Verse. 610 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنْ يَّدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِہٖۗ اِلَّاۗ اِنٰثًا۝۰ۚ وَاِنْ يَّدْعُوْنَ اِلَّا شَيْطٰنًا مَّرِيْدًا۝۱۱۷ۙ
In yadAAoona min doonihi illa inathan wain yadAAoona illa shaytanan mareedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن» ما «يدعون» يعبد المشركون «من دونه» أي الله، أي غيره «إلا إناثا» أصناما مؤنثة كاللات والعزى ومناة «وإن» ما «يدعون» يعبدون بعبادتها «إلا شيطانا مريدا» خارجا عن الطاعة لطاعتهم له فيها وهو إبليس.

117

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله {إِلاَّ إِنَاثاً}؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و {إِنٍ} نافية بمعنى {مَآ}. و {إِنَـٰثاً} أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم؛ فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأنّ الأنثى من كل جنس أخسّه؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: {إِلاَّ إِنَاثاً} مواتا؛ لأن الموَات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموَات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لاتّضاع المنزلة؛ تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. وقيل: {إِلاَّ إِنَـٰثاً} ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله؛ عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلاّ وَثَنا» بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس؛ وقرأ أيضاً «وُثُنا» بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضاً جمع وَثَن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت. قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري ـ حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَوْثَاناً». وقرأ ٱبن عباس أيضاً «إلا أُثُناً» كأنه جمع وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جمل وجِمال، ثم جمع وِثانا على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل؛ ثم أبدل من الواو همزة لما ٱنْضمت؛ كما قال عز وجل: { أية : وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ } تفسير : [المرسلات: 11] من الوقت؛ فأُثنُ جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أُنُثا» جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبري أنه جمع إنَاث كثِمَار وثُمُر. حكى هذه القراءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو عَمرو الدّانِيّ؛ قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة. قوله تعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه؛ ونظيره في المعنى: { أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] أي أطاعوهم فيما أمروهم به؛ لا أنهم عبدوهم. وسيأتي. وقد تقدّم اشتقاق لفظ الشيطان. والمَرِيد: العاتِي المتمرّد؛ فعيل من مَرَد إذا عَتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة، وقد مَرُد الرجل يَمْرُد مروداً إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومَرِيد ومُتَمرّد. ابن عرفة: هو الذي ظهر شره؛ ومن هذا يقال: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيدانها؛ ومنه قيل للرجل: أمرد، أي ظاهر مكان الشعر من عارضيْه.

البيضاوي

تفسير : {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} يعني اللات والعزى ومناة ونحوها، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان وذلك إما لتأنيث أسمائها كما قال:شعر : وَمَا ذَكَرٌ فَإِنْ يَسْمَنْ فَأُنْثَى شَدِيد الأزمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسٌ تفسير : فَإِنه عنى القراد وهو ما كان صغيراً سمي قراداً فإذا كبر سمي حلمة، أو لأنها كانت جمادات والجمادات تؤنث من حيث إنها ضاهت الإِناث لا نفعاً لها، ولعله سبحانه وتعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيهاً على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثاً لأنه ينفعل ولا يفعل، ومن حق المعبود أن يكون فاعلاً غير منفعل ليكون دليلاً على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم. وقيل المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى، وهو جمع أنثى كرباب وربى، وقرىء «أنثى» على التوحيد وأننا على أنه جمع أنيث كخبث وخبيث، ووثنا بالتخفيف ووثناً بالتثقيل وهو جمع وثن كأسد وأسد وأسد وأثنا أثنا بهما على قلب الواو لضمها همزة. {وَإِن يَدْعُونَ } وإن يعبدون بعبادتها. {إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً } لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكأن طاعته في ذلك عبادة له، والمارد والمريد الذي لا يعلق بخير. وأصل التركيب للملابسة. ومنه {صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } وغلام أمرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ءانٍ } ما {يَدْعُونَ } يعبد المشركون {مِن دُونِهِ } أي الله أي غيره {إِلاَّ إِنَٰثاً } أصناماً مؤنثة كاللات والعزى ومناة {وَإِنْ } ما {يَدْعُونَ } يعبدون بعبادتها {إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً } خارجاً عن الطاعة لطاعتهم له فيها وهو إبليس.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {يدعون} عائد على من تقدم ذكره من الكفرة في قوله: {أية : ومن يشاقق الرسول} تفسير : [النساء:115] {إن} نافية بمعنى "ما" ويدعون عبارة مغنية موجزة في معنيي: يعبدون ويتخذون آلهة، وقرأ أبو رجاء العطاردي "إن تدعون" بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم، واختلف في معنى "الإناث" فقال أبو مالك والسدي وغيرهما: ذلك لأن العرب كانت تسمي أصنامها بأسماء مؤنثة، فاللات والعزى ومناة ونائلة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: ويرد على هذا أنها كانت تسمي بأسماء مذكرة كثيرة، وقال الضحاك وغيره: المراد ما كانت العرب تعتقده من تأنيث الملائكة وعبادتهم إياها، فقيل لهم هذا على جهة إقامة الحجة من فاسد قولهم، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: المراد: الخشب والحجارة وهي مؤنثات لا تعقل، فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث من الأشياء فيجيء قوله: {إلا إناثاً} عبارة عن الجمادات، وقيل: إنما هذا لأن العرب كانت تسمي الصنم أنثى فتقول: أنثى بني فلان. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث وأن التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير، وقيل معنى {إناثاً} أوثاناً، وفي مصحف عائشة "إن يدعون من دونه إلا أوثاناً" وقرأ ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح "إلا أنثاً" يريد وثناً، فأبدل الهمزة واواً، وهو جمع جمع على ما حكى بعض الناس، كأنه جمع وثناً على وثان، كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وثن كرهان ورهن وكمثال ومثل. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ، لأن فعالاً في جمع فعل إنما هو للتكثير والجمع الذي هو للتكثير لا يجمع وإنما تجمع جموع التقليل، والصواب أن تقول وثن جمع وثن دون واسطة، كأسد وأسد، قال أبو عمرو: وبهذا قرأ ابن عمر وسعيد بن المسيب ومسلم بن جندب وعطاء، وروي عن ابن عباس أنه قرأ " إلا وَثنَاً " بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس, وقرأ ابن عباس أيضاً "وُثُناً" بضم الواو والثاء, وقرأت فرقة "إلا وثنَاً, وقرأت فرقة " إلا أثناً " بسكون الثاء، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم "إلا أنثاً" بتقديم النون وهو جمع أنيث كغدير وغدر ونحو ذلك، وحكى الطبري: أنه جمع إناث كثمار وثمر، وحكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني، قال: وقرأ بها ابن عباس وأبو حيوة والحسن. واختلف في المعنى بـ " الشيطان" فقالت فرقة: هو الشيطان المقترن بكل صنم، فكأنه موحد باللفظ جمع بالمعنى، لأن الواحد يدل على الجنس، وقال الجمهور: المراد إبليس وهذا هو الصواب، لأن سائر المقالة به تليق، و {مريداً} معناه عاتياً صليباً في غوايته، وهو فعيل من مرد: إذا عتا وغلا في انحرافه وتجرد للشر والغواية. وأصل اللعن: الإبعاد، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ويحتمل أن يكون {لعنه} صفة الشيطان، ويحتمل أن يكون خبراً عنه، والمعنى يتقارب على الوجهين، وقوله تعالى: {وقال لأتخذن} الآية، التقدير: وقال الشيطان، والمعنى، لأستخلصنهم لغوايتي: ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة، والمفروض معناه في هذا الموضع المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره، ويحتمل أن يريد واجباً أن أتخذه، وبعث النار هو نصيب إبليس.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَاثاً} اللات والعزى ومناة، أو الأوثان، وفي مصحف عائشة ـ رضي الله تعالى عنها وعن أبيها ـ " إلاَّ أوثاناً"، أو الملائكة، لزعمهم أنهم بنات الله تعالى، أو موات لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، قاله ابن عباس ـ رضي الله عنهماـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً} نزلت في أهل مكة يعني ما يعبدون من دون الله إلاّ إناثاً لأن كل من عبد شيئاً فقد دعاه لحاجته وفي قوله إناثاً أقوال أحدها إنهم كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث فيقولون اللات والعزى ومناة قال الحسن كانوا يقولون لصنم كل قبيلة أنثى بني فلان والقول الثاني إناثاً يعني أمواتاً. قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة هو إناث قال الزجاج والموات كلها يخبر عنها كما يخبر من المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني وهذه الدراهم تنفعني. ولأن الأنثى أنزل درجة من الذكر والميت أنزل درجة من الحي كما أن الموت أنزل من الحيوان وقد يطلق اسم الأنثى على الجمادات والقول الثالث إن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقول هن بنات الله {وإن يدعون} أي وما يعبدوا {إلاّ شيطاناً مريداً} قال ابن عباس: لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم فلذلك قال الله تعالى: {وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً} وقيل هو إبليس لأنه أغواهم وأغراهم على عبادتها وأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة والمريد والمارد هو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة {لعنه الله} أي أبعده الله وطرده عن رحمته {وقال} يعني إبليس {لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً} يعني حظاً مقدراً معلوماً فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه وأصل الفرض القطع وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه {ولأضلنهم} عن طريق الحق والمراد به التزيين والوسوسة وإلاّ فليس إليه من الإضلال شيء. قال بعضهم لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق {ولأمنينهم} قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيرها وقال الكلبي أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وقيل أمنيهم إدراك الجنة مع عمل المعاصي وقيل أزين لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل أمنيهم طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} يعني يقطعونها ويشقونها وهي البحيرة. وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ولا يردونها عن ماء ولا مرعى وسول لهم إبليس إن هذا قربة {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} قال ابن عباس يعني دين وتغيير دين الله هو تحليل الحرام وتحريم الحلال وقيل تغيير خلق الله هو تغيير الفطرة التي فطر الخلق عليها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" تفسير : وقيل يحتمل أن يحمل هذا التغيير على تغيير أحوال تتعلق بظاهر الخلق مثل الوشم ووصل الشعر ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" تفسير : أخرجاه من رواية ابن مسعود ولهما عن أسماء قالت: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة" وقيل تغيير خلق الله هو الاختصاء وقطع الآذان حتى إن بعض العلماء حرمه. وكره أنس إخصاء الغنم وجوز بعض العلماء لأن فيه غرضاً ظاهراً (ق) عن سعد بن أبي وقاص قال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على عثمان بن مظعون التبتل لاختصينا. التبتل: هو ترك النكاح والانقطاع للعبادة عن نافع قال كان ابن عمر يكره الاختصاء ويقول إن فيه نماء الخلق أخرجه مالك في الموطأ ومعناه في ترك الاختصاء نماء الخلق يعني زيادتهم. وقال ابن زيد هو التخنث وهو أن يتشبه الرجل بالنساء في حركاتهن وكلامهن ولباسهن ونحو ذلك. وقيل تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق البهائم والأنعمام للركوب والأكل فحرموها على أنفسهم وخلق الشمس والقمر والنجوم والنار والأحجار لمنفعة الناس فعبدوها من الله {ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله} يعني يتخذه رباً يطيعه فيما يأمره به وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر {فقد خسر خسراناً مبيناً} لأن طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم وهي غاية الخسران، بقي في الآية سؤالان: الأول قال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً والنصيب المفروض هو الشيء المقدر القليل وقال في موضع آخر لأحتنكن ذريته إلاّ قليلاً وقال: لأغوينهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين. وهذا استثناء القليل من الكثير فكيف وجه الجمع فالجواب أن الكفار الذين هم حزب الشيطان وإن كانوا أكثر من المسلمين في العدد لكنهم أقل من المؤمنين في الفضل والشرف وعلو الدرجة عند الله والمؤمنون وإن كانوا أقل من الكفار لكنهم أكثر منهم لأن الفضل والشرف والسؤدد والغلبة في الدنيا وعلو الدرجة في الآخرة وأنشد بعضهم في هذا المعنى قال: شعر : وهم الأقل إذا تعد عشيرة والأكثرون إذا يعد السؤدد تفسير : وقيل إن إبليس لما لم ينل من آدم ما أراد ورأى الجنة والنار وعلم أن لهذه أهلاً ولهذه أهلاً قال: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً يعني الذين هم أهل النار. السؤال الثاني: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى يقول ولأضلنهم ولأغوينهم ولأمنينهم ولآمرنهم، وقال في الأعراف {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين} تفسير : [الأعراف: 17] وقال في بني إسرائيل {أية : لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 62] فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن إبليس ظن أن تقع منهم هذه الأمور التي يريدها منهم فحصل له ما ظنه ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه}تفسير : [سبأ: 20]. الوجه الثاني: قال ابن الأنباري المعنى لأجتهدن ولأحرصن في ذلك أنه كان يعلم الغيب. الوجه الثالث: قال الماوردي من الجائز أن يكون قد علم ذلك من الملائكة بخبر من الله تعالى أن أكثر الخلائق لا يؤمنون.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً...} الآية: الضميرُ في {يَدْعُونَ}: عائدٌ علَىٰ مَنْ ذكر في قوله: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء:115]، و «إنْ»: نافيةٌ بمعنى «ما»، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنَىٰ: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ وفي «البخاريِّ» {إِلاَّ إِنَـٰثاً}: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه. انتهى، وفي مُصْحَف عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً»؛ ونحوه عن ابنِ عَبَّاس، والمرادُ بالشَّيْطَانِ هنا إبليسُ؛ قاله الجمهور، وهو الصوابُ؛ لأنَّ سائر المقالة به تليقُ، و {مَرِيداً}: معناه: متمرِّداً عاتياً صليباً في غوايته، وأصْلُ اللعْنِ: الإبعادُ، والمفروضُ: معناه: في هذا الموضعِ المُنْحَاز، وهو مأخوذٌ من الفرضِ، وهو الحَزُّ في العود وغيره. قال * ع *: ويحتملُ أنْ يريد واجباً إن اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النَّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. وقوله: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ...} الآية: معنى أُضِلَّنَّهُمْ: أصرفُهُمْ عن طريقِ الهُدَىٰ، {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} لأسوِّلَنَّ لهم، وأَمَانِيُّهُ لا تنحصرُ في نَوْعٍ واحدٍ، والبَتْكَ: القَطْع. وقوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} اختلف المتأوِّلون في معنى تَغْيير خَلْق اللَّه، ومِلاَكُ تفسير هذه الآية أنَّ كلَّ تغييرٍ ضَارٍّ، فهو داخلٌ في الآية، وكلّ تغييرٍ نافعٍ فهو مباحٌ، وفي «مختصر الطبريِّ»: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}، قال ابنُ عبَّاس: خَلْقَ اللَّهِ: دِينَ اللَّهِ، وعن إبراهيم، ومجاهدٍ، والحسن، وقتادَةَ، والضَّحَّاك، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ مثله، وفسَّر ابن زيد: {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم:30]، أيْ: لِدِينِ اللَّهِ، واختارَ الطبريُّ هذا القوْلَ؛ واستدلِّ له بقوله تعالَىٰ: {أية : ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} تفسير : [الروم:30] وأَجاز أنْ يدخل في الآية كلُّ ما نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ معاصيه، والتَّرْكِ لطاعته. انتهى، وهو حَسَنٌ. قال * ع *: واللامَاتُ كلُّها للقَسَمِ. قال * ص *: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ}، مفعوله محذوفٌ، أي: عن الهُدَىٰ؛ وكذا: {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}، أي: الباطلَ؛ وكذا {وَلآمُرَنَّهُمْ}، أي: بالبَتْكِ، فَلَيُبَتِّكُنَّ؛ وكذا: {وَلآمُرَنَّهُمْ}، أي: بالتغيير، فَلَيُغَيِّرُنَّ كُلَّ ما أوجده اللَّه للطَّاعَةِ فيستعينُونَ به في المَعْصِيَةِ. انتهَىٰ. ولما ذكر اللَّه سبحانه عُتُوَّ الشيطانِ، وما توعَّد بهِ منْ بَثِّ مَكْرِهِ، حَذَّر تبارك وتعالَىٰ عبادَهُ؛ بأن شرط لمن يتَّخذه وليًّا جزاءَ الخُسْرَان.

