٩٢ - ٱللَّيْل
92 - Al-Lail (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسيء من العسرى، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعاً مما يكون به عاصياً، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم، فقد فعلنا ما كان فعله واجباً علينا في الحكمة، والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها: أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه وطاقته، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها: أن كلمة على للوجوب، فتدل على أنه قد يجب للعبد على الله شيء وثالثها: أنه لو لم يكن العبد مستقلاً بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه الوجوه مشهورة، وذكر الواحدي وجهاً آخر نقله عن الفراء فقال المعنى: إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كما قال: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }تفسير : [النحل: 81] وهي تقي الحر والبرد، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي فذكر معنى الإضلال، قالت المعتزلة: هذا التأويل ساقط لقوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ }تفسير : [النحل: 9] فبين أن قصد السبيل على الله، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على الله ولا منه، واعلم أن الاستقصاء قد سبق في تلك الآية. أما قوله تعالى:
ابن كثير
تفسير : قال قتادة: { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} أي: نبين الحلال والحرام، وقال غيره: من سلك طريق الهدى، وصل إلى الله، وجعله كقوله تعالى: {أية : وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [النحل: 9] حكاه ابن جرير، وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلأَخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} أي: الجميع ملكنا، وأنا المتصرف فيهما. وقوله تعالى: { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} قال مجاهد: أي توهج. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: «حديث : أنذرتكم النار» تفسير : حتى لو أن رجلاً كان بالسوق، لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه»تفسير : . رواه البخاري. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهونهم عذاباً»تفسير : . وقوله تعالى: { لاَ يَصْلَـٰهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى} أي: لا يدخلها دخولاً يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى، ثم فسره فقال: {ٱلَّذِى كَذَّبَ} أي: بقلبه {وَتَوَلَّىٰ} أي: عن العمل بجوارحه وأركانه. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يدخل النار إلا شقي» تفسير : قيل: ومن الشقي؟ قال: «حديث : الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية.»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى» تفسير : قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «حديث : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» تفسير : رواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح به. وقوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} أي وسيزحزح عن النار التقي النقي، ثم فسره بقوله: { ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ} أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفاً، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك {ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} أي: طمعاً في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات. قال الله تعالى: { وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات، وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها؛ فإن لفظها العموم، وهو قوله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ } ولكنه مقدم الأمة، وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم ولم يكن لأحد من الناس عنده منّة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود، وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال تعالى: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ }. وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أنفق زوجين في سبيل الله، دعته خزنة الجنة: يا عبد الله هذا خير» تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «حديث : نعم وأرجو أن تكون منهم» تفسير : آخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ } لتبيين طريق الهدى من طريق الضلال ليمتثل أمرنا بسلوك الأول ونهينا عن ارتكاب الثاني.
