يدعون من دون الله إلا شيطاناً مريداً، وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه. وقد تقدّم اشتقاق لفظ الشيطان. والمريد: المتمرّد العاتي، من مرد: إذا عتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة. وقد مرد الرجل مروداً: إذا عتا، وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرّد. وقال ابن عرفة: هو الذي ظهر شرّه، يقال شجرة مرداء: إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد: أي: ظاهر مكان الشعر من عارضيه. قوله: {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } أصل اللعن الطرد، والإبعاد. وقد تقدّم وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط. قوله: {وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } معطوف على قوله: {لَّعْنَهُ ٱللَّهِ } والجملتان صفة لشيطان، أي: شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله له وبين هذا القول الشنيع. والنصيب المفروض: هو المقطوع المقدّر، أي: لأجعلنّ قطعة مقدّرة من عباد الله تحت غوايتي، وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى الكفر به. وقوله: {وَلأَضِلَّنَّهُمْ } اللام جواب قسم محذوف. والإضلال: الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية، وهكذا اللام في قوله: {وَلأَمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ } والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان: هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته. قوله: {وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأنْعَـٰمِ } أي: ولآمرنهم بتبتك آذان الأنعام: أي: تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري. والبتك: القطع، ومنه سيف باتك، يقال بتكه وبتكه مخففاً، ومشدّداً، ومنه قول زهير:شعر : طارت وفي كفه من ريشها بتك تفسير : أي: قطع. وقد فعل الكفار ذلك امتثالاً لأمر الشيطان واتباعاً لرسمه، فشقوا آذان البحائر والسوائب، كما ذلك معروف. قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله، فليغيرنه بموجب أمري لهم. واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو؟ فقالت طائفة: هو الخصاء وفقء الأعين، وقطع الآذان. وقال آخرون: إن المراد بهذا التغيير هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار، والنار، ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج وقيل المراد بهذا التغيير: تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملاً شمولياً، أو بدلياً. وقد رخص طائفة من العلماء في خصاء البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون، وأما خصاء بني آدم فحرام، وقد كره قوم شراء الخصي. قال القرطبي: ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز وأنه مثلة وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حدّ ولا قود، قاله أبو عمر بن عبد البر. {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مّن دُونِ ٱللَّهِ } باتباعه وامتثال ما يأمر به من دون اتباع لما أمر الله به، ولا امتثال له {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } أي: واضحاً ظاهراً {يَعِدُهُمْ } المواعيد الباطلة {وَيُمَنّيهِمْ } الأماني العاطلة {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } أي: وما يعدهم الشيطان بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة {إِلاَّ غُرُوراً } يغرّهم به ويظهر لهم فيه النفع، وهو ضرر محض، وانتصاب {غروراً} على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: وعداً غروراً، أو على أنه مفعول ثان، أو مصدر على غير لفظه. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه، وله باطن مكروه وهذه الجملة اعتراضية. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى أولياء الشيطان، وهذا مبتدأ، وخبره الجملة، وهي قوله: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ }. قوله: {مَحِيصاً } أي: معدلاً، من حاص يحيص وقيل ملجأ، ومخلصاً؛ والمحيص اسم مكان، وقيل: مصدر. قوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخ جعل هذا الوعد للذين آمنوا مقترناً بالوعيد المتقدّم للكافرين. قوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } قال في الكشاف مصدران: الأوّل مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأوّل مؤكد لمضمون الجملة الاسمية، ومضمونها وعد، والثاني مؤكد لغيره، أي: حق ذلك حقاً. قوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً } هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، والقيل مصدر قال كالقول، أي: لا أجد أصدق قولاً من الله عز وجل؛ وقيل: إن قيلا اسم لا مصدر، وإنه منتصب على التمييز. وقد أخرج الترمذي من حديث عليّ أنه قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } قال الترمذي: حسن غريب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: اللات والعزة، ومناة كلها مؤنثة. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب في الآية قال مع كل صنم جنيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } قال: موتى. وأخرج مثله عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن. وأخرج مثله أيضاً عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن قال: كان لكل حيّ من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان، فأنزل الله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: اتخذوهنّ أرباباً، وصوروهنّ صور الجواري، فحلوا وقلدوا، وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده: يعنون الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: {وَقَالَ لأُتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ } الخ، قال: هذا إبليس يقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وأخرج ابن المنذر عن الربيع ابن أنس مثله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: {فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ ٱلأنْعَـٰمِ } قال التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أنس أنه كره الإخصاء، وقال فيه نزلت: {وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء البهائم والخيل. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح، وإخصاء البهائم وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ } قال: دين الله. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: الوشم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي وابن زيد وأبي مالك. والثاني: أنها الأوثان، وكان في مصحف عائشة: {إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً}. والثالث: الملائكة، لأنهم كانواْ يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك. والرابع: الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس، وقتادة. قوله تعالى: {ولأُضِلَّنَّهُمْ} يعني الإيمان. {ولأُمَنِّيَنَّهُمْ} يعني بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَامِ} أي لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ} فيه ثلاث تأويلات. أحدها: يعني دين الله، وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، وإبراهيم. والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس، وأنس، وعكرمة. والثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود، والحسن. قال ابن مسعود: "لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ والمتنمِّصَاتِ والمُتَفَلِّجَاتِ للحسُنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ".

