Verse. 6072 (AR)

٩٢ - ٱللَّيْل

92 - Al-Lail (AR)

فَاَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّٰى۝۱۴ۚ
Faanthartukum naran talaththa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأنذرتكم» خوفتكم يا أهل مكة «نارا تلظى» بحذف إحدى التاءين من الأصل وقريء بثبوتها، أي تتوقد.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم لظى، ثم بين أنها لمن هي بقوله: {لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأَشْقَى } قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمداً والأنبياء قبله، وقيل: إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال: لست فيها بأوحد أي بواحد، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله، وتولى أي أعرض عن طاعة الله. واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار، قال القاضي: ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه أحدها: أنه يقتضي أن لا يدخل النار إلا الأَشقى الذي كذب وتولى فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار وثانيها: أن هذا إغراء بالمعاصي، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى: لمن صدق بالله ورسوله ولم يكذب ولم يتول: أي معصية أقدمت عليها، فلن تضرك، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة، وتعالى الله عن ذلك وثالثها: أن قوله تعالى: من بعد {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى }تفسير : [الليل: 17] يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق، أنه ليس بأتقى، لأن ذلك مبالغة في التقوى، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار، وكل مكلف لا يجنب النار، فلا بد وأن يكون من أهلها، ولما ثبت أنه لا بد من التأويل، فنقول: فيه وجهان الأول: أن يكون المراد بقوله: {نَاراً تَلَظَّىٰ } ناراً مخصوصة من النيران، لأنها دركات لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [النساء: 145] فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني: أن المراد بقوله: {نَاراً تَلَظَّىٰ } النيران أجمع، ويكون المراد بقوله: {لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأَشْقَى } أي هذا الأشقى به أحق، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى. واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة. أما قوله أولاً: يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه: أن كل كافر لا بد وأن يكون مكذباً للنبي في دعواه، ويكون متولياً عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة، وأنه كذب وتولى وإذا كان كل كافر داخلاً في الآية سقط ما قاله القاضي. وأما قوله ثانياً: إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضاً، لأنه يكفي في الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب، ولعله يعذبه بطريق آخر، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب في إدخال النار. وأما قوله ثالثاً: {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } فهذا لا يدل على حال غير الأتقى إلا على سبيل المفهوم، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به؟ والذي يؤكد هذا أن هذا يقتضي فيمن ليس بأتقى دخول النار، فيلزم في الصبيان والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل. وأما قوله رابعاً: المراد منه نار مخصوصة، وهي النار التي تتلظى فضعيف أيضاً، لأن قوله: {نَاراً تَلَظَّىٰ } يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران، وأن يكون صفة لنار مخصوصة، لكنه تعالى وصف كل نار جهنم بهذا الوصف في آية أخرى، فقال: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ نَزَّاعَةً لّلشَّوَىٰ } تفسير : [المعارج: 15]. وأما قوله: المراد إن هذا الأشقى أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير دليل، فثبت ضعف الوجوه التي ذكرها القاضي، فإن قيل: فما الجواب عنه على قولكم، فإنكم لا تقطعون بعدم وعيد الفساق؟ الجواب: من وجهين: الأول: ما ذكره الواحدي وهو أن معنى: {لاَ يَصْلَـٰهَا } لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال: صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسياً شدتها وحرها، وعندنا أن هذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها تخلص منها الثاني: أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق، والله أعلم. قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَنذَرْتُكُمْ} أي حذرتكم وخوّفتكم. {نَاراً تَلَظَّىٰ} أي تَلَهَّب وتتوقد. وأصله تتلظى. وهي قراءة عُبيد بن عُمير، ويحيـى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. {لاَ يَصْلاَهَآ} أي لا يجد صَلاَها وهو حرها. {إِلاَّ ٱلأَشْقَى} أي الشقي. {ٱلَّذِي كَذَّبَ} نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم. {وَتَوَلَّىٰ } أي أعرض عن الإيمان. وروى مكحول عن أبي هريرة قال: كل يدخل الجنة إلا من أباها. قال: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: الذي كَذَّب وتَوَلَّى. وقال مالك: صلَّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب، فقرأ {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } فلما بلغ {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ } وقع عليه البكاء، فلم يقدر يتعدّاها من البكاء، فتركها وقرأ سورة أخرى. وقال الفرّاء: «إلا الأشقى» إلا من كان شقِياً في علم الله جل ثناؤه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «لا يصلاها إلا الأَشقَى» أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله. وقال الفرّاء: لم يكن كذب بردّ ظاهر، ولكنه قصَّر عما أُمِر به من الطاعة؛ فجُعِل تكذيباً؛ كما تقول: لقِي فلان العدوّ فكذب: إذا نكل ورجع عن اتباعه. قال: وسمعت أبا ثروان يقول: إن بني نُمَيْر ليس لجِدّهم مكذوبة. يقول: إذا لَقُوا صدقوا القتال، ولم يرجعوا. وكذلك قوله جل ثناؤه: { أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } تفسير : [الواقعة: 2] يقول؛ هي حق. وسمعت سلم بن الحسن يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر؛ لقوله جل ثناؤه: {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } وليس الأمر كما ظنوا. هذه نار موصوفة بعينها، لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولّى. ولأهل النار منازل؛ فمنها أن المنافقين في الدِّرْك الأسفل من النار؛ والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به. وقال جل ثناؤه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 48]، فلو كان كل من لم يشرك لم يعذَّب، لم يكن في قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} فائدة، وكان {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} كلاماً لا معنى له. الزمخشريّ: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل: الأشقى، وجعل مختصاً بالصَّلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصاً بالجنة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف. وأبو بكر رضي الله عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَنذَرْتُكُمْ } خوفتكم يا أهل مكة {نَاراً تَلَظَّىٰ } بحذف إحدى التاءين من الأصل وقرىء (تتلظى) بثبوتها، أي تتوقد.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَلَظَّى} تتغيظ أو تستطيل أو توهج.

