٩٣ - ٱلضُّحَىٰ
93 - Ad-Dhuha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : وقرىء فلا تكهر، أي لا تعبس وجهك إليه، والمعنى عامله بمثل ما عاملتك به، ونظيره من وجه: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [القصص: 77] ومنه قوله عليه السلام: «حديث : الله الله فيمن ليس له إلا الله»تفسير : وروي: أنها نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد خديجة ومنه حديث موسى عليه السلام حين: «قال: إلهي بم نلت ما نلت؟ قال: أتذكر حين هربت منك السخلة، فلما قدرت عليها قلت: أتعبت نفسك ثم حملتها، فلهذا السبب جعلتك ولياً على الخلق، فلما نال موسى عليه السلام النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليتيم، وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسية في الوجه، فكيف إذا أذله أو أكل ماله، عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن، ويقول تعالى: من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده التراب، من أسكته فله الجنة».
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } أي لا تَسَلَّطْ عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك؛ قاله الأخفش. وقيل: هما لغتان بمعنى. وعن مجاهد «فلا تقهر» فلا تَحْتَقِرْ. وقرأ النخَعِيّ والأشهب العُقَيليّ «تَكْهر» بالكاف، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. فعلى هذا يحتمل أن يكون نهياً عن قهره، بظلمه وأخذ ماله. وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى؛ فغلَّظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه. والعرب تعاقب بين الكاف والقاف. النحاس: وهذا غلط، إنما يقال كَهَره: إذا اشتدّ عليه وغَلَّظ. وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمِي، حين تكلم في الصلاة بردّ السلام، قال: فبأبي هو وأمي! ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فوالله ما كَهَرَني، ولا ضربني، ولا شتمني... الحديث. وقيل: القهر الغلبة. والكَهْر: الزجر. الثانية: ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبِره والإحسان إليه؛ حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. وروِي عن أبي هريرة: « حديث : أن رجلاً شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه؛ فقال: «إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» » تفسير : . وفي الصحيح عن أبي هريرة: « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين»وأشار بالسبابة والوُسطى »تفسير : . ومن حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب، فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، اشهدوا أن من أَسْكَتَه وأرضاه؟ أن أرضِيه يوم القيامة » تفسير : . فكان ابن عمر إذا رأى يتيماً مسح برأسه، وأعطاه شيئاً. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من ضم يتيماً فكان في نفقته، وكفاه مؤونته، كان له حجاباً من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة » تفسير : . وقال أكثم بن صَيفِيّ: الأذلاّء أربعة: النمام، والكذاب، والمديون، واليتيم. الثالثة: قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ } أي لا تزجره؛ فهو نهي عن إغلاظ القول. ولكن رُدَّه ببذل يسير، أو ردّ جميل، واذكر فقرك؛ قاله قتادة وغيره. وروي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يمنعن أحدُكم السائلَ، وأن يعطِيه إذا سأل، ولو رأى في يده قُلْبين من ذهب » تفسير : . وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السُّؤَّال: يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل يريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : رُدُّوا السائل ببذل يسير، أو ردّ جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن، ينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله »تفسير : . وقيل: المراد بالسائل هنا، الذي يسأل عن الدِّين؛ أي فلا تنهره بالغِلظة والجَفْوة، وأجبه برفق ولين؛ قاله سفيان. قال ابن العربيّ: وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالِم، على الكفاية؛ كإعطاء سائل البِرّ سواء. وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: مرحباً بأحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخُدْرِي، قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مَرْحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الناس لكم تَبَع وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً » تفسير : . وفي رواية « حديث : يأتيكم رجال مِن قِبل المشرق »تفسير : ... فذكره. و«اليتيم» و«السائل» منصوبان بالفعل الذي بعده؛ وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء، والتقدير: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. وروي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : سألت ربي مسألة ودِدت أني لم أسألها: قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال يسبحن، وأعطيت فلاناً كذا؛ فقال عز وجل: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أوتِك ما لم أُوتِ أحداً قبلك: خواتيمَ سورة البقرة، ألم أتخذك خليلاً، كما اتخذت إبراهيم خليلاً؟ قلت: بلى يا رب. تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } أي انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد «وأما بنعمة ربك» قال بالقرآن. وعنه قال: بالنبوّة؛ أي بلغ ما أرسلت به. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والحكم عام له ولغيره. وعن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما قال: إذا أصبت خيراً، أو عملت خيراً، فحدّث به الثقة من إخوانك. وعن عمرو بن ميمون قال: إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به، يقول له: رزقني الله من الصلاة البارحة كذا وكذا. وكان أبو فراس عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة كذا، قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت الله كذا، وفعلت كذا. فقلنا له: يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول هذا! قال يقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } وتقولون أنتم: لا تَحَدَّث بنعمة الله! ونحوه عن أيوب السختِيانيّ وأبي رجاء العُطارِدِيّ رضي الله عنهم. وقال بكر بن عبد الله المَزُنِيّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أُعطِي خيراً فلم يُرَ عليه، سمي بغيض الله، معادياً لنعم الله » تفسير : . وروى الشعبيّ عن النعمان بن بشير قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، والتحدّث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب » تفسير : . وروى النسائي « حديث : عن مالك بن نضلة الجُشَمِيّ قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، فرآني رَثَّ الثياب فقال: «ألك مال؟» قلت: نعم، يا رسول الله، من كل المال. قال: «إذا آتاك الله مالاً فلْيُرَ أثره عليك» »تفسير : . وروى أبو سعيد الخدريّ: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده. تفسير : فصل: يكبّر القارىء في رواية البزيّ عن ابن كثير ـ وقد رواه مجاهد عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب: « حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ إذا بلغ آخر «والضحى» كَبَّر بين كل سورة تكبيرة، إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيره؛ بل يفصل بينهما بسكتة، وكأنّ المعنى في ذلك أن الوحي تأخر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه وقلاه؛ فنزلت هذه السورة فقال: «الله أكبر» » تفسير : . قال مجاهد: قرأت على ابن عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولا يكبّر في قراءة الباقين؛ لأنها ذرِيعة إلى الزيادة في القرآن. قلت: القرآن ثبت نقلاً متواتراً سوره وآياته وحروفه؛ لا زيادة فيه ولا نقصان؛ فالتكبير على هذا ليس بقرآن. فإذا كان بسم الله الرحمن الرحيم المكتوب في المصحف بخط المصحف ليس بقرآن، فكيف بالتكبير الذي هو ليس بمكتوب. أما أَنه ثبت سنة بنقل الآحاد، فاستحبه ابن كثير، لا أنه أوجبه فخطأ من تركه. ذكر الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ في كتاب «المستدرك» له على البخارِيّ ومسلم: حدثنا أبو يحيـى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد، المقرىء الإمام بمكة، في المسجد الحرام، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين، فلما بلغت «والضحى» قال لي كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت «والضحى» قال: كبر حتى تختم. وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أُبَيَّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أُبَيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك. هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } بأخذ ماله أو غير ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلا تَقْهَرْ} لا تحقر أو لا تظلم أو لا تستذل أو لا تمنعه حقه الذي في يدك أو كن لليتيم كالرب الرحيم.
الخازن
تفسير : {فأما اليتيم فلا تقهر} أي لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيماً، وقيل لا تقهره على ماله فتذهب به لضعفه، وكذا كانت العرب في الجاهلية تفعل في أمر اليتامى يأخذون أموالهم، ويظلمونهم حقوقهم روى البغوي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ثم قال: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ويشير بأصبعيه" تفسير : (خ) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة، والوسطى، وفرج بينهما"تفسير : {وأما السائل فلا تنهر} يعني السائل على الباب يقول لا تزجره إذا سألك فقد كنت فقيراً فإما أن تطعمه وإما أن ترده رداً ليناً برفق ولا تكهر بوجهك في وجهه وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة وقال إبراهيم النّخعي السّائل: يريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول هل توجهون إلى أهليكم بشيء وقيل السائل هو طالب العلم فيجب إكرامه وإسعافه بمطلوبه ولا يعبس في وجهه ولا ينهر ولا يلقى بمكروه {وأما بنعمة ربك فحدث} قيل أراد بالنّعمة النّبوة أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي أتاك الله، وقيل النعمة هي القرآن أمره أن يقرأه ويقرئه غيره، وقيل أشكره لما ذكره نعمه عليه في هذه السّورة من جبر اليتيم والهدى بعد الضّلالة والإغناء بعد العيلة والفقر أمره أن يشكره على إنعامه عليه، والتحدث بنعمة الله تعالى شكرها. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعطي عطاء فليجزه إن وجد فإن لم يجد فليثن عليه فإن من أثنى عليه فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور" تفسير : أخرجه التّرمذي وله عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لا يشكر الناس لا يشكر الله" تفسير : وله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الطّاعم الشّاكر بمنزلة الصّائم الصّابر" تفسير : وروى البغوي بإسناد الثّعلبي عن النّعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول "حديث : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب" تفسير : والسنة في قراءة أهل مكة أن يكبر من أول سورة الضّحى على رأس كل سورة حتى يختم القرآن فيقول الله أكبر وسبب ذلك أن الوحي لما احتبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المشركون: هجره شيطانه، وودعه، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فلما نزلت والضّحى كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحاً بنزول الوحي، فاتخذوه سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