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} قد مر تفسيرُه فيما سبق، وهو تكريرٌ للتأكيد والتشديد، أو لقصة طُعمةَ وقد مرّ موتُه كافراً. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن شيخاً من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخٌ منهمِكٌ في الذنوب إلا أني لم أشرِكْ بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنتُ به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم أواقع المعاصيَ جراءةً على الله تعالى وما توهّمتُ طرفةَ عينٍ أني أُعجِزُ الله هرباً وإني لنادم تائبٌ مستغفرٌ فما ترى حالي عند الله تعالى فنزلت) {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عن الحق فإن الشركَ أعظمُ أنواعِ الضلالةِ وأبعدُها عن الصواب والاستقامةِ كما أنه افتراءٌ وإثمٌ عظيمٌ، ولذلك جُعل الجزاءُ في هذه الشرطيةِ فقد ضل الخ، فيما سبق فقد افترى إثماً عظيماً حسبما يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريم وسياقُه. {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي ما يعبدون من دونه عز وجل {إِلاَّ إِنَـٰثاً} يعني اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ونحوَها. عن الحسن أنه لم يكن من أحياء العربِ حيٌّ إلا كان لهم صنمٌ يعبُدونه يسمُّونه أنثى بني فلان، قيل: لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بناتُ الله، وقيل: لأنهم كانوا يُلْبِسونها أنواعَ الحَلْي ويُزيِّنونها على هيئات النِّسوانِ، وقيل: المرادُ الملائكةُ، لقولهم: الملائكةُ بناتُ الله، وقيل: تسميتُها إناثاً لتأنيث أسمائِها أو لأنها في الأصل جمادٌ والجماداتُ تؤنَّثُ من حيث أنها ضاهت الإناثَ لانفعالها، وإيرادُها بهذا الاسم للتنبـيه على فرط حماقةِ عَبَدتِها وتناهي جهلِهم، والإناثُ جمع أنثى كرِباب ورُبّىٰ وقرىء على التوحيد، وأُنُثاً أيضاً على أنه جمع أنيث كقليب وقلُب، أو جمع أَنَثٍ كثمار وثمر وقرىء وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك: أسد وأسد وآسد على الأصل وقلبِ الواو ألفاً نحو أُجوه في وجوه {وَإِن يَدْعُونَ} وما يعبدون بعبادتها {إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً} إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها فكانت طاعتُهم له عبادةً والمَريد والمارد هو الذي لا يتعلق بخير، وأصلُ التركيبِ للملاسة ومنه صرحٌ مُمرّد وشجرةٌ مرداءُ للتي تناثر ورقُها {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} صفةٌ ثانيةٌ لشيطاناً {وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} عطفٌ على الجملة المتقدمةِ أي شيطاناً مريداً جامعاً بـين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيعِ الصادرِ عنه عند اللعنِ ولقد برهن على أن عبادةَ الأصنام غايةُ الضلال بطريق التعليلِ بأن ما يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلاً اختيارياً وذلك ينافي الألوهيةَ غايةَ المنافاةِ ثم استُدل عليه بأن ذلك عبادةٌ للشيطان وهو أفظعُ الضلالِ من وجوه ثلاثةٍ: الأولُ منهمكٌ في الغي لا يكاد يعلَق بشيء من الخير والهدى فتكون طاعتُه ضلالاً بعيداً عن الحق، والثاني أنه ملعونٌ لضلاله فلا تستتبعُ مطاوعتُه سوى اللعنِ والضلالِ، والثالثُ أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالِهم، فموالاةُ مَنْ هذا شأنُه غايةُ الضلالِ فضلاً عن عبادته، والمفروضُ: المقطوعُ أي نصيباً قُدّر لي وفُرض، من قولهم: فرَضَ له في العطاء.

