Verse. 6059 (AR)

٩٢ - ٱللَّيْل

92 - Al-Lail (AR)

وَالَّيْلِ اِذَا يَغْشٰى۝۱ۙ
Waallayli itha yaghsha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والليل إذا يغشى» بظلمته كل ما بين السماء والأرض.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ما قال سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } تفسير : [الفرقان: 62]، {أية : وسخر لكم الليل والنهار } تفسير : [إبراهيم: 33] أما قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } فاعلم أنه تعالى لم يذكر مفعول يغشى، فهو إما الشمس من قوله: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 4] وإما النهار من قوله: {أية : يغشى ٱلليل وٱلنَّهَارَ } تفسير : [الرعد: 3] وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله: {أية : إِذْا وَقَبَ } تفسير : [الفلق: 3] وقوله: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } أي ظهر بزوال ظلمة الليل، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } أي يُغَطِّي. ولم يذكر معه مفعولاً للعلم به. وقيل: يغشى النهار. وقيل: الأرض. وقيل: الخلائق. وقيل: يغشى كل شيء بظلمته. وروى سعيد عن قتادة قال: أولُ ما خلق الله النور والظلمة، ثم مَيَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلِماً، والنور نهاراً مضيئاً مبصِراً. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } أي إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } قال الحسن: معناه والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون قد أقسم بنفسه عز وجل. وقيل: معناه وخلق الذكر والأنثى؛ (فَما): مصدرية على ما تقدم. وأهل مكة يقولون للرعد: سُبْحان ما سَبَّحتَ لَه! (فما) على هذا بمعنى (مَنْ)، وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقد تقدّم. وقيل: المعنى وما خلق من الذكر والأنثى؛ فتكون «مِنْ» مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفاً. وقال أبو عبيدة: «وما خلق» أي مَنْ خلق. وكذا قوله: «والسماءِ وما بناها»، «ونفس وما سوّاها»، «ما» في هذه المواضع بمعنى منْ. ورُوي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ «والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى» ويسقط «وما خلق». وفي صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا. قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }؟ قال: سمعته يقرأ «والليلِ إذا يَغْشَى. والذكر والأنثى» قال: وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «وما خلق» فلا أتابعهم. قال أبو بكر الأنباريّ: وحدثنا محمد بن يحيـى المروزيّ قال حدثنا محمد قال حدّثنا أبو أحمد الزبيريّ قال حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني أنا الرازق ذو القوّة المتِين»؛ قال أبو بكر: كل من هذين الحديثين مردود؛ بخلاف الإجماع له، وأن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين، والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة، وما يبنى على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، أخذ برواية الجماعة، وأبطل نقل الواحد؛ لما يجوز عليه من النسيان والإغفال. ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولاً معروفاً، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم يخالفونه، لكان الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة. وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحوّاء؛ قاله ابن عباس والحسن والكلبيّ. الثاني: يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم؛ لأن الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته. {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } هذا جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. وقال عكرمة وسائر المفسرين: السعي: العمل؛ فساعٍ في فَكاك نفسه، وساعٍ في عَطَبها؛ يدل عليه قوله عليه السلام: « حديث : الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتِقها، وبائع نفسه فموبِقها » تفسير : . وشتى: واحده شتيت؛ مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إنّ عملكم لمتباعد بعضه من بعض؛ لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاصٍ. وقيل: «لشتى» أي لمختلف الجزاء؛ فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق؛ فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل؛ وشبه ذلك.

البيضاوي

تفسير : مكية. وآيها إحدى وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } أي يغشى الشمس أو النهار أو كل ما يواريه بظلامه. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين بطلوع الشمس. {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } والقادر الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد، أو آدم وحواء وقيل {مَا } مصدرية. {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } إن مساعيكم لأشتات مختلفة جمع شتيت. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } تفصيل مبين لتشتت المساعي. والمعنى من أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الحسنى وهي ما دلت على حق ككلمة التوحيد. {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة، من يسر الفرس إذا هيأه للركوب بالسرج واللجام. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ } بما أمر به. {وَٱسْتَغْنَىٰ } بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى. {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } وبإنكار مدلولها. {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار. {وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ } نفي أو استفهام إنكار. {إِذَا تَرَدَّىٰ } هلك تفعل من الردى، أو تردى في حفرة القبر أو قعر جهنم. {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } للإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا أو بمقتضى حكمتنا، أو {إِنَّ عَلَيْنَا } طريقة الهدى كقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [النحل: 9]

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم ارزقني جليساً صالحاً، قال: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } قال علقمة: {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال هؤلاء حتى شككوني، ثم قال: ألم يكن فيكم صاحب السواد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم؟ وقد رواه البخاري ههنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}؟ قال: (والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني أن أقرأ: { وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} والله لا أتابعهم، هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك ابن مسعود وأبو الدرداء، ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور، فقرؤوا ذلك كما هو المثبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق { وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} فأقسم تعالى بـ {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} أي: إذا غشى الخليقة بظلامه، { وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} أي: بضيائه وإشراقه. { وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} كقوله تعالى: {أية : وَخَلَقْنَـٰكُمْ أَزْوَٰجاً} تفسير : [النبأ: 8] وكقوله: {أية : وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} تفسير : [الذاريات: 49] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة، كان المقسم عليه أيضاً متضاداً، ولهذا قال تعالى: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضاً ومتخالفة، فمن فاعل خيراً، ومن فاعل شراً. قال الله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالمجازاة على ذلك، قاله قتادة، وقال خصيف بالثواب: وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم: { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بما أنعم الله عليه، وفي رواية عن زيد بن أسلم: { وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسنى قال: «حديث : الحسنى: الجنة.»تفسير : وقوله تعالى: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} قال ابن عباس: يعني: للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني: للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} أي: بما عنده {وَّٱسْتَغْنَىٰ} قال عكرمة عن ابن عباس: أي: بخل بماله، واستغنى عن ربه عز وجل. رواه ابن أبي حاتم { وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالجزاء في الدار الآخرة، { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} أي: لطريق الشر؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110] والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله عز وجل يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. (رواية أبي بكر الصديق رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر: أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه، أو على أمر مؤتنف؟ قال: «حديث : بل على أمر قد فرغ منه» تفسير : قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «حديث : كل ميسر لما خلق له.»تفسير : (رواية علي رضي الله عنه) قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «حديث : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار» تفسير : فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «حديث : اعملوا، فكل ميسر لما خلق له» تفسير : ثم قرأ: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ــــ إلى قوله ــــ لِلْعُسْرَىٰ} وكذا رواه من طريق شعبة ووكيع عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «حديث : ما منكم من أحد ــــ أو ما من نفس منفوسة ــــ إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: «حديث : أما أهل السعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء، فييسرون إلى عمل أهل الشقاء» تفسير : ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به. (رواية عبد الله بن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أفي أمر قد فرغ، أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: «حديث : فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كلاً ميسر، أما من كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل للشقاء» تفسير : ورواه الترمذي في القدر عن بندار عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح. (حديث آخر من رواية جابر) قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: «حديث : لأمر قد فرغ منه» تفسير : فقال سراقة: ففيم العمل إذاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل عامل ميسر لعمله» تفسير : ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب به. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: «حديث : بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» تفسير : قالا: ففيم العمل إذاً؟ قال: «حديث : اعملوا، فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له» تفسير : قالا: فالآن نجد ونعمل. (رواية أبي الدرداء) قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله أرأيت ما نعمل، أمر قد فرغ منه، أم شيء نستأنفه؟ قال: «حديث : بل أمر قد فرغ منه» تفسير : فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: «حديث : كل امرىء مهيأ لما خلق له» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد عن قتادة، حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم غربت فيه شمسه، إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً» تفسير : وأنزل الله في ذلك القرآن: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله. (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلاً كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره، فيأخذ التمرة من نخلته، فتسقط التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته، فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه، أدخل أصبعه في حلق الغلام، ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذهب» تفسير : ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة، فقال له: «حديث : أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة» تفسير : فقال له: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي لنخلاً كثيراً ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صاحب النخلة، فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة، فصارت لي النخلة، فأعطيتك إياها، أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة، ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه الرجل، فقال له: أراك إذاً بعتها، قال: لا، إلا أن أعطى بها شيئاً، ولا أظنني أعطاه، قال: وما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ثم سكتا، وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أَشهِد لي إن كنت صادقاً، فأمر بأناس، فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان، ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع، لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال: تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهوداً، وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل صاحب الدار، فقال له: «حديث : النخلة لك ولعيالك» تفسير : قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} ــــ إلى قوله ــــ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} إلى آخر السورة، هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جداً. قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه: حدثنا هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ــــ أظنه قال: ــــ ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}. وقوله تعالى: { وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} قال مجاهد: أي: إذا مات. وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } بظلمته كل ما بين السماء والأرض.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } أي: يغطي بظلمته ما كان مضيئاً. قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار، وقيل: يغشى النهار. وقيل: يغشى الأرض. والأوّل أولى. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } أي: ظهر وانكشف، ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل، وذلك بطلوع الشمس {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأَنثَىٰ } "ما" هنا هي الموصولة، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عن من بما للدلالة على الوصفية، ولقصد التفخم، أي: والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى. قال الحسن، والكلبي: معناه، والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه. قال أبو عبيدة: {وما خلق}، أي: ومن خلق. وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى فتكون «ما» على هذا مصدرية. قال الكلبي، ومقاتل: يعني: آدم وحواء، والظاهر العموم. قرأ الجمهور: {وما خلق الذكر والأنثى}. وقرأ ابن مسعود (والذكر والأنثى) بدون "ما خلق". {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } هذا جواب القسم، أي: إن عملكم لمختلف: فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار. قال جمهور المفسرين: السعي العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها. و{شتى} جمع شتيت: كمرضى ومريض. وقيل: للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } أي: بذل ماله في وجوه الخير، واتقى محارم الله التي نهى عنها {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي: بالخلف من الله. قال المفسرون: فأما من أعطى المعسرين. وقال قتادة: أعطى حقّ الله الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه، وصدّق بالحسنى، أي: بلا إله إلاّ الله، وبه قال الضحاك، والسلمي. وقال مجاهد: بالحسنى بالجنة. وقال زيد بن أسلم: بالصلاة، والزكاة، والصوم، والأوّل أولى. قال قتادة: بالحسنى، أي: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. قال الحسن: بالخلف من عطائه، واختار هذا ابن جرير {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } أي: فسنهيئه للخصلة الحسنى، وهي: عمل الخير، والمعنى: فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله. قال الواحدي: قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصدّيق اشترى ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ } أي بخل بماله، فلم يبذله في سبل الخير، واستغنى أي: زهد في الأجر والثواب، أو {استغنى} بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة. {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي: بالخلف من الله عزّ وجلّ، وقال مجاهد: بالجنة، وروي عنه أيضاً أنه قال: بلا إلٰه إلاّ الله {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } أي: فسنهيئه للخصلة العسرى، ونسهلها له حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار. قال مقاتل: يعسر عليه أن يعطي خيراً. قيل العسرى الشرّ، وذلك أن الشرّ يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب، والمعنى: سنهيئه للشرّ بأن نجريه على يديه. قال الفراء: سنيسره سنهيئه، والعرب تقول: قد يسرت الغنم إذا ولدت، أو تهيأت للولادة. قال الشاعر:شعر : هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا إن يسرت غنماهما تفسير : {وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } أي: لا يغني عنه شيئًا ماله الذي بخل به، أو أي شيء يغني عنه إذا تردّى، أي: هلك، يقال: ردي الرجل يردى ردى، وتردى يتردّى: إذا هلك. وقال قتادة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: {إذا تردّى}: إذا سقط في جهنم، يقال ردي في البئر، وتردّى: إذا سقط فيها، ويقال: ما أدري أين ردى، أي: أين ذهب؟ {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } هذه الجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها، أي: إن علينا البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. قال قتادة: على الله البيان: بيان حرامه، وطاعته، ومعصيته. قال الفراء: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، لقوله: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [النحل: 9] يقول: من أراد الله، فهو على السبيل القاصد. قال الفراء أيضاً: المعنى إن علينا للهدى والإضلال، فحذف الإضلال كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }تفسير : [النحل: 81] وقيل المعنى: إن علينا ثواب هداه الذي هديناه {وَإِنَّ لَنَا لَلأَخِرَةَ وَٱلأَولَىٰ } أي: لنا كلّ ما في الآخرة، وكلّ ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء. فمن أرادهما أو إحداهما، فليطلب ذلك منا، وقيل المعنى: إن لنا ثواب الآخرة، وثواب الدنيا. {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ } أي: حذرتكم وخوّفتكم ناراً تتوقد وتتوهج، وأصله تتلظى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وقرأ على الأصل عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. {لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأَشْقَى } أي: يصلاها صلياً لازماً على جهة الخلود إلاّ الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة، فليس صليه كصليه. والمراد بقوله: {يصلاها}: يدخلها، أو يجد صلاها، وهو حرّها. ثم وصف الأشقى فقال: {ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } أي: كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وأعرض عن الطاعة والإيمان. قال الفراء: {إِلاَّ ٱلأَشْقَى } إلاَّ من كان شقياً في علم الله جلّ ثناؤه. قال أيضاً: لم يكن كذب بردّ ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة، فجعل تكذيباً، كما تقول لقي فلان العدوّ، فكذّب: إذا نكل، ورجع عن اتباعه. قال الزجاج: هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلاّ كافر؛ ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. والله سبحانه كلّ ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }تفسير : [النساء: 48] فلو كان كلّ من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فائدة. وقال في الكشاف: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين. فقيل: الأشقى، وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلاّ له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلاّ له، وقيل: المراد بالأشقى أبو جهل، أو أمية بن خلف، وبالأتقى: أبو بكر الصدّيق، ومعنى: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } سيباعد عنها المتقي للكفر اتقاء بالغاً. قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصدّيق في قول جميع المفسرين انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ويكون المعنى أنه لا يصلاها صلياً تاماً إلاّ الكامل في الشقاء، وهو الكافر، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيداً كاملاً بحيث لا يحوم حولها فضلاً عن أن يدخلها إلاّ الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار دخولاً غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيداً غير بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها. والحاصل أن من تمسك من المرجئة بقوله: {لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأَشْقَى } زاعماً أن الأشقى الكافر؛ لأنه الذي كذب وتولى، ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين، فيقال له: فما تقول في قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلاْتْقَى } فإنه يدلّ على أنه لا يجنب النار إلاّ الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملاً فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار. فإن أوّلت الأتقى بوجه من وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى، فخذ إليك هذه مع تلك، وكن كما قال الشاعر:شعر : على أنني راض بأن أحمل الهوى وأخرج منه لا عليّ ولا ليه تفسير : وقيل: أراد بالأشقى، والأتقى الشقيّ، والتقيّ، كما قال طرفة بن العبد:شعر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : أي: بواحد. ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون إلاّ من الكافر، فلا يتمّ ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين. ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال: {ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ } أي: يعطيه، ويصرفه في وجوه الخير، وقوله: {يَتَزَكَّىٰ } في محل نصب على الحال من فاعل يؤتي، أي: حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكياً لا يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون بدلاً من يؤتي داخلاً معه في حكم الصلة. قرأ الجمهور: {يتزكى} مضارع "تزكى". وقرأ عليّ بن الحسين بن علي: (تزكى) بإدغام التاء في الزاي. {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ } الجملة مستأنفة؛ لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص، غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص أي: ليس ممن يتصدّق بماله ليجازي بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى؛ ومعنى الآية: أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما قال: {تجزى} مضارعاً مبنياً للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه، أو يجزيه إياها. {إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلاْعْلَىٰ } قرأ الجمهور: {إلاّ ابتغاء} بالنصب على الاستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة، أي: لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول له على المعنى، أي: لا يؤتي إلاّ لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة. قال الفراء: هو منصوب على التأويل، أي: ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرأ يحيى بن وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة؛ لأن محلها الرفع إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، ومن مزيدة، والرفع لغة تميم؛ لأنهم يجوّزون البدل في المنقطع، ويجرونه مجرى المتصل. قال مكي: وأجاز الفراء الرفع في «ابتغاء» على البدل من موضع نعمة، وهو بعيد. قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده، هو البعيد فإنها لغة فاشية، وقرأ الجمهور أيضاً: {ابتغاء} بالمدّ. وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر و{الأعلى}: نعت للربّ. {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } اللام هي: الموطئة للقسم، أي: وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم. قرأ الجمهور: {يرضى} مبنياً للفاعل، وقرىء مبنياً للمفعول. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } قال: إذا أظلم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر الصدّيق اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبيّ بن خلف ببردة، وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } إلى قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } سعي أبي بكر، وأمية وأبيّ إلى قوله: {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: لا إلٰه إلاّ الله إلى قوله: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } قال: النار. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } من الفضل: {وَٱتَّقَىٰ } قال: اتقى ربه {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: صدّق بالخلف من الله. {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } قال: للخير من الله. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ } قال: بخل بماله، واستغنى عن ربه. {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: بالخلف من الله. {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } قال: للشرّ من الله. وأخرج ابن جرير عنه: {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: أيقن بالخلف. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } يقول: صدّق بلا إلٰه إلاّ الله. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ } يقول: من أغناه الله، فبخل بالزكاة. وأخرج ابن جرير، وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بنيّ أراك تعتق أناساً ضعفاً، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك. قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدّثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: أبو بكر الصدّيق {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } قال: أبو سفيان بن حرب. وأخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن عليّ بن أبي طالب قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في جنازة، فقال:«حديث : ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النارتفسير : فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: حديث : اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة، فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فييسر لعمل أهل الشقاء»تفسير : ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } إلى قوله: {لِلْعُسْرَىٰ }. وأخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما عن جابر بن عبد الله: أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله في أيّ شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت به الأقلام، أم في شيء يستقبل فيه العمل؟ قال: «حديث : بل في شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلامتفسير : قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال: حديث : اعملوا، فكلّ ميسر لما خلق لهتفسير : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } إلى قوله: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ }». وقد تقدّم حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه. وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: «لتدخلن الجنة إلاّ من يأبى، قالوا: ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ: {ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ }». وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة قال: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلاّ أدخله الله الجنة، إلاّ من شرد على الله، كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدّقني فإن الله يقول: {لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } كذّب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتولى عنه. وأخرج أحمد، والحاكم، والضياء عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ألا كلكم يدخل الله الجنة إلاّ من شرد على الله شراد البعير على أهله»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن ماجه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يدخل النار إلاّ شقيّ. قيل: ومن الشقيّ؟ قال: الذي لا يعمل لله بطاعة، ولا يترك لله معصية»تفسير : وأخرج أحمد، والبخاري عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلّ أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلاّ من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أنّ أبا بكر الصدّيق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية، وابنتها، وزنيرة، وأمّ عيسى، وأمة بني المؤمل. وفيه نزلت: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } إلى آخر السورة. وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ما قدّمنا عنه، وزاد فيه، فنزلت فيه هذه الآية: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } إلى قوله: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ }. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عنه نحو هذا من وجه آخر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } قال: هو: أبو بكر الصدّيق.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {واللّيلِ إذا يَغْشَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إذا أظلم، قاله مجاهد. الثاني: غطى وستر، قاله ابن جبير. الثالث: إذا غشى الخلائق فعّمهم وملأهم، قاله قتادة، وهذا قَسَم. {والنّهارِ إذا تَجَلّى} فيه وجهان: أحدهما: إذا أضاء، قاله مجاهد. الثاني: إذا ظهر، وهو مقتضى قول ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: إذا أظهر ما فيه من الخلق، وهذا قسم ثانٍ. {وما خَلَقَ الذّكّرّ والأُنثى} قال الحسن: معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون هذا قسماً بنفسه تعالى. ويحتمل ثانياً: وهو أشبه من قول الحسن أن يكون معناه وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون " من" مضمرة المعنى محذوفة اللفظ، وميزهم بخلقهم من ذكر وأنثى عن الملائكة الذين لم يخلقوا من ذكر وأنثى، ويكون القسم بأهل طاعته من أوليائه وأنبيائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفاً. وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحواء، حكاه ابن عيسى. الثاني: من كل ذكر وأنثى. فإن حمل على قول الحسن فكل ذكر وأنثى من آدمي وبهيمة، لأن الله خلق جميعهم. وإن حمل على التخريج الذي ذكرت أنه أظهر، فكل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته، وهذا قسم ثالث: {إنّ سَعْيَكم لشَتّى} أي مختلف، وفيه وجهان: أحدهما: لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومنكم معاقب بالنار. الثاني: لمختلف الأفعال، منكم مؤمن وكافر، وبر وفاجر، ومطيع وعاص. ويحتمل ثالثاً: لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وعلى هذا وقع القسم. وروى ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وفي أمية وأبّي ابني خلف حين عذّبا بلالاً على إسلامه، فاشتراه أبو بكر، ووفي ثمنه بردةً وعشر أوراقٍ، وأعتقه للَّه تعالى، فنزل ذلك فيه. {فأمّا من أَعْطَى واتّقَى} قال ابن مسعود يعني أبا بكر. وفي قوله " أعطى" ثلاثة أوجه: أحدها: من بذل ماله، قاله ابن عباس. الثاني: اتقى محارم الله التي نهى عنها، قال قتادة. الثالث: اتقى البخل، قاله مجاهد. {وصَدَّق بالحُسْنَى} فيه سبعة تأويلات: أحدها: بتوحيد الله، وهو قول لا إله إلا الله، قاله الضحاك. الثاني: بموعود الله، قاله قتادة. الثالث: بالجنة، قاله مجاهد. الرابع: بالثواب، قاله خصيف. الخامس: بالصلاة والزكاة والصوم، قاله زيد بن أسلم. السادس: بما أنعم الله عليه، قاله عطاء. السابع: بالخلف من عطائه، قاله الحسن، ومعاني أكثرها متقاربة. {فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرىَ} فيه تأويلان: أحدهما: للخير، قاله ابن عباس. الثاني: للجنة، قاله زيد بن أسلم. ويحتمل ثالثاً: فسنيسر له أسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها. {وأمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغنَى} قال ابن مسعود: يعني بذلك أُمية وأبيّاً ابني خلف. وفي قوله " بخل" وجهان: أحدهما: بخل بماله الذي لا يبقى، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: بخل بحق الله تعالى، قاله قتادة. " واستغنى" فيه وجهان: أحدهما: بماله، قاله الحسن. الثاني: عن ربه، قاله ابن عباس. {وكَذَّبَ بالحُسْنَى} فيه التأويلات السبعة. {فَسنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى} فيه وجهان: أحدهما: للشر من الله تعالى، قاله ابن عباس. الثاني: للنار، قاله ابن مسعود. ويحتمل ثالثاً: فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها فعند نزول هاتين الآيتين يروي قتادة عن خليد عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وملكان يناديان: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً تفسير : ، ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى}. الآية والتي بعدها. {وما يُغْنِي عنه ماله إذا تَرَدَّى} فيه وجهان: أحدهما: إذا تردّى في النار، قاله أبو صالح وزيد بن أسلم. الثاني: إذا مات فتردى في قبره، قاله مجاهد وقتادة. ويحتمل ثالثاً: إذا تردى في ضلاله وهوى في معاصيه.