اسماعيل حقي

تفسير : {فانذرتكم} خوفتكم بالقرءآن وبالفارسية بس ببم كنم شمارا. اى يا اهل مكة {نارا} از آتشى كه {تلظى} زبانه زند وهو بحذف احدى التاءين من تتلظى ان تتلهب فان النار مؤنث وصفت به ولو كان ماضيا لقيل تلظت مع أن المراد بوصفها دوام التلظى بالفعل الاستمرارى وفى بعض التفاسير المراد من انذرتكم انشاء الانذار كقولهم بعت واشتريت او اخبار يراد به الانذار السابق فى مثل قوله تعالى فى سورة المدثر {أية : سأصليه سقر وما ادراك ما سقر لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر}تفسير : فانها اول سورة نزلت عند الاكثرين وهذا اشد تخويفا من أن يقال خافوا واتقوا نارا تلظى.

الطوسي

تفسير : قوله {فأنذرتكم ناراً تلظى} وعيد من الله تعالى للمكلفين. تقول خوفتكم المعاصي التي تؤديكم إلى نار تلظى. وقرأ ابن كثير {ناراً تلظى} بتشديد التاء ادغم احدى التاءين فى الأخرى، لان الأصل تتلظى. وقيل: انه ادغم نون التنوين فى التاء. الباقون بالتخفيف فحذفوا احدى التاءين. والتلظي تلهب النار بشدة الايقاد تلظت النار تتلظى تلظياً ولظى اسم من اسماء جهنم. وقوله {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب} وقصر عما أمرته كما تقول: لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع - ذكره الفراء - فكأنه كذب في الطاعة أى لم يتحقق. وقال المفسرون فيها قولان: احدهما - الانذار بنار هذه صفتها، وهي درك مخصوص من أدراك جهنم فهي تختص هذا المتوعد الذى كذب بآيات الله وجحد توحيده {وتولى} عنها بأن لم ينظر فيها أو رجع عنها بعد أن كان نظر فيها فصار مرتداً. والثاني محذوف لما صحبه من دليل الآي الاخر، كأنه قال ومن جرى مجراه ممن عصى فعلى هذا لا متعلق للخوارج في أن مرتكب الكبيرة كافر. وقوله {وسيجنبها الأتقى} معناه سيبعد من هذه النار من كان اتقى الله باجتناب معاصيه {الذي يؤتي ماله} أي يعطي ماله {يتزكى} يطلب بذلك طهارة نفسه، فالتجنب تصيير الشيء في جانب عن غيره، فالاتقى يصير في جانب الجنة عن جانب النار يقال: جنبه الشر تجنيباً وتجنب تجنباً وجانبه مجانبة، ورجل جنب، وقد اجنب إذا أصابه ما يجانب به الصلاة حتى يغتسل. وقوله {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} معناه ليس ذلك ليد سلفت تكافي عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من العباد، وقوله {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} معناه بل إنما فعل ذلك طلب رضوان الله، وذكر الوجه طلباً لشرف الذكر. والمعنى إلا ابتغاء ثواب الله وطلب رضوانه. وقوله {ولسوف يرضى} معناه إن هذا العبد الذي فعل ما فعله لوجه الله سوف يرضى بما يعطيه الله على ذلك من الثواب وجزيل النعيم يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ} بالولاية {وَتَوَلَّىٰ} عنها، او كذّب بالآخرة، او بالرّسالة.

