٩٣ - ٱلضُّحَىٰ
93 - Ad-Dhuha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : لأهل التفسير في قوله: {وَٱلضُّحَىٰ } وجهان: أحدهما: أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها وثانيها: الضحى هو النهار كله بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله. وأما قوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } فذكر أهل اللغة في {سَجَىٰ } ثلاثة أوجه متقاربة: سكن وأظلم وغطى أما الأول: فقال أبو عبيد والمبرد والزجاج: سجى أي سكن يقال: ليلة ساجية أي ساكنة الريح، وعين ساجية أي فائزة الطرف. وسجى البحر إذا سكنت أمواجه، وقال في الدعاء: يا مالك البحر إذا البحر سجى وأما الثاني: وهو تفسير سجى بأظلم. فقال الفراء: سجى أي أظلم وركد في طوله. وأما الثالث: وهو تفسير سجى بغطى، فقال الأصمعي وابن الأعرابي سجى الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل بالثوب، واعلم أن أقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الوجوه الثلاثة فقال ابن عباس: غطى الدنيا بالظلمة، وقال الحسن: ألبس الناس ظلامه، وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: إذا أقبل الليل غطى كل شيء، وقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: سكن بالناس ولسكونه معنيان أحدهما: سكون الناس فنسب إليه كما يقال ليل نائم ونهار صائم والثاني: هو أن سكونه عبارة عن استقرار ظلامه واستوائه فلا يزداد بعد ذلك، وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الحكمة في أنه تعالى في السورة الماضية قدم ذكر الليل، وفي هذه السورة أخره؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: أن بالليل والنهار ينتظم مصالح المكلفين، والليل له فضيلة السبق لقوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] وللنهار فضيلة النور، بل الليل كالدنيا والنهار كالآخرة، فلما كان لكل واحد فضيلة ليست للآخر، لا جرم قدم هذا على ذاك تارة وذاك، على هذا أخرى، ونظيره أنه تعالى قدم السجود على الركوع في قوله: {أية : وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى }تفسير : [آل عمران: 43] ثم قدم الركوع على السجود في قوله: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ } تفسير : [الحج: 77] وثانيها: أنه تعالى قدم الليل على النهار في سورة أبي بكر لأن أبا بكر سبقه كفر، وههنا قدم الضحى لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما سبقه ذنب وثالثها: سورة والليل سورة أبي بكر، وسورة الضحى سورة محمد عليه الصلاة والسلام ثم ما جعل بينهما واسطة ليعلم أنه لا واسطة بين محمد وأبي بكر، فإذا ذكرت الليل أولاً وهو أبو بكر، ثم صعدت وجدت بعده النهار وهو محمد، وإن ذكرت والضحى أولاً وهو محمد، ثم نزلت وجدت بعده، والليل وهو أبو بكر، ليعلم أنه لا واسطة بينهما. السؤال الثاني: ما الحكمة ههنا في الحلف بالضحى والليل فقط؟ والجواب: لوجوه أحدها: كأنه تعالى يقول: الزمان ساعة، فساعة ساعة ليل، وساعة نهار، ثم يزداد فمرة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار، ومرة بالعكس فلا تكون الزيادة لهوى ولا النقصان لقلى. بل للحكمة، كذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس، فلا كان الإنزال عن هوى، ولا كان الحبس عن قلى وثانيها: أن العالم لا يؤثر كلامه حتى يعمل به، فلما أمر الله تعالى بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لم يكن بد من أن يعمل به، فالكفار لما ادعوا أن ربه ودعه وقلاه، قال: هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه وما قلاه وثانيها: كأنه تعالى يقول: انظروا إلى جوار الليل مع النهار لا يسلم أحدهما عن الآخر بل الليل تارة يغلب وتارة يغلب فكيف تطمع أن تسلم على الخلق. السؤال الثالث: لم خص وقت الضحى بالذكر؟ الجواب: فيه وجوه أحدها: أنه وقت اجتماع الناس وكمال الأنس بعد الاستيحاش في زمان الليل، فبشروه أن بعد استيحاشك بسبب احتباس الوحي يظهر ضحى نزول الوحي وثانيها: أنها الساعة التي كلم فيها موسى ربه، وألقى فيها السحرة سجداً، فاكتسى الزمان صفة الفضيلة لكونه ظرفاً، فكيف فاعل الطاعة! وأفاد أيضاً أن الذي أكرم موسى لا يدع إكرامك، والذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك. السؤال الرابع: ما السبب في أنه ذكر الضحى وهو ساعة من النهار، وذكر الليل بكليته؟ الجواب: فيه وجوه أحدها: أنه إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل كما أن محمداً إذا وزن يوازي جميع الأنبياء والثاني: أن النهار وقت السرور والراحة، والليل وقت الوحشة والغم فهو إشارة إلى أن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة والليل كذا ساعات، يروى أن الله تعالى لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يسارة، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن امطري الهموم والأحزان مائة سنة، ثم انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى تمام ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة، فلهذا السبب ترى الغموم والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً وثالثها: أن وقت الضحى وقت حركة الناس وتعارفهم فصارت نظير وقت الحشر، والليل إذا سكن نظير سكون الناس في ظلمة القبور، فكلاهما حكمة ونعمة لكن الفضيلة للحياة على الموت، ولما بعد الموت على ما قبله، فلهذا السبب قدم ذكر الضحى على ذكر الليل ورابعها: ذكروا الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه، ثم عقبه بالليل حتى لا يحصل الأمن من مكره. السؤال الخامس: هل أحد من المذكرين فسر الضحى بوجه محمد والليل بشعره؟ والجواب: نعم ولا استبعاد فيه ومنهم من زاد عليه فقال: والضحى ذكور أهل بيته، والليل إناثهم، ويحتمل الضحى رسالته والليل زمان احتباس الوحي، لأن في حال النزول حصل الاستئناس وفي زمن الاحتباس حصل الاستيحاش، ويحتمل والضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب: والليل عفوه الذي به يستر جميع الغيوب. ويحتمل أن الضحى إقبال الإسلام بعد أن كل غريباً والليل إشارة إلى أنه سيعود غريباً، ويحتمل والضحى كمال العقل، والليل حال الموت، ويحتمل أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيباً، وبسرك الذي لا يعلم عليه عالم الغيب عيباً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } قد تقدّم القول في «الضحى»، والمراد به النهار؛ لقوله؛ {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } فقابله بالليل. وفي سورة (الأعراف) { أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأعراف: 97 ـ 98] أي نهاراً. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق: أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبليلة المِعراج. وقيل: هي الساعة التي خرّ فيها السَّحَرة سجداً. بيانه قوله تعالى: { أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى } تفسير : [طه: 59]. وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فهي إضمار، مجازه ورب الضحى. و{سَجَىٰ} معناه: سكن؛ قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. يقال: ليلة ساجية أي ساكنة. ويقال للعين إذا سكن طرفها: ساجية. يقال: سجا الليل يسجو سَجْواً: إذا سكن. والبحر إذا سجا: سكن. قال الأعشى: شعر : فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساجٍ ما يوارِي الدعامِصا تفسير : وقال الراجز: شعر : يا حَبَّذَا القَمْراءُ والليلُ الساجْ وطُرُق مِثلُ مِلاءِ النسّاجْ تفسير : وقال جرير: شعر : ولقد رمينَك يوم رُحْن بأعينٍ ينظرن من خِلَل الستور سواجي تفسير : وقال الضحاك: «سجا» غطَّى كل شيء. قال الأصمعيّ: سَجْو الليل: تغطيته النهار؛ مثلما يُسَجَّى الرجل بالثوب. وقال الحسن: غشى بظلامه؛ وقاله ابن عباس. وعنه: إذا ذهب. وعنه أيضاً: إذا أظلم. وقال سعيد بن جبير: أقبل؛ وروي عن قتادة أيضاً. وروى ابن أبي نَجيح عن مجاهد: «سجا» استوى. والقول الأوّل أشهر في اللغة: «سجا» سكن؛ أي سكن الناس فيه. كما يقال: نهار صائم، وليل قائم. وقيل: سكونه استقرار ظلامه واستواؤه. ويقال: «والضحى. والليلِ إذا سَجَا»: يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليلِ إذا أظلم. ويقال: «الضحى»: يعني نور الجنة إذا تنوّر. «والليل إذا سجا»: يعني ظلمة الليل إذا أظلم. ويقال: «والضحى»: يعني النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار. «والليلِ إذا سجا»: يعني السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل؛ فأقسم الله عز وجل بهذه الأشياء. {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}: هذا جواب القسم. وكان جبريل عليه السلام أبطأ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: قلاه الله وودّعه؛ فنزلت الآية. وقال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثني عشر يوماً. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً. وقيل: خمسة وعشرين يوماً. وقال مقاتل: أربعين يوماً. فقال المشركون: إن محمداً ودّعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء. وفي البخاريّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقُم ليلتين أو ثلاثاً؛ فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قرِبَك منذ ليلتين أو ثلاث؛ فأنزل الله عز وجل: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ }. وفي الترمذيّ « حديث : عن جندب البجليّ قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غار فدمِيت إصبعه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» قال: وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمد؛ فأنزل الله تبارك وتعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ }تفسير : . هذا حديث حسن صحيح. لم يذكر الترمذي: « حديث : فلم يَقُم ليلتين أو ثلاثاً » تفسير : أسقطه الترمذيّ. وذكره البخاري، وهو أصح ما قيل في ذلك. والله أعلم. وقد ذكره الثعلبي أيضاً عن جندب بن سفيان البجلي، قال: « حديث : رُمِي النبيّ صلى الله عليه وسلم في إصبعه بحجر، فدمِيت، فقال: «هل أنتِ إلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ» فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم الليل. فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم أره قرِبك منذ ليلتين أو ثلاث؛ فنزلت {وَٱلضُّحَىٰ } » تفسير : . وروى عن أبي عِمران الجَواني، قال: « حديث : أبطأ جبريل على النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه؛ فجاء وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو؛ فنكت بين كتِفيه، وأنزل عليه: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ }. وقالت خولة ـ وكانت تخدُم النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ: إن جَرْواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا ينزل عليه الوحي. فقال: «يا خولة، ما حدث في بيتي؟ ما لجبريل لا يأتيني» قالت خولة فقلت: لو هيأت البيت وكنسته؛ فأهويت بالمِكنسة تحت السرير، فإذا جَرْوٌ ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار؛ فجاء نبيّ الله ترعد لِحْيَاه ـ وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرِّعدة ـ فقال: «يا خولة دثرِيني» فأنزل الله هذه السورة. ولما نزل جبريل سأله النبيّ صلى الله عليه وسلم عن التأخر فقال: «أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صُورة» »تفسير : . وقيل: « حديث : لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف قال: «سأخبركم غداً» ولم يقل إن شاء الله. فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل جبريل عليه بقوله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 23 ـ 24] فأخبره بما سئل عنهتفسير : . وفي هذه القصة نزلت {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ }. وقيل: « حديث : إن المسلمين قالوا: يا رسول الله، ما لك لا ينزل عليك الوحي؟ فقال: «وكيف ينزل عليّ وأنتم لا تنقون رواجِبكم ـ وفي رواية براجِمكم ـ ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم». فنزل جبريل بهذه السورة؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما جئت حتى اشتقت إليك» فقال جبريل: «وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً، ولكني عبد مأمور» ثم أنزِل عليه {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}[مريم: 64]تفسير : . «ودّعك» بالتشديد: قراءة العامة، من التوديع، وذلك كتوديع المُفارق. وروي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرأاهُ «وَدَعك» بالتخفيف، ومعناه: تركك. قال: شعر : وثم وَدَعْنا آلَ عمرو وعامر فرائسَ أطراف المثقفة السمْرِ تفسير : واستعماله قليل. يقال: هو يدع كذا، أي يتركه. قال المبرد محمد بن يزيد: لا يكادون يقولون وَدَعَ ولا وَذَرَ، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنها بترك. قوله تعالى: {وَمَا قَلَىٰ} أي ما أبغضك ربك منذ أحبك. وترك الكاف، لأنه رأس آية. والقِلَى: البغض؛ فإن فتحت القاف مددت؛ تقول؛ قلاه يقلِيه قِلًى وقَلاَء. كما تقول؛ قريت الضيف أقرِيه قِرًى وقَرَاء. ويقلاه: لغة طيء. وأنشد ثعلب: شعر : أيامَ أمِّ الغمْر لا نقْلاها تفسير : أي لا نُبغضها. ونَقْلِي أي نُبغض. وقال: شعر : أسِيئي بنا أو أحْسِنِي لا ملومةٌ لدينا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : ولستُ بمقلِيّ الخِلال ولا قالِ تفسير : وتأويل الآية: ما ودّعك ربك وما قلاك. فترك الكاف لأنه رأس آية؛ كما قال عز وجل: { أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ } تفسير : [الأحزاب: 35] أي والذاكراتِ الله.
البيضاوي
تفسير : مكية. وآيها إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلضُّحَىٰ } ووقت ارتفاع الشمس وتخصيصه لأن النهار يقوى فيه، أو لأن فيه كلم موسى عليه الصلاة والسلام ربه وألقى السحرة سجداً، أو النهار ويؤيده قوله تعالى: {أية : أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } تفسير : [الأعراف: 98] في مقابلة {أية : بَيَاتًا }تفسير : [الأعراف: 4] {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر سجواً إذا سكنت أمواجه، وتقديم {ٱلَّيْلَ } في السورة المتقدمة باعتبار الأصل، وتقديم النهار ها هنا باعتبار الشرف. {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } ما قطعك قطع المودع، وقرىء بالتخفيف بمعنى ما تركك وهو جواب القسم. {وَمَا قَلَىٰ } وما أبغضك، وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل ومراعاة للفواصل. روي أن الوحي تأخر عنه أياماً لتركه الاستثناء كما مر في سورة «الكهف»، أو لزجره سائلاً ملحاً، أو لأن جرواً ميتاً كان تحت سريره أو لغيره فقال المشركون: إن محمداً ودعه ربه وقلاه فنزلت رداً عليهم. {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } فإنها باقية خالصة عن الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار، كأنه لما بين أنه سبحانه وتعالى لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا وعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة، أو لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواء، واللام للابتلاء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير: ولأنت سوف يعطيك لا للقسم فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإِعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمه. {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَىٰ } تعديد لما أنعم عليه تنبيهاً على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وأن تأخر. و {يَجِدْكَ } من الوجود بمعنى العلم و {يَتِيماً } مفعولك الثاني أو المصادقة و {يَتِيماً } حال. {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } عن علم الحكم والأحكام. {فَهَدَىٰ } فعلمك بالوحي والإِلهام والتوفيق للنظر. وقيل وجدك ضالاً في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لتردك إلى جدك، فأزال ضلالك عن عمك أو جدك. {وَوَجَدَكَ عَائِلاً } فقيراً ذا عيال. {فَأَغْنَىٰ } بما حصل لك من ربح التجارة. {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } فلا تغلبه على ماله لضعفه، وقرىء فلا تكهر أي فلا تعبس في وجهه. {وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } فلا تزجره. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } فإن التحدث بها شكرها. وقيل المراد بالنعمة النبوة والتحديث بها تبليغها. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة والضحى جعله الله سبحانه وتعالى فيمن يرضى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع له وعشر حسنات، يكتبها الله سبحانه وتعالى بعدد كل يتيم وسائل».
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندباً يقول: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله عز وجل: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس عن جندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به. وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندباً قال: أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: ودع محمداً ربه، فأنزل الله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس: أنه سمع جندباً يقول: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في إصبعه، فقال: «حديث : هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت؟»تفسير : قال: فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } والسياق لأبي سعيد، قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه عليه السلام دميت، وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين، ولكن الغريب ههنا جعله سبباً لتركه القيام ونزول هذه السورة. فأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني عن عبد الله بن شداد: أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فجزع جزعاً شديداً، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك، قال: فنزلت: { وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } إلى آخرها؛ فإنه حديث مرسل من هذين الوجهين، ولعل ذكر خديجة ليس محفوظاً، أو قالته على وجه التأسف والحزن، والله أعلم. وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق: أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطاً عليه وهو بالأبطح {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] قال: قال له هذه السورة: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } قال العوفي عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، أبطأ عنه جبريل أياماً، فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} وهذا قسم منه تعالى بالضحى، وما جعل فيه من الضياء، { وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} أي: سكن فأظلم وادلهم، قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} تفسير : [الليل: 1 ــــ 2] وقال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [الأنعام: 96] وقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} أي: ما تركك، {وَمَا قَلَىٰ} أي: وما أبغضك. {وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} أي: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها إطراحاً كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خير عليه السلام في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عز وجل، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله، هو ابن مسعود، قال: اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ، جعلت أمسح جنبه، وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مسك أذفر كما سيأتي، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزاً كنزاً، فسر بذلك، فأنزل الله: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف، وقال السدي عن ابن عباس: من رضاء محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال الحسن: يعني بذلك: الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى»تفسير : ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}؟ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد عليه السلام، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره، ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم، آووه ونصروه وحاطوه، وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له، وكلاءته وعنايته به. وقوله تعالى: { وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} كقوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : الآية [الشورى: 52]. ومنهم من قال: إن المراد بهذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع، وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكباً ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي، وقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} أي: كنت فقيراً ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر، والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه. وقال قتادة في قوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} قال: كانت هذه منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعثه الله عز وجل. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس» تفسير : وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه.»تفسير : ثم قال تعالى: { فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} أي: كما كنت يتيماً فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، { وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} أي: وكما كنت ضالا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. قال ابن إسحاق: { وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} أي: فلا تكن جباراً ولا متكبراً ولا فحاشاً، ولافظاً على الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة: يعني: رد المسكين برحمة ولين، { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي: وكما كنت عائلاً فقيراً فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك؛ كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: «حديث : واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتمها علينا» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مَليح عن أبي عبد الرحمن عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: «حديث : من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» تفسير : وإسناده ضعيف. وفي الصحيحين عن أنس: أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال: «حديث : لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم»تفسير : . وقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يشكر الله من لا يشكر الناس» تفسير : ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن الربيع بن مسلم، وقال: صحيح. وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أبلى بلاء فذكره، فقد شكره، ومن كتمه، فقد كفره» تفسير : تفرد به أبو داود. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعطي عطاء، فوجد، فليجز به، فإن لم يجد، فليثن به، فمن أثنى به، فقد شكره، ومن كتمه، فقد كفره»تفسير : قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر: كرهوه فلم يسموه، تفرد به أبو داود، وقال مجاهد: يعني: النبوة التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن، وقال ليث عن رجل عن الحسن بن علي: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} قال: ما عملت من خير، فحدث إخوانك، وقال محمد بن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة، فحدث بها، واذكرها، وادع إليها، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلى. آخر تفسير سورة الضحى، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلضُّحَىٰ } أي أول النهار أو كله.