ابن عطية

تفسير : أقسم الله بـ {الليل إذا يغشى} الأرض وجميع ما فيها وبـ {النهار إذا تجلى} ، أي ظهر وضوى الآفاق، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : تجلى السرى من وجهه عن صحيفة على السير مشراق كريم شجونها تفسير : وقوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} يحتمل أن تكون بمعنى الذي كما قالت العرب في سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال أبو عمرو وأهل مكة يقولون للرعد سبحان ما سبحت له، ويحتمل أن تكون {ما} مصدرية، وهو مذهب الزجاج. وقرأ جمهور الصحابة "وما خلق الذكر"، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وعلقمة وأصحاب عبد الله: "والذكر والأنثى" وسقط عندهم {وما خلق} وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ "وما خلق الذكرِ والأنثى" بخفض "الذكرِ" على البدل من {ما} على أن التقدير وما خلق الله وقراءة علي ومن ذكر تشهد لهذه، وقال الحسن: المراد هنا بـ {الذكر والأنثى} آدم وحواء، وقال غيره عام، و" السعي " العمل، فأخبر تعالى مقسماً أن أعمال العباد شتى، أي مفترقة جداً بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه، ثم قسم تعالى الساعين فذكر أن من أعطى وظاهر ذلك إعطاء المال، وهي أيضاً تتناول إعطاء الحق في كل شيء، قول وفعل، وكذلك البخل المذكور بعد أن يكون بالإيمان وغيره من الأقوال التي حق الشريعة أن لا يبخل بها ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وكان ينفق في رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله، وكان الكفار بضد ذلك، وهذا قول من قال السورة كلها مكية، قال عبد الله بن أبي أوفى: نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب، وقال مقاتل: مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالاً فاشتراه منه، وقال السدي: نزلت هذه الآية بسبب أبي الدحداح الأنصاري، وذلكحديث : أن نخلة لبعض المنافقين كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام فكانت التمر تسقط عليهم فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك، واشتد عليهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعنيها بنخلة في الجنة"، فقال: لا أفعل، فبلغ ذلك أبا الدحداح فذهب إليه واشترى منه النخلة بحائط له، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أنا أشتري النخلة في الجنة بهذه، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على الحائط الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول: "وكم قنو معلق لأبي الدحداح في الجنة"، وفي البخاري أن هذا اللفظ كان رسول الله صلى الله عيله وسلم يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها في المسجد صدقةتفسير : ، وهذا كله قول من يقول بعض السورة مدني، واختلف الناس في {الحسنى} ما هي في هذه السورة، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: هي لا إله إلا الله، وقال ابن عباس وعكرمة وجماعة: هي الخلف الذي وعد الله تعالى به، وذلك نص في حديث الملكين إذ يقول أحدهما: اللهم اعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وقال مجاهد والحسن وجماعة: {الحسنى}: الجنة، وقال كثير من المفسرين {الحسنى}: الأجر والثواب مجملاً، وقوله تعالى: {فسنيسره لليسرى} ومعناه: سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال الخير وختم بتيسير قد كان في علم الله أولاً، و "اليسرى" الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة، و "العسرى": الحال السيئة في الدنيا والآخرة ولا بد ومن جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضاً لتعظم المذمة، ومن جعل البخل عاماً في جميع ما ينبغي أن يبذل من قول وفعل قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال، واختلف الناس في معنى {تردى}: فقال قتادة وأبو صالح معناه {تردى} في جهنم، أي سقط من حافاتها، وقال مجاهد: {تردى} معناه هلك من الردى، وقال قوم معناه {تردى} بأكفانه من الرداء، ومنه قول مالك بن الربيب: [الطويل] شعر : وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي وردّا على عينيّ فضل ردائيا تفسير : ومنه قول الآخر: [الطويل] شعر : نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط تفسير : ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك، كما قال تعالى: {أية : وعلى الله قصد السبيل} تفسير : [النحل: 9] ثم كل أحد بعد يتكسب ما قدر له، وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان كذلك لم يوجد كافر. ثم أخبر تعالى أن "الآخرة والأولى" أي الدارين. وقوله تعالى: {فأنذرتكم} إما مخاطبة وإما على معنى قل لهم يا محمد، وقرأ جمهور السبعة "تلظى" بتخفيف التاء، وقرأ البزي عن ابن كثير بشد التاء وإدغام الراء فيها. وقرأها كذلك عبيد بن عمير، وروي أيضاً عنه "تتلظى" بتاءين وكذلك قرأ ابن الزبير وطلحة، وقوله تعالى: {لا يصلاها إلا الأشقى} أي {لا يصلاها} صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة لأنها أخذت نفي الصلي مطلقاً في قليله وكثيره، و {الأشقى} هنا، الكافر بدليل قوله الذي كذب، والعرب تجعل أفعل في موضع فاعل مبالغة كما قال طرفة: [الطويل] شعر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بـ {الأتقى} إلى آخر السورة أبو بكر الصديق، ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات، وقوله تعالى: {يتزكى} معناه: معناه يتطهر ويتنمى وظاهره هذه الآية انه في المندوبات, وقوله تعالى: {وما لأحد عنده} الآية, المعنى: وليس إعطاؤه ليجزي نعماً قد أزلت إليه، بل هو مبتدىء ابتغاء وجه الله تعالى، وروي في سبب هذا أن قريشاً قالوا لما أعتق أبو بكر بلالاً كانت لبلال عنده يد، وذهب الطبري إلى أن المعنى وليس يعطي ليبث نعماً يجزي بها يوماً ما وينتظر ثوابها، وحوم في هذا المعنى وحلق بتطويل غير مغْنٍ ويتجه المعنى الذي أراد بأيسر من قوله وذلك أن التقدير {وما لأحد عنده} إعطاء ليقع عليه من ذلك لأحد جزاء بل هو لمجرد ثواب الله تعالى وجزائه، وقوله تعالى: {إلا ابتغاء} نصب الاستثناء المنقطع وفيه نظر والابتغاء الطلب، ثم وعده تعالى بالرضى في الآخرة، وهذه عدة لأبي بكر رضي الله عنه، وقرأ "يُرضى" بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، وهذه الآية تشبه الرضى في قوله تعالى: {أية : ارجعي إلى ربك راضية مرضية} تفسير : [الفجر:31] الآية. انتهى.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَغْشَى} أظلم أو ستر أو غشى الخلائق فعمهم.

النسفي

تفسير : إحدى وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } المغشي، أما الشمس من قوله {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا } تفسير : [الشمس: 4] أو النهار من قوله {أية : يَغْشَىٰ ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ }تفسير : [الأعراف: 54] أو كل شيء يواريه بظلامه من قوله {أية : إِذَا وَقَبَ }تفسير : [الفلق: 3] {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } ظهر بزوال ظلمة الليل {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خق الذكر والأنثى من ماء واحد، وجواب القسم {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ } إن عملكم لمختلف وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } حقوق ماله {وَٱتَّقَىٰ } ربه فاجتنب محارمه {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } فسنهيئه للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه ربه {وَأَمَّا مَن بَخِلَ } بماله {وَٱسْتَغْنَىٰ } عن ربه فلم يتقه أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } بالإسلام أو الجنة {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } للخلة المؤدية إلى النار فتكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد، أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقي الجنة والنار. {وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ } ولم ينفعه ماله إذا هلك، وتردى تفعّل من الردى وهو الهلاك، أو تردى في القبر أو في قعر جهنم أي سقط {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ } فلا يضرنا ضلال من ضل ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى، أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق {فَأَنذَرْتُكُمْ } خوفتكم {نَاراً تَلَظَّىٰ } تتلهب {لاَ يَصْلَـٰهَا } لا يدخلها للخلود فيها {إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } إلا الكافر الذي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان {وَسَيُجَنَّبُهَا } وسيبعد منها {ٱلأَتْقَى } المؤمن {ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ } للفقراء {يَتَزَكَّىٰ } من الزكاء أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً لا يريد به رياء ولا سمعة، أو يتفعل من الزكاة و {يَتَزَكَّىٰ } إن جعلته بدلاً من {يُؤْتَىٰ } فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلاة لا محل لها، وإن جعلته حالاً من الضمير في {يُؤْتَىٰ } فمحله النصب. قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى الشقي وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي وهو المؤمن لأنه لا يختصر بالصلى أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً مخصوصة بالأشقى فما تصنع بقوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى }، لأن التقي يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة، وقيل: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيها، فقيل {ٱلأَشْقَى } وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل الأتقى وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأبو بكر. وفيه بطلان زعم المرجئة لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر {وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ } أي وما لأحد عند الله نعمة يجازيه بها إلا أن يفعل فعلا يبتغي به وجه ربه فيجازيه عليه {ٱلأَعْلَىٰ } هو الرفيع بسلطانه المنيع في شأنه وبرهانه، ولم يرد به العلو من حيث المكان فذا آية الحدثان {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه وهو كقوله تعالى لنبيه عليه السلام: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }تفسير : [الضحى: 5].

