٩٢ - ٱللَّيْل
92 - Al-Lail (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي قوله {أعطى} وجهان: أحدهما: أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجباً أو نفلاً، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله: {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } تفسير : [الأنفال: 3] فإن المراد منه كل ذلك إنفاقاً في سبيل الله سواء كان واجباً أو نفلاً، وقد مدح الله قوماً فقال: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } تفسير : [الإنسان: 8] وقال في آخر هذه السورة: {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الليل: 17-20]، وثانيهما: أن قوله: {أَعْطَىٰ } يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى، يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله: {وَٱتَّقَىٰ } فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقياً أن يكون محترزاً عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] وقوله: {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } فالحسنى فيها وجوه أحدها: أنها قول لا إله إلا الله، والمعنى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم، وهو كقوله: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ }تفسير : [البلد:14] إلى قوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البلد: 17] وثانيها: أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل: أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها: أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله: {أية : وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ }تفسير : [سبأ: 39] والمعنى: أعطى من ماله في طاعة الله مصدقاً بما وعده الله من الخلف الحسن، وذلك أنه قال: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 261] فكان الخلف لما كان زائداً صح إطلاق لفظ الحسنى عليه، وعلى هذا المعنى: {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي لم يصدق بالخلف، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود، كما قال بعضهم: منع الموجود، سوء ظن بالمعبود، وروي عن أبي الدرداء أنه قال: «حديث : ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين. اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً»تفسير : ورابعها: أن الحسنى هو الثواب، وقيل: إنه الجنة، والمعنى واحد، قال قتادة: صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود، قال القفال: وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة، قال الله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ }تفسير : [التوبة: 52] يعني النصر أو الشهادة، وقال تعالى: {أية : وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } تفسير : [الشورى: 23] فسمى مضاعفة الأجر حسنى، وقال: {أية : إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ }تفسير : [فصلت: 50]. وأما قوله: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجوه أحدها: أنها الجنة وثانيها: أنها الخير وقالوا في العسرى: أنها الشرك وثالثها: المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه ورابعها: اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولاً، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله، وقالوا: في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية، قال القفال: ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة، وذلك لأن الأعمال بالعواقب، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة، فإن ذلك من اليسرى، وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى، وذلك وصف كل المعاصي. المسألة الثانية: التأنيث في لفظ اليسرى، ولفظ العسرى فيه وجوه أحدها: أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال، فوجه التأنيث ظاهر، وإن كان المراد عملاً واحداً رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود(ة) إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث إلى العود(ة)، وكأنه قال: فسنيسره للعود(ة) التي هي كذا وثانيها: أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال: للطريقة اليسرى والعسرى وثالثها: أن العبادات أمور شاقة على البدن، فإذا علم المكلف أنها تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه، بسبب توقعه للجنة، فسمى الله تعالى الجنة يسرى، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى وقوله: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } بالضد من ذلك. المسألة الثالثة: في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه: وذلك لأن من فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة بسهولة وإكرام، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ }تفسير : [الرعد: 24,23] وقوله: {أية : طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الزمر: 73] وقوله: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 24] وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين والمنافقين من الكسل، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ } تفسير : [البقرة: 45] وقال: {أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى }تفسير : [النساء: 142] وقال: {أية : مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلاْرْضِ } تفسير : [التوبة: 38] فكان التيسير هو التنشيط. المسألة الرابعة: استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان، فقالوا: إن قوله تعالى: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية، وقوله: {فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة، وإذا دلت الآية على حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومعلوم أن حال الاستواء يمتنع الرجحان، فحال المرجوحية أولى بالامتناع، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض. أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه أحدها: أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور، قال تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] وقال:{أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [الإنشقاق: 24] فلما سمى الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيراً لليسرى، سمى ترك هذه الألطاف تيسيراً للعسرى وثانيها: أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له دون الفاعل. كما قيل في الأصنام: {أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36] وثالثها: أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه والجواب: عن الكل أنه عدول عن الظاهر، وذلك غير جائز، لاسيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع، ثم إن أصحابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار، قلنا: أفلا نتكل؟ قال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له» تفسير : أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله، كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا جواباً عن سؤالهم، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله، وهذا يدل على قولنا: أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير، والله أعلم. المسألة الخامسة: في دخول السين في قوله: {فَسَنُيَسّرُهُ } وجوه أحدها: أنه على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين، كما في قوله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } تفسير : إلى قوله {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 21] وثانيها: أن يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصياً، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعاً، فهذا السبب كان التغيير فيه محالاً وثالثها: أن الثواب لما كان أكثره واقعاً في الآخرة، وكان ذلك مما لم يأت وقته، ولا يقف أحد على وقته إلا الله، لا جرم دخله تراخ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر، والله أعلم. أما قوله تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ } قال ابن مسعود: يعني أبا بكر رضي الله عنه؛ وقاله عامة المفسرين. فروِي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يُعْتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بني! لو أنك أعتقت رجالاً جُلْداً يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} أي بذل. {وَٱتَّقَىٰ } أي محارم الله التي نَهَى عنها. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي بالخَلَف من الله تعالى على عطائه. {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ومَلَكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خَلَفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تَلَفاً » تفسير : . وروي من حديث أبي الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما من يوم غَرَبَت شمسه إلا بُعِث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثَّقَلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأَعطِ ممسِكاً تلفاً » تفسير : فأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ}... الآيات. وقال أهل التفسير: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} المُعْسِرين. وقال قتادة: أعطى حق الله تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي بلا إله إلا الله؛ قاله الضحاك والسلمي وابن عباس أيضاً. وقال مجاهد: بالجنة؛ دليله قوله تعالى: { أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26]... الآية. وقال قتادة: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. زيد بن أسلم: بالصلاة والزكاة والصوم. الحسن: بالخَلَف من عطائه؛ وهو اختيار الطبريّ. وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة. الثانية: قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: «لليسرى» للجنة. وفي الصحيحين والترمذي « حديث : عن عليّ رضي الله عنه قال: كنا في جنازة بالبقِيع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: «ما مِن نفسٍ منفوسةٍ إلا قد كتِب مدخلها» فقال القوم: يا رسول الله، أفلا نتكِل على كتابنا؟ فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء. قال: «بل اعملوا فكل ميسر؛ أما من كان من أهل السعادة فإنه يُيَسَّر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء ـ ثم قرأ ـ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ }» » تفسير : لفظ الترمذيّ. وقال فيه: حديث حسن صحيح. « حديث : وسأل غلامان شابان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم في شيء يستأنف؟ فقال عليه السلام: «بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لعمل الذي خلق له» » تفسير : قالا: فالآن نجِد ونعمل. الثالثة: قوله تعالى: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ } أي ضنّ بما عنده، فلم يبذل خيراً. وقد تقدّم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة «آل عمران». وفي الآخرة مآله النار، كما في هذه الآية. روى الضحاك عن ابن عباس {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن ابن عباس: «وأما من بخِل واستغنى» يقول: بخِل بمالِه، واستغنى عن ربه. {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي بالخلف. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: «وكذب بِالحسنى» قال: بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال: «بالحسنى» أي بلا إلٰه إلا الله. {فَسَنُيَسِّرُهُ} أي نسهل طريقه. {لِلْعُسْرَىٰ } أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدّم: أن الملك ينادي صباحاً ومساءً: « حديث : اللهم أعطِ منفِقاً خلفاً، وأعط ممسِكاً تلفاً » تفسير : . رواه أبو الدرداء. مسألة: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: { أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 3]، وقوله: { أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } تفسير : [البقرة: 274] إلى غير ذلك من الآيات ـ أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجراً وحمداً فهو الجواد. وكل من استحق بالمنع ذماً أو عقاباً فهو البخيل. ومن لم يستفد بالعطاء أجراً ولا حمداً، وإنما استوجب به ذماً فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذِّرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجْر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقاباً ولا ذماً، واستوجب به حمداً، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم. الرابعة: قال الفراء: يقول القائل: كيف قال: «فسنيسره للعسرى»؟ وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل: { أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21]، والبِشارة في الأصل على المفرح والسارّ، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعاً. قال الفراء: وقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ}: سنهيئه. والعرب تقول: قد يَسَّرَتِ الغنم: إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال: شعر : هما سيدانا يزعمان وإنما يَسُودانِنا أن يَسَّرتْ غَنماهما