الماوردي
تفسير : {إنّ علينا لَلْهُدَى} فيه وجهان: أحدهما: أن نبيّن سبل الهدى والضلالة قاله يحيى بن سلام. الثاني: بيان الحلال والحرام، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: علينا ثواب هداه الذي هدينا. {وإنَّ لنا لَلآخِرةَ والأُولى} فيه وجهان: أحدهما: ثواب الدنيا والآخرة، قاله الكلبي والفراء. الثاني: ملك الدنيا وملك الآخرة، قاله مقاتل. ويحتمل ثالثاً: الله المُجازي في الدنيا والآخرة. {فأنذَرْتُكم ناراً تَلَظَّى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه تتغيظ، قاله الكلبي. الثاني: تشتعل، قاله مقاتل. الثالث: تتوهج، قاله مجاهد، وأنشد لعلّي رضي الله عنه: شعر : كأن الملح خالطه إذا ما تلظّى كالعقيقة في الظلال تفسير : {لا يَصلاها إلا الأشْقَى} أي الشقّي. {والذي كذّب وتولّى} فيه وجهان: أحدهما: كذّب بكتاب الله وتولّى عن طاعة الله، قاله قتادة. الثاني: كذّب الرسولَ وتولّى عن طاعته. {وما لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمةٍ تُجْزَى * إلا ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأَعْلَى} فيه وجهان: أحدهما: وما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجازيه بها إلا أن يفعلها ابتغاء وجه ربه فيستحق عليها الجزاء والثواب، قاله قتادة. الثاني: وما لبلال عند أبي بكر حين اشتراه فأعتقه من الرق وخلّصه من العذاب نعمةٌ سلفت جازاه عليها بذلك إلا ابتغاء وجه ربه وعتقه، قاله ابن عباس وابن مسعود {ولَسوفَ يَرْضَى} يحتمل وجهين: أحدهما: يرضى بما أعطيه لسعته. الثاني: يرضى بما أعطيه لقناعته، لأن من قنع بغير عطاء كان أطوع لله.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَلْهُدَى} بيان الهدى والضلال أو بيان الحلال والحرام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ}، أن نبين طريق الهدى، من طريق الضلال، فالهدى بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاجُ: أي: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته ومعصيته، وهو قول قتادة. وقال الفراءُ: من سلك الهدى، فعلى الله سبيله، كقوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [النحل: 9]، وقيل: معناه إنَّ علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال كقوله تعالى: {أية : بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تفسير : [آل عمران: 26]، وقوله تعالى: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] وهي تقي الحرَّ وهي تقي البرد، قاله الفراء أيضاً. وهو يروي عن ابن عباس رضي الله عنه. فصل لما عرفهم سبحانه أن سعيهم شتى، وبين ما للمحسنين من اليسرى، وللمسيئين من العسرى أخبرهم أنه قد مضى ما عليه من البيان، والدلالة، والترغيب، والترهيب، أي: أن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد، ونبين المتعبد به. قالت المعتزلة: إباحة الأعذار تقتضي أنه تعالى كلفهم بما في وسعهم وطاقتهم. وأيضاً فكلمة "على" للوجوب، وأيضاً: فلو لم يستقل العبد بالإيجاد، لم يكن في نصب الأدلة فائدة، وجوابهم قد تقدم. وزاد الواحديُّ: أن الفراء، قال: إن معنى: إن علينا للهدى والإضلال، فحذف المعطوف كقوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81]، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، يريد: أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال، ورد المعتزلة هذا التأويل بقوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ} تفسير : [النحل: 9]، وتقدم جوابهم. قوله تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ}، أي: لنا كل ما في الدنيا، والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعناكم عن المعاصي لكن ذلك يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد، ونكون نحن نملك الدارين، فليطلب منا سعادة الدارين؛ فالأول أوفق لقول المعتزلة، والثاني أوفق لقولنا. وروى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تفسير : [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. قوله: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ}. قد تقدم في "البقرة": أن البزي يشدد مثل هذه التاء، والتشديد فيها عسر لالتقاء الساكنين فيهما على غير حدهما، وهو نظير قوله تعالى: {أية : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} تفسير : [النور: 15] وقد تقدم. وقال أبو البقاء: يقرأ بكسر التنوين، وتشديد التاء، وقد ذكر وجهه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} تفسير : [البقرة: 267] انتهى. وهذه قراءة غريبة، ولكنها موافقة للقياس من حيث إنه لم يلتق فيها ساكنان وقد ذكر وجهه، أي الذي قاله في "البقرة"، ولا يفيد هنا شيئاً ألبتة فإنه قال هناك: "ويقرأ بتشديد التاء، وقبله ألف، وهو جمع بين ساكنين، وإنام سوغ ذلك المد الذي في الألف. وقال ابنُ الزبير، وسفيان، وزيد بن علي، وطلحة، "تَتَلظَّى" بتاءين وهو الأصل. قال القرطبي: "وهي قراءة عبد الله بن عمير ويحيى بن يعمر". فصل في معنى الآية المعنى: خوفتكم، وحذرتكم ناراً تلظى، أي: تلهّب، وتوقّد، وتوهّج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم: لظى. قوله تعالى: {لاَ يَصْلاَهَآ}، أي: لا يجد صلاها، وهو حرها {إِلاَّ ٱلأَشْقَى}، أي: الشقي. قيل: الأشقى، والأتقى، بمعنى الشقي والتقي، ولا تفضيل فيهما، لأن النار مختصة بالأكثر شقاء، وتجنبها ليس مختصاً بالأكثر تقوى. وقيل: بل هما على بابهما، وإليه ذهب الزمخشريُّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف قال: {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى} {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى}، وقد علم أن كلَّ شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصليّ أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكَّر النار، فأراد ناراً بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة. قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين، وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين؛ فقيل: الأشقى، وجعل: مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له، وقيل: هما أبو جهل وأمية وأبو بكر - رضي الله عنه. قال: جوابه المراد بهما شخصان معينان. انتهى. فصل قال المفسرون: المراد بالأشقى، والشقي: الذي "كذَّب" نبي الله صلى الله عليه وسلم "وتولَّى" أعرض عن الإيمان. وقال الفرَّاء: معناه إلاَّ مَنْ كان شقياً في علمِ الله تعالى. قال بعضهم: "الأشقَى" بمعنى الشقي؛ كقوله: [الطويل] شعر : 5229- ……........................... ....لَسْـتُ فِيهَــا بأوْحَــدِ تفسير : "بأوحد"، أي: بواحد، ووحيد، ويوضع "أفعل" موضع "فعيل" نحو قولهم: "اللهُ أكْبَرُ" بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين، قالت المرجئة: الآية تدل على أن الوعيد مختص بالكافر. والجواب: المعارضة بآيات الوعيد. وأيضاً: فهذا إغراء بالمعاصي، وأيضاً، فقوله تعالى بعده: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} يدل على ترك هذه الظاهرة؛ لأن الفاسق ليس "بأتقى" فالمراد بقوله تعالى: {نَاراً تَلَظَّىٰ} أنها مخصوصة من بين النيران؛ لأن النار دركات، ولا يلزم من هذا أنَّ الفاسق لا يدخل النَّار أصلاً، والمراد لا يصلاها بعد الاستحقاق. وأجاب الواحديُّ: بأن معنى "لا يَصْلاَهَا": لا يلزمها، وهذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر. قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى}، أي: يبعد عنها الأتقى، أي: التقي الخائف. قال ابن عباس: وهو أبو بكر - رضي الله عنه -، ثم وصف الأتقى، فقال سبحانه: {ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعةً بل يتصدق به مبتغياً به وجه الله. قوله: "يَتَوكَّى". قرأ العامة: "يتزكّى" مضارع "تَزَكَّى". والحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -: "يزكَّى" بإدغام الياء في الزاي، وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها في موضع الحال من فاعل "يُؤتِي"، أي: يؤتيه متزكياً به. والثاني: أنها لا موضع لها من الإعراب على أنها بدل من صلة "الَّذي"، ذكرهما الزمخشري. قوله تعالى: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ}، أي: ليس يتصدق ليجازى على نعمة بل يبتغي وجه ربه