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {واللّيل إذا يغشى} أي يغشى النّهار بظلمته فيذهب الله بضوئه. أقسم الله تعالى بالليل لأنه سكن لكافة الخلق يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب، والحركة، ثم أقسم بالنهار بقوله {والنهار إذا تجلى} أي بان وظهر بعد الظلمة لأن فيه حركة الخلق في طلب الرزق {وما خلق الذكر والأنثى} أي ومن خلق فعلى هذا يكون أقسم بنفسه تعالى، والمعنى والقادر العظيم الذي قدر على خلق الذكر، والأنثى من ماء واحد إن أريد به جنس الذكر والأنثى، وقيل هما آدم وحواء، وإنما أقسم بهما لأنه تعالى ابتدأ خلق آدم من طين وخلق منه حواء من غير أم وجواب القسم قوله تعالى: {إن سعيكم لشتى} أي إن أعمالكم لمختلفة فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها روى أبو مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" تفسير : قوله موبقها أي مهلكها. قوله تعالى: {فأما من أعطى} أي أنفق ماله في سبيل الله عز وجل: {واتقى} أي ربه، وفيه إشارة إلى الاحتراز عن كل ما لا ينبغي.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ناراً تلظى} بتشديد التاء: البزي وابن فليح. الوقوف: {يغشى} ه لا {تجلى} ه لا {والأنثى} ه لا {لشتى} ه ط {واتقى} ه لا {بالحسنى} ه لا {لليسرى} ه ط {واستغنى} ه لا {بالحسنى} ه لا {للعسرى} ط {تردّى} ه ط {للهدى} ه ز للعطف مع رعاية جانب " أنّ " والوصل أجوز لإتمام الكلام {والأولى} ه {تلظى} ه ج لأن ما بعده صفة أو استئناف {الأشقى} ه لا {وتولى} ه ط {الأتقى} ه لا {يتزكى} ه ج لأن ما بعده استئناف أو حال {تجزى} ه {الأعلى} ه ج لاختلاف الجملتين {يرضى} ه. التفسير: هذه السورة نزلت باتفاق كثير من المفسرين في أبي بكر وفي أبي سفيان ابن حرب أو أمية بن خلف، إلا أن المعنى على العموم لقوله تعالى {إن سعيكم لشتى فأنذرتكم} ومفعول {يغشى} محذوف وهو إما الشمس كقوله تعالى {أية : والليل إذا يغشاها} تفسير : [الآية: 4] أو النهار أ كل شيء يمكن تواريه بالظلام. أقسم سبحانه بالليل والنهار اللذين بتعاقبهما يتم أمر المعاش والراحة مع أنهما آيتان في أنفسهما. ومعنى {تجلى} ظهر بزوال ظلمة الليل وتبين بطلوع الشمس ثم بذاته الذي خلق كل شيء ذي روح لأن الروح إما ذكر أو أنثى، والخنثى المشكل معين في علم الله وإن كان مبهماً في علمنا ولهذا قال الفقهاء: لو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكراً ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلاً حنث. وقيل: هما آدم وحواء {شتى} جمع شتيت وهو المتفرق المختلف. ثم بين اختلاف الأعمال في ذاتها وفيما يرجع إليها في العاقبة من الثواب والعقاب أو التوفيق والخذلان. حديث : عن علي رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فقال " ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار. فقلنا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ {فأمّا من أعطى}" تفسير : يعني حقوق ما له {واتقى} المحارم {وصدّق} بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو كلمة الشهادة أو بالملة الحسنى أوبالمثوبة {فسنيسره} فسنهيئه للطريق اليسرى. يقال يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومعنى استغنى أنه رغب عما عند الله كأنه مستغن، أو استغنى باللذات العاجلة عن الآجلة. والتحقيق فيه أن الأعمال الفاضلة إذا واظب المكلف عليها حصلت في نفسه ملكة نورانية تسهل عليه سلوك سبيل الخيرات حتى يصير التكليف طبعاً. والتعب راحة والتكليف عادة، ولأن هذه الملكة تحصل بالتدريج فلا جرم أدخل الفاء في {فسنيسره} ومن فسر اليسرى بالجنة فمعنى الاستقبال عنده واضح. والرذائل بالضد حتى تصير النفس من الكسل بحيث لا تواتي صاحبها إلا في مواجب الكسل وجذب الراحات العاجلة كقوله {أية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}تفسير : [البقرة: 45] {أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}تفسير : [النساء: 148] ويقرب مما ذكرنا قول القفال: كل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدّت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى وذلك وصف كل المعاصي، ومن جملة اليسرى الجنة ومن جملة العسرى النار. استدل بعض الأشاعرة بقوله {فسنيسره للعسرى} على أنه تعالى قد يخلق القبائح في المكلف ويقوي دواعيه على فعلها. والمعتزلة عبروا عن هذا التيسير بالخذلان وعن الأول بمنح الألطاف والتوفيق. ثم وبخ هذا الكافر بقوله {وما يغني عنه ماله} وهو استفهام في معنى النفي أي لا ينفعه ماله الذي بخل به {إذا تردّى} أي مات من الردى وهو الهلاك. ويجوز أن يكون من قولهم " تردّى من الجبل" أي تردّى من الحفرة في القبر أو في قعر جهنم. استدل المعتزلة بقوله {إن علينا للهدى} على أنه تعالى أزاح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في سعته وطاقته، وعلى أنه يجب على الله الهداية، وعلى أن العبد لو لم يكن مستقلاً بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة. وأجوبة أهل السنة عن المسائل الثلاث معلومة. ونقل الواحدي عن الفراء وجهاً آخر وهو أن المراد إن علينا للهدى والإضلال فاقتصر كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] وأكدوا ذلك بما روي عن ابن عباس في رواية عطاء أن معنى الآية أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي. ثم بين بقوله {وإن لنا للآخرة والأولى} أن لله كل ما في الدنيا والآخرة فلا يضره عصيان العاصين ولا ينفعه طاعة المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم. ويمكن أن يراد أن سعادة الدارين تتعلق بمشيئته وإرادته فيعطي الهداية من يشاء ويمنعها من يشاء. والأول أوفق للمعتزلة والثاني للأشاعرة. ثم ذكر نتيجة المواعظ المذكورة قائلاً {فأنذرتكم ناراً تلظى} يعني إذا عرفتم هذه البيانات الوافية والتقريرات الشافية فقد صح إني أنذرتكم، ويجوز أن يراد بالمضيّ تحقق الوقوع. والمعنى على الاستقبال أي إذا تقررت مراتب النفوس الإنسانية وعرفتم درجاتها ودركاتها فإني أنذرتكم ناراً تلظى تتلهب وتتوقد وأصله تتلظى حذف إحدى التاءين. ثم إن كان المراد بالأشقى هو أبو سفيان أو أمية وبالأتقى هو أبو بكر فلا إشكال وتتناول الآية غيرهما من الأشقياء والأتقياء بالتبعية إذ لا عبرة بخصوص السبب، وإن كان المراد أعم فإن أريد بهم الشقي والتقي فلا إشكال أيضاً، وإن أريد حقيقة أفعل التفضيل فإما أن يراد نار مخصوصة بدلالة التنكير، وإما أن يراد بالأشقى الكافر على الإطلاق لأنه أشقى من الفاسق. وأما الكلام في الأتقى فنقول: إنه لا يلزم من تخصيصه بالذكر نفي ما عداه. قال جار الله: هذا الكلام وارد على سبيل المبالغة فجعل الأشقى مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له، وجعل الأتقى مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقوله {يتزكى} أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، أو هو من الزكاة لا محل له لأنه بدل من {يؤتى} والصلة لا محل لها لأنها كبعض الكلمة، أو هو منصوب المحل على الحال. قال بعض المفسرين: إن بلالاً كان يعذب في الله وهو يقول أحد أحد، فسمع بذلك أبو بكر فحمل رطلاً من ذهب فابتاعه به فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزل {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء} قال أكثر النحويين: هذا الاستثناء منقطع لأن الابتغاء ليس من جنس النعمة. وقال الفراء: وهو مفعول له من {يؤتى} على المعنى أي لا ينفق ماله إلا ابتغاء رضوان الله لا لمكافأة نعمة {ولسوف يرضى} عن الله أو يرضى الله عنه فيكون راضياً مرضياً. واعلم أن بعض الشيعة زعموا أن السورة نزلت في عليّ رضي الله عنه لقوله {يتزكى} لأنه قال في موضع آخر {أية : ويؤتون الزكاة وهم راكعون} تفسير : [المائدة: 55] وقال بعض أهل السنة: إنها تدل على أفضلية أبي بكر لأنه قال في وصف عليّ وسائر أهل البيت رضي الله عنهم {أية : ويطعمون الطعام} تفسير : [الدهر: 8] إلى قوله {أية : إنا نخاف}تفسير : [الدهر: 10] وذكر في صفة أبي بكر أنه لا ينفق إلا لوجه الله من غير شائبة رغبة أو رهبة، وهذا المقام أعلى وأجل. وعندي أن أمثال هذه الدلائل لا تصلح لترجيح أكابر الصحابة بعضهم على بعض، وأن نزول هذه السورة في الشخص الفلاني مبني على الرواية فلا سبيل للاستدلال إليه، وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : أقسَمَ تعالى بالليل إذا غَشِيَ الأرضَ وجميعَ ما فيها، وبالنهارِ إذا تَجَلَّى، أي: ظهَرَ وضَوَّى الآفاقَ، وقال * ص *: {يَغْشَىٰ}: مفعولهُ محذوفٌ فيحتملُ أنْ يكونَ النهارَ كقوله: {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [الأعراف:54] أو الشمسَ؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَٰهَا } تفسير : [الشمس:4] وقِيل الأرضُ وما فيها، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}. أي: يغطي، ولم يذكر مفعولاً، للعلم به. وقيل: يغشى النهار. وقيل: الأرض. قال قتادة: أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً والنهار مضيئاً مبصراً. قال ابن الخطيب: أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويجيئهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ثم أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى، لأن النهار إذا كشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، جاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم والطير والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً} تفسير : [الفرقان: 62]، وقال تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} تفسير : [إبراهيم: 33], فقوله {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} أي: انكشف وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل. وقرأ العامة: "تَجَلّي" فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير عائد على النهار. وقرأ عبد الله بن عمير: "تتجلى" بتاءين، أي: الشمس، وقرأ "تُجْلِي" بضم التاء وسكون الجيم أي: الشمس أيضاً، ولا بد من عائد على النهار محذوف أي: تتجلى أو تجلى فيه. قوله: {وَمَا خَلَقَ}. يجوز في "ما" أن تكون بمعنى "من" على ما تقدم في سورة "والشمس". قال الحسن: معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى. وقيل: مصدرية. قال الزمخشري: "والقادر: العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد"، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء: "والذكر والأنثى"، وقرأ عبد الله: "والذي خلق" وقرأ الكسائي، ونقلها ثعلبة عن بعض السلف: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ} بجر الذكر. قال الزمخشري: "على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه". وقيل: المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون "من" مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً. قال أبو حيان: وقد يخرج على توهم المصدر، أي: وخلق الذكر؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 5224- تَـطُـــوفُ العُفَـــاةُ بـأبْـوابِــــــهِ كمَـا طَـافَ بالبَيْعَـةِ الرَّاهــبِ تفسير : بجر "الراهب" على توهم النطق بالمصدر، أي: كطوف الراهب انتهى. والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله: الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم: أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 5225- ………........................ فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسـهُ مُتغيِّبِ تفسير : لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل. وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} ويسقط {وَمَا خَلَقَ}. وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال: قدمنا "الشام"، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ فقلت: نعم، أنا، قال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}؟ قال: سمعته يقرأ "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى" قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ "ومَا خَلَقَ" فلا أتابعهم. وقال ابن الأنباري: حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ". قال ابن الأنباري: كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع. فصل في المراد بالذكر والأنثى قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي. وقيل: جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته. فصل في معنى الآية وقوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}. هذا جواب القسم، والمعنى: إن أعمالكم لتختلف، [ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدمة، وشتى واحدهُ شتيت مثل مريض ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتَّى، لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي إن أعمالكم المتباعدة بعضه عن بعض لشتى، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى، أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص. وقيل: لشتَّى أي: لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاسي وحليم وطائش وجواد وبخيل] قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - وأبي سفيان.