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } حق الله {وَٱتَّقَىٰ } الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَنْ أَعْطَى} أبو بكر رضي الله تعالى عنه أعطى حق الله تعالى عليه أو أعطى الله تعالى الصدق من قلبه أو أعطى من فضل ماله "ع" {وَاتَّقَى} ربه أو محارمه التي نهى عنها أو اتقى البخل.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ}. قال ابن مسعود - رضي الله عنه - يعني أبا بكر، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} أي: بذل واتقى محارم الله التي نهي عنها {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ يَومٍ غَربت شَمْسهُ إلا بُعِثَ بجَنْبتها مَلكانِ يُنَاديانِ يَسْمَعُهمَا خلقُ اللهِ كُلُّهم إلاَّ الثَّقليْنِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقاً خَلفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلفاً ". تفسير : وأنزل الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ}... الآيات. فصل حذف مفعول "أعطى" ومفعول "اتقى"، ومفعول "صدّق" المجرور بـ "على"، لأن الغرض ذكرُ هذه الأحداث دون متعلقاتها، وكذلك متعلقات البخل والاستغناء، وقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} إما من باب المقابلة لقوله {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} وإما نيسرهُ: بمعنى نهيئه، والتهيئة تكون في العسر واليسر. فصل في المراد بالإعطاء قال المفسرون: "فأمَّا مَنْ أعْطَى" المعسرين. وقال قتادة: أعطى حق الله الواجب. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى، أي بلا إله إلا الله، وهو قول ابن عباس والضحاك والسلمي رضي الله عنهم. وقال مجاهد: بالجنة؛ لقوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس: 26]. وقال زيد بن أسلم: في الصلاة والزكاة والصوم. وقوله: "فسنيسره لليسرى" أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: لليسرى؛ للجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "مَا مِن نَفسٍ إلاَّ كتَبَ اللهُ - تَعَالَى - مَدخَلهَا" فقال القَوْمُ: يَا رسُولَ اللهِ، أفَلا نَتَّكِلُ على كِتَابِنَا؟ فقَال - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "بَل اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، فمن كانَ من أهْلِ السَّعَادةِ فإنَّهُ مُيَسَّرٌ لعملِ أهْلِ السَّعادةِ، ومن كَانِ مِنْ أهْلِ الشَّقَاوةِ فإنَّهُ ميسَّرٌ لعملِ أهْلِ الشَّقاوةِ" ثُمَّ قَرَأ: {فأما من أعْطَى واتَّقَى، وصَدقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} ". تفسير : قوله: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ}. أي: ضنَّ بما عنده فلم يبذل خيراً، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}، قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال نزلت في أمية بن خلف. وعن ابن عباس: {وأمَّا من بَخِلَ واسْتَغَنَى}، أي: بخل بماله واستغنى عن ربه {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} تفسير : [سبأ: 39]. [وقال مجاهد: وكذب بالحسنى أي بالجنة، وعنه: بلا إله إلا الله. فنيسره للعسرى أي نسهل عليه طريقة العسرى للشر، وعن ابن مسعود: أي للنار]. قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} يدل على أن التوفيق والخذلان من الله تعالى لأن التيسير يدل على الرجحان ولزم الوجوب، لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومع الاستواء لا ترجيح فحال المرجوحية أولى بالامتناع، ومتى امتنع أحد الطرفين وجب الآخر إذ لا خروج عن النقيضين. أجاب القفال: أنه من باب تسمية أحد الضدين باسم الآخر، كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} تفسير : [الشورى: 40] فسمى الله الألفاظ الداعية إلى الطَّاعة تيسيراً لليسرى، وسمى ترك هذه الألفاظ تيسيراً للعسرى، أو هو من باب إضافة الفعل إلى السبب دون الفاعل، كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً} تفسير : [إبراهيم: 36]، أو يكون على سبيل الحكم، والإخبار عنه. وأجيب بأن هذا كلهُ عدول عن الظاهر، والظاهر من جهتنا وهو المقصود من الحديث المتقدم: "حديث : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنفوسةٍ ". تفسير : قال القفال: معنى الحديث: أن النَّاس خلقوا للعبادة، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]، وهذا ضعيفٌ؛ لأن هذا جواب عن قولهم: "ألا نتكل"؟ فقال: اعملوا فكلٌّ ميسر، لما وافق معلوم الله تعالى. فصل في اليسرى والعسرى التأنيثُ في "اليُسرَى" و "العُسرَى" إن أريد جماعة الأعمال فظاهر، وإن أريد عمل من الأعمال باعتبار الخصلة، أو الفعلة، أو الطريقة، فمن فسر اليسرى بالجنة، فتيسيرها بإكرام، وسهولة، ومن فسرها بالخير، فتيسيره حضّه عليه ونشاطه، بخلاف المنافق والمرائي، ودخلت السين في "فَسنُيسِّرهُ" بمعنى الترجي، وهذا يفيد القطع من الله تعالى، أو لأن الأعمال بالخواتيم، فقد يعصي المطيع، وبالعكس، أو لأن أكثر الثواب يكون بالآخرة، وهي متأخرة. قوله: {وَمَا يُغْنِي}، يجوز أن تكون "ما" نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً، وأن تكون استفهاماً إنكارياً، أي: أيُّ شيء يغني عنه ماله إذا هلك، ووقع في جهنم وتردى، ويروى إما من الهلاك يقال: ردي الرجل يردي، إذا هلك؛ قال: [الطويل] شعر : 5226- صَـرَفْتُ الهَــوَى عَنهُــنَّ مِــنْ خَشْيَــةِ الــرَّدَى تفسير : وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: تردى، أي سقط في جهنم، ومنه "المتردية"، ويقال: ردي من في البئر وتردى: إذا سقط في بئر أو نهر أو من جبل، ويقال: ما أدري أين ردى أي أين ذهب. ويحتمل أن يكون من تردى، وهو كناية عن الموت؛ كقوله: [الكامل] شعر : 5227- وخُطَّا بأطْرافِ الأسنَّةِ مَضْجعِي ورُدَّا عَلى عيْنيَّ فضْلَ رِدائِيَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 5228- نَصِيبُكَ ممّا تَجْمَعُ الـدَّهْرَ كُلَّـهُ رِداءانِ تُلْـوَى فِيهِمَـا وحَنُـوطُ