الأعلى، أي: المتعالي، و "تجزى" صفة لـ "نِعْمَة"، أي: يجزى الإنسان، وإنَّما جيء به مضارعاً مبنياً للمفعول، لأجل الفواصل؛ إذ الأصل: يجزيها إياه أو يجزيه إياها. قوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ}. في نصب "إلاَّ ابتِغَاءَ" وجهان: أحدهما: أنه مفعول له قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة". وهذا أخذه من قول الفراء، فإنه قال: ونصب على تأويل: ما أعطيتك ابتغاء جزائك، بل ابتغاء وجه الله تعالى. والثاني: أنه منصوب على الاستثناء المنقطع، إذ لم يندرج تحت جنس "مِنْ نِعْمَةٍ" وهذه قراءة العامة، أعني: النصب، والمد. وقرأ يحيى: برفعه ممدوداً على البدل من محل "نِعْمَةٍ"؛ لأن محلها الرفع، إما على الفاعلية، وإما على الابتداء، و "من" مزيدة في الوجهين، والبدل لغة تميم؛ لأنهم يجرون المنقطع في غير الإيجاب مجرى المتصل، وأنشد الزمخشري بالوجهين: النصب؛ والبدل قول بشر بن أبي خازم: [البسيط] شعر : 5230- أضْحَتْ خَلاَءً قِفَاراً لا أنِيَ بِهَا إلاَّ الجَآذِرَ والظُّلْمَانَ تَخَتَلِفُ تفسير : وقول القائل في الرفع: [الرجز] شعر : 5231- وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنيسُ إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العيسُ تفسير : وفي التنزيل: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء: 66]. وقال مكي: "وأجاز الفَرَّاءُ الرفع في "ابتغاء" على البدل في موضع "نعمة"، وهو بعيد". قال شهاب الدين: "كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد، فإنها لغة فاشية". وقرأ ابن أبي عبلة: "ابتغا" بالقصر. فصل في سبب نزول الآية روى عطاء، والضحاك عن ابن عباس، قال: حديث : عذَّب المشركون بلالاً، وبلال يقول: أحدٌ أحدٌ فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أحَدٌ، يعني اللهُ يُنْجِيْكَ بِهَا"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ - رضي الله عنه -: "يا أبا بكرٍ إنَّ بلالاً يُعذَّبُ في اللهِ"، فعرفَ أبو بكرٍ الذي يُرِيدُهُ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فانصرفَ إلى مَنْزلهِ، فأخذَ رَطْلاً مِنْ ذهبٍ ومضى به إلى أمية بن خلفٍ، فقال له: أتبيعني بلالاً؟ قال: نعم، فاشتراه، فأعتقه أبو بكر - رضي الله عنه - لا ليدٍ كانت له عندهتفسير : ، فنزلت {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ}، أي: عند أبي بكر "مِنْ نَعْمَةٍ" أي: مزية ومنّةٍ "تُجْزَى" بل ابتغى بما فعل وجه ربِّه الأعلى. قال بعضهم: المراد ابتغاء ثوابه وكرامته لأن ابتغاء ذاته محال، وقال بعضهم: لا حاجة إلى هذا الإضمار، بل حقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن العبد هل يمكن أن يحب ذات الله، والمراد من هذه المحبة ذاته، وكرامته. ذكره ابن الخطيب. والأعلى من نعت الربِّ الذي استحق صفات العلو، ويجوز أن يكون ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة]. قوله: {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ}. هذا جواب قسم مضمر، والعامة: على "يَرضَى" مبنياً للفاعل وقرئ: ببنائه للمفعول، من أرضاه الله تعالى. [وهو قريب من قوله تعالى في آخر سورة طه {أية : لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} تفسير : [طه: 130]. ومعنى الآية: سوف يعطيه الله تعالى في الجنَّة ما يرضى، بأن يعطيه أضعاف ما أنفق. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن المراد أنه إنما طلب رضوان الله تعالى، وليس يرضى الله عنه، قال: وهذا أعظم من الأول؛ لأن رضا الله أكمل للعبد من رضاه عن ربِّه، والله أعلم. روى الثعلبيُّ عن أبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ {وَٱلْلَّيْلِ} أعْطَاهُ اللهُ حتَّى يَرْضَى، وعافاهُ اللهُ تعالى من العُسْرِ، ويسَّر لهُ اليُسْرَ ". تفسير : قال الثعلبي: وإذا ثبت نزولها بـ "مكة" ضعف تأويلها بقصة أبي الدحداح، وقوي تأويلها بنزولها في حق أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه كان بـ "مكة"، وإنفاقه بـ "مكة" وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة. وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم اللهُ أبا بَكْرٍ، زوَّجنِي ابنَتُه، وحَملنِي إلى دَارِ الهِجْرَةِ، وأعْتَقَ بلالاً مِنْ مَالهِ"تفسير : . والله أعلم.
