٩٣ - ٱلضُّحَىٰ
93 - Ad-Dhuha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول: ألم يجدك يتيماً فقال الرسول: بلى يا رب، فيقول: انظر (أ) كانت طاعاتك في ذلك الوقت أكرم أم الساعة؟ فلا بد من أن يقال: بل الساعة فيقول الله: حين كنت صبياً ضعيفاً ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفاً على شرفات العرش وقلنا لك: لولاك ما خلقنا الأفلاك، أتظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ونتركك. المسألة الثانية: ألم يجدك من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد والوجود من الله، والمعنى ألم يعلمك الله يتيماً فآوى، وذكروا في تفسير اليتيم أمرين الأول: أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل الأخبار توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين. وكان عبد المطلب يوصي أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة، فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة، فقام بنصرته مدة مديدة، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم يظهر على رسول الله يتم ألبتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة، روى أنه قال أبو طالب يوماً لأخيه العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه؟ فقال: بلى فقال: إني ضممته إلي فكيف لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار؛ ولا أأتمن عليه أحداً حتى أني كنت أنومه في فراشي، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت الكراهة في وجهه لكنه كره أن يخالفني، وقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك، فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع، ولقد كنت كثيراً ما أسمع منه كلاماً يعجبني وذلك عند مضي الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمده بعده، وكان يقول في أول الطعام: بسم الله الأحد. فإذا فرغ من طعامه قال: الحمدلله، فتعجبت منه، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون. واعلم أن العجائب المروية في حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة. التفسير الثاني لليتيم: أنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك؟ أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب، وقرىء فأوى وهو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه، وإما من أوى له إذا رحمه، وههنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة، فيقول: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَاوَىٰ }؟ والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال: {أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء: 18] في معرض الذم لفرعون، فما كان مذموماً من فرعون كيف يحسن من الله؟ الجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون محبط، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله بزيادة نعمه، كأنه يقول: مالك تقطع عني رجاءك ألست شرعت في تربيتك، أتظنني تاركاً لما صنعت، بل لا بد وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة، كما قال: {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى }تفسير : [البقرة: 150] أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم، فما أعظم الفرق بين مان هو الله، وبين مان هو فرعون، ونظيره ما قاله بعضهم: {أية : ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } تفسير : [الكهف: 22] في تلك الأمة، وفي أمة محمد: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ }تفسير : [المجادلة: 7] فشتان بين أمة رابعهم كلبهم، وبين أمة رابعهم ربهم. السؤال الثاني: أنه تعالى منّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء؟ الجواب: وجه المناسبة أن نقول: قضاء الدين واجب، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني: أقوى وجوباً، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني: يتأكد بالإبراء، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني: يجب عليك قضاؤه طول عمرك، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم، فكأن العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشراً سوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك، كنت يتيماً فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك، وكنت ضالاً فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم والألطاف.
القرطبي
تفسير : عدد سبحانه مِنَنَه على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} لا أب لك قد مات أبوك. {فَآوَىٰ } أي جعل لك مأوى تأوِي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أُوتِم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق. وعن مجاهد: هو من قول العرب: درّة يتيمة؛ إذا لم يكن لها مِثل. فمجاز الآية: ألم يجدك واحداً في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحابٍ يحفظونك ويَحُوطونك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَجِدْكَ } استفهام تقرير أي وجدك {يَتِيماً } بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها {فئَاوَىٰ } بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَتِيماً} لا مثل لك ولا نظير فآواك إلى نفسه وإختصك لرسالته، درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل أو يتيماً بموت أبويك فآواك بكفالة أبي طالب لأن عبد المطلب كفله بعد أبويه ثم مات عبد الملطب فكفله أبو طالب أو جعل لك مأوى لنفسك أغناك به عن كفالة عبد المطلب.
الخازن
تفسير : {ألم يجدك يتيماً} أي صغيراً {فآوى} أي ألم يعلمك الله يتيماً من الوجود الذي هو بمعنى العلم، والمعنى ألم يجدك يتيماً صغيراً حين مات أبوك، ولم يخلف لك مالاً، ولا مأوى فجعل لك مأوى تأوي إليه وضمك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة. وذلك أن عبد الله مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل فكفله جده عبد المطلب، فلما مات عبد المطلب، كفله عمه أبو طالب إلى أن قوي، واشتد وتزوج خديجة، وقيل هو من قولهم درة يتيمة، والمعنى ألم يجدك واحداً في قريش عديم النّظير فآواك إليه وأيدك وشرفك بنبوته واصطفاك برسالته. {ووجدك ضالا} أي عما أنت عليه اليوم {فهدى} أي فهداك إلى توحيده ونبوته، وقيل وجدك ضالاً عن معالم النّبوة وأحكام الشّريعة، فهداك إليها وقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل منصرفاً من أغنامه، فرده إلى جده عبد المطلب، وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة مظلمة إذ جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته، فعدل به عن الطريق فجاء جبريل عليه السّلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القافلة فمنّ الله عليه بذلك، وقيل وجدك ضالاً نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك، وقيل ووجدك بين أهل الضّلال فعصمك من ذلك وهداك إلى الإيمان وإلى إرشادهم، وقيل الضلال هنا بمعنى الحيرة وذلك لأنه كان صلى الله عليه وسلم يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه حتى هداه الله لدينه، وقال الجنيد: ووجدك متحيراً في بيان ما أنزل الله إليك، فهداك لبيانه فهذا ما قيل في هذه الآية ولا يلتفت إلى قول من قال إنه صلى الله عليه وسلم كان قبل النّبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام لأن نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشؤوا على التّوحيد، والإيمان قبل النّبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده ويدل على ذلك أن قريشاً لما عابوا النبي صلى الله عليه وسلم ورموه بكل عيب سوى الشّرك وأمر الجاهلية فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلاً إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به. ويؤكد هذا ما روي في قصة بحير الرّاهب حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللاّت والعزى، وذلك حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام فرأى بحيرا علامة النّبوة فيه وهو صبي فاختبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئاً بغضهماتفسير : ، ويؤكد هذا شرح صدره صلى الله عليه وسلم في حال الصغر واستخراج العلقة منه وقول جبريل هذا حظ الشيطان منك وملؤه حكمة وإيماناً وقوله تعالى: {أية : ما ضل صاحبكم وما غوى} تفسير : [النجم: 2] وقال الزّمخشري: ومن قال كان على أمر قومه أربعين سنة فإن أراد أنه على خلوهم من العلوم السمعية، فنعم وإن أراد أنه كان على دين قومه، فمعاذ الله والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النّبوة وبعدها من الكبائر، والصّغائر الشّائنة، فما بال الكفر والجهل بالصّانع {أية : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} تفسير : [يوسف: 38] والله أعلم. قوله عز وجل: {ووجدك عائلاً فأغنى} يعني فقيراً فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم، وقيل أرضاك بما أعطاك من الرّزق، وهذه حقيقة الغني (ق) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" تفسير : العرض بفتح العين والراء المال (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما أتاه" تفسير : وروى البغوي بإسناد الثّعلبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سألت ربي عز وجل مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت: يا رب إنك آتيت سليمان بن داود مُلكاً عظيماً، وآتيت فلاناً كذا وفلاناً كذا قال يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت بلى يا رب" قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ قلت بلى يا رب قال ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت بلى يا رب تفسير : زاد في رواية "حديث : ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قلت بلى يا رب ". تفسير : فإن قلت كيف يحسن بالجواد الكريم أن يمن بإنعامه على عبده، والمن مذموم في صفة المخلوق، فكيف يحسن بالخالق تبارك وتعالى. قلت إنما حسن ذلك لأنه سبحانه وتعالى: قصد بذلك أن يقوي قلبه، ويعده بدوام نعمه عليه فظهر الفرق بين امتنان الله تعالى الممدوح وبين امتنان المخلوق المذموم لأن امتنان الله تعالى زيادة إنعامه، كأنه قال ما لك تقطع رجاءك عني ألست الذي ربيتك وآويتك وأنت يتيم صغير أتظنني تاركك ومضيعك كبيراً. بل لا بد وأن أتم نعمتي عليك فقد حصل الفرق بين امتنان الخالق، وامتنان المخلوق، ثم أوصاه باليتامى، والمساكين، والفقراء فقال عز وجل: {فأما اليتيم فلا تقهر}.