ابن عادل

تفسير : "إن" هُنَا مَعْنَاها: النَّفْي؛ كقوله - تعالى -: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} تفسير : [النساء: 159] "ويَدْعُون": بمعنى: يَعْبُدُون، نزلت في أهْل مَكَّة، أي: يَعْبُدُون، كقوله [- تعالى -]: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ} تفسير : [غافر: 60] فإنَّ مَنْ عَبَد شَيْئاً، فإنَّه يدعوه عِنْد احْتِيَاجِهِ إليْه، وقوله: "مِن دُونِهِ " أي: من دُونِ اللَّه. قوله: "إلا إناثاً": في هذه اللَّفْظَةِ تِسْعُ قراءاتٍ. المشهُورةُ: وهي جَمْع أنْثى، نحو: رباب جمعُ رُبَّى. والثانية: وبها قَرَأ الحسن: "أنْثَى" بالإِفْرَاد، والمرادُ به الجَمْع. والثالثة: - وبها قَرَأ ابن عبَّاسٍ، وأبو حَيْوَة، وعَطَاء، والحَسَن أيْضاً، ومعاذ القَارِئ، وأبو العَالِيَة، وأبُو نُهَيْك -: "إلا أنُثاً" كرُسُل، وفيها ثلاثةُ أوجه: أحدها: - [وبه] قال ابن جَرِيرٍ - أنه جمعُ "إناث"؛ كثِمار وثُمُر، وإناثٌ جمع أنْثَى، فهو جَمْع الجَمْع، وهو شَاذٌّ عند النحويِّين. والثاني: أنه جَمْع "أنيثٍ" كَقَلِيب وقُلُب، وغَدِير وغُدُر، والأنيثُ من الرِّجَال: المُخَنَّثُ الضَّعِيفُ، ومنه "سَيْف أنِيثٌ، ومئنَاث، ومئنَاثَة" أي: غَيْر قَاطِعٍ قال صخر: [الوافر] شعر : 1877- فَتُخْبِرهُ بأنَّ العَقْلَ عِنْدِي جُرَازٌ لا أفَلُّ وَلاَ أنِيثُ تفسير : والثَّالث: أنه مُفْرَدٌ أي: يكون من الصِّفات التي جاءت على فُعُل، نحو: امرأة حُنُثٌ. والرابعة: وبها قَرَأ سَعْدُ بن أبِي وقَّاصٍ، وابْن عُمَر، وأبو الجَوْزَاء - "وثنا" بفتحِ الواوِ والثَّاء على أنَّه مفردٌ يراد به الجَمْع. والخامسة - وبها قَرَأ سعيد بن المُسَيب، ومُسْلم بن جُنْدُب، وابن عبَّاسٍ أيْضاً - "أثُنا" بضم الهمزة والثاء، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه جَمْع وثَن، نحو: "أسَد وأُسُد" ثم قَلَب الوَاوَ همزةً؛ لضمِّها ضمّاً لازماً، والأصْلُ: "وُثُن" ثم أُثُن. والثاني: أن "وَثَناً" المُفْردَ جمع على "وِثانٍ" نحو: جَمَل وجمال، وجَبَل وجِبال، ثم جُمِع "وثان" على "وُثُن" نحو: حِمَار وحُمُر، ثم قُلبت الواوُ همزةً لما تقدَّم؛ فهو جمعُ الجَمْعِ. وقد رَدَّ ابن عَطِيَّة هذا الوجه بأنَّ فِعَالاً جمعُ كثرة، وجُمُوعُ الكَثْرة لا تُجْمَع ثانياً، إنما يُجْمَعُ من الجُمُوعِ ما كان من جُمُوعِ القِلَّة. وفيه مُنَاقَشَةٌ من حَيْثُ إنَّ الجَمْع لا يُجْمَع إلا شَاذّاً، سواءً كان من جُمُوعِ القِلَّة، أم من غيرها. والسادسة - وبها قَرَأ أيُوب السَّختياني -: "وُثُناً" وهي أصْل القراءة التي قبلها. والسَّابعة والثَّامنة: "أُثْنا ووُثْنا" بسُكُونِ الثَّاء مع الهَمْزَة والوَاوِ، وهي تَخْفِيفُ فُعُل؛ كسُقُف. والتاسعة - وبها قرأ أبو السوار، وكذا وُجِدَتْ في مُصْحَفِ عَائِشة - رضي الله عنها -: "إلا أوْثاناً" جَمْعَ "وَثَن" نَحْو: جَمَل وأجْمال، وجَبَل وأجْبال. فصل وسُمِّيَتْ أصْنَامهم إناثاً؛ لأنهم كانوا يُلْبسُونها أنواع الحُلِيِّ، ويسمونها بأسْمَاءِ المُؤنثات، نحو: اللاَّت، والعُزَّى، ومناةَ، وقد ردَّ هذا بَعْضُهم بأنَّهم كانوا يُسَمُّون بأسْمَاء الذُّكُور، نحو: هُبَل، وذِي الخَلَصَة، وفيه نظر؛ لأن الغَالِب تَسميتُهُم بأسماء الإناثِ، و"مُرِيداً": فَعِيل من "مَرَدَ" أي: تَجرَّد للشَّرِّ، ومنه "شَجَرَة مَرْداء" أي: تناثر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَدُ؛ لتجرُّدِ وَجْهِه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّد: الذي لا يَعْلُوه غُبَارٌ من ذَلِك فاللاَّت: تَأنيث اللَّه والعُزَّى: تأنيث العَزِيز. قال الحَسَن: لَمْ يكن حَيٌّ من أحْيَاء العَرَب إلا وَلَهُم صَنَمٌ يعبُدُونه، ويسمى أنْثَى بَنِي فُلان، ويدُلُّ عليه قِرَاءة عَائِشَة. وقال الضَّحَّاك: كان بعضهم يَعْبُد الملائِكَة، وكانوا يقُولُون: المَلاَئكة بَنَاتُ اللَّه، قال - تعالى -: {أية : ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 27]. وقال الحسن: قوله "إلاَّ إناثاً" أي: إلا مَوْتاً، وفي تسمية الأمْوَات إنَاثاً وجهان: الأوَّل: إن الإخْبَار عن الموات يكُون على صِيغَة الإخْبَارِ عن الأنْثَى، تقُول: هذه الأحْجَار تُعْجِبُنِي، كما تقُول: هذه المَرْأة تُعْجِبُني. الثَّاني: الأنْثَى أخسّ من الذَّكر، والمَيِّت أخسُّ من الحَيِّ، فلهذهِ المُنَاسَبة أطْلَقُوا اسمْ الأنْثَى على الجَمَادَات المَوَاتِ، والمَقْصُود هل إنسان أجهل ممن أشرك. قوله: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} فعيلٌ من مَرَدَ إذا عَتَا، ومنه: شَجَرةٌ مَرْدَاء، أي: تَنَاثَر وَرَقُها، ومنه: الأمْرَد؛ لتجرّد وجهه من الشَّعْر، والصَّرْحُ الممرَّدُ: الذي لا يَعْلُوه غُبَار، وقرأ أبو رَجَاء ويُرْوى عن عاصِمٍ "تَدْعُونَ" بالخِطَاب. فصل قال المفُسِّرونُ: كان [في] كُلُّ واحدٍ من تِلْك الأوثَان شَيْطَان يَتراءَى للسَّدَنَة والكَهَنَة يُكَلِّمُهُم. وقل الزَّجَّاج: المُرادُ بالشَّيْطَان هَاهُنَا: إبْلِيس؛ لقوله - تعالى -: بعد ذلك: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}. وهذا قول إبْلِيس، ولا يَبْعُد أنّ الذي يتراءى للسَّدنة، هو إبْلِيس. قوله: "لَعَنَهُ الله" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الجُمْلَة صِفَةٌ لـ "شيطاناً"، فهي في مَحَلِّ نَصْب. والثاني: أنها مُسْتأنفةٌ: إمَّا إخْبَار بذلك، وإمَّا دُعَاء عليه، وقوله: "وقال" فيه ثلاثة أوجه: قال الزَّمَخْشَرِيُّ: قوله لَعَنَهُ "وقال لأتَّخِذَنَّ" صِفَتَان، يعني: شيطاناً مَرِيداً جَامِعاً بين لَعْنَة اللَّه، وهذا القَوْل الشَّنِيعِ. الثاني: الحالُ على إضْمَار "قد" أيْ: وقد قَالَ. الثالث: الاستئناف. و"لأتخِذَنَّ" جوابُ قسمٍ مَحْذُوف، و"مِنْ عبادك" يجوزُ أن يتعلَّق بالفعل قبله، أو بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من "نَصِيباً"؛ لأنه في الأصْلِ صِفَةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فصل النَّصِيب المَفْرُوض: أي: حظاً مَعْلُوماً، وهم الذين يَتَّبِعُون خُطُواته، والفَرْضُ في اللغة، التَّأثِير، ومنه: فرض القَوْس للجُزْء الذي يُشَدُّ فيه الوَتَر، والفريضة: ما فَرَضَهُ اللَّه على عِبَادِهِ حَتْماً عليهم. رُوِي عنه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "حديث : من كُلِّ ألْفٍ واحدٌ للَّه، والبَاقِي للشَّيْطَان ". تفسير : فإن قيل: العَقْل والنَّقْل يدلاَّن على أنَّ حِزْب اللَّه أقلُّ من حِزْب الشَّيطان. أما النَّقْل: فقوله - تعالى -: {أية : فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 249]، وحُكِيَ عن الشيطان قوله {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62]، وقوله: {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 39، 40]، ولا شك أن المُخْلَصِين قليلُون. وأمَّا العَقْل: فهو أنّ الفُسَّاق والكُفَّار كُلَّهم حِزْب إبليس. إذا ثَبَت هذا، فلفظ النَّصِيب إنَّما يتناول القِسْم الأوّل. فالجواب: أنَّ هذا التَّفَاوُت إنَّما يَحْصُل في نَوْعٍ من البَشَر، أمَّا إذا ضَمَمت زُمْرَة الملائِكَة مع غَاية كَثْرَتِهِم إلى المُؤمنين، كانت الغَلَبَة للمُؤمِنِين. وأيضاً: فالمُؤمِنُون وإن كانُوا قَلِيلين في العَدَدِ، إلاَّ أن مَنْصِبَهُم عَظِيم عند الله، والكُفَّار، والفُسَّاق وإن كانُوا أكْثَر في العددِ، فهم كالعَدَم؛ فلهذا وقع اسم النَّصِيب على قَوْم إبْلِيس. قوله: "ولأضِلَّنَّهُمْ" يَعْنِي: عن الحَقِّ، أو عن الهُدَى، وأراد به: التَّزْيين، وإلا فليْس إليه من الإضْلال شَيْء. ولأمَنِّيَنَّهم: بالباطل، ولآمُرَنَّهم: بالضلال، كذا قدَّره أبو البقاء، والأحْسَنُ أن يُقَدَّر المحذُوفُ، من جنس المَلْفُوظِ به، أي: ولآمُرَنَّهم بالبَتْكِ، ولآمُرَنَّهم بالتَّغْيير. وقرأ أبو عمرو فِيما نَقَل عنه ابْن عَطِيَّة: "ولأمُرَنَّهم" بغيرِ ألفٍ، وهو قصرٌ شاذٌّ لا يُقاسُ عليه، ويجُوز ألاَّ يُقَدَّر شَيءٌ من ذلك؛ لأنَّ القَصْدَ: الإخْبَارُ بوقوعِ هذه الأفْعَال من غيرِ نَظَرٍ إلى مُتعلَّقاتِها، نحو: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} تفسير : [الطور: 19]. فصل قالت المُعْتَزِلَة: قوله: "ولأضِلَّنَّهُم" يدل على أصْلَيْن عظيمين: أحدهما: أن المُضِلَّ هو الشَّيْطَان، وليس المُضِلُّ هو اللَّه - تعالى -؛ لأنَّ الشيطان ادَّعى ذَلِك، والله - سبحانه وتعالى - ما كذَّبَهُ فيه، فَهُو كقوله: {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 39] وقوله: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62] وقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]، وأيضاً: فإنه - تعالى - وَصَفَه بكونه مُضِلاًّ [للنَّاسِ] في معرض الذَّمِّ له، وذلك يَمْنَع من كون الإله مَوْصُوفاً بذلك. [الثاني: أن أهْل السُّنَّة يقُولُون: الإضْلال عِبَارة عن خَلْق الكُفْر والضَّلال، ونَحْنُ نَقُول: لَيْس الإضلال عِبَارة عن خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلال]؛ لأن إبْلِيس وَصَفَ نَفْسَه بأنه مُضِلٌّ، مع أنه بالإجْمَاعِ لا يَقْدِر على خلق الضَّلال. والجواب: أن هذا كلامُ إبليس، فلا يكون حُجَّةً، وأيضاً: فكلامه في هذه المسألة مُضْطَرِبٌ جِدّاً. فتارةً يَمِيل إلى القَدَرِ المَحْض، وهو قوله: "لأغويَنَّهُم" وأخرى إلى الجبْرِ المَحْضِ، وهو قوله: {أية : رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} تفسير : [الحجر: 39] وتارة يَظْهَرُ التَّردد فيهن حَيْث قال: {أية : رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} تفسير : [القصص:63] يَعْني: أنه قال هؤلاء الكُفَّار: نحن أغْويْنَا، فمن الذي أغْوَانا عن الدِّين؟ فلا بُدَّ من انْتِهَاء الكلِّ في الآخِرة إلى اللَّه. قوله: "ولأمَنِّيَنَّهُم" قيل: أمَنِّينَّهُم ركوب الأهْوَاء. وقيل: أمَنِّيَنَّهُم إدْرَاك الآخِرَة مع ركوب المَعَاصِي. قوله: {ولآمرنَّهم فليبتّكُنّ ءاذان الأنعامِ} أي: يَقْطَعُونها، ويَشقُّونها، وهي البَحِيرة، والبتكُ: القَطْعُ والشّقُّ، والبِتْكَة: القطعة من الشيء، جَمْعُها: بِتَك، قال: [البسيط] شعر : 1878- حَتَّى إذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الغُلاَمِ لَهَا طَارَتْ و‌َفِي كَفِّهِ مِنْ رِيشِهَا بِتَكُ تفسير : ومعنى ذلك: أنَّ الجاهليَّة كانوا يَشُقُّون أذُن النَّاقَة إذا ولدت خَمْسَة أبْطُن، آخرُها ذَكَر، وحرَّمُوا على أنْفُسِهِم الانتفاع بها، وقال آخرون: كانوا يَقْطَعُون آذَان الأنْعَام نُسُكاً في عِبَادَة الأوْثَان، ويَظُنُّون أنَّ ذلك عِبَادة، مع أنَّه في نفسه كُفْرٌ وفِسْقٌ. قوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} هذه اللاَّمات كلها للقَسَم. قال ابن عبَّاسٍ: والحَسَن [ومُجَاهِدٌ] وسعيد بن جُبَيْر، وسَعِيد بن المسيَّب والسُّدِّي، والضَّحاك، والنَّخْعِيُ: دِينُ الله، كقوله {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 30] أي: لدين اللَّه، وفي تَفْسير هذا القَوْل وَجْهَان: الأول: أن اللَّه - تعالى - فطر الخَلْقَ على الإسْلام يَوْم أخْرَجَهُم من ظَهْر آدَم كالذَّرِّ، وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَسْتُ بِربِّكم؛ قالوا بَلَى، فمن كَفَر به، فقد غيَّر فِطْرَة اللَّه تعالى؛ يؤيده قوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : كل مَوْلُود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهوِّدَانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه ". تفسير : والثاني: أن التَّغْيير: تَبْدِيل الحَلالِ حَراماً، والحرام حَلاَلاً. وقال الحسن، وعكرمة، وجماعة من المُفسِّرين: التَّغْيِير: ما روى عبد اللَّه [بن مَسْعُود] عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم [أنَّه] قال: "حديث : لَعَن اللَّه الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوشِمَات ". تفسير : قالوا: لأنَّ المرأة تَتَوصَّل بهذه الأفعال إلى الزِّنا، و "حديث : لَعَن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم النامِصَة والمُتَنَمِّصَة، والوَاصِلَة والمُتَوَصِّلة، والوَاشِمة والمُتَوَشِّمَة ". تفسير : قال القرطبي، قال مَالِك، وجماعة: إن الوَصْل بكل شَيء، من الصُّوفِ والخِرق وغَيْر ذَلِك في مَعْنَى وصله بالشَّعْر، وأجازه اللَّيْث بن سَعْد، وأباح بَعْضُهم وَضْع الشَّعْر على الرَّأس من غير وَصْل، قالوا: لأن النهي إنما جَاءَ في الوَصْل، والمُتَنمِّصَةُ: هي التي تَقْطَع الشَّعْر من وَجْهِهَا بالنِّمَاص، وهو الذي يقلع الشَّعْر. قال ابن العرَبيِّ: وأهلْ مِصر يَنْتفُون شَعْر العانَة، وهو منه، فإن السُّنَّة حَلْق العَانَة، ونَتْفُ الإبط، فأما نَتْفُ الفَرْج فإنه يُرخيه ويؤذِيه ويُبْطل كَثِيراً من المَنْفَعَةِ فيه. وأمَّا الوَاشِمَة والمُسْتَوْشِمَة، فهي الَّتِي تغرز ظَهْر كَفِّها ومِعْصَمَها، ووجْههَا بإبْرَةٍ، ثُمَّ يحشى ذلك المكانُ بالكُحْل أو بالنؤر، فيخْضَرّ، وفي بعض الروايات "الواشية، والمُسْتَوْشِيَة" باليَاء مكان المِيم، والوَشْي: التَّز‍َيُّن، مأخوذ من نَسْج الثَّوْب على لونين، وثورٌ مُوشًّى: في وَجْهِه وقوَائِمِه سوادٌ، وأما الوشْمٌ فجائز في كل الأعْضَاء غير الوَجْه؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - "حديث : نهى عن الضَّرْب في الوَجْه وعن الوَشْمِ في الوجْهِ"تفسير : ، ورُوي عن أنس، وشهر بن حَوْشَب، وعِكْرِمَة، وأبِي صالح: التَّغْيير هَهُنَا هو الإخْصَاء، وقطع الآذان، وفَقْأ العُيُون؛ لأن فيه تَعْذِيب للحَيَوان، وتَحْريم وتَحْلِيل بغير دليلٍ، والآذَان في الأنْعَام جمالٌ ومَنْفَعة، وكذلِك غيرها من الأعْضَاء، فَحَرّم عليهم الشَّيْطَان ما أحلَّه اللَّه لهم، وأمرَهُم أن يشركوا باللَّه ما لم يُنَزِّل به سُلْطَاناً، ولما كان هذا من فِعْل الشَّيْطَان، أمرنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العَيْن والأذُن، ولا نُضَحِّي بعَوْرَاءَ، ولا مُقَابَلة، ولا مُدَابرة؛ ولهذا كان أنَس يكره إخْصَاء الغَنَم، وحرمه بَعْضُهم. قال القُرْطُبِي: فأما خِصاء الآدمِيِّ، فمصيبَةٌ، فإنَّه إذا خُصِي، بَطَل قلبه وقُوَّته، عَكْس الحَيَوان، وانْقَطع نَسْلُه المأمُور به فِي قوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا" تفسير : ثم إن فيه ألَماً عَظِيماً، ربما يُفْضِي بَصَاحِبهِ إلى الهلاكِ، فيكون [فيه] تضْييع مالٍ، وإذْهَابُ نَفْسٍ، وكل ذلك مَنْهِيٌّ عنه، ثم هذه مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن المُثْلَةِ، وجوَّز بَعْضُهم في البَهَائِم؛ لأن فيه غَرَضاً، وكانت العَرَب إذا بَلغَتْ إبلُ أحَدِهِمْ ألْفاً عوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها. وحكى الزَّجَّاج عن بعضهم: التَّغْيير هو أن اللَّه - تعالى - خلق الأنْعامَ للرُّكُوب والأكْل، فحربوها، وخَلَق الشَّمْس، والقَمَر، والنُّجُوم، والأحْجَار لمنفعة العِبَاد، فعبدوها من دُونِ اللَّه. وقيل: التَّغْيير هو التَّخَنُّث؛ وهو عِبَارَةٌ عن الذكر يُشْبِهُ الأنْثَى والسُّحْق؛ عِبَارة عن تَشَبُّه الأنْثَى بالذّكر. ثم قال: {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي: ربًّا يطيعه، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً} لأن طاعة اللَّه تعالى تُفِيد المَنَافِع العَظِيمة، الدَّائِمة، الخَالِصَة عن شَوائب الضَّرَر، وطاعَة الشَّيْطَان تفيد المَنَافِع القَلِيلَة، المُنْقَطِعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العَذَاب الدَّائِم، وهذا هُو الخسَار المُطْلَق. قال أبُو العبَّاس المُقْرِي: ورد لَفْظُ الخُسْرَان [قي القرآن] على أربَعَة أوْجُه: الأوَّل: بمعنى الضَّلالة؛ كهذه الآيَة. الثَّاني: بمعنى العَجْز؛ قال - تعالى -: {أية : لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [يوسف: 14] أي: عَاجِزُون ومثله: {أية : لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 90]. الثَّالث: بمعنى الغَبْن؛ قال - تعالى -: {أية : ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 103] أي: غبنوا أنْفُسَهم. الرابع: بمعنى: المُخسِرُون؛ قال - تعالى -: {أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ [ٱلْمُبِينُ]} تفسير : [الحج: 11]. قوله: "يَعدُهُمْ وَيُمَنِّيهمْ"، قُرِئَ: "يَعدْهُمْ" بسُكون الدَّال تَخْفِيفاً؛ لتوالي الحَرَكات، ومَفْعُولُ الوَعْد مَحْذُوفٌ، أي: يعدُهُم البَاطِل أو السلامة والعافية ووعدُهُ وتمْنِيَتُهُ: ما يُوقعه في قَلْب الإنْسَان من طُول العمر، ونَيْل الدُّنْيَا، وقد يكون بالتَّخْوِيف بالفَقْر، فيَمْنَعُه من الإنْفَاقِ، وصِلَة الرَّحِم؛ كما قال - تعالى -: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} تفسير : [البقرة: 268] و"يُمنيهِم" بأنْ لا بَعْثَ، ولا جنَّةَ، {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي: بَاطِلاً؛ لأنَّ تلك الأمَانِي لا تُفِيدُ إلا المَغْرُور؛ وهو أن يَظُنَّ الإنْسَان بالشيء أنه نَافِعٌ لدينه، ثم يَتَبَيَّن اشْتِمَالُه على أعْظَم المَضَارِّ. قوله "إِلاَّ غُرُوراً" يُحْتمل أن يكونَ مَفْعُولاً ثانياً، وأن يكُون مفعولاً من أجْله، وأن يكون نعت مَصْدرٍ محذوفٍ، أي: وعْداً ذا غُرور، وأنْ يكونَ مَصْدراً على غير الصَّدْرِ؛ لأنَّ "يَعِدُهم" في قوة يَغُرُّهم بوعْدِهِ. فـ {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} "أولئك": مبتدأ، و"مأواهم": مبتدأ ثانٍ، و"جهنم": خبر الثَّانِي، [والجُمْلَة خبر الأوَّل] وإنما قال: "مأواهُم جَهَنَّم"؛ لأن الغُرُور عِبَارة عن الحَالَةِ التي يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهَا، ويَحْصُل النَّدَم عند انْكِشَاف الحَالِ فيها، والاستِغَراق في طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، وفي مَعَاصِي الله - تعالى -، وإن كان في الحَالِ لَذِيذٌ، إلا أن عَاقِبَتَهُ جَهَنَّم، وسُخْطُ الله [- تعالى -]، وهذا معنى الغُرُور. ثم قال {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}، فقوله "عَنْهَا": يجُوز أن يَتعلَّق بِمَحْذُوف: إمَّا على الحَالِ من "مَحِيصاً" لأنَّه في الأصْلِ صِفَةٌ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، وإمَّا على التَّبْيين أي: أعني عنها، ولا يجوزُ تعلُّقُه بمحْذُوفٍ؛ لأنه لا يتعدَّى بـ "عَنْ" ولا بـ "مَحِيصاً"، وإنْ كان المَعْنَى عليه لأنَّ المَصْدَر لا يتقدَّمُ معمولُه عليه، ومَنْ يَجُوِّزُ ذلك، يُجَوِّزُ تعلُّق "عن" به، والمَحِيصُ: اسمُ مَصْدر من حَاصَ يَحِيص: إذا خَلَص ونَجا، وقيل: هو الزَّوَغَان بنُفُور، ومنه قولُه: [الطويل] شعر : 1879- وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمَدَى مُتَطَاوِلُ تفسير : ويروي: "جِضْنا" بالجيم والضَّاد المعجمة، ومنه: "وَقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ"، وحَاصَ بَاص، أي: وقعوا في أمْرٍ يَعْسرُ التَّخلُّص منه، ويقال: مَحِيص ومَحَاص، قال: [الكامل] شعر : 1880- أتَحِيصُ مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِداً مَا لِلرِّجَالِ عِنِ المَنُونِ مَحَاصُ تفسير : ويقال: حاصَ يَحُوص حَوْصاً وحِيَاصاً أي: زَايَل المكانَ الذي كان فيه، والحَوْصُ: ضِيقُ مُؤخر العين، ومنه: الأحْوَصُ. قال الواحِدِي: الآية تَحْتَمِل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه لا بُدَّ لهم من وُرُودِ النَّارِ. والثَّاني: الخُلُود الذي هو نَصِيبُ الكُفَّار. ولما فرغ من الوعيد، أتبعه بذكر الوَعْد.