البقلي
تفسير : جرد التوفيق عن الاكتساب واسقط عن المعرفة الكلفة قال سهل المعرفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان علينا للهدى} استئناف مقرر لما قبله اى ان علينا بموجب قضائنا المبنى على الحكم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة ان نبين لهم طريق الهدى وما يؤدى اليه من طريق الضلال وما يؤدى اليه وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين ترغيبا وترهيبا ومن هنا تبين أن الهداية هى الدلالة على ما يوصل الى البغية لا الدلالة الموصلة اليها قطعا وان المراد بالوجوب المفهوم من على الوجوب بموجب القضاء ومقتضى الحكمة فلا تكون الآية بظاهرها دليلا على وجوب الاصلح عليه تعالى كما يزعم المعتزلة قال القاشانى ان علينا للهدى بالارشاد الينا بنور العقل والحسن والجمع بين الادلة العقلية والسمعية والتمكين على الاستدلال والاستبصار.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ علينا لَلْهُدى}؛ إنَّ علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المَبْنيِّ على الحِكَم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نُبيّن لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بَيَّنَّا حال مَن سلك كلا الطريقين، ترغيباً وترهيباً, فتبيّن أنَّ الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البُغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتماً. قاله أبو السعود. {وإِنَّ لنا للآخرة والأُولى} أي: التصرُّف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنُعطي الدنيا لمَن نشاء، والآخرة لمَن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمَن طلبهما مِن غيرنا فقد أخطأ، أو: إنَّ لنا كُلَّ ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهُدانا. {فَأّنْذَرتكم}؛ خوَّفتكم {ناراً تلضى}؛ تتلهب، {لا يَصْلاها إِلاّ الأشقى}؛ لا يدخلها للخلود فيها إلاّ مَن سبق له الشقاء، {الذي كذَّب وتَوَلَّى} أي: الكافر الذي كذّب الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وتَوَلى عن الإيمان، {وسَيُجنبها}؛ وسيبعِّدها {الأتقى}؛ المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلاً عن دخولها، وأمّا مَن دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البُعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا يُنافي الحصر المذكور. {الذي يُؤتى مالَه} للفقراء {يتزكَّى} أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يُريد به رياءً ولا سمعةً، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعّل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير "يؤتى". {وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى} أي: ليس لأحدٍ عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، {إِلاَّ ابتغاءَ وجه ربه}: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه {الأعلى} أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه. والآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين اشترى بلالاً في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذَّب المشركون بلالاً، وبلالٌ يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ينجيك أحد أحد" ثم أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: "إنَّ بلالاً يُعذَّب في الله" فعرف مراده, فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبدٍ كان عنده اسمه "نسطاس" وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركاً، فقال له الصدِّيق: أسْلِم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالاً، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت. رُوي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يُعَذَّب على الإسلام، قال عروة: أَعتق أبو بكر سبعة، كلهم يُعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزِنِّيرة، وبيرة، وأم عُبيس، وأمة بني المؤمِّل. قال: وأسْلَم وله أربعون ألفاً، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع مَن يمنع ظهرك، فقال: مَنْعَ ظهري أريد، فنزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} [الليل:17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه الرسولُ صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقوله تعالى: {ولسوف يرضى} جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نُجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه, وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى:5]. الإشارة: إنّ علينا لبيان الطريق لِمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتاباً ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولاً يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإنَّ لنا للآخرةَ لِمن طلبها، والأوُلى لِمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتِنا لمَن طلبها، فأنذرتكم ناراً تلظى، وهي نار البُعد لا يصلاها إلاّ الأشقى, الذي سبق له البُعد منا. {الذي كذَّب وتولَّى}، قال القشيري: أي كذَّب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعْرَض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيُجنبها الأتقى، أي: يُجنب طريق البُعد ونار الحجاب مَن اتقى السِّوى، الذي يؤتى ماله تقرُّباً إلى الله ليتزكّى من العيوب والأنانية، {وما لأحدٍ عنده من نعمة تُجزى} أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف {إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: إلاّ طلب معرفة ذاته العلية، {ولَسَوف يَرضى} بدوام شهود الذات الأقدس. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الجنابذي
تفسير : {إِِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اليس لله صنع فى الاعطاء والبخل حتّى نسب تلك الافعال الى العباد بالاستقلال؟ - فقال: ليس علينا الاّ الهدى واراءة طريق الخير والشّرّ.