القشيري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلاّ، بل هو الله الواحد. قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً}: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة. {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ}، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلاَّ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق (....) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}... الآية ومعنى قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} يقال جاء شيخ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال انى شيخ منهمك فى الذنوب الا انى لم اشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم اوقع المعاصى جراءة وما توقعت طرفة عين انى اعجز الله هربا وانى لنادم تائب فما ترى حالتى عند الله فنزلت هذه الآية. فالشرك غير مغفور الا بالتوبة عنه وما سواه مغفور سواء حصلت التوبة او لم تحصل لكن لا لكل احد بل لمن يشاء الله مغفرته {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} عن الحق فان الشرك اعظم انواع الضلالة وابعدها عن الصواب والاستقامة. قال الحدادى اى فقد ذهب عن الصواب والهدى ذهابا بعيدا وحرم الخير كله. والفائدة فى قوله {بعيدا} ان الذهاب عن الجنة على مراتب ابعدها الشرك بالله تعالى انتهى. فالشرك اقبح الرذائل كما ان التوحيد احسن الحسنات. والسيآت على وجوه كاكل الحرام وشرب الخمر والغيبة ونحوها لكن اسوء الكل الشرك بالله ولذلك لا يغفر وهو جلى وخفى حفظنا الله منهما. وكذا الحسنات على وجوه ويجمعها العمل الصالح وهو ما اريد به وجه الله واحسن الكل التوحيد لانه اساس جميع الحسنات وقامع السيآت ولذلك لا يوزن قال عليه السلام "حديث : كل حسنة يعملها ابن آدم توزن يوم القيامة الا شهادة ان لا اله الا الله فانها لا توضع فى ميزانه. " تفسير : لانها لو وضعت فى ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والارضون السبع وما فيهن كان لا اله الا الله ارجح من ذلك ثم ان الله تعالى بين كون ضلالهم ضلالا بعيدا فقال

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغفر الشرك، وأنه يغفر ما دونه، وقد بينا الاستدلال بذلك على ما نذهب اليه من جواز العفو عن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة، وإن لم يتوبوا فيما مضى، فلا وجه لاعادته وقيل أنه عنى بهذه الآية أبا طعمة الخائن حين أشرك ومات على شركه بالله، غير أن الآية وإن نزلت بسببه، فعندنا وعند جميع الأمة أن الله لا يغفر لمن أشرك به بلا توبة: لتناول العموم لهم، فان قيل: فعلى هذا من لم يشرك بالله بان لا يعبد معه سواه، وإن كان كافراً بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من اليهود النصارى ينبغي أن يكون داخلا تحت المشيئة، لأنه مما دون الشرك! قلنا: ليس الامرعلى ذلك لأن كل كافر مشرك، لأنه إذا جحد نبوة النبي اعتقد أن ما ظهر على يده من المعجزات - ليست من فعل الله، ونسبها الى غيره، وان الذي صدقه بها ليس هو الله، ويكون ذلك اشراكا معه على أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم قالوا: - يعني النصارى - {أية : المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزيز بن الله} تفسير : وذلك هو الشرك بالله تعالى على أنه لو لم يكونوا داخلين في الشرك لخصصناهم من جملة من تناولتهم المشيئة لاجماع الأمة على أن الله تعالى لا يغفر الكفر على وجه الابتوبة. وقوله: {ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} يعني من يجعل في عبادته مع الله شريكا، فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً، لأنه باشراكه مع الله في عبادته فقد أطاع الشيطان، وسلك طريقه وترك طاعة ربه.

الهواري

تفسير : قال الحسن: ثم استتابه الله فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}. فلما نزلت هذه الآية رجع إلى المسلمين. ثم إنه نقب على بيت من المسلمين بيتاً، فأدرك وقد وقع عليه الحائط فقتله. وقوله: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} والمعروف القرض. وأما قوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} أي من آلهة الباطل. قوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} فبلغنا أنها لما نزلت قال إبليس وجنوده: ذهب عملنا باطلاً؛ إذا فتنّاهم استغفروا فغفر لهم. فقال إبليس: لأحملنهم على أمر يدينون به فيقتل بعضهم بعضاً. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم وما يحقرون من أعمالهم قد رضي . تفسير : قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} قال الحسن: إلا أمواتاً. غير أن بعضهم روى عنه أنه قال: شيئاً ميتاً لا روح فيه. قال بعضهم هو مثل قوله: (أية : وَالذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) تفسير : [النحل:20-21] يعني أصنامهم. {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. قال بعضهم: مَرَد على المعصية. وقال الحسن: أي أن تلك الأوثان التي عبدوها من دون الله لم تدعهم إلى عبادتها وإنما دعاهم إلى عبادتها الشيطان.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}: تقدم تفسيره واعادة للتأكيد أو لإشراك طعمة، فقد قيل: انه نزل هنالك عاما ونزل هنا فى طعمة حين مات مشركا. وقال الشيخ هود رحمه الله: مات غير مشرك، نزل فيه: {أية : إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق }تفسير : الآيات، فافتضح بالسرقة، فارتد فنزل فيه: {أية : ومن يشاق الرسول }تفسير : الآية، ولما نزل: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} رجع الى المسلمين، ثم انه نقب على قوم من المسلمين بيتا فوقع عليه الحائط فقتله، ويقوى تفسير من يشاء بمن يشاء الله توبته، وقيل:حديث : انه جاء شيخ من العرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انى شيخ منهمك فى الذنوب، الا أنى أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أواقع المعاصى جراءة على الله، ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا، وانى لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالى عند الله تعالى؟ فنزلت الآية: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} . تفسير : {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ}: غيره. {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}: عن الحق، لأن أعظم الذنوب الشرك، وذكر هنا الضلال لأن ما هنا فى سياق مشركى العرب ولا كتاب لهم، فهم أحق باسم الضلال، وذكر هنالك الافتراء، لأن ما هنالك فى سياق أهل الكتاب وشركهم بالافتراء على الله بما لم يقل وبالتبنى.