التستري
تفسير : {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}[9] فقد ذقت طعم اليتم. قال: ووجه آخر: فقد علمت موقع اللطف من قلب اليتيم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قال جعفر: اليتيم العارى عن خلعه الهداية لا تقنطه من رحمتى فإنى قادرٌ أن ألبسه لباس الهداية، والسائل إذا سألك عنى فدله علىَّ بألطف دلالة فإنى قريب مجيب. قال ابن عطاء: المؤمنون كلهم أيتام الله وفى حجره، فلا تقهرهم أى تبعدهم عنك، والسُّوَّال هم أسراء الله فلا تنهرهم ولِن لهم، وألطف بهم. وقال بعضهم: فى قوله: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} قال: ليس هو المسكين الذى يسلك الإرفاق إنما هو طالب العلم يسلك عن العلم.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}. فلا تُخِفْه، وارفقْ به، وقرِّبْه. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}. أي: إمَّا أن تُعْطِيَه.. أو تَرُدَّه برِفْقٍ، أو وعدٍ. ويقال: السائلُ عنَّا، والسائلُ المتحيِّرُ فينا - لا تنهرهم، فإنَّا نهديهم، ونكشف مواضع سؤالهم عليهم.. فلاطِفْهم أنت في القول. {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. فاشكُرْ، وصَرِّحْ بإحسانه إليك، وإنعامه عليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما اليتيم} منصوب بقوله {فلا تقهر} والفاء سببية ليست بمعانعة قال الرضى يتقدم المفعول به على الفعل ان كان المنصوب معمولا لما يلى الفاء التى فى جواب اما اذا لم يكن له منصوب سواه نحو قوله فاما اليتيم فلا تقهر لأنه لا بد من نائب مناب الشرط المحذوف بعد اما والقهر الغلبة والتذليل معا ويستعمل فى كل واحد منهما قال الراغب قوله فلا تقهر اى لا تذللـه وقال غيره فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه. وقدر ايشان بشناس كه شربت يتيمى جشيده. وكانت العرب تأخذ اموال اليتامى وتظلمهم حقوقهم وفى الحديث حديث : اذا بكى اليتيم وقعت دموعه فى كف الرحمن فيقول من ابكى هذا اليتيم الذى واريت والده تحت الثرى من اسكته اى ارضاه فله الجنة شعر : الا تانكويد كه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم تفسير : وقال مجاهد لا تحتقر فان له ربا ينصره وقرئ فلا تكهر اى فلا تعبس فى وجهه وفى التأويلات النجمية اى لا تقهر يتيم نفسك بكثرة الرياضة والمجاهدة من الجوع والسهر فان نفسك مطيتك وان لنفسك عليك حقا كما قال {أية : طه ما انزلنا عليك القرءآن لتشقى}.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ} عن الاب الصّورىّ او عن الامام بان لا يكون له امام او بان انقطع عن امامه بغيبته او بموته او بعدم الحضور الملكوتىّ عنده وان كان حاضراً عنده بالحضور الملكىّ، او اليتيم عن العلم {فَلاَ تَقْهَرْ} اى لا تقهره على ماله فتذهب بحقّه او لا تحتقره، "حديث : روى انّ رسول الله (ص) قال: من مسح على رأس يتيمٍ كان له بكلّ شعرةٍ تمرّ على يده نور يوم القيامة"تفسير : ، وفى خبرٍ: "حديث : لا يلى احدكم يتيماً فيحسن ولايته ووضع يده على رأسه الاّ كتب الله له بكلّ شعرةٍ حسنةً، ومحا عنه بكلّ شعرةٍ سيّئةً، ورفع له بكل شعرة درجةً"تفسير : ، وفى خبرٍ: "حديث : انا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنّة اذا اتّقى الله عزّ وجلّ، واشار بالسّبّابة والوسطى ".
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} لا تغلبه على ماله وحقه لضعفه فقد كنت يتيما وكانت الجاهلية يأخذون مال اليتيم، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يساء عليه"تفسير : . وقال "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتينوأشار بأصبعيه" تفسير : وقال "حديث : أنا وكافل اليتيم كهذا" تفسير : وأشار بالسبابة والوسطى وفرج ما بينهما، وقرأ ابن مسعود فلا تكهر بالكاف وهو أن يعبس في وجهه.
اطفيش
تفسير : لا تقهره عن عمل لا يقدر عليه من مصالحه فضلاً عن مصالح غيره ولا عن ماله بأًن تأكله ولا عن عرضه وحرمته بأن تهينه بأمر ما أو تشتمه أو تتعبس فى وجهه وكلما فعلت به مما يكره فهو قهر لأَنه لا يقدر عليك وقد قرىءَ فلا تكهر بالكاف أى لا تلقه بالتعبس فإنه من معانى الكهر والواجب الاعتناء باليتيم قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليها يده نور يوم القيامة" تفسير : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : إذا بكى اليتيم اهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيب أبوه في التراب - أى دفن - فيقولون أنت أعلم فيقول الله تعالى يا ملائكتي إني أُشهدكم أنَّ عليَّ لمن أسكته وأرضاه أنْ أرضيه يوم القيامة"تفسير : . فكان عمر رضى الله عنه إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً والحديث شامل لأَطفال المشركين والمنافقين، قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" حديث : خير بيت في المسلمين فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه"تفسير : وقال - صلى الله عليه وسلم -" حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ويشير إلى إصبعيه"تفسير : ، وفى البخارى عن سهل بن سعد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ".