ابن عادل
تفسير : ثم أخبر الله تعالى عن حاله التي كان عليها قبل الوحي, وذكره نعمه, فقال: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ}، العامة على: "فآوى" بألف بعد الهمزة رباعياً. وأبو الأشهب: "فأوى" ثلاثياً. قال الزمخشري: "وهو على معنيين: إما من "أواه" بمعنى "آواه" سمع بعض الرعاة يقول: أين آوي هذه الموقسة؟ وإما من أوى له، إذا رحمه". انتهى. وعلى الثاني قوله: [الطويل] شعر : 5240- أرَانِي ولا كُفْرانَ للَّــهِ أيَّــةَ لنَفْسِي لقَدْ طَالبْتُ غَيْرَ مُنيلِ تفسير : أي: رحمة لنفسي، ووجه الدلالة من قوله "أين آوي هذه"، أنه لو كان من الرباعي [لقال: أُأْوي - بضم الهمزة الأولى وسكون الثانية - لأنه مضارع آوى مثل أكرم، وهذه الهمزة] المضمومة هي حرف المضارعة، والثانية هي فاء الكلمة، وأما همزة "أفْعَل" فمحذوفة على القاعدة، ولم تبدل هذه الهمزة كما أبدلت في "أومن" لئلا يستثقل بالإدغام، ولذلك نص الفراء على أن "تُؤويهِ" من قوله تعالى {أية : وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ} تفسير : [المعارج: 13] لا يجوز إبدالها للثقل. فصل قال ابن الخطيب: "يَجدْكَ" من الوجود الذي بمعنى العلم، والمفعولان منصوبان بـ "وجد"، والوجود من الله العلم، والمعنى: ألم يعلمك الله يتيماً فآوى. قال القرطبي: "يَتِيْماً" لا أب لك، قد مات أبوك، "فآوى"، أي: جعل لك مأوى تأوى إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك. وقيل لجعفر بن محمد الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟. فقال: لئلاَّ يكون لمخلوق عليه حق. وعن مجاهدٍ: هو من قول العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل، فمجاز الآية ألم يجدك واحداً في شرفك، لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك، ويحوطونك. فصل في جواب سؤال أورد ابن الخطيب هنا سؤالاً: وهو أنه كيف يحسن من الجواد أن يمن بنعمة، فيقول: {ألمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى}، ويؤكد هذا السؤال أن الله - تعالى - حكى عن فرعون قوله لموسى عليه الصلاة والسلام: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18] في معرض الذَّم لفرعون فما كان مذموماً من فرعون، كيف يحسن من الله تعالى؟ قال: والجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك تقوية قلبه، ووعده بدوام النعمة، ولهذا ظهر الفرق بين هذا الامتنان، وبين امتنان فرعون، لأن امتنان فرعون معناه: فما بالك لا تخدمني، وامتنان الله تعالى: زيادة نعمه، كأنه يقول: ما لك تقطع عني رجاءك، ألست شرعت في تربيتك أتظنني تاركاً لما صنعته، بل لا بد وأ أتمّ النعمة كما قال تعالى: {أية : وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 150]. فإن قيل: إن الله تعالى منَّ عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره أن يذكر نعمة ربه، فما وجه المناسبة؟. فالجوابُ: وجه المناسبة أن تقول: قضاء الدين واجب، والدين نوعان: مالي وإنعامي، والإنعامي أقوى وجوباً لأن المال قد يسقط بالإبراء، والإنعامي يتأكد بالإبراء، والمالي يقضى مرة فينجو منه الإنسان، والإنعامي يجب عليه قضاؤه طول عمره، فإذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم، هو مملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم المالك، فكان العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم، إلى الوجود بشراً مستوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن، بشارة منك، تستر عليَّ ذنوبي بستر عفوك، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حصر لها، فيقول تبارك وتعالى: الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق [عبيدي ذلك، وكنت عائلاً فأغنيتك، فافعل في حق] الأيتام ذلك ثم إذا فعلت كل ذلك، فاعلم أنما فعلته بتوفيقي، ولطفي، وإرشادي، فكن أبداً ذاكراً لهذه النعم. قوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}، أي: غافلاً عما يراد بك من أمر النبوة فهداك أي: أرشدك، والضلال هنا بمعنى الغفلة، لقوله تعالى: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52] أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3] وقيل: معنى قوله: "ضالاًّ" لم تكن تدري القرآن، والشرائع، فهداك اللهُ إلى القرآن، وشرائع الإسلام، قاله الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما. قال تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى: 52] على ما تقدم في سورة الشورى. وقال السديُّ والكلبي والفراء: وجدك ضالاًّ، أي: في قوم ضلال، فهداهم الله بك، أو فهداك إلى إرشادهم. وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة، فهداك وقيل: "ضالاً"، أي: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، والروح، فأذكرك، لقوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا} تفسير : [البقرة: 282]. وقيل: ووجدك طالباً للقبلة فهداك إليها، لقوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 144]، ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب. وقيل: وجدك ضائعاً في قومك، فهداك إليهم، ويكون الضلال بمعنى الضياع. وقيل: ووجدك محباً للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى: {أية : قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95]، أي: في محبتك. قال الشاعر: [الكامل] شعر : 5241- هَذا الضَّلالُ أشَابَ منِّي المفْرِقَا والعَارضَينِ ولَمْ أكُنْ مُتحقِّقَا عَجَبـاً لعـزَّة في اخْتِيَـارِ قَطيعَتِــي بَعْــدَ الضَّـلالِ فحِبْلُهَــا قـَدْ أخْلقَــا تفسير : وقيل: ضالاً في شعاب "مكة"، فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب. وقال كعب - رضي الله عنه -: إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتردهُ على عبد المطلب، فسمعت عند باب "مكة": هنيئاً لك يا بطحاء "مكة"، اليوم يرد إليك الدين والبهاء والنور والجمالُ، قالت: فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحتُ: وامحمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصَّنم، وقبل رأسه وقال: يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضلّ، فرده إن شئت، فانكبّ هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام؛ وقالت: إليك عنا أيها الشيخ, فهلاكُنَا على يدي محمد, فألقى الشيخ عصاه, وارتعد, وقال: إن لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع "مكة"، فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرع إلى الله أن يرده؛ وقال: [الرجز] شعر : 5242- يـا ربِّ، رُدَّ ولَـدِي مُحَمَّـداً أرْدُدْهُ ربِّـي واصْطَنِـعْ عِنْـدِي يَــدَا تفسير : فسمعوا منادياً ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربَّا لا يضيعه ولا يخذله، وإن محمداً بوادي "تهامة"، عند شجرة السَّمُرِ، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالإغصان وبالورق. وفي رواية: فما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك؟. فقال عبد المطلب: ولم؟ قال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت النَّاقة. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: رده إلى جده وبيد عدوه، كما فعل بموسى - عليه الصلاة والسلام - حين حفظه عند فرعون. وقال سعيد بن جبيرٍ: خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام ناقته في ليلة ظلماء فعدل بها على الطريق، فجاء جبريل - عليه السلام - فنفخ لإبليس نفخة وقع منها إلى أرض "الهند"، ورده إلى القافلة صلى الله عليه وسلم. وقيل: ووجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل، وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش. وقال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدى بها إلى الطريق، فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "ووجَدَكَ ضالاًّ" أي لا أحد على دينك، بل وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إلي. وقيل: ووجدك مغموراً في أهل الشرك، فميزك عنهم، يقال: ضل الماءُ في اللبن، ومنه {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10]، أي: لحقنا بالتراب عند الدَّفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته وقيل: ضالاًّ عن معرفة الله حين كنت طفلاً صغيراً، كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 78] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة، فالمراد من الضال الخالي من العلم لا الموصوف بالاعتقاد، قيل: قد يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد قومه فقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} أي وجد قومك ضلالاً فهداهم بك. وقيل: إنه كان على ما كان القوم عليه لا يظهر لهم في الظاهر الحال، وأما الشرك فلا يظن به على مواسم القوم في الظاهر أربعين سنة. وقال الكلبي والسدي أي وجدك كافراً والقوم كفاراً فهداك، وقد مضى الرد على هذا القول في سورة الشورى. قوله: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ}، العائل: الفقير، وهذه قراءة العامة يقال: عال زيد، أي: افتقر. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5243- ومَا يَدْري الفَقِيرُ متَى غِنَاهُ ومَا يَدْرِي الغَنِيُّ متَى يَعِيلُ تفسير : وقال جرير: [الكامل] شعر : 5244- اللهُ أنْزَلَ في الكِتَابِ فَريضَةً لابْنِ السَّبِيلِ وللفَقِيرِ العَائِلِ تفسير : وقرأ اليماني: "عيِّلاً" بكسر الياء المشددة كـ "سيد". وقال ابن الخطيب: العائل ذو العيلة، ثم أطلق على الفقير لم يكن له عيال، والمشهور أن المراد به الفقير، ويؤيده ما روي في مصحف عبد الله: "وَوَجَدَكَ عديماً". وقوله تعالى: {فَأَغْنَىٰ}، أي: فأغناك خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناك بمال أبي بكر - رضي الله عنه -، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار - رضي الله عنهم -، ثم أمره بالجهاد، وأغناه صلى الله عليه وسلم بالغنائم. [وقال مقاتل: أغناك بما أعطاك من الرزق. وقال عطاء: وجدك فقير النفس، فأغنى قلبك، وقيل: فقيراً من الحجج والبراهين، فأغناك بها]. قوله: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}. اليتيم منصوب بـ "تَقْهَرْ"، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل؛ ألا ترى أنَّ اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم الجازم، لو قدمت المجزوم على جازمه، لامتنع، لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يقدم على جاره. وتقدَّم ذلك في سورة هود عليه السلام عند قوله تعالى: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} تفسير : [هود: 8]. وقرأ العامة: "تَقْهَر" بالقاف من الغلبة، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي والأشهب العقيلي، "تكهر" بالكاف. كهر في وجهه: أي عبس، وفلان ذو كهرة، أي: عابس الوجه. ومنه الحديث: "حديث : فَبِأبِي هُوَ وأمِّي فوالله ما كهرني ". تفسير : قال أبو حيان: "وهي لغة بمعنى قراءة الجمهور" انتهى. والكهر في الأصل: ارتفاع النهار مع شدة الحر. وقيل: الكهر: الغلبة، والكهر: الزجر. والمعنى: لا تسلط عليه بالظلم، بل ادفع إليه حقه، واذكر يتمكَ. قاله الأخفش. وقال مجاهدٌ: لا تحتقر. وخص اليتيم، لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في تأثير العقوبة على ظالمه، والمعنى: عامله كما عاملناك به، ونظيره: {أية : وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله الله فيمَنْ لَيْسَ له إلا الله ". تفسير : فصل دلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ ضَمَّ يَتِيمَاً فَكَانَ فِي نَفَقَتِهِ وكفاهُ مؤنَتَهُ، كَانَ لَهُ حِجَابَاً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ مَسَحَ برأسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بكُلِّ شَعْرةً حَسَنةٌ ". تفسير : فصل الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه اليتم، أنه عرف حرارة اليتم، فيرفق باليتيم، وأيضاً ليشاركه في الاسم، فيكرمه لأجل ذلك، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إذَا سَمَّيْتُم الوَلَدَ مُحَمَّداً فأكْرِمُوهُ ووسِّعُوا لَهُ فِي المَجْلسِ" تفسير : وأيضاً ليعتمد من أول عمره على الله تعالى، فيشبه إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله: "حَسْبي مِنْ سُؤالِي، علمهُ بِحَالِي". وأيضاً فالغالب أن اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا فيه عيباً، لم يجدوا فيه مطعناً. وأيضاً جعله يتيماً، ليعلم كل أحد فضيلته ابتداء من الله تعالى، لا من التعليم، لأن من له أب فإن أباه يعلمه، ويؤدبه. وأيضاً فاليتم والفقر نقص في العادة، فكونه صلى الله عليه وسلم مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة، فكان معجزة ظاهرة. قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}، أي: فلا تزجره، يقال: نهره، وانتهره إذا زجره، وأغلظ له في القول، ولكن يرده ردَّا جميلاً. [قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء. وقيل: المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سَألتُ ربِّي مَسْألةً ودِدْتُ أنِّي لَمْ أسْألْهَا، قُلْتُ: يَا ربِّ، اتَّخذتَ إبْراهِيمَ خَلِيلاً، وكلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيماً، وسخَّرتَ مَع دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ، وأعطيتَ فُلاناً كَذَا فقال عز وجل: ألَمْ أجِدْكَ يَتِيماً فَأويتك؟ أَلَمْ أَجِدْكَ ضالاً فَهَدَيْتُكَ؟ أَلَمْ أَجِدكَ عائِلاً فَأَغْنَيْتُكِ؟ أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؟ أَلَمْ أُوتِكَ مَا لَمْ أُوتِ أَحَدَاً قبلَكَ خَوَاتِيِمَ سورةِ البقرة؟ أَلَمْ أَتَّخِذُكَ خَلِيْلاً كَمَا اتَّخَذْتُ إبراهيمَ خليلاً؟ قلت: بلى يا ربِّ ". تفسير : قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. الجار متعلق بـ "حدِّثْ" والفاء غير مانعة من ذلك قال مجاهدٌ: تلك النعمة هي القرآن والحديث. وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك قيل: تلك النعمة هي أن وفقك الله تعالى، ورعيت حق اليتيم والسائل، فحدث بها؛ ليقتدي بك غيرك. وعن الحسين علي - رضي الله عنهما - قال: إذا عملت خيراً فحدث به الثقة من إخوانك ليقتدوا بك. إلا أنَّ هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء، وظن أن غيره يقتدي به. حديث : وروى مالك بن نضلة الجشمي، قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآني رثَّ الثياب فقال: "أَلَكَ مَالٌ"؟. قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال، قال: "إذَا آتَاكَ اللهُ مالاً فليُرَ أثرهُ عَلَيْكَ ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ تعالى جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُحِبُّ أنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ على عَبْدِهِ ". تفسير : فإن قيل: ما الحكمة في أن الله أخر نفسه على حق اليتيم والسائل؟. فالجواب: كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنا غني، وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم، واختار قوله: "فحدث" على قوله "فخبِّرْ" ليكون ذلك حديثاً عنه وينساه، ويعيده مرة أخرى. فصل يكبر القارىء في رواية البزي عن ابن كثير, وقد رواه مجاهد عن ابن عباس, وروي عن أبيّ بن