الهواري
تفسير : قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي: تبيين سبيل الهدى وسبيل الضلالة. قال تعالى: {وَإِنَّ لَنَا للأَخِرَةَ وَالأُولَى} أي: الدنيا. قال: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} أي تتأجج {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يعني بالذي كذب المشرك، وبالذي تولى المنافق، أي: توليا عن طاعة الله. قال عز وجل: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} أي: يتقرّب به إلى الله في تفسير الحسن. وهذا تطوّع. بلغنا أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين أعتق بلالاً وخمسة معه. قال عز وجل: {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى} أي ليس يفعل ذلك لنعمة يجزيها أحد فعلها به {إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} أي: ليس يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أي: الثواب في الجنة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي تبيين الهدى ليتبع والضلالة لتجتنب وقيل إرشاد أوليائي إلى طاعتي.
الالوسي
تفسير : استئناف مقرر لما قبله أي إن علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة أي ندلهم ونرشدهم إلى الحق أو أن نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه من طريق الضلال وما يؤدي إليه وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه فلا يتم الاستدلال بالآية على الوجوب عليه عز وجل بالمعنى الذي يزعمه المعتزلة. وقيل المراد أن الهدى موكول علينا لا على غيرنا كما قال سبحانه {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : [القصص: 56] وليس المعنى أن الهدى يجب علينا حتى يكون بظاهره دليلاً على وجوب الأصلح عليه، تعالى عن ذلك علواً كثيراً. وفيه أن تعلق الجار بالكون الخاص أعني موكولاً خلاف الظاهر ومثله ما قيل إن المراد ثم إن علينا طريقة الهدى على معنى أن من سلك الطريقة المبينة بالهدى والإرشاد إليها يصل إلينا كما قيل في قوله تعالى {أية : وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [النحل: 9] أي من سلك السبيل القصد أي المستقيم وصل إليه سبحانه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف مقرّر لمضمون الكلام السابق من قوله: { أية : فأما من أعطى } تفسير : [الليل: 5] إلى قوله: { أية : للعسرى } تفسير : [الليل: 10]، وذلك لإِلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتسابَ السيئات، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات، والتيْسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات. وذلك الميل هو المعبَّرُ عنه بالكسب عند الأشعري، وسماه المعتزلة: قدرة العبد، وهو أيضاً الذي اشتبه على الجبرية فسمَّوْه الجبر. وتأكيد الخبر بــــ {إنَّ} ولام الابتداء يومىء إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإِنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم مَا دعاهم إليه لألجأهم إلى الإِيمان. فقد حكي عنهم في الآية الأخرى: { أية : وقالوا لو شاء الرحمٰن ما عبدناهم } تفسير : [الزخرف: 20]. وحرف (على) إذا وقع بين اسم وما يدل على فِعل يُفيد معنى اللزوم، أي لازم لنا هُدَى الناس، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلاً للتمييز بين الصلاح والفساد ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رُسلاً مبينين لما قد يخفى أمرُه من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما علموه. وعطف {وإن لنا للآخرة والأولى} على جملة: {إن علينا للهدى} تتميم وتنبيه على أن تعهّد الله لعباده بالهُدى فضلٌ منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه والدار الأولى ملكه بما فيهما قال تعالى: { أية : وللَّه ملك السماوات والأرض وما بينهما } تفسير : [المائدة: 17] فله التصرف فيهما كيف يشاء فلا يحسبوا أن عليهم حقاً على الله تعالى إلا ما تفضل به. وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده. وأن نظام أمور الدنيا وترتب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه.