اطفيش

تفسير : {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} تتوقد وهو مضارع أصله تتلظى حذفت إحدى التائين ولو كان ماضيا لقال تلظت إذ لا يقال في السعة الشمس طلع ذكره ابن هشام وقرأ ابن الزبير بالتائين.

اطفيش

تفسير : تتلظى أى تتلهب وحذفت إحدى التاءَين وقرأ بهما عبد الله بن الزبير وغيره.

الالوسي

تفسير : قيل متفرع على كون الهدى عليه سبحانه أي فهديتكم بالإنذار وبالغت في هدايتكم و{تَلَظَّىٰ} بمعنى تتلهب وأصله تتلظى بتاءين فحذفت منه إحداهما وقد قرأ بذلك ابن الزبير وزيد بن علي وطلحة وسفيان بن عيينة وعبيد بن عمير.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذِكري إذا كان فعل: «أنذرتكم» مستعملاً في ماضيه حقيقةً وكان المراد الإِنذار الذي اشتمل عليه قوله: { أية : وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى } تفسير : [الليل: 8 ـــ 10] إلى قوله: { أية : تردى } تفسير : [الليل: 11]. وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدلّ على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذارٍ مفصَّلٍ على إنذارٍ مجمل. ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعلُ «أنذرتكم» مراداً به الحال وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في: قد قَامت الصلاة، وقولهم: عزمت عليك إلاّ ما فعلت كذا، أي أعزم عليك، ومثل ما في صيغ العقود: كبعتُ، وهو تفريع على جملة: { أية : إن علينا للهدى } تفسير : [الليل: 12] والمعنى: هديكم فأنذرتكم إبلاغاً في الهدى. وتنكير {ناراً} للتهويل، وجملة {تلظّى} نعت. وتلظى: تلتهب من شدة الاشتعال. وهو مشتق من اللّظى مصدر: لَظَيَتْ النار كرَضيتْ إذا التهبت، وأصل {تلظى} تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار. وجملة {لا يصلاها إلا الأشقى} صفة ثانية أو حال من {ناراً} بعد أن وصفت. وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله: { أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } تفسير : [البقرة: 24] والقرينة على ذلك قوله: {وسيجنبها الأتقى} الآية. وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال: هذه الآية التي من أجلها قال أهلُ الإِرجاء بالإِرجاء فزعموا: أن لا يدخل النار إلا كافر، وليس الأمر كما ظنوا: هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى، ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهــــ. والمعنى: لا يصلاها إلا أنتم. وقد أتبع {الأشقى} بصفة {الذي كذب وتولى} لزيادة التنصيص على أنهم المقصود بذلك فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وتولوا، أي أعرضوا عن القرآن، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ فقد كان الناس في زمن ظهور الإسلام أحد فريقين: إما كافر وإما مؤمن تقي، ولم يكن الذين أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإِسلام بشراشرهم، ولذلك عطف {وسيجنبها الأتقى} الخ تصريحاً بمفهوم القصر وتكميلاً للمقابلة. و{الأشقى} و{الأتقى} مراد بهما: الشديد الشقاء والشديد التقوى ومثله كثير في الكلام. وذكر القرطبي: أن مالكاً قال: صلّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ {والليل إذا يغشى} فلما بلغ: {فأنذرتكم ناراً تلظىٰ} وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعدّاها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى». ووصف {الأشقى} بصلة {الذي كذب وتولى}، ووصف {الأتقى} بصلة {الذي يؤتى ماله يتزكى} للإِيذان بأن للصلة تسبباً في الحكم. وبين {الأشقى} و{الأتقى} محسن الجناس المضارع. وجملة {يتزكى} حال في ضمير {يؤتي}، وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضاً بالمشركين الذي يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور. والتزكي: تكلف الزكاء، وهو النماء من الخير. والمَال: اسم جنس لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به أربابها. ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل. وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم، فلا تدل الآية على أنه آتى جميع ماله. وقوله: {وما لأحد عنده من نعمة تُجزى} الآية اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمَّا أعتق بلالاً قال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده. وهو قول من بهتانهم (يعللون به أنفسهم كراهية لأن يكون أبو بكر فعل ذلك محبة للمسلمين)، فأنزل الله تكذيبهم بقوله: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} مراداً به بعض من شمله عموم {الذي يؤتي ماله يتزكى}، وهذا شبيه بذكر بعض أفراد العام وهو لا يخصـص للعموم ولكن هذه لما كانت حالة غير كثيرة في أسباب إيتاء المال تعين أن المراد بها حالة خاصة معروفة بخلاف نحو قوله: { أية : وآتى المال على حبه ذوي القربى } تفسير : [البقرة: 177]، وقوله: { أية : إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً } تفسير : [الإنسان: 9]. و{عنده} ظرف مكان وهو مستعمل هنا مجازاً في تمكن المعنى من المضاف إليه عنه كتمكن الكائن في المكان القريب، قال الحارث بن حِلِّزَة: شعر : من لنا عِندَه من الخير آيا ت ثلاث في كلهن القضاء تفسير : و{من نعمة} اسم {ما} النافية جر بــــ {من} الزائدة التي تزاد في النفي لتأكيد النفي، والاستثناء في {إلا ابتغاء وجه ربه} مُنقطع، أي لكن ابتغاء لوجه الله. والابتغاء: الطلب بجد لأنه أبلغ من البغي. والوجه مستعمل مراداً به الذات كقوله تعالى: { أية : ويبقى وجه ربك } تفسير : [الرحمٰن: 27]. ومعنى ابتغاء الذات ابتغاء رضا الله. وقوله: {ولسوف يرضى} وعد بالثواب الجزيل الذي يرضى صاحبه. وهذا تتميم لقوله: {وسيجنبها الأتقى} لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك لقصد المقابلة مع قوله: {لا يصلاها إلا الأشقى} فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات. وحرف «سَوف» لتحقيق الوعد في المستقبل كقوله: { أية : قال سوف أستغفر لكم ربي } تفسير : [يوسف: 98] أي يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد. واللام لام الابتداء لتأكيد الخبر. وهذه من جوامع الكلم لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون. وبهذه السورة انتهت سورة وسط المفصّل.