الالوسي
تفسير : فلا تستذله كما قال ابن سلام وقريب منه قول مجاهد لا تحتقره وقال سفيان لا تظلمه بتضييع ماله وفي معناه ما قيل لا تغلبه على ماله ولعل التقييد لمراعاة الغالب والأولى حمل القهر على الغلبة والتذليل معاً بأن يراد به التسلط بما يؤذي أو باستعمال المشترك في معنييه على القول بجوازه. وفي «مفردات الراغب» ((القهر الغلبة والتذليل معاً ويستعمل في كل واحد منهما)) وقرأ ابن مسعود والشعبـي وإبراهيم التيمي (فلا تكهر) بالكاف بدل القاف ومعناه على ما في «البحر» فلا تقهر وفي «تهذيب الأزهري» ((الكهر القهر والكهر عبوس الوجه والكهر الشتم)) واختار بعضهم هنا أوسطها فالمعنى فلا تعبس في وجهه وهو نهي عن الشتم والقهر على ما سمعت من معناه من باب الأولى. وأياً ما كان ففي الآية دلالة على الاعتناء بشأن اليتيم وعن ابن مسعود مرفوعاً حديث : من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تَمُرُّ عليها يده نور يوم القيامةتفسير : وعن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً أيضاً حديث : إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمٰن فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم / الذي غيب أبوه في التراب فيقول الملائكة أنت أعلم فيقول الله تعالى: يا ملائكتي إني أشهدكم أن علي لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامةتفسير : فكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً ولم يصح في كيفية مسحه شيء والرواية عن ابن عباس في ذلك قد قيل فيها ما قيل. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين إذا اتقى الله عز وجل وأشار بالسبابة والوسطىتفسير : إلى غير ذلك من الأخبار.
ابن عاشور
تفسير : الفاء الأولى فصيحة. و(أما) تفيد شرطاً مقدراً تقديره: مهما يكن من شيء، فكان مفادها مشعراً بشرط آخر مقدر هوالذي اجتلبت لأجله فاء الفصيحة، وتقدير نظم الكلام إذ كنت تعلم ذلك وأقررت به فعليك بشكر ربك، وبيّن له الشكر بقوله: {أمّا اليتيم فلا تقهر} الخ. وقد جُعل الشكر هنا مناسباً للنعمة المشكور عليها وإنما اعتبر تقدير: إذا أردتَ الشكر، لأن شكر النعمة تنساق إليه النفوس بدافع المروءة في عرف الناس، وصُدر الكلام بـــ (أما) التفصيلية لأنه تفصيل لمجمل الشكر على النعمة. ولما كانت (أمَّا) بمعنى: ومهما يكن شيء، قرن جوابها بالفاء. واليتيم مفعول لفعل {فلا تقهر}. وقدم للاهتمام بشأنه ولهذا القصد لم يؤت به مرفوعاً وقد حصل مع ذلك الوفاء باستعمال جواب (أما) أن يكون مفصولاً عن (أما) بشيء كراهية موالاة فاء الجواب لحرف الشرط. ويظهر أنهم ما التزموا الفصل بين (أما) وجوابها بتقديم شيء من علائق الجواب إلا لإِرادة الاهتمام بالمقدم لأن موقع (أما) لا يخلو عن اهتمام بالكلام اهتماماً يرتكز في بعض أجزاء الكلام، فاجتلاب (أما) في الكلام أثر للاهتمام وهو يقتضي أن مثار الاهتمام بعض متعلِّقات الجملة، فذلك هو الذي يعتنون بتقديمه وكذلك القول في تقديم {السائل} وتقديم {بنعمة ربك} على فعليهما. وقد قوبلت النعم الثلاث المتفرع عليها هذا التفصيل بثلاثة أعمال تقابلها. فيجوز أن يكون هذا التفصيل على طريقة اللف والنشر المرتب. وذلك ما درج عليه الطيبي، ويجري على تفسير سفيان بن عيينة {السائل} بالسائل عن الدين والهدى، فقوله: {فأما اليتيم فلا تقهر} مقابل لقوله: { أية : ألم يجدك يتيماً فآوى } تفسير : [الضحى: 6] لا محالة، أي فكما آواك ربك وحفظك من عوارض النقص المعتاد لليُتم، فكن أنت مُكرماً للأيتام رفيقاً بهم، فجمع ذلك في النهي عن قهره، لأن أهل الجاهلية كانوا يقهرون الأيتام ولأنه إذا نهى عن قهر اليتيم مع كثرة الأسباب لقهره لأن القهر قد يصدر من جراء القلق من مطالب حاجاته فإن فلتات اللسان سريعة الحصول كما قال تعالى: { أية : فلا تقل لهما أف } تفسير : [الإسراء: 23] وقال: { أية : وإما تُعرضَنَّ عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً } تفسير : [الإسراء: 28]. والقهر: الغلبة والإذلال وهو المناسب هنا، وتكون هذه المعاني بالفِعل كالدَّعّ والتحقير بالفعل وتكون بالقول قال تعالى: { أية : وقولوا لهم قولاً معروفاً } تفسير : [النساء: 5]، وتكون بالإِشارة مثل عُبوس الوجه، فالقهر المنهي عنه هو القهر الذي لا يعامَل به غير اليتيم في مثل ذلك فأما القهر لأجل الاستصلاح كضرب التأديب فهو من حقوق التربية قال تعالى: { أية : وإن تخالطوهم فإخوانكم } تفسير : [البقرة: 220]. وقوله: {وأما السائل فلا تنهر} مقابل قوله: { أية : ووجدك ضالاً فهدى } تفسير : [الضحى: 7] لأن الضلال يستعدي السؤال عن الطريق، فالضال معتبر من نصف السائلين. والسائل عن الطريق قد يتعرض لحماقة المسؤول كما قال كعب: شعر : وقال كُل خليل كنت آمله: لا أُلْهِيَنَّك أني عنك مشغول تفسير : فجعل الله الشكر عن هدايته إلى طريق الخير أن يوسع باله للسائلين. فلا يختص السائلُ بسائل العطاء بل يشمل كل سائل وأعظم تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بإرشاد المسترشدين، وروي هذا التفسير عن سفيان بن عيينة. روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فإذا أتوكم فاستَوْصوا بهم خيراً » تفسير : قال هارون العبدي: كنا إذا أتيْنا أبا سعيد يقول: مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتعريف في {السائل} تعريف