التستري
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ}[5-6] أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعطى من نفسه وماله مجهوده، واتقى سكونه إلى نفس الطبع، وصدق بالحسنى كلمة التوحيد. وقيل: بالجزاء، ويقال: هو الإخلاص.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: أعطى الدارين، ولم يرهما شيئًا فى طلب رضا الله واتقى اللغو، والشبهات وصدق بالحسنى أقام على طلب الزلفى. قال سهل رحمه الله: المعرفة. وقال بعضهم: العافية فى الدنيا، والمغفرة فى العقبى.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}. {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} من مالِه، {وَٱتَّقَىٰ} مخالفةَ ربِّه.. ويقال: {أَعْطَىٰ} الإنصافَ من نَفْسِه، {وَٱتَّقَىٰ} طَلَبَ الإنصافِ لنفسِه... ويقال: "اتقى" مساخِطَ الله. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ}: بالجنة، أو بالكَرَّةِ الآخرة، وبالمغفرةِ لأهل الكبائر، وبالشفاعة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالخَلَفِ من قِبَل الله... فسَنُيَسِّرهُ لليُسْرَى: أي نُسَهِّلُ عليه الطاعاتِ، ونُكَرِّهُ إليه المخالفاتِ، ونُشَهِّي إليه القُرَبَ، ونُحبِّبُ إليه الإيمان، ونُزَيِّن في قلبه الإحسان. ويقال: الإقامة على طاعته والعود إلى ما عمله من عبادته. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}. أما من مَنَعَ الواجبَ، واستغنى في اعتقاده، وكَذَّب بالحسنى: أي بما ذَكَرْنا، فسينسره للعسرى؛ فيقع في المعصية ولم يُدَبِّرْها، ونوقف له أسبابَ المخالفة. ويقال: "أعطى" أعْرَضَ عن الدارين، "واتَّقى" أن يجعل لهما في نفسه مقداراً. قوله جل ذكره: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}. يعني: إذا مات.. فما الذين يغني عنه ماله بعد موته؟ قوله جل ذكره: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ}. لأوليائنا، الذين أرشدناهم. ويقال: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} بنصيب الدلائل. {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ}. مُلْكاً، نعطيه من نشاء. {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ}. أي: تتلظَّى. {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى}. أي: لا يُعَذَّبُ بها إلاَّ الأشقى، وهو: {ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. يعني: كَفَرَ. {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ}. يُعْطى الزكاة المفروضة. ويقال يَتَطهَّر من الذنوب. ونزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والآية عامة.
البقلي
تفسير : اى بذل وجوده والكونين وتبرأ من الدارين لمشاهدة الله ووصاله واتقى من رؤية الاعواض ومعارضة النفس والنظر الى غير الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما} تفصيل لتلك المساعى المشتتة وتبيين لاحكامها {من اعطى} حقوق ماله {واتقى} محارم الله التى نهى عنها ومن جملتها المن والاذى.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ} من ماله لله، ومن جاهه وعرضه، ومن قوّة قواه وحركات اعضائه، ومن قوّته المتخيّلة والعاقلة {وَٱتَّقَىٰ} من البخل ومن الاعطاء فى غير طلب رضا الله، وهذا اشارة الى الكمال العملىّ.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} الفقير حق الله {وَاتَّقَى} الله وقيل من أعطى الطاعة واتقى المعصية.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ } الخ تفصيل مبين لتفرقها واختلافها في ذلك وجوز أن يراد باختلافها كون البعض طالباً لليوم المتجلي والبعض طالباً لليل الغاشي وبعضها مستعاناً بالذكر وبعضها مستعاناً بالأنثى فيكون الجواب شديد المناسبة بالقسم ولا يخفى بعده وركاكته. والظاهر أن المراد بالإعطاء بذل المال ومن هنا قال ابن زيد المراد إنفاق ماله في سبيل الله تعالى وقال قتادة المعنى أعطى حق الله تعالى وظاهره الحقوق المالية. {وَٱتَّقَىٰ } أي واتقى الله عز وجل كما قال ابن عباس وفي معناه قول قتادة واتقى ما نهي عنه وفي رواية محارم الله تعالى وقال مجاهد واتقى البخل وهو كما ترى. {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ } أي بالكلمة الحسنى وهي كما قال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره وروي ذلك عن ابن عباس لا إلٰه إلا الله أو هي ما دلت على حق كما قال بعضهم وتدخل كلمة التوحيد دخولاً أولياً أو بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام وقال عكرمة وجماعة وروي عن ابن عباس أيضاً هي المثوبة بالخلف في الدنيا مع المضاعفة وقال مجاهد الجنة وقيل المثوبة مطلقاً ويترجح عندي أن الإعطاء إشارة إلى العبادة المالية والاتقاء إشارة إلى ما يشمل سائر العبادات من فعل الحسنات وترك السيآت مطلقاً والتصديق بالحسنى إشارة إلى الإيمان بالتوحيد أو بما يعمه وغيره مما يجب الإيمان به وهو تفصيل شامل للمساعي كلها. وتقديم الإعطاء لما أنه سبب النزول ظاهراً فقد أخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال قال أبو قحافة لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقيمون دونك فقال يا أبه إنما أريد ما أريد فنزلت {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} [الليل: 5] إلى {أية : وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ}تفسير : [الليل: 19] وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه فأنزل الله تعالى {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }تفسير : [الليل: 1] إلى قوله سبحانه {أية : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ}تفسير : [الليل: 4] وكذا على القول بأنها نزلت في أبـي الدحداح. ولما كان الإيمان أمراً معتنى به في نفسه أخر عن الاتقاء ليكون ذكره بعده من باب ذكر الخاص بعد العام مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة. وقيل المراد أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الدالة على الحق ككلمة التوحيد وفيه أن المعروف في الإعطاء تعلقه بالمال خصوصاً وقد وقع في مقابلة ذكر البخل والمال وأمر تأخير الإيمان عليه بحاله وقيل آخر لأن من جملة إعطاء الطاعة الإصغاء لتعلم كلمة التوحيد التي لا يتم الإيمان إلا بها ومن جملة الاتقاء الاتقاء عن الإشراك وهما مقدمان على ذلك وليس بشيء.