البقاعي

تفسير : لما بين في الشمس حال من زكى نفسه وحال من دساها، وأوضح في آخرها من مخالفة ثمود لرسولهم ما أهلكهم، فعلم أن الناس مختلفون في السعي في تحصيل نجد الخير ونجد الشر، فمنهم من تغلب عليه ظلمة اللبس، ومنهم من يغلب عليه نهار الهدى، فتباينوا في مقاصدهم، وفي مصادرهم ومواردهم، بعد أن أثبت أنه هو الذي تصرف في النفوس بالفجور والتقوى، أقسم أول هذه بما يدل على عجائب صنعه في ضره ونفعه على ذلك، تنبيهاً على تمام قدرته في أنه الفاعل بالاختيار، يحول بين المرء وقلبه حتى يحمله على التوصل إلى مراده، بضد ما يوصل إليه بل بما يوصل إلى مضاده، وعلى أنه لا يكاد يصدق الاتحاد في القصد والاختلاف في السعي والتوصل، وشرح جزاء كل تحذيراً من نجد الشر وترغيباً في نجد الخير، وبين ما به التزكية وما به التدسية فقال: {والّيل} أي الذي هو آية الظلام الذي هو سبب الخبط والخلط لما يحدث عنه من الإشكال واللبس في الأحوال والإهلال الموصل إلى ظلمة العدم، وهو محل الأسرار بما يصل الأخيار ويقطع الأشرار: {إذا يغشى *} أي يغطي ما كان من الوجود مبصراً بضياء النهار على التدريج قليلاً قليلاً، وما يدل عليه من جليل مبدعه، وعظيم ماحقه ومطلعه {والنهار} أي الذي هو سبب انكشاف الأمور كالموت الذي يزيل عن الروح علائق البدن فينجلي لها ما كانت فيه من القبائح، والجهر الذي يشرح النفس بإزالة اللبس {إذا تجلّى *} أي ظهر ظهوراً عظيماً بضياء الشمس، وأظهر ما كان خفياً فلم يدع لمبصر شيئاً من لبس، فمن كان يريد السر قصد الليل، ومن أراد الجهر قصد النهار سواء كان من الأبرار أو من الفجار. ولما ذكر المتخالطين معنى، أتبعهما المتخالطين حساً، فقال مصرحاً فيهما بما هو مراد في الأول، وخص هذا بالتصريح تنبيهاً على أنه لكونه عاقلاً - عاقد يغلط في نفسه فيدعي الإلهية أو الاتحاد، أو غير ذلك من وجوه الإلحاد {وما خلق} وحكم التعبير بما الأغلب فيه غير العقلاء ما تقدم في سورة الشمس من تنبيههم على أنهم لما أشركوا به سبحانه وتعالى ما لا يعقل نزلوه تلك المنزلة وقد أحاط بكل شيء، وهو الذي خلق العلماء، وهم لا يحيطون به علماً مع ما يفيده "ما" من التعجب منهم في ذلك لكونها صيغة التعجب {الذكر} أي حساً بآلة الرجل ومعنًى بالهمة والقوة {والأنثى} حساً بآلة المرأة ومعنًى بسفول الهمة وضعف القوة وما دلاّ عليه من عظيم الاصطناع، وباهر الاختراع والابتداع، فإنه دل فرقه بينهما وهما من غير؟ واحدة وهي التراب على تمام قدرته المستلزم لشمول علمه وفعله بالاختيار، فالآية من الاحتباك: ذكر أولاً الصنعة دلالة على حذفها ثانياً، وثانياً الصانع دلالة على حذفه أولاً. ولما ذكر ما هو محسوس التخالف من المعاني والأجرام، أتبعه ما هو معقول التباين من الأعراض فقال: {إن سعيكم} أي عملكم أيها المكلفون في التوصل إلى مقصد واحد، ولذلك أكده لأنه لا يكاد يصدق اختلاف وجوه السعي مع اتحاد المراد، وعبر بالسعي ليبذل كل في عمله غاية جهده {لشتى *} أي مختلف اختلافاً شديداً باختلاف ما تقدم، وهو جمع شتيت كقتلى وقتيل، فيكون الإنسان رجلاً وهو أنثى الهمة، ويكون أنثى وهو ذكر الفعل، فتنافيتم في الاعتقادات، وتعاندتم في المقالات، وتباينتم غاية التباين بأفعال طيبات وخبيثات، فساع في فكاك نفسه، وساع في إيثامها، فعلم قطعاً أنه لا بد من محق ومبطل ومرض ومغضب لأنه لا جائز أن يكون المتنافيان متحدين في الوصف بالإرضاء أو الإغضاب، فبطل ما أراد المشركون من قولهم {أية : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء}تفسير : [النحل: 35] الآية وما ضاهاها. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين قبل حالهم في الافتراق، أقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلاً {ليبلوهم أيهم أحسن عملاً} [لا يوجد ليبلوهم بالياء في لغتنا وإنما كما في الكهف آية 7: لنبلوهم... وفي الملك آية 2: لنبلوكم... فقال تعالى: {إن سعيكم لشتى} فاتصل بقوله تعالى{أية : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}تفسير : [الشمس: 10] إن قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى} - إلى - {للعسرى} يلائمه تفسيراً وتذكيراً بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه وبحسب السوابق قوله:{أية : فألهمها فجورها وتقواها}تفسير : [الشمس: 8] فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق، والمقدر للبخل والاستغناء والتكذيب{أية : والله خلقكم وما تعملون}تفسير : [الصافات: 96]{أية : لا يسئل عما يفعل}تفسير : [الأنبياء: 23] ثم زاد ذلك إيضاحاً بقوله تعالى{إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى} فتباً للقدرية والمعتزلة {أية : وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون}تفسير : [يوسف: 105] - انتهى. ولما طابق بين القسم والمقسم عليه، ونبه بالقسم والتأكيد مع ظهور المسقم عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل واحد كما يقوله أصحاب الوحدة - عليهم الخزي واللعنة شرع في بيان تشتتت المساعي وبيان الجزاء لها، فقال مسبباً عن اختلافهم ما هو مركوز في الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ناشراً لمن زكى نفسه أو دساها نشراً مستوياً إيذاناً بأن المطيع فيه هذه الأمة - ولله الحمد - كثير بشارة لنبيها صلى الله عليه وسلم: {فأما من أعطى} أي وقع منه إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به {واتقى *} أي وقعت منه التقوى وهو اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفاً من سطواتنا {وصدق} أي أوقع التصديق للمخبر {بالحسنى *} أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى، وعدل الكلام إلى مظهر العظمة إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في نفسها لأنها في غاية الثقل على النفس فقال: {فسنيسره} أي نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه {لليسرى *} أي الخصلة التي هي في غاية اليسر والراحة من الرحمة المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما يرضى به من الحياة الطيبة ودخول الجنة. ولما ذكر المزكي وثمرته، أتبعه المدسي وشقوته فقال: {وأما من بخل} أي أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه {واستغنى} أي طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة وظنونه الكاذبة. فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى: {وكذب} أي أوقع التكذيب أن يستحق التصديق {بالحسنى *} أي فأنكرها، ولما كان جامداً مع المحسوسات كالبهائم قال: {فسنيسره} أي نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا خلف فيه {للعسرى *} أي للخصلة التي هي أعسر الأشياء وأنكدها، وهي العمل بما يغضبه سبحانه الموجب لدخول النار وما أدى إليه، وأشار بنون العظمة في كل من نجد الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب الإنسان لكل منهما في غاية البعد، أما نجد الخير فلما حفه من المكاره، وأما نجد الشر فلما في العقل والفطرة الأولى من الزواجر عنه، وذلك كله أمر قد فرغ منه في الأزل بتعيين أهل السعادة وأهل الشقاوة"حديث : وكل كما قال صلى الله عليه وسلم - ميسر لما خلق له ".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏والليل إذا يغشى‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن سمرة قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بـ ‏ {‏والليل إذا يغشى‏} ‏ ونحوها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏حديث : أن رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل من نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرج الثمرة من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ اذهب ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة‏.‏ فقال له‏: أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة‏. فقال له الرجل‏:‏ لقد أعطيت وإن لي لنخلاً كثيراً وما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها‏.‏ ثم ذهب الرجل ولقي رجلاً كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب النخلة، فأتى رسول الله‏:‏ فقال أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها‏.‏ قال‏:‏ نعم، فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة ولكليهما نخل فقال له صاحب النخلة‏:‏ أشعرت أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة إلى دار فلان نخلة في الجنة، فقلت‏:‏ لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها، فقال له الآخر‏:‏ أتريد بيعها‏؟‏ فقال‏:‏ لا إلا أن أعطي بها ما أريد، ولا أظن أعطى‏.‏ قال‏:‏ فكم تؤمل فيها؟ قال‏:‏ أربعين نخلة، فقال له الرجل‏:‏ لقد جئت بأمر عظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة‏.‏ ثم سكت عنه فقال‏:‏ أنا أعطيك أربعين نخلة فقال له‏:‏ أشهد إن كنت صادقا‏ً.‏ فأشهد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث ساعة ثم قال‏:‏ ليس بيني وبينك بيع لم نفترق‏.‏ فقال له الرجل‏:‏ ولست بأحق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة‏.‏ فقال له‏:‏ أعطيك على أن تعطيني كما أريد تعطينيها على ساق‏.‏ فسكت عنه ثم قال‏:‏ هي لك على ساق‏.‏ قال‏:‏ ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ يا رسول الله إن النخلة قد صارت لي فهي لك‏.‏ فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار فقال‏: النخلة لك ولعيالك‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏والليل إذا يغشى‏}تفسير : ‏إلى آخر السورة‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ إني لأقول هذه السورة نزلت في السماحة والبخل ‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏والليل إذا يغشى‏}‏ قال‏:‏ إذا أظلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏والليل إذا يغشى‏} ‏ قال‏:‏ إذا أقبل فغطى كل شيء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء ممن أنت‏؟‏ قال‏:‏ من أهل الكوفة‏.‏ قال‏:‏ كيف سمعت عبد الله يقرأ ‏{‏والليل إذا يغشى‏} ‏ قال‏:‏ علقمة‏:‏ ‏"‏والذكر والأنثى‏"‏ فقال أبو الدرداء‏:‏ أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا‏.‏ وهؤلاء يريدوني على أني أقرؤها‏:‏ ‏"‏خلق الذكر والأنثى‏"‏ والله لا أتابعهم‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخ بغداد من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفاً أخذها من قراءة عبد الله بن مسعود وقال ابن عباس ما يسرني أني تركت هذه الحروف ولو ملئت لي الدنيا ذهبة حمراء منها حرف في البقرة‏:‏ ‏"‏من بقلها وقثائها وثومها‏"‏‏.‏ بالثاء وفي الأعراف‏:‏ ‏"‏فلنسألن الذين أرسل إليهم قبلك من رسلنا ولنسألن المرسلين ‏"‏وفي براءة‏"‏ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏"‏‏.‏ وفي إبراهيم‏:‏ ‏"‏وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال‏"‏ وفي الأنبياء‏:‏ ‏"‏وكنا لحكمهم شاهدين‏"‏، وفيها‏:‏ ‏"‏وهم من كل جدث ينسلون‏"‏ وفي الحج ‏"‏يأتون من كل فج سحيق‏"‏ وفي الشعراء‏:‏ ‏"‏فعلتها إذاً وأنا من الجاهلين‏"‏، وفي النمل‏:‏ ‏"‏اعبد رب هذه البلدة التي حرمها‏"‏ وفي الصافات‏:‏ ‏"‏فلما سلما وتله للجبين‏"‏ وفي الفتح‏:‏ ‏"‏وتعزروه وتوقروه وتسبحوه‏"‏ بالتاء وفي النجم‏:‏ ‏"‏ولقد جاء من ربكم الهدى‏"‏ وفيها‏:‏ ‏"‏إن تتبعون إلا الظن‏"‏ وفي الحديد‏:‏ ‏"‏لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء‏"‏ وفي ن‏:‏ ‏"‏لولا أن تداركته نعمة من ربه‏"‏ على التأنيث وفي إذا الشمس كوّرت‏:‏ ‏"‏وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت‏"‏ وفيها‏:‏ ‏"‏وما هو على الغيب بضنين‏"‏ وفي الليل‏:‏ ‏"‏والذكر والأنثى‏"‏ قال‏:‏ هو قسم فلا تقطعوه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال؛ في قراءة عبد الله‏:‏ ‏"‏والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرؤها ‏ {‏وما خلق الذكر والأنثى‏} ‏ يقول‏:‏ والذي خلق الذكر والأنثى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏إن سعيكم‏} ‏ قال‏:‏ السعي العمل‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ وقع القسم ههنا ‏ {‏إن سعيكم لشتى‏} ‏ يقول‏:‏ مختلف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود أن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فأنزل الله ‏{‏والليل إذا يغشى إن سعيكم لشتى‏}‏ سعي أبي بكر وأمية وأبي إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وكذب بالحسنى‏} ‏ قال‏:‏ لا إله إلا الله إلى قوله‏:‏ ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏ قال‏:‏ النار‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فأما من أعطى‏} ‏ من الفضل ‏{‏واتقى‏} ‏ قال‏:‏ اتقى ربه ‏ {‏وصدق بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ صدق بالخلف من الله ‏ {‏فسنيسره لليسرى‏} ‏ قال‏:‏ الخير من الله ‏{‏وأما من بخل واستغنى‏} ‏ قال‏:‏ بخل بماله واستغنى عن ربه {‏وكذب بالحسنى‏} قال‏:‏ بالخلف من الله ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏ قال‏:‏ للشر من الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏فأما من أعطى‏} ‏ قال‏:‏ أعطى حق الله عليه ‏ {‏واتقى‏} ‏ محارم الله ‏ {‏وصدق بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ بموعود الله على نفسه ‏{‏وأما من بخل‏} ‏ قال‏:‏ بحق الله عليه ‏ {‏واستغنى‏}‏ في نفسه عن ربه ‏ {‏وكذب بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ بموعود الله الذي وعد‏.‏ وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس ‏{‏وصدق بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ أيقن بالخلف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏ {‏وصدق بالحسنى‏} ‏ يقول صدق بلا إله ألا الله ‏{‏وأما من بخل واستغنى‏} ‏ يقول‏:‏ من أغناه الله فبخل بالزكاة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي ‏ {‏وصدق بالحسنى‏} ‏ قال‏:‏ بلا إله إلا الله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏وصدق بالحسنى‏}‏ قال‏:‏ بالجنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ‏ {‏فسنيسره لليسرى‏}‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك، ويمنعونك، ويدفعون عنك‏.‏ قال‏:‏ أي أبت إنما أريد ما عند الله‏.‏ قال‏:‏ فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ‏ {‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏}‏ قال‏:‏ أبو بكر الصديق ‏{‏وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى‏} ‏ قال‏:‏ أبو سفيان بن حرب‏.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ ‏"‏حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال‏: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا، يا رسول الله أفلا نتكل‏؟‏ قال‏:‏ اعملوا فكل ميسر لما خلق الله، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ {‏فأما من أعطى واتقى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏للعسرى‏} ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏{إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49‏] قال رجل‏:‏ يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اعملوا فكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏إذا تردّى‏} ‏ قال‏:‏ إذا تردى ودخل في النار نزلت في أبي جهل‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول عدي بن زيد‏:‏ شعر : خطفته منية فتردى وهو في الملك يأمل التعميرا تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏إذا تردى‏} ‏ قال‏:‏ في النار‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ‏{‏وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏ قال‏:‏ في النار‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا تردى‏} ‏ قال‏:‏ إذا مات وفي قوله‏:‏ ‏{‏ناراً تلظى‏}‏ قال‏:‏ توهج‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إن علينا للهدى‏}‏ يقول‏:‏ على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته‏. وأخرج سعيد بن منصور والفراء والبيهقي في سننه بسند صحيح عن عبيد بن عمير أنه قرأ‏:‏ ‏"‏فأنذرتكم ناراً تتلظى‏"‏ بالتاءين‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال‏:‏ لتدخلن الجنة إلا من يأبى‏.‏ قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة‏؟‏ فقرأ ‏ {‏الذي كذب وتولى‏}‏ ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول‏:‏ {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} يقول: لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه‏. وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شرد البعير على أهله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى‏.‏ قالوا‏:‏ ومن يأبى يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يدخل النار إلا شقي‏ّ.‏ قيل‏:‏ ومن الشقي‏؟‏ قال‏: الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت ‏ {‏وسيجنبها الأتقى‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏ وأخرج أحمد ومسلم وابن حبان والطبراني وابن مردويه عن جابر بن عبد الله‏:‏ "‏حديث : أن سراقة بن مالك قال‏:‏ يا رسول الله أفي أي شيء نعمل‏؟‏ أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام أم في شيء نستقبل فيه العمل‏؟‏ قال‏:‏ بل في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام.‏ قال سراقة‏:‏ ففيم العمل إذن يا رسول الله‏؟‏ قال‏: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏فأما من أعطى واتقى‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏ ‏‏ . تفسير : وأخرج ابن قانع وابن شاهين وعبدان كلهم في الصحابة عن بشير بن كعب الأسلمي ‏حديث : أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل قال‏:‏ ‏"فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، فاعملوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ ‏ {‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى‏}‏" ‏‏‏ . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال‏:‏ قال أبو قحافة لأبي بكر‏:‏ أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك، فقال‏:‏ يا أبت إنما أريد وجه الله، فنزلت هذه الآية فيه‏:‏ ‏{‏فأما من أعطى واتقى‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى‏}‏ ‏. وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن عديّ وابن مردويه وابن عساكر من وجه آخر عن عامر بن الزبير عن أبيه قال‏:‏ نزلت هذه الآية ‏ {‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى‏}‏ في أبي بكر الصديق‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد قال‏:‏ نزلت ‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى‏} ‏ في أبي بكر أعتق ناساً لم يلتمس منهم جزاء ولا شكوراً ستة أو سبعة منهم بلال وعامر بن فهيرة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وسيجنبها الأتقى‏}‏ قال‏:‏ هو أبو بكر الصديق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى‏}‏ يقول‏:‏ ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها إحدى وعشرون {وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} أي حينَ يغشَى الشمسَ كقولِه تعالَى: {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَـٰهَا } تفسير : [سورة الشمس، الآية 4] أو النهارَ أو كلَّ ما يواريِه بظلامِه {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} ظهرَ بزوالِ ظلمةِ الليل أو تبـينَ وتكشفَ بطلوعِ الشمسِ {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأنثَىٰ} أي والقادرِ العظيمِ القدرةِ الذي خلقَ صنفيَّ الذكرِ والأُنْثى من كلِّ ما لَهُ توالدٌ وقيلَ: هُما آدمُ وحواءُ وقُرىءَ والذكرِ والأُنثْى وقُرَىءَ وَالذي خلقَ الذكرَ والأُنْثى وقيلَ: مَا مصدريةٌ {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} جوابُ القسمِ وشَتَّى جمع شتيتٍ أي أنَّ مساعيَكُم لأشتاتٍ مختلفةٍ وقولُه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} الخ تفصيلٌ لتلك المساعِي المشتتةِ وتبـيـينٌ لأحكامِها أي فأمَّا من أعطَى حقوقَ مالِه واتقى محارمَ الله تعالى التي نهىَ عنها وصدَّق بالخصلةِ الحُسْنى وهي الإيمانُ أو بالكلمةِ الحُسْنى وهي كلمةُ التوحيدِ أو بالملةِ الحُسْنى وهي ملةُ الإسلامُ أو بالمثوبةِ الحُسْنى وهي الجنةُ {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} فسنهيئُه للخصلةِ التي تؤدِي إلى يُسرٍ وراحةٍ كدخولِ الجنةِ ومباديِه من يسرَ الفرسَ للركوبِ إذا أسرجَها وألجمَها {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} أي بمالِه فلم يبذلْه في سبـيلِ الخيرِ {وَٱسْتَغْنَىٰ} أي زهدَ فيما عنده تعالَى كأنَّه مستغنٍ عنْهُ فلم يتَّقِهِ أو استغنى بشهواتِ الدُّنيا عن نعيمِ الآخرةِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}[1] قال: باطنها نفس الطبع.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}. يغشى الأفقَ، وما بين السماء والأرض فيستره بظُلْمتِه. والليلِ لأصحاب التحيُّر يستغرِق جميعَ أقطار أفكارهم فلا يهتدون الرشد. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}. أنارَ وَظَهرَ، ووَضح وأسفر. ونهارُ أهلِ العرفان بضياء قلوبهم وأسرارهم، حتى لا يَخْفَى عليهم شيءٌ، فسكنوا بطلوعِ الشمس عن تكلُّف إيقاد السراجِ. {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}. أي: "من" خَلَقَ الذكر والأنثى؛ وهو الله سبحانه: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}. هذا جوابُ القَسَم، والمعنى: إنَّ عملكم لمختلف؛ فمنكم: مَنْ سَعْيُه في طلب دنياه، ومنكم مَنْ سعيهُ في شهواتِ نَفْسِه واتباع هواه، ومنكم مَنْ سعيهُ في شهواتِ، ومنكم مَنْ في طَلَبِ جاهِه ومُناه، وآخر في طلب عقباه، وآخر في تصحيح تقواه، وآخر في تصفية ذكراه، وآخر في القيام بحُسْنِ رضاه، وآخر في طلب مولاه. ومنكم: من يجمع بين سعي النّفْس بالطاعة، وسَعْي القلب بالإخلاص، وسعي البَدَن بالقُرَب، وسعي اللسان بذكر الله، والقول الحَسَنِ للناس، ودعاء الخَلْقِ إلى الله والنصيحة لهم. ومنهم مَنْ سعيُه في هلاكِ نَفْسِه وما فيه هلاك دنياه.. ومنهم.. ومنهم.

البقلي

تفسير : اى وليل قهره اذا يغشى قلوب المحرومين عن مشاهدة الحق ونهار انوار مشاهدته اذا تجلى الارواح العارفين نورها بضياء قدسه ولطائف انه قال الاستاذ وليل اصحاب التحير تستغرق جميع اقطار افكارهم فلا يهتدون الى الرشد ونهار اهل العرفان اذا تجلى بضيائها لقلوبهم قال سهل اقسم الله بنفس الطبع ونفس الروح وهو الضوء مثل فى اشراقه.

اسماعيل حقي

تفسير : {والليل اذا يغشى} اذا للحال لكونها بعد القسم كما مر فى السورة السابقة اى اقسم بالليل حين يغشى الشمس ويغطيها ويسترها كقوله والليل اذا يغشاها فعدم ذكر المفعول للعلم به او النهار او كل ما يواريه بظلامه فعدم ذكر المفعول للتعميم والليل عند اهل النجوم ما بين غروب الشمس وطلوعها وعند اهل الشرع ما بين غروبها وطلوع الفجر الصادق لعله المراد هنا والنهار ما يقابله (وفى كشف الاسرار) الله تعالى شب رامرتبتى وشرفى دادكه آنرا درقرآن مجيد محل قسم خود كردانيد واين شرف ازان يافت كه شب درآيد دوستان خداتنها درمناجات شوند هما شب شراب صفامى نوشند وخلعت رضا مى بوشند وعتاب محبوب مى نيوشند وجون وقت سحر باشد كه فرمان رسد تادرهاى اين قبه بيروزه بازكشايند ودامنها سراد قات عرش مجيد براندازند ومقربان حضرت بامر حق خاموش شوندآنكه جبار كائنات درعلو وكبرياى خود خطاب كندكه الا قد خلا كل حبيب بحيبيه فاين احبائى يعنى هر دوستى بادوست خود درخلوت وشادى آمدند دوستان من كجا اند شعر : الليل داج والعصاة نيام والعابدون لذى الجلال قيام