اطفيش

تفسير : {إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} عن الحق، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال، كرر مبدأ الآية للتأكيد، أو لأن الآيات المتقدمة نزلت فى سارق الدرع ومن يشاقق الرسول فى ارتداده، وختم الأولى بقوله فقد افترى، وهذه بقوله فقد ضل، لأن الأولى فى أهل الكتاب، وهم يتعاطون الحق عن الله عز وجل، وكذبوا عليه بأن عيسى إله أو ابن إله، وأن عزيراً ابن الله، وكذبوا فى قولهم محمد صلى الله عليه وسلم غير نبى، وأن القرآن ليس من الله عز وجل، والثانية فى مشركى العرب، لا يتعاطون ذلك، فناسب وصفهم بمطلق الضلال البعيد، روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أعرابيَّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى شيخ لم أشرك بالله تعالى شيئاً، مذ أسلمت، منهمك فى الذنوب للهوى لا جرأة على الله وما توهمت أنى أعجز الله تعالى، فما حالى؟ فنزلت الآية، وجعلت هنا، وأيضاً تقدم هنا ذكر الهدى، والضلال ضده، ومن ضلالهم البعيد فى الشرك أنهم يعبدون جمادات إناثاً تنفعل ولا تفعل، ومن شأن الرب أن يكون فاعلا لا منفعلا، وذلك من شدة سفههم كما قال: {إن يَدْعُونَ} يعبدون، أو ينادون فى مصالحهم {مِن دُونِهِ إلاّ إِنَاثاً} اللات والعزى ومناة، وهذه أسماء لأصنام، مذكرة ومؤنثة لفظياً بالتاء والألف، اعتبر تأنيثها فى الضمائر، والإشارة، والنعت، وغير ذلك تبعاً لتأنيث اللفظ، كما قد يؤنث الخليفة لمذكر اعتباراً للفظ وكالقراد يذكر، وإذا سمن لحقت اسمه التاء فقيل حلمه، فتؤنث فى ضميرها ونحوه، والمسمى واحد، ولأنهم يزينونها بزينة النساء، ولأنهم يقولون فى أصنامهم إنها بنات الله، جل الله وعز، ولضعفها وانحطاط قدرها كالأنثى، والعرب تسمى ما اتضع انثى ولأن لكل صنم شيطانه تظهر أحياناً حدفته، ولكل حى من العرب صنم يقال له أنثى بنى فلان، وقال مقاتل وقتادة والضحاك: إلا إناثاً أمواتاً لا روح فيها، والجماد يدعى أنثى تشبيهاً له بها من حيث إنه منفعل لا فاعل، أو الإناث الملائكة، فى زعمهم أنها بنات الله، مع اعتقادهم أن إناث كل شىء أخسه، ليسمون الملائكة تسمية الأنثى، وزاد بياناً لبعد ضلالهم، أنهم يدعون من تجرد عن الخير كله إلى الشرك كله، ولعن، وكان فى غاية العداوة لهم، فكيف يصل إليهم خير منه وهو إبليس كما قال {وَإن يَدْعُونَ} فى دعائهم لها أو عبادتهم أو طاعتهم {إلاّ شَيْطَاناً} لأنه أمرهم بتلك العبادة {مَّرِيداً} متجرداً عن الخير كل تجرد، هو إبليس عند مقاتل، ولا يوجد فى كل صنم، بل نوابه من الجن، وعن سفيان: فى كل صنم شيطان، ومادة مرد التجرد عن الشىء بعد حصوله، كتمرد الشجرة عن الورق، أو انتفائه عنه من أول، كالشىء الصقيل الذى لا يتعلق به شىء، والشاب الذى لا شعر فى وجهه.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} قد مر تفسيره فيما سبق وكرر للتأكيد، وخص هذا الموضع به ليكون كالتكميل لقصة من سبق بذكر الوعد بعد ذكر الوعيد في ضمن الآيات السابقة فلا يضر بعد العهد، أو لأن للآية سبباً آخر في النزول، فقد أخرج الثعلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن شيخاً من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني شيخ منهمك / في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله تعالى منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه ولياً ولم (أوقع) المعاصي جراءة وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله تعالى هرباً وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله تعالى؟» فنزلت. {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} شيئاً من الشرك، أو أحداً من الخلق، وفي معنى الشرك به تعالى نفي الصانع، ولا يبعد أن يكون من أفراده {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عن الحق، أو عن الوقوع ممن له أدنى عقل، وإنما جعل الجزاء على ما قيل هنا {فَقَدْ ضَلَّ } الخ، وفيما تقدم {أية : فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 48] لما أن تلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع شريعته وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالى ومع ذلك أشركوا وكفروا فصار ذلك افتراءاً واختلافاً وجراءة عظيمة على الله تعالى، وهذه الآية كانت في أناس لم يعلموا كتاباً ولا عرفوا من قبل وحياً ولم يأتهم سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فأشركوا بالله عز وجل وكفروا وضلوا مع وضوح الحجة وسطوع البرهان فكان ضلالهم بعيداً، ولذلك جاء بعد تلك {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [النساء: 49] وقوله سبحانه: {أية : انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} تفسير : [النساء: 50] وجاء بعد هذه قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً}.