كعب, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بلغ آخر "الضُّحَى" كبَّر بين كلِّ سورةٍ تكبيرة إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة، بل يفصل بينهما بسكتة، وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخّر عن النبي صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه، فنزلت هذه السورة فقال: "اللهُ أكْبَرُ". قال مجاهد: قرأت على ابن عبّاس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يكبر في [رواية] الباقين، لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن. قال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سُوَره، وآياته، وحروفه بغير زيادةٍ، ولا نقصان، وعلى هذا فالتكبير ليس بقرآن. روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ {وَٱلضُّحَىٰ} كان فيمن يرضاه الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع له، وكتب الله تعالى له من الحسنات بعدد كل يتيم وسائل"تفسير : . والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف، ذكره بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فتم يتمه من الأبوين قبل بلوغه لئلا يكون عليه - كما قال جعفر الصادق - حق لمخلوق، فقال مقرراً له: {ألم يجدك} أي يصادفك أي يفعل بك فعل من صادف آخر حال كونه {يتيماً فآوى *} ولما كان يلزم من اليتم في الغالب عدم العلم لليتيم لتهاون الكافل، ومن عدم العلم الضلال، قال مبيناً أن يتمه وإهماله من الحمل على دينهم كان نعمة عظيمة عليه لأنه لم يكن على دين قومه في حين من الأحيان أصلاً: {ووجدك} أي صادفك {ضالاً} أي لا تعلم الشرائع{أية : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}تفسير : [الشورى: 52] فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، والمسبب على السبب، وهو عدم العلم، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال لأنك لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه، وهذا هو التقوى كما تقدم في الفاتحة، ولم يرد به حقيقته وإنما أعراه من التعلق بشيء من الشرائع ونحوها بإعدام من يحمله على ذلك ليفرغه ذلك التأمل بنفسه فيوصله بعقله السديد إلى الاعتقاد الحق في الأصول والوقوف في الفروع {فهدى *} أي فهداك هدى محيطاً بكل علم، فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر ما لم تكن تعلم. ولما كان العيال يمنعون من التفرغ لعلم أو غيره قال: {ووجدك} أي حال كونك {عائلاً} أي ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم أو فقيراً، قال ابن القطاع: عال الرجل: افتقر، وأعال: كثر عياله. {فأغنى *} بما جعل لك من ربح التجارة ثم من كسب الغنائم وقد أفهم ذلك أن الناس أربعة أقسام: منهم من وجد الدين والدنيا، ومنهم من عدمهما، ومنهم من وجد الدين لا وجد الدنيا، ومنهم من وجد الدنيا لا الدين. ولما ذكره بما أنعم عليه به من هذه النعم الثلاث أوصاه بما يفعل في ثلاث مقابلة لها، فقال مسبباً عنه مقدماً معمول ما بعد الفاء عليها اهتماماً: {فأما اليتيم} أي هذا النوع {فلا تقهر *} أي تغلبه على شيء فإنما أذقتك اليتم تأديباً بأحسن الآداب لتعرف ضعف اليتيم وذله، وفوق ذلك كفالته وهي خلافة عن الله لأن اليتيم لا كافل له إلا الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين"تفسير : - وأشار بالسبابة والوسطى. ولما بدأ بما كان بداية له، ثنى بما هو نهاية له من حيث كونه يصير رأس الخلق فيصير محط الرجال في كل سؤال من علم ومال، فقال مقدماً له اهتماماً به إشارة إلى أنه جبر الخواطر واستئلاف الخلق من أعظم المقاصد في تمام الدين: {وأما السائل} أي الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال {فلا تنهر *} أي تزجر زجراً مهيناً، فقد علمت مضاضة العيلة، بل أعطه ولو قليلاً، أو رده رداً جميلاً، وكذا السائل في العلم. ولما ذكر له تفصيل ما يفعل في اليتيم والفقير والجاهل، أمره بما يفعل في العلم الذي آتاه إياه إعلاماً بأنه الآلة التي يستعملها في الأمرين الماضيين وغيرهما لأنها أشرف أحوال الإنسان وهي أوفق الأمور لأن يكون مقطع السورة لتوافق مطلعها فقال: {وأما بنعمة ربك} أي الذي أحسن إليك بإصلاح جميع ما يهمك من العلم وغيره وبالهجرة ومبادئها عند تمام عدد آيها من السين وهي إحدى عشرة {فحدث *} أي فاذكر النبوة وبلغ الرسالة فاذكر جميع نعمه عليك فإنها نعم على الخلق كافة، ومنها إنقاذك بالهجرة من أيدي الكفرة وإعزازك بالأنصار، وتحديثك بها شكرها، فإنك مرشد يحتاج الناس إلى الاقتداء بك، ويجب عليهم أن يعرفوا لك ذلك ويتعرفوا مقدارك ليؤدوا حقك، فحدثهم أني ما ودعتك ولا قليتك، ومن قال ذلك فقد خاب وافترى، واشرح لهم تفاصيل ذلك بما وهبتك من العلم الذي هو أضوأ من ضياء الضحى وقد رجع آخرها على أولها بالتحديث بهذا القسم والمقسم لأجله، وما للملك الأعلى في ذلك من عميم فضله: ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم وابتدأ هذا التحديث الذي يشرح الصدور، ويملأ الأكوان من السرور، والنعمة والحبور، لأنه بأكبر النعم المزيلة لكل النقم بالتكبير كما ورد في قراءة ابن كثير وفي رواية السوسي عن أبي عمرو، واختلف القراء في ابتدائه وانتهائه ولفظه، فقال بعضهم: هو من أول الضحى، وقال آخرون: من آخرها، وقال غيرهم من أول الشرح، فمن قال للأول لم يكبر آخر الناس، ومن قال للآخر انتهى تكبيره بالتكبير في آخرها، وسببه أن جبريل عليه الصلاة والسلام لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة الوحي، فتلا السورة عليه كبر مسروراً لما كان أحزنه من الفترة ومن قول المشركين: قلاه ربه، وتحديثاً بالنعم التي حباه الله بها في هذه السورة له ولأمته امتثالاً لما أمر به واختلف عنهم في لفظه، فمنهم من اقتصر على "الله أكبر" ومنهم من زاد التهليل فقال: "لا إله إلا الله والله أكبر" وهذا هو المستعمل، ومنهم من زاد "ولله الحمد" والراجح قول من قال: إنه لآخر الضحى إسناداً ومعنى، لأنها وإن كانت هي السبب والعادة جارية بأن من دهمه أمر عظيم يكبر مع أوله، لكن شغله صلى الله عليه وسلم بالإصغاء إلى ما يوحى إليه منعه من ذلك، فلما ختمت السورة تفرغ له، فكان ذلك الوقت كأنه ابتداء مفاجأة ذلك الأمر العظيم له، وزاد ما في السورة من جلائل النعم المقتضية للتحميد وما في ذلك من بدائع الصنع الموجب للتهليل، وقد علم بذلك سبب من ظنه في أولها، وأما من ظنه لأول الشرح فكونه كان في آخر الضحى، فإذا وصل بها "ألم نشرح" ألبس الحال، وتعليق الأشياء بالأوائل هو الأمر المعتاد، وحكمته مع ما مضى من سببه أن التهليل توحيده سبحانه وتعالى بالأمر، وامتناع شريك يمنعه من شيء يريده من الوحي وغيره، والتكبير تفريده له بالكبرياء تنزيهاً له عن شوب نقص يلم به من أن يتجدد له علم ما لم يكن ليكون ذلك سبباً لقطع من وصله بوحي أو غيره، والتحميد إثبات التفرد بالكمال له على إسباغ نعمه، وفي ذلك أن هذه السورة آذنت بأن القرآن أشرف على الختام، لأن عادة الحكماء من المدبرين تخفيف المنازل في الأواخر على السائرين كتخفيف أول مرحلة رفقاً بالمقصرين، فناسب الذكر بهذا عند الآخر لأن تذكر الانقضاء يهيج مثل ذلك عند السالك، ولأن تقصير السور ربما أوهم شيئاً مما لا يليق، فسن التنزيه بتكبيره سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم نقصاً، وإثبات الكمال له بالتوحيد منبه على الحث على تدبر ما في هذه السورة من الجمع للمعاني على وجازتها وقصر آياتها وحلاوتها مع ما في ذلك من تخفيف التعليم، والتدريب على الحفظ في المبادىء والتحبيب فيه والتهييم، والتحميد على إتمام النعمة على غاية الإحكام من لدن حكيم عليم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} [6] قال: يعني ألم يجدك فرداً فآواك إلى أصحابك.