الشوكاني
تفسير : والمراد بالضحى هنا: النهار كله، لقوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } فلما قابل الضحى بالليل دلّ على أن المراد به النهار كله لا بعضه. وهو في الأصل اسم لوقت ارتفاع الشمس، كما تقدّم في قوله: {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 1]. والظاهر أن المراد به الضحى من غير تعيين. وقال قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق: إن المراد به الضحى الذي كلم الله فيه موسى، والمراد بقوله: {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } ليلة المعراج. وقيل: المراد بالضحى هو الساعة التي خرّ فيها السحرة سجداً، كما في قوله: {أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى } تفسير : [طه: 59]. وقيل: المقسم به مضاف مقدّر، كما تقدّم في نظائره، أي: وربّ الضحى. وقيل تقديره: وضحاوة الضحى، ولا وجه لهذا، فللّه سبحانه أن يقسم بما شاء من خلقه. وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار. وقيل: الضحى نور قلوب العارفين، والليل سواد قلوب الكافرين. {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } أي: سكن، كذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة، وغيرهم: يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة، ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، يقال: سجا الشيء يسجو سجواً: إذا سكن. قال عطاء: سجا إذا غطي بالظلمة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سجا امتدّ ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل بالثوب. وقال الحسن: غشي بظلامه. وقال سعيد بن جبير: أقبل. وقال مجاهد: أيضاً استوى، والأوّل أولى، وعليه جمهور المفسرين وأهل اللغة. ومعنى سكونه: استقرار ظلامه واستواؤه، فلا يزاد بعد ذلك. {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } هذا جواب القسم، أي: ما قطعك قطع المودّع. قرأ الجمهور: {ما ودّعك} بتشديد الدال من التوديع، وهو توديع المفارق. وقرأ ابن عباس، وعروة بن الزبير، وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: ودعه أي: تركه، ومنه قول الشاعر:شعر : سل أميري ما الذي غيره عن وصالي اليوم حتى ودّعه تفسير : والتوديع أبلغ في الودع؛ لأن من ودّعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك. قال المبرد: لا يكادون يقولون ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدّمت، واستغنوا عنها بترك. قال أبو عبيدة: ودّعك من التوديع، كما يودّع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، وقد قدّمنا سبب نزول هذه الآية في فاتحة هذه السورة. {وَمَا قَلَىٰ } القلي البغض. يقال: قلاه يقليه قلاء. قال الزجاج: وما أبغضك، وقال: {وما قلى}، ولم يقل، وما قلاك لموافقة رؤوس الآي. والمعنى: وما أبغضك، ومنه قول امرىء القيس:شعر : ولست بمقليّ الخلال ولا قالي تفسير : {وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلاْولَىٰ } اللام جواب قسم محذوف، أي: الجنة خير لك من الدنيا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أوتي في الدنيا من شرف النبوّة ما يصغر عنده كلّ شرف، ويتضاءل بالنسبة إليه كلّ مكرمة في الدنيا؛ ولكنها لما كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة فيها كأحلام نائم، أو كظل زائل لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئًا؛ ولما كانت طريقاً إلى الآخرة، وسبباً لنيل ما أعدّه الله لعباده الصالحين من الخير العظيم بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة من هذه الحيثية. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } هذه اللام قيل هي لام الابتداء دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره، ولأنت سوف يعطيك الخ، وليست للقسم؛ لأنها لا تدخل على المضارع إلاّ مع النون المؤكدة. وقيل: هي للقسم. قال أبو عليّ الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: إن زيداً لقائم، بل هي التي في قولك لأقومنّ، ونابت "سوف" عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: وليعطينك. قيل المعنى: ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب في الآخرة، فترضى. وقيل: الحوض والشفاعة. وقيل: ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. وقيل: غير ذلك. والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن أهمّ ذلك عنده، وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته. {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوَىٰ } هذا شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم، أي: وجدك يتيماً لا أب لك، {فآوى} أي: جعل لك مأوى تأوي إليه، قرأ الجمهور: {فآوى} بألف بعد الهمزة رباعياً، من آواه يؤويه، وقرأ أبو الأشهب: (فآوى) ثلاثياً، وهو إما بمعنى الرباعي، أو هو من أوى له إذا رحمه. وعن مجاهد معنى الآية: ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيماً من قولهم درّة يتيمة، وهو بعيد جداً، والهمزة لإنكار النفي، وتقرير المنفيّ على أبلغ وجه، فكأنه قال: قد وجدك يتيماً فآوى، والوجود بمعنى العلم، ويتيماً مفعوله الثاني. وقيل: بمعنى المصادفة، ويتيماً حال من مفعوله {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ } معطوف على المضارع المنفي. وقيل: هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله، كما ذكرنا، أي: قد وجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } تفسير : [طه: 52] وكما في قوله: {أية : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } تفسير : [يوسف: 3] والمعنى: أنه وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج. وقيل: معنى ضالاً لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك. وقال الكلبي، والسديّ، والفراء: وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله لك. وقيل: وجدك طالباً للقبلة، فهداك إليها، كما في قوله: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } تفسير : [البقرة: 144]. ويكون الضلال بمعنى الطلب. وقيل: وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع. وقيل: وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر:شعر : عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا تفسير : وقيل: وجدك ضالاً في شعاب مكة، فهداك، أي: ردّك إلى جدّك عبد المطلب. {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ } أي: وجدك فقيراً لا مال لك فأغناك. يقال: عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر، ومنه قول أحيحة بن الجلاح:شعر : فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغنيّ متى يعيل تفسير : أي: يفتقر. قال الكلبي: {فأغنى}: أي رضّاك بما أعطاك من الرزق، واختار هذا الفراء، قال: لأنه لم يكن غنياً من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى. وقال الأخفش: عائلاً ذا عيال، ومنه قول جرير:شعر : الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل، وللفقير العائل تفسير : وقيل: فأغنى بما فتح لك من الفتوح. وفيه نظر؛ لأن السورة مكية. وقيل: بمال خديجة بنت خويلد. وقيل: وجدك فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها. قرأ الجمهور: {عائلاً} وقرأ محمد بن السميفع، واليماني: (عيلاً) بكسر الياء المشدّدة كسيد. ثم أوصاه سبحانه باليتامى والفقراء فقال: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } أي: لا تقهره بوجه من وجوه القهر كائناً ما كان. قال مجاهد: لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيماً. قال الأخفش: لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك. قال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في حقّ اليتامى تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتيم، ويبرّه، ويوصي باليتامى. قرأ الجمهور: {فلا تقهر} بالقاف، وقرأ ابن مسعود، والنخعي، والشعبيّ، والأشهب العقيلي: (تكهر) بالكاف. والعرب تعاقب بين القاف والكاف. قال النحاس: إنما يقال كهره: إذا اشتدّ عليه وغلظ. وقيل: القهر الغلبة، والكهر الزجر. قال أبو حيان: هي لغة يعني قراءة الكاف مثل قراءة الجمهور. و{اليتيم} منصوب بـ {تقهر}. {وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، فهو نهي عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل له اليسير، أو يردّه بالجميل. قال الواحدي: قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول لا تنهره: إذا سألك فقد كنت فقيراً، فإما أن تطعمه، وإما أن تردّه ردّاً ليناً. قال قتادة: معناه ردّ السائل برحمة ولين. وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، و{السائل} منصوب بـ {تنهر}، والتقدير: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } أمره سبحانه بالتحدّث بنعم الله عليه، وإظهارها للناس، وإشهارها بينهم. والظاهر النعمة على العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها، أو نوع من أنواعها. وقال مجاهد، والكلبي: المراد بالنعمة هنا القرآن. قال الكلبي: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله به عليه، فأمره أن يقرأه. قال الفراء: وكان يقرؤه ويحدّث به. وقال مجاهد أيضاً: المراد بالنعمة النبوّة التي أعطاه الله. واختار هذا الزجاج فقال: أي: بلغ ما أرسلت به، وحدّث بالنبوّة التي آتاك الله، وهي أجلّ النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدي بعد الضلالة، وجبر اليتم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم. والتحدّث بنعمة الله شكر، والجارّ والمجرور متعلق بحدّث، والفاء غير مانعة من تعلقه به، وهذه النواهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي نواه له ولأمته؛ لأنهم أسوته، فكل فرد من أفراد هذه الأمة منهيّ بكلّ فرد من أفراد هذه النواهي. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } قال: إذا أقبل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه: {إِذَا سَجَىٰ } قال: إذا ذهب {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } قال: ما تركك {وَمَا قَلَىٰ } قال: ما أبغضك. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي»تفسير : فأنزل الله: {وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأَولَىٰ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم عنه أيضاً قال: «عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسرّ بذلك، فأنزل الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم». وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضاً في الآية قال: لا يرضى محمد، وأحد من أمته في النار، ويدلّ على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم: {أية : فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى }تفسير : [إبراهيم: 36] وقول عيسى: {أية : إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } تفسير : [المائدة: 118] الآية، فرفع يديه، وقال:«حديث : اللَّهم أمتي أمتي، وبكى»تفسير : فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال: قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدّث بها أهل العراق أحقّ هي؟ قال: إي والله. حدّثني محمد بن الحنفية عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت»تفسير : ثم أقبل عليّ فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }تفسير : [الزمر: 53]. قلت: إنا لنقول ذلك، قال: فكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } وهي الشفاعة. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا»تفسير : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }. وأخرج العسكري في المواعظ، وابن مردويه، وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وهي تطحن بالرّحى، وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال: «حديث : يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة»تفسير : فأنزل الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيـي الموتى، فقال تعالى: يا محمد ألم أجدك يتيماً، فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً، فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً، فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا ربّ»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَٱلضُّحَىٰ } على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يمنّ عليّ ربي وأهل أن يمنّ ربي»تفسير : وأخرج ابن مردويه عنه في قوله: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ } قال: وجدك بين الضالين، فاستنقذك من ضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن عليّ في قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } قال: ما علمت من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: إذا أصبت خيراً، فحدّث إخوانك. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والبيهقي في الشعب، والخطيب في المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: «حديث : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة»تفسير : وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن حبان، والبيهقي، والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره»تفسير : وأخرج البخاري في الأدب، وأبو داود، والضياء عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أعطى عطاء فوجد، فليجز به، فإن لم يجد فليثن به. فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور»تفسير : وأخرج أحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أولى معروفاً فليكافىء به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره، فقد شكره».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {والضُّحَى} هو قَسَمٌ، وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنه أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس، قاله السدي. الثاني: أنه صدر النهار، قاله قتادة. الثالث: هو طلوع الشمس، قاله قطرب. الرابع: هو ضوء النهار في اليوم كله، مأخوذ من قولهم ضحى فلان الشمس، إذا ظهر لها، قاله مجاهد، والاشتقاق لعلي بن عيسى. {والليلِ إذا سَجى} وهو قَسَم ثان، وفيه خمسة تأويلات: أحدها: إذا أقبل، قاله سعيد بن جبير. الثاني: إذا أظلم، قاله ابن عباس. الثالث: إذا استوى، قاله مجاهد. الرابع: إذا ذهب، قاله ابن حنطلة عن ابن عباس. الخامس: إذا سكن الخلق فيه، قاله عكرمة وعطاء وابن زيد، مأخوذ من قولهم سجى البحر إذا سكن، وقال الراجز: شعر : يا حبذا القمراءُ والليلِ الساج وطُرُقٌ مِثْلُ ملاءِ النسّاج تفسير : {ما ودَّعَكَ ربُّكَ وما قَلَى} اختلف في سبب نزولها، فروى الأسود بن قيس عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رُمي بحجر في إصبعه فدميت، فقال: شعر : هل أنت إلاّ أصبعٌ دَميتِ وفي سبيل اللَّه ما لَقِيتِ تفسير : قال فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت له امرأة يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزل عليه: {ما ودعك ربك وما قلى}. وروى هشام عن عروة عن أبيه قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع لذلك جزعاً شديداً، قالت عائشة: فقال كفار قريش: إنا نرى ربك قد قلاك، مما رأوا من جزعه، فنزلت: {ما ودعك ربك وما قلى}، وروى ابن جريج أن جبريل لبث عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشرة ليلة فقال المشركون: لقد ودع محمداً ربُّه، فنزلت: {ما ودعك ربك وما قلى}. وفي " وَدَّعَك" قراءتان: أحدهما: قراءة الجمهور ودّعك، بالتشديد، ومعناها: ما انقطع الوحي عنك توديعاً لك. والثانية: بالتخفيف، ومعناها: ما تركك إعراضاً عنك. " وما قلى" أي ما أبغضك، قال الأخطل: شعر : المهْديات لمن هوين نسيئةً والمحْسِنات لمن قَلَيْنَ مقيلاً تفسير : {ولَلآخرةُ خير لك مِنَ الأُولى} روى ابن عباس قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده، فسُرّ بذلك، فأنزل الله تعالى: " وللآخرة خير لك من الأُولى" الآية. وفي قوله {وللآخرة خير لك من الأولى} وجهان: أحدهما: وللآخرة خير لك مما أعجبك في الدنيا، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن مآلك في مرجعك إلى الله تعالى أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا، قاله ابن شجرة. {ولسوف يُعْطيك ربُّك فَتَرْضَى} يحتمل وجهين: أحدهما: يعطيك من النصر في الدنيا، وما يرضيك من إظهار الدين. الثاني: يعطيك المنزلة في الآخرة، وما يرضيك من الكرامة. {ألمْ يَجِدْك يتيماً فآوَى} واليتيم بموت الأب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أبويه وهو صغير، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات فكفله عمه أبو طالب، وفيه وجهان: أحدهما: أنه أراد يتم الأبوة بموت من فقده من أبويه، فعلى هذا في قوله تعالى " فآوى" وجهان: أحدهما: أي جعل لك مأوى لتربيتك، وقيمّاً يحنو عليك ويكفلك وهو أبو طالب بعد موت عبد الله وعبد المطلب، قاله مقاتل. الثاني: أي جعل لك مأوى نفسك، وأغناك عن كفالة أبي طالب، قاله الكلبي. والوجه الثاني: أنه أراد باليتيم الذي لا مثيل له ولا نظير، من قولهم درة يتيمة، إذا لم يكن لها مثيل،فعلى هذا في قوله " فآوى" وجهان: أحدهما: فآواك إلى نفسه واختصك برسالته. الثاني: أن جعلك مأوى الأيتام بعد أن كنت يتيماً، وكفيل الأنام بعد أن كنت مكفولاً، تذكيراً بنعمه عليه، وهو محتمل. {وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى} فيه تسعة تأويلات: أحدها: وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه، قاله ابن عيسى. الثاني: ووجدك ضالاً عن النبوة فهداك إليها، قاله الطبري. الثالث: ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم، وهذا معنى قول السدي. الرابع: ووجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها. الخامس: ووجدك ناسياً فأذكرك، كما قال تعالى: {أن تَضِل إحداهما}. السادس: ووجدك طالباً القبلة فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى الطلب، لأن الضال طالب. السابع: ووجدك متحيراً في بيان من نزل عليك فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى التحير، لأن الضال متحير. الثامن: ووجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع، لأن الضال ضائع. التاسع: ووجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قوله تعالى: {قالوا تاللَّه إنك لفي ضلالك القديم} أي في محبتك، قال الشاعر: شعر : هذا الضلال أشاب مِنّي المفرقا والعارِضَيْن ولم أكنْ مُتْحقّقاً عَجَباً لَعِزّةَ في اختيارِ قطيعتي بعد الضّلالِ فحبْلُها قد أخْلقاً تفسير : وقرأ الحسن: ووجدَك ضالٌّ فهُدِي، أي وجَدَك الضالُّ فاهتدى بك، {ووجَدَك عائلاً فأَغْنَى} فيه أربعة أوجه: أحدها: وجدك ذا عيال فكفاك، قاله الأخفش، ومنه قول جرير: شعر : الله أنْزَلَ في الكتابِ فَرِيضةً لابن السبيل وللفقير العائلِ تفسير : الثاني: فقيراً فيسَّر لك، قاله الفراء، قال الشاعر: شعر : وما يَدْري الفقيرُ متى غناه وما يَدْري الغنيُّ متى يَعيِلُ تفسير : أي متى يفتقر. الثالث: أي وجدك فقيراً من الحُجج والبراهين، فأغناك بها. الرابع: ووجدك العائلُ الفقير فأغناه الله بك، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بصوته الأعلى ثلاث مرات: "حديث : يَمُنّ ربي عليّ وهو أهلُ المَنّ " تفسير : {فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ} فيه خمسة أوجه: أحدها: فلا تحقر، قاله مجاهد. الثاني: فلا تظلم، رواه سفيان. الثالث: فلا تستذل، حكاه ابن سلام. الرابع: فلا تمنعه حقه الذي في يدك، قاله الفراء. الخامس: ما قاله قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، وهي في قراءة ابن مسعود: فلا تكْهَر، قاله أبو الحجاج: الكهر الزجر. روى أبو عمران الجوني عن أبي هريره أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: "حديث : إن أردت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم وأطْعِم المسكينَ " تفسير : {وأَمّا السائلَ فلا تَنْهَر} في رده إن منعته، ورُدّه برحمة ولين، قاله قتادة. الثاني: السائل عن الدين فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجِبْهُ برفق ولين، قاله سفيان. {وأمّا بِنَعْمِة ربِّكَ فحدِّثْ} في هذه النعمة ثلاثة تأويلات: أحدها: النبوة، قاله ابن شجرة، ويكون تأويل قوله فحدث أي ادعُ قومك. الثاني: أنه القرآن، قاله مجاهد، ويكون قوله: فحدث أي فبلّغ أمتك. الثالث: ما أصاب من خير أو شر، قاله الحسن. " فحدث" فيه على هذا وجهان: أحدهما: فحدّث به الثقة من إخوانك، قاله الحسن. الثاني: فحدِّث به نفسك، وندب إلى ذلك ليكون ذِكرها شكراً.
ابن عطية
تفسير : تقدم تفسير {الضحى} بأنه سطوع الضوء وعظمه، وقال قتادة: {الضحى} هنا، النهار كله، و {سجى} معناه سكن، واستقر ليلاً تاماً، وقال بعض المفسرين {سجى} معناه أقبل، وقال آخرون: معناه أدبر والأول أصح، ومنه قول الشاعر: [الحارثي]: [الراجز] شعر : يا حبذا القمراء والليل الساج وطرق مثل ملاء النساج تفسير : ويقال بحر ساج أي ساكن ومنه قول الأعشى: [الطويل] شعر : وما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج لا يواري الدعامصا تفسير : وطرف ساج إذا كان ساكناً غير مضطرب النظر، وقرأ جمهور الناس " ودّعك " بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام "ودَعك" بتخفيف الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وأبنه هشام "ودَعك" بتخفيف الدال بمعنى ترك، و {قلى} معناه: أبغض. واختلف في سبب هذه الآية فقال ابن عباس وغيره: أبطأ الوحي مرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة مدة اختلفت في حدها الروايات حتى شق ذلك عليه فجاءت امرأة من الكفار هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت الآية بسبب ذلك. وقال ابن وهب عن رجال عن عروة بن الزبير أن خديجة قالت له: ما أرى الله إلا قد خلاك لإفراط جزعك لبطء الوحي عنك، فنزلت الآية بسبب ذلك، وقال زيد بن أسلم: إنما احتبس عنه جبريل لجرو كلب كان في بيته، وقوله تعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى} يحتمل أن يريد الدارين الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حاليه في الدنيا قبل نزول السورة وبعدها فوعده الله تعالى على هذا التأويل بالنصر والظهور، وكذلك قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك} الآية، قال جمهور الناس: ذلك في الآخرة، وقال بعضهم من أهل البيت هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى وأحد من أمته في النار، ورويحديث : أنه عليه السلام لما نزلت قال: "إذاً لا أرضى وأحد من أمتي في النار" تفسير : ،وقال ابن عباس: رضاه أن لا يدخل أحد من أهل بيته في النار، وقال ابن عباس أيضاً: رضاه أن الله تعالى وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم، وقال بعض العلماء رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره، وفي مصحف ابن مسعود: " ولسيعطيك ربك فترضى "، ثم وقفه تعالى على المراتب التي رجه عنها بإنعامه ويتمه، كان فقد أبيه وكونه في كنف عمه أبي طالب، وقيل لجعفر بن محمد الصادق لم يتم النبي عليه السلام من أبويه، فقال لئلا يكون عليه حق لمخلوق، وقرأ الأشهب العقيلي " فأوى" بالقصر بمعنى رحم، تقول أويت لفلان أي رحمته، وقوله تعالى: {ووجدك ضالاً} أي وجده إنعامه بالنبوة والرسالة على غير الطريقة التي هو عليها في نبوته، وهذا قول الحسن والضحاك وفرقة، والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد، فالبعيد ضلال الكفار الذين يعبدون الأصنام ويحتجون لذلك ويعتبطون به، وكان هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه عليه السلام أقرب ضلال وهو الكون واقفاً لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر، وقال السدي: أقام على أمر قومه أربعين سنة، وقيل معنى {وجدك ضالاً} أي تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم. قال القاضي أبو محمد: ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعبد صنماً قط، ولكنه أكل ذبائحهم حسب حديث زيد بن عمرو في أسفل بارح وجرى على يسير من أمرهم وهو مع ذلك ينظر خطأ ما هم فيه ودفع من عرفات وخالفهم في أشياء كثيرة، وقال ابن عباس هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة، ثم رده الله تعالى إلى جده عبد المطلب، وقيل هو ضلاله من حليمة مرضعته، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: {ضالاً} معناه خامل الذكر لا يعرفك الناس فهداهم إليه ربك، والصواب أنه ضلال من توقف لا يدري كما قال عز وجل: {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} تفسير : [الشورى: 52] قال ثعلب قال أهل السنة: هو تزويجه بنته في الجاهلية ونحوه، والعائل الفقير، وقرأ اليماني "عيَّلاً" بشد الياء المكسورة ومنه قول الشاعر [أحيحة]: [الوافر] شعر : وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : وأعال: كثر عياله، وعال: افتقر، ومنه قول الله تعالى: {أية : وإن خفتم عيلة} تفسير : [التوبة: 28] وقوله تعالى: {فأغنى} قال مقاتل معناه رضاك بما أعطاك من الرزق، وقيل فقيراً إليه فأغناك به، والجمهور على أنه فقر المال وغناه، والمعنى في النبي صلى الله عليه وسلم أنه أغني بالقناعة والصبر وحببا إليه فقر الحال وغناه، وقيل أغني بالكفاف لتصرفه في مال خديجة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط كثير المال ورفعه الله عن ذلك، وقال: "حديث : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكنه غنى النفس". تفسير : وكما عدد الله عليه هذه النعم الثلاث وصاه بثلاث وصايا في كل نعمة وصية مناسبة لها، فبإزاء قوله {ألم يجدك يتيماً فآوى} قوله {فأما اليتيم فلا تقهر}، وبإزاء قوله {ووجدك ضالاً فهدى} قوله {وأما السائل فلا تنهر}، هذا عليه قول من قال إن {السائل} هنا هو السائل عن العلم والدين وليس بسائل المال، وهو قول أبي الدرداء والحسن وغيره، وبإزاء قوله {ووجدك عائلاً فأغنى} قوله {وأما بنعمة ربك فحدث} ومن قال إن {السائل} هو سائل المحتاج وهو قول الفراء عن جماعة، ومعنى {فلا تنهر} جعلها بإزاء قوله {ووجدك عائلاً فأغنى}، وجعل قوله {وأما بنعمة ربك فحدث} بإزاء قوله {ووجدك ضالاً فهدى}، وقال إبراهيم بن أدهم نعم القول السؤال يجملون زادنا إلى الآخرة، {فلا تنهر} معناه: فرد رداً جميلاً إما بعطاء وإما بقول حسن، وفي مصحف ابن مسعود " ووجدك عديماً فأغنى "، وقرأ ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي، " فأما اليتيم فلا تكهر" بالكاف، قال الأخفش هي بمعنى القهر، ومنه قول الأعرابي: وقاكم الله سطوة القادر وملكة الكاهر، وقال أبو حاتم لا أظنها بمعنى القهر لأنه قد قال الأعرابي الذي بال في المسجد: فأكهرني النبي صلى الله عليه وسلم فإنها هي بمعنى الإشهار وأمره الله تعالى بالتحدث بالنعمة، فقال مجاهد والكسائي: معناه: بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، وقال آخرون بل هو عموم في جميع النعم، وكان بعض الصالحين يقول: لقد أعطاني الله كذا وكذا، ولقد صليت البارحة كذا وذكرت الله كذا، فقيل له: إن مثلك لا يقول هذا، فقال إن الله تعالى يقول: {وأما بنعمة ربك فحدث}، وأنتم تقولون لا تحدث، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : التحدث بالنعم شكر" تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أسديت إليه نعمة فذكرها فقد شكرها ومن سترها فقد كفرها" تفسير : ،ونصب {اليتيم} بـ {تقهر} والتقدير مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً.