الشنقيطي
تفسير : فيه للعلماء أوجه، منها: إن طريق الهدى وموصل علينا بخلاف الضلال. ومنها: التزام الله للخلق عليه لهم الهدى، وهذا الوجه محل إشكال، إذ أن بعض الخلق لم يهدهم الله. وقد بحث هذا الأمر الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، من أن الجواب عليه من حيث إن الهدى عام وخاص. والله تعالى أعلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن علينا للهدى: أي إن علينا لبيان الحق من الباطل والطاعة من المعصية. وإن لنا للآخرة والأولى: أي ملك ما في الدنيا والآخرة نعطي ونحرم من نشاء لا مالك غيرنا. فأنذرتكم: أي خوفتكم. نارا تلظى: أي تتوقد. لا يصلاها: أي لا يدخلها ويحترق بلهبها. إلا الأشقى: أي إلا الشقي. الذي كذب وتولى: كذب النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وتولى أعرض عن الإِيمان به وبما جاء به من التوحيد والطاعة لله ورسوله. وسيجنبها الأتقى: أي يبعد عنها التقي. يتزكى: أي يتطهر به فلذا يخليه من النظر إلى غير الله فهو لذلك خال من الرياء والسمعة. وما لأحد عنده من نعمة تجزى: أي ليس لأحد من الناس عليه منَّة فهو يكافئه بذلك. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى: لكن يؤتي ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله عز وجل. ولسوف يرضى: أي يعطيه الله تعالى من الكرامة ما يرضي به في دار السلام. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} الآيات.. بعد أن علم تعالى عباده أن ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وأنه ييسر للعسرى من بخل واستغنى وكذب بالحسنى أعلم بحقيقة أخرى وهي أن بيان الطريق الموصل بالعبد لليسرى هو على الله تعالى متكفل به وقد بينه بكتابه ورسوله فمن طلب اليسرى فأولا يؤمن بالله ورسوله ويوطن نفسه على طاعتهما ويأخذ في تلك الطاعة يعمل بها وثانيا ينفق في سبيل الله ما يطهر به نفسه من البخل وشح النفس ويظهر فقره وحاجته إلى الله تعالى بالتقرب إليه بالنوافل وصالح الأعمال وبذلك يكون قد يُسر فعلا لليسرى وقوله تعالى {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} أي الدنيا وعليه فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ ولا يحصل عليها بحال فطلب الآخرة يكون بالإِيمان والتقوى، وطلب الدنيا يكون بالعمل حسب سنتنا في الكسب وحصول المال وقوله تعالى {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ لاَ يَصْلَٰهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي فبناء على ما بيّنا لكم فقد أنذرتكم أي خوفتكم نارا تلظى أي تتوقد التهابا لا يصلاها لا يدخلها ويصطلي بحرها خالداً فيها أبدا إلا الأشقى اي الأكثر شقاوة وهو المشرك وقد يدخلها الشقي من اهل التوحيد ويخرج منها بتوحيده، حيث لم يكذب ولم يتول، ولكن فجر وعصى، وما أشرك وما تولى، وقوله تعالى {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} اي يعطي ماله في سبيل الله يتزكى به من مرض الشح والبخل وآثار الذنوب والإِثم، وقوله {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} أي فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة وليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يداً فهو يكافئه بها لا لا، وإنما هو ينفق ابتغاء وجه ربه الأعلى أي يريد رضا ربه تعالى لا غير. قال تعالى {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} أي ما دام ينفق ابتغاء وجهنا فقط فسوف نكافئه ونعطيه عطاء يرضى به وذلك في الجنة دار السلام. هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان في مكة يشتري العبيد من مواليهم الذين يعذبونهم من أجل إسلامهم فكان يشتريهم ويعتقهم لوجه الله تعالى ومنهم بلال رضي الله عنه فقال المشركون إنما فعل ذلك ليد عنده أي نعمه فهو يكافيه بها فأكذبهم الله في ذلك وأنزل قوله وسيجنبها الأتقى الآيات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الله تعالى متكفل بطريق الهدى فأرسل الرسل وأنزل الكتاب فأبان الطريق وأوضح السبيل. 