ابن عاشور
تفسير : {فأما} تفريع وتفصيل للإِجمال في قوله: { أية : إن سعيكم لشتى } تفسير : [الليل: 4] فحرف (أمَّا) يفيد الشرط والتفصيل وهو يتضمن أداة شرط وفعل شرط لأنه بمعنى: مَهما يكن من شيء، والتفصيل: التفكيك بين متعدد اشتركت آحاده في حالة وانفرَد بعضها عن بعض بحالة هي التي يُعتنَى بتمييزها. وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى: { أية : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه } تفسير : في سورة الفجر (15). والمحتاج للتفصيل هنا هو السعي المذكور، ولكن جعل التفصيلُ ببيان الساعين بقوله: {فأما من أعطى} لأن المهم هو اختلاف أحوال الساعين ويُلازمهم السعي فإيقاعهم في التفصيل بحسب مساعيهم يساوي إيقاع المساعي في التفصيل، وهذا تفنن من أفانين الكلام الفصيح يحصل منه معنيان كقول النابغة: شعر : وقَد خِفت حتى ما تزيد مخافتي على وعلٍ في ذي المَطارة عَاقِل تفسير : أي على مخافة وَعِل. ومنه قوله تعالى: { أية : ولكن البر من آمن باللَّه واليوم الآخر } تفسير : إلخ في سورة البقرة (177). وقوله تعالى: { أية : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللَّه واليوم الآخر } تفسير : [التوبة: 19] الآية، أي كإيمان من آمن بالله. وانحصر تفصيل «شتى» في فريقين: فريق ميسَّر لليسرى وفريق ميسَّر للعسرى، لأن الحالين هما المهم في مقام الحث على الخير، والتحذير من الشر، ويندرج فيهما مختلف الأعمال كقوله تعالى: { أية : يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } تفسير : في سورة الزلزلة (6 - 8). ويجوز أن يجعل تفصيل شتى هم من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى، ومنْ بخل واستغنى وكذب بالحسنى وذلك عدد يصح أن يكون بياناً لشتّى. و{مَن} في قوله: {من أعطى} الخ وقوله: {من بخل} الخ يعم كل من يفعل الإعطاء ويتقي ويصدِّق بالحسنى. وروي أن هذا نزل بسبب أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأعتقه ليُنجيه من تعذيب أمية بن خلف، ومن المفسرين من يذكر أبا سفيان بن حرب عوضَ أمية بن خلف، وهم وهَم. وقيل: نزلت في قضية أبي الدحداح مع رجل منافق ستأتي. وهذا الأخير متقض أن السورة مدنية وسببُ النزول لا يخصـص العموم. وحُذف مفعول {أعطى} لأن فعل الإِعطاء إذا أريد به إعطاء المال بدون عوض، يُنزَّل منزلَة اللازم لاشتهار استعماله في إعطاء المال (ولذلك يسمى المالُ الموهوب عَطاءَ)، والمقصود إعطاء الزكاة. وكذلك حُذف مفعول {اتقى} لأنه يعلم أن المقدّر اتّقى الله. وهذه الخلال الثلاث من خلال الإيمان، فالمعنى: فأما من كان من المؤمنين كما في قوله تعالى: { أية : قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين } تفسير : [المدثر: 43 ـــ 44]، أي لم نك من أهل الإيمان. وكذلك فعل {بَخل} لم يُذكر متعلقه لأنه أريد به البخل بالمال. و{استغنى} جُعل مقابلاً لــــ {اتَّقى} فالمراد به الاستغناء عن امتثال أمْرِ الله ودعوته لأن المصرَّ على الكفر المعرِضَ عن الدعوة يَعُد نفسه غنياً عن الله مكتفياً بولاية الأصنام وقومِه، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل سين استحباب بمعنى أجاب. وقد يراد به زيادة طلب الغنى بالبخل بالمال، فتكون السين والتاء للطلب، وهذه الخلال كناية عن كونه من المشركين. والحُسنى: تَأنيث الأحسن فهي بالأصالة صفَة لموصوف مقدر، وتأنيثها مشعر بأن موصوفها المقدر يعتبر مؤنث اللفظ ويحتمل أموراً كثيرة مثل المثوبة أو النصر أو العدة أو العاقبة. وقد يصير هذا الوصف علماً بالغلبة فقيل: الحسنى الجنة، وقيل: كلمة الشهادة، وقيل: الصلاة، وقيل: الزكاة. وعلى الوجوه كلها فالتصديق بها الاعتراف بوقوعها ويكنى به عن الرغبة في تحصيلها. وحاصل الاحتمالات يحوم حول التصديق بوعد الله بما هو حسن من مثوبة أو نصر أو إخلاف ما تلف فيرجع هذا التصديق إلى الإيمان. ويتضمن أنه يعمل الأعمال التي يحصل بها الفوز بالحسنى. ولذلك قوبل في الشق الآخر بقوله: {وكذب بالحسنى}. والتيسير: جعل شيء يسيرَ الحصول، ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيراً، أي غير شديد، والمجرور باللام بعده هو الذي يسهَّل الشيءُ الصعب لأجله وهو الذي ينتفع بسهولة الأمر، كما في قوله تعالى: { أية : ويَسّر لي أمري } تفسير : [طه: 26] وقوله: { أية : ولقد يسرنا القرآن للذكر } تفسير : [القمر: 17]. واليسرى في قوله: {لليسرى} هي ما لا مشقة فيه، وتأنيثها: إما بتأويل الحالة، أي الحالة التي لا تشق عليه في الآخرة، وهي حالة النعيم، أو على تأويلها بالمكانة. وقد فسرت اليسرى بالجنة عن زيد بن أسلم ومجاهد. ويحتمل اللفظ معاني كثيرة تندرج في معاني النافع الذي لا يشق على صاحبه، أي الملائم. والعسرى: إما الحالة وهي حالة العسر والشدة، أي العذاب، وإما مكانته وهي جهنّم، لأنها مكان العسر والشدائد على أهلها قال تعالى: { أية : فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير } تفسير : [المدثر: 9، 10]، فمعنى: «نيسره» ندرّجُهُ في عملي السعادة والشقاوة وبه فسر ابن عطية، فالأعمال اليسرى هي الصالحة، وصفت باليسرى باعتبار عاقبتها لصاحبها، وتكون العسرى الأعمال السيئة باعتبار عاقبتها على صاحبها فتأنيثهما باعتبار أن كلتيهما صفة طائفة من الأعمال. وحرف التنفيس على هذا التفسير يكون مراداً منه الاستمرار من الآن إلى آخر الحياة كقوله تعالى: { أية : قال سوف أستغفر لكم ربي } تفسير : [يوسف: 98]. وحرف (ال) في «اليسرى» وفي «العسرى» لتعريف الجنس أو للعهد على اختلاف المعاني. وإذ قد جاء ترتيب النظم في هذه الآية على عكس المتبادر إذ جُعل ضمير الغيبة في «نيسره لليسرى» العائدُ إلى {من أعطى واتقى} هو الميسرَ، وجعل ضمير الغيبة في «نيسره للعسرى» العائدُ إلى {من بخل واستغنى} هو الميسرَ، أي الذي صار الفعل صعبُ الحصول حاصلاً له، وإذ وقع المجروران باللام «اليسرى» و «العسرى»، وهما لا ينتفعان بسهولة من أعلى أو من بَخل، تعين تأويل نظم الآية بإحدى طريقتين: الأولى: إيفاء فعل «نيسر» على حقيقته وجَعْلُ الكلام جارياً على خلاف مقتضى الظاهر بطريق القلب بأن يكون أصل الكلام: فسنيسر اليسرى له وسنيسر العسرى له ولا بد من مقتض للقلب، فيصار إلى أن المتقضي إفادة المبالغة في هذا التيسير حتى جعل الميسَّر ميسراً له والميسر له ميسراً على نحو ما وجهوا به قول العرب: عرضت الناقة على الحوض. والثانية: أن يكون التيسير مستعملاً مجازاً مرسلاً في التهيئة والإعداد بعلاقة اللزوم بين إعداد الشيء للشيء وتيسُره له، وتكون اللام من قوله: {لليسرى} و{للعسرى} لام التعليل، أي نيسره لأجل اليسرى أو لأجل العسرى، فالمراد باليسرى الجنة وبالعُسرى جهنم، على أن يكون الوصفان صارا علماً بالغلبة على الجنة وعلى النار، والتهيئةُ لا تكون لذات الجنة وذاتِ النار فتعين تقدير مضاف بعد اللام يناسب التيسير فيقدر لدخُول اليسرى ولدخول العسرى، أي سنعجّل به ذلك. والمعنى: سنَجْعل دخول هذه الجنةَ سريعاً ودخولَ الآخِر النارَ سريعاً، بشبه الميسَّر من صعوبة لأن شأن الصعب الإِبطاءُ وشأن السهل السرعةُ، ومنه قوله تعالى: { أية : ذلك حشرٌ علينا يسير } تفسير : [ق: 44]، أي سريع عاجل. ويكون على هذا الوجه قوله: {فسنيسره للعسرى} مشاكلةٌ بُنِيت على استعارة تهكمية قرينتها قولُه: «العُسرى». والذي يدعو إلى هذا أن فعل «نيسر» نصبَ ضمير {من أعطى واتقى وصدَّق}، وضمير {من بَخل واستغنى وكذَّب}، فهو تيسيرٌ ناشىء عن حصول الأعمال التي يجمعها معنى {اتَّقى} أو معنى {استغنى}، فالأعمال سابقة لا محالة. والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو تيسير ما زاد على حصولها، أي تيسير الدوام عليها والاستزادة منها. ويجوز أن يكون معنى الآية: أن يُجعل التيسير على حقيقتِهِ ويجعل اليسرى وصفاً أي الحالة اليسرى، والعُسرى أي الحالة غير اليسرى. وليس في التركيب قلب، والتيسير بمعنى الدوام على العمل، ففي «صحيح البخاري» عن علي قال: « حديث : كنا مع رسول الله في بقيع الغَرقد في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مَقْعَده من الجنة ومَقْعَدَه من النار، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكِلُ؟ فقال: اعملوا فكل ميسَّر لما خلق له. أما أهل السعادة فَيُيَسَّرُونَ لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ) تفسير : اهــــ. فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية لأن قوله: « حديث : ما من أحد إلا وقد كتبَ مقعده » تفسير : الخ معناه قد علم الله أن أحداً سيعمل بعمل أهل الجنة حتى يُوافيَ عليه، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يُوافِيَ عليه، فقوله: «وقد كتب مقعده» جعلت الكتابة تمثيلاً لعلم الله بالمعلومات علماً موافقاً لما سيكون لا زيادة فيه ولا نقص، كالشيء المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصاً دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط. فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس، ومعنى جوابه: أن فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة. وذُكر مقابله وهو العمل السيىء إتماماً للفائدة ولا علاقة له بالجواب. وليس مجازه مماثلاً لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل أهل السعادة فتعين أن يكون تيسيراً للعمل، أي إعداداً وتهيئة للأعمال صالحها أو سيئها. فالذي يرتبط بالآية من اللفظ النبوي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أعقب كلامه بأن قرأ: {فأما من أعطى واتقى} الآية لأنه قرأها تبييناً واستدلالاً لكلامه فكان للآية تعلق بالكلام النبوي ومَحَلّ الاستدلال هو قوله تعالى: {فسنيسره}. فالمقصود منه إثبات أن من شؤون الله تعالى تيسراً للعبد أن يعمل بعمل السعادة أو عمل الشقاء سواء كان عمله أصلاً للسعادة كالإيمان أو للشقاوة كالكفر، أم كان للعمل مما يزيد السعادة ويُنقص من الشقاوة وذلك بمقدار الأعمال الصالحة لمن كان مؤمناً لأن ثبوت أحد معنَيَي التيسير يدل على ثبوت جنسه فيصلح دليلاً لثبوت التيسير مِن أصله. أو يكون المقصود من سوق الآية الاستدلال على قوله: «اعملوا» لأن الآية ذكرت عملاً وذكرت تيسيراً لليسرى وتيسيراً للعسرى، فيكون الحديث إشارة إلى أن العمل هو علامة التيسير وتكون اليسرى معنياً بها السعادة والعسرى معنياً بها الشقاوة، وما صدْق السعادة الفوز بالجنة، وما صدْقَ الشقاوة الهُويُّ في النار. وإذ كان الوعدُ بتيسير اليُسرى لصاحب تلك الصلات الدالة على أعمال الإِعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى كان سلوك طريق الموصولية للإِيماء إلى وجه بناء الخبر وهو التيسير فتعين أن التيسير مسبب عن تلك الصلات، أي جزاءٌ عن فعلها: فالمتيسر: تيسير الدوام عليها، وتكون اليسرى صفة للأعمال، وذلك من الإِظهار في مقام الإِضمار. والأصل: مستيسر له أعمالَه، وعدل عن الإِضمار إلى وصف اليسرى للثناء على تلك الأعمال بأنها مُيسرة من الله كقوله تعالى: { أية : ونُيسرك لليُسرى } تفسير : في سورة الأعلى (8). وخلاصة الحديث أنه بيان للفرق بين تعلق علم الله بأعمال عباده قبل أن يعملوها، وبين تعلُّق خطابه إياهم بشرائعه، وأن ما يصدر عن الناس من أعمال ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كل أحد وموافاته هو عنوان للناس على ما كان قد علمه الله، ويلتقي المهيعان في أن العمل هو وسيلة الحصول على الجنة أو الوقوع في جهنم. وإنما خص الإِعطاء بالذِكْر في قوله: {فأما من أعطى واتقى} مع شمول {اتقى} لمفاده، وخص البخل بالذكر في قوله: {وأما من بخل واستغنى} مع شمول {استغنى} له، لتحريض المسلمين على الإِعطاء، فالإِعطاء والتقوى شعار المسلمين مع التصديق بالحسنى وضد الثلاثة من شعار المشركين. وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم، ومحسن الطباق، أربع مرات بين {أعطى} و{بخل}، وبين {اتقى}، و{استغنى}، وبين و{صدق} و{كذب} وبين «اليسرى» و«العسرى». وجملة: {وما يغني عنه ماله إذا تردّى} عطف على جملة {فسنيسره للعسرى} أي سنعجل به إلى جهنم. فالتقدير: إذا تردّى فيها. والتردّي: السقوط من علوّ إلى سفل، يعني: لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئاً من عذاب النار. و{مَا} يجوز أن تكون نافية. والتقدير: وسَوْف لا يغني عنه ماله إذا سقط في جهنم، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ. ويجوز على هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف. والمعنى: وما يغني عنه ماله الذي بخل به. رَوى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس: «أنه كانت لرجل من المنافقين نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال فإذا سقط منها ثمرٌ أكله صبيةٌ لذلك المسلم فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة، فشكا المسلم ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلم النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة أن يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة فلم يفعل، وسمع ذلك أبو الدحداح الأنصاري فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : يا رسول الله اشترِها مني بنخلة في الجنة فقال: نعم والذي نفسي بيده، فأعطاها الرجلَ صاحب الصبية ) تفسير : ، قال عكرمة قال ابن عباس: فأنزل الله تعالى: { أية : والليل إذا يغشىٰ } تفسير : [الليل: 1] إلى قوله: {للعسرى} وهو حديث غريب، ومن أجل قول ابن عباس: فأنزل الله تعالى: {والليل إذا يغشىٰ} قال جماعة: السورة مدنية وقد بينا في المقدمة الخامسة أنه كثيراً ما يقع في كلام المتقدمين قولهم: فأنزل الله في كذا قوله كذا، أنهم يريدون به أن القصّة ممّا تشمله الآية. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : كمْ من عَذْق رَدَاحْ في الجنة لأبي الدحداح » تفسير : ولمح إليها بشار بن برد في قوله: شعر : إن النُحيلة إذْ يميل بها الهوى كالعَذق مال على أبي الدحداح
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 5، 6، 7- فأما مَن أنفق فى سبيل الله، وخاف ربه فاجتنب محارمه، وأيقن بالفضيلة الحسنى، وهى الإيمان بالله عن علم، فسنهيئه للخصلة التى تؤدى إلى يسر وراحة بتوجيهه إلى طريق الخير. 8، 9، 10- وأما مَن بخل بماله فلم يؤد حق الله فيه، واستغنى به عما عند الله، وكذب بالخصلة الحسنى، فسنهيئه للخصلة التى تؤدى إلى العسر والشقاء الأبدى. 11- وأى شئ من العذاب يدفعه عنه ماله الذى بخل به إذا هلك؟ 12- إن علينا بمقتضى حكمتنا أن نبين للخلق طريق الهدى. 13- وإن لنا - وحدنا - لأمر التصرف فى الدارين. 14- فَخَوَّفْتُكُم ناراً تتوقد وتتلهب. 15، 16- لا يدخلها مخلَّدا فيها إلا الكافر الذى كذَّب بالحق وأعرض عن آيات ربه. 17، 18- وسيُبعد عنها المبالغ الأكثر خشية لله وإعراضا عن معاصيه. الذى يعطى ماله فى وجوه اليسر يتطهر من رجس البخل ودنس الإمساك. 19- وليس لأحد عند هذا المنفق من نعمة أو يد يكافأ بهما.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - فَأَمَّا مَنْ بَذَلَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاةِ رَبِّهِ وَاتَّقَاهُ، وَصَرَفَ نَفْسَهُ عَن الهَوَى وَالشَّهَوَاتِ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} [5-6] 698 - أنا محمدُ بن عبد الأعلى، نا المُعتمرُ، قال سمعتُ منصوراً، يُحدثُ عن سعد بن عُبيدة، عن عبد الله بن حبيبٍ - أبي عبد الرَّحمن السلميِّ - عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: حديث : كُنَّا في جنازةٍ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقيع الغرقد فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعهُ مِخْصَرَةٌ فنكَّسَ ونكَتَ بها ثم رفع رأسهُ فقال: "ما منكُم من أحدٍ، ما من نفسٍ منفوسةٍ إلاَّ قد كتب اللهُ مكانها من الجنة والنارِ، إلاَّ قد كُتبت شقيَّةً أو سعيدةً" فقال رجلُ من القوم: يا رسول اللهِ أفلا نمكثُ على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان من أهل السَّعادة ليكوننَّ إلى السعادة، ومن كان من أهلِ الشَّقاوةِ ليكوننَّ إلى الشقاوةِ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ، فاما أهلُ السَّعادة فيُيسَّرون للسَّعادةِ، وأما أهلُ الشَّقاوةِ فيُيسَّرون للشَّقاوةِ"/ ثم قرأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} [5-10] . تفسير : قوله تعالى: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} [8-9] 699 - أنا إسماعيل بن مسعودٍ، عن المُعتمر بن سُليمان، عن شُعبة، عن سُليمانَ، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرَّحمن السَّلميِّ، عن عليٍّ، حديث : أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال وهو مع جنازةٍ: "ما منكم من أحدٍ ألاَّ وقد كُتب مقعدهُ من النار ومقعدهُ من الجنة" قالوا: يا رسول اللهِ أفلا نتَّكِلُ؟ قال: "اعملُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ، {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} [5-10] ". تفسير : 700 - نا محمد بن النَّضر بن مُساورٍ، نا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يزيد الرّشْكِ، عن مُطَرِّفٍ، عن عمران بن حُصينٍ، قال: حديث : قيل يا رسول اللهِ أعُلِمَ أهلُ الجنةِ من النار؟ قال: "نعم"، قال: ففيم يعملُ العاملون؟ قال: "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لَمَا خُلِقَ لَهُ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):