الشنقيطي

تفسير : أي تتلظى، واللظى: اللهب الخالص، وفي وصف النار هنا بتلظى مع أن لها صفات عديدة منها: السعير، وسقر، والجحيم، والهاوية، وغير ذلك. وذكر هنا صنفاً خاصاً، وهو من كذب وتولى، كما تقدم في موضع آخر في وصفها أيضاً بلظى في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} تفسير : [المعارج: 15-16]، ثم بين أهلها بقوله: {أية : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ * وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} تفسير : [المعارج: 17-18]. وهو كما هو هنا {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [الليل: 14-16]، وهو المعنى في قوله قبله: {أية : وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الليل: 8-9]، مما يدل أن للنار عدة حالات أو مناطق أو منازل، كل منزلة تختص بصنف من الناس، فاختصت لظى بهذا الصنف، واختصت سقر بمن لم يكن من المصلين، وكانوا يخوضون مع الخائضين، ونحو ذلك. ويشهد له قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145]، كما أن الجنة منازل ودرجات، حسب أعمال المؤمنين، والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : (14) - وَإِنَّهُ تَعَالَى أَنْذَرَ الكُفَّارَ وَحَذَّرَهُمْ مِنَ العَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ المُلْتَهِبَةِ، وَذَلِكَ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ، وَقَطْعاً لِحُجَّتِهِمْ. تَلَظَّى - تَتَلَهَّبُ وَتَتَوقدُ.