السلمي
تفسير : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: معناه وجد اليتيم فآوى بك، ووجد الضال فهدى بك. ووجد العائل فأغنى بك، وقوله: ووجدك ولا يكون الوجدان إلاّ بعد الطلب وكان طالبًا فى الأزل فوجده ثم أوجده سفيرًا بينه وبين خلقه. وقال أيضًا: وجدك بين قوم ضلال فهداهم بك. وقال أيضًا: وجدك أى طلبت حتى وجدت، والمطلوب هو المراد فى معنى الظاهر. وقال أيضًا: ألم يجدك متحيرًا فى مشاهدته فآواك إلى نفسه، وأعطاك الرسالة، ووجدك عائلاً أى فقيرًا بمشاهدة الخلق فأغناك بمكاشفته عن مشاهدتهم. وقال سهل رحمه الله: وجد نفسك نفس الطبع فقيرة إلى سبيل المعرفة. وقال ابن عطاء: وجدك فقير النفس فأغنى قلبك بغناه فصرت غنيًا بغنى القلب عن النفس قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى القلب ". تفسير : قال جعفر: كنت ضالاً عن محبتى لك فى الأزل فمننت عليك بمعرفتى. وقال ابن عطاء: الضال فى اللغة هو المحبُّ أى: وجدك محبًا للمعرفة فمن عليك بها وذلك قوله فى يوسف: {أية : إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يوسف: 95] أى محبتك القديمة. وقال الجريرى: وجدك مترددًا فى غوامض معانى المحبة فهداك بلطفه إلى ما رمته فى وجهك وهذا مقام الوله عندنا. وقال ابن عطاء فى قوله: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} أى ليس معك كتاب، ولا وحى فأغناك بهما، وأيضًا وجدك غير عالم لما لك عنده من المنزلة فهداك له، وأغناك به. وقال بعضهم: وجدك ضالاً أى طالبًا لمحبته فهداك لها. قال بعضهم: وجدك جاهلاً بقدر نفسك فأشرفك على عظيم محلك. وأيضًا: وجدك ضالاً عن معنى محض المودَّة فسقاك كأسًا من شراب القربة، والمودة فهداك به إلى المعرفة. وقال الجنيد رحمه الله فى قوله: {ضَآلاًّ} أى متحيرًا فى بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه بقوله: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ} تفسير : [النحل: 44]. وقال بعضهم: مستترًا فى أهل مكة لم يعرفك أحدًا بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك السعداء، وأَهْلك بك الأشقياء. وقال: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} أى: فقيراً لم تكن معك حجة حتى أيدك بالحجج، والبراهين. وقال بعضهم: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} عائلاً أى: طاهرًا فى الخلق كأحدهم حالاً، وجسمًا، وطبعًا، حتى أكرمت بمحل الخصوص من المعراج، والكلام، والعيان، ورفع الصفة وتعليم المشاهدة من غير واسطة. وقال الواسطى رحمه الله: إذا كان هو المعلاء فى شرفه، فأين الضلالة والهدى، والفقر، والغنى، والضعف، والقوة، واليتم، والإيواء؟ وكل أحدٍ أقل وأولى أن يكون غيره تولى منه ما ظهر وما خفى. وقال بندار بن الحسين: كنت قائمًا مقام الاستدلال فتعرفت إليك وأغنيتك بالمعرفة عن الشواهد والأمة. وقال ابن عطاء: وجدك ضالاً عن الرسوم لا عن المعرفة. وقال بعضهم: فى قوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً} أى: واجداً الأمثل لك ولا نظير فى شرفك ومهمتك فآواك إليه. وقال بعضهم: ومن ضاله فى قومه لا يعرفون مقداره فخصه بخصائص بره، وأظهر عليه مكنون فضله. فجعله عزيزهم وأظهر محله فيهم. وقال بعضهم فى قوله: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} أى وجدك مترددًا بين الصبر والرضا فذلك علم الرضا، ونزهك عن مقام الصبر. وقال بعضهم: فى قوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} أى طالبًا لفضيلتك ضالاً عنها فهداك إليها. وقال بعضهم: مستور النبوة فى أهل بيتك فكشف عنك حتى عرفوك نبيًا ثم هدى بك وأضلّ. وقال بعضهم: {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} قال: كنت غنيًا بالمعرفة فقيرًا عن أحكامها فأغناك بأحكام المعرفة حتى تم لك الغناء. قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} تعرف قدر نفسك فأعلمك قدرك، ووجدك طالبًا لمحض المودة فسقاك من شراب المودة بكأس المحبة حتى هداك به إلى معرفته.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} اى كنت يتيما منقطعا عنا فينا فاواك عنك بنا الينا ووجدك متحيرا عن ادراك حقيقتنا فكحلناك بكحل انوار ربوبيتنا حتى ادركتنا بنا ووجدك عائلا من كنوز علوم القدم ووصال الابد فاغناك بهما فاذا كان كذلك فلاطف كل منقطع عنا وهو يتيم الفراق بقوله {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} ولا نكتم شرفك ورفعتك عن كل سائل طالب وقل له حقائق لطفنا باللطف ولا تمنعه بقوله {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} وظهر بعض ما كوشفت من اسرارنا وانوارنا لطفنا ورحمتنا لكل مشتاق الى لقائنا وجبهم الينا بحديثك عنا بقوله {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} قال ابن عطا فى قوله الم يجدك يتما فاوى معناه وجد اليتيم فاوى بك ووجدك الضال فهدى بك ووجدك العائل فاغنى بك ولا يكون الوجدان الا بعد الطلب وكان طالبا له فى الازل فوجده ثم اوجده سفير بين خلقه وقال جعفر فى قوله ووجدك ضالا فهدى كنت ضالا عن محبتى لك فى الازل فمننت عليك بمعرفتى قال الحريرى وجدك مترددا عن غوامض معانى المحبة فهداك بلطفه الى ما رمته فى وهلك وهذا مقام الوله عندنا قال بندار بن الحسين فى قوله ووجدك عائلا فاغنى كنت قائما مقام الاستدلال فتعرفت اليك واغنيتك بالمعرفة عن الشواهد والدلالة وقال بعضهم فى قوله الم يجدك يتميما فاوى اى وحيد الامثل لك ولا نظير فى شرفك وهمتك فاواك اليه وقال بعضهم فى قوله ووجدك ضالا فهدى لا تعلم قدر نفسك فاعلمتك قدرك قال جعفر فى قوله فاما اليتيم فلا تقهر اى العارين عن خلعة الاسلام ولا تقنط من رحمتى فانى قادر البسه لباس الهداية والسائل اذا سالك عنى فدله على بالطف دلالة فانى قريب مجيب وقال ابن عطا المؤمنون كلهم ايتام الله فى حجره فلا تقهرهم اى لا تبعدهم عنك وسؤالهم اسرار الله فلا تنهرهم ولن لهم الطف بهم وقال ابن عطا فى قوله واما بنعمة ربك فحدث حدث به نفسك كى لا تنسى فضلى عليك قديما وحديثا قال بعضهم حدث بنعمة ربك عليك فانك لا تبلغ اقصاه لتعلم بذلك عجزك عن تعداد نعمة عليك لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : لا احصى ثناء عليك .