الجنس فيعم كل سائل، أي عمّا يُسال النبي صلى الله عليه وسلم عن مثله. ويكون النشر على ترتيب اللف. فإن فسر {السائل} بسائل معروف كان مقابل قوله: { أية : ووجدك عائلاً فأغنى } تفسير : [الضحى: 8] وكان من النشر المشوش، أي المخالف لترتيب اللف، وهو ما درج عليه «الكشاف». والنهر: الزجر بالقول مثل أن يقول: إليك عني. ويستفاد من النهي عن القهر والنهر النهي عما هو أشد منهما في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء على المال وتركه محتاجاً وليس من النهر نهي السائل عن مخالفة آداب السؤال في الإِسلام. وقوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} مقابل قوله: { أية : ووجدك عائلاً فأغنى } تفسير : [الصحى: 8]. فإن الإغناء نعمة فأمره الله أن يظهر نعمة الله عليه بالحديث عنها وإعلان شكرها. وليس المراد بنعمة ربك نعمة خاصة وإنما أريد الجنس فيفيد عموماً في المقام الخَطابي، أي حدث ما أنعم الله به عليك من النعم، فحصل في ذلك الأمر شكر نِعمة الإِغناء، وحصل الأمر بشكر جميع النعم لتكون الجملة تذييلاً جامعاً. فإن جعل قوله: {وأما السائل فلا تنهر} مقابل قوله {ووجدك عائلاً فأغنى} على طريقة اللف والنشر المشوش كان قوله: {وأما بنعمة ربك فحدث} مقابل قوله: { أية : ووجدك ضالاً فهدى } تفسير : [الضحى: 7] على طريقة اللف والنشر المشوش أيضاً. وكان المراد بنعمة ربه نعمة الهداية إلى الدين الحق. والتحديث: الإِخبار، أي أخْبِر بما أنعم الله عليك اعترافاً بفضله، وذلك من الشكر، والقول في تقديم المجرور وهو {بنعمة ربك} على متعلَّقه كالقول في تقديم {فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر}. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فمقتضى الأمر في المواضع الثلاثة أن تكون خاصة به، وأصل الأمر الوجوب، فيعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم واجب عليه ما أمر به، وأما مخاطبة أمته بذلك فتجري على أصل مساواة الأمة لنبيها فيما فرض عليه ما لم يدلّ دليل على الخصوصية، فأما مساواة الأمة له في منع قهر اليتيم ونهر السائل فدلائله كثيرة مع ما يقتضيه أصل المساواة. وأما مساواة الأمة له في الأمر بالتحدث بنعمة الله فإن نعم الله على نبيه صلى الله عليه وسلم شتّى منها ما لا مطمع لغيره من الأمة فيه مثل نعمة الرسالة ونعمة القرآن ونحو ذلك من مقتضيات الاصطفاء الأكبر، ونعمة الرب في الآية مُجملة. فنعم الله التي أنعم بها على نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة منها ما يجب تحديثه به وهو تبليغه الناس أنه رسول من الله وأن الله أوحى إليه وذلك داخل في تبليغ الرسالة وقد كان يُعلم الناسَ الإِسلام فيقول لمن يخاطبه أن تشهد أن لا إلٰه إلا الله وأني رسول الله. ومنها تعريفه الناس ما يجب له من البر والطاعة كقوله لمن قال له: « حديث : اعدل يا رسول الله فقال: أيأمنُني الله على وحيه ولا تأمنوني »تفسير : ، ومنها ما يدخل التحديث به في واجب الشكر على النعمة فهذا وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم خالص من عُروض المعارض لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من عروض الرياء ولا يظن الناس به ذلك فوجوبه عليه ثابت. وأما الأمة فقد يكون التحديث بالنعمة منهم محفوفاً برياء أو تفاخر. وقد ينكسر له خاطر من هو غير واجد مثل النعمة المتحدث بها. وهذا مجال للنظر في المعارضة بين المقتضي والمانع، وطريقة الجمع بينهما إن أمكن أو الترجيح لأحدهما. وفي «تفسير الفخر»: سئل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن الصحابة فأثنى عليهم فقالوا له: فحدثنا عن نفسك فقال: مهلاً فقد نهى الله عن التزكية، فقيل له: أليس الله تعالى يقول: {وأما بنعمة ربك فحدث} فقال: فإني أُحدِّث كنتُ إذا سُئلتُ أعطيت. وإذا سُكِت ابتديت، وبين الجوانح علم جَم فاسألوني. فمن العلماء من خَص النعمة في قوله: {بنعمة ربك} بنعمة القرآن ونعمة النبوءة وقاله مجاهد. ومن العلماء من رأى وجوب التحدث بالنعمة. رواه الطبري عن أبي نضرة. وقال القرطبي: الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولغيره. قال عياض في «الشفاء»: «وهذا خاص له عام لأمته». وعن عَمرو بن ميمون: إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به يقول له رزق الله من الصلاة البارحةَ كذا وكذا، وعن عبد الله بن غالب: أنه كان إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحةَ كَذا، قرأتُ كذا، صليت كذا، ذكرت الله كذا، فقلنا له: يا أبا فراس إن مثلك لا يقول هذا، قال: يقول الله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} وتقولون أنتم: لا تحدث بنعمة الله. وذكر ابن العربي عن أيوب قال: دخلت على أبي رجاء العطاردي فقال: لقد رزق الله البارحة: صليت كذا، وسبحت كذا، قال أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء. وعن بعض السلف أن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن يثق به قال ابن العربي: إن التحدث بالعمل يكون بإخلاص من النية عند أهل الثقة فإنه ربما خرج إلى الرياء وإسَاءة الظن بصاحبه. وذكر الفخر والقرطبي عن الحسن بن علي: إذا أصبتَ خيراً أوعملتَ خيراً فحدث به الثقة من إخوانك. قال الفخر: إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء وظن أن غيره يقتدي به.