البقاعي

تفسير : ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات، وكان أكثرهم أهل أوثان؛ ناسب كل المناسبة قوله معللاً لأن الشرك ضلال: {إن} أي ما {يدعون} وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء إشارة إلى أن كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع، فعابده أجهل الجهلة. ولما كان كل شيء دونه سبحانه وتعالى، لأنه تحت قهره؛ قال محتقراً لما عبدوه: {من دونه} أي وهو الرحمن. ولما كانت معبوداتهم أوثاناً متكثرة، وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء الإناث من اللات والعزى، ويقولون في الكل: إنها بنات الله، ويقولون عن كل صنم: أنثى بني فلان؛ قال: {إلا إناثاً} أي فجعلوا أنفسهم للإناث عباداً وهم يأنفون من أن يكون لهم لهم أولاداً، وفي التفسير من البخاري: إناثاً يعني الموات حجراً أو مدراً - أو ما أشبه ذلك؛ هذا مع أن مادة "أنث" و "وثن" يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة، وكل ذلك في غاية البعد عن رتبة الإلهية، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في سورة العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أنها آلهة، ومعنى الحصر: ما هي إلا غير آلهة لما لها من النقص {وإن يدعون} أي يعبدون في الحقيقة {إلا شيطاناً} أي لأنه هو الآمر لهم بذلك، المزين لهم {مريداً} أي عاتياً صلباً عاصياً ملازماً للعصيان، مجرداً من كل خير، محترقاً بأفعال الشر، بعيداً من كل أمن، من: شاط وشطن؛ ومرد - بفتح عينه وضمها، وعبر بصيغة فعيل التي هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيهاً على أنهم تعبدوا لما لا إلباس في شرارته، لأنه شر كله، بخلاف ما في سورة الصافات، فإن سياقه يقتضي عدم المبالغة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ ثم بين ذلك بقوله: {لعنه الله} أي أبعده الملك الأعلى منكل خير فبعد فاحترق. ولما كان التقدير: فقال إصراراً على العداوة بالحسد: وعزتك لأجتهدن في إبعاد غيري كما أبعدتني! عطف عليه قوله: {وقال لأتخذنَّ} أي والله لأجتهدن في أن آخذ {من عبادك} الذين هم تحت قهرك، ولا يخرجون عن مرادك {نصيباً مفروضاً *} أي جزءاً أنت قدرته لي {ولأضلنهم} أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس وتزيين الأباطيل {ولأمنينّهم} أي كل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم}. ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: {فليبتكن} أي يقطعن تقطيعاً كثيراً {آذان الأنعام} ويشققونها علامة على ما حرموه على أنفسهم {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي الذي له الحكمة الكاملة فلا كفوء له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من فقء عين الحامي ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى إبطاله في أول المائدة بقوله {أية : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} تفسير : [المائدة: 1] المصرح به في آخرها بقوله: {أية : ما جعل الله من بحيرة}تفسير : [المائدة: 103] ويكون التغيير بالوشم والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في السحق ومانحاً فيه نحوه. ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان ولياً؛ عطف عليه معمماً قوله: {ومن يتخذ} أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير الفطرة الأولى فيأخذ {الشيطان ولياً} ولما كان ذلك ملزوماً لمحادة الله سبحانه وتعالى، وكان ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعّض ليفهم الاستغراق من باب الأولى فقال: {من دون الله} أي المستجمع لكل وصف جميل {فقد خسر} باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك {خسراناً مبيناً *} أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير عنده؛ ثم علل ذلك بقوله: {يعدهم} أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه قريب الحصول، وأنه لا درك في تحصيله، وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر، فيسعون في تحصيله، فيضيع عليهم في ذلك الزمانُ، ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان {ويمنيهم} أي يزين لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله، ثم بين ذلك بقوله: {وما} أي والحالة أنه ما {يعدهم} وأظهر في موضع الإضمار تنبيهاً على مزيد النفرة فقال: {الشيطان} أي المحترق البعيد عن الخير {إلا غروراًَ *} أي تزييناً بالباطل خداعاً ومكراً وتلبيساً، إظهاراً - لما لا حقيقة له أو له حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس وأشهاها إلى الطبع، فإن مادة "غر" و "رغ" تدول على الشرف والحسن ورفاهة العيش، فالغرور إزالة ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ‏ {‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً}‏ قال‏:‏ مع كل صنم جنية‏. وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله ‏ {‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً} ‏ قال‏:‏ اللات والعزى ومنات، كلها مؤنث‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً} ‏ يقول‏:‏ يسمونهم إناثاً، لات ومنات وعزى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً} ‏ قال‏:‏ موتى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال‏:‏ الإناث، كل شيء ميت ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، ومثل الحجر اليابس‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال ‏ {‏إلا إناثا‏ً}‏ قال‏:‏ ميتاً لا روح فيه‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال‏:‏ كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان، فأنزل الله ‏{‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً}‏‏ .‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏ {‏إن يدعون من دونه إلا إناثا‏ً}‏ قال المشركون‏:‏ إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى‏.‏ قال اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري، فحلوا وقلدوا وقالوا‏:‏ هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف ‏"‏إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً‏"‏ قال: مع كل صنم شيطانة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏إلا إناثا‏ً} ‏ قال‏:‏ إلا أوثانا‏ً.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ ‏"‏إن يدعون من دونه إلا أوثاناً‏" ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة ‏{‏إن يدعون من دونه إلا أوثانا‏ً}‏‏ .‏ وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "‏إن يدعون من دونه إلا أنثى‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ‏ {‏وإن يدعون إلا شيطانا‏ً} ‏ يعني إبليس‏.‏ وأخرج عن سفيان ‏ {‏وإن يدعون إلا شيطانا‏ً} ‏ قال‏:‏ ليس من صنم إلا فيه شيطان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏مريدا‏ً} ‏ قال‏:‏ تمرد على معاصي الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ‏ {‏وقال لأتَّخذن من عبادك‏}‏ قال‏:‏ هذا قول إبليس ‏ {‏نصيباً مفروضاً‏}‏ يقول‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏{‏لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضا‏ً} ‏ قال‏:‏ يتخذونها من دونه، ويكونون من حزبي‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك ‏ {‏نصيباً مفروضاً‏} ‏ قال‏:‏ معلوما‏ً.‏ وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله ‏ {‏لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً‏} ‏ قال‏:‏ من كلف ألف تسعمائة وتسعة وتسعين‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ‏ {‏ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏فليبتكن آذان الأنعام‏} ‏ قال‏:‏ التبتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ‏ {‏فليبتكن آذان الأنعام‏}‏ قال‏:‏ ليقطعن آذان الأنعام‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال‏:‏ أما يبتكن آذان الأنعام فيشقونها، فيجعلونها بحيرة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كره الإخصاء، وقال‏:‏ فيه نزلت ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كره الإخصاء، وقال‏:‏ فيه نزلت ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏ ولفظ عبد الرزاق قال‏:‏ من تغيير خلق الله الإخصاء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ اخصاء البهائم مثله، ثم قرأ ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏‏. وأخرج عبد بن حميد من طرق عن ابن عباس ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ هو الخصاء‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم، قال ابن عمر‏:‏ فيه نماء الخلق‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح، وإخصاء البهائم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن إخصاء البهائم، ويقول‏:‏ هل النماء إلا في الذكور‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن شبيل. أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏}‏ قال‏:‏ الخصاء منه‏.‏ فأمرت أبا التياج، فسأل الحسن عن خصاء الغنم‏؟‏ قال‏:‏ لا بأس به‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ هو الخصاء‏.‏ وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر. أنه كان يكره الخصاء، ويقول‏:‏ هو نماء خلق الله‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة. أنه كره الخصاء قال‏:‏ فيه نزلت ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عروة. أنه خصى بغلاً له‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن طاوس أنه خصى جملاً له‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين. أنه سئل عن خصاء الفحول‏؟‏ فقال‏:‏ لا بأس، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال‏:‏ لا بأس بإخصاء الدواب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد عبد الله بن بشر قال‏:‏ أمرنا عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل، ونهانا عنه عبد الملك بن مروان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء. أنه سئل عن إخصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأسا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ دين لله‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ دين الله‏.