الثعلبي

تفسير : {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} تتوقد وتتوهج، وقرأ عبيد بن عمير (تتلظى) على الأصل، وغيره على الحذف {لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى * ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} قرأ أبو هريرة: ليدخلنّ الجنة إلاّ من يأبى، قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ قوله سبحانه: {ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا برهان بن علي الصوفي قال: حدّثنا أبو خليفة قال: حدّثنا القعبني قال: حدّثنا مالك قال: صلّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب، فقرأ فيها {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}، فلمّا أتى على هذه الآية {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} وقع عليه البكاء فلم يقدر أن [يتعدّاها] من البكاء، وقرأ سورة أُخرى. {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ } قال أهل المعاني: أراد الشقي والتقي، كقول طرفة: شعر : تمنى رجال أن أموت، فإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد تفسير : أي بواحد. أخبرني الحسين قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله المقري قال: حدّثنا جدّي قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن سالم. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا ابن عمران قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكر رضي الله عنه اعتق من كان يعذّب في الله: بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وبنتها وزنيرة وأم عميس وأمة بني المؤمّل. فأما زنيرة فكانت رومية وكانت لبني عبد الدار، فلمّا أسلمت عميت، فقالوا: أعمتها اللاتِ والعزى. فقالت: هي تكفر باللات والعزى، فردّ الله إليها بصرها، ومرّ أبو بكر بها وهي تطحن وسيّدتها تقول: والله لا أعتقك حتى يعتقك صُباتك، فقال أبو بكر فحلى إذاً يا أم فلان فبكمْ هي إذاً؟ قالت: بكذا وكذا أوقية، قال: قد أخذتها، قومي، قالت: حتى أفرغ من طحني. وأما بلال فاشتراه، وهو مدفون بالحجارة، فقالوا: لو أبيت إلاّ أوقية واحدة لبعناك، فقال أبو بكر: لو أبيتم إلاّ مائة أوقية لأخذته، وفيه نزلت يعني أبا بكر، {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} إلى آخرها، وأسلم وله أربعون ألفاً فأنفقها كلّها، يعني أبا بكر. وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو سعيد الحسن بن أحمد بن جعفر اليزدي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي عبد الرحمن المقري قال: حدّثنا سفيان، عن عتبة قال: حدّثني من سمع ابن الزبير على المنبر وهو يقول: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، قال: [إنما أريد ما أُريد] فنزلت فيه {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} إلى آخر السورة، وكان اسمه عبد الله بن عثمان. عن عطاء، عن ابن عباس، في هذه الآية حديث : أن بلالا لما أسلم ذهب إلى الأصنام فسلح عليها، وكان المشركون وكلوا امراة تحفظ الأصنام، فأخبرتهم المرأة، وكان بلال عبداً لعبد الله ابن جدعان، فشكوا إليه، فوهبه لهم ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء، وهو يقول: أحداً أحد، فمرّ به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ينجيك أحد أحد، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن بلالا يعذَّب في الله، فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به . تفسير : وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أُمية بن خلف قال لإبي بكر حين قال له أبو بكر: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس، وكان نسطاس عبداً لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري ومواشي، وكان مشركاً [وحمله] أبو بكر على الإسلام على أن يكون [له] ماله، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلمّا قال له أُمية: أتبيعه بغلامك نسطاس؟ اغتنمه أبو بكر وباعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك لبلال إلاّ ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله سبحانه {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ} من أُولئك الذين أعتقهم {مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ} يد نكافئه عليها {إِلاَّ} لكن {ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} بثواب الله في العقبى عوضاً مما فعل في الدنيا. وأخبرنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله العماني الحفيد قال: حدّثنا أحمد بن نصر بن خفيف القلانسي الرقّاء قال: حدّثنا محمد بن جعفر بن سوّار بن سنان في سنة خمس وثمانين ومائتين قال: حدّثنا علي ابن حجر، عن إسحاق بن نجح، عن عطاء قال:حديث : كان لرجل من الأنصار نخلة، وكان له جار، فكان يسقط من بلحها في دار جاره، فكان صبيانه يتناولون، فشكا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي (عليه السلام) "بعنيها بنخلة في الجنة"، فأبى قال: فخرج، فلقيه أبو الدحداح، فقال: هل لك أن تبيعها بجبس؟ يعني حائطاً له، فقال: هي لك، قال: فأتى النبي (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله اشترها منّي بنخلة في الجنة، قال: نعم، قال: هي لك، فدعا النبي (عليه السلام) جار الأنصاري، فأخدها، فأنزل الله سبحانه وتعالى {وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ} إلى قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} أبو الدحداح والأنصاري صاحب النخلة . تفسير : {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} أبو الدحداح {وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} يعني الثواب {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} يعني الجنة. {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ} يعني الأنصاري {وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ} يعني الثواب {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} يعني النار، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} يعني به إذا مات كما في قوله: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ * لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى} صاحب النخلة {وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى} يعني أبا الدحداح {ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} يعني أبا الدحداح {وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ} يكافئه بها، يعني أبا الدحداح {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} إذا أدخله الجنة. حديث : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بذلك بجبس وعذوقه دانية، فيقول: "عذوق وعذوق لأبي الدحداح في الجنة ".