ابن عبد السلام
تفسير : [{وَالضُّحَى}] أول ساعة من النهار إذا ترحَّلت الشمس أو صدر النهار أو طلوع الشمس أو ضوء النهار في اليوم كله من قولهم ضحى فلان للشمس إذا ظهر لها.
النسفي
تفسير : مكية وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلضُّحَىٰ } المراد وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس. وإنما خص وقت الضحى بالقسم لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وألقى فيها السحرة سجداً، أو النهار كله لمقابلته بالليل في قوله {وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } سكن، والمراد سكون الناس والأصوات فيه، وجواب القسم {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ } ما تركك منذ اختارك وما أبغضك منذ أحبك والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك، روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً فقال المشركون: إن محمداً ودعه ربه وقلاه، فنزلت. وحذف الضمير من {قَلَىٰ } كحذفه من الذاكرات في قوله: {أية : وَٱلذاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذاكِرٰتِ }تفسير : [الأحزاب: 35]، يريد والذاكراته ونحوه: {فَاوَىٰ }، {فَهَدَىٰ }، {فَأَغْنَىٰ } وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } أي ما أعد الله لك في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا، وقيل: وجه اتصاله بما قبله أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء وشهادة أمته على الأمم وغير ذلك. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ } في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك {فَتَرْضَىٰ } ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار»تفسير : واللام الداخلة على «سوف» لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، ونحوه لأقسم فيمن قرأ كذلك لأن المعنى لأنا أقسم، وهذا لأنها إن كانت لام قسم فلامه لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد فتعين أن تكون لام الابتداء، ولامه لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا، كذا ذكره صاحب الكشاف. وذكر صاحب الكشاف هي لام القسم، واستغنى عن نون التوكيد لأن النون إنما تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لا لام الابتداء، وقد علم أنه ليس للابتداء لدخولها على «سوف» لأن لام الابتداء لا تدخل على «سوف»، وذكر أن الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر. ثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره فقال {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً } وهو من الوجود الذي بمعنى العلم والمنصوبان مفعولاه، والمعنى ألم تكن يتيماً حين مات أبواك {فَاوَىٰ } أي فآواك إلى عمك أبي طالب وضمك إليه حتى كفلك ورباك {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } أي غير عالم ولا واقف على معالم النبوة وأحكام الشريعة وما طريقة السمع {فَهَدَىٰ } فعرفك الشرائع والقرآن. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة. ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في غي فقد كان عليه الصلاة السلام من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان {وَوَجَدَكَ عَائِلاً } فقيراً {فَأَغْنَىٰ } فأغناك بمال خديجة أو بمال أفاء عليك من الغنائم {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه {وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } فلا تزجره فابذل قليلاً أو رد جميلاً. وعن السدي: المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } أي حدث بالنبوة التي آتاك الله وهي أجل النعم، والصحيح أنها تعم جميع نعم الله عليه ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {والضّحى} اختلفوا في سبب نزول هذه السّورة على ثلاثة أقوال: القول الأول (ق) "حديث : عن جندب بن سفيان البجلي قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك ليلتين أو ثلاثاً فأنزل الله عز وجل: {والضّحى واللّيل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى}" تفسير : وأخرجه الترمذي عن جندب قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فدميت أصبعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: شعر : هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت تفسير : قال: فأبطأ عليه جبريل فقال المشركون قد ودع محمداً ربه فأنزل الله عز وجل: {ما ودعك ربك وما قلى...}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سجى} مثل {أية : دحاها}تفسير : [الآية: 30] في " النازعات ". الوقوف: {والضحى} ه لا {سجى} ه لا {قلى} ه لا {الأولى} ه لا {فترضى} ه ط {فآوى} ه ص {فهدى} ه ك {فأغنى} ط {فلا تقهر} ه ط {فلا تنهر} ه ط {فحدّث} ه. التفسير: الأكثرون على أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر سلطانها. وقيل: هو النهار كله لإقرانه بالليل في القسم وهو ضعيف، لأن معنى سجى سكن واستقر ظلامه، أو سكون الناس فيه فيكون الإسناد مجازياً. يقال: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وطرف ساج أي ساكن فاتر. ولا ريب أن سجوّ الليل وقت استيلاء الظلام منه لا كله فهو بمنزلة الضحى من النهار. وههنا لطائف: الأولى: قدم ذكر الليل في السورة المتقدمة وعكس ههنا لانفراد كل منهما بفضيلة مخصوصة، فالليل للراحة والنهار لانتظام أمر المعاش فقدّم هذا على ذلك تارة وبالعكس أخرى لئلا يخلو شيء من النوعين عن فضيلة التقديم. وأيضاً تلك سورة أبي بكر وقد سبقه كفر يشبه الليل في الظلمة، وهذه سورة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يسبقه كفر طرفة عين ولا أقل من ذلك، فبدأ النهار الذي هو يشابه الإيمان. فإن ذكرت الليل أولاً وهو أبو بكر ثم صعدت وجدت بعده النهار وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وإن ذكرت الضحى أولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم ثم نزلت وجدت بعده الليل وهو أبو بكر من غير واسطة بينهما كما وقع في نفس الأمر، وكما ثبت من قصة الغار. الثانية: ما الحكمة في تخصيص القسم في أول هذه السورة بالضحى والليل؟ والجواب لأن ساعات النهار كلما تنقص فإن ساعات الليل تزداد وبالعكس، فلا تلك الزيادة للهوى ولا ذاك النقصان للقلى بلى للحكمة، فكذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس لا عن الهوى ولا عن القلى. وأما السبب في الأقسام نفسه فلأن الكفار لما ادّعوا أن ربه ودعه وقلاه وقد ثبت أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر قال لهم: هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه وما قلاه. وفيه أن الليل والنهار لا يسلمان من الزيادة والنقصان فيكف تطمع أن تسلم عن الخلق؟ وفيه أن الليل زمان الاستيحاش والنهار وقت الاجتماع والمعاش فكأنه قال: استبشر فإن بعد الاستيحاش بسبب انقطاع الوحي يظهر ضحى نزول الوحي. وفيه أن الضحى لما كان وقت موعد موسى لمعارضة السحرة كما قال {أية : موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}تفسير : [طه: 59] شرفه الله بأن أقسم به فعلم منه أن فضيلة الإنسان لا تضيع ثمرتها. وفيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم أن الذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك حتى يسلموا. وفيه أن الضحى وهو ساعة من النهار يوازي جميع الليل كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته يوازي جميع الأنبياء وأممهم. وفيه أن النهار وقت السرور والاجتماع والليل وقت الغموم والوحشة، ففي الاقتصار على ذكر الضحى إشارة إلى أن غموم الدنيا أدوم من سرورها. يروى أن الله تعالى حين خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يساره ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة سنة. ثم انكشف فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا إلى تمام ثلثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا السبب ترى الهموم دائمة والأفراح نادرة. وفي تقديم الضحى على الليل إشارة إلى أن الحياة أولى للمؤمن من الموت إلى أن تحصل كمالاته الممكنة له. وأيضاً إنه ذكر الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه، ثم عقبه بالليل حتى لا يحصل الأمن من مكره. الثالثة: لا استعباد فيام يذكره الواعظ من تشبيه وجه محمد صلى الله عليه وسلم بالضحى وشعره بالليل. ومنهم من قال: الضحى ذكور أهل بيته، والليل إناثهم. أو الضحى رسالته، والليل زمان احتباس الوحي كما مرّ. ويحتمل أن يقال: الضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب والليل عفوه الذي به يستر جميع العيوب. أو الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريباً، والليل إشارة إلى أنه سيعود غريباً. أو الضحى كمال العقل، والليل وقت السكون في القبر. أو أراد أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيباً وبسرك الذي لا يعلم عليه عالم الغيب عيباً. قال المفسرون: أبطأ جبريل عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر يوماً عن ابن جريج، أو خمسة عشر عن الكلبي، أو خمسة وعشرين يوماً عن ابن عباس، أو أربعين عن السدّي ومقاتل. والسبب فيه أن اليهود سألوه عن ثلاث مسائل كما مرّ في " الكهف " فقال؛ سأخبركم غداً ولم يقل " إن شاء الله " أو لأنّ جرواً للحسن والحسين كان في بيته أو لأنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار، فزعم المشركون أن ربه ودعه وقلاه. وروي أن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت السورة. والتوديع مبالغة في الوداع لأن من ودعك فقد بالغ في تركك. والقلى البغض وحذف المفعول من " قلاك " و " آواك " و " هداك " و " أغناك " للفاصلة مع دلالة قرينة الحال أو المقال. والذي يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم شكا إلى خديجة إن ربي ودعني وقلاني. إن ثبت فمحمول على أنه أراد امتحان خديجة ليعلم بعد غورها في المعرفة والعلم كما روي أنها قالت: والذي بعثك بالحق ما أهداك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك. ثم زاده تشريفاً بقوله {وللآخرة خير لك من الأولى} يعني هذا التشريف وهو إعلام أن ما ألقاه الحساد فيما بينهم من التوديع والقلى بهت محض وإن كان تشريفاً عظيماً إلا أن الذي أعدّ لأجلك في الآخرة أشرف وأسنى. وعلى تقدير انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون ذلك للعزل عن النبوة فإنه غير جائز لكنه يدل على قرب الوفاة المستتبعة للقرب من الله فلا يكون كما ظنه الأعداء. ويحتمل أن يراد: وللأحوال الآتية خير لك من الماضية فيكون وعداً بإتمام نوره وإعلاء أمره. وفي تخصيص الخطاب إشارة إلى أن في أمته من كانت الآخرة شر إليه إلا أن الله ستره عليهم ونظر قول موسى {أية : إن معي ربي سهيدين}تفسير : [الصافات: 99] لأنه كان في قومه من لم يكن لائقاً بهذا المنصب، وحين لم يكن في الغار إلا نبي أو صدّيق قال نبينا صلى الله عليه وسلم {أية : لا تحزن إن الله معنا}تفسير : [التوبة: 40] يروى أن موسى خرج للاستسقاء ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا الإجابة فسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك فقال: إن في قومك نماماً فقال موسى: من هو؟ فقال الله تعالى: إني أبغضه فكيف أعمل عمله؟ فما مضت مدة حتى نزل الوحي بأن ذلك النمام قد مات وهذه جنازته في الموضع الفلاني فذهب موسى إلى ذلك الموضع فإذا فيه سبعون من الجنائز فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه. وههنا لطيفة وهي أنه تعالى ردّ ألوفاً من المطيعين لمذنب واحد ههنا يرحم ألوفاً من المذنبين لمطيع واحد ودليله قوله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} فلعله حين بين أن الآخرة خير له عقبه ببيان تلك الخيرية وهي رتبة الشفاعة. يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار"تفسير : وعن جعفر الصادق رضي الله عنه رضا جدّي صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل النار موّحد. وقال ابن عباس: هو ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها، واللام في و{لسوف} خالصة للتأكيد دون الحال كأنه قيل: الموعود كائن لا محالة وإن تأخر زمانه بحسب المصلحة. وقال جار الله: تقديره ولأنت سوف يعطيك لأن اللام لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد وفيه نظر. ثم عدد بعض نهمه التي أنعم بها عليه قبل إرساله وكأنه قال: ما تركناك وما قليناك قبل أن اخترناك واصطفيناك فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك ونخذلك. قال أهل الأخبار: إن عبد الله بن المطلب توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به، ثم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم هلك جده بعد سنتين فكفل أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ابتعثه الله للرسالة فقام بنصرته مدة مديدة، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته وذلك قوله " فآواك " أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب. وفي تفسير تأويل الضلال قولان: الأول أنه الضلال عن الدين. فقال السدي والكلبي: كان على دين قومه أربعين سنة. الثاني وعليه الجمهور أنه ما كفر بالله طرفة عين والمراد عن معالم الشريعة الحنيفية كقوله {أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} تفسير : [الشورى: 52] وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة فأتى أبو جهل على ناقة محمد صلى الله عليه وسلم بين يديه وهو يقول: لا تدري ماذا نرى من ابنك. فقال عبد المطلب: ولم. قال: لأني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم فلما أركبته أمامي قامت الناقة فكانت الناقة تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يكون خلف المقتدي؟ قال ابن عباس: ردّه الله إلى جده بيد عدوّه كما فعل بموسى حين رباه بيد عدوّه. وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب حتى دخلت هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام وسمعت صوتاً إنما هلاكنا بيد هذا الصبي. وروي مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع كاد الجوع يقتلني فهداني الله تفسير : يعني حديث أبي جهل المذكور. وقيل: ضالاً أي مغموراً بين الكفار من ضل الماء في اللبن. وقيل: مجاز في الإسناد والمعنى وجد قومك ضلالاً فهداهم بك. وقيل: كنت منفرداً عن اختلاط أهل الضلال فهداك إلى الاختلاط بهم وإلى دعوتهم. قيل: وعن الهجرة أو القبلة أو عن معرفة جبرائيل أول مرة، أو عن أمور الدنيا أو عن طريق السموات فهداك ليلة المعراج. وقيل: الضلال المحبة لفي ضلالك القديم فهداك إلى وجه الوصول إلى المحبوب والمراد بالسلوك. روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد. قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو حفظت لي غنمتي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشبان. فلما أتيت أول دار من دور مكة سمعت الدفوف والمزامير فقالوا: فلان تزوّج بفلانة. فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مسّ الشمس. ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك. فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مسّ الشمس. ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته. والعائل في الأصل كثير العيال ثم طلق على الفقير وإن لم يكن له عيال لأن الفقر من لوازم العول. أغناه الله بتربية أبي طالب أوّلاً، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه بمال خديجة. يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهو مغموم فقالت له: ما لك؟ فقال: الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحيي منك، وإن أنا لم أبذل أخاف الله. فدعت قريشاً وفيهم الصدّيق. قال الصدّيق: فأخرجت دنانير حتى وصبتها أبلغت مبلغاً لم يقع بصري على من كان جالساً قدامي ثم قالت: اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه وإن شاء أمسكه. وأما في زمان الرسالة فأغناه لمال أبي بكر ثم أمره بالهجرة وأعانه بإعانة الأنصار حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين. ثم أغناه بما أفاء عليه من الغنائم. قال صلى الله عليه وسلم " حديث : جعل رزقي تحت ظل رمحي" تفسير : وبعض هذه الأمور وإن كان بعد نزول السورة إلا أن معلوم الله كالواقع فيكون من قبيل الإخبار بالغيب وقد وقع فيكون معجزاً. وقيل: الغنى هو القناعة وغنى القلب كان صلى الله عليه وسلم يستوي عنده الحجر والذهب. قال أهل التحقيق: الحكمة في يتم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف قدر الأيتام فيقوم بأمرهم. وأن يكرم اليتيم المشارك له في الاسم كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه وسعوا له في المجلس" تفسير : وفيه أنه لا يعتمد من أول عمره إلى آخره على أحد سوى الله فيحصل له فضيلة التوكل كما قال جده إبراهيم" حسبي من سؤالي علمه بحالي". وفيه أن اليتيم منقصة ومذلة فإذا صار أكرم الخلق كان من جنس المعجزات. يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سألت ربي مسألة لوددت أني لم أسألها قلت: اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، وسخرت مع داود الجبال، واعطيبت سليمان كذا وكذا. يقال: ألم أجدك يتيماً فآويتك، ألم أجدك ضالاً فهديتك، ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت: بلى.قال " {ألم نشرح لك صدرك} [الشرح:1] إلى آخره؟ قلت: بلىتفسير : . أقول: إن صح إسناد هذا الحديث وجب حمله على الشكاية مع الله أن إلى الله لا من الله، فإن الأول قد يتفق للعارفين في مقام الإنبساط والقبض دون الثاني. وحين أذكره الله تعالى نعمه حتى لا ينسى نفسه أوصاه بأن يتعامل مع الخلق مثل معاملة الله معه فقال {فأما اليتيم فلا تقهر} أي فلا تغلبه على ماله وحقه لضعف حاله. وانتصب اليتيم بالفعل بعده. والفاء لتلازم ما بعدها لما قبلها. وقرىء " فلا تكهر " أي فلا تعبس في وجهه. يروى أنها نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد خديجة. وإذا كان هذا العتاب لمجرد الصياح أو العبوس فكيف إذا آذاه أو أكل ماله. عن أنس مرفوعاً "حديث : إذا بكى التيم وقعت دموعه في كف الرحمن فيقول الله تعالى: من أبكى هذا التيم الذي واريتُ والده في التراب؟ من أسكته فله الجنة"تفسير : حديث : ويروى أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً فجاءه عثمان بعذق من تمر فوضعه بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب فقال: يرحم الله عبداً يرحمنا. فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك وأراد أن يأكله النبي صلى الله عليه وسلم فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث مرات إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: أسائل أنت أم بائع تفسير : ؟ فنزل {وأما السائل فلا تنهر} أي فلا تزجر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : إذا رددت السائل فلم يرجع فلا عليك أن تزجره "تفسير : قال العلماء: أما إنه ليس بالسائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره. ثم أمره بأن يحدث الناس بما أنعم به عليه من الإيواء والهداية والإغناء وغيره. واعلم أنه تعالى نهاه عن شيئين وأمره بواحد، نهاه عن قهر اليتيم جزاء لما أنعم به عليه في قوله {ألم يجدك يتيماً فآوى} ونهاه عن نهر السائل في مقابلة قوله {ووجدك عائلاً فأغنى} وأمره بتحديث نعمه ربه وهو في مقابلة قوله {ووجدك ضالاً فهدى} فالأنسب أن يكون المراد به التبليغ وأداء الرسالة وتكميل الناقصين بالدعاء إلى الدين كما قال مجاهد. ولقد روعي في الترتيب نكتة لطيفة فقدّم في معرض المنة النعمة الدينية وهي الهداية على النعمة الدنيوية وهي الإغناء وإما في معرض الإرشاد فقدّم الإشفاق على الخلق، وأخر التحديث ليكون أدخل في الاستمالة وأجلب للدواعي فإنه ما لم ينتظم أمر المعاش لم تفرغ الخواطر لقبول التكاليف والتزام أمر المعاد. قال المحققون: التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقاً بل مندوب إليه إذا كان الغرض أن يقتدي غيره به أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب فالستر أفضل. قالوا: إنما أخر التحديث تقديماً لحظ الخلق على حظ نفسه لأنه غني وهم المحتاجون ولهذا رضي نفسه بالقول فقط، ولأن الاستغراق في بحر الشكر ومعرفة المنعم غاية الغايات ونهاية الطاعات. تنبيه: روي عن البزي أنه قال: قرأت على عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت {والضحى} قال: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وأخبرني ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على عبد الله بن عباس تسع عشرة ختمة فأمره بذلك في كلها، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبيّ بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبيّ أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك. وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سنة في خاتمة {والضحى} إلى آخر القرآن. وهكذا روي عن قنبل. والسبب فيه أنه حين انقطع الوحي على ما سبق ذكره وأنزل السورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر تصديقاً لما أتى به وتكذيباً للكفار. قال العلماء: لا نقول إنه لا بد لمن ختم أن يفعله ولكنه من فعل فقد أحسن ومن ترك فلا حرج. واختلفوا في لفظ التكبير وكان بعضهم بقول: الله أكبر لا غير. وآخرون يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر فيهللون قبل التكبير. وأما كيفية الأداء فاعلم أن القارىء إذا وصل التكبير بآخر السورة فإن كان آخرها ساكناً كسره لالتقاء الساكنين فإن همزة الوصل من أول اسم الله تسقط في الدرج وذلك ثلاثة مواضع {فحدث} الله أكبر {أية : فأرغب}تفسير : [الشرح: 8] الله أكبر {أية : واقترب} تفسير : [العلق: 19] الله أكبر. وإن كان منوناً كسره أيضاً سواء كان المنون مفتوحاً أو لا وهو {أية : تواباً}تفسير : [النصر: 3] الله أكبر أو مضموماً وهو ثلاثة {أية : لخبير} تفسير : [العاديات: 11] الله أكبر {أية : حامية}تفسير : [القارعة: 11] الله أكبر وأحد الله أكبر ومكسوراً وهو أربعة {أية : ممدة} تفسير : [الهمزة: 9] الله أكبر و {أية : مأكول} تفسير : [الفيل: 5] الله أكبر و {أية : خوف} تفسير : [قريش: 4] الله أكبر و{أية : مسد}تفسير : [المسد: 5] الله أكبر. وإن كان آخر السورة متحركاً غير منون تبقى الحركة بحالها فالمفتوح ثلاثة {أية : الحاكمين}تفسير : [التين: 8] الله أكبر و {أية : الماعون}تفسير : [الماعون: 7] الله أكبر و {أية : حسد}تفسير : [الفلق: 5] الله أكبر والمضموم ثلاثة {أية : ربه}تفسير : [البينة: 8] الله أكبر و {أية : يره} تفسير : [الزلزلة: 8] الله أكبر و{أية : الأبتر} تفسير : [الكوثر: 3] الله أكبر والمكسور خمسة {أية : مطلع الفجر}تفسير : [الفجر: 5] الله أكبر و {أية : عن النعيم}تفسير : [التكاثر: 8] الله أكبر و {أية : بالصبر}تفسير : [العصر: 3] الله أكبر {أية : ولي دين}تفسير : [الكافرون: 6] الله أكبر {أية : والناس} تفسير : [الناس: 6] الله أكبر والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : تقدَّم تفسيرُ {وَٱلضُّحَىٰ} بأنه: سُطُوع الضوءِ وعِظَمُه، وقال قتادة: {الضُّحَى} هنا النهارُ كلُّه و{سَجَىٰ} معناه سَكَنَ واستقَرَّ لَيْلاً تامًّا، وقيل: معناه أقْبَلَ، وقِيلَ: معناه أدْبَرَ، والأولُ أصحُّ، وعليه شواهِدُ، وقال البخاريُّ: قال مجاهد: {إِذَا سَجَىٰ} اسْتَوَى، وقال غيره: أظلمَ وسكنَ، انتهى،، وقرأ الجمهور: {مَا وَدَّعَكَ} ـــ بشدِ الدالِ ـــ من التَّوْدِيع وقُرِىءَ بالتخفيفِ بمعنى: ما تَرَكَكَ، وقال البخاريُّ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} بالتشديدِ والتخفيفِ: ما تَرَكَكَ، انتهى. و{قَلَىٰ} أبْغَضَ، نزلتْ بسببِ إبطَاءِ الوَحْي مدَّة {وَلَلأَخِرَةُ} يعني: الدارَ الآخِرَةَ خيرُ لَكَ من الدنيا، {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} قيل: هي أرْجَى آية في القرآن؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يرضى، وواحدٌ من أمتهِ في النارِ، ورُوِي أنه ـــ عليه الصلاةُ والسلام ـــ قال لما نَزَلَتْ: «حديث : إِذنْ لاَ أرْضَىٰ، وأَحدٌ مِنْ أُمَّتِي في النَّارِ»تفسير : قال عِيَاضٌ: وهذه آيةٌ جامعةٌ لوجوهِ الكرامةِ وأنواعِ السعادةِ في الدارين، انتهى، [* ت *: وفي «صحيح مسلمٍ» من روايةِ عبدِ اللَّه بن عمرو بن العاصي: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تَلاَ قولَ اللَّه ـــ عز وجل ـــ في إبراهيمَ عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم:36] وقولُ عيسى عليه السلام:{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [المائدة:118] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَىٰ، فَقَالَ اللَّهُ ـــ جَلَّ ثناؤُهُ ـــ يَا جِبْرِيلُ؛ ٱذْهَبْ إلَىٰ مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولاَ نَسُوؤُكَتفسير : ، انتهى مختصراً]، ثُمَّ وَقَفَ تَعَالَى نبيَّه على المراتبِ التي دَرَجَه عَنْها بإنعَامِهِ فقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَىٰ}.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}، تقدم الكلام في "الضُّحَى" والمراد به هنا: النهارُ، لمقابلته بقوله تعالى: {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}، ولقوله تعالى: {أية : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأعراف: 98]، أي: نهاراً. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق، أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى - عليه الصلاة والسلام - وبليلة المعراج. وقيل: "الضُّحَى" هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سُجَّداً لقوله تعالى: {أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} تفسير : [طه: 59]. وقال القرطبي: "يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم". وقيل: الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار. وقيل: الضحى نور قلوب العارفين كهيئة النهار، والليل سواد قلوب الكافرين كهيئة الليل، أقسم تعالى بهذه الأشياء. وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسيجيء معناه. و "سَجَى"، أي: سكن، قاله قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة. يقال: ليلة ساجية، أي: ساكنة. ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، ويقال: سَجَا الشَّيءُ سَجْواً إذا سكن، وسَجَا البحر سُجُوًّا، أي: سكنت أمواجُه وطرف ساج، أي: فاتر، ومنه استعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثواب؛ قاله الراغب. وقال الأعشى: [الطويل] شعر : 5232- فَمَا ذَنْبُنَا أنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عمِّكُم وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا تفسير : وقال الفراء: أظلم. وقال ابن الأعرابي: اشتد ظلامه. وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 5233- يا حَبَّذَا القَمراءُ واللَّيلُ السَّاجْ وطُرقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسَّاجْ تفسير : [قال الضحاك: سجا غطى كل شيء. قال الأصمعي: سجو الليل؛ تغطيته النهار، ومثل ما يسجَّى الرجل الثوب. وعن ابن عباس: سجا أدبر، وعنه: أظلم. وقال سعيد بن جبير: أقبل. وعن مجاهد: سَجَا: استوى. والقول الأول أشهر في اللغة، أي: سكن الناس فيه كما قال: نهار صائم وليل قائم. وقيل: سكونه استقرار ظلامه، وهو من ذوات الواو، وإنما أميل لموافقة رءوس الآي، كالضحى، فإنه من ذوات الواو أيضاً]. فصل قال ابن الخطيب: وقدم هنا الضحى، وفي السورة التي قبلها قدم الليل إما لأن لكلَّ منهما أثر عظيمٌ في صلاح العالم، ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]، وللنهار فضيلة النور، فقدم سبحانه هذا تارة وقدم هذا تارة، كالركوع والسجود في قوله تعالى: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ} تفسير : [الحج: 77] وقوله تعالى: {أية : وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43]. وقيل: قدم الليل في سورة أبي بكر - رضي الله عنه - لأن أبا بكر سبقه كفر، وقدم الضحى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نور محض، ولم يتقدمه ذنب. وقيل: لما كانت سورة "الليل" سورة أبي بكر - رضي الله عنه - وسورة "الضحى" سورة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أنه لا واسطة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه. فصل في ذكر الضحى والليل قال ابن الخطيب: وذكر الضحى، وهو ساعة، وذكر الليل بجملته، إشارة إلى أن ساعة من النهار توازي جميع الليل، كما أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يوازن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأيضاً: فالضحى وقت السرورٍ، والليل وقتُ الوحشةِ، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا، أقل من شرورها، وأن هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإن الضحى ساعة، والليل ساعات، يروى أن الله - سبحانه وتعالى - لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء، ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة عامٍ، ثم انكشفت، فأمرت مرة أخرى بذلك، وهكذا إلى ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظَّلت عن يمين العرش غمامة بيضاء، ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم، والأحزان دائمة، والسرور قليلاً ونادراً، وقدم ذكر الضحى لأنه يشبه الحياة، وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت. قوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}، هذا جواب القسم، والعامة: على تشديد الدال من التوديع. وقرأ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم: "ودَعَهُ"، أي: تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن "ودع، ووذرَ" واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما بـ "ترك" وما تصرف منه، وقد جاء "ودع ووذَرَ"؛ قال الشاعر: [الرمل] شعر : 5234- سَلْ أمِيرِي: ما الَّذي غَيَّرهُ عَنْ وصالِي اليَـوْمَ حَتَّـى وَدَعَهْ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5235- وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ تفسير : قيل: والتوديع مبالغة في الودع؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك. قال القرطبيُّ: واستعماله قليل يقال: هو يدع كذا، أي: يتركه. قال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما بـ "ترك". قوله: {وَمَا قَلَىٰ}، أي: ما أبغضك، يقال: قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول: قلاه يقلاه، بالفتح؛ قال: [الهزج] شعر : 5236- أيَـا مَنْ لَسـتُ أنسَـاهُ وَلاَ والــلَّـــهِ أقْــــلاهُ لَــــكَ الــلَّـــهُ عَلَــى ذَاكَــــا لَــــكَ الــلَّـــهُ لَـــكَ الــلَّـــهُ تفسير : وحذف مفعول "قَلاَ" مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد "فآوَى" وما بعده. فصل في "القِلَــى" القلى: البغض، أي: ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول: قلاه يقليه قى وقلاء، كما تقول: قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه: لغة طيىء. وأنشد: شعر : 5237- أيَّــامَ أمِّ الغَمْـــرِ لا نَقْــــلاَهَا تفسير : أي: لا نبغضها، ونقلي: أي: نبغض؛ وقال: [الطويل] شعر : 5238- أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ تفسير : وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5239- ………....................... ولَسْــتُ بِمقْلِيِّ الخِـلالِ ولا قَــالِ تفسير : ومعنى الآية: ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] أي: والذاكرات الله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: انحبس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر يوماً. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً [وقيل خمسة وعشرين يوماً. وقال مقاتل: أربعين يوماً]. فقال المشركون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية. وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين، أو ثلاثاً، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت: يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}. وروي عن أبي عمران الجوني: قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}. وروي أن خولة كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: حديث : إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال: "يا خولةُ ما حدثَ في بَيْتِي؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي"؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال: يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التّأخر، فقال: "أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ ". تفسير : وقيل: لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سَأخْبركُمْ غداً" ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23، 24]، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}. قوله: {وَلَلآخِرَةُ} الظاهر في هذه اللام أنها جواب القسم، وكذلك وفي "ولسَوْفَ" أقسم الله تعالى على أربعة أشياءٍ: اثنان منفيان، وهما توديعه وقلاه، واثنان مثبتان مؤكدان، وهما كون الآخرة خيراً له من الأولى، وأنه سوف يعطيه ما يرضيه. وقال الزمخشري: "فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على "سَوْفَ"؟. قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف - كما ذكرنا في "لأقسمُ" أن المعنى: لأنا أقسم - وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم، أو ابتداء، فلام القسم لا تدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد، فبقي أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلاَّ على الجملة من المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ، وخبره، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك". ونقل أبو حيَّان عنه، أنه قال: "وخلع من اللام دلالتها على الحال" انتهى. وهذا الذي رده على الزمخشري، يختار منه: أنها لام القسم، وقوله: "لا يدخل مع المضارع إلا مع نون التوكيد"، استثنى النحاة منه صورتين: إحداهما: أن لا يفصل بينها وبين الفعل حرف التنفيس كهذه الآية، وكقولك: "والله لسأعطيك". والثاني: ألاَّ يفصل بينهما بمعمول الفعل، كقوله: {أية : لإِلَى ٱللهِ تُحْشَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 158]. ويدل لما قلت ما قال الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: "إن زيداً لقائم"، بل هي التي في قولك: "لأقُومنَّ" ونابت "سَوْفَ" عن إحدى نوني التأكيد، فكأنه قال: ولنعطينك. وقوله: "خلع منها دلالتها على الحال" يعني أن لام الابتداء الداخلة على المضارع مخلصة للحال وهنا لا يمكن ذلك؛ لأجل حرف التنفيس، فلذلك خلعت الحالية منها. وقال أبو حيَّان: واللام في "وللآخِرةُ" لام ابتداء أكدت مضمون الجملة، ثم حكى بعض ما تقدم عن الزمخشري وأبي علي، ثم قال: "ويجوز عندي أن تكون اللام في "وللآخِرَةُ خَيْرٌ" وفي "ولسَوْفَ يُعْطِيكَ" اللام التي يُتَلَقَّى بها القسم، عطفهما على جواب القسم، وهي قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}، فيكون هذا قسماً على هذه الثلاثة" انتهى. فظاهره أن هذه اللام في "وللآخِرةُ" لام ابتداء غير متلقى بها القسم بدليل قوله ثانياً: "ويجوز عندي"، ولا يظهر انقطاع هذه الجملة عن جواب القسم ألبتة، وكذلك في "وَلَسَوْفَ"، وتقدير الزمخشريِّ: مبتدأ بعدها لا ينافي كونها جواباً للقسمِ، إنَّما منع أن يكون جواباً لكونها داخلة على المضارع لفظاً، وتقديراً. وقال ابن الخطيب: فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟. قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة. فصل قال إبن إسحاق: معنى قوله: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}، أي: ما عندي من مرجعك إليَّ يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا. روى علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّا أهْل بيتٍ اخْتَارَ اللهُ لنَا الآخِرَةِ على الدُّنْيَا ". تفسير : وقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} روى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، وهو قول عيسى - عليه الصلاة والسلام -: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} [المائدة: 118]، الآية، فرفع يديه وقال: "اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي" وبكى، فقال الله تعالى لجبريل "اذهب إلى محمد، وربُّك أعلم، فسلهُ ما يُبْكِيكَ" فأتى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره، فقال الله تعالى لجبريل: "اذهب إلى محمد، فقل له: إن الله يقول لك: إنَّا سَنُرضِيْكَ فِي أمَّتكَ، ولا نَسُوءَكَ" تفسير : وقال حرب بن شريح: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: إنَّ أرْجَى آية في كتاب الله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر: 53] قالوا: إنا نقول ذلك، قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}. وقيل: يعطيك ربك من الثواب، وقيل: من النصر، فترضى، وقيل: الحوض والشفاعة. فصل في الكلام على انقطاع الوحي وجه النظم، كأنه قيل: انقطاع الوحي لا يكون عزلاً عن النبوّة، بل غايته أنه أمارة الموت للاستغناء عن الرسالة، فإن فهمت منه قرب الموت، فالموت خير لك من الأولى، وفهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخطاب بقوله: ما ودعك ربك وما قلى تشريفاً عظيماً، فقيل له: {وللآخِرةُ خيرٌ لك من الأوْلَى}، أي: أنَّ الأحوال الآتية خير لك من الماضية، فهو وعد بأنه سيزيده عزَّا إلى عزِّه، وبيان أن الآخرة خيرٌ، كأنه صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يريد، ولأنه آثرها فهي ملكه، وملكه خير مما لا يكون ملكه، أو لأن الكفار يؤذونك وأمتك في الدنيا، وأما في الآخرة فهم شهداء على الناس، أو لأن خيرات الدنيا قليلة مقطوعة، ولم يقل: خير لك، لأن فيهم من الآخرة شر له، فلو ميزهم لافتضحوا.
البقاعي
تفسير : ولما حكم في آخر الليل بإسعاد الأتقياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أتقى الخلق مطلقاً، وكان قد قطع عنه الوحي حيناً ابتلاء لمن شاء من عباده، وكان به صلى الله عليه وسلم صلاح الدين والدنيا والآخرة، وكان الملوان سبب صلاح معاش الخلق وكثير من معادهم، أقسم سبحانه وتعالى بهما على أنه أسعد الخلائق دنيا وأخرى، فقال مقدماً ما يناسب حال الأتقى الذي قصد به أبو بكر رضي الله عنه قصداً أولياً من النور الذي يملأ الأقطار، ويمحو كل ظلام يرد عليه ويصل إليه، مفهماً بما ذكر من وقت الضياء الناصع حالة أول النهار وآخر الليل التي هي ظلمة ملتف بساقها ساق النهار عند الإسفار: {والضحى *} فذكر ما هو أشرف النهار وألطفه وهو زهرته، وأضوأه وهو صدره، وذلك وقت ارتفاع الشمس لأن المقسم لأجله أشرف الخلائق، وذلك يدل على أنه يبلغ من الشرف ما لا يبلغه أحد من الخلق. ولما ذكر النهار بأشرف ما فيه مناسبة لأجل المقسم لأجله، أتبعه الليل مقيداً له بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال: {والّيل} أي الذي به تمام الصلاة؛ ولما كان أوله وآخر النهار وآخره وأول النهار ضوءاً ممتزجاً بظلمة لالتفات ساق الليل بساق النهار، قيد بالظلام الخالص فقال: {إذا سجى *} أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه وسواده واعتدل فخلص فغطى بظلامه كل شيء، والمتسجي: المتغطي، ومع تغطيته سكنت ريحه، فكان في غاية الحسن، ويمكن أن يكون الأول مشيراً إلى ما يأتي به هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من المحكم، والثاني مشيراً إلى المتشابه، وهذا الأربعة الأحوال للنور والظلمة - وهي ضوء ممتزج بظلمة، وظلمة ممتزجة بضوء، وضياء خالص وظلام خالص - الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها، فروحه نور خالص، وطبعه ظلام حالك، وقلبه نور ممتزج بظلمة النفس، والنفس ظلمة ممتزجة بنور القلب، فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم جميعه، وإن قويت نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانياً، وإن غلبت الروح على الطبع تروحن فارتفع عن رتبة الملائكة، وإن غلب الطبع على الروح أنزله عن رتبة البهائم كما قال تعالى:{أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً}تفسير : [الأعراف: 179]. ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحاله صلى الله عليه وسلم، أجابه بقوله تعالى: {ما ودعك} أي تركك تركاً يحصل به فرقة كفرقة المودع ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع {ربك} أي الذي أحسن إليك بإيجادك أولاً، وجعلك أكمل الخلق ثانياً، ورباك أحسن تربية ثالثاً، كما أنه لا يمكن توديع الليل للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه، ولا يمكن توديع الضحى للنهار ولا الليل وقت سجوه له. ولما كان ربما تعنت متعنت فقال: ما تركه ولكنه لا يحبه، فكم من مواصل وليس بواصل، قال نافياً لكل ترك: {وما قلى *} أي وما أبغضك بغضاً ما، وحذف الضمير اختصاراً لفظياً ليعم، فهو من تقليل اللفظ لتكثير المعنى، وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي مدة لأنهم سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف وذي القرنين فقال:"حديث : أخبركم بذلك غداً"تفسير : ، ولم يستثن، فقالوا: قد ودعه ربه وقلاه، فنزلت لذلك، ولما نزلت كبر صلى الله عليه وسلم فكان التكبير فيها وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه وحكمته آخرها، وقد أفهمت هذه العبارة أن المراتب التقريبية أربع: تقريب بالطاعات ومحبة وهي للمؤمنين، وإبعاد بالمعاصي وبغض وهي للكفار، وتقريب بالطاعات مخلوط بتبعيد للمعاصي وهي لعصاة المؤمنين، وإعراض مخلوط بتقريب بصور طاعات لا قبول لها وهي لعباد الكفار. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى:{أية : فألهمها فجورها وتقواها}تفسير : [الشمس: 8] ثم أتبعه بقوله في الليل:{أية : فسنيسره}تفسير : [الليل: 7 - 13] وبقوله:{أية : إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى}تفسير : [الليل: 7 - 13]، فلزم الخوف واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان للتسليم والتضرع في التخلص والتجاؤه إلى السميع العليم، أنس تعالى أحب عباده إليه وأعظمهم منزلة لديه، وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع خير الدارين له فقال تعالى: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى} ثم عدد تعالى عليه نعمه بعد وعده الكريم له بقوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وأعقب ذلك بقوله: {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر} فقد آويتك قبل تعرضك وأعطيتك قبل سؤالك، فلا تقابله بقهر من تعرض وانتهار من سأل، وقد حاشاه سبحانه عما نهاه عنه ولكنه تذكير بالنعم وليستوضح الطريق من وفق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما هو صلى الله عليه وسلم فحسبك من تعرف رحمته ورفقه {أية : وكان بالمؤمنين رحيماً}تفسير : [الأحزاب: 43] {أية : عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}تفسير : [التوبة: 128] ثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود ولذلك السورة قبلها برفع القسم في الأولى بقوله:{أية : والليل إذا يغشى}تفسير : [الليل: 1] تنبيهاً على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة حكم العواقب، وليناسب هذا حال المتذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما أمره غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصامه به يحصل اليقين واستصغار درجات المتقين، ثم لما لم يكن هذا غائباً بالجملة عن آحاد المكلفين أعني ما يثمر العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في درجات المتقين، بل قد يطلع سبحانه خواص عباده - بملازمته التقوى والاعتبار - على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة وعياناً ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل،"حديث : قال صلى الله عليه وسلم لحارثة: وجدت فالزم"تفسير : وقال مثله للصديق، وقال تعالى:{أية : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}تفسير : [يونس: 64]{أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}تفسير : [فصلت: 30] فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام، ولا كدر خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام، بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما وعدهم في قوله: {أية : يجعل لكم فرقاناً}تفسير : [الأنفال: 29] و{أية : يجعل لكم نوراً تمشون به}تفسير : [الحديد: 28]{أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}تفسير : [الأنعام: 122] فعمل هؤلاء على بصيرة، واستولوا اجتهاداً بتوفيق ربهم على أعمال جليلة خطيرة، فقطعوا عن الدنيا الآمال، وتأهبوا لآخرتهم بأوضح الأعمال{أية : تتجافى جنوبهم عن المضاجع}تفسير : [السجدة: 16]{أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}تفسير : [السجدة: 17] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله سبحانه وتعالى: {والليل إذا يغشى} ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى: {والنهار إذا تجلى} ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2]{أية : فريق في الجنة وفريق في السعير}تفسير : [الشورى: 7] أشار قوله سبحانه وتعالى:{أية : وما خلق الذكر والأنثى}تفسير : [الليل: 3]{أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين}تفسير : [الذاريات: 49] {أية : ففروا إلى الله}تفسير : [الذاريات: 50] الواحد مطلقاً، فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر من تخصيص هذا القسم - والله أعلم، أما سورة الضحى فلا إشكال في مناسبة في استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب نزول السورة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قد فتر عنه الوحي حتى قال بعض الكفار: قلى محمداً ربه، فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة - انتهى. ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة، ومنه ما هو مفتوح على أمته من بعده روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كَفراً كَفراً فسرني ذلك"تفسير : فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة التي هي أعلى وأجل، ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكيف بما له صلىالله عليه وسلم، فقال مؤكداً لذلك كما أكد الأول بالقسم بما لهم فيه من الإنكار: {وللآخرة} أي التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك ليفهم منه أنه لا يزال في ترق من عليّ إلى أعلى منه وكامل إلى أكمل منه دائماً أبداً لا إلى نهاية {خير} وقيد بقوله: {لك} لأنه ليس كل أحد كذلك {من الأولى *} أي الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص كما أن النهار الذي هو بعد الليل خير منه وأشرف ولا سيما الضحى منه، وقد أفهم ذلك أن الناس على أربعة أقسام: منهم من له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء، قد قال: شعر : الناس في الدنيا على أربع والنفس في فكرتهم حائره فواحد دنياه مقبوضة إن له من بعدها آخره وواحد دنياه مبسوطة ليس له من بعدها آخره وواحد قد حاز حظيهما سعيد في الدنيا وفي الآخره وواحد يسقط من بينهم فذلك لا دنيا ولا آخره تفسير : ولما ذكر سبحانه الدنيا والآخرة، ذكر ما يشملهما مما زاده من فضله، فقال مصدراً بحرف الابتداء تأكيداً للكلام لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها إذا دخلت على المضارع لزمته النون المؤكدة، وضم هذه اللام إلى كلمة التنفيس للدلالة على أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة: {ولسوف يعطيك} أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة {ربك} أي الذي لم يزل يحسن إليك بوعد الدنيا ووعد الآخرة {فترضى *} أي فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه رضاك. وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ممالك الجبابرة، وإنهاب كنوز الأكاسرة والقياصرة، وإحلال الغنائم حتى كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود، والشفاعة العظمى إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحدود، وقد أفهمت العبارة أن الناس أربعة أقسام: معطى راض، وممنوع غير راض، ومعطى غير راض، وممنوع راض، وعن علي رضي الله عنه أنها أرجى آية في القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم لا يرضى واحداً من أمته في النار.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة {الضحى} بمكة. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي الحسن البزي المقري قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على اسماعيل بن قسطنطين، فلما بلغت {والضحى} قال: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير، فلما بلغت {والضحى} قال: كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس رضي الله عنهما أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير والطبراني والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن جندب البجلي قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم تره قربك ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن جندب رضي الله عنه قال: أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون: قد ودع محمد فأنزل الله {ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج الطبراني عن جندب رضي الله عنه قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت بعض بنات عمه: ما أرى صاحبك إلا قد قلاك. فنزلت: {والضحى} إلى {وما قلى} . وأخرج الترمذي وصححه وابن أبي حاتم واللفظ له عن جندب قال: رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: حديث : لما نزلت {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى} [المسد: 1] إلى {وامرأته حمالة الحطب} [المسد: 4] فقيل لامرأة أبي لهب: إن محمداً قد هجاك. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ، فقالت: يا محمد علام تهوجوني؟ قال: إني والله ما هجوتك، ما هجاك إلا الله. فقالت: هل رأيتني أحمل حطباً أو رأيت في جيدي حبلاً من مسد؟ ثم انطلقت. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا ينزل عليه، فأتته فقالت: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل الله {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعاً شديداً فقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك، فنزلت {والضحى} إلى آخرها. وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عروة عن خديجة قالت: لما أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي جزع من ذلك فقلت له مما رأيت من جزعه: لقد قلاك ربك مما يرى من جزعك، فأنزل الله {ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أياماً، فعير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله {والضحى والليل إذا سجى} يعني أقبل {ما ودعك ربك وما قلى} . وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل قتادة والضحاك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {والضحى} قال: ساعة من ساعات النهار {والليل إذا سجى} قال: سكن بالناس. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {والليل إذا سجى} قال: إذا استوى. وأخرج عبد الرزاق عن الحسن رضي الله عنه {إذا سجى} قال: إذا لبس الناس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {إذا سجى} قال: إذا أقبل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {والليل إذا سجى} قال: إذا أقبل فغطى كل شيء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {إذا سجى} قال: إذا ذهب {ما ودعك ربك} قال: ما تركك {وما قلى} قال: ما أبغضك. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه عن أم حفص عن أمها وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلمحديث : إن جرواً دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتيني. فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير منا اليوم، فأخذ برده فلبسه وخرج، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل، فلم أزل حتى بدا لي الجرو ميتاً فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله عليه {والضحى والليل إذا سجى} إلى قوله: {فترضى} . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني، فأنزل الله {وللآخرة خير لك من الأولى} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه وأبو نعيم كلاهما في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كفراً كفراً، فسر بذلك، فأنزل الله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: رضاه أن تدخل أمته الجنة كلهم. وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: لا يرضى محمد، واحد من أمته في النار. وأخرج مسلم عن ابن عمرو رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم {فمن تبعني فإنه مني} [إبراهيم: 36] وقول عيسى {إن تعذبهم فإنهم عبادك} [النساء: 118] الآية. فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح رضي الله عنه قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق، أحق هي؟ قال: إي والله، حدثني عمي محمد بن الحنفيه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول: نعم يا رب رضيت"تفسير : . ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} تفسير : [الزمر: 53] قلت: إنا لنقول ذلك. قال فكلنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وهي الشفاعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: هي الشفاعة. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ". تفسير : وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن لال وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال:حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من حملة الإِبل، فلما نظر إليها قال: يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً فأنزل الله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت {وللآخرة خير لك من الأولى} قال العباس بن عبد المطلب: لا يدع الله نبيه فيكم إلا قليلاً لما هو خير له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: ذلك يوم القيامة هي الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه رضي الله عنه قال: كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب، فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير كثير، فقال عبد الله: ويومئذ قد كان سيداً كريماً قد جاء بخير كثير، فقال مسلمة: ألم يقل الله {ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى} فقال عبد الله: أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القلة. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمراً من يثرب فتوفي عبد الله وولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان في حجر جده عبد المطلب. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سألت ربي مسألة ووددت أني لم أكن سألته، فقلت: قد كانت قبلي الأنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فقال تعالى: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : سألت ربي شيئاً وددت أني لم أكن سألته، قلت؛ يا رب كل الأنبياء فذكر سليمان بالريح وذكر موسى فأنزل الله {ألم يجدك يتيماً فآوى} . تفسير : وأخرج ابن مردويه والديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {والضحى} على رسو ل الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمن عليّ ربي وأهل أن يمن ربي"تفسير : والله أعلم. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ووجدك ضالاً فهدى} قال: وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم. أخرج ابن جرير عن سفيان {ووجدك عائلاً} قال: فقيراً وذكر أنها في مصحف ابن مسعود "ووجدك عديماً فآوى". وأخرج ابن الأنباري في المصاحب عن الأعمش قال: قراءة ابن مسعود "ووجدك عديماً فأغنى". أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {فأما اليتيم فلا تقهر} قال: لا تحقره، وذكر أن في مصحف عبد الله "فلا تكهر" وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {فلا تقهر} قال: فلا تظلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فأما اليتيم فلا تقهر} يقول: لا تظلمه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فأما اليتيم فلا تقهر} قال: كن لليتيم كأب رحيم {وأما السائل فلا تنهر} قال: رد السائل برحمة ولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان {وأما السائل فلا تنهر} قال: من جاء يسألك عن أمر دينه فلا تنهره والله أعلم. أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {وأما بنعمة ربك فحدث} قال: بالنبوّة التي أعطاك ربك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {وأما بنعمة ربك فحدث} قال: بالقرآن. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن مقسم قال: لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب، فصافحته، فقال: التقابل مصافحة المؤمن. قلت أخبرني عن قوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} قال: الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً فيخبر به أهل بيته. قلت أي الأجلين قضى موسى الأول أو الآخر؟ قال: الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن بن علي في قوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} قال: إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك. وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعمة أن يحدث بها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أنس بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: "حديث : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة ". تفسير : وأخرج ابن داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوب زور ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعطى عطاء فوجده فليخبر به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أولى معروفاً فليكافىء به فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أولى معروفاً فليكافىء به فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره فقد شكره . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن عبد العزيز قال: إن ذكر النعمة شكر. وأخرج البيهقي عن الحسن قال: أكثر واذكر هذه النعمة فإن ذكرها شكر. وأخرج البيهقي عن الجريري قال: كان يقال: إن تعداد النعم من الشكر. وأخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: كان يقال: تعداد النعم من الشكر. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة قال: من شكر النعمة إفشاؤها. وأخرج البيهقي عن فضيل بن عياض قال: كان يقال: من شكر النعمة أن يحدث بها. وأخرج البيهقي عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلي الصباح يتذاكران النعم، أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا. وأخرج الطبراني عن أبي الأسود الدؤلي وزاذان الكندي قالا: قلنا لعلي: حدثنا عن أصحابك. فذكر مناقبهم. قلنا: فحدثنا عن نفسك. قال: مهلاً نهى الله عن التزكية. فقال له رجل: فإن الله يقول {وأما بنعمة ربك فحدث} قال: فإني أحدث بنعمة ربي، كنت والله إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها إحدى عشرة {وَٱلضُّحَىٰ} هُوَ وقتُ ارتفاعِ الشمسِ وصدرُ النهارِ قالُوا: تخصيصُهُ بالإقسامِ بهِ لأنَّها الساعةُ التي كلَّم فيهَا مُوسَى عليهِ السلامُ وألقَى فيهَا السحرةُ سُجدّاً لقولِه تعالَى: { أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} تفسير : [سورة طة، الآية 59] وقيلَ: أريدَ بهِ النهارُ كمَا في قولِه تعالَى: { أية : أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 98] في مقابلةِ بـياتاً {وَٱلَّيْلِ} أيْ جِنْسِ الليلِ {إِذَا سَجَىٰ} أيْ سكنَ أهلُه أو ركدَ ظلامُه من سَجَا البحرُ سَجْواً إذَا سكنَتْ أمواجُهُ، وَنُقِلَ عن قتادةَ ومقاتلٍ وجعفرٍ الصَّادقِ أنَّ المرادَ بالضُّحَى هُوَ الضُّحى الذي كلَّمَ الله تعالَى فيهِ مُوسَى عليهِ السلامُ وبالليلِ ليلةُ المعراجِ وقولُه تعالَى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} جوابُ القسمِ أيْ ما قطعكَ قطعَ المودعِ وقُرِىءَ بالتخفيفِ أيْ ما ترككَ {وَمَا قَلَىٰ} أيْ ومَا أبغضكَ وحَذفُ المفعولِ إما للاستغناءِ عنْهُ بذكرِهِ من قبلُ أو للقصدِ إلى نفي صدورِ الفعلِ عنْهُ تعالَى بالكليةِ مع أنَّ فيهِ مراعاةً للفواصلِ. رُوي أنَّ الوحيَ تأخرَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أياماً لتركِه الاستثناءَ كما مَرَّ في سُورةِ الكهفِ أو لزجرِهِ سائلاً ملحاً فقالَ المشركونَ: إنَّ محمداً ودعَهُ ربُّهُ وقلاَهُ فنزلتْ رَدًّا عليهم وتَبْشيراً لهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بالكرامةِ الحاصلةِ والمترقبةِ كما يُشعِرُ به إيرادُ اسمِ الربِّ المنبىءِ عنِ التربـيةِ والتبليغِ إلى الكمالِ معَ الإضافةِ إلى ضميرِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ وحيثُ تضمنَ ما سبقَ من نفي التوديعِ والقِلَى أنَّه تعالى يواصلُه بالوَحْي والكرامةِ في الدُّنيا بشرهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بأنَّ مَا سيؤتيه في الآخرةِ أجلُّ وأعظمُ من ذلكَ فقيلَ: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} لما أنَّها باقيةٌ صافيةٌ عنِ الشوائبِ على الإطلاقِ وهذه فانيةٌ مشوبةٌ بالمضارِّ وما أوتِي عليهِ الصلاةُ والسلامُ من شرفِ النبوةِ وإنْ كانَ مما لا يعادلُه شرفٌ ولاَ يُدانيهِ فَضلٌ لكنَّهُ لا يخلُو في الدُّنيا من بعضِ العوارضِ الفادحةِ في تمشيةِ الأحكامِ معَ أنَّه عندَمَا أعدَّ لهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في الآخرةِ من السبقِ والتقدمِ على كافةِ الأنبـياءِ والرسلِ يومَ الجمعِ { أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [المطففين، الآية 6] وكونُ أمتِه شهداءَ على سائرِ الأممِ ورفعُ درجاتِ المؤمنينَ وإعلاءُ مراتبِهم بشفاعتِه وغيرُ ذلكَ من الكراماتِ السنيةِ التي لا تحيطُ بهَا العبارةُ بمنزلةِ بعضِ المبادِي بالنسبةِ إلى المَطَالبِ وقيلَ: المرادُ بالآخرةِ عاقبةُ أمرِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيْ لنهايةُ أمركَ خيرٌ من بدايتِه لا تزالُ تتزايدُ قوةً وتتصاعدُ رفعةً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ}[1] قال: هو نفس الروح في الباطن.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: مكاشفات سرك بنا، واشتغالك بالدعوة نظرًا إلى الخلق. وقال الجنيد رحمه الله: والضحى هو مقام الأشهاد والليل إذا سجى مقام العين الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبى.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}. "والضحى": ساعةٌ من النهار. أو النهارُ كلُّه يُسَمّى ضُحًى. ويقال: أقسم بصلاة الضُّحى. ويقال: الضحى الساعةٌ التي كَلَّم فيها موسى عليه السلام. {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} أي: ليلة المعراج، و"سجا": أي سَكَن، ويقال: هو عامٌّ في جِنْسِ الليل. ويقال: "الضحى" وقت الشهود. {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} الذي قال: إنه ليُغَانّ على قلبي.. ويقال: {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} حين ينزل اللَّهُ فيه إلى السماء الدنيا - على التأويل الذي يصحُّ في وصفه. {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}. ما قَطَعَ عنك الوحيَ وما أبغضك. وكان ذلك حين تأخَّر جبريلُ - عليه السلام - عنه أياماً، فقال أهل مكة: إن محمداً قد قلاه ربُّه. ثم أنزل اللَّهُ هذه السورة. وقيل: احتبس عنه جبريل أربعين يوماً، وقيل: اثني عشر يوماً، وقيل: خمسة وعشرين يوماً. ويقال: سبب احتباسه أن يهودياً سأله عن قصة ذي القرنين وأصحاب الكهف، فوَعَدَ الجوابَ ولم يقل: إن شاء الله.
البقلي
تفسير : {وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} اى وطلوع شمس جلالى عليك بنعت عرفانك يا محمد فى ايام الوصلة وليل النكرة حيث كنت فى ليل الحيرة من غلبة ليل امتناعى عن ادراك كنه القدم حيث قلت لا احصى ثناء عليك قال ابن عطى بمكاشفات سرى بنا واشتغالك بالدعوة نظر الى الخلق وقال الجنيد والضحى هو مقام الاشهاد والليل اذا سجى مقام العين الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم انه ليغان على قلبى قيل ويوم اسرار العارفين وظلمة افعال المخالفين.
اسماعيل حقي
تفسير : {والضحى} هو وقت ارتفاع الشمس وصدر النهار اريد بالضحى الوقت المذكورعلى المجاز بعلاقة الحلول والظرفية فان الزمان ظرف لما فيه او على تقدير المضاف وذلك التجوز او الحذف ليناسب الليل قالوا تخصيصه بالاقسام به لانها الساعة التى كلم الله فيها موسى عليه السلام وألقى فيها السحرة سجدا لقوله تعالى {أية : وان يحشر الناس ضحى}تفسير : فكان له بذلك شرف ومناسبة بحال المقسم لاجله وصلاة الضحى سنة بالاتفاق ووقتها اذا علت الشمس الى قبيل وقت الزوال وهى عند ابى حنيفة ركعتان او اربع بتسليمة وعند مالك لا تنحصر وعند الشافعى واحمد أقلها ركعتان واختلف فى اكثرها فقال الشافعى ثنتا عشرة وقال احمد ثمان وهو الذى عليه الاكثرون من اصحاب الشافعى وصححة النووى فى التحقيق وقد صح ان النبى عليه السلام صلى صلاة الضحى يوم فتح مكة ثمانى ركعات وهو فى بيت ام هانئ وكان يصلى صلاة الضحى قبل ذلك ايضا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والضُحى}، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خُصّ بالإقسام به لأنه الساعة التي كلّم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كلّه؛ لمقابلته بالليل في قوله: {والليلِ إِذا سجى}؛ سَكَن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج. وجواب القسم: {ما ودّعَكَ ربُّك} أي: ما تركك منذ اختارك، {وما قَلَى} أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغةٌ في الودْع، وهو الترك؛ لأنَّ مَن ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. رُوي أنَّ الوحي تأخّر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال المشركون: إنَّ محمداً ودَعَهُ ربُّه وقلاه، فنزلت ردًّا عليهم، وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من "قَلَى" إمّا للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمّن ما سبق من نفي التوديع، والقَلى أنه تعالى يُواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بَشَّر صلى الله عليه وسلم بأنّ ما سيؤتاه في الآخرة أجلّ وأعظم بذلك، فقيل: {وللآخرةُ خير لك من الأُولى}، لأنَّ ما فيها من النِعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار, وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يُعادله شرف، ولا يُدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس. ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لمَّا كان في ضمن نفي التوديع والقَلي أنَّ الله يُواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدُّمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تُحيط بها العبارة. وقوله تعالى: {ولَسَوْفَ يُعطيك ربُّك فترضى} وَعْد كريمٌ شاملٌ لِما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولِما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلاَّ الله عزّ وجل، وقد أنبأ ابنُ عباسٍ عن شيء منها، حيث قال: "أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك". وفي الحديث: لَمَّا نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار" تفسير : . قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وتُرضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال: "حديث : يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة"تفسير : ثم تلا: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل. الإشارة: قال القشيري: يُشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبِلَيل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودَّعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قَلَى بقطع فيض الولاية عن قلبك، {وللآخرةُ خير لك من الأولى} يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقّى في مقامات القٌرب والكرامة. هـ. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم. ثم عدَّد عليه نِعَمَه، فقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}.
الطوسي
تفسير : روي أن عروة ابن الزبير قرأ {ما ودعك ربك} بالتخفيف من قولهم: ودع يدع أي ترك يترك، وهو قليل، لان سيبويه قال: استغنوا بـ (ترك) عن (ودع) فلم يستعملوه. والباقون بالتشديد. هذا قسم من الله تعالى بالضحى، وهو صدر النهار، وهو الضحى المعروف - في قول قتادة - وقال الفراء: هو النهار كله من قولهم: ضحى فلان للشمس إذا ظهر لها. وفي التنزيل {أية : وأَنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}. تفسير : وقوله {والليل إذا سجى} قسم آخر، وقال الحسن: معنى {سجى} غشي بظلامه. وقال قتادة: معنى {سجى} سكن وهذا من قولهم: بحر ساج أي ساكن، وبه قال الضحاك، يقال: سجا يسجو سجواً إذا هدئ وسكن، وطرف ساج قال الاعشى: شعر : فما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج لا يواري الدعا مصا تفسير : وقال الراجز: شعر : يا حبذا القمراء والليل الساج وطرق مثل ملاء النساج تفسير : وقوله {ما ودعك ربك وما قلى} جواب القسم. وقيل: إنه لما تأخر عنه الوحي خمس عشرة ليلة، قال قوم من المشركين: ودع الله محمداً وقلاه، فانزل الله تعالى هذه السورة تكذيباً لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وآله، لأنه كان اغتم بانقطاع الوحي عنه - ذكره ابن عباس وقتادة والضحاك - ومعنى {ما ودعك} ما قطع الوحي عنك، ومعنى {قلى} أبغض - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد - والقالي المبغض يقال: قلاه يقلاه قلا إذا ابغضه. والعقل دال على انه لا يجوز ان يقلا الله احداً من أنبيائه، والتقدير ما قلاك، فحذف الكاف لدلالة الكلام عليه، ولأن رؤس الآي بالياء، فلم يخالف بينها، ومثله (فآوى، وفهدى، وفأغنى) لأن الكاف في جميع ذلك محذوفة، ولما قلناه. وقوله {وللآخرة خير لك من الأولى} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى له إن ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الأولى يعني من الدنيا، والكون فيها لكونها فانية. قال ابن عباس: له في الجنة ألف قصر من اللؤلؤ ترابه المسك، وفيه من كل ما يشتهي على اعم الوصف. وقوله {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وعد من الله له أن يعطيه من النعيم والثواب وفنون النعم ما يرضى النبي صلى الله عليه وآله به ويؤثره. ثم عدد عليه النعمة في دار الدنيا فقال {ألم يجدك يتيماً فآوى} ومعناه تقريره على نعم الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيماً فآواه بأن سخر له عبد المطلب أولا، ولما مات عبد المطلب آواه إلى ابي طالب، وسخره للاشفاق عليه والحنين على حفظه ومراعاته. وقوله {ووجدك ضالاً فهدى} قيل فى معناه أقوال: احدها - وجدك لا تعرف الحق فهداك اليه بأن نصب لك الادلة وارشدك اليها حتى عرفت الحق، وذلك من نعم الله. وثانيها - وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة، فهداك اليها وثالثها - وجدك فى قوم ضلال أي فكأنك واحد منهم. ورابعها - وجدك مضلولا عنك فهدى الخلق إلى الاقرار بنبوتك والاعتراف بصدقك فوجدك ضالا بمعنى مضلول كما قيل ماء دافق بمعنى مدفوق، وسر كاتم بمعنى مكتوم. وخامسها - أنه لما هاجر إلى المدينة ضل فى الطريق، وضل دليله فأرشدهم الله الى الطريق الواضح حتى وصلوا فاذا قيل: السورة مكية أمكن أن يقال: المراد بذلك الاستقبال والاعلام له أنه يكون هذا على وجه البشارة له به، ولم يكن فعلا له معصية، لانه ليس ذهاباً عما كلف. وقوله {ووجدك عائلاً فأغنى} فالعائل الفقير، وهو ذو العيلة من غير جدة عال يعيل عيلة إذا كثر عياله وافتقر قال الشاعر: شعر : وما يدرى الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل تفسير : أي متى يفتقر. وقيل ان ذكر النعم من المنعم يحسن على وجهين: احدهما - التذكير للشكر وطلب الزيادة منها فهذا جود وكرم. والاخر - عند كفر المنعم عليه، فهذا التذكير على الوجه الاول. وقوله {فأما اليتيم فلا تقهر} أي لا تقهره لظلمه بأخذ ماله فكذلك من لا ناصر له لا تغلظ فى أمره، والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو نهي لجميع المكلفين وقيل: معناه لا تقهره على ماله. وقوله {وأما السائل فلا تنهر} فالانتهار هو الصياح فى وجه السائل الطالب للرفد، يقال: نهره وانتهره بمعنى واحد، وهو متوجه إلى جميع المكلفين. وقوله {وأما بنعمة ربك فحدث} معناه اذكر نعم الله واظهرها وتحدث بها. وقد قيل: من شكر النعمة الحديث بها. فان قيل: فى هذا ونظائره مما عدده الله على خلقه من النعم وامتنانه عليهم كيف يمنن الله تعالى على خلقه بالنعم وذلك من فعل النجل، لان الواحد منا لو منَّ على غيره بما يسدي اليه كان مقبحاً؟! قبل: إنما يقبح الامتنان إذا كان الغرض الازراء بالنعم عليه والتفضيل به، فاما إذا كان الغرض تعريف النعمة وتعديدها وإعلامه وجوهها ليقابلها بالشكر فيستحق به الثواب والمدح، فانه نعمة اخرى وتفضل آخر يستحق به الشكر فبطل ما قالوه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلضُّحَىٰ} وقت ارتفاع الشّمس او النّهار تماماً بقرينة قوله تعالى {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [ب: العلوي] [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي] معنعناً: عن السدي في قوله [ر: قول الله تعالى]: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: رضاه أن يدخل أهل بيته الجنة. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه: {ووجدك ضالاً} عن النبوة {فهدى} إلى النبوة {ووجدك عائلاً فأغنى} بخديجة. قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {وللآخرة خير لك} يقول: للجزاء لك في الآخرة خير {من الأولى} يقول: ثواب الآخرة خير لك مما أعطيت من الدنيا {ولسوف} وهذه عدة منه {يعطيك ربك} من الثواب في الآخرة {فترضى} يقول: فتقنع ثم عُدّت [ر: عدّة] عليه {ألم يجدك يتيماً} عند ابي طالب [عليه السلام. أ] في حجره يتيماً {فآوى} يقول: يكفل عنه {ووجدك ضالاً} يقول: في قومٍ ضال - يعني به الكفار- {فهدى} للتوحيد {ووجدك عائلاً} يقول: فقيراً {فأغنى} يقول: قنعك بما أعطاك من الرزق. فرات [بن إبراهيم الكوفي. ش] قال: حدثني [ن: ثنا] جعفر بن محمد الفزاري، [قال: حدثنا عباد عن نصر عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال: يدخل الله ذريته الجنة. قال: حدثني عبيد بن كثير [قال: حدثنا محمد بن راشد قال: حدثنا عيسى بن عبد الله (بن محمد) عن أبيه عن جده عمر. ش]: عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: خلقت الأرض لسبعة بهم يرزقون وبهم ينصرون وبهم يمطرون [وبهم ينظرون وهم. ر] عبد الله بن مسعود وأبو ذر و عمار [بن ياسر. أ، ب] وسلمان الفارسي ومقداد ابن الأسود وحذيفة وأنا إمامهم السابع قال الله تعالى {وأمّا بنعمة ربك فحدث} [هاؤلاء الذين صلّوا على فاطمة الزهراء عليها السلام ورضي الله عنهم. ن]. فرات قال: حدثني محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن حرب بن شريح البصري قال: قلت لمحمد بن علي عليهما السلام. أي آية في كتاب الله أرجى؟ قال: ما يقول فيها قومك؟ قال: قلت: يقولون: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} قال: لكنا أهل البيت [ر: بيت] لا نقول ذلك. قال: قلت: فأيش [خ: فأي شيءٍ] تقولون فيها؟ قال: نقول: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} الشفاعة والله الشفاعة والله الشفاعة.