‏ وهو قوله ‏{أية : ‏فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله‏} تفسير : ‏[‏الروم: 30‏]‏ يقول‏:‏ لدين الله‏. ‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن إبراهيم ‏{‏فليغيرن خلق الله‏}‏ قال‏:‏ دين الله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ دين الله‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ دين الله، ثم قرأ ‏ {‏لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ الوشم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال‏:‏ لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله‏. ‏ وأخرج أحمد عن أبي ريحانة قال‏‏ ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة‏:‏ عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثوبه حريراً مثل الأعلام، وأن يجعل على منكبه مثل الأعاجم، وعن النهبى، وعن ركوب النمور، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد عن عائشة قالت‏ حديث : ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة، والمقشورة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمتصلة‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن جابر قال‏ ‏"‏زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا‏ً"‏‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة. أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏لعن الله الواصلة والمستوصلة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم ‏حديث : عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏‏ "أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت‏:‏ يا رسول الله إن لي ابنة عروساً، وأنه أصابها حصبة فتمزق شعرها، أفأصله‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: لعن الله الواصلة والمستوصلة‏"‏‏. ‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏ولآمرنهم فليغيرن خلق الله‏} ‏ قال‏:‏ ما بال أقوام جهلة، يغيرون صبغة الله ولون الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ إن أصدق الحديث كلام الله‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال‏ ‏"‏كل ما هو آت قريب، إلا إن البعيد ما ليس بآتٍ، ألا لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يجد لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مباعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وخير ما ألقي في القلب اليقين، وخير الغنى غنى النفس، وخير العلم ما نفع، وخير الهدي ما اتبع، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، ألا لا تملوا الناس ولا تسئموهم، فإن لكل نفس نشاطاً وإقبالاً، وإن لها سآمة وإدباراً، ألا وشر الروايا روايا الكذب، والكذب يقود إلى الفجور، وإن الفجور يقود إلى النار، ألا وعليكم بالصدق فإن الصدق يقود إلى البر وإن البر يقود إلى الجنة، واعتبروا في ذلك أيهما الفئتان التقتا يقال للصادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر، وقد سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا يزال العبد يصدق حتى يكتب صديقاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذاباً‏. ألا وإن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يَعِدَ الرجل منكم صبيه ثم لا ينجز له، ألا ولا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وابتدعوا في دينهم، فإن كنتم لا محالة سائليهم فما وافق كتابكم فخذوه وما خالفه فأمسكوا عنه واستكوا، ألا وإن أصفر البيوت البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، ألا وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، ألا وإن الشيطان يخرج من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل حديث : ‏عن عقبة بن عامر قال‏"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال‏:‏ ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله ذهب بي النوم فذهب بي الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال‏:‏ أما بعد‏:‏ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والإرتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثاء جهنم، والكنز كي من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع، والأمر بآخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأول على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يغضب يغضب الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، قالها ثلاثا‏ً:‏ استغفر الله لي ولكم"‏‏.‏ ‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يقول في خطبته‏:‏ أصدق الحديث كلام الله، فذكر مثله سواء.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً}[117] يعني أصواتاً وهو الحجارة والحديد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان} بمعنى ما النافية {يدعون} اى المشركون وهو بمعنى يعبدون لان من عبد شيئاً فانه يدعوه عند احتياجه اليه {من دونه} الضمير راجع الى الله تعالى {الا اناثا} جمع انثى والمراد الاوثان وسميت اصنامهم اناثا لانهم كانوا يصورونها بصورة الاناث ويلبسونها انواع الحلل التى تتزين بها النساء ويسمونها غالبا باسماء المؤنثات نحو اللات والعزى ومناة والشىء قد يسمى انثى لتأنيث اسمه او لانها كانت جمادات لا ارواح فيها والجماد يدعى انثى تشبيها له بها من حيث انه منفعل غير فاعل ولعله تعالى ذكره بهذا الاسم تنبيها على انهم يعبدون ما يسمونه اناثا لانه ينفعل ولا يفعل ومن حق المعبود ان يكون فاعلا غير منفعل ليكون دليلا على تناهى جهلهم وفرط حماقتهم وقيل المراد الملائكة فان من المشركين من يعبد الملائكة ويقول الملائكة بنات الله تعالى قال تعالى {أية : ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى} تفسير : [النجم: 27]. مع اعترافهم بان اناث كل شىء اخسه وارذله {وان يدعون} اى وما يعبدون بعبادة الاصنام {الا شيطانا مريدا} لانه الذى امرهم بعبادتها واغراهم عليها وكان طاعته فى ذلك عبادة له. قيل كان فى كل واحد من تلك الاوثان شيطان يتراءى للسدنة والكهنة يكلمهم. وقال الزجاج المراد بالشيطان ههنا ابليس بشهادة قوله تعالى بعد هذه الآية {أية : لاتخذن} تفسير : [النساء: 118]. وهو قول ابليس ولا يبعد ان الذى يتراءى للسدنة هو ابليس والمريد هو الذى لا يعلق بخير. فقيل من مرد اى تجرد للشر وتعرى من الخير يقال شجرة مرداء اى لا ورق عليها وغلام امرد اذا لم يكن على وجهه شعر.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: المَرِيد والمارد؛هو الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه: صرح ممرَّد، وغلام أمرد، وشجرة مردى، أي: سقط ورقها. قاله اليضاوي. هـ. وقيل: المريد: الشديد العاتي، الخارج عن الطاعة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنْ يدعون}: ما يعبدون {من دونه} تعالى {إلا إناثًا} كاللات والعزى ومناة، فإن ألفاظها مؤنثة عندهم، أو لأنها جوامد لا تعقل، فهي منفعلة لا فاعلة، ومن حق المعبود أن يكون فاعلاً غير منفعل، أو يريد الملائكة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله، وما يعبدون في الحقيقة {إلا شيطانًا مريدًا} عاصيًا، لأنه هو الذي أمرهم بها، وأغراهم عليها، وكان يكلمهم من أجوافها. ثم وصفه بأوصاف تُوجب التنفير عنه فقال: {لعنه الله} أي: أبعده من رحمته {وقال لأتخذنّ من عبادك نصيبًا مفروضًا} أي: مقطوعًا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، أي: قطع، {ولأضلنّهم} عن الحق {لأمنينّهم} الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألاَّ بعث ولا عقاب، {ولآمرنهم فليبتكنّ آذان الأنعام} أي: يشقونها لتحريم ما أحل الله، وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله، ونقص كل ما خلق الله كاملاً بالفعل أو بالقوة، {ولآمرنهم فليُغَيّرُنّ خلق الله}؛ صورة أو صفة، فيندرج فيه خصاء العبيد والوشم، والتنمص ـ وهو نتف الحاجب ـ. زاد البيضاوي: واللواط، والمساحقة، وعبادة الشمس القمر، وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالاً ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يقتضي منع الخِصاء مطلقًا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجُمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقًا، أو أتاه فعلاً. هـ. ثم حذّر منه فقال: {ومن يتخذ الشيطان وليًّا من دون الله} باتباعه فيما أمره به دون ما أمر الله به، {فقد خسر خسرانًا مبينًا} واضحًا؛ حيث ضيع رأس ماله، وأبدل بمكانة من الجنة مكانه من النار. {يعدهم} أي: الشيطان، أمورًا لا تُنجز لهم، {ويمنّيهم} أماني لا تعطى لهم، {وما يعدهم} أي: {الشيطان إلا غرورًا}، وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، فكان يوسوس لهم أنهم على الحق وأنهم أولى بالجنة، إلى غير ذلك من أنواع الغرور، {أولئك} المغرورون {مأواهم جهنم} أي: هي منزلهم ومقامهم، {ولا يجدون عنها محيصًا} أي: مهربًا ولا معدلاً. من حاص يحيص: إذا عدل. الإشارة: ما أحببت شيئًا إلا كنت له عبدًا، فاحذر أن تكون ممن يَعبُد من دون الله إناثًا، إن كنت تحب نفسك، وتؤثر هواها على حق مولاها، أو تكون عبد المرأة أو الخميصة أو البهيمة، أو غير ذلك من الشهوات التي أنت تحبها، واحذر أيضًا أن تكون من نصيب الشيطان بإيحاشك إلى الكريم المنان، وفي الحِكَم: "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده". فاشتغل بمحبة الحبيب، يكفيك عداوة العدو، فاتخذ الله وليًا وصاحبًا، ودع الشيطان جانبًا، غِب عن الشيطان باستغراقك في حضرة العِيان. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اختلفوا في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: فقال أبو مالك، والسدي، وابن زيد، والزجاج: ان المراد بذلك آلهتهم، واللات، والعزى، ومنات، وساف، ونائله سماهن إناثاً بتسمية المشركين اياها باسماء الاناث. الثاني - قال ابن عباس، وقتادة، والحسن: معناه إن يدعون من دونه الا اناثاً يقول ميتاً ليس فيه روح، قال الحسن: الاناث كل شيء ميت ليس فيه روح، مثل خشبة يابسة أو حجر يابس. وقال الزجاج: لان الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث كما يعبر عن المؤنث تقول: الاحجار تعجبني ولا تقول يعجبوني. الثالث - قال الحسن في رواية أخرى: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم أناثاً، وكان لكل حي صنم يسمونها أنثى. الرابع - قال مجاهد: الاناث هي الاوثان. وروي عن عروة عن أبيه أن في مصحف عائشة الا أوثاناً وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأها إلا وثناً جمع وثن كأنه جمع وثناً، وثناً، ثم قلب الواو همزة مضمومة مثل وجوه وأوجه وقتت واقتت، وقرأ بعضهم أنثاً جمع أناث مثل ثمار وثمر والقراءة المشهورة أناثاً، وعليه القراء من أهل الامصار. الخامس - قال الحسين بن علي المغربي: إلا اناثاً معناه ضعافاً عاجزين لا قدرة لهم يقولون: سيف أنيث وميناثة بالهاء وميناث أي غير قاطع. قال صخر الغي: شعر : فتخبره بأن العقل عندي جراز لا أفل ولا أنيث تفسير : وأنث في أمره: اذالان، وضعف والانيث المخنث، وقال الكميت: شعر : وشذبت عنهم شوك كل قتادة بفارس يخشاها الانيث المغمز تفسير : قال الازهري: والاناث الموات. وقوله: {وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} المعنى إن هؤلاء الذين يعبدون غير الله ليس يعبدون الا الجمادات، والا الشيطان المريد وهو المتمرد على الله في خلافه فيما أمر به ونهى عنه وهو ابليس، وبه قال قتادة واكثر المفسرين "ويدعون" معناه يعبدون، لأنهم، إذا دعوا الله مخلصين، فقد عبدوه، ومثله قوله: {أية : ادعوني أستجب لكم } تفسير : اي اعبدوني بدلالة قوله:{أية : إن الذين يستكبرون عن عبادتي } تفسير : قال الزجاج: المريد هو الخارج عن الطاعة يقال حائط ممرّد أي مملس وشجرة مرداء إذا تناثر ورقها ومنه سمي أمرد ومن لا لحية له أي أملس موضع اللحية، ويقال مرد الرجل يمرد مروداً ومرادة: إذا عتا وخرج عن الطاعة.