الشنقيطي
تفسير : مجيء الفاء هنا مشعر، إما بتفريغ وهذا ضعيف، وإما بإفصاح عن تعدد، وقد ذكر الجمل بتقدير، مهما يكن من شيء. وقد ساق تعالى هنا ثلاث مسائل: الأولى معاملة الأيتام فقال: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}، أي كما آواك والله فآوه، وكما أكرمك فأكرمه. وقالوا: قهر اليتيم أخذ ماله وظلمه. وقيل: قرء بالكاف "تكهر"، فقالوا: هو بمعنى القهر إلاَّ أنه أشد. وقيل: هو بمعنى عبوسة الوجه، والمعنى أعم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدَّيْن وقهر الرجال"تفسير : ، فالقهر أعم من ذلك. وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم، والتي زادت على العشرين موضعاً، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أبواب كلها تدور حول دفع المضار عنه، وجلب المصالح له في ماله وفي نفسه، فهذه أربعة، وفي الحالة الزوجية، وهي الخامسة. أما دفع المضار في ماله، ففي قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام: 152]، جاءت مرتين في سورة الأنعام والأخرى في سورة الإسراء، وفي كل من السورتين ضمن الوصايا العشر المعروفة في سورة الأنعام، بدأت بقوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الأنعام: 151]. وذكر قتل الولد وقربان الفواحش وقتل النفس ثم مال اليتيم. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ويلاحظ أن النهي منصب على مجرد الاقتراب من ماله إلاّ بالتي هي أحسن، وقد بين تعالى التي هي أحسن بقوله: {أية : وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [النساء: 6]. وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجراً، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي إن كان العمل يستحق أجرة ألف ريال، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريال، ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط، حفظاً لماله. ثم بعد النهي عن اقتراب مال اليتيم ذلك، فقد تتطلع بعض النفوس إلى فوارق بسيطة من باب التحيل أو نحوه، من استبدال شيء مكان شيء، فيكون طريقاً، لاستبدال طيب بخبيث، فجاء قوله تعالى: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 2]. والحوب: أعظم الذنب، ففيه النهي عن استبدال طيب ماله، بخبيث مال الولي أو غيره حسداً له على ماله، كما نهى عن خلط ماله مع مال غيره كوسيلة لأكله مع مال الغير، وهذا منع للتحيل وسد الذريعة، حفظاً لماله. ثم يأتي الوعيد الشديد في صورة مفزعة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10]. وقد اتفق العلماء: أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه إتلاف أو تفويت سواء كان بأكل حقيقة أو باختلاس أو بإحراق أو إغراق، وهو المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق، إذ لا فرق في ضياع مال اليتيم عليه، بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال فيه، فهو تفويت عليه وكل ذك حفظاً لماله. وأخيراً، فإذا تم الحفاظ على ماله لم يقربه إلا بالتي هي أحسن، ولم يبدله بغيره أقل منه، ولم يخلطه بماله ليأكله عليه، ولم يعتد عليه بأي إتلاف كان محفوظاً له، إلى أن يذهب يتمه ويثبت رشده، فيأتي قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} تفسير : [النساء: 6]. ثم أحاط دفع المال إليه بموجبات الحفظ بقوله في آخر الآية: {أية : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [النساء: 6]، أي حتى لا تكون مناكرة فيما بعد. وفي الختام ينبه الله فيهم وازع مراقبة الله بقوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} تفسير : [النساء: 6]، وفيه إشعار بأن أمواله تدفع إليه بعد محاسبة دقيقة فيما له وعليه. ومهما يكن من دقة في الحساب، فالله سيحاسب عنه، وكفى بالله حسيباً، وهذا كله في حفظ ماله. أما جلب المصالح، فإننا نجد فيها أولاً جعله مع الوالدين، والأقربين، في عدة مواطن، منها قوله تعالى: {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [البقرة: 215]. ومنها قوله: إيراده في أنواع البر من الإيمان بالله وإنفاق المال {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ} تفسير : [البقرة: 177]، إلى آخر الآية. ومنها: ما هو أدخل في الموضوع حيث جعل له نصيباً في التركة في قوله: {أية : وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8]، بصرف النظر عن مباحث الآية من جهات أخرى، ومرة أخرى يجعل لهم نصيباً فيما هو أعلى منزلة في قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 41] الاية. وكذلك في سورة الحشر في قوله تعالى: {أية : مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الحشر: 7]. فجعلهم الله مع ذي القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جعله الله في عموم وصف الأبرار، وسبباً للوصول إلى أعلى درجات النعيم في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً} تفسير : [الإنسان: 5]. وذكر أفعالهم التي منها: أنهم يوفون بالنذر, ثم بعدها: أنهم يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وجعل هذا الإطعام اجتياز العقبة في قوله: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-15] الآية. ولقد