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والليلِ إِذا يغشى} أي: حين يغشى الشمس، كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}تفسير : [الشمس:4] أو: كل ما يواريه بظلامه. وقال القشيري: إذا يغشى الأفق وما بين السماء والأرض فيستره بظلمته. {والنهارِ إِذا تَجَلَّى} أي: ظهر وأسفر ووضح، {وماخَلَقَ الذكَرَ والأُنثى} أي: والقادر الذي خلق الذكر والأنثى من كل ما له توالد مِن ماءٍ واحد، وقيل: هما آدم وحواء، و"ما" بمعنى "من" أو مصدرية. وقُرىء "والذكر والأنثى" وقرىء "الذي خلق الذكر والأنثى". جواب القسم: {إِنَّ سعيَكم} أي: عملكم {لشتَّى}؛ لمختلف، جمع شتيت، أي: إنّ مساعيكم لأشتات مختلفة. ثم فصّله فقال: {فأّمَّا مَن أعطى} حقوق ماله {واتقى} محارمَ الله التي نهى عنها، {وصدَّق بالحسنى}؛ بالخصلة الحُسنى، وهي الإيمان، أو بالكلمة الحسنى، وهي كلمة التوحيد, أو بالملة الحسنى، وهي الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، والتصديق هو أن يرى أنَّ ما وعده اللهُ به يوصله إليه، ولا يجري على قلبه خاطر شك, {فسَنُيَسِّره لليُسرى}؛ فسنهيئه للطريقة التي تؤدي إلى الراحة واليُسر، كدخول الجنة ومبادئه. قال ابن عطية: معناه: سنظهر عليه تيسيرنا إياه بما يتدرج فيه من أعمال الخير، وحَتْم تيسيره كان في علم الله أزلاً. هـ. يقال: يسَّرَ الفرس، إذا أسرجها وألجمها. {وأمّا مَن بَخِلَ} بماله, فلم يبذله في سبيل الخير، {واستغنَى} أي: زهد فيما عند الله تعالى، كأنه مستغنٍ عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، {وكَذَّب بالحُسنى} أي: بالخصلة الحسنى، على ما ذكر من معانيها, {فسَنُيَسِّره للعُسرى} أي: للخصلة المؤدّية إلى العسر والشدة، كدخول النار ومقدماته، لاختياره لها. وقال الإمام ـ أي الفخر ـ: كل ما أدّت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليسرى، وهو وصف كل الطاعات, وكل ما أدّت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العُسرى، وهو وصف كل المعاصي. هـ. {وما يُغني عنه مالُه} الذي بَخِلَ به، أي: لا ينفعه شيئاً {إِذا تَرَدَّى}؛ هَلَكَ، تفعّل، من الردى، أو تردَّى في حفرة القبر، أو في قعر جهنّم، والعياذ بالله. الإشارة: أقسم تعالى بليل الحجاب، إذا يغشى القلوبَ المحجوبة، ونهار التجلِّي إذا يغشى القلوب الصافية، وكأنه تعالى أقسم بقهر جلاله، ولُطف جماله، وقدرته على خلق أصناف الحيوانات، إنَّ سعي الناس لشتى، فأمّا مَن أعطى مالَه ونفسَه، واتقى كلَّ ما يشغله عن المولى، فَسنُيَسِّره لسلوك الطريق اليُسرى، التي توصل إلى حضرة المولى. وقال الورتجبي: سهّل له طريقَ الوصول إليه، ويرفع عنه الكلفة والتعب في العبودية. وقال القشيري: نُسَهِّلُ عليه الطاعات، ونُكَرِّه إليه المخالفات، ونهيىء له القُربَ، ونُحَبِّبُ له الإيمان، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان. هـ. وأمَّا مَن بَخِلَ بماله ونفسه، واستغنى عن معرفة ربه معرفة العيان, وقنع بمقام الإيمان، فسَنُيسره للعُسرى، وهي طريق البُعد والحجاب، كاشتغاله بحب الدنيا، وجمع المال، وما يُغني عنه ماله إذا تردى في مهاوي البُعد والردى. ولمّا عَرَّفهم أنَّ سعيهم لشتى، ذكر أنه بَيَّنَ ما عليه، فقال: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ}.

الطوسي

تفسير : هذا قسم من الله تعالى بالليل إذا غشيه الظلام، فاظلم وادلهمّ وغشى الأنام لما فى ذلك من الهول المحرك للنفس بالاستعظام. ثم اقسم بالنهار إذا تجلى، ومعناه إذا أنار وظهر للابصار لما فى ذلك من الاعتبار. وقيل التقدير والليل إذا يغشى النهار، فيذهب بضوئه {والنهار إذا تجلى} أي جلى الليل، فأذهب ظلمته، ذكره الحسن. والغشي إلباس الشيء ما يغمر ويستر جملته، وإنما كرر ذكرهما فى السورتين لعظم شأنهما، وجلالة موقعهما فى باب الدلالة على توحيد الله - ذكره قتادة -. وقوله {وما خلق الذكر والأنثى} للتناسل بينهما. ويحتمل أن يكون المراد ومن خلق الذكر والانثى، وفى قراءة عبد الله {والذي خلق الذكر والأنثى} لان (ما) بمعني الذي، وهو الله، فيكون القسم بالله. وعلى الأول يكون القسم بخلق الله. وقيل: المراد بالذكر والانثى آدم وحواء عليهما السلام. وقوله {إن سعيكم لشتى} جواب للقسم، ومعناه إن سعيكم لمختلف، فسعي المؤمن خلاف سعي الكافر. ومعنى "شتى" أي متفرق على تباعد ما بين الشيئين جداً، ومنه شتان أي بعد ما بينهما جداً كبعد ما بين الثرى والثريا. ويقال: تشتت أمر القوم وشتتهم ريب الزمان. وقوله {فأما من أعطى واتقى} معناه من أعطى حق الله واتقى محارم الله - ذكره قتادة - {وصدق بالحسنى} قال ابن عباس وعكرمة: وصدق بالخلف. وقال الضحاك: صدق بتوحيد الله، وقال مجاهد والحسن: يعني صدق بالجنة. وقال قتادة: بوعد الله، والحسنى النعمة العظمى بحسن موقعها عند صاحبها، وهذه صفة الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين وحرمها من كذب بها. وقوله {فسنيسره لليسرى} معناه يسهل عليه الأمر، فالتيسير تصيير الأمر سهلا. ومثله التسهيل والتخفيف، ونقيض التيسير التعسير وهو تصير الامر صعباً. واليسير نقيض العسير، يقال: أيسر إذا كثر ماله ويوسر ايساراً. وتقديره فسنيسره للحال اليسرى، فلذلك أنث فحال اليسير اليسرى، وحال العسير العسرى. والتيسير لليسرى يكون بأن يصيرهم إلى الجنة، والتيسير للعسرى بأن يصيرهم إلى النار. ويجوز أن يكون المراد بالتمكين من سلوك طريق الجنة، والتمكين من سلوك طريق النار. ومعناه إنا لسنا نمنع المكلفين من سلوك أحد الطريقين ولا نضطرهم اليه، وإنما نمكنهم بالاقرار عليهما ورفع المنع، والترغيب فى احداهما، والتزهيد فى الاخرى. فان احسن الاختيار اختار ما يؤديه إلى الجنة. وإن أساء فاختار ما يؤد به إلى النار فمن قبل نفسه أتى. وقوله {وأما من بخل واستغنى} يعني به من منع حق الله الذي أوجب عليه من الزكاة والحقوق الواجبة في ماله، واستغنى بذلك وكثر ماله، فسنيسره للعسرى يعني طريق النار. وقد بينا كيفية تيسير الله لذلك من التمكين أو التصيير فلا حاجة لاعادته. والعسرى البلية العظمى بما تؤدي اليه، ونقيضها اليسرى، وهو مأخوذ من العسر واليسر، فحال العسر العسرى وحال اليسر اليسرى، ومذكره الأيسر، والأمر الأعسر. وقال الفراء: المعنى فسنيسره للعود إلى الصالح من الاعمال ونيسره من الاعمال للعسرى على مزاوجة الكلام. والأولى أن تكون الآيتان على عمومهما فى كل من يعطي حق الله، وكل من يمنع حقه، لانه ليس - ها هنا - دليل قاطع على أن المختص بها إنسان بعينه، وقد روي أنها نزلت فى أبي الدحداح الانصاري، وسمرة بن حبيب، ورووا فى ذلك قصة معروفة. وروي فى غيره. وقوله {وما يغنى عنه ماله إذا تردى} معناه أي شيء يغني عن هذا الذي بخل بماله، ولم يخرج حق الله منه "إذا تردى" يعني فى نار جهنم - فى قول قتادة وابي صالح - وهو المروي عن ابي جعفر عليه السلام. وقال مجاهد: معناه إذا مات. وقال قوم: معناه {إذا تردى} فى القبر أي شيء يغنيه. وقيل {إذا تردى} فى النار فما الذي يغنيه. وقوله {إن علينا للهدى} قال قتادة معناه إن علينا لبيان الطاعة من المعصية وقيل فى قوله {إن علينا للهدى} دلالة على وجوب هدى المكلفين إلى الدين، وانه لا يجوز إضلالهم منه. وقوله {وإن لنا للآخرة} معناه الاخبار من الله بأن له دار الآخرة والجزاء فيها على الأعمال، والامر والنهي ليس لاحد سواه، لان دار الدنيا قد ملك فيها أقواماً التصرف، وقوله {والأولى} معناه وإن لنا الأولى ايضاً يعني دار الدنيا. فانه الذي خلق الخلق فيها، وهو الذي مكنهم من التصرف فيها وهو الذى ملكهم ما ملكهم، فهي ايضاً ماله على كل حال.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} بظلمته نور الشّمس والابصار، وببرودته المدارك والرّوح الحيوانيّة والنّفسانيّة حتّى تجتمعا فى الباطن، او يغشى النّاس بالنّوم، او اقسم بليل الطّبع او النّفس او البلايا، او ليل القدر اذا يغشى اهله.

فرات الكوفي

تفسير : قال أبو القاسم العلوي: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: حديث : كان رجلٌ موسر على عهد النبي صلى الله عليه وآله في دارٍ [له. أ] حديقة وله جارٌ له صبية فكان يتساقط الرطب عن النخلة فيشدون صبيانه يأكلونه فيذرون [خ (خ ل): فيأتي] الموسر فيخرج الرطب من جوف أفواه الصبية، فشكى الرجل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل وحده إلى الرجل فقال: بعني حديقتك هذه بحديقة في الجنة. فقال له الموسر: لا أبيعك عاجلاً بآجل فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجع نحو المسجد فلقيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: له: يا رسول الله [ص. أ، ر] ما يبكيك؟! لا أبكى الله عينيك فأخبره خبر الرجل الضعيف والحديقة، فأقبل أمير المؤمنين حتى استخرجه من منزله وقال له: بعني دارك. قال الموسر: بحائطك الحسى! فصفق [أ، ر: فسفق] على يده ودار إلى الضعيف فقال له: دُر إلى دارك فقد ملككها الله رب العالمين وأقبل أمير المؤمنين عليه السلام ونزل جبرئيل [عليه السلام. أ، على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] فقال له: يا محمد اقرأ: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى} إلى آخر السورة. فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقبل [ر: وقبل] بين عينيه ثم قال: بأبي أنت [وأمي. ب] قد أنزل الله فيك هذه السورة كاملة . تفسير : فرات قال: حدثنا علي بن محمد بن علي بن أبي حفص الأعشى! معنعناً: حديث : عن موسى بن عيسى الأنصاري [رضي الله عنه. ر] قال: كنت جالساً مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد أن صلينا مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم [العصر. ر] بهفوات فجاء رجل إليه فقال له: يا أبا الحسن قد قصدتك في حاجة أريد أن تمضي معي [فيها. أ، ر] إلى صاحبها. فقال له: قل [أ، ر، ب (خ ل): قف]. قال [أ: فقال]: إني ساكن في دارٍ لرجلٍ فيها نخلة وإنّه يهيج الريح فتسقط من ثمرها بلح وبسر ورطب وتمر، ويصعد الطير فيلقي منه، وأنا آكل منه ويأكل منه الصبيان من غير أن ننخسها بقصبة أو نرميها بحجر فاسأله أن يجعلني في حلّ. قال: انهض بنا فنهضت معه فجئنا إلى الرجل فسلم عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فرحب [به. ب] وفرح به وسرّ وقال: فيما [ب، ر: فبما] جئت يا أبا الحسن؟ قال: جئتك في حاجة قال: تقضى إن شاء الله قال: ما هي؟ قال: هذا الرجل ساكن في دار لك في موضع كذا وذكر أن فيها نخلة وأنه يهيج الريح فيسقط منها بلح وبسر ورطب وتمر ويصعد الطير فيلقي مثل ذلك من غير حجر يرميها به أو قصبة ينخسها [أريد أن تجعله. ب] في حلّ. فتأبى عن ذلك وسأله ثانياً وأقبل يلح عليه في المسألة ويتأبى إلى أن قال: الله أنا أضمن لك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبدلك بهذه النخلة حديقة في الجنة فأبى عليه ورهقنا المساء فقال له علي: تبيعنيها بحديقتي فلانة؟ فقال له: نعم. قال فاشهد لي عليك الله وموسى بن عيسى الأنصاري انك قد بعتها بهذه الدار قال: نعم أشهد الله موسى بن عيسى أني قد بعتك هذه الحديقة بشجرها ونخلها وثمرها بهذه الدار. ر] [أليس قد بعتني هذه الدار بما فيها بهذه الحديقة؟ ولم يتوهم أنّه يفعل. أ، ر] فقال: نعم أشهد الله وموسى بن عيسى على أني قد بعتك هذه الدار بما فيها بهذه الحديقة. فالتفت علي إلى الرجل فقال له: قم فخذ الدار بارك الله لك فيها وأنت في حل منها. ووجبت المغرب وسمعوا أذان بلال فقاموا مبادرين حتّى صلوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المغرب وعشاء الآخرة ثم انصرفوا إلى منازلهم فلما أصبحوا صلّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم الغداة وعقب فهو يعقب حتى هبط عليه جبرئيل عليه السلام بالوحي من عند الله فأدار وجهه إلى أصحابه فقال: من فعل منكم في ليلته هذه فعلة فقد أنـــــزل الله بــــيـــانهــــا فمـــنـــتكــــم [ب: أفـــيــــكـــــم] أحــــدٌ يخــــبـــــرني أو أخـــبــــره. فــقـــــال لـــــه أمــــيــــر المـــــــؤمـــــــنين علي بـــــن أبــــي طــالــــب عليـــه الســـلام: بـــــل أخـــــبرنا يا رسول الله؟ قــال: نـــعم هـبط جـبـرئـيــل عليه السلام فأقرأني عن الله السلام وقال لي: إن علياً فعل البارحة فعلة. فقلت لحبيبي جبرئيل [عليه السلام. ر، ب]: ما هي؟ فقال: إقرء يا رسول الله. فقلت: وما أقرء؟ فقال إقرء {بسم الله الرحمن الرحيم والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى} إلى قوله [ر: آخر السورة]: {ولسوف يرضى} أنت يا علي ألست صدقت بالجنة وصدقت بالدار على ساكنها بدل الحديقة؟ فقال: نعم يا رسول الله. قال: فهذه سورة نزلت فيك وهذا لك. فوثب [صلى الله عليه وآله وسلم إلى. ب] أمير المؤمنين فقبل بين عينيه وضمّه إليه [ب: إلى صدره] وقال له: أنت أخي وأنا أخوك. [صلى الله عليهما وآلهما. أ، ر] . تفسير : قال حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: {وكذب بالحسنى} بولاية علي عليه السلام {فسنيسّره للعسرى} النار {وما يغني عنه ماله إذا تردى} وما يغني [عنه. ر] علمه [ب: عمله] إذا مات {إنّ علينا للهدى} إن علياً هذا الهدى {وإن لنا} [ب: له] {للآخرة والأولى فأنذرتكم ناراً تلظى} القائم [صلوات الله عليه. ب] إذا قام بالغضب فقتل من كل ألف تسعماءة وتسعة وتسعين {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب} بالولاية {وتولى} عنها {وسيجنبها الأتقى} المؤمن {الذي يؤتي ماله يتزكى} الذي يعطي العلم أهله {وما لأحدٍ عنده من نعمة تجزى} ما لأحد عنده مكافأة {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} القربة إلى الله تعالى {ولسوف يرضى} إذا عاين الثواب. فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} [أي. ر] بالولاية {فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى} [أي. ر] بالولاية {فسنيسره للعسرى}.

الأعقم

تفسير : {والليل إذا يغشى} قيل: قسم، ومعنى يغشى يغطي كل شيء بظلمته ويزيل الضياء، وقيل: يغشى النهار فيذهب ضوؤه {والنهار إذا تجلّى} قيل: جلّى الليل فأذهب ظلمته، وقيل: أنار وأضاء وتجلى للخلق بنوره {وما خلق الذكر والأنثى} قيل: والذي خلق الذكر والأنثى، والمراد كل ذكر وأنثى خلقها الله تعالى أراد آدم وحواء {إن سعيكم} هذا جواب القسم أي عملكم أيها المكلفون متفرق فساع في فكاك رقبته وساع في هلاكه، وقيل: منهم من سعى للدنيا ومنهم سعى للعقبى، وقيل: مذاهبكم متفرقة {فأما من أعطى واتقى} قيل: أعطي حق الله واتقى معاصي الله، وقيل: من أعطى ماله في سبيل الله واتقى ربه {وصدَّق بالحسنى} بالخلق، وقيل: بالخير {فسنيسره لليسرى} قيل: نسهل عليه دخول اليسرى وهي الجنة، وقد اختلفوا في سبب نزول الآية قيل: نزلت في أبي بكر، وقيل: نزلت في رجل من الأنصار، وقيل: هو عام في جميع من كان بهذه الصفة فمن قال: أنها نزلت في رجل من الأنصار يقال له: أبو الدحداح كان لجار له نخلة وكان يساقط منها في دار أبي الدحداح فشكا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : بعنيها بنخلة في الجنة" تفسير : فقال: لا، فلما خرج لقيه الأنصاري أعني أبا الدحداح بنخلة له، ثم باعها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنخل في الجنة، فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول: شعر : هداك ربي سبيل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالأولاد فقد مضى قرصا إلى التناد اقرضه الله على اعتماد بالطوع لا مَنّ ولا أنكاد إلا رجاء الضعف في المعاد فارتحلي بالنفس والأولاد تفسير : قالت أم الدحداح: ربحت بيعتك بارك الله لك وفيك، وأجابته وأنشدت تقول: شعر : بشرك الله بخير وفرح مثلك أدّى ما لديه ونصح ان لك الحظ إذا الحق وضح والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح تفسير : ثم أقبلت على الصبيان تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم، فذكر ان هذا الرجل طلع إلى أعلى الحائط ليطلع على نخله فتردى منها فذلك قوله تعالى: {أية : وما يغني عنه ماله إذا تردّى}تفسير : [الليل: 11].