الجنابذي

تفسير : { إِن يَدْعُونَ} هؤلاء المشركون بالله او بعلىّ (ع) {مِن دُونِهِ} اى من دون الله او من دون علىّ {إِلاَّ إِنَاثاً} لانّهم يسمّون اصنامهم اناثاً ويقولون: انثى بنى فلان وانثى بنى فلان، او لانّهم يعبدون نفوسهم الامّارة وهى اناث العالم الصّغير وهى الّتى تمكّن فيها الشّيطان ويأمر وينهى الانسان، او لانّهم يطيعون ائمّة الضّلالة؛ وائمّة الضّلالة لكون فعليّاتهم فعليّات النّفوس الامّارة ما بقى لهم جهة رجوليّة لا بالفعل ولا بالقوّة {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} الشّيطان الخارجىّ او الظّاهر بنفوسهم الامّارة، والمريد والمارد الخارج عن الطّاعة الّذى لا خير فيه.

اطفيش

تفسير : {إِن يَدْعُونَ}: يعبدون أو يطلبون فى حوائجهم، لأن من زعم أن شيئا إلهياً دعاه. {مِن دُونِهِ إِلا إِنَاثاً}: اللات والعزى ومناة ونحوها من الأصنام المؤنثة، اذ كانوا يصورونها بصورة الاناث، ويلبسونها أنواع الحلل التى تتزين بها النساء، ويسمونها غالبا بأسماء الاناث، قال الحسن: لم يكن حى من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بنى فلان. وقيل: كانوا يقولون فى أصنامهم: انها بنات الله، والشىء قد يؤنث لتأنيث اسمه، ولو كان مذكرا كما قد يقال: خليفة أخرى، وجاءت الخليفة والمراد الرجل، ولا يقال ذلك فى الملائكة أدبا، ولأنه لا دليل عليه فيه، لأنه ان أنث ضمير الملائكة فللجماعة، ومن ذلك قملة البعير تسمى قرادا اذا كان صغيرا ويذكر اذا كان عظيما كبيرا سميت حلمة، فتؤنث وكذا اذا ذكر الحيوان باسم القملة أنث. قال الشاعر: شعر : وما ذكر فان يسمن فأنثى شديدا لازم ليس له ضروس تفسير : أراد أن القراد يذكر، واذا عظم سمى حلمة فيؤنث، أو أنثوا الأصنام لأنها كالاناث تتأثر بفعل الفاعل، وليست بفاعله، كما أن الأنثى ضعيفة، فسماها الله باسم الاناث اذ قال: {إِلا إِنَاثاً} نداء عليهم بأنهم فى غاية الضلال والجهل، ومكبرة العقول اذ عبدوا جمادا مسمى باسم الأنثى لا ينفع ولا يضر، ولا يمتنع من أن يبال عليه أو يراث عليه. شعر : أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب تفسير : وقيل: المراد بالاناث الملائكة، لأن بعض مشركى العرب يسمون الملائكة بنات الله تعالى ويعبدونهم، قال الله تعالى: {أية : ان الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى }تفسير : وقد اعترفوا أن اناث كل شىء أخسه، والمفرد أنثى كربى بضم الراء وتشديد الباء، ورباب بكسر الراء وتخفيف الباء وتضم الراء أيضا، والربى الشاة تربى ولدها لقرب عهدها بالولادة، وقرىء أنثى على الإفراد، والمراد جنس الصنم، وقرىء أنثى بضم الهمزة والثاء جمع أنيث بفتح الهمزة وكسر النون، وهو المخنث الضعيف من الرجال، كخبيث وخبث، شبه أصنامهم بالرجل الضعيف المخنث، والمشبه به هنا أقوى، لأن المراد مجرد الشركة فى الضعف، ولو تفاوت الضعف اذ هى أضعف مع أن المخلوق ليس أهلا لأن يعبد، ولو قوى أو لأنهم يعظمونها، فقال لهم: هبوها كالرجل الضعيف المخنث، فهى لا تنفع أو تضر ولا سيما أنها دونه. وقرىء وثنا بضم الواو والثاء وبضمها واسكان الثاء جمع وثن، أو الاسكان تخفيف من الضم، وذلك كأسد وأسد فى جمع أسد، وقرىء أثنا بهذين الوزنين جمع وثن أيضا الا أنه قلبت الواو همزة لضمها ضما لازما كوجوه أقتت فى وجوه، ووقتت، وقرأت عائشة: الا اناثا، وهو كذلك فى مصحفها، ومثله عن ابن عباس، وزعم الزجاج والحسن أن كل جماد وهو ما لا روح فيه يجوز أن يسمى أنثى، ويرد اليه ضمير الأنثى، واشارة الأنثى ويؤنث نعته وسائر أحواله، أو لم يكن على معنى الأنثى، ولا كانت فيه سلامة التأنيث، وليس كذلك، وعلى زعمهما تقول: هذه الجبل، وطالت الجبل، والجبل طويلة، ولا حجة لهم، بل ما ورد من ذلك قصر على السماع أو أول. {وَإِن يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَّرِيداً}: أن يعبدون أو يطلبون بعبادة تلك الاناث الا شيطانا لا شىء فيه من الخير، فان مادة مرد خلو الشىء عن شىء، فالأمرد من خلا وجهه عن الشعر، وصرح ممرد مصنوع بحيث خلا عن خشونة، وشجرة مرداء تجردت عن الورق، وقيل أصل المادة الملاسة، وانما كان عبادة هؤلاء الاناث، أو طلبها عبادة للشيطان، أو طلبا له، لأنه هو الذى أمرهم بذلك وسوسة فأطاعوه، والشيطان ابليس لقوله: {أية : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا }تفسير : الآية، وللأفراد. وقال ابن عباس: المراد جنس الشياطين، وان لكل صنم شيطانا يدخله ويتكلم منه بالاغراء على الشرك والمعاصى لخدمة الأصنام والكهان، وعليه فقوله: {أية : لأتخذن من عبادك }تفسير : الآية قول لسان الحال، وأجيز أن يكون ابليس هو الذى ينزل لخدمة الأصنام.

الالوسي

تفسير : {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً} أي ما يعبدون أو ما ينادون لحوائجهم من دون الله تعالى إلا أصناماً، والجملة مبينة لوجه ما قبلها ولذا لم تعطف عليه، وعبر عن الأصنام بالإناث لما روي عن الحسن أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان لأنهم يجعلون عليه الحلي وأنواع الزينة كما يفعلون بالنسوان، أو لما أن أسماءها مؤنثة ـ كما قيل ـ وهم يسمون ما اسمه مؤنث أنثى كما في قوله:شعر : وما (ذكر فإن يكبر فأنثى) شديد اللزم ليس له ضروس تفسير : فإنه عنى القراد، وهو ما دام صغيراً يسمى قراداً فإذا كبر سمي حلمة كثمرة، واعترض بأن من الأصنام ما اسمه مذكر ـ كهبل وودّ وسواع وذي الخلصة ـ وكون ذلك باعتبار الغالب غير مسلم، وقيل: إنها جمادات وهي كثيراً ما تؤنث لمضاهاتها الإناث لانفعالها، ففي التعبير عنها بهذا الاسم تنبيه على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم حيث يدعون ما ينفعل ويدعون الفعال لما يريد، وقيل: المراد بالإناث الأموات، فقد أخرج ابن جرير وغيره عن الحسن أن الأنثى كل ميت ليس فيه روح مثل الخشبة اليابسة والحجر اليابس، ففي التعبير بذلك دون أصناماً التنبيه السابق أيضاً إلا أن الظاهر أن وصف الأصنام بكونهم أمواتاً مجاز، وقيل: سماها الله تعالى إناثاً لضعفها وقلة خيرها وعدم نصرها، وقيل: لاتضاع منزلتها وانحطاط قدرها بناءاً على أن العرب تطلق الأنثى على كل ما اتضعت منزلته من أي جنس كان، وقيل: كان في كل صنم شيطانة تتراءى للسدنة وتكلمهم أحياناً فلذلك أخبر سبحانه أنهم ما يعبدون من دونه إلا أناثاً؛ وروي ذلك عن أبيّ بن كعب، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله عز اسمه، وروي ذلك عن الضحاك، وهو جمع أنثى ـ كرباب وربى ـ في لغة من كسر الراء. وقرىء ـ إلا أنثى ـ على التوحيد ـ وإلا أنثى ـ بضمتين كرسل، وهو إما صفة مفردة مثل امرأة جنب، وإما جمع أنيث كقليب وقلب، وقد جاء حديد أنيث، وإما جمع إناث كثمار وثمر، وقرىء ـ وثنا وأثنا ـ بالتخفيف والتثقيل، وتقديم الثاء على النون ـ جمع وثن ـ كقولك: أسد وأسد وأسد ووسد، وقلبت الواو ألفاً كأجوه في وجوه. وأخرج ابن جرير أنه كان في مصحف عائشة رضي الله تعالى عنهاـ إلا أوثانا ـ. {وَإِن يَدْعُونَ} أي / وما يعبدون بعبادة تلك الأوثان {إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً} إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم فكانت طاعتهم له عبادة فالكلام محمول على المجاز فلا ينافي الحصر السابق، وقيل: المراد من يدعون يطيعون فلا منافاة أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أنه قال: «ليس من صنم إلا فيه شيطان» والظاهر أن المراد من الشيطان هنا إبليس، وهو المروي عن مقاتل وغيره، والمريد والمارد والمتمرد: العاتي الخارج عن الطاعة، وأصل مادة ـ م رد ـ للملامسة والتجرد، ومنه {أية : صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ} تفسير : [النمل: 44] وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها، ووصف الشيطان بذلك إما لتجرده للشر أو لتشبيهه بالأملس الذي لا يعلق به شيء، وقيل: لظهور شره كظهور ذقن الأمرد وظهور عيدان الشجرة المرداء.