الأعقم
تفسير : {والضحى}، قيل: هو صدر النهار عند ارتفاع الشمس، وقيل: النهار كله، وقيل: إنما خصَّ الضحى بالقسم لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى وألقي فيها السحرة سجّداً لقوله: {أية : وأن يحشر الناس ضحى} تفسير : [طه: 59] {والليل إذا سجى} أقبل بظلامه حتى غشى كل شيء {ما ودّعك} هذا جواب القسم قيل: ما قطع الوحي عنك، وعن أبي علي: {وما قلا} أي ما قلاك، وقيل: ما وقع شيء يوجب البغض ولا يجوز على الله أن يبغض أحداً من أنبيائه (عليهم السلام) {وللآخرة خير لك من الأولى} أي ما أعد لك من الثواب الدائم والرفعة في دار الآخرة خير لك من الدنيا لأنها تنقطع، وقيل: منزلة الشفاعة، وقيل: له في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه المسك {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قيل: هذا في الدنيا أي يعطيك من النصر على أعدائك التمكين في البلاد وتتابع الفتوح وإظهار الدين ما ترضى، وقيل: هو في الآخرة، قيل: هو مقام الشفاعة يعطيه فيرضى بذلك، وعن الصادق (رضي الله عنه): "انه لا يدخل النار موحد" وعن ابن عباس (رضي الله عنه): إنه لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وعن علي (عليه السلام): "أرجى آية في كتاب الله هذه الآية وهي آية الشفاعة".
الهواري
تفسير : تفسير سورة والضحى، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالضُّحَى} أي: ضحى النهار، يعني ضوءه، وبعضهم يقول: أول ساعة من النهار. {وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى} أي: إذا أظلم، وهذا قسم. {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} وهي تقرأ على وجهين: (مَا وَدَّعَكَ) مثقلة، و(وَدَعَكَ) مخففة، أي: ما تركك. وذلك أن جبريل أبطأ عن النبي عليه السلام بالوحي، فقال المشركون: ودعه ربه وأبغضه. فمن قرأها مثقلة، فهو يقول: لم يودّعك ربك فيكون آخر الفراغ من الوحي. ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: ما تركك ربك، أي من أن ينزل عليك الوحي قال: {وَمَا قَلَى} أي: وما أبغضك. {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى} أي: من الدنيا {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ} أي: في الجنة {فَتَرْضَى}. {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى}. [قال ابن عباس يقول: وجدك يتيماً عند أبي طالب فآواك إلى خديجة]. قال تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاً فَهَدَى} وهو قوله: (أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ) تفسير : [الشورى:52]. وكقوله عزّ وجل: (أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) تفسير : [يوسف:3].
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالضُّحَى} الخ هذا قول الأكثرين وعن جندب بن سفيان اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم بليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة وهي أم جميل امرأة أبي لهب فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك فنزلت، "حديث : وعن جندب أيضا كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فدميت أصبعه فقال صلى الله عليه وسلم هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت" تفسير : فأبطئ عنه جبريل فقال المشركون إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت. وما موصول مبتدأ وفي سبيل الله خبر وما استفهامية وقال زيد بن أسلم إن جروا دخل بيته ومات تحت سريره فاحتبس الوحي عنه وهو لا يدري بالجرو ولما جاءه جبريل عاتبه ما أبطأك عني فقال أنا لا أدخل بيتا فيه كلب أو صورة وروي أنه قال يا جبريل ما أبطأك عني ما جئت حتى اشتقت اليك فقال جبريل إني كنت أشد اليك شوقا ولكني عبد مأمور ونزل {أية : وما تنزل إلا بأمر ربك} تفسير : والضحى وقت ارتفاع الشمس وخصصه لأن النهار يقوى فيه ولأن موسى كلم ربه فيه وألقى السحرة سجدا وقيل الضوء وقيل أول ساعة من طلوع الشمس وقال قتادة النهار بدليل مقابلة البيات به في غير هذه السورة {أية : إن يأتهم بأسنا ضحى}تفسير : ومقابلته بالليل في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}.
اطفيش
تفسير : وقت ارتفاع الشمس الذى يلى وقت بروزها عن أفق البلد أقسم به لأنه شباب الزمان ولأَنه الوقت الذى كلم الله تعالى فيه موسى عليه السلام وألقى فيه السحرة سجدا، قال الله عز وجل {أية : وأن يحشر الناس ضحى} تفسير : [طه: 59]، وقيل المراد النهار وليس كذلك وإنما فسر بالنهار فى قوله تعالى أو يأتيهم بأسنا ضحى لأنه فى مقابلة البيات الذى هو الليل، والمراد جنس الضحى، وقيل نفس الضحىالذى كلم الله تعالى فيه موسى عليه السلام وهو مروى عن قتادة ومقاتل ولا دليل على التخصيص إلاَّ أنهما راعيا وقتاً له قصة وقدم الضحى على الليل لشرفه بالضوءِ وكثرة منافعه ولمناسبة الملائكة النوراينة وقدم الليل فى السورة قبل لأنه أصل بتقدم الظلمة والنور حادث ولأن السورة قبل فى أبى بكر وقد تقدم منه كفر وهذه السورة فى النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يتقدم منه كفر فقدم الضحى.
الالوسي
تفسير : تقدم الكلام فيه. والمراد به هنا وقت ارتفاع الشمس الذي يلي وقت بروزها للناظرين دون ضوئها وارتفاعها لأنه أنسب بما بعد، وتخصيصه بالإقسام به لأنه شباب النهار وقوله فيه قوة غير قريبة من ضدها ولذا عد شرفاً يومياً للشمس وسعداً ولأنه على ما قالوا الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى عليه السلام وأُلقي فيه السحرة سجداً لقوله تعالى: {أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى }تفسير : [طه: 59] ففيه مناسبة للمقسم عليه وهو أنه تعالى لم يترك النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه إلطافه تعالى وتكليمه سبحانه. وقيل المراد به النهار كما في قوله تعالى: {أية : أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى }تفسير : [الأعراف: 98] واعترض بالفرق فإنه وقع هناك في مقابلة البيات وهو مطلق الليل وهنا في مقابلة الليل مقيداً معنى باشتداد ظلمته فالمناسب أن يراد به وقت ارتفاعه وقوة إضاءته وأجيب بمنع دلالة القيد على الاشتداد وستسمع إن شاء الله تعالى ما في ذلك وأياً ما كان فالظاهر أن المراد الجنس أي وجنس الضحى.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة بموضوعها، وتعبيرها، ومشاهدها، وظلالها وإيقاعها، لسمة من حنان، ونسمة من رحمة. وطائف من ود. ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتنسم بالروْح والرضى والأمل. وتسكب البرد والطمأنينة واليقين. إنها كلها خالصة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين. كلها أنسام من الرحمة وأنداء من الود، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع. ورد في روايات كثيرة أن الوحي فتر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبطأ عليه جبريل ـ عليه وسلم ـ فقال المشركون: ودع محمداً ربه! فأنزل الله تعالى هذه السورة.. والوحي ولقاء جبريل والاتصال بالله، كانت هي زاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مشقة الطريق. وسقياه في هجير الجحود. وروْحه في لأواء التكذيب. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحيا بها في هذه الهاجرة المحرقة التي يعانيها في النفوس النافرة الشاردة العصية العنيدة. ويعانيها في المكر والكيد والأذى المصبوب على الدعوة، على الإيمان، وعلى الهدى من طغاة المشركين. فلما فتر الوحي انقطع عنه الزاد، وانحبس عنه الينبوع، واستوحش قلبه من الحبيب. وبقي للهاجرة وحده. بلا زاد. وبلا ري. وبغير ما اعتاد من رائحة الحبيب الودود. وهو أمر أشد من الاحتمال من جميع الوجوه.. عندئذ نزلت هذه السورة. نزل هذا الفيض من الود والحب والرحمة والإيناس والقربى والأمل والرضى والطمأنينة واليقين.. {ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى}.. وما تركك ربك من قبل أبداً، وما قلاك من قبل قط، وما أخلاك من رحمته ورعايته وإيوائه.. {ألم يجدك يتيماً فآوى؟ ووجدك ضالاً فهدى؟ ووجدك عائلاً فأغنى؟}.. ألا تجد مصداق هذا في حياتك؟ ألا تحس مسّ هذا في قلبك؟ ألا ترى أثر هذا في واقعك؟ لا. لا.. {ما ودعك ربك وما قلى}.. وما انقطع عنك بره وما ينقطع أبدا.. {وللآخرة خير لك من الأولى}.. وهناك ما هو أكثر وأوفى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}! ومع هذه الأنسام اللطيفة من حقيقة الأمر وروحه.. الأنسام اللطيفة في العبارة والإيقاع.. وفي الإطار الكوني الذي وضعت فيه هذه الحقيقة: {والضحى. والليل إذا سجى}.. "لقد أطلق التعبير جواً من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة، والرضى الشامل، والشجى الشفيف": {ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى}.. {ألم يجدك يتيماً فآوى؟ ووجدك ضالاً فهدى؟ ووجدك عائلاً فأغنى؟}.. ذلك الحنان. وتلك الرحمة. وذاك الرضى. وهذا الشجى: تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير. الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع.. فلما أراد إطاراً لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق، ومن الليل الساجي. أصفى آنين من آونة الليل والنهار. وأشف آنين تسري فيهما التأملات. وتتصل الروح بالوجود وخالق الوجود. وتحس بعبادة الكون كله لمبدعه، وتوجهه لبارئه بالتسبيح والفرح والصفاء. وصوّرهما في اللفظ المناسب. فالليل هو {الليل إذا سجى}، لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه. الليل الساجي الذي يرق ويسكن ويصفو، وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف، والتأمل الوديع. كجو اليتم والعيلة. ثم ينكشف ويجلي مع الضحى الرائق الصافي.. فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار. ويتم التناسق والاتساق". إن هذا الإبداع في كمال ليدل على الصنعة. صنعة الله التي لا تماثلها صنعة، ولا يتلبس بها تقليد! {والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك. وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى}.. يقسم الله سبحانه ـ بهذين الآنين الرائقين الموحيين. فيربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس. ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعرة المتجاوبة مع هذا الوجود الجميل الحي، المتعاطف مع كل حي. فيعيش ذلك القلب في أنس من هذا الوجود، غير موحش ولا غريب فيه فريد.. وفي هذه السورة بالذات يكون لهذا الأنس وقعه. فظل الأنس هو المراد مده. وكأنما يوحي الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ مطلع السورة، أن ربه أفاض من حوله الأنس في هذا الوجود، وأنه من ثم غير مجفوّ فيه ولا فريد! وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر: {ما ودعك ربك وما قلى}.. ما تركك ربك ولا جفاك ـ كما زعم من يريدون إيذاء روحك وإيجاع قلبك وإقلاق خاطرك.. وهو {ربك} وأنت عبده المنسوب إليه، المضاف إلى ربوبيته، وهو راعيك وكافلك.. وما غاض معين فضله وفيض عطائه. فإن لك عنده في الآخرة من الحسنى خيراً مما يعطيك منها في الدنيا: {وللآخرة خير لك من الأولى}.. فهو الخير أولاً وأخيراً.. وإنه ليدخر لك ما يرضيك من التوفيق في دعوتك، وإزاحة العقبات من طريقك، وغلبة منهجك، وظهور حقك.. وهي الأمور التي كانت تشغل باله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يواجه العناد والتكذيب والأذى والكيد.. والشماتة.. {ولسوف يعطيك ربك فترضى}.. ويمضي سياق السورة يذكر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان من شأن ربه معه منذ أول الطريق. ليستحضر في خاطره جميل صنع ربه به، ومودته له، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والود والإيناس الإلهي. وهو متاع فائق تحييه الذكرى على هذا النحو البديع: {ألم يجدك يتيماً فآوى؟ ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى؟}.. انظر في واقع حالك، وماضي حياتك.. هل ودعك ربك وهل قلاك ـ حتى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟ـ ألم تحط يتمك رعايته؟ ألم تدرك حيرتك هدايته؟ ألم يغمر فقرك عطاؤه؟ لقد ولدت يتيماً فآواك إليه، وعطف عليك القلوب حتى قلوب عمك أبي طالب وهو على غير دينك! ولقد كنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك بكسبك ومال أهل بيتك (خديجة رضي الله عنها) عن أن تحس الفقر، أو تتطلع إلى ما حولك من ثراء! ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحك إليها. ولكنك لم تكن تجد لك طريقاً واضحاً مطمئناً. لا فيما عند الجاهلية ولا فيما عند أتباع موسى وعيسى الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا وتاهوا.. ثم هداك الله بالأمر الذي أوحى به إليك، وبالمنهج الذي يصلك به. والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى، التي لا تعدلها منة؛ وهي الراحة والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق؛ ومن التعب الذي لا يعدله تعب، ولعلها كانت بسبب مما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعانيه في هذه الفترة، من انقطاع الوحي وشماتة المشركين ووحشة الحبيب من الحبيب. فجاءت هذه تذكره وتطمئنه على أن ربه لن يتركه بلا وحي في التيه وهو لم يتركه من قبل في الحيرة والتيه! وبمناسبة ما ذكره ربه بإيوائه من اليتم، وهدايته من الحيرة وإغنائه من العيلة.. يوجهه ويوجه المسلمين من ورائه إلى رعاية كل يتيم، وإلى كفاية كل سائل، وإلى التحدث بنعمة الله الكبرى عليه، وفي أولها: الهداية إلى هذا الدين: {فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث}.. وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، وإلى إغناء السائل مع الرفق به والكرامة، كانت ـ كما ذكرنا مراراً ـ من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه! حيث رفع الإسلام هذه البيئة بشرعة الله إلى الحق والعدل، والتحرج والتقوى، والوقوف عند حدود الله، الذي يحرس حدوده ويغار عليها ويغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذين لا يملكون قوة ولا سيفا يذودون به عن هذه الحقوق. وأما التحدث بنعمة الله ـ وبخاصة نعمة الهدى والإيمان ـ فهو صورة من صور الشكر للمنعم. يكملها البر بعباده، وهو المظهر العملي للشكر، والحديث الصامت النافع الكريم..
ابن عاشور
تفسير : القسم لتأكيد الخبر ردّاً على زعم المشركين أن الوحي انقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه لم يقم الليل بالقرآن بضع ليال. فالتأكيد منصبٌ على التعريض المعرض به لإِبطال دعوى المشركين. فالتأكيد تعريض بالمشركين وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يتردد في وقوع ما يخبره الله بوقوعه. ومناسبة القسم بــــ {الضحى والليل} أن الضحى وقتُ انبثاق نور الشمس فهو إيماء إلى تمثيل نزول الوحي وحصول الاهتداء به، وأن الليل وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهو الوقت الذي كان يَسمع فيه المشركون قراءتَه من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام. ولذلك قُيد {الليل} بظَرف {إذا سجى}. فلعل ذلك وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { أية : قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً } تفسير : [المزمل:2، 3]. والضحى تقدم بيانه عند قوله تعالى: { أية : والشمس وضحاها } تفسير : [الشمس: 1]. وكتب في المصحف {والضحى} بألف في صورة الياء مع أن أصل ألفه الواو لأنهم راعوا المناسبة مع أكثر الكلمات المختومة بألف في هذه السورة فإن أكثرها مُنقلبَة الألِف عن الياء، ولأن الألف تجري فيها الإمالة في اللغات التي تُميل الألفَ التي من شأنها أن لا تُمال إذا وقعت مع ألفٍ تمال للمناسبة كما قال ابن مالك في «شرح كافيته». ويقال: سجا الليل سَجْواً بفتح فسكون، وسُجُوا بضمتين وتشديد الواو، إذا امتد وطال مدة ظلامه مثل سجو المرء بالغطاء، إذا غطي به جميع جسده وهو واوي ورسم في المصحف بألف في صورة الياء للوجه المتقدم في كتابة {الضحى}. وجملة: {ما ودّعك ربك} الخ جواب القسم، وجواب القسم إذا كان جملة منفية لم تقترن باللام. والتوديع: تحيةُ من يريد السفر. واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيهاً بفراق المسافر في انقطاع الصلة حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة، والقرينة إسناد ذلك إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالاً معهوداً. وهذا نفي لأن يكون الله قطع عنه الوحي. وقد عطف عليه: {ومَا قلى} للإِتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال بعضهم: ودَّعه ربه، وقال بعضهم: قَلاه ربه، يريدون التهكم. وجملة: {وما قلى} عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها. والقليْ (بفتح القاف مع سكون اللام) والقِلَى (بكسر القاف مع فتح اللام): البغض الشديد، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة. والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة التي نزلت إثرها سورة المدثر، فعن ابن عباس وابن جريج: «احتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً أو نحوها. فقال المشركون: إن محمداً ودَّعه ربه وقلاه، فنزلت الآية». واحتباس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين: أولاهما: قبل نزول سورة المدثر أو المزمل، أي بعد نزول سورتين من القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من سورتي المزمل والمدثر، وتلك الفترة هي التي خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد انقطع عنه الوحي، وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في تفسير سورة المدثر، وقد قيل: إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت أربعين يوماً ولم يشعر بها المشركون لأنها كانت في مبدإ نزول الوحي قبل أن يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليلاً. وثانيتهما: فترة بعد نزول نحو من ثمانِ سور، أي السور التي نزلت بعد الفترة الأولى فتكون بعد تجمع عشر سور، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور. والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة، فالذي نظنه أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوماً وأنه ما كان إلا للرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم كي تسْتَجِمَّ نفسه وتعتاد قوته تحمُّل أعباء الوحي إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوماً ثم كانت الثانية اثني عشر يوماً أو نحوها، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث، وفي المرة الثالثة يحصل الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثاً، وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة المدثر. وحُذف مفعول {قلى} لدلالة {ودعك} عليه كقوله تعالى: { أية : والذاكرين اللَّه كثيراً والذاكرات } تفسير : [الأحزاب: 35] وهو إيجاز لفظيّ لظهور المحذوف ومثله قوله: { أية : فآوى } تفسير : [الضحى: 6]، فــــ { أية : هدى } تفسير : [الضحى: 7] { أية : فأغنى } تفسير : [الضحى: 8].