اسماعيل حقي
تفسير : {الم يجدك يتيما} مات ابواك {فآوى} جواب ألم او نسق قاله ابن خالويه اى قد وجدك ربك والوجود بمعنى العلم ويتيما مفعوله الثانى اى الم يعلمك الله يتيما فجعل لك مأوى تأوى اليه يقال أوى فلان الى منزلة يأوى أويا على فعول رجع ولجأ وآويته انا ايواء والمأوى كل مكان يأوى اليه شئ ليلا او نهارا اى يرجع وينزل ويجوز ان يكون الوجود بمعنى المصادفة ويتيما حال من مفعوله يعنى على المجاز بان يجعل تعلق العلم الوقوعى الحالى مصادفة والا فحقيقة المصادفة لا تمكن فى حقه تعالى (روى) أن اباه عبد الله ابن عبد المطلب مات وهو عليه السلام جنين قد اتت عليه سنة اشهر وماتت امه وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه ابو طالب عطفه الله عليه فأحسن تربيته وذلك ايوآؤه وقال بعضهم لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع جده عبد المطلب ومع آمنة فهلكت امه آمنة وهو ابن ست سنين ثم مات جده بعد امه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين ولما شرف جده عبد المطلب على الموت اوصى به عليه السلام ابا طالب لأن عبد الله وابا طالب كانا من ام واحدة فكان ابو طالب وهو الذى تكفل رسول الله الى ان بعثه الله للنبوة بنصره مدة مديدة ثم توفى ابو طالب فنال المشركون منه عليه السلام ما لم ينالوا فى زمان ابى طالب اى آذوه وكان عليه السلام يقول كنت يتيما فى الصغر وغريبا فى الكبر وكان يحب الايتام ويحسن اليهم وفى الحديث حديث : من ضم يتيما وكان فى نفقته وكفاه مؤونته كان له حجابا من النار ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنةتفسير : وانما جعله الله يتيما لئلا يسبق على قلب بشر ان الذى نال من العز والشرف والاستيلاء كان عن تظاهر نسب او توارث مال او نحو ذلك وفى التأويلات النجمية الم يجدك يتيما اى رآك يتيما فآواك الى صدف النبوة ومشكاة الولاية. بس كه غواص قدم درتك درياى عدم. غطوه زد تابكف آورد جنين دريتيم. يا ديد ترا كوهرى يكلنه كه بكمال قابليت ازهمه كائنات منفرد بودى وبقطع علاقة نسبت ازماسوى متوحد ترامتمن ساخته در حضرت احديت جمع كه مقام خاض تست. وفى الكشاف ومن بديع التفاسير أنه من قولهم درة يتيمة وان المعنى الم يجدك واحدا فى قريش عديم النظير اى فى العز والشرف فآواك فى دار اعدآئك فكنت بين القوم معصوما محروسا.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أَلمْ يَجِدْكَ يتيماً} من أبويك {فآوى} أي: ضمَّك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. رُوي أنَّ أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أولاً جدُّه عبد المطلب، فلما مات جده كَفَلَه عَمُّه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويُقال: بل آواه إلى ظل كَنَفِه، وربَّاه بلطف رعايته. هـ. والحكمة في يُتمه صلى الله عليه وسلم: ألاّ يكون عليه منّة لأحدٍ سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: دُرة يتيمة إذا لم يكن لها مِثل، أي: ألم يجدك وحيداً في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته. {وَوَجَدَك ضالا}؛ غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، {فَهَدَى}؛ فهداك إليها، كقوله: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى:52]. وقال القشيري: أي: ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها. هـ. أو: ضالاً عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربَّا لا يخذله ولا يُضيّعه. وأنَّ محمداً بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يُروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء, فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: {فَهَدَى} أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم. {ووجدك عائلاً}؛ فقيراً من حس الدنيا، {فأَغْنَى}؛ فأغناك به عما سواه، وزوّجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : جعل رزقي تحت ظل رمحي ". تفسير : {فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ}، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة, والنهي يعم جميعها، أي: دُم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافلُ اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله " تفسير : وأشار بالسبابة والوُسطى، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنَّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي؛ مَن أبكى هذا اليتيم الذي غيبتُ أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أُشهدكم أنَّ لمن أسكته وأرضاه أنْ أُرضيه يوم القيامة "تفسير : ، فكان عمر إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً. وقال أنس: "مَن ضمّ يتيماً، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجاباً من النار يوم القيامة، ومَن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة". {وأمَّا السائِلَ فلا تنهرْ} أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل ردّه ردًّا جميلاً، قال إبراهيم بن أدهم: نِعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم:" حديث : لا يمنعنّ أحدُكم السائلَ وإن في يديْه قُلْبَين، من ذهب " تفسير : أي: سوارين. وقال أيضاً: "حديث : أعط السائل ولو على فرسه" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رددت السائل ثلاثاً فلم يرجع لا عليك أن تَزْبُرَه"تفسير : . وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم. {وأمَّا بنعمةِ ربك فحدِّث} بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها, يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة, والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النِعم، ويَدخل في النِعم تعلُّم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : التحدُّث بالنِعَم شكر " تفسير : ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صلَّيتُ البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليُقتدى به، فأمّا على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. هـ. انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: {ألم يجدك يتيماً} بقوله: {فأمّا اليتيم فلا تَقْهَر} وقابل قولَه: {ووجدك ضالاً} بقوله: {وأمّا السائل فلا تَنْهَر} على مَن قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: {وأمّا بنعمة ربك فَحَدِّث} على القول الآخر, وقابل قوله: {ووجدك عائلاً فأَغْنَى} بقوله: {وأمّا السائل فلا تَنْهر} على القول الأظهر، وقابله بقوله: {وأمَّا بنعمة ربك فحدِّث} على القول الآخر هـ. من ابن جزي. ولمَّا قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبّر في آخرها، فسُنَّ التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي. الإشارة: ألم يجدك يتيماً فرداً من العلائق، مجرداً مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيماً من الهوى، بل بقلبٍ مُفرد، فيه توحيد مجرد. قال القشيري: ويُقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردْتَ بمقامِك، فلم يُشاركك فيه أحد. هـ. {ووجدك ضالاًّ} قيل: متردداً في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك مُتحيراً عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويُقال: ضالاًّ عن محبتي لكن فعرَّفْتُك أني أُحبك، ويقال: جاهلاً شرفَك فعرَّفْتُك قَدْرَكَ. هـ. ووجدك عائلاً فقيراً مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلاّ طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك، { أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه:114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب, وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. هـ. وكما أنَّ الله تعالى غَنِيّ بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غَنِيّ بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء ـ رضي الله عنهم ـ سَرَى فيهم اسمه تعالى "الغَنيِّ" فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصّى به الحقٌّ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يُوصَّى به خلفاؤه من قوله: {فأمّا اليتيم فلا تقهر...} الخ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَجِدْكَ} استفهام انكارىٌّ واستشهاد على اعطاء ما يرضاه كأنّه قيل: ما الدّليل على صدق هذا الوعد؟ - فقال: الدّليل عليه انّه وجدك {يَتِيماً} عن الاب والامّ {فَآوَىٰ} اى آواك اليه او وجدك يتيماً فآوى النّاس اليك كما فى الخبر.