ابن عاشور

تفسير : كان قوله: {إن يدعون} بياناً لقوله: {أية : فقد ضلّ ضلالاً بعيداً}تفسير : [النساء: 116]، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد بالله غيرَه ثم أن يَدّعي أنّ شركاءه إناث، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع. وأعجب من ذلك أن يَكون هذا صادراً من العرب، وقد علم الناس حال المرأة بينهم، وقد حَرَمُوها من حقوق كثيرة واستضعفوها. فالحصر في قوله: {إن يدعون من دونه إلا إناثاً} قصر ادّعائي لأنّه أعجبُ أحوال إشراكهم، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي: اللاّت، والعُزّى، ومَنَاة، فهذا كقولك لا عالم إلاّ زيد. وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأوس والخزرج، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين: مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام: ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام. ومعنى {وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} أنّ دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان، والمراد جنس الشيطان، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سوّل لهم عبادة الأصنام. والمَريد: العاصي والخارج عن المَلِك، وفي المثل «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» اسما حصنين للسموأل، فالمريد صفة مشبّهة مشتقّة من مردُ ــــ بضم الراء ــــ إذا عتا في العصيان. وجملة {لعنه الله} صفة لشيطان، أي أبعده؛ وتحتمل الدعاء عليه، لكن المقام ينبو عن الاعتراض بالدعاء في مثل هذا السياق. وعطف {وقال لأتخذن} عليه يزيد احتمال الدعاء بُعداً. وسياق هذه الآية كسياق أختها في قوله: {أية : فاخرج إنّك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يُبعثون قال إنّك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم}تفسير : [الأعراف: 13 ـــ 16] الآية فكلّها أخبار. وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر الأحوال الشيطانية لأحوال البشر، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر، وما كونّه الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القُوى الشيطانية نوال إهلاك بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح، إلاّ بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض مَيل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية وانجذابها، فتلك خُلَس تعمل الشياطين فيها عملها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: {أية : قال هذا صراط عليّ مستقيم إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين}تفسير : [الحجر: 41، 42]. وتلك ألطاف من الله أوْدعها في نظام الحياة البشرية عند التكوين، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في كلّ عصر، وبقي معها من الشرُور حظّ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وَكَل الله أمرَ الذياد عنه إلى إرادة البشر، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة الشرائع والحكمة. فمعنى الحكاية عنه بقوله: {لأتّخذّن من عبادك نصيباً مفروضاً} أنّ الله خلق في الشيطان علماً ضرورياً أيقن بمقتضاه أنّ فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلّة. وليس قوله: {من عبادك} إنكاراً من الشيطان لعبوديته لله، ولكنّها جلافة الخطاب النَّاشئة عن خباثة التفكير المتأصّلة في جبلّته، حتّى لا يستحضر الفكر من المعاني المدلولة إلاّ ما له فيه هوى، ولا يتفطّن إلى ما يحفّ بذلك من الغلظة، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة، فكلّ حظّ كان للشيطان في تصرّفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان: كعبادة الأصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كلّ ذلك من النصيب المفروض. ومعنى {ولأضِلَّنَّهم} إضلالهم عن الحق. ومعنى: {ولأمنّينَّهم} لأعدنَّهم مواعيد كاذبة، ألقيها في نفوسهم، تجعلهم يتمنّون، أي يقدّرون غير الواقع واقعاً، أغراقاً، في الخيال، ليستعين بذلك على تهوين انتشار الضلالات بينهم. يقال: منَّاه، إذا وعده المواعيد الباطلة، وأطمعه في وقوع ما يحبّه ممّا لا يقع، قال كعب:شعر : فلا يغرنك ما منّت وما وعدت تفسير : ومِنه سمّي بالتمنّي طلبُ ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر. ومعنى: {ولآمرنّهم فليبتْكن آذان الأنعام} أي آمرنّهم بأن يبتّكوا آذان الأنعام فليبتّكنها، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين، فحذف مفعول أمَرَ استغناء عنه بما رُتّب عليه. والتبتيك: القطع. قال تأبّط شراً:شعر : ويجعلُ عينيه رَبيئَةَ قلبه إلى سَلّةٍ من حدّ أخلَقَ باتك تفسير : وقد ذكر هنا شيئاً ممّا يأمر به الشيطان ممّا يخصّ أحوال العرب، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم، علامة على أنّها محرّرة للأصنام، فكانوا يشقّون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة، فكان هذا الشقّ من عمل الشيطان، إذ كان الباعثُ عليه غرضاً شيطانياً. وقوله: {ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله} تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمَى ظهرَه من الركوب لكثرة ما أنْسَل، ويسيّب للطواغِيت. ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشْم إذ أرادوا به التزيّن، وهو تشويه، وكذلك وسم الوجوه بالنار. ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له، وذلك من الضلالات الخرافية. كجعل الكواكب آلهة. وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام، الذي هو دين الفطرة، والفطرة خلق الله؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله. وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله. وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سمات كانت تعدّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك. وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها. وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى: «النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح». وجملة {ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته. وقوله: {يعدهم ويمنّيهم} استئناف لبيان أنّه أنجز عزمه فوعد ومنَّى وهو لا يزال يَعد ويمنّي، فلذلك جيء بالمضارع. وإنّما لم يذكر أنّه يأمرهم فيبتّكون آذان الأنعام ويغيّرون خلق الله لظهور وقوعه لكلّ أحد. وجيء باسم الإشارة في قوله: {أولئك مأواهم جهنّم} لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأنّ المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدّم من ذكر صفاتهم. والمحيص: المراغ والملجأ، من حاص إذا نفَر وراغ، وفي حديث هرقل «فحَاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب». وقال جعفر بن عُلْبَةَ الحارثي:شعر : ولم نَدْرِ إن حِصْنا من الموت حَيْصَة كَم العُمْرُ باقٍ والمدى متطاولُ تفسير : روي: حِصنا وحيصة ــــ بالحاء والصاد المهملتين ــــ ويقال: جاض أيضاً ــــ بالجيم والضاد المعجمة ــــ، وبهما روي بيت جعفر أيضاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. المراد في هذه الآية. بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} تفسير : [يس: 60] الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقرراً له: {أية : يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} تفسير : [مريم: 44] وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية وقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} تفسير : [الأنعام: 137] ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ما جاءت به الرسل من عند الله تعالى كقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 121] وقوله: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 31] الآية حديث : فإن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم كيف اتخذوهم أرباباً؟ قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم: "إنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم"تفسير : وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أرباباً ويفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثراً له على ما جاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشَّيطان، متخذ الشيطان رباً وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء. لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِنَاثاً} {شَيْطَاناً} (117) - إنَّ الكَافِرِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أوْثَاناً صَوَّرُوهَا، وَقَالُوا إِنَّهَا تُشْبِهُ المَلاَئِكَةَ التِي زَعَمُوا أَنَّها بَنَاتُ اللهِ، لِذَلِكَ عَبَدُوهَا، وَسَمّوهَا بِأسْمَاءِ الإِنَاثِ (مِثْلِ اللاَّتِ وَالعُزَّى وَمَنَاةَ ..) وَالذِي أمَرَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ الذِي حَسَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَزَيَّنَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَكَانَتْ طَاعَتُهُمْ لَهُ عِبَادَةً. مَريداً - مُتَمَرّداً وَمُتَجَرِّداً مِنَ الخَيْرِ. إنَاثاً - أصْنَاماً يُزَيِّنُونَهَا كَالنِّسَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"إن" هنا بمعنى ما، فـ "إن" مرة تكون شرطية، ومرة تكون نافية. مثل قوله في موقع آخر: {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] أي إن الحق يقول: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ}. وكذلك "إنْ" في قوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً}، وكان العرب ينسبون إلى المرأة كل ما هو هيّن وضعيف ولذلك قال الحق: {أية : أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 18] فالإناث في عرف العرب لا تستطيع النصر أو الدفاع، ولذلك يقول الشاعر: شعر : وما أدرى ولست أخال أدرى أقوم آل حصن أم نساء تفسير : والقوم هنا مقصود بهم الرجال لأنهم يقومون لمواجهة المشكلات فلماذا تدعون مع الله إناثاً؟. هل تفعلون ذلك لأنها ضعيفة، أو لأنكم تقولون: إن الملائكة بنات الله؟. وكانوا يعبدون الملائكة. وعندما تريدون القسمة لماذا تجعلون لله بنات؟. على الرغم من أنه سبحانه خلق البنين والبنات. ولذلك قال الحق: {أية : تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} تفسير : [النجم: 22] أي قسمة جائرة لم يراع فيها العدل. وعندما ننظر إلى الأصنام كلها نجد أن أسماءها أسماء مؤنثة: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 19-20] وكذلك كان هناك صنم اسمه "إساف" و "نائلة"، فهل هذه الأصنام إناث؟ وكيف تدعون النساء والنساء لا ينصرن ولا ينفعن؟. وهل ما تعبدون من دون الله أصنام بأسماء إناث، أو هي نساء، أو هي ملائكة؟ والحق يقول: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} والأسلوب هنا أسلوب قطع. أي ما يدعون إلا إناثاً، تماماً مثلما نقول "ما أكرم إلا زيداً" وهذا نفي الإكرام لغير زيد، وإثبات للإكرام لزيد. فساعة يقول الحق: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً} فغير الإناث لا يدعونهم، ولذلك يعطف عليها الحق: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. واستخدم الحق في صدر الآية أسلوب القصر، وأسلوب القصر معناه أن يقصر الفعل على المقصور عليه لا يتعداه إلى غيره؛ فهم يعبدون الإناث، هذا اقصر أول، ثم قصر ثانٍ هو قوله الحق: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. وكان خدم الأصنام يدعون أن في جوف كل صنم شيئاً يتكلم إليهم؛ لذلك كان لا بد أن يكون في جوف كل صنم شيطان يكلمهم.. وكان ذلك لوناً من الخداع، فالشياطين ليست جنّاً فقط ولكن من الإنس أيضاً. فهناك سدنة وخدم يقومون على خدمة الآلهة ويريدون أن يجعلوا للآلهة سلطاناً ونفوذاً حتى يأتي الخير للآلهة كالقرابين والنذور ويسعد السدنة بذلك؛ لذلك كانوا يستأجرون واحداً له صوت أجش يتكلم من وراء الصنم ويقول: اذبحوا لي كذا. أو هاتوا لي كذا. تماماً كما يحدث من الدجالين حتى يثبتوا لأنفسهم سلطاناً. وهكذا كان الذي يتكلم في جوف هذه الأصنام إما شيطان من الجن، وإمّا شيطان من الإنس. والشيطان من "الشطن" وهو "البعد". ووصف الشيطان بأنه مريد يتطلب منا أن نعرف أن هناك كلمة "مارد" وكلمة "مريد". وكل الأمور التي تغيب عن الحس مأخوذة من الأمور الحسية. وعندما نمسك مادة "الميم والراء والدال" نجد كلمات مثل "أمرد" و "امرأة مرداء" و "شجرة مرداء"، و "صرح ممرد". إن المادة كلها تدور حول الملمس الأملس. فأمرد تعني أملس؛ أي أن منابت الشعر فيه ناعمة. وصرح ممرد كصرح بلقيس أي صرح مصقول صقلاً ناعما لدرجة أنها اشتبهت في أنه ماء، ولذلك كشفت عن ساقيها خوفاً أن يبتل ثوبها. والشجرة المرداء هي التي لا يمكن الصعود عليها من فرط نعومة ساقها تماماً كالنخلة فإنه لا تبقى عليها الفروع، ولذلك يدقون في ساق هذه النخلة بعض المسامير الكبيرة حتى يصعدوا عليها. والشيطان المريد هو المتمرد الذي لا تستطيع الإمساك به. إذن. فـ "مارد" و "مريد" و "ممرد" و "مرداء" و "أمرد"، كلها من نعومة الملمس. {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً}. وعندما يحاول العصاة الإمساك بالشيطان في الآخرة يقول لهم: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22] وهو بذلك يتملص من الذين اتبعوه؛ لأنه لم يكن يملك قوة إقناع أو قوة قهر، فقط نادى بعضاً من الخلق فزاغت أبصارهم واتبعوه من فرط غبائهم. والشيطان موصوف بأن الله طرده من رحمته. فالحق يقول: {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً} معناهُ مَواتٌ من حَجرٍ، أَو مَدَرٍ، أَوْ مَا أَشبهُ ذَلِكَ. تفسير : وقوله تعالى: {شَيْطَٰناً مَّرِيداً} معناهُ مُتَمرِدٌ.