الهواري

تفسير : تفسير سورة والليل إذا يغشى وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} أي: غشى النهار وأذهب ضوءه. {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} أي إذا ظهر الليل فأذهب ظلمته. قال تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى} أي: والذي خلق الذكر والأنثى يعني نفسه، وهذا كله قسم. {إِنَّ سَعْيَكُمْ} يعني سعي المؤمن وسعي الكافر، أي عملهما {لَشَتَّى} أي: لمختلف. قال عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي: بالثواب، وهي الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي لعمل أهل الجنة. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} أي: بما عنده أن يتقرب به إلى ربه {وَاسْتَغْنَى} أي: عن ربه {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي بالثواب وهي الجنة {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} أي: لعمل النار، أي ببخله وتكذيبه. ذكروا عن جندب بن عبد الله قال: لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار؛ إن النار لا يُفدى أسيرها، ولا يَستغنِي فقيرها. قال عزّ وجل: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} أي: في القبر إذا مات. وقال بعضهم: إذا تردّى في النار، إذا هوى فيها.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} غطى كل شيء، حذف المفعول للتعميم والفاصلة وأقسم الله به لأن فيه آية عظيمة تسكن فيه الدواب على التحرك وتأوي إلى مأواها فظلمته جامعة للأبدان كما تجمع بصر الأبصار فتستريح وقيل تقدير المفعول يغشى الشمس وقيل النهار أي أذهب ضوء الشمس أو أذهب الضوء الموجود في النهار.

اطفيش

تفسير : أى يغشى الأَرض وما عليها أى يغطيها بظلمته أو يغشى الشمس أى يضادها ويكون على موضع كان فيه أثرها كقوله تعالى {أية : والليل إذا يغشاها} تفسير : [الشمس: 4] أو يغشى النهار كقوله تعالى {أية : يغشي الليل النهار} تفسير : [الأعراف: 54، الرعد: 3] أى يجعل النهار غاشياً لليل.

الالوسي

تفسير : أي حين يغشى الشمس كقوله تعالى {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}تفسير : [الشمس: 4] أو النهار كقوله تعالى {أية : يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [الأعراف: 54] أو كل ما يواريه في الجملة بظلامه والمقسم به في الأوجه الثلاث الليل كله.

سيد قطب

تفسير : في إطار من مشاهد الكون وطبيعة الإنسان تقرر السورة حقيقة العمل والجزاء. ولما كانت هذه الحقيقة منوعة المظاهر: {إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى}.. وكانت العاقبة كذلك في الآخرة مختلفة وفق العمل والوجهة: {فأنذرتكم ناراً تلظى. لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى..}. لما كانت مظاهر هذه الحقيقة ذات لونين، وذات اتجاهين.. كذلك كان الإطار المختار لها في مطلع السورة ذا لونين في الكون وفي النفس سواء: {والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى}.. {وما خلق الذكر والأنثى}.. وهذا من بدائع التناسق في التعبير القرآني. {والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى.. وما خلق الذكر والأنثى}.. يقسم الله ـ سبحانه ـ بهاتين الآيتين: الليل والنهار. مع صفة كل منهما الصفة المصورة للمشهد. {والليل إذا يغشى}.. {والنهار إذا تجلى}.. الليل حين يغشى البسيطة، ويغمرها ويخفيها. والنهار حين يتجلى ويظهر، فيظهر في تجلية كل شيء ويسفر. وهما آنان متقابلان في دورة الفلك، ومتقابلان في الصورة، ومتقابلان في الخصائص، ومتقابلان في الآثار.. كذلك يقسم بخلقه الأنواع جنسين متقابلين: {وما خلق الذكر والأنثى}.. تكملة لظواهر التقابل في جو السورة وحقائقها جميعاً. والليل والنهار ظاهرتان شاملتان لهما دلالة توحيان بها إيحاء للقلب البشري؛ ولهما دلالة كذلك أخرى عند التدبر والتفكر فيهما وفيما وراءهما. والنفس تتأثر تأثراً تلقائياً بتقلب الليل والنهار. الليل إذا يغشى ويعم، والنهار إذا تجلى وأسفر. ولهذا التقلب حديث وإيحاء. حديث عن هذا الكون المجهول الأسرار، وعن هذه الظواهر التي لا يملك البشر من أمرها شيئاً. وإيحاء بما وراء هذا التقلب من قدرة تدير الآونة في الكون كما تدار العجلة اليسيرة! وبما هنالك من تغير وتحول لا يثبت أبداً على حال. ودلالتهما عند التدبر والتفكر قاطعة في أن هنالك يداً أخرى تدير هذا الفلك، وتبدل الليل والنهار. بهذا الانتظام وهذا الاطراد وهذه الدقة. وأن الذي يدير الفلك هكذا يدير حياة البشر أيضاً. ولا يتركهم سدى، كما أنه لا يخلقهم عبثاً. ومهما حاول المنكرون والمضلون أن يلغوا في هذه الحقيقة، وأن يحولوا الأنظار عنها، فإن القلب البشري سيظل موصولاً بهذا الكون، يتلقى إيقاعاته، وينظر تقلباته، ويدرك تلقائياً كما يدرك بعد التدبر والتفكر، أن هنالك مدبراً لا محيد من الشعور به، والاعتراف بوجوده من وراء اللغو والهذر، ومن وراء الجحود والنكران! وكذلك خلقة الذكر والأنثى.. إنها في الإنسان والثدييات الحيوانية نطفة تستقر في رحم. وخلية تتحد ببويضة. ففيم هذا الاختلاف في نهاية المطاف؟ ما الذي يقول لهذه: كوني ذكراً، ويقول لهذه: كوني أنثى؟.. إن كشف العوامل التي تجعل هذه النطفة تصبح ذكراً، وهذه تصبح أنثى لا يغير من واقع الأمر شيئاً.. فإنه لماذا تتوفر هذه العوامل هنا وهذه العوامل هناك؟ وكيف يتفق أن تكون صيرورة هذه ذكراً، وصيرورة هذه أنثى هو الحدث الذي يتناسق مع خط سير الحياة كلها، ويكفل امتدادها بالتناسل مرة أخرى؟ مصادفة؟! إن للمصادفة كذلك قانوناً يستحيل معه أن تتوافر هذه الموافقات كلها من قبيل المصادفة.. فلا يبقى إلا أن هنالك مدبراً يخلق الذكر والأنثى لحكمة مرسومة وغاية معلومة. فلا مجال للمصادفة، ولا مكان للتلقائية في نظام هذا الوجود أصلاً. والذكر والأنثى شاملان بعد ذلك للأنواع كلها غير الثدييات. فهي مطردة في سائر الأحياء ومنها النبات.. قاعدة واحدة في الخلق لا تتخلف. لا يتفرد ولا يتوحد إلا الخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء.. هذه بعض إيحاءات تلك المشاهد الكونية، وهذه الحقيقة الإنسانية التي يقسم الله ـ سبحانه ـ بها، لعظيم دلالتها وعميق إيقاعها. والتي يجعلها السياق القرآني إطاراً لحقيقة العمل والجزاء في الحياة الدنيا وفي الحياة الأخرى.. يقسم الله بهذه الظواهر والحقائق المتقابلة في الكون وفي الناس، على أن سعي الناس مختلف وطرقهم مختلفة، ومن ثم فجزاؤهم مختلف كذلك؛ فليس الخير كالشر، وليس الهدى كالضلال. وليس الصلاح كالفساد، وليس من أعطى واتقى كمن بخل واستغنى، وليس من صدق وآمن كمن كذب وتولى. وأن لكل طريقاً، ولكل مصيراً، ولكل جزاء وفاقاً: {إن سعيكم لشتى. فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى}.. إن سعيكم لشتى.. مختلف في حقيقته. مختلف في بواعثه. مختلف في اتجاهه. مختلف في نتائجه.. والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم، وتختلف مشاربهم، وتختلف تصوراتهم، وتختلف اهمتاماتهم، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص. هذه حقيقة. ولكن هناك حقيقة أخرى. حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعاً. وتضم هذه العوامل المتباينة كلها. تضمها في حزمتين اثنتين. وفي صفين متقابلين. تحت رايتين عامتين: {من أعطى واتقى وصدق بالحسنى}.. و {من بخل واستغنى وكذب بالحسنى}.. من أعطى نفسه وماله. واتقى غضب الله وعذابه. وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل {الحسنى} كانت اسماً لها وعلماً عليها. ومن بخل بنفسه وماله. واستغنى عن الله وهداه. وكذب بهذه الحسنى.. هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس، وشتات السعي، وشتات المناهج، وشتات الغايات. ولكل منهما في هذه الحياة طريق.. ولكل منهما في طريقه توفيق! {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى.. فسنيسره لليسرى}.. والذي يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها. عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه ـ سبحانه ـ على نفسه بإرادته ومشيئته. والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء. ومن يسره الله لليسرى فقد وصل.. وصل في سر وفي رفق وفي هوادة.. وصل وهو بعد في هذه الأرض. وعاش في يسر. يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من حوله. اليسر في خطوه. واليسر في طريقه. واليسر في تناوله للأمور كلها. والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها. وهي درجة تتضمن كل شيء في طياتها. حيث تسلك صاحبها مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وعد ربه له: {ونيسرك لليسرى}.. {وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى.. فسنيسره للعسرى. وما يغني عنه ماله إذا تردى}.. والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذب بدعوته ودينه.. يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد. ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى! ويوفقه إلى كل وعورة! ويحرمه كل تيسير! ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجاً، ينحرف به عن طريق الرشاد. ويصعد به في طريق الشقاوة. وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح. وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق الله، وتنأى به عن رضاه.. فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به، والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه.. {وما يغني عنه ماله إذا تردى}.. والتيسير للشر والمعصية من التيسير للعسرى، وإن أفلح صاحبها في هذه الأرض ونجا.. وهل أعسر من جهنم؟ وإنها لهي العسرى!. هكذا ينتهي المقطع الأول في السورة. وقد تبين طريقان ونهجان للجموع البشرية في كل زمان ومكان. وقد تبين أنهما حزبان ورايتان مهما تنوعت وتعددت الأشكال والألوان. وأن كل إنسان يفعل بنفسه ما يختار لها! فييسر الله له طريقه: إما إلى اليسرى وإما إلى العسرى. فأما المقطع الثاني فيتحدث عن مصير كل فريق. ويكشف عن نهاية المطاف لمن يسره لليسرى، ومن يسره للعسرى. وقبل كل شيء يقرر أن ما يلاقيه كل فريق من عاقبة ومن جزاء هو عدل وحق، كما أنه واقع وحتم. فقد بين الله للناس الهدى، وأنذرهم ناراً تلظى: {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى. فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلاهآ إلا الأشقى الذي كذب وتولى. وسيجنبها الأتقى، الذى يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى}.. لقد كتب الله على نفسه ـ فضلاً منه بعباده ورحمة ـ أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم. وأن يبينه لهم كذلك بالرسل والرسلات والآيات، فلا تكون هناك حجة لأحد، ولا يكون هناك ظلم لأحد: {إن علينا للهدى}.. واللمسة الثانية هي التقرير الجازم لحقيقة السيطرة التي تحيط بالناس، فلا يجدون من دونها موئلاً: {وإن لنا للآخرة والأولى}.. فأين يذهب من يريد أن يذهب عن الله بعيداً؟! وتفريعاً على أن الله كتب على نفسه بيان الهدى للعباد، وأن له الآخرة والأولى داري الجزاء والعمل. تفريعاً على هذا يذكرهم أنه أنذرهم وحذرهم وبين لهم: {فأنذرتكم ناراً تلظى}.. وتتسعر.. هذه النار المتسعرة {لا يصلاها إلا الأشقى}.. أشقى العباد جميعاً. وهل بعد الصلي في النار شقوة؟ ثم يبين من هو الأشقى. إنه: {الذي كذب وتولى}.. كذب بالدعوة وتولى عنها. تولى عن الهدى وعن دعوة ربه له ليهديه كما وعد كل من يأتي إليه راغباً. {وسيجنبها الأتقى}.. وهو الأسعد في مقابل الأشقى.. ثم يبين من هو الأتقى: {الذي يؤتي ماله يتزكى}.. الذي ينفق ماله ليتطهر بإنفاقه، لا ليرائي به ويستعلي. ينفقه تطوعاً لا رداً لجميل أحد، ولا طلباً لشكران أحد، وإنما ابتغاء وجه ربه خالصاً.. ربه الأعلى.. {وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى}.. ثم ماذا؟ ماذا ينتظر هذا الأتقى، الذي يؤتي ماله تطهراً، وابتغاء وجه ربه الأعلى؟ إن الجزاء الذي يطالع القرآن به الأرواح المؤمنة هنا عجيب. ومفاجئ. وعلى غير المألوف. {ولسوف يرضى}. إنه الرضى ينسكب في قلب هذا الأتقى. إنه الرضى يغمر روحه. إنه الرضى يفيض على جوارحه. إنه الرضى يشيع في كيانه. إنه الرضى يندي حياته.. ويا له من جزاء! ويا لها من نعمة كبرى! {ولسوف يرضى}.. يرضى بدينه. ويرضى بربه. ويرضى بقدره. ويرضى بنصيبه. ويرضى بما يجد من سراء وضراء. ومن غنى وفقر. ومن يسر وعسر. ومن رخاء وشدة. يرضى فلا يقلق ولا يضيق ولا يستعجل ولا يستثقل العبء، ولا يستبعد الغاية.. إن هذا الرضى جزاء ـ جزاء أكبر من كل جزاء ـ جزاء يستحقه من يبذل له نفسه وماله ـ من يعطي ليتزكى. ومن يبذل ابتغاء وجه ربه الأعلى. إنه جزاء لا يمنحه إلا الله. وهو يسكبه في القلوب التي تخلص له، فلا ترى سواه أحداً. {ولسوف يرضى}.. يرضى وقد بذل الثمن. وقد أعطى ما أعطى.. إنها مفاجأة في موضعها هذا. ولكنها المفاجأة المرتقبة لمن يبلغ ما بلغه الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى.. {ولسوف يرضى}..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه، وغرض ذلك ما تقدم آنفاً. ومناسبة المُقْسَمِ به للمُقْسَمِ عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما يماثلان النور والظلمة وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة. وفي القسم بالليل وبالنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانِب الذي يغشاه من الأرض. ويغشى فيه من الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين، لأن ذلك أقوى أحواله، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك. وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله: { أية : والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها } تفسير : في سورة الشمس (3، 4). واختير القسم بالليل والنهار لمناسبتِه للمقام لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة. وابتدىء في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكسَ ما في سورة الشمس لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور وأيَّامئذٍ كان الكفر مخيماً على الناس إلا نفراً قليلاً، وكان الإِسلام قد أخذ في التجلي فناسب تلك الحالة بالإِشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله: { أية : إن سعيكم لشتى } تفسير : [الليل: 4] إلى قوله: { أية : إذا تردى } تفسير : [الليل: 11]. وفي قوله: {إن سعيكم لشتى} إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله: { أية : فأما من أعطى } تفسير : [الليل: 5] الآية ليتمكن تفصيله في الذهن. وحذف مفعول {يغشى} لتنزيل الفعل منزلة اللازم لأن العبرة بغشيانه كلَّ ما تغشاه ظلمته. وأسند إلى النهار التَجلي مدحاً له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء. والتجلّي: الوضوح، وتجلي النهار: وضوح ضيائه، فهو بمعنى قوله: { أية : والشمس وضحاها } تفسير : [الشمس: 1] وقوله: { أية : والضحى } تفسير : [الضحى: 1]. وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها والظلمةُ هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طَرأ عليه التاريخ بالأيام. والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله: { أية : والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها } تفسير : في السورة السابقة [الشمس: 3، 4]. و{ما} في قوله: {وما خلق الذكر والأنثى} مصدرية أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل. والذكر والأنثى: صنفا أنواع الحيوان. والمراد: خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى: { أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } تفسير : [الحجرات: 13] لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطَبون أكثرَ دقائقه لتكرره على أنفسهم ذُكورهم وإناثهم بخلاف تكوّن نسل الحيوان فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يُحصي كثيراً منها. والمعنى: وذلك الخلقِ العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد، وتوقف التناسل على تزاوجهما، فالقسم بتعلقٍ مِن تعلقِ صفات الأفعال الإلٰهية وهي قِسْم من الصفات لا يُختلف في ثبوته وإنما اختلَف علماء أصول الدين في عدّ صفات الأفعال من الصفات فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي، أو جَعْلِها من تعلق صفة القدرة فهي حادثة عند الأشعري، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي. وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس، أي خلق العقل والمعرفة في الإِنسان، وأما القَسَم هنا فبِخلق جسد الإِنسان واختلاف صنفيه، وجملة: {إن سعيكم لشتى} جوابُ القسم. والمقصود من التأكيد بالقسم قولُه: { أية : وما يُغني عنه مالُهُ إذا تردى } تفسير : [الليل: 11]. والسَّعي حقيقته: المشي القوي الحثيث، وهو مستعار هنا للعمل والكدّ. وشتّى: جمع شتيت على وزن فَعْلَى مثل قَتِيل وقَتْلى، مشتق من الشتِّ وهو التفرق الشديد يقال: شتَّ جمعُهم، إذا تفرقوا، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرّاً: شعر : قليل التشكي للملم يصيبه كثير الهوى شَتَّى النَّوى والمسالك تفسير : وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة لأن التفرق يلزمه الاختلاف. والخطاب في قوله: {إن سعيكم} لجميع الناس من مؤمن وكافر. واعلم أنه قد روي في «الصحيحين» عن علقمة قال: «دخلت في نفر من أصحاب عبد الله (يعني ابنَ مسعود) الشام فسمع بِنا أبو الدرداء فأتانا فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ فقلت: أنا. قال: كيف سمعتَه يقرأ؟ {والليل إذا يغشى} قال سمعته يقرأ: «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى» قال: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا». وسماها في «الكشاف»: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أي ثَبت أنه قرأ بها، وتأويل ذلك: أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخَّصاً فيه أن يُقرأ على بعض اختلاف، ثم نُسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن. وكتب في المصحف في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم: قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

الشنقيطي

تفسير : يقسم الله تعالى بالليل والنهار وأثرهما على الكون، على أنهما آيتان عظيمتان. وتقدم الكلام عليهما في السورة قبلها عند قوله: {أية : وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} تفسير : [الشمس: 3-4]. وتقدم للشيخ رحمة الله علينا وعليه الكلام على هاتين الآيتين، عند قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 12]، في سورة بني إسرائيل، وذكر النصوص في هذا المعنى. وأثر الليل والنهار في حياة الناس، ومعرفة الحساب ونحوه.