الأعقم
تفسير : {ألم يجدك يتيماً فآوى} أي مات أبواه وهو صبي ولم يخلفا مالاً ولا مأوى فأواه الله حتى جيء به إلى أبي طالب كان أحب اليه من أولاده وربّاه، وقيل: مات أبوه وهو في بطن أمه، وقيل: بعد الولادة بمدة، وقيل: ماتت وهو صغير، ومات عبد المطلب وكان يتولى تربيته وهو ابن ثمان سنين فسلمه إلى أبي طالب، فمتى قيل: ما السبب بيتمه؟ قيل: لئلا يكون عليه حق للمخلوق عن جعفر بن محمد {ووجدك ضالاً فهدى} قيل: ضالاً عما أنت عليه من الوحي والنبوة ومعالم الشريعة والأحكام فهداك إلى ذلك، وهذا لا يكن معصية لأن الله تعالى لم يكن أتاه ذلك، ونظيره: {أية : ما كنت تدري ما الكتاب} تفسير : [الشورى: 52] وقيل: ضالاً في شعاب مكة فردّه أبو جهل إلى جدّه فمنّ الله عليه حتى ردَّه إلى جده على يد عدوه، وقيل: بعث به جده عبد المطلب في طلب إبل فاحتبس عنه وهو صبي فدعا الله وطاف بالبيت فجاء مع الابل وقال: يا بني حزنت عليك حزناً لا تفارقني أبداً، وقيل: لما أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب وأرادت ردّه على جدّه جاءت به حتى قربت من مكة فضلّ في الطريق فطلبته وجزعت عليه وقالت: إن لم أره لأرمين بنفسي من شاهق، وجعلت تصيح وصاح الناس بصيحتها، قالت: فدخلت مكة على تلك الحال فأتيت شيخاً متكئاً على عصاه فسألني حالي فأخبرته، قال: لا تبكي أدلك على من يردّه عليك هبل الصنم الأعظم، ودخل البيت وطاف بهبل وقبل رأسه وقال: يا سيداه ردّ محمداً على هذه السعديَّة، قالت: فتساقطت الأصنام لما تفوّه بإسم محمد وسمع صوتاً يقول إنما هلاكنا على يدي محمد، فخرج وأسنانه تصطك، وخرجت إلى عبد المطلب وأخبرته فطاف بالبيت ودعا فهدي بمكانه، فذهب عبد المطلب وجاء به.... في حديث طويل {ووجدك عائلاً فأغنى} أي فقيراً فأغناك قيل: بمال خديجة، وقيل: بالغنائم، وقيل: بالقناعة، وبالعلم، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من لم يغنه القرآن فلا أغناه الله ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" تفسير : {فأمَّا اليتيم فلا تقهر} حتى تذهب ماله، يعني لا تغلبه على ماله وحقه لضعفه، وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة" تفسير : وأشار إلى السبابة والوسطى، وعنه: "حديث : إذا بكى اليتيم اهتز العرش" تفسير : {وأمَّا السائل فلا تنهر} أي من سألك شيئاً من مالك أعطه الشيء أو ردّه بالجميل، وقال: أراد بالسائل طالب العلم وأمره بالاحسان {وأمَّا بنعمة ربك فحدِّث} قيل: بنعمة ربك في الدين والدنيا فاشكره وحدث به، وقيل: حدث نفسك في كل وقت فاشكره شكراً متجدداً.
الالوسي
تفسير : تعديد لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من أول أمره إلى وقت النزول من فنون النعماء العظام ليستشهد بالحاضر الموجود على المترقب الموعود فيزداد قلبه الشريف وصدره الرحيب طمأنينة وسروراً وانشراحاً وحبوراً ولذا فصلت الجملة. والهمزة لإنكار النفي وتقرير النفي على أبلغ وجه كأنه قيل قد وجدك الخ ووجدته على ما قال الرضي بمعنى أصبته على صفة ويراد بالوجود فيه العلم مجازاً بعلاقة اللزوم وفي «مفردات الراغب» ((لوجود أضرب وجود بالحواس الظاهرة ووجود بالقوى الباطنة ووجود بالعقل وما نسب إلى الله تعالى من الوجود فبمعنى العلم المجرد إذ كان الله تعالى منزهاً عن الوصف بالجوارح والآلات)) وقد فسره بعضهم هنا بالعلم وجعل مفعوله الأول الضمير ومفعوله الثاني {يَتِيماً} وبعضهم بالمصادفة وجعله متعدياً لواحد و{يَتِيماً} حالاً وأنت تعلم أن المصادفة لا تصح في حقه تعالى لأنها ملاقاة ما لم يكن في علمه سبحانه وتقديره جل شأنه فلا بد من التجوز بها عن تعلق علمه عز وجل بذلك. واليتم انقطاع الصبـي عن أبيه قبل بلوغه والإيواء ضم الشيء إلى آخر يقال آوى إليه فلاناً أي ضمه إلى نفسه أي ألم يعلمك طفلاً لا أبا لك فضمك إلى من قام بأمرك. روي أن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتار تمراً من يثرب فتوفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم جنين قد أتت عليه ستة أشهر فلما وضعته كان في حجر جده مع أمه فماتت وهو عليه الصلاة والسلام ابن ست سنين ولما بلغ عليه الصلاة والسلام ثماني سنين مات جده فكفله عمه الشفيق الشقيق أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب وأحسن تربيته صلى الله عليه وسلم وفي «الكشاف» ماتت أمه عليه الصلاة والسلام وهو ابن ثماني سنين فكفله عمه وكان شديد الاعتناء بأمره إلى أن بعثه الله تعالى وكان يرى منه صلى الله عليه وسلم في صغره ما لم ير من صغير روي أنه قال يوماً لأخيه العباس ألا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم بما رأيت منه فقال بلى قال: إني ضممته إلي فكنت لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ولم أئتمن عليه أحداً حتى أني كنت أنومه في فراشي فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت الكراهية في وجهه وكره أن يخالفني فقال يا عماه اصرف وجهك عني حتى أخلع ثيابـي إني لا أحب أن تنظر إلى جسدي فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته في فراشي فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك فجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً ما كنت أفقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ناداني ها أنا يا عم فارجع وكنت كثيراً ما أسمع منه كلاماً يعجبني وذلك عندما مضى بعض الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمد وكان يقول في أول الطعام بسم الله الأحد فإذا فرغ من طعامه قال الحمد لله فكنت أعجب منه ولم أر منه كذبة ولا ضحكاً ولا جاهلية ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون وهذا لعمري غيض من فيض: شعر : في المهد يعرب عن سعادة جده أثر النجابة ساطع البرهان تفسير : / وقيل المعنى ألم يجدك يتيماً أبتك المراضع فآواك من مرضعة تحنو عليك بأن رزقها بصحبتك الخير والبركة حتى أحبتك وتكفلتك والأول هو الظاهر وقيل غير ذلك مما ستعلمه بعد إن شاء الله تعالى. ((ومن بدع التفاسير على ما قال الزمخشري أن يتيماً من قولهم درة يتيمة والمعنى ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك)) والأولى عليه أن يقال ألم يجدك واحداً عديم النظير في الخليقة لم يحو مثلك صدف الا مكان فآواك إليه وجعلك في حق اصطفائه. وقرأ أبو الأشعث (فأوى) ثلاثياً فجوز أن يكون من أواه بمعنى آواه وأن يكون من أوى له أي رحمه ومصدره أياواية ومأوية ومأوية وتحقيقه على ما قال الراغب أي رجع إليه بقلبه ومنه قوله: شعر : أراني ولا كفران لله أَيَّةً
ابن عاشور