الأندلسي

تفسير : {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً} المعنى ما يعيدون من دون الله ويتخذونه إليها إلا مسميّات تسمية الإِناث وكني بالدعاء عن العبادة لأن من عبد شيئاً دعاه عند حوائجه ومصالحه وكانوا يحلون الأصنام بأنواع الحلى ويسمونها أنثى وإناث جمع أنثى كرباب جمع ربّيّ وان نافية ويدعون يحتاج إلى مفعول وهو محذوف تقديره ما يدعون من دونه أي من دون الله أحداً إلا إناثاً فإِناثاً مفعول بيدعون وهو استثناء مفرغ ونكر شيطاناً مريداً تحقيراً لشأنه ومريداً فعيل للمبالغة في اسم الفاعل الذي هو ما رد من مرد أي عتا وعلا في الحذاقة وتجرد للشر والغواية والمراد به إبليس يدل عليه ما قاله بعد. {نَصِيباً مَّفْرُوضاً} أي نصيباً واجباً اقتطعه لنفسه من قولهم فرض الله له في العطاء، والمعنى لاستخلصنّهم بغوايتي ولأحضّنّهم بإِضلالي وهم الكفرة والعصاة هذه خمسة أقسم إبليس عليها أحدها اتحاذ نصيب من عبادة الله وهو اختياره إياهم. والثاني: إخلالهم وهو صرفهم عن الهداية وأسبابها. والثالث: تمنيته لهم وهو التسويل ولا ينحصر في نوع واحد لأنه تمني كل إنسان بما يناسب حاله من طول عمر وبلوغ وطر وغير ذلك وهي كلها أماني كواذب باطلة. {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ} البتك: الشق، والقطع بتك بيتك وبتّك للتكثير، والبتك القطع واحدها بتكة. قال الشاعر: شعر : حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها تبك تفسير : ومفعول لآمرنهم الثاني محذوف تقديره ولآمرنهم بالتبتيك وكذلك الثاني أي ولآمرنهم بتغيير خلق الله وحذف لدلالة المعنى عليه. {فَلَيُغَيِّرُنَّ} عن ابن عباس وغيره أراد تغيير دين الله. {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} أخبر تعالى بصدور ما وعدهم به إبليس واحتمل النصب في قوله غروراً أن يكون مفعولاً ثانياً ليعدهم أو مفعولاً من أجله أي لأجل الغرور أو مصدراً على غير الصدر لتضمين يعدهم معنى يعزهم ويكون ثم وصف محذوف أي إلا غروراً واضحاً أو نحوه أو نعتاً لمصدر محذوف على حذف مضاف أي وعداً ذا غرور {مَحِيصاً} المحيص مفعل من حاص يحيص إذا زاغ بنفور.

الجيلاني

تفسير : {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: ما يدعون من دون الله آلهة {إِلاَّ إِنَٰثاً} وهي: اللات والعزى والمناة {وَإِن يَدْعُونَ} من دونه {إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً} [النساء: 117] مردوداً لا خير فيه أصلاً؛ إذ هو حملهم وأغراهم على عبادة الأصنام الجامدة. وكيف يعبدونه ويدعون له وقد {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} وطردهه عن عز حضوره، وأخرجه من خلص عباده بواسطة تغرير العباد وإغراضهم إلى الشرك والطغيان {وَ} بعدمى آيس عن روح الله، وقنط من رحمته {قَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ} الذين طردتني بسببهم وأبعدتني لأجلهم {نَصِيباً} حظّاً كاملاً مما جعلته {مَّفْرُوضاً} [النساء: 118] لهم من توحيدك وتقديسك، بأن يغرهم ويلبس عليهم إلى أن يشركوا بك، وينسبوا إليك ما لا يليق بجنابك فينحطوا بها عن كتف حفظك وجوارك، ويستحقوا سخطك وغضبك. {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} بأنواع الخدات والوسوسة عن طريق توحيدك {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} بما يتعلق بمعاشهم في دار الغرور من الحرص وطول الأمل، وسائر مشتهيات النفس ومستلذاتها {وَلأَمُرَنَّهُمْ} بتغيير أوضاعك وتنقيص مصنوعاتك وتخريب مخترعاتك {فَلَيُبَتِّكُنَّ} ليشقن {ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ} وأنوف الخيل، وغير ذلك من الأعمال التي عملوا مع خلقك بلا رخصة شرعية {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} بموالاتي أياهم، ومواساتي معهم إلى أن يغيروا ما خلق على مقتضى الحكمة من الأمور التي خرج بها عن الفطرة الإلهية وانحرفوا بها عن طريق الأقوم الأعدل {وَ} بالجملة: {مَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ} ولاية {ٱللَّهِ} المولي لجميع أموره {فَقَدْ خَسِرَ} لنفسه {خُسْرَاناً مُّبِيناً} [النساء: 119] ظاهرة الخسارة والحرمانن؛ إذ بدل ولاية الله الهادي بولاية الشيطان المضل، ولا خسران أعظم منه. وكيف لا يكون ولاية الشيطان خسراناً؛ إذ {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} ما لا ينالون ويصلون إليه أصلا، كيف يصلون وإلى أي شيء ينالون {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} [النساء: 120] أوهاماً وخيالات باطلة، لا وجود لها أصلاً لا حالاً ولا مآلاً؟! {أُوْلَـٰئِكَ} المغرورون بغرور الشيطان والضالون بإضلاله {مَأْوَاهُمْ} ومثواهم {جَهَنَّمُ} البعد والإمكان {وَ} هم {لاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} [النساء: 121] ملجاً ومهرباً أصلاً، بل يبقون فيها مخلداً مؤبداً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم قال تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً} [النساء: 117]؛ يعني: ما يعبدون من دون الله، ولا يطلبونه من الدنيا والآخرة ومنافعهما، إلا هو بمثابة الإناث لكم يتولد منه الشرك المقدر بمشيئته الأزلية، {وَإِن يَدْعُونَ} [النساء: 117]؛ أي: وإن يعبدون {شَيْطَٰناً مَّرِيداً} [النساء: 117]، {لَّعَنَهُ ٱللَّهُ} [النساء: 118]؛ يعني: وما يعبدون شيئاً إلا هو شيطان لهم يضلهم عن طلب الله والوصول إليه، وقد لعنه الله وأبعده عن الحضرة إذا كان سببه ضلالتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه"تفسير : ، وإنما لعن الله الدنيا وأبغضها؛ لأنها كانت سبباً للضلالة وكذلك الشيطان، فافهم جيداً. {وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 118]، والنصيب المفروض من العباد؛ هم طائفة خلقهم الله أهل النار، كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} تفسير : [الأعراف: 179]؛ وهم أتباع الشيطان هاهنا، والنصيب المفروض في الأزل، إذ قال تعالى بالكلام الأزلي القديم: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 85]، وإبليس مع كفره ظن أنه قد يرى، إذا قال: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ } [النساء: 119]، ما علم أنه بعث مزيناً وليس إليه من الضلالة شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت مبلغاً وليس إليَّ من الهداية شيء"تفسير : ، فمن يرى حقيقة الإضلال مشيئة من إبليس فهو إبليس وقته، وقد قال تعالى: {أية : يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [فاطر: 8]، وقال: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة: 26]، فكما أن لأهل الإيمان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لا يهدي من أحب، فكذلك أهل الضلالة هم أتباع إبليس وإنه لا يضل من أحب، فافهم جيداً. ثم أول إضلال إبليس بقوله تعالى: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} [النساء: 119]، فليس على الإضلال للشيطان قدرة وقوة إلا بطريق الفتنة والتزيين، والأمر والدعاء، كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 22]، فإني ما كنت لكم في الضلالة إلا عوناً وولياً، وأنتم اتخذتموني في ذلك ولياً، {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} [النساء: 119] من نواة سعادة الدارين؛ لأن الشيطان يعدهم برحمة الله وعفوه من غير توبة على المعاصي والكف عن الذنوب، {وَيُمَنِّيهِمْ} [النساء: 120]، بما يلائم طباعهم، {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} [النساء: 120]، إلا أن يغتروا بالحياة الدنيا وزينتها، ويغتروا بكرم الله وعفوه، وقد قال تعالى: {أية : فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [لقمان: 33]؛ والغرور: هو الشيطان، ومن يغتر به {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 121]؛ أي: مقامهم ومسكنهم؛ لأنهم خلقوا لذلك، وإنما اغتروا بقول الشيطان لهذه الخاصية، {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} [النساء: 121]، إذ هي ناديهم ولها خلقوا على التحقيق بالحكمة البالغة والمشيئة الأزلية، فافهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا، أي: أوثانا وأصناما مسميات بأسماء الإناث كـ "العزى" و "مناة" ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا عن نفسها؛ نفعا ولا ضرا ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يُعبد من هذا وصفه ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟" هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟" ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة. وبالحقيقة ما عبدوا غير الشيطان الذي هو عدوهم الذي يريد إهلاكهم ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه، الذي هو في غاية البعد من الله، لعنه الله وأبعده عن رحمته، فكما أبعده الله من رحمته يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله. {أية : إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } تفسير : ولهذا أخبر الله عن سعيه في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم والفساد وأنه قال لربه مقسما: { لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } أي: مقدرا. علم اللعين أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله، وأن عباد الله المخلصين ليس له عليهم سلطان، وإنما سلطانه على من تولاه، وآثر طاعته على طاعة مولاه. وأقسم في موضع آخر ليغوينهم {أية : لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } تفسير : فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به، أخبر الله تعالى بوقوعه بقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }. تفسير : وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم ذكر ما يريد بهم وما يقصده لهم بقوله: { وَلأضِلَّنَّهُمْ } أي: عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم، وضلالا في العمل. { وَلأمَنِّيَنَّهُمْ } أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم فإنهم كما حكى الله عنهم، {أية : وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } {أية : كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } تفسير : الآية. وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: {أية : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ }. تفسير : وقوله: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ } أي: بتقطيع آذانها، وذلك كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنبه ببعض ذلك على جميعه، وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة والأحكام الجائرة ما هو من أكبر الإضلال. { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم، والوشر والنمص والتفلج للحسن، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن. وذلك يتضمن التسخط من خلقته والقدح في حكمته، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء مفطورين على قبول الحق وإيثاره، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشر والشرك والكفر والفسوق والعصيان. فإن كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد من توحيده وحبه ومعرفته. فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب للغنم المنفردة. لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى على هؤلاء المفتونين، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه، فخسروا الدنيا والآخرة، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة، ولهذا قال: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا } وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه وأوبقته معاصيه وخطاياه؟!! فحصل له الشقاء الأبدي، وفاته النعيم السرمدي. كما أن من تولى مولاه وآثر رضاه، ربح كل الربح، وأفلح كل الفلاح، وفاز بسعادة الدارين، وأصبح قرير العين، فلا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، اللهم تولنا فيمن توليت، وعافنا فيمن عافيت. ثم قال: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } أي: يعد الشيطان من يسعى في إضلالهم، والوعد يشمل حتى الوعيد كما قال تعالى: {أية : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } تفسير : فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } تفسير : الآية. ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله بكل ما يمكن وما لا يمكن مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن فعل الخير، وكذلك يمنيهم الأماني الباطلة التي هي عند التحقيق كالسراب الذي لا حقيقة له، ولهذا قال: { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي: من انقاد للشيطان وأعرض عن ربه، وصار من أتباع إبليس وحزبه، مستقرهم النار. { وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } أي: مخلصا ولا ملجأ بل هم خالدون فيها أبد الآباد.