الشنقيطي
تفسير : تقدم معنى الضحى في السورة المتقدمة. وقيل: المراد به هنا النهار كله، كما في قوله: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأعراف: 97-98]، وقوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} قيل: أقبل، وقيل: شدة ظلامه، وقيل: غطى، وقيل: سكن. واختار الشيخ رحمه الله علينا وعليه إملائه معنى: سكن. واختار ابن جرير أنه سكن بأهله، وثبت بظلامه، قال كما يقال بحر ساج، إذا كان ساكناً، ومنه قول الأعشى: شعر : فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج ما يواري الدعامصا تفسير : وقول الراجز: شعر : يا حبذا القمراء واللَّيل الساج وطرق مثل ملاء النساج تفسير : وأنشدهما القرطبي، وذكر قول جرير: شعر : ولقد رميتك يوم رحن بأعين ينظرن من خلل الستور سواج تفسير : أقسم تعالى بالضحى والليل هنا فقط لمناسبتها للمقسم عليه، لأنهما طرفا الزمن وظرف الحركة والسكون، فإنه يقول له مؤانساً: ما ودعك ربك وما قلى، لا في ليل ولا في نهار، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله. وقوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}، قرئ بالتشديد من توديع المفارق. وقرئ: ما ودعك، بالتخفيف من الودع، أي من الترك، كما قال أبو الأسود: شعر : ليت شعري عن خليل ما الذي نما له في الحب حتى ودعه تفسير : أي تركه، وقول الآخر: شعر : وثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف المثقفة السمر تفسير : أي تركوهم فرائس السيوف. قال أبو حيان: والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك. اهـ. والقراءة الأولى أشهر وأولى، لأن استعمال ودع بمعنى ترك قليل. قال القرطبي: وقال المبرد: لا يكادون يقولون: ودع ولا وذر، لضعف الواو إذا قدمت واستغنوا عنها بترك، ويدل على قول المبرد سقوط الواو في المضارع، فتقول في مضارع: ودع يدع كيزن ويهب ويرث، من المضارع: يذرهم، والأمر: ذرهم. فترجحت قراءة الجمهور بالتشديد من ودعك من التوديع. وقد ذكرنا هذا الترجيح، لأن ودع بمعنى ترك فيها شدة وشبه جفوة وقطيعة، وهذا لا يليق بمقام المصطفى صلى الله عليه وسلم عند ربه. أما الموادعة والوداع، فقد يكون مع المودة والصلة، كما يكون بين المحبين عند الافتراق، فهو وإن وادعه بجسمه فإنه لم يوادعه بحبه وعطفه، والسؤال عنه وهو ما يتناسب مع قوله تعالى: {وَمَا قَلَىٰ}. تنبيه هنا ما ودعك بصيغة الماضي، وهو كذلك للمستقبل، بدليل الواقع وبدليل {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4]، لأنها تدل على مواصلة عناية الله به حتى يصل إلى الآخرة فيجدها خيراً له من الأولى، فيكون ما بين ذلك كله في عناية ورعاية ربه. وقد جاء في صلح الحديبية، قال لعمر: أنا عبد الله ورسوله، أي تحت رحمته وفي رعايته. وقوله: وما قلى، حذف كاف الخطاب لثبوتها فيما معها، فدلت عليها هكذا، قال المفسرون: وقال بعضهم: تركت لرأس الآية، والذي يظهر من لطيف الخطاب ورقيق الإيناس ومداخل اللطف، أن الموادعة تشعر بالوفاء والود، فأبرزت فيها كاف الخطاب، أي لم تتأت موادعتك وأنت الحبيب، والمصطفى المقرب. أما قلى: ففيها معنى البغض، فلم يناسب إبرازها في إبعاد قصده صلى الله عليه وسلم بشيء من هذا المعنى، كما تقول لعزيز عليك: لقد أكرمتك، وما أهنت لقد قربتك، وما أبعدت كراهية أن تنطق بإهانته وكراهيته، أو تصرح بها في حقه، والقلى: يمد ويقصر هو البغض، يمد إذا فتحت القاف، ويقصر إذا كسرتها، وهو واوي وياءي، وذكر القرطبي، قال: انشد ثعلب: شعر : أيام أم الغمر لا نقلاها ولو تشاء قبلت عَيناها تفسير : وقال في كثير عزة: شعر : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت تفسير : فالأول قال: فقلاها من الواوي، والثاني قال: مقلية من الياء، وهما في اللسان شواهد: وقد جاء في السيرة ما يشهد لهذا المعنى ويثبت دوام موالاته سبحانه لحبيبه وعنايته به وحفظه له بما كان بكاؤه به عمه، وقد قال عمه في ذلك: شعر : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا تفسير : وذكر ابن هشام في رعاية عمه له، أنه كان إذا جنَّ الليل وأرادوا أن يناموا، تركه مع أولاده ينامون، حتى إذا أخذ كل مضجعه، عمد عمه إلى واحد من أبنائه، فأقامه وأتى بمحمد صلى الله عليه وسلم ينام موضعه، وذهب بولده ينام مكان محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان هناك من يريد به سوءاً فرأى مكانه في أول الليل، ثم جاء من يريده بسوء وقع السوء بابنه، وسلم محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعل الصديق رضي الله عنه عند الخروج إلى الهجرة في طريقهما إلى الغار، فكان رضي الله عنه تارة يمشي أمامه صلى الله عليه وسلم، وتارة يمشي وراءه، فسأله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "حديث : أذكر الرصيد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك، فقال: أتريد لو كان سوء يكون بك يا أبا بكر؟ قال: بلى، فداك أبي وأمي يا رسول الله، ثم قال: إن أهلك أهلك وحدي، وإن تهلك تهلك معك الدعوة" تفسير : فذاك عمه في جاهلية وليس على دينه صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
الواحدي
تفسير : {والضحى} أيْ: النَّهارِ كلِّه. {والليل إذا سجى} سكن بالخلق واستقرَّ بظلامه. {ما ودَّعك ربك وما قلى} وما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبَّك، وهذا جواب القسم. وقد كان تأخَّر الوحي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً، فقال ناس: إنَّ محمداً ودَّعه ربُّه وقلاه، فأنزل الله هذه السورة. {وللآخرة خير لك من الأولى} لأّنَّ الله يعطيك فيها الكرامات والدَّرجات. {ولسوف يعطيك ربك} في الآخرة من الثَّواب، وفي مقام الشَّفاعة {فترضى}. يروى أنَّه قال عليه السَّلام لمَّا نزلت هذه الآية: إذن لا أرضى وواحدٌ من أُمَّتي في النَّار. ثمَّ أخبر عن حاله قبل الوحي، وذكَّره نعمه عليه فقال:
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- أقسم بوقت ارتفاع الشمس. والنشاط فى العمل. 2- وبالليل إذا سكن وامتد ظلامه. 3- ما تركك ربك - يا محمد - وما كرهك. 4- ولعاقبة أمرك ونهايته خير من بدايته. 5- وأقسم لسوف يعطيك ربك من خيرى الدنيا والآخرة حتى ترضى. 6- ألم يجدك يتيماً تحتاج إلى مَن يرعاك، فآواك إلى مَن يحسن القيام بأمرك؟ 7- ووجدك حائراً لا تقنعك المعتقدات حولك، فهداك إلى منهج الحق؟ 8- ووجدك فقيراً من المال فأغناك بما أعطاك من رزق؟
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والضحى: أي أول النهار ما بين طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى الزوال. والليل إذا سجى: غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا إلى الراحة. ما ودعك: أي ما تركك ولا تخلى عنك. وما قلى: أي ما أبغضك. ألم يجدك يتيما: أي فاقد الأب إذ مات والده قبل ولادته. فآوى: أي فآواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب. ووجدك ضالا: أي لا تعرف دينا ولا هدى. ووجدك عائلا: أي فقيرا. فأغنى: أي بالقناعة، وبما يسرَّ لك من مال خديجة وأبي بكر الصديق. فلا تقهر: أي لا تذله ولا تأخذ ماله. فلا تنهر: أي لا تنهره بزجر ونحوه. وأما بنعمة ربك فحدث: أي اذكر ما أنعم الله تعالى به عليك شكرا له على ذلك. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} هذا قسم من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أقسم له به على أنه ما تركه ولا أبغضه. وذلك أنه أبطأ عنه الوحي أياما فلما رأى ذلك المشركون فرحوا به وعيَّروه فجاءت امرأة وقالت ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سورة الضحى يقسم له فيها بالضحى وهو أول النهار من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى ما قبل الزوال بقليل، وبالليل إذا سجى أي غطى بظلامه المعمورة وسكن فسكن الناس وخلدوا إلى الراحة فيه {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} يا محمد أي تركك {وَمَا قَلَىٰ} أي ما أبغضك {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} أي الدنيا وذلك لما أعد الله لك فيها من الملك الكبير والنعيم العظيم المقيم. وسوف يعطيك ربك من فواضل نعمه حتى ترضى في الدنيا من كمال الدين وظهور الأمر في الآخرة الشفاعة وأن لا يبقى أحد من أمته أهل التوحيد في النار والوسيلة والدرجة الرفيعة التي لا تكون لأحد سواه. وقوله تعالى {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} هذه ثلاث منن لله تعالى على رسوله منَّها عليه وذكّره بها ليوقن أن الله معه وله وأنه ما تركه ولن يتركه وحتى تنتهي فرحة المشركين ببطء الوحي وتأخّره بضعة أيام. فالمنّة الأولى أن والد النبي صلى الله عليه وسلم قد مات عقب ولادته وأمه ماتت بعيد فطامه فآواه ربّه بأن ضمّه إلى عمه أبي طالب فكان أبا رحيما وعما كريما له وحصنا منيعا له، ولم يتخل عن نصرته والدفاع عنه حتى وفاته والثانية منّة العلم والهداية فقد كان صلى الله عليه وسلم يعيش في مكة كأحد رجالاتها لا يعرف علما ولا شرعا وإن كان معصوما من مقارفة أي ذنب أو ارتكاب أية خطيئة إلا أنه ما كان يعرف إيمانا ولا إسلاما ولا شرعا كما قال تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى: 52] والثالثة منَّته عليه بالغنى بعد الحاجة فقد مات والده ولم يخلّف أكثر من جارية هي بركة أم أيمن وبضعة جمال، فأغناه الله بغنى القناعة فلم يمد يده لأحد قط وكان يقول "حديث : ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغني غني النفس" تفسير : هذه ثلاث منن إلهيّة وما أعظمها والمنة تتطلب شكرا والله يزيد على الشكر ومن هنا أرشد الله تعالى رسوله إلى شكر تلك النعم ليزيده عليها فقال فأما {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} لا تقهره بأخذ ماله أو إذلاله أو أذاه ذاكرا رعاية الله تعالى لك أيام يتمك. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ} وهو الفقير المسكين وذو الحاجة يسألك ما يسدّ خلّته فاعطه ما وجدت عطاءً أو ورده بكلمة طيبة تشرح صدره وتخفف ألم نفسه ولا تنهره بزجر عنيف ولا بقول غير لطيف ذاكرا ما كنت عليه من حاجة وما كنت تشعر به من احتياج {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي اشكر نعمة الإِيمان والإِحسان والوحي والعلم والفرقان وذلك بالتحدث بها ابلاغا وتعليما وتربية وهداية فذاك شكرها والله يحب الشاكرين هكذا أدّب الله جل جلاله ورسوله وخليله فأكمل تأديبه وأحسه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الدنيا لا تخلو من كدر وصدق الله العظيم {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} تفسير : [البلد: 4]. 2- بيان علو المقام المحمدي وشرف مكانته. 3- مشروعية التذكير بالنعم والنقم حملا للعبد على الصبر والشكر. 4- وجوب شكر النعم بصرفها في مرضاة المنعم عز وجل. 5- تقرير معنى الحديث "حديث : إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه ".
القطان
تفسير : الضحى: صدرُ النهار حين ترتفع الشمس. سجى: سكن. ما ودّعك ربك: ما تركك. وما قلَى: ما أَبغضك. ضالا فهدى: لم تكن تعلم شيئا عن الشرائع فهداك الى خير منهج. عائلاً: فقيرا. لا تقهَر: لا تذلَّه بل ارأف به. فلا تنهر: لا تزجره، بل ترفّق به. نزلت هذه السورة الكريمةُ حاملةً أجملَ بشرى للرسول الكريم، ملقيةً في نفسه الطمأنينة، معدِّدة ما أنعمَ الله به عليه. وقد اقسم سبحانه بآيتين عظيمتين من آياتِه في هذا الكون العجيب: ضحى النهارِ وصدرِه، والليلِ وسكونِه - انه ما ترككَ أيها الرسول، وما أبغضَك. {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} ولَلدارُ الآخرة وما فيها من نعيم خيرٌ لك من هذه الحياة الدنيا، ولَعاقبةُ أمرك ونهايتُه خيرٌ من بدايته. وقد حقّق الله له نصره. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} وهذه بشرى أخرى بأن الله تعالى سيُعطيه من خَيْرَيِ الدنيا والآخرة. وقد أعطاه حتى رَضِيَ، إن وعدَه الحق. ثم بعدَ أن وعدَه بهذا الوعدِ الجميل ذَكَّره بنِعمه عليه فقال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} ألم تكن يتيماً يا محمد فآواك، إذ كَفَلَكَ جدُّك عبدُ المطلب. ثم عمُّك أبو طالب الّذي ظلَّ يرعاك ويدافِع عنك طوال حياته. ووجدك حائراً لا تُقْنِعُك هذه المعتقداتُ التي حولك فهداكَ الى خيرِ دينٍ وأحسنِ منهاج. وكنت فقيراً لا مالَ لك فأغناك الله بما ربحتَ من التجارة، وما وهبتْه لك خديجةُ من مالها، حتى سَكنَتْ نفسُك ورضيت. وبعد أن عدّد هذه النعمَ عليه، وصّاه بوصايا كلُّها خيرٌ ورحمة فقال تعالى: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} وهذه الوصايا توجيهٌ كريم من الله تعالى لرسولِه وللمسلمين من بعدِه إلى رعاية اليتيم وكفالتِه، والى كِفاية كلِّ سائل، وإلى التحدُّثِ بنعمة الله الكبرى عليه.. ومن أعظَمِها الهدايةُ لهذا الدين القويم. وهذا توجيهٌ من الله بأن نتحلّى بالأخلاق العالية، وان نكون لطفاءَ لَيِّنين مع الناس، ونبتعدَ عن الغِلظَة والفظاظة التي يتّصف بها كثيرٌ مِمَّن يَدَّعون التديُّن. اللهم اهدِنا سواء السبيل، واجعلنا ممن يقتفون آثارَ الرسول الكريم ويتبعون سُننه وأخلاقَه.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - تَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، فَحزِنَ رَسُولُ اللهِ حُزْناً شَدِيداً، خَوْفاً مِنْ أَنْ يَكُونَ رَبُّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ، أَوْ كَرِهَهُ (قَلاَهُ). وَقِيلَ إِنَّهُ حِينَمَا تَأَخَّرَ الوَحْيُ عَنِ الرَّسُولِ قَالَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ: وَدَّعَ مُحَمَّداً رَبُّهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ. وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى فِي مَطْلَعِهَا بِالضُّحَى - وَهُوَ صَدْرُ النَّهَارِ - وَمَا جَعَلَ فِيهِ مِنْ ضِيَاءٍ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱلضُّحَىٰ} قال المفسّرون: حديث : سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح، فقال: سأخبركم غداً ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي . تفسير : وقال زيد بن أسلم: حديث : كان سبب احتباس جبرائيل (عليه السلام) كون جرو في بيته، فلمّا نزل عليه جبرائيل عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه، فقال: يا محمد أما علمت أنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ؟ تفسير : واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن حريج: اثني عشر يوماً، وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً، وقيل: خمسة وعشرين يوماً، وقال مقاتل: أربعين يوماً. قالوا: فقال المشركون: إنّ محمداً ودعّه ربّه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن قبله من الأنبياء. حديث : وقال المسلمون: يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي؟ فقال: "وكيف ينزل عليّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم ولا تقلّمون أظفاركم"، فأنزل الله سبحانه جبرائيل (عليه السلام) بهذه السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا جبرائيل ما جئت حتى اشتقت إليك"، فقال جبرائيل (عليه السلام): وأنا كنت إليك أشدّ شوقاً ولكني عبد مأمور وما ننزل إلاّ بأمر ربّك . تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفان قال: حدّثنا أبو أُسامة، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندب بن سفيان يقول: حديث : رمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر في إصبعه، فقال: "هل أنتِ إلاّ إصبع دميتِ * وفي سبيل الله مالقيتِ" فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم [الليل]، فقالت له امرأة: يا محمد ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ليال. وقيل: إنّ المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب، فأنزل الله سبحانه {وَٱلضُّحَىٰ}تفسير : . يعني النهار كلّه، دليله قوله {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} فقابله بالليل، نظيره قوله {أية : أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأعراف: 98] أي نهاراً، وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وقيل: هي الساعة التي كلّم الله فيها موسى، وقيل: هي الساعة التي أُلقي السحرة فيها سجّدا، بيانه قوله سبحانه: {أية : وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} تفسير : [طه: 59] وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله: بإضمار الربّ مجازه: وربّ الضحى. {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، الوالبي عنه: إذا ذهب الضحّاك: غطّى كلّ شيء، مجاهد وقتادة وابن زيد: سكن بالخلق واستقر ظلامه، يقال: ليل ساج، وبحر ساج إذا كان ساكناً، قال الراجز: شعر : يا حبذا القمراء والليل الساج وطرق مثل ملاء النسَّاج تفسير : وقال أعشى بني ثعلبة: شعر : فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم وبحرك ساج ما يواري الدّعامصا تفسير : {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} أي ما تركك منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبّك، وهذا جواب القسم. {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ} من الثواب، وقيل: من النصر والتمكن وكثرة المؤمنين {فَتَرْضَىٰ}. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابو عبد الله محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن بحر قال: حدّثنا عبد بن حميد، عن قتيبة، عن سفيان، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبد الله، عن علي بن عبد الله بن عباس [عن أبيه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفراً كفراً" فسرّني ذلك، فنزلت {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : قال: أُعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له. وأخبرني عقيل أن أبا الفرج، أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا الحكم بن ظهر، عن السدي، عن ابن عباس: في قوله {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} قال: رضا محمد ان لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وقيل: هي الشفاعة في جميع المؤمنين. أخبرنيه أبو عبد الله القنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقري قال: حدّثنا محمد بن عمران بن أسد الموصلي قال: حدّثنا محمد بن أحمد المدادي قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا حرب بن سريح البزاز قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي قال: حدّثني عمي محمد بن علي بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشفع لأمتي حتى ينادي ربي عزّ وجلّ: رضيت يا محمد، فأقول: ربّ رضيت "ثم قال لي: إنّكم معشر أهل العراق تقولون: إن أرجى آية في القرآن {قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} [الزمر: 53] قلت: انا لنقول ذلك، قال: ولكنّا أهل البيت نقول: إنّ أرجى آية في كتاب الله تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} وهي الشفاعة . تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا أبو عامر بن سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح المصري، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله سبحانه في إبراهيم: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] وقول عيسى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فرفع يديه ثم قال: "اللهمّ أُمّتي أُمّتي" وبكى. فقال الله سبحانه: يا جبرائيل إذهب إلى محمد وربّك أعلم فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله سبحانه: يا جبرائيل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك . تفسير : ويروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمّا نزلت هذه الآية: "حديث : إذاً لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". تفسير : وقال جعفر بن محمد: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضي الله عنها وعليها كساء من جلد الإبل، وهي تطحن بيدها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أبصرها، فقال: "يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله عليّ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} . تفسير : ثم أخبر الله سبحانه، عن حاله (عليه السلام) التي كان عليها قبل الوحي، وذكّره نعمه، فقال عزّ من قائل: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}. أنبأني عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري قال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا أبو عمر الحوصي، وأبو الربيع الزهراني، عن حمّاد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: يا ربّ إنك آتيت سليمان بن داود ملكاً عظيماً، وآتيت فلاناً كذا، وآتيت فلاناً كذا، قال: يا محمد ألمْ أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى أي رب، قال: ألمْ أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألمْ أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى أي رب ". تفسير : ومعنى الآية: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} صغيراً فقيراً ضعيفاً حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالا، ولا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله، وضمّك إلى عمّك أبي طالب حتى أحسن تربيتك، وكفاك المؤونة. سمعت الاستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول: سمعت أبا القاسم الاسكندراني يقول: سمعت أبا جعفر الملطي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: سمعت أبي يقول: سئل جعفر بن محمد الصادق: لم أؤتم النبي صلى الله عليه وسلم عن أبويه؟ فقال: لئلاّ يكون عليه حق لمخلوق. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري يحكي بإسناد له لا أحفظه، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه أنه قال في قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}: هو من أقوال العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل وقد جاء في الشعر: شعر : لا ولا درّة يتيمة بحر تتلالا في جونة البياع تفسير : فمجاز الآية: {أَلَمْ يَجِدْكَ} واحداً في شرفك، وفضلك، لا نظير لك، فآواك إليه. وقرأ أشهب العقيلي {فَآوَىٰ} بالقصر: أي رحمك. تقول العرب: آويت لفلان اية ومأواة أي رحمته. {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} عما أنت عليه اليوم، فهداك إلى الذي أنت عليه اليوم. قال السدي: كان على أمر قومه أربعين عاماً، وقال الكلبي: وجدك في قوم ضلال فهداك إلى التوحيد، والنبوة، وقيل: فهداهم بك، وقال الحسن والضحّاك وشهر بن حوشب وابن كيسان: ووجدك ضالا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، نظيره ودليله قوله سبحانه {أية : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3] وقوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى: 52]، وقيل: ضالا في شعاب مكّة، فهداك الى جدّك عبد المطلب، وردّك إليه. روى أبو الضحى، عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضل، وهو صبي صغير في شعاب مكّة، فرآه أبو جهل، منصرفاً من أغنامه، فردّه إلى جدّه عبد المطلب، فمنّ الله سبحانه عليه بذلك، حين ردّه إلى جدّه على يدي عدوّه. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا عمرو بن عوف قال: أخبرنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن، عن بشر بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا أنا برجل يطوف بالبيت، وهو يرتجز، ويقول: شعر : يا ربّ ردّ راكبي محمدا ردّ إليّ واصطنع عندي يدا تفسير : فقلت: من هذا؟ قيل: عبد المطلب بن هاشم، ذهبت أبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلاّ جاء بها، وقد احتبس عليه، قال: فما برحتُ أنْ جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء بالإبل، فقال: يا بُنيّ لقد حزنت عليك حزناً لا يفارقني أبداً. وفي حديث كعب الأحبار، في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدء أمره أن حليمة لمّا قضت حق الرضاع، جاءت برسول الله صلى الله عليه وسلم لتردّه إلى عبد المطلب، قالت حليمة: فأقبلتُ أسير حتى أتيت الباب الأعظم من أبواب مكّة، فسمعت منادياً ينادي: هنيئاً لكِ يا بطحاء مكة، اليوم يرد عليك النور والدين والبهاء والجمال، قالت: ثم وضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقضي حاجة وأصلح ثيابي، فسمعت هدّة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت: معاشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: أي الصبيان؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي نضرّ الله به وجهي، وأغنى عيلتي، ربيّته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي أتيت به لأردّه، وأخرج هذا من أمانتي، اختلس من بين يدي قبل أن يمس قدمه الأرض، واللات والعزى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق الجبل، فلأقطعنّ إرباً إرباً. قالوا: ما رأينا شيئاً، فلمّا آيسوني وضعت يدي على أم رأسي، وقلت: وامحمداه واولداه، فأبكيت الجواري الأبكار لبكائي، وضجّ الناس معي بالبكاء حرقةً لي، فإذا أنا بشيخ كالفاني يتوكأ على عصا، قال: مالك أيتها السعدية؟ قلت: فقدت ابني محمداً، فقال: لا تبكي أنا أدلّك على من يعلم علمه، وإن شاء أن يردّه فعل، قلت: فدتك نفسي، ومن هو؟ قال: الصنم الأعظم هبل. قالت: فدخل وأنا أنظر، فطاف بهبل وقبّل رأسه وناداه: يا سيداه، لم تزل منتك على قريش قديمة، وهذه السعدية تزعم أن ابناً لها قد ضلّ، فردّه إن شئت، وأخرج هذه الوحشة عن بطحاء مكة، فأنها تزعم أن ابنها محمداً قد ضلّ، قال: فانكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام، وقالت: إليك عنّا أيها الشيخ. إنما هلاكنا على يدي محمد. قالت: فأقبل الشيخ أسمع لأسنانه اصطكاكاً، ولركبته ارتعاداً، وقد ألقى عكازته من يده وهو يقول: يا حليمة إن لابنك رباً لا يضيّعه فاطلبيه على مهل، قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي، فقصدته فلمّا نظر اليّ، قال: أسعد نزل بكِ أم نحوس؟، قلت: بل النحس الأكبر، ففهمها منّي، وقال: لعلّ ابنك ضلّ منك، قالت: قلت: نعم فظنَّ أن بعض قريش قد اغتاله، فسلّ عبد المطلب سيفه لا يثبت له أحد من شدة غضبه، ونادى بأعلى صوته: يا آل غالب، يا آل غالب، وكانت دعوتهم في الجاهلية فأجابته قريش بأجمعها، وقالوا: ما قصتك؟، قال: فُقد ابني محمد، قالت قريش: اركب نركب معك، فإنْ تسنّمت جبلا تسنماه معك، وان خضت بحراً خضناه معك، فركب وركبت قريش معه فأخذ على أعلى مكة وانحدر على أسفلها، فلمّا أن لم ير شيئاً ترك الناس واتشح وارتدى بآخر، وأقبل الى البيت الحرام، فطاف اسبوعاً ثم أنشأ يقول: شعر : يا ربّ ردّ راكبي محمداً ردّه ربي واتخذ عندي يدا يا ربّ إنْ محمد لم يوجدا مجمع قومي كلّهم مبدّدا تفسير : فسمعنا منادياً ينادي من الهواء: معاشر الناس لا تضجوا، فان لمحمد ربّاً لا يخذله ولا يضيّعه، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف ومن لنا به وأين هو؟، قال بوادي تهامة عند شجرة اليمن. فأقبل عبد المطلب راكباً متسلحاً، فلمّا صار في بعض الطرق تلقّاه ورقة بن نوفل فصارا جميعاً يسيران، فبينما هم كذلك إذ النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يجذب الأغصان ويعبث بالورق، قال له عبد المطلب: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال عبد المطلب: فدتك نفسي وأنا جدّك، ثم حمله على قربوس سرجه وردّه إلى مكة واطمأنت قريش بعد ذلك. وقال سعيد بن المسيب: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء على ناقة إذ جاء إبليس، وأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبرائيل فنفخ إبليس نفخة وقع منها الى الحبشة وردّه الى القافلة، فمنّ الله عليه بذلك . تفسير : وقيل: وجدك ضالا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبرائيل لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حبيش قال: قال بعض أهل الكلام في قوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}: إن العرب إذا وجدت شجرة في فلاة من الأرض وحيدة ليس معها ثانية يسمونها: ضالة، فيهتدون بها إلى الطريق. قال: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} أي وحيداً ليس معك نبي غيرك فهديت بك الخلق إليّ، وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن علي الترمذي: ووجدك خاملا لا تذكر ولا تُعرف من أنت، فهداهم إليك حتى عرفوك، وأعلمهم بما منّ به عليك. قال بسام بن عبد الله: ووجدك ضالا نفسك لا تدري من أنت فعرّفك نفسك وحالك، وقال أبو بكر الورّاق وغيره: ووجدك ضالا بحب أبي طالب فهداك إلى حبّه، وغيره: وجدك محبّاً فهداك إلى محبوبك، دليله قوله سبحانه، إخباراً عن إخوة يوسف {أية : إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يوسف: 8] وقوله سبحانه: {أية : تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95] اي فرط الحب ليوسف. وقيل: وجدناك ناسياً شأن الاستثناء حين سُئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، دليله قوله {أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} تفسير : [البقرة: 282] أي تنسى، وقال سهل: وجد نفسك نفس الشهوة والطبع، فغيّره إلى سبيل المعرفة والشرع، قال جنيد: وجدك متحيراً في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه، لقوله {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} تفسير : [النحل: 44] وقوله {أية : لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} تفسير : [النحل: 64]. قال بندار بن الحسين: ليس قائما مقام الأستدلال فتعرفت إليك، وأغنيتك بالمعرفة عن الشواهد والأدلة، وقيل: وجدك طالباً لقبلتك ضالا عنها فهداك إليها. {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} فقيراً عديماً فأغناك بمال خديجة، ثم بالغنائم، وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، وقرأ ابن السميقع: وجدك عيّلا بتشديد الياء من غير ألف على وزن فيعل، كقولك: طاب يطيب فهو طيّب. وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس، وقيل: فقيراً إليه فأغناك به، وقيل: غنياً بالمعرفة فقيراً عن أحكامها، فأغناك بأحكام المعرفة حتى تم لك الغنى. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش، عن بعضهم أنه قال: وجدك عائلا تعول الخلق بالعلم فأغناك بالقرآن والعلم والحكمة، وقال الأخفش: وجدك ذا عيال. دليله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وابدأ بمن تعول ". تفسير : عن ابن عطاء: لم يكن معك كتاب ولا شريعة فأغناك بهما، وقيل: وجدك عائلا عن الصحابة محتاجاً إليهم، فأكثرنا لك الاخوان والأعوان، وحذف الكاف من قوله فآوى واختيها لمشاكلة رؤوس الآي، ولأن المعنى معروف.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {سَجَىٰ} سجى الليل: اشتد ظلامه {قَلَىٰ} أبغض قال الراغب: القلي: شدة البغض يقال: قلاه ويقليه أي أبغضه {آوَىٰ} ضمَّه إلى من يرعاه {عَآئِلاً} فقيراً معدماً وهو من اشتد به الفقر قال جرير: شعر : اللـهُ نزَّل في الكتاب فريضةً لابن السبيل وللفقير العائل تفسير : {تَقْهَرْ} تذله وتحقره {تَنْهَرْ} تزجره وتغلظ عليه في الكلام. سَبَبُ النّزول: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فجاءت امرأةٌ - وهي أم جميل امرأة أبي لهب - فقالت يا محمد: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك!! لم أره قربك ليلتين أو ثلاثاً فأنزل الله عز وجل: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}. التفسِير: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} أقسم تعالى بوقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمسُ، وأقسم بالليل إِذا اشتد ظلامه، وغطَّى كل شيء في الوجود قال ابن عباس: {سَجَىٰ} أقبل بظلامه قال ابن كثير: هذا قسمٌ منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إِذا سكن فأظلم وأدلهمَّ، وذلك دليلٌ ظاهر على قدرته تعالى {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا ردٌّ على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} أي وللدارُ الآخرة خيرٌ لك يا محمد من هذه الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا كان عليه السلام يقول: حديث : اللهم لا عيش إِلا عيشُ الآخرة تفسير : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى قال ابن عباس: هي الشفاعة في أُمته حتى يرضى، لما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمته فقال: اللهم أُمتي أُمتي وبكى، فقال الله يا جبريل إِذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك: - وهو أعلم - فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله فأخبره رسول الله بما قال، فقال الله يا جبريل: اذهب إِلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءكتفسير : ، وفي الحديث "حديث : لكل نبي دعوةٌ مستجابة، فتعجَّل كل نبي دعوته، وإِني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة"تفسير : الحديث قال الخازن: والأولى حملُ الآية على ظاهرها ليشمل خيري الدنيا والآخرة معاً، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا النصر والظفر على الأعداء، وكثرة الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة.. ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكَّره بنعمه عليه في حال صغره ليشكر ربه فقال {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} أي ألم تكنْ يا محمد يتيماً في صغرك، فآواك الله إلى عمك أبي طالب وضمَّك إِليه؟ قال ابن كثير: وذلك أن أباه توفي وهو حملٌ في بطن أمه، ثم توفيت أُمه وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده "عبد المطلب" إِلى أن تُوفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه "أبو طالب" ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين وأبو طالب على عبادة الأوثان مثل قومه ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلُّ هذا من حفظ الله له، وكلاءته وعنايته به {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} أي ووجدك تائهاً عن معرفة الشريعة والدين فهداك إِليها كقوله تعالى {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى: 52] قال الإِمام الجلال: أي وجدك ضالاً عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها، وقيل: ضلَّ في بعض شعاب مكة وهو صغير فردَّه الله إِلى جده قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، وقيل: ضلَّ وهو مع عمه في طريق الشام {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} أي ووجدك فقيراً محتاجاً فأغناك عن الخلق، بما يسَّر لك من أسباب التجارة.. ولمَّا عدَّد عليه هذه النعم الثلاث، وصَّاه بثلاث وصايا مقابلها فقال {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} أي فأما اليتيم فلا تحتقره ولا تغلبه على ماله قال مجاهد: أي لا تحتقره وقال سفيان: لا تظلمه بتضييع ماله، والمراد كن لليتيم كالأب الرحيم، فقد كنت يتيماً فآواك الله {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} أي وأمَّا السائل المستجدي الذي يسأل عن حاجة وفقر، فلا تزجره إِذا سألك ولا تُغلظ له القول بل أعطه أو ردَّه رداً جميلاً قال قتادة: ردَّ المسكين برفقٍ ولين {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أي حدِّثْ الناس بفضل الله وإِنعامه عليك، فإِن التحدث بالنعمة شكر لها قال الألوسي: كنت يتيماً وضالاً وعائلاً، فآواك الله وهداك وأغناك، فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، فتعطَّف على اليتيم، وترحَّم على السائل، فقد ذقت اليتم والفقر، وأرشد العباد إِلى طريق الرشاد، كما هداك ربك. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {الآخِرَةُ} و{ٱلأُولَىٰ} لأن المراد بالأولى الدنيا وهي تطابق الآخرة. 2- المقابلة اللطيفة {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ .. وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} قابلها بقوله {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} وهي من لطائق علم البديع. 3- الجناس الناقص بين {تَقْهَرْ} و{تَنْهَرْ} لتغير الحرف الثاني من الكلمتين. 4- السجع المرصَّع كأنه الدر المنظوم في عقد كريم {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} الخ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} هذه السورة مكية وسبب نزولها قال ابن عباس: أبطأ الوحي مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة حتى شق ذلك عليه فقالت أم جميل امرأة أبي لهب يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت الآية ولما ذكر فيما قبلها وسيجنبها الأتقى وكان سيد الأتقياء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هنا نعمه تعالى عليه. {مَا وَدَّعَكَ} أي تركك وقرأ أبو بحرية وابن أبي عبلة بالتخفيف ما ودعك. {وَمَا قَلَىٰ} ما أبغضك واللغة الشهيرة في مضارع قلى يقلي. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} ذلك في الآخرة وقال ابن عباس: رضاه ان لا يدخل أحد من أهل بيته النار واللام في الآخرة لام الابتداء أكدت مضمون الجملة ولما وعده هذا الموعد الجليل ذكره بنعمه تعالى عليه في حال نشأته. {أَلَمْ يَجِدْكَ} يعلمك. {يَتِيماً} توفي أبوه عليه السلام وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمه عليه السلام وهو ابن ثماني سنين فكفله عمه أبو طالب وأحسن تربيته وقيل لجعفر الصادق لم يتمّ النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} قال ابن عباس: هو ضلاله وهو صغير في شعاب مكة رده الله تعالى إلى جده عبد المطلب ورأيت في النوم أني أفكر في هذه الجملة فأقول على الفور ووجدك أي وجد رهطك أي وجد رهطك ضالاً فهداه بك. {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} أي فقيراً عال الرجل أفتقر وأعال كثر عياله. {فَأَغْنَىٰ} رضاك بما أعطاك من الرزق ولما عدد عليه هذه النعم الثلاث وصاه بثلاث كأنها مقابلة لها. {فَلاَ تَقْهَرْ} أي فلا تحقره. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ} ظاهره المستعطي. {فَلاَ تَنْهَرْ} أي فلا تزجره لكن أعطه أو رده ردّاً جميلاً. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} معناه بث القرآن وبلغ ما أرسلت به والظاهر أنه لما تقدم ذكر الامتنان عليه بذكر الثلاثة أمره بثلاثة فذكر اليتيم أولاً وهي البداية ثم ثانياً السائل وهو العائل وكان أشرف ما امتن به عليه هي الهداية فترقى من هذين إلى الأشرف وجعله مقطع السورة وإنما وسط ذلك عند ذكر الثلاثة لأنه بعد اليتم هو زمان التكليف وهو صلى الله عليه وسلم معصوم من اقتراف ما لا يرضي الله تعالى في القول والفعل والعقيدة فكان ذكر الامتنان بذلك على حسب الواقع بعد اليتم وحالة التكليف وفي الآخرة ترقى إلى الأشرف فهما مقصدان في الخطاب.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلضُّحَىٰ} [الضحى: 1] أي: وحق شروق الذات الأحدي الصمدي عند ضحى بعثة الحضرة الأحمدية. {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [الضحى: 2] أي: وحق الانجلاء التام المنعكس من عالم العماء اللاهوتي، المغشي لمطلق الأضواء والأنوار المتفاوتة المرئية في نشأتي الغيب والشهادة، المقتبسة من الأسماء والصفات، المستتبعة للإضافات المتكثرة في عالم التفضيل. {مَا وَدَّعَكَ} وقطع عندك قط المودِّع {رَبُّكَ} الذي ربَّاك على عينه واصطفاك لنفسه {وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 3] أي: ما أبغضك؛ يعني: لا تحزن من قول المشركين وزعمهم في حقك أنك ودعك ربك وقلاك في نشأتك الأولى، بل رعاك واتصل بك في أخراك. {وَلَلآخِرَةُ} التي هي نشأة لاهوتك {خَيْرٌ لَّكَ} وأليق بحالك {مِنَ} نشأتك {ٱلأُولَىٰ} [الضحى: 4] التي هي نشأة ناستوك. وكيف لا تكون الآخرة خيراً لك من الدنيا؛ إذ هي باقية ببقاء الله، دائمة بدوامه، وهذه محدثة فانية، بل باطلة زاهية، زائلة بزهوق التعينات وبطلان الأوضاع والإضافات التي هي حاصلة منها. {وَ} لا تحزن أيها النبي المستوي على جادة العدالة اللاهوتية من هذيانات أهل الضلال {لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ} بعد انخلاعك من ملابس ناسوتك ومقتضيات بشريتك من اللذات اللاهوتية التي لا يدرك كنهها إلاَّ من اتصف بها، وذاق منها {فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5] حينئذٍ من ربك، ورضي بك عنك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : اعلم يا طالب اللطيفة الجمالية والجلالية في اللطيفة الخفية التي هي محمد وجودك إن الله في كلامه القديم وقت إسبال الحجاب الجلالي على وجه جمال حال محمد ليتم معرفة الحقيقة بعد النكرة التي هي حال جمال الحال حيث قال: {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [الضحى: 1-2]؛ أي: وحق اللطيفة الجمالية المستودعة في روحك وحق اللطيفة الجلالية المستكنة في نفسك إذا سجى بالحجاب الجلالي على وجه ضحى اللطيفة الجمالية والسر في إطلاق وتقييد الليل، هو في هذه الحالة رجحت اللطيفة الجمالية بإسبال حجاب اللطيفة الجلالية لإكمال المعرفة فاحتاج إلى إخبار إسدال الحجاب بقوله: {إِذَا سَجَىٰ}، ثم يقول بعد القسم: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى: 3] بإسبال الحجاب {وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 3] لظهور سلطان النكرة {وَلَلآخِرَةُ} [الضحى: 4]؛ يعني المعرفة الأخيرة التي تطلع من أفق قلبك بعد هذه النكرة {خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} [الضحى: 4] السابقة على هذه النكرة؛ لأنها كانت من معارف الملكوت والمعرفة التي تحصل لك في صدق هذه النكرة هي الدرة اليتيمة وهي من المعارف الجبروتية. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5]؛ أي: يعطيك من المعارف اللاهوتية التي كنت تسألها في دعائك تقول: "حديث : اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه"تفسير : وهذه المعرفة مثل الدرة اليتمية درر المعارف وسوف يدل على أنه أعطاه بعد قوله: {يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5] وفاء التعقيب أيضاً تدل على أنه وصل بعد رفع حجاب النكرة إلى هذه المعرفة المطلوبة، وقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} [الضحى: 6].... إلى آخره، أيضاً يدل على أنه واصل إلى المعارف اللاهوتية؛ لأنه تعالى يقول امتنانا عليه وتعليماً له في التخلق بخلق مع خلق الله حين يقول: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} [الضحى: 7]؛ يعني: ألم يجدك درة لطيفة وأنانيتك يتيماً فريداً وحيداً ما كان لها مُرب في صغرها فرباها وآواها في تاج المحبوبية {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} [الضحى: 8] في عالم الجبروت؛ يعني: كنت ضالة بطريق الدقائق الجبروتية محرومة عن معارف الصفات الفعلية، وكيفية استعمال رقائق الصفات دقائق الأفعال؛ ليظهر منها شقائق الآثار وحقيقة ارتباط الشقائق بالدقائق والدقائق بالرقائق والرقائق بالحقائق، فهذه لطيفتك إلى هذه المعارف كلها على سبيل التفصيل، {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} [الضحى: 8]؛ أي: فقيراً إلى معارف عالم اللاهوت وحقائقه المتصلة بالذات الواحدة التي بها رقائق الصفات الجبروتية فائقة فهل كله يقول في مقام الامتنان. ثم يقول في مقام التعليم: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ}[الضحى: 9] الذي يكون في عالم الملكوت {فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9] والطف به واهده إلى معارف الدقائق الملكوتية بالرفق وآوه في رياض قدس سرك كما آويناك. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ} [الضحى: 10] الذي يسأل عنك في عالم الجبروت من دقائق الصفات {فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 10]؛ لأن للسائل حقاً وهو دخيل في عالم الجبروت وضال طريق هداه إلى الرقائق المتصلة بالحقائق فأرشده واهده كما هديناك {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]: أي: بنعمة معارف الحقائق اللاهوتية التي ربيناك بصفات الربوبية ثم أنعمنا بها عليك فحدث مع كل أحد من أمم قواك على قدر عقولهم ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"تفسير : وأوتي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام جوامع الكلام حيث لو تكلم بكلمة وجيزة أخذ منها الخاص والعام كلهم على قدر استعدادهم، فأيديهم وكانت مندرجة في كلمة وجيزة معان كثيرة فاجتهد أيها السالك أن تكون في هذا المقام مؤدباً بآداب رسولك مع ربك متخلق بخلق الله مع خلق الله في عالم شهادتك وغيبك ليمكن لك أن تؤدي حق هذا المقام وتتمتع بعده بالمقام المحمود المخصوص بمحمد أحمد للخلائق بأخلاقه الحميدة القسام بي الخلق رزق الخلق الخلائق، وفيه اسرار تتعلق بحد القرآن فادرج أيها الإنسان الغالب عليك النسيان وتوكل على الرحيم الملك المستعان مالك الدنيا في السرور والأحزان لتكون في ملكك وملكوتك مهدي إلى آخر الزمان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. { وَمَا قَلا } ك الله أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله به. وأما حاله المستقبلة، فقال: { وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى } أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة. فلم يزل صلى الله عليه وسلم يصعد في درج المعالي ويمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة. ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله [الخاصة] فقال: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين. { وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى } أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق. { وَوَجَدَكَ عَائِلا } أي: فقيرًا { فَأَغْنَى } بما فتح الله عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها. فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكران. [ولهذا قال:] { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ } أي: لا تسيء معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك. { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ } أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف [وإحسان]. وهذا يدخل فيه السائل للمال، والسائل للعلم، ولهذا كان المعلم مأمورًا بحسن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه، فإن في ذلك معونة له على مقصده، وإكرامًا لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد. { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } [وهذا يشمل] النعم الدينية والدنيوية { فَحَدِّثْ } أي: أثن على الله بها، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة. وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله، داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلضُّحَىٰ} [1] 701 - أنا إسماعيل بن مسعودٍ، نا بشرٌ - يعني ابن المُفضل - نا شُعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن جُندبٍ، قال: أبطأ جبريلُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت امرأةٌ [من قُريشٍ]: لقد تركَهُ صاحِبُهُ، فأُنزلت {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [1-2].
همام الصنعاني
تفسير : 3638- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلضُّحَىٰ}: [الآية: 1]، قال: السَّاعة من سَاعَاتِ النَّهَارِ، وفي قوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}: [الآية: 2]، قال: إذَا سكن بالنَّاس. 3639- معمر، عن الحسن، في قوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}: [الآية: 2]، قال: الليل إذا لبس الناس، إذَا جاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):