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي، جعل تمهيداً لما بعده من وصف أحوال شركهم. وتعقيب الآية السابقة بهذه مشير إلى أنّ المراد باتّباع غير سبيل المؤمنين اتّباع سبيل الكفر من شرك وغيره، فعقّبه بالتحذير من الشرك، وأكّده بأنّ للدلالة على رفع احتمال المبالغة أو المجاز. وتقدّم القول في مثل هذه الآية قريباً. غير أنّ الآية السابقة قال فيها {أية : ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً}تفسير : [النساء: 48] وقال في هذه {فقد ضل ضلالاً بعيداً} وإنّما قال في السابقة {فقد افترى إثماً عظيماً} لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله: {أية : يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقاً لما معكم} تفسير : [النساء: 47] فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيراً لهم من الافتراء وتفظيعاً لجنسه. وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيراً لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال. وأكِّدَ الخبر هنا بحرف (قَدْ) اهتماماً به لأنّ المواجه بالكلام هنا المؤمنون، وهم لا يشكّون في تحقّق ذلك. والبعيد أريد به القويّ في نوعه الذي لا يرجى لصاحبه اهتداء، فاستعير له البعيد لأنّ البعيد يُقصي الكائن فيه عن الرجوع إلى حيث صدر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن يشرك به: أن يعبد معه غيره من مخلوقاته بأي عبادة كانت. إن يدعون: أي ما يدعون. إلا إناثاً: جمع أنثى لأن الآلهة مؤنثة، أو أمواتاً لأن الميت يطلق عليه لفظ أنثى بجامع عدم النفع. مريداً: بمعنى مارد على الشر والإِغواء للفساد. نصيباً مفروضاً: حظاً معيناً. أو حصة معلومة. فليبتكن: فليقطعن. خلق الله: مخلوق الله أي ما خلقه الله تعالى. الشيطان: الخبيث الماكر الداعي إلى الشر سواء كان جنياً أو إنسياً. يمنيهم: يجعلهم يتمنون كذا وكذا ليلهيهم عن العمل الصالح. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} إخبار منه تعالى عن طعمة بن أبيرق بأنه لا يغفر له وذلك لموته على الشرك، أما إخوته الذين لم يموتوا مشركين فإن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم وإن شاء آخذهم كسائر مرتكبي الذنوب غير الشرك والكفر. وقوله تعالى {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي ضل عن طريق النجاة والسعادة ببعده عن الحق بعداً كبيراً وذلك بإِشراكه بربه تعالى غيره من مخلوقاته. وقوله تعالى {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً} هذا بيان لقبح الشرك وسوء حال أهله فأخبر تعالى أن المشركين ما يعبدون إلا أمواتاً لا يسمعون ولا يبصرون ولا ينطقون ولا يعقلون. إذ أوثانهم ميتة وكل ميت فهو مؤنث زيادة على أن أسماءها مؤنثة كاللات والعزى ومناة ونائلة، كما هم في واقع الأمر يدعون شيطاناً مريداً إذ هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام فعبدوها فهم إذاً عابدون للشيطان في باطن الأمر لا الأوثان، ولذا قال تعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً} لعنه الله وأبلسه عند إبائه السجود لآدم، {وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي عدداً كبيراً منهم يعبدونني ولا يعبدونك وهم معلومون معروفون بمعصيتهم إياك، وطاعتهم لي. وواصل العدو تبجحة قائلا: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} يريد عن طريق الهدى {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} يريد أعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لا يلقون عذاباً أو أنه سيغفر لهم. {وَلأَمُرَنَّهُمْ} فيطيعوني {فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ} أي ليجعلون لآلهتهم نصيباً مما رزقتهم ويعلمونها بقطع آذانها لتعرف أنها للآلهة كالبحائر والسوائب التي يجعلونها للآلهة. {وَلأَمُرَنَّهُمْ} أيضاً فيطيعونني فيغيرون خلق الله بالبدع والشرك، والمعاصي كالوشم والخصي. هذا ما قاله الشيطان ذكره تعالى لنا فله الحمد. ثم قال تعالى {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} لأن من والى الشيطان عادى الرحمن ومن عادى الرحمن تم له والله أعظم الخسران يدل على ذلك قوله تعالى {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} فيعوقهم عن طلب النجاة والسعادة {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} إذ هو لا يملك من الأمر شيئاً فكيف يحقق لهم نجاة أو سعادة إذاً؟ وهذا حكم الله تعالى يعلن في صراحة ووضوح فليسمعوه: {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي معدلاً أو مهرباً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- سائر الذنوب كابئرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك فلا يغفر لصاحبه. 2- عبدة الأصنام والأوهام والشهوات والأهواء هم في الباطن عبدة الشيطان إذ هو الذي أمرهم فأطاعوه. 3- من مظاهر طاعة الشيطان المعاصي كبيرها وصغيرها إذ هو الذي أمر بها وأطيع فيها. 4- حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع. 5- سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة.