2- بيان أن لله تعالى وحده الدنيا والآخرة فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك من الله تعالى فالآخرة تطلب بالإِيمان والتقوى والدنيا تطلب باتباع سنن الله تعالى في الحصول عليها. 3- بيان فضل أبي بكر الصديق وأنه مبشر بالجنة في هذه الآية الكريمة.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَأَعْطَاهُ قُوَّةَ التَّمْيِيزِ بِينَ الخَيْرِ وَالشَّرِ، وَبَعَثَ إِلَيهِ الرُّسُلَ مُبَشِرِّينَ وَمُنْذِرِينَ، وَوَضَعَ الشَّرَائِعَ التِي تَهْدِيهِ إِلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ. لَلْهُدَى - الدَّلاَلَةَ عَلَى الحَقِّ وَبََيَانِ طَرِيقِهِ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه تعريضاً للمسرفين المفرطين: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ} [الليل: 12] يعني: ما علينا من إصلاحكم إلاَّ الهداية والإرشاد، فهديناكم ولم تهتدوا. {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} [الليل: 13] يعني: ما لنا إلاَّ التبيين والتنبيه بأن الآخرة خير من الأولى، فبينَّا طريق المعاش في النشأة الأولى، وطريق التزود والتهيئة للآخرة، فلم تقبلوا منَّا، ولم تمتثلوا بما بينّا، ومع ذلك أكدنا هدياتكم وإرشادكم بالإنذار البليغ. {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} [الليل: 14] تتوقد وتتلهب من شدة سورتها. وبينّا لكم أيضاً أنها {لاَ يَصْلَٰهَآ} ولا يدخل فيها {إِلاَّ ٱلأَشْقَى} [الليل: 15]. {ٱلَّذِي كَذَّبَ} بالكتب الإلهية وما فيها من الأحكام {وَتَوَلَّىٰ} [الليل: 16] أعرض عن الرسل، وانصرف عن دعوتهم، ومع ذلك لم يقبل منَّا. {وَ} كذا بينّا لكم أيها المكلفون أنها {سَيُجَنَّبُهَا} أي: يُبعد عن النار المسعرة في دركات الجحيم {ٱلأَتْقَى} [الليل: 17]. {ٱلَّذِى يُؤْتِي} يعطي ويتصدق {مَالَهُ} في سبيل الله؛ طلباً لمرضاة الله على فقراء الله كيف {يَتَزَكَّىٰ} [الليل: 18] ويتطهر عن قاذورات الدنيا، ولم يبق في قلبه سوى المولى حتى وصل إلى سدرة المنتهى، ومع وجود هذه الآيات لم يتنبهوا ولم يتفطنوا. {وَ} بالجملة: {مَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ} [الليل: 19] يعني: ما يصح ويليق لأحد أن يتصدق بماله على طمع الجزاء والعوض والمكافأة، بل اللائق بحاله ألاَّ يعطي ما يعطي على من يعطي. {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} [الليل: 20] يعني: طلباً للقاء الله في يوم الجزاء لا الثناء الدنيوي ولا للثواب الأخروي، بل رجاء أن يلقى ربه ويطالع وجهه الكريم. {وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} [الليل: 21] عن الله، بالفوز بشرف اللقاء عند كشف الغطاء. اللهم ارزقنا لقاءك يوم نلقاك. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لرضاء الله، والراجي مطالعة جمال الله وجلاله أن تحسن الأدب مع الله في عموم أحوالك في النشأة الأولى، وتزكّي نفسك عن مطلق الأماني والآمال الشاغلة عن التوجه نحوه، فعليك التبتل والاجتهاد على وجه الإخلاص والتوفيق من الله يهديك إلى سبيل الرشاد. وإياك إياك أن تلتفت إلى مزخرفات الدنيا الدنيّة، فإنها تلهيك عن الدرجات العليّة الأخروية، وتغويك إلى الدركات الهوية الجهنمية الإمكانية، فلك أن تطرح كلها حتى تخلص عن غوائلها. جعلنا الله ممن تَنَفَّر عن الدنيا وما فيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):