تفسير : استئناف مسوق مساق الدليل على تحقق الوعد، أي هو وعد جار على سنن ما سبق من عناية الله بك من مبدإ نشأتك ولطفه في الشدائد باطراد بحيث لا يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الصدف لأن شأن الصدف أن لا تتكرر فقد علم أن اطراد ذلك مراد لله تعالى. والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق الوقوع قياساً على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك عسى أن يقلعوا عن العناد ويُسرعوا إلى الإيمان وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم. ويحصل مع هذا المقصود امتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد الله تعالى إياه. والاستفهام تقريري، وفعل {يجدك} مضارع وجَد بمعنى ألفى وصادف، وهوالذي يتعدى إلى مفعول واحد ومفعوله ضمير المخاطب. و{يتيماً} حال، وكذلك {ضالاً} و{عائلاً}. والكلام تمثيل لحالة تيسير المنافع لِلذي تعسرت عليه بحالة من وجَد شخصاً في شدة يتطلع إلى من يعينه أو يغيثه. واليتيم: الصبي الذي مات أبوه وقد كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته. والإيواء: مصدر أوَى إلى البيت، إذا رجع إليه، فالإيواء: الإِرجاع إلى المسكن، فهمزته الأولى همزة التعدية، أي جعله آوياً، وقد أطلق الإِيواء على الكفالة وكفاية الحاجة مجازاً أو استعارة، فالمعنى أنشأك على كمال الإِدراك والاستقامة وكنتَ على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشأوا على نقائص لأنهم لا يجدون من يُعنى بتهذيبهم وتعهدِ أحوالهم الخُلقية. وفي الحديث « حديث : أدبني ربي فأحسن تأديبي » تفسير : فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيراً من تربية الأبوين. والضّلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك السائر طريقاً آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائراً لا يعرف أيَّ طريق يسلك، وهو المقصود هنا لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك فأراكه الله غير محمود وكرَّهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق، فإن الله لما أنشأ رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان، ألْهَمَه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى. وليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل، فإن الأنبياء معصومون من الإِشراك قبل النبوءة باتفاق علمائنا، وإنما اختلفوا في عصمتهم من نوع الذنوب الفواحش التي لا تختلف الشرائع في كونها فواحش وبقطع النظر عن التنافي بين اعتبار الفعل فاحشة وبَيْن الخلوّ عن وجود شريعة قبل النبوءة، فإن المحققين من أصحابنا نزهوهم عن ذلك والمعتزلة منعوا ذلك بناء على اعتبار دليل العقل كافياً في قبح الفواحش عَلَى إرسال كلامهم في ضابط دلالة العقل. ولم يختلف أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه ما ينافي أصول الدين قبل رسالته ولم يزل علماؤنا يجعلون ما تواتر من حال استقامته ونزاهته عن الرذائل قبل نبوءته دليلاً من جملة الأدلة على رسالته، بل قد شافَهَ القرآن به المشركين بقوله: { أية : فقد لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون } تفسير : [يونس: 16] وقوله: { أية : أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } تفسير : [المؤمنون: 69]، ولأنه لم يؤثر أن المشركين أفحموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنكر عليهم من مساوي أعمالهم بأن يقولوا فقد كنت تفعل ذلك معنا. والعائل: الذي لا مال له، والفقر يسمى عَيْلَة، قال تعالى: { أية : وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم اللَّه من فضله إن شاء } تفسير : [التوبة: 28] وقد أغناه الله غناءين: أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا، وغنى المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها. وحذفت مفاعيل {فآوى}، {فهدى}، {فأغنى} للعلم بها من ضمائر الخطاب قبلها، وحدفُها إيجاز، وفيه رعاية على الفواصل.
الشنقيطي
تفسير : تقدم بيان معنى اليتيم عند قوله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} تفسير : [الإنسان: 8]. والرسول صلى الله عليه وسلم مات أبوه، وهو حمل له ستة أشهر، وماتت أمه وهي عائدة من المدينة بالأبواء وعمره صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن يتمه لأنه لا يكون لأحد حق عليه، نقله أبو حيان. والذي يظهر أن يتمه راجع إلى قوله {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}، أي ليتولى الله تعالى أمره من صغره، وتقدم معنى إيواء الله له، فكان يتمه لإبراز فضله، لأن يتيم الأمس أصبح سيد الغد، وكافل اليتامى.
الواحدي
تفسير : {ألم يجدك يتيماً} حين مات أبواك ولم يُخلِّفا لك مالاً ولا مأوى {فآوى} فآواك إلى عمِّك [أبي طالب] وضمَّك إليه حتى كفلك وربَّاك. {ووجدك ضالاً} عمَّا أنت عليه اليوم من معالم النُّبوَّة وأحكام القرآن والشَّريعة، فهداك إليها، كقوله: {أية : ما كنتَ تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ...} تفسير : الآية. {ووجدك عائلاً} فقيراً ولا مال لك، فأغناك بمال خديجة رضي الله عنه، ثمَّ بالغنائم. {فأما اليتيم فلا تقهر} على ماله، واذكر يُتمك. {وأما السائل فلا تنهر} فلا تزجره، ولكن بذلٌ يسير، أو ردٌّ جميلٌ، واذكر فقرك. {وأمَّا بنعمة ربك} أَيْ: النُّبوَّة والقرآن {فحدِّث} أخبر بها.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَآوَىٰ} (6) - أَلَمْ تَكُنْ يَتِيماً لاَ أَبَ لَكَ وَلاَ أُمَّ يَهْتَمَّانِ بِأَمْرِكَ، وَيعْتَنِيَانِ بِشُؤُونِكَ، فَتَعَهَّدَكَ رَبُّكَ وَمَا زَالَ يَحْمِيكَ وَيَتَعَهَّدُكَ بِرِعَايَتِهِ حَتَّى بَلَغَتْ ذُرْوَةَ الكَمَالِ الإِنْسَانِي؟.
الجيلاني
تفسير : وبعدما سمعت يا أكمل الرسل من الوعد الإلهي ما سمعت تذكر كرم ربك منك فيما مضى، وترقب من كراماته التي ستأتيك، وبالجملة: لا تيأس من روح الله ورحمته، وكيف تيأس أيها النبي المغمور في بحار لطفه وجوده؟! {أَلَمْ يَجِدْكَ} ويصادفك ربك مع كونك {يَتِيماً} بلا رشد ومرشد {فَآوَىٰ} [الضحى: 6] أي: ضمَّك نحوه سبحانه وجذبك عنك إليه، وقرن اسمك باسمه. {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ} خالياً عن الحِكم والأحكام، منهمكاً في لوازم الإمكان {فَهَدَىٰ} [الضحى: 7] أي: هداك وأرشدك إلى الإسلام، وأوصلك إلى زلال التوحيد والعرفان. {وَوَجَدَكَ عَآئِلاً} فقيراً حسب إمكانك ومقتضيات بشريتك الموروثة لك من نشأة ناسوتك {فَأَغْنَىٰ} [الضحى: 8] أي: أغناك بغنائه بعدما أفناك فيه، وشرَّفك بخلع اللاهوت بعدما أخرجك عن ملابس الناسوت. وبعدما كننت يتيماً فآواك ربك، ووجدك ضالاً فهداك، ووجدك فقيراً فأغناك، وبالجملة: كرَّمك واصطفاك وعظَّمك واجتباك {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ} الفاقد للرشد والرشيد {فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9] متى يأوي إليك للارسترشاد لا تردعه ولا تزجره، وكلِّم معه حسب استعداده وقابليته إلى حيث توصله وترشده إلى طريق الطلب والإرادة. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ} الذي يسأل من مكنونات ضميرك ومن السرائر المودعة فيك من الودائع اللاهوتية {فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 10] أي: لا تمنعه ولا تخيِّبه، بل أحسن إليه كما أحسن الله إليك حسب استفاضته واستعداده. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} وهدايته وإرشاده {فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] يا أكمل الرسل مع المسترشدين المستكملين، فإن حديثك من سرائر الدين وأسرار المعرفة واليقين مع المؤمنين المسترشدين والطالبين، المستوجبين الشكر منك لنعم الله وأداء لحقوق كرمه واستجلاب لمزيد إنعامه وإفضاله. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المزم لتعديد نعم الحق على نفسك أن تداوم وتواظب على أداء حقوقه ما وصل إليك من النعم العظام والكرم الجسام، فلك أن تحدث في عموم أوقاتك وحالاتك عن كرم مولاك، وتشكره على ما أولاك من الاَلاء والنعماء في أُولاك ووعد لك في أخراك. وبالجملة: كن من الشاكرين لنِعَم الله، المحدِّثين بحقوق كرمه، ولا تكن من الغافلين في حال من الأحوال، وسبَّح بحمد ربك بالغدو والآصال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):