القطان

تفسير : الدعاء: الطلب، ولكن يدعون هنا بمعنى يعبدون، لأن من عبد شيئاً دعاه عند الحاجة. اناث: معناها معروف، والمراد هنا اللات والعزى ومناة، لأن أسماءها مؤنثة، وقيل: المراد بالإناث الأموات، لأن العرب تصف الضعيف بالأنوثة. المريد: بفتح الميم، مبالغة في العصيان والتمرد, اللعن: الطرد والاهانة. النصيب المفروض: الحصة الواجبة. الأماني: جمع أمنية. البتك: القطع. المحيص: المهرب، والميم فيه زائدة، لأنه مصدر حاصَ يحيص، يقال: وقع في حَيْصَ بَيْصَ، أي في أمر يعسر التخلص منه. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}. تجد تفسيرها في الآية 48 من هذه السورة، ولا اختلاف بين النصين إلا في التتمة، حيث قال هناك: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} وقال هنا: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} والمعنى واحد. وهنا نتعرض للتكرار في القرآن، من جديد، فنورد ما قاله صاحب "تفسير المنار" عند تفسيره لهذه الآية: "ان القرآن ليس قانوناً، ولا كتاباً فنياً، يذكر المسألة مرة واحدة، يرجع اليها حافظها عند ارادة العمل بها، وانما هو كتاب هداية.. وانما ترجى الهداية بايراد المعاني التي يراد ايداعها في النفوس في كل سياق يعدها ويهيؤها لقبول المعنى المراد، وانما يتم ذلك بتكرار المقاصد الاساسية. ولا يمكن أن تتمكن دعوة عامة إلا بالتكرار، ولذلك نرى أهل المذاهب الدينية والسياسية الذين عرفوا سنن الاجتماع وطبائع البشر وأخلاقهم يكررون مقاصدهم في خطبهم ومقالاتهم التي ينشرونها في صحفهم وكتبهم". {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً}. كان أهل الجاهلية يزعمون ان الملائكة بنات الله: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}تفسير : [الإسراء:40]. وقد حملهم هذا الاعتقاد على أن يتخذوا تماثيل يسمونها أسماء الاناث، كاللات والعزى ومناة، ويرمزون بها الى الملائكة التي زعموا انها بنات الله.. ومع الزمن تحولت تلك الأصنام عندهم إلى آلهة تخلق وترزق.. هكذا تتحول وتتطور زيارة قبور الأولياء ـ عند الاعراب والعوام ـ من تقديس المبدأ الذي مات عليه صاحب القبر الى الاعتقاد بأنه قوة عليا تجلب النفع، وتدفع الضرر. {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. أي ان عبادة المشركين للاصنام هي في واقعها عبادة الشيطان نفسه، لأنه هو الذي أمرهم بها فأطاعوه. {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. المعنى ان الشيطان قال لله، جل وعز: ان لي سهماً فيمن خلقتَهم لعبادتك، وقلت عنهم فيما قلت: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات:56]، وان هذا السهم فرض واجب لي يطيعني ويعصيك. والآن: ان ظاهر الآية يدل على ان الشيطان شخص حقيقي، وانه يخاطب الله بقوة وثقة، فهل الكلام جارٍ على ظاهره، أو لا بد من التأويل؟. نقل صاحب "تفسير المنار" عن أستاذه الشيخ محمد عبده ان في كل فرد من أفراد الانسان استعداداً لعمل الخير والشر، ولاتباع الحق والباطل، والى هذا الاستعداد أشار سبحانه بقوله: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ}تفسير : [البلد:10]، وان النصيب