الواحدي

تفسير : {والليل إذا يغشى} أيْ: يغشى الأُفق بظلمته. {والنهار إذا تجلى} بان وظهر. {وما خلق} ومَنْ خلق {الذكر والأنثى} وهو الله تعالى، [وجواب القسم وهو قوله:] {إنَّ سعيكم لشتى} إنَّ عملكم لمختلفٌ. يريد: بينهما بُعدٌ يعني: عمل المؤمن وعمل الكافر. نزلت في أبي بكر الصِّديق وأبي سفيان بن حرب. {فأمَّا مَنْ أعطى} ماله {واتقى} ربَّه واجتنب محارمه. {وصدَّق بالحسنى} أيقن بأنَّ الله سبحانه سيخلف عليه. وقيل: صدَّق بـ لا إله إلاَّ الله. {فسنيسره} فسنهيِّئه {لليسرى} للخلَّة اليسرى، أَي: الأمر السَّهل من العمل بما يُرضي الله تعالى، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه اشترى جماعةً يُعذِّبُهم المشركون ليرتدُّوا عن الإِسلام، فوصفه الله تعالى بأنَّه أعطى وصدَّق بالمُجازاة من الله له. {وأمَّا مَنْ بخل} بالنَّفقة في الخير {واستغنى} عن الله، فلم يرغب في ثوابه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بالليل حين يعم ظلامه. 2- وبالنهار إذا سطع ضوؤه. 3- وبالله الذى خلق الصنفين الذكر والأنثى من كل ما يتوالد. 4- إن سعيكم لمختلِف، فمنه ما يسعد به الساعى، ومنه ما يشقى به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا يغشى: أي بظلمته كل ما بين السماء والأرض في الإِقليم الذي يكون به. إذا تجلى: أي تكشف وظهر في الإِقليم الذي هو به وإذا هنا وفي التي قبلها ظرفية وليست شرطية. وما خلق الذكر والأنثى: أي ومن خلق الذكر والأنثى آدم وحواء وكل ذريتهما وهو الله تعالى. إن سعيكم لشتى: أي إن عملكم أيها الناس لمختلف منه الحسنة المورثة للجنة ومنه السيئة الموجبة للنار. من أعطى واتقى: أي حق الله وأنفق في سبيل الله واتقى ما يسخط الله تعالى من الشرك والمعاصي. وصدق بالحسنى: أي بالخلف لحديث اللهم أعط منفقا خلفاً. فسنيسره لليسرى: أي فسنيسره للخلة أي الخصلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا ليوجب له به الجنة في الآخرة. وأما من بخل واستغنى: أي منع حق الله والإِنفاق في سبيل الله واستغنى بماله عن الله فلم يسأله من فضله ولم يعمل عملا صالحا يتقرب به إليه. وكذب بالحسنى: أي بالخلف وما ثتمره الصدقة والإِيمان وهو الجنة. فسنيسره للعسرى: فسنهيئه للخلة العسرى وهي العمل بما يكرهه الله ولا يرضاه ليكون قائده إلى النار. إذا تردى: أي في جهنم فسقط فيها. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلْلَّيْلِ} أقسم تعالى بالليل {إِذَا يَغْشَىٰ} بظلامه الكون، وبالنهار {إِذَا تَجَلَّىٰ} أي تكشف وظهر وهما آيتان من آيات الله الدالتان على ربوبيته تعالى الموجبة لألوهيته، وأقسم بنفسه جل وعز فقال {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي والذي خلق الذكر والأنثى آدم وحواء ثم سائر الذكور وعامة الإِناث من كل الحيوانات وهو مظهر لا يقل عظمة على آيتي الليل والنهار والمقسم عليه أو جواب القسم هو قوله {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} أي إن عملكم أيها الناس لمختلف منه الحسنات الموجبة للسعادة والكمال في الدارين ومنه السيئات الموجبة للشقاء في الدارين أي دار الدنيا ودار الآخرة. وبناءً على هذا {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} حق الله في المال فأنفق وتصدق في سبيل الله {وَٱتَّقَىٰ} الله تعالى فآمن به وعبده ولم يشرك به {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} التي هي الخلف أي العوض المضاعف الذي واعد به تعالى من ينفق في سبيله في قوله {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} تفسير : [سبأ: 39] وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الصحيح "حديث : ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا"تفسير : ، فَسَيُهيِّئُهُ للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا ويثيبه عليه في الآخرة بالجنة {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} بالمال فلم يعط حق الله فيه ولم يتصدق متطوعا في سبيل الله {وَٱسْتَغْنَىٰ} بماله وولده وجاهه فلم يتقرب إلى الله تعالى بطاعته في ترك معاصيه ولا في أداء فرائضه وكذب بالخلف من الله تعالى على من ينفق في سبيله {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} أي فسنهيئه للخلة العسرى وهي العمل بما يكره الله تعالى ولا يرضاه من الذنوب والآثام ليكون ذلك قائده إلى النار. وقوله تعالى {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} يخبر تعالى بأن من بخل واستغنى وكذب بالحسنى حفاظا على ماله وشحا به وبخلا أن ينفقه في سبيل ربه هذا المال لا يغني عنه شيئا يوم القيامة إذا ألقي به في نار جهنم فتردى ساقطا فيها على أم رأسه كما قال تعالى {أية : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} تفسير : [القارعة: 8] أي لعدم الحسنات الكافية فيها {أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 9-11]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عظمة الله وقدرته وعلمه الموجبة لربوبيته المقتضية لعبادته وحده دون سواه. 2- تقرير القضاء والقدر وهو أن كل إنسان ميسر لما خلق له من سعادة أو شقاء لحديث حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق لهتفسير : ، مع تقرير أن من وفق للعمل بما يرضى الله تعالى كان ذلك دليلا على أنه مكتوب سعيدا إذا مات على ما وفق له من العمل الصالح. وأن من وفق للعمل المسخط لله تعالى كان دليلا على أنه مكتوب شقاوته إن هو مات على ذلك. 3- تقرير أن التوفيق للعمل بالطاعة يتوقف حسب سنة الله تعالى على رغبة العبد وطلبه ذلك والحرص عليه واختياره على غيره وتسخير النفس والجوارح له. كما أن التوفيق للعمل الفاسد قائم على ما ذكرنا في العمل الصالح وهو اختيار العبد وطلبه وحرصه وتسخير نفسه وجوارحه لذلك هذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه.

القطان

تفسير : يغشى: يغطي، يعمّ ظلامه. تجلّى: ظهر وسطع ضوؤه. الذكَر والانثى: ان هذين الصنفين هما أصل حفظ النوع. أعطى: بذل ماله. اتقى: ابتعد عن الشر وعمل بما يرضي الله. الحسنى: كل عمل خير، والجنة. اليسرى: ما يؤدي الى الراحة والنعيم. استغنى: عن عبادة الله وبخل بماله. للعسرى: كل ما يؤدي الى العذاب. تردّى: هلك. تلظّى: أصلها تتلظى، تلتهب ومنه لظى، اسم من اسماء جهنم. يصلاها: يحترق بها. وسيجنَّبُها الأتقى: يبعد عنها. يتزكى: يتطهر. من نعمة تُجزى: من نعمة يكافأ بها. ابتغاء وجه ربه: طلب رضاه وثوابه. {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} يقسِم الله تعالى بهذه الظواهرِ المتقابلة في الكون، وفي الناس، أنَّ سَعْيَ الناسِ مختلفٌ، وطُرُقَهم مختلفة. وهو يقسم باللّيل حين يغشَى البسيطة ويغمرها بظلامه، وبالنهارِ حين يتجلّى ويظهرُ في تجلّيه كلُّ شيء، وبالله القادرِ الذي خلقَ الزوجَين: الذكر والانثى - أن اعمالكم أيها الناس لمختلفة، بعضها ضَلالٌ يستحقّ العذابَ، وبعضُها هدىً ونورٌ يستحق النعيم. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} بعد أن أشار الى اختلاف أعمالِ الناس في أنواعها وصفاتها - أَخذَ يفصّل هذا الاختلافَ ويبين عاقبَةَ كلٍ منها: فأما من أنفقَ في سبيل الله وخافَ ربَّه واتقاه، وصدَّق بإخلاصٍ بالفضيلة الحسنى، (وهي الايمانُ بالله عن عِلم) فسنهيّئُه الى اليُسر والراحة بتوجيهِه الى الخير. ومن يسَّره الله لليُسرى فقد وَصَل وسَلم. وأما من بخِل بماله، واستغنى عن ربّه وهُداه، وكذّب بدعوتِه ودينه - فإن الله تعالى يُعسِّر عليه كلَّ شيء، ويَحْرِمه التيسير، ويكونُ من أهل الشقاءِ الأبدي. {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} لن ينفعَه ماله إذا هلك وهوى في نارِ جهنم. ثم تحدّث عن مصير كل فريق، وان ما يلاقيه كلُّ فريقٍ من عاقبةٍ، ومن جزاء هو عدلٌ وحق. {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. إن علينا بمقتضى حِكمتنا ان نبين للخلقِ طريقَ الهدى، وإن لنا وحدَنا أمرَ التصرف في الدارَيْن: الدنيا والآخرة، فبعدَ هذا البيانِ أحذّركم من نار جهنم التي تلتهب لا يدخُلها على صفةِ الدوام إلا الكافر الذي كذّب بالحق وأعرضَ عن آيات ربّه. {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} وسيُبْعَد عن نار جهنم التقيُّ النقيُّ المخلِص في إيمانه، الّذي ينفق مالَه في وجوه الخير ليطهِّر نفسَه من رِجْسِ البخل. {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} وهذا المؤمنُ الصادق الإيمانِ لا ينفق شيئاً من ماله رِئاءَ الناس، وانما يُنفق من مالِه وليس لأحد عنده يدٌ سابقة يحبُّ ان يجازيَه بها. فهو ينفق لوجهِ الله وابتغاءَ مرضاتِه. ولسوف ينالُ من ربه ما يبتغيه على أكملِ الوجوه حتى يتحقَّق له الرضا. وهو وعدٌ كريم من ربّ رحيم..