المفروض للشيطان من الانسان هو استعداده للشر الذي هو أحد النجدين. وعليه يكون لفظ الشيطان كناية عن هذا الاستعداد. الشيطان والعلم الحديث: لقد سيطرت فكرة الشيطان على عقول الناس يوم كان العلم مجرد كلمات تقال، وسطورٍ تملأ صفحات الكتب، ولا تتجاوزها الى العمل الا قليلا ً، أما اليوم فقد أصبحت فكرة الشيطان بشتى تفاسيرها أسطورة بعد أن صار العلم مقياساً لكل حقيقة، وأساساً لكل خطوة يخطوها الانسان، وقوة في كل ميدان، حتى إنه يطير الى القمر والمريخ، يخاطب أهل الأرض من هناك؟. على هذا التساؤل نقول: لا نظن أحداً يهوّن من شأن العلم، ولا كونه قوة وثروة، فحاجة الناس اليه تماماً كحاجتهم الى الماء والهواء.. ولكن لا أحد يجهل ان العلم استعداداً للخير والشر، فهو حين يوجَّه الى الخير ينتج الطعام للجائعين، والكساء للعراة، والعلاج للمرضى، وحين يوجه الى الشر يقتل ويدمر.. والشر هو الركيزة الأولى لسياسة الشيطان الذي نعنيه. وقد أصبح العلم اليوم في يد السياسة تتجه به الى الفتك والهدم، والسيطرة والاستغلال. ولقد تضاعف نصيب الشر أو الشيطان ـ مهما شئت فعبر ـ بتقديم العلم وتطوره. كان أعوان الشر والاستعمار فيما مضى يتسلحون بقوة العضلات، أما الآن، وبعد ان بلغ العلم من الجبروت ما بلغ فإنهم يتسلحون بالذرة والصواريخ واسلحة الحرب الكيماوية. وهم لا ينسون إشعال حرب نفسية من الدسائس، يخططونها لأتباعهم، كلما اهتزت كراسيّهم بفعل رغبة الشعوب في التحرر وفعل الخير لأوطانهم. {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} اضلال الشيطان للانسان أن يزين له الحق باطلاً، والخير شراً، أو يوهمه انه لا حق ولا خير في الوجود، ولا جنة ولا نار، وفي الحديث: "حديث : خلق إِبليس مزيناً، وليس إِليه من الضلالة شيء"تفسير : أما تمنية الشيطان للانسان فهو أن يخيل اليه ادراك ما يتمناه رغم انه باطل، ويؤمله في النجاة يوم الحساب، وما الى ذلك من الأماني الكاذبة، والسعادة الموهومة. {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}. كان العرب في الجاهلية يقطعون آذان بعض الانعام، ويوقفونها للاصنام، ويحرّمونها على أنفسهم، ويأتي التفصيل عند تفسير {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} من سورة المائدة. وبعد ان كان الشر أو الشيطان يأمر حزبه في عصر الجاهلية بقطع آذان الانعام وتغيير خلق الله أصبح يأمرهم بالقاء قنابل النابالم على النساء والأطفال في فيتنام، والقنبلة الذرية على المدن كـ"هيروشيما" و"ناكازاكي" لافناء خلق الله. {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي يطيعه {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}. حيث يصبح ضحية الأهواء والشهوات، وأسير الأوهام والخرافات. {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}.حيث سار بهم على طريق التهلكة بعد ان زين لهم انه سبيل النجاة، فالزاني أو شارب الخمر ـ مثلاً ـ يخيل اليه انه يتمتع باللذائذ، وهو في واقعه يتحمل أعظم المضار دنيا وآخرة. {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}. أي ان حزب الشيطان من المشركين والمفسدين لا نجاة لهم من عذاب الله..

د. أسعد حومد

تفسير : {ضَلاَلاً} (116) - إنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي العِبَادَةِ سِوَاهُ، أمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ فإنَّ اللهَ قَدْ يَغْفِرُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ؛ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئاً فَقَدْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الحَقِّ، وَضَلَّ عَنِ الهُدَى، وَابْتَعَدَ عَنِ الصَّوَابِ، وَأهْلَكَ نَفْسَهُ، وَخَسِرَهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن؛ لأن الإيمان يَجُبُّ ما قبله أي يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي لا تتعلق بحقوق الآخرين كظلم العباد بعضهم بعضا. ومن عظمة الإيمان أن الإنسان حين يؤمن بالله وتخلص النية بهذا الإيمان، وبعد ذلك جاءه قدر الله بالموت، فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكباً فيها لبعض السيئات فينال عقابها. مثال ذلك "مخيريق" فحينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال مخيريق لليهود: ألا تنصرون محمداً والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا: اليوم يوم سبت فقال: لا سبت. وأخذ سيفه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة (أي لا يستطيع أن يقوم معها) فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد يضعها حيث شاء. فلم يصل في حياته ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مخيريق سائق يهود وسلمان سائق فارس وبلال سائق الحبشة". وسبحانه يبلغنا هنا: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ولله المثل الأعلى نرى في حياتنا مجتمعاً قد تقوم فيه ثورة أو انقلاب، ونجد قادة الثورة أو الانقلاب يرون واحداً يفعل ما شاء له فلا يقتربون منه إلى أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلابا، هنا تتم محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق الإيمان كلية ويشرك بالله؟ سبحانه لا يغفر ذلك أبداً، ولكنه يغفر ما دون ذلك، ومن رحمة الله بالخلق أن احتفظ هو بإرادة الغفران حتى لا يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي. ولكن لا بد من توبة العبد عن الذنب. ونعلم أن العبد لا يتم طرده من رحمة الله لمجرد ارتكاب الذنب. ونعلم أن هناك فرقاً بين من يأتي الذنب ويفعله ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم الله صحيح وصادق، لكن نفسه ضعفت، والذي يرد الحكم على الله. وقد نجد عبداً يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له وجه حل، كقول بعضهم: إن الربا ليس حراماً. هذا هو رد الحكم على الله. أما العبد الذي يقول: إنني أعرف أن الربا حرام ولكن ظروفي قاسية وضروراتي ملحة. فهو عبد عاصٍ فقط لا يرد الحكم على الله، ومن يرد الحكم على الله هو - والعياذ بالله - كافر. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} ولننتبه إلى أن بعض المستشرقين الذين يريدون أن يعيثوا في الأرض فساداً. ولكنهم بدون أن يدروا ينشرون فضيلة الإسلام، وهم كما يقول الشاعر: شعر : وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود تفسير : وحين يتكلمون في مثل هذه الأمور يدفعون أهل الإيمان لتلمس وجه الإعجاز القرآني وبلاغته. إنهم يقولون: بَلَّغ محمد قومه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} لكن يبدو أن السهو قد غلبه فقال في آية أخرى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] هم يحاولون نسبة القرآن إلى محمد لا إلى الله. ويحاولون إيجاد تضارب بين الآيتين الكريمتين. ونقول رداً عليهم: إن الواحد منكم أمي ويجهل ملكة اللغة، فلو كانت اللغة عندكم ملكة وسليقة وطبيعة لفهم الواحد منكم قوله الحق: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] وكان الواجب أن يفهم الواحد منكم أن الشرك مسألة أكبر من الذنب؛ فالذنب هو أن يعرف الإنسان قضية إيمانية ثم يخالفها، ولكن المشرك لا يدخل في هذا الأمر كله؛ لأنه كافر في القمة. ولذلك فلا تناقض ولا تعارض ولا تخالف بين الآيتين الكريمتين. والمستشرقون إنما هم قوم لا يفقهون حقيقة المعاني القرآنية. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}. والمشرك مهما أخذ من متع لحياته فحياته محدودة، فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها، وإن لم تبق له المتع فهي تخرج منه. إذن، هو إما تارك للمتع بالموت، أو المتع تاركة له بحكم الأغيار، فهو بين أمرين: إمّا أن يفوتها وإمّا أن تفوته. وهو راجع إلى الله، فإذا ما ذهب إلى الله في الآخرة والحساب، فالآخرة لا زمن لها ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته، وهذا ضلال بعيد جداً. أما الذي يضل قليلاً فهو يعود مرة أخرى إلى رشده. ومن المشركين بالله هؤلاء الذين لا يجادلون في ألوهية الحق ولكنهم يجعلون لله شركاء. وهناك بعض المشركين ينكرون الألوهية كلها وهذا هو الكفر. فهناك إذن مشرك يؤمن بالله ولكن يجعل له شركاء. ولذلك نجد أن المشركين على عهد رسول الله يقولون عن الأصنام: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [سورة الزمر: 3] ولو قالوا: لا نذبح لهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، مثلا، لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة الله، ولكنهم يثبتون العبادة للأصنام؛ لذلك لا مفر من دخولهم في الشرك. ويقول سيدنا إبراهيم عن الأصنام: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 77] إنه يضع الاستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه: إن ما تعبدونه من الأصنام، كلهم عدو لي، إلا رب العالمين. كأن قوم إبراهيم كانوا يؤمنون بالله ولكن وضعوا معه بعض الشركاء. ولذلك قال إبراهيم عليه السلام عن الله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} تفسير : [الشعراء: 78-79] إذن الشرك ليس فقط إنكار الوجود لله بل قد يكون إشراكاً لغير الله مع الله. ولنر من يعبدونه ويدعونه في مصائبهم: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً ...}