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} (1) - يُقْسِمُ تَعَالَى بِاللَّيْلِ حِينَ يَلُفَّ الأَرْضَ وَمَنْ فِيهَا بِظَلاَمِهِ، فَتَخْلُدُ المَخْلُوقَاتُ إِلَى النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ مِنْ عَنَاءِ النَّهَارِ. يَغْشَى - يُغَطِّي الكَوْنَ بِظُلْمَتِهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} النهار فيذهب بضوءه {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} يعني ومن خلق. أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد قال: حدّثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن: أنه كان يقرأ: وما خلق الذكر والأنثى، فيقول: والذي خلق، قال هارون قال أبو عمر وأهل مكة: يقول للرعد: سبحان ما سبّحت له. وقيل: وخلق الذكر والأنثى، وذكر أنّها في قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء: والذكر والأنثى. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معونة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: أمنكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قال: فأشاروا إليّ، فقلت: نعم أنا، فقال: فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية، {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}؟ قال: قلت: سمعته يقرأها (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى). قال لنا: والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها وهؤلاء يريدونني أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ} فلا أُتابعهم. {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} إنّ عملكم لمختلف [وقال عكرمة وسائر المفسرين: السعي: العمل]، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : والناس عاذيان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها ". تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} ماله في سبيل الله {وَٱتَّقَىٰ} ربّه واجتنب محارمه {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} اي بالخلف أيقن بأن الله سبحانه سيخلف هذه، وهذه رواية عكرمة وشهر بن حوشب، عن ابن عباس، يدلّ عليه ما أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن محمد بن جرير قال: حدّثني الحسن بن أبي سلمة بن أبي كبشة قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال: حدّثنا خليل العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم غربت شمسه إلاّ وبعث بجنبتها ملكان يناديان، يسمعهما خلق الله تعالى كلهم إلاّ الثقلين، اللهم أعطِ منفقاً خلفا وأعطِ ممسكاً تلفاً، فأنزل في ذلك القرآن، فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى الى قوله للعسرى ". تفسير : وقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحّاك: وصدّق بالحسنى، بـ (لا إله إلاّ الله). وهي رواية عطية، عن ابن عباس. وقال مجاهد: بالجنة، ودليله قوله سبحانه {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. {فَسَنُيَسِّرُهُ} فسنهيّئه في الدنيا، تقول العرب: يسّرت غنم فلان إذا ولدت أو تهيّأت للولادة، قال الشاعر: شعر : هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا إن يسّرت غنماهما تفسير : {لِلْيُسْرَىٰ} للخلّة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله سبحانه، وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} بالنفقه في الخير {وَٱسْتَغْنَىٰ} عن ربّه فلم يرغب في ثوابه {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} أي للعمل بما لا يرضى الله حتى يستوجب به النار، فكأنه قال: نخذله ونؤذيه إلى الأمرّ العسير، وهو العذاب. وقيل: سندخله جهنم، والعسرى اسم لها. فإنْ قيل: فأي تيسير في العسرى؟ قيل: إذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشر جاز ذلك، كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21] [التوبة: 34] [الانشقاق: 24]. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان محمد بن صي قال: حدّثنا شعبة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي،عن علي بن أبي طالب: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فأخذ عوداً فجعل ينكث في الأرض، فقال: "ما منكم من أحد إلاّ قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكّل؟ فقال "اعملوا فكلٌّ ميسّر"، ثم قرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} الآيات . تفسير : {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} قال مجاهد: مات، وقال قتادة وأبو صالح: هو لحد في جهنم، قال الكلبي: نزلت في أبي سفيان بن حرب. {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} أي بيان الحق من الباطل، وقال الفرّاء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله سبحانه: {أية : وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [النحل: 9]، يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه: إنّ علينا للهدى والإضلال، كقوله: بيدك الخير وسرابيل تقيكم الحر. {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} فمن طلبها من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {تَجَلَّىٰ} انكشف وظهر {شَتَّىٰ} متفرق ومختلف {ٱلْحُسْنَىٰ} الكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد {الْيُسْرَىٰ} الخصلة المؤدية الى اليسر والراحة وهي الجنة {الْعُسْرَىٰ} الخصلة المؤدية إلى العسر والشدة وهي جهنم {تَرَدَّىٰ} هلك وسقط في الهاوية {تَلَظَّىٰ} أصلها تتلظى أي تتلهب وتتوقد {يَصْلاَهَآ} يدخلها ويقاسي حرها. المنَاسَبَة: روي أن بلالاً رضي الله عنه كان عبداً مملوكاً لـ "أُمية بن خلف" وكان سيده يعذبه لإِسلامه، ويخرجه إِذا حميت الشمسُ فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد!! فيقول وهو في تلك الحالة: أحدٌ، أحد، فمرَّ به أبو بكر الصديق وهم يصنعون به ذلك، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين!! فقال له: أنت أفسدته عليَّ فأنقذه مما ترى، فاشتراه أبو بكرٍ منه وأعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إِنما أعتقه ليدٍ كانت له عنده فنزلت {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}. التفسِير: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} أي أُقسمُ بالليل إِذا غطَّى بظلمته الكون، وستر بشبحه الوجود {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} أي وأُقسمُ بالنهار إِذا تجلَّى وانكشف، وأنار العالم وأضاء الكون قال المفسرون: أقسم تعالى بالليل لأنه سكنٌ لكافة الخلق، يأوي فيه الإِنسان والحيوان إِلى مأواه، ويسكن عن الاضطراب والحركة، ثم أقسم بالنهار لأن فيه حركة الخلق وسعيهم إِلى اكتساب الرزق، والحكمة في هذا القسم ما في تعاقب الليل والنهار من مصالح لا تُحصى فإِنه لو كان العمر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لما سكن الإِنسان إلى الراحة، ولاختلت مصالح البشر {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} أي وأُقسمُ بالقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى، من نطفةٍ إِذا تمنى.. أقسم تعالى بذاته على خلق النوعين {ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} للتنبيه على أنه الخالق المبدع الحكيم، إِذْ لا يُعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى يحصل بمحض الصدفة من طبيعة بلهاء لا شعور لها فإِن الأجزاء الأصلية في المنيّ متساوية، فتكوينُ الولد من عناصر واحدة تارةً ذكراً، وتارة أنثى، دليلٌ على أن واضع هذا النظام عالم، بما يفعل، محكم لما يصنع {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} هذا هو جواب القسم أي إِن عملكم لمختلف، فمنكم تقيٌ ومنكم شقي، ومنكم صالحٌ ومنكم طالح، ثم فسَّره بقوله {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} أي فأما من أعطى ماله وأنفق ابتغاء وجه الله، واتقى ربه فكف عن محارم الله قال ابن كثير: أعطى ما أُمر باخراجه، واتقى الله في أموره {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي وصدَّق بالجنة التي أعدَّها الله للأبرار {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} أي فسنهيئه لعمل الخير، ونسهّل عليه الخصلة المؤدية لليسر، وهي فعل الطاعات وترك المحرمات {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ} أي وأمَّا من بخل بإِنفاق المال، واستغنى عن عبادة ذي الجلال قال ابن عباس: بخل بماله، واستغنى عن ربه عزَّ وجل {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي وكذَّب بالجنة ونعيمها {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} أي فسنهيئه للخصلة المؤدية للعسر، وهي الحياة السيئة في الدنيا والآخرة وهي طريق الشر قال المفسرون: سمَّى طريقة الخير يسرى لأن عاقبتها اليسر وهي دخول الجنة دار النعيم، وسمَّى طريقة الشرِّ عسرى لأن عاقبتها العسر وهو دخول الجحيم {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} استفهام إِنكاري أيْ أيُّ شيء ينفعه ماله إِذا هلك وهوى في نار جهنم؟ هل ينفعه المال، ويدفع عنه الوبال؟ {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} أي إِنَّ علينا أن نبيِّن للناس طريق الهدى من طريق الضلالة، ونوضّح سبيل الرشد من سبيل الغي كقوله {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29] {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} أي لنا ما في الدنيا والآخرة، فمن طلبهما من غير الله فقد أخطأ الطريق {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} أي فحذرتكم يا أهل مكة ناراً تتوقَّد وتتوهج من شدة حرارتها {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى} أي لا يدخلها للخلود فيها ولا يذوق سعيرها، إِلاّ الكافر الشقي .. ثم فسَّره تعالى بقوله {ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي كذَّب الرسل وأعرض عن الإِيمان {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} أي وسيبعد عن النار التقيُ النقيُّ، المبالغ في اجتناب الشرك والمعاصي.. ثم فسَّره تعالى بقوله {ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} أي الذي ينفق ماله في وجوه الخير ليزكي نفسه {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ} أي وليس لأحدٍ عنده نعمة حتى يكافئه عليها، وإِنما ينفق لوجه الله قال المفسرون: نزلت الآيات في حقِّ "أبي بكر الصديق" حين اشترى بلالاً وأعتقه في سبيل الله فقال المشركون: إِنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزلت {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} أي ليس له غاية إِلا مرضاة الله {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} أي ولسوف يعطيه الله في الآخرة ما يرضيه وهو وعدٌ كريم من رب رحيم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين لفظة {ٱلأَشْقَى} و{ٱلأَتْقَى} وبين {الْيُسْرَىٰ} و{الْعُسْرَىٰ}. 2- المقابلة اللطيفة {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } وبين {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} الآيات. 3- جناس الاشتقاق {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} لأن اليسرى من التيسير فبينهما مجانسة. 4- حذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع كل مذهب {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ..} الآيات. 5- السجع الرصين غير المتكلف كقوله {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى .. وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} الخ. كان عمر رضي الله عنه يقول: أعتق سيدُنا سيدَنا يريد أعتق سيدنا أبو بكر سيدنا بلالاً، فما أروع هذه النفوس؟ اللهم ارزقنا محبة أصحاب الرسول جميعاً.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9ـ10] ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما يحصل به الخيبة ومفعول يغشى محذوف فاحتمل أن يكون النهار كقوله: {أية : يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [الأعراف: 54] وأن تكون الشمس كقوله: {أية : وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}تفسير : [الشمس: 4] وتجلى انكشف وظهرا إما بزوال ظلمة الليل وإما بنور الشمس أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوي إلى مأواه وبالنهار الذي ينتشر فيه. {وَمَا خَلَقَ} ما مصدرية أو بمعنى الذي والظاهر عموم الذكر والأنثى. {إِنَّ سَعْيَكُمْ} أي مساعيكم. {لَشَتَّىٰ} أي متفرقة ثم فصل هذا السعي فقال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} الآية روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وينفق في رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله وكان الكفار بضده أعطى أي حق الله واتقى الله. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} هي الجنة. {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} أي نهيئه للحالة التي هي أيسر عليه وأهون وذلك في الدنيا والآخرة وهذا من التجنيس المغاير فسنيسره فعل واليسرى إسم وقابل أعطى ببخل وأتقى باستغنى لأنه زهد فيما عند الله تعالى بقوله: {وَٱسْتَغْنَىٰ} للعسرى وهي الحالة السيئة في الدنيا والآخرة وجاء نيسره للعسرى على سبيل المقابلة لقوله: نيسره لليسرى والعسرى لا تيسير فيها وقد يراد بالتيسير التهيئة وذلك يكون في اليسرى والعسرى. {وَمَا يُغْنِي} يجوز أن تكون ما نافية واستفهامية أي وأي شىء يغني عنه ماله. {إِذَا تَرَدَّىٰ} تفعل من الردى أي أهلك. {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} التعريف بالسبل ومنحهم الإِدراك كما قال وعلى الله قصد السبيل. {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} أي ثواب الدارين. {ٱلأَشْقَى} جعل مختصاً بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له، والأتقى جعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له. {يَتَزَكَّىٰ} أي يكون عند الله زاكياً. {مِن نِّعْمَةٍ} من زائدة ونعمة مبتدأ، وتجزي صفة لنعمة ونعمة خبر لأحد. {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ} مفعول له لأن معنى ما قبله ما آتى المال إلا ابتغاء وجه ربه. {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} وعد له بالثواب.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} [الليل: 1] أي: وحق الهوية الغيبية الإلهية المتمكنة في مكمن العماء، المشغي لنقوش الكثرات المترتبة على الأسماء والصفات من شدة بريقها ولمعانها. {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} [الليل: 2] أي: وحق الهوية الشهادية الإلهية، الظاهرة في عالم البروز والجلاء، المظهرة لآثار الأسماء والصفات إظهاراً للحكمة البالغة التي هي ترتب الإيمان والعرفان على تلك الآثار. {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [الليل: 3] أي: وحق القادر الحكيم الذي خلق وقدّر وصوّر برزخ الإنسان المصوَّر على صورة الرحمن، الجامع لعموم مراتب الأكوان؛ حيث ركبَّه وأودع فيه من الحصص اللاهوتية الغيبية والناسوتية الشهادية، ثمَّ كُلِّف بالتكاليف الشاقة؛ ليترقى من حضيض الناسوت إلى ذروة اللاهوت؛ لذلك استخلفه واطصفاه وانتخبه من عموم مظاهره؛ ليترتب على مرتبة هذه المصلحة العليّة والخصلة السنيّة، وإنما خلقه زوجاً؛ ليدوم في نشأة الشهادة وجود مرتبته التي هي الغاية القصوى لنشأة الشهادة. ثمَّ قال سبحانته جواباً للقسم، مخاطباً على أفراد الإنسان؛ تربية لهم وتنبيهاً على مفاسدهم ومصالحهم: {إِنَّ سَعْيَكُمْ} الذي سيعتم به أيها المكلفون في نشأة الاختبار {لَشَتَّىٰ} [الليل: 4] مختلفة متفاوتة حسب تفاوت ما أودع الله فيكم من الحصص المذكورة. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} مما ساق له الحق من الرزق الصوري والمعنوي، مقارناً للخشوع والخضوع وخلوص النية والطوية وأنواع الطاعات والعبادات المأمورة له {وَٱتَّقَىٰ} [الليل: 5] عن مطلق المحارم والمنهيات التي وردت الزواجر الإلهية فيها. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} [الليل: 6] أي: صدّق بعموم مقتضيات الأسماء الإلهية وبآثار صفاتها العليا التي لا تُعدّ ولا تُحصى. {فَسَنُيَسِّرُهُ} أي: نُعدُّه ونوفِّقه {لِلْيُسْرَىٰ} [الليل: 7] للطريق السهلة الموصلة إلى مقصد التوحيد، والمعرفة المنجية عن غياهب الشكوك وظلمَّات الأوهام. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ} ولم ينفق على مقتضى ما أمره الحق {وَٱسْتَغْنَىٰ} [الليل: 8] عن مقتضيات الأسماء {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} [الليل: 9]. {فَسَنُيَسِّرُهُ} ونستعده {لِلْعُسْرَىٰ} [الليل: 10] أي: للطريق العَسِرة الوعرة، التي هي طريق الكفر والمعصية المؤدية إلى أودية الشهوات الإمكانية، المستلزمة للدركات النيرانية. {وَ} بعدما نأخذه في النشأة الأخرى بسبب بخله وكفره {مَا يُغْنِي} يكف ويدفع {عَنْهُ مَالُهُ} شيئاً من غضب الله {إِذَا تَرَدَّىٰ} [الليل: 11] أي: هوى وهلك في قعر جهنم الإمكان وسعير النيران.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا ساكن القالب الظلماني وطالب النور الروحاني، إن الله تعالى يقسم باللطيفة الجلالية المظهر بها ليل القالب، المظلمة بها نهار الروح لكمال قدرته وإظهار حكمته حيث يقول: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} [الليل: 1] وابتدأ بالليل في هذا المقام لأن ابتداء خلقك في عالم الشهادة تخمير طينة قالبك، وقيده بقوله: {إِذَا يَغْشَىٰ}؛ لأن ظلمة ليل القالب في البداية تغشى جميع الأسرار التي كانت في طي الطينة مستودعة، {وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ} [الليل: 2]؛ يعني: بحق اللطيفة الجلالية التي أودعناها في النهار الروحاني تتنور بها ظلمة القلب، ويطلع السالك على الودائع المسكنة في قالبه وقت التخمير؛ وهي الأمانة التي أشار إليها حيث قال: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72]. {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} [الليل: 3]؛ أي: بحق من خلق اللطائف الفاعلية والقالبية التي أودعناها في روحك وشخصك، {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} [الليل: 4]؛ لتفاوت الاستعدادات التي تتعلق بالفاعلية القالبية مما جعلناه فيك، {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} [الليل: 5] جهده في طاعة الله وماله من القوى والاستعدادات للحق، {وَٱتَّقَىٰ} [الليل: 5] عن الباطل {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} [الليل: 6]؛ أي: صدق ربه فيما أوحى على لسان سر نبيه إليه بوجود الجنة التي هي الثمرة، التي حصلت من الشجرة الطيبة الإنسانية بذرها الكلمة الروحانية {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} [الليل: 7]؛ أي: نيسره بالحقائق المودعة في اللطائف لعمل يوصله إلى يسر الأبد ويسار السرمد {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ} [الباطل: 8] من القوى الحقانية التي أعطيناها له، واستغنى وجعل نفسه مستغنياً عن الأعمال بالقوى التي أعطيناها ليكتسب بها السعادات السرمدية {وَكَذَّبَ} [الليل: 9] الله ونبيه {بِٱلْحُسْنَىٰ} [الليل: 9] التي هي الباقية للعمى الحاصل له من خيار الهوى الصارف إياه عن المولى. {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} [الليل: 10]؛ أي: نيسره بتلك القوى ليبطل بها حقوقها في طلب ظوظه العاجلة، ويعسر عليه الاشتغال بما ينفعه في الآخرة بتوجهه إلى حظ نفسه وبطلان استعداده وقواه في استعمالها في غير حقه {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} [الليل: 11]؛ أي: يبطل استعداده وأخذ منه الآلة وأدواته وأهوي في هاوية هواه ما يغني عنه قواهم {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} [الليل: 12]؛ أي: نودع فيك اللطائف ونبين على لسان بشريتك ما كان في هداك {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} [الليل: 13] فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ الطريقان أولاك اشتغالك بحظوظك العاجلة النفسانية الهووية الشهورية وأُخراك توجهك إلى الحقائق الباقية المودعة فيك أولاك وأُخراك، ولا يتخرج عنك ولا يطلب من غيرك؛ لأن الحق معك كما يقول تعالى: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4] لئلا تغلط وتضل وتزل عن الصراط المستقيم وتهوي إلى الجحيم. {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} [الليل: 14]؛ أي: أخبرتكم بما أودعت فيكم وأنذرتكم بالنار التي هي كافية في حجر قابلكم معجونة بطينتكم تتلظى من اشتغالكم تلك النار بالشهوات الباطلة، وتبغي بعد خراب قالبكم وهي نار الحسرة

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، فقال: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب. { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } للخلق، فاستضاءوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم. { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقسامًا بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان قسمًا بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرًا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبًا للآخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } هذا [هو] المقسم عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيًرا، وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة [ونحوهما] { وَاتَّقَى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف أجناسها. { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } أي: صدق بـ " لا إله إلا الله " وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء الأخروي. { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ميسرا له كل خير، ميسرًا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له ذلك. { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، { وَاسْتَغْنَى } عن الله، فترك عبوديته جانبًا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي تقصده وتتوجه إليه. { وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى } أي: بما أوجب الله على العباد التصديق به من العقائد الحسنة. { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } أي: للحالة العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسرًا للشر أينما كان، ومقيضًا له أفعال المعاصي، نسأل الله العافية. { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ } الذي أطغاه واستغنى به، وبخل به إذا هلك ومات، فإنه لا يصحبه إلا عمله الصالح. وأما ماله [الذي لم يخرج منه الواجب] فإنه يكون وبالا عليه، إذ لم يقدم منه لآخرته شيئًا. { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } أي: إن الهدى المستقيم طريقه، يوصل إلى الله، ويدني من رضاه، وأما الضلال، فطرق مسدودة عن الله، لا توصل صاحبها إلا للعذاب الشديد. { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى } ملكًا وتصرفًا، ليس له فيهما مشارك، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين. { فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى } أي: تستعر وتتوقد. { لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى الَّذِي كَذَّبَ } بالخبر { وَتَوَلَّى } عن الأمر. { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى } بأن يكون قصده به تزكية نفسه، وتطهيرها من الذنوب والعيوب، قاصدًا به وجه الله تعالى، فدل هذا على أنه إذا تضمن الإنفاق المستحب ترك واجب، كدين ونفقة ونحوهما، فإنه غير مشروع، بل تكون عطيته مردودة عند كثير من العلماء، لأنه لا يتزكى بفعل مستحب يفوت عليه الواجب. { وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } أي: ليس لأحد من الخلق على هذا الأتقى نعمة تجزى إلا وقد كافأه بها، وربما بقي له الفضل والمنة على الناس، فتمحض عبدًا لله، لأنه رقيق إحسانه وحده، وأما من بقي عليه نعمة للناس لم يجزها ويكافئها، فإنه لا بد أن يترك للناس، ويفعل لهم ما ينقص [إخلاصه]. وهذه الآية، وإن كانت متناولة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل قد قيل إنها نزلت في سببه، فإنه -رضي الله عنه- ما لأحد عنده من نعمة تجزى، حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا نعمة الرسول التي لا يمكن جزاؤها، وهي [نعمة] الدعوة إلى دين الإسلام، وتعليم الهدى ودين الحق، فإن لله ورسوله المنة على كل أحد، منة لا يمكن لها جزاء ولا مقابلة، فإنها متناولة لكل من اتصف بهذا الوصف الفاضل، فلم يبق لأحد عليه من الخلق نعمة تجزى، فبقيت أعماله خالصة لوجه الله تعالى. ولهذا قال: { إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } هذا الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات، والحمد لله رب العالمين.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} 696 - أنا أحمدُ بن سُليمان، نا مسكين بن بُكيرٍ، عن شعبة، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمنا الشَّام فدخلتُ مسجد دِمشق على أبي الدَّرداء، فقال: كيف يقرأُ عبد اللهِ {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}؟ قال: هكذا كان يقرؤُها عبدُ اللهِ. قال أبو الدَّرداء: سمعتها هكذا من رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم. 697 - نا عليُّ بن حُجرٍ، أنا إسماعيل، عن داود وأنا الحسنُ بن قزعة، أنا [مسلمة] بن علقمة، عن داود، عن عامرٍ، أنَّ علقمة بن قيسٍ قال: قدمتُ الشَّام فلقيتُ أبا الدَّرداء فقال: من أين أنت؟ قال من أهل العراقِ، قال من أيِّهم؟ قلتُ من أهل الكوفة، قال فتقرأُ على قراءة ابن أُمِّ عَبدٍ؟ قلت نعم، قال اقرأ عليَّ {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} فقرأتُ عليه: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} قال: سمعتُها هكذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. - واللَّفظُ لِلحسنِ.

همام الصنعاني

تفسير : 3634- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}: [الآية: 3]، قال: في بعض الحروف: والذَّكر والأنثى. 3637- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام، فأتاهم أبو الدرداء، فقال: هَلْ فيكم أحَدٌ يقرأ كما كانَ عبد الله بن مسعود يقرأ؟ قالوا: نعم، فقالوا لعلقمة: اقرأ علينا، قال: فقرأ: {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * ... ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}: [الآية : 1-2-3]، فقال أبو الدرداء: أأنت سمعت هذا من عبد الله بن مسعود؟ فقال: نعم، فقال أبو الدرداء: والله لسمعتها من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ولكن هؤلاء لا يعلمون.