وجدنا ما هو أعظم من ذلك، وهو أن يسوق الله الخضر وموسى عليهما السلام ليقيما جداراً ليتيمين على كنز لهما حتى يبلغا أشدهما، في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} تفسير : [الكهف: 82]. هذا هو الجانب المالي من دفع المضرة عنه في حفظه ماله، ومن جانب جلب النفع إليه عن طريق المال. أما الجانب النفسي فكالآتي: أولاً: عدم مساءته في نفسه، فمنها قوله تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} تفسير : [الماعون: 1-3]. ومنها قوله: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} تفسير : [الفجر: 17-18]، فقدم إكرامه إشارة له. ثانيا: في الإحسان إليه، منها قوله تعالى: {أية : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ} تفسير : [البقرة: 83]، فيحسن إليه كما يحسن لوالديه ولذي القربى. ومنها سؤال، وجوابه من الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ} تفسير : [البقرة: 220]، أي تعاملونهم كما تعاملون الإخوان، وهذا أعلى درجات الإحسان والمعروف، ولذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}. وفي تقديم ذكر المفسد على المصلح: إشعار لشدة التحذير من الإفساد في معاملته، ولأنه محل التحذير في موطن آخر جعلهم بمنزلة الأولاد في قوله: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. أي حتى في مخاطبتهم إياهم لأنهم بمنزلة أولادهم، بل ربما كان لهم أولاد فما بعد أيتاماً من بعدهم، فكما يخشون على أولادهم إذا صاروا أيتاماً من بعدهم، فليحسنوا معاملة الأيتام في أيديهم وهذه غاية درجات العناية والرعاية. تلك هي نصوص القرآن في حسن معاملة اليتيم وعدم الإساءة إليه، مما يفصل مجمل قوله: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}. لا بكلمة سديدة ولا بحرمانه من شيء يحتاجه، ولا بإتلاف ماله، ولا بالتحيل على أكله وإضاعته، ولا بشيء بالكلية، لا في نفسه ولا في ماله. والأحاديث من السنة على ذلك عديدة بالغة مبلغها في حقه، وكان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس به وأشفقهم عليه، حتى قال: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين -يشير إلى السبابة والوسطى- وفرّج بينهما" تفسير : رواه البخاري وأبو داود والترمذي. وفي رواية أبي هريرة عند مسلم ومالك: "حديث : كافل اليتيم له أو لغيره" تفسير : أي قريب له أو بعيد عنه. وعن أحمد والطبراني مرفوعاً: "حديث : من ضم يتيماً من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، وجبت له الجنة" تفسير : قال المنذري: رواه أحمد، محتج بهم إلا علي بن زيد. وعن ابن ماجه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم، يُحسن إليه. وشر بيت في المسلمين، بيت فيه يتيم يُساء إليه ". تفسير : وجاء عند أبي داود ما هو أبعد من هذا وذلك، حتى إن الأم لتعطل مصالحها من أجل أيتامها، في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنا وامرأة الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ بيده - يزيد بن زربع - بفتح الزاي وإسكان الباء - بالوسطى والسبابة امرأة آمت زوجها - بألف ممدودة وميم مفتوحة وتاء - أصبحت أيماً، بوفاة زوجها - ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا ". تفسير : وجعله الله دواء لقساوة القلب، كما روى أحمد ورجاله الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: "حديث : امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين ". تفسير : وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي، حيث يخاطب الله تعالى أفضل الخلق وأرحمهم، وأرأفهم بعباد الله، الموصوف بقوله تعالى: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]، وبقوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]، ليكون مثالاً مثالياً في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها، فلا يرحمون ضعيفاً، ولا يؤدون حقاً إلى من قوة يدينون لمبدأ "من عزَّ بزّ، ومن غلب استلب" يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة، كما قال شاعرهم: شعر : قبيلة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل تفسير : ويقول حكيمهم: شعر : ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم تفسير : قوم يئدون بناتهم، ويحرمون من الميراث نساءهم، يأكلون التراث أكلاً لماً، ويحبون المال حباً جماً، فقلب مقاييسهم وعدل مفاهيمهم، فألان قلوبهم ورقق طباعهم، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه. وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرناً تأتي فوق كل ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها، مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه، المنوه عنه في الآية الكريمة {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]، فجعل كافل اليتيم اليوم، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ذرية ضعافاً، وعبَّر هنا عن الأيتام بلازمهم وهو الضعف إبرازاً لحاجة اليتيم إلى الإحسان، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم، فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم. وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلاً اجتماعياً في كفالة اليتيم، بل إن اليتيم نفسه، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى أيتامك من بعدك، وكما تدين تدان، فإن كان خيراً كان الخير بالخير والبادئ أكرم، وإن شراً كان بمثله والبادئ أظلم. ومع هذا الحق المتبادل، فإن الإسلام يحث عليه ويعني به، ورغَّب في الإحسان إليه وأجزل المثوبة عليه، وحذّر من الإساءة عليه، وشدد العقوبة فيه. وقد يكون فيما أوردناه إطالة، ولكنه وفاءً بحق اليتيم أولاً، وتأثر بكثرة ما يلاقيه اليتيم ثانياً. تنبيه ليس من باب الإساءة إلى اليتيم تأديبه والحزم معه، بل ذلك من مصلحته كما قيل: شعر : قس ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم تفسير : وقوله: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} [10]، قالوا: السائل الفقير والمحتاج، يسأل ما يسد حاجته وهو مقابل لقوله: {أية : وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} تفسير : [الضحى: 8]، أي فكما أغناك الله وبدون سؤال، فإذا أتاك سائل فلا تنهره، ولو في رد الجواب بالتي هي أحسن. ومعلوم: أن الجواب بلطف، قد يقوم مقام العطاء في إجاية السائل، وكان صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد ما يعطيه للسائل يعده وعداً حسناً لحين مسيره، أخذاً من قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 28]. وقد أورد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيتين عند هذه الآية في هذا المعنى، هما قول الشاعر: شعر : إن لم تكن ورق يوماً أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالي وإما حسن مردود تفسير : فليسعد النطق إن لم يسعد المال. وقيل: السائل المستفسر عن مسائل الدين والمسترشد، وقالوا هذا مقابل قوله: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} [الضحى: 7]، أي لا تنهر مستغنياً ولا مسترشداً، كقوله تعالى: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس: 1-2]. وقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً شفيقاً على الجاهل حتى يتعلم، كما في حديث : قصة الأعرابي الذي بال في المسجد حين صاح به الصحابة فقال لهم "لا تزرموه، إلى أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً" تفسير : وكالآخر الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: "هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في رمضان، حتى كان من أمره أن أعطاه فرقاً من طعامه يكفّر به عن ذنبه، فقال: أعلى أفقر منا يا رسول الله؟ فقال: حديث : قم فأطعمه أهلك ". تفسير : وقد كان صلى الله عليه وسلم يقف للمرأة في الطريق يصغي إليها حتى يضيق من معه وهو يصبر لها ولم ينهرها، بل يجيبها على أسئلتها. وقد حث صلى الله عليه وسلم على إكرام طلب العلم، وبين أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وأن الحيتان في البحر لتستغفر له رضى بما يصنع. وقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [11]: النعمة كل ما أنعم الله به على العبد، وهي كل ما ينعم به العبد من مال وعافية وهداية ونصرة من النعومة واللين، فقيل: المراد بها المذكورات والتحدث بها شكرها عملياً من إيواء اليتيم كما آواه الله، وإعطاء السائل كما أغناه الله، وتعليم المسترشد كما علمه الله، وهذا من شكر النعمة، أي كما أنعم الله عليك، فتنعّم انت على غيرك تأسياً بفعل الله معك. وقيل: التحدث بنعمة الله هو التبليغ عن الله من آية وحديث، والنعمة هنا عامة لتنكيرها وإضافتها، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 53]، أي كل نعمة، ولكن الذي يظهر أنها في الوحي أظهر أو هو أولى بها، أو هو أعظمها، لقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]، فقال: نعمتي، وهنا نعمة ربك. ولا يبعد عندي أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما نحر مائة ناقة في حجة الوداع، لما أنزل الله عليه هذه الآية، ففعل شكراً لله على إتمام النعمة بإكمال الدين. وقد قالوا في مناسبة هذه السورة بما قبلها: إن التي قبلها في الصديق {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} تفسير : [الليل: 17-21]، وهنا في الرسول صلى الله عليه وسلم {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 3-5]، مع الفارق الكبير في العطاء والخطاب. والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهر من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين هاتين السورتين والليل مع والضحى، ثم ما بين الضحى وألم نشرح، إنها تتمة النعم التي يعددها الله تعالى على رسوله. وهكذا على ما ستأتي الإشارة إليه في محله إن شاء الله تعالى. أعلم علماً بأن بعض العلماء لم يعتبر تلك المناسبات. ولكن ما كانت المناسبة فيه واضحة، فلا ينبغي إغفاله، وما كانت خفية لا ينبغي التكلف له.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 9، 10، 11- إذا كان هذا حالنا معك، فأما اليتيم فلا تذله، وأما السائل فلا ترده بقسوة، وأما بنعمة ربك فحدِّث شكراً لله وإظهاراً للنعمة.
د. أسعد حومد
تفسير : (9) - وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْكَ أَنْ لاَ تَقْهَرَ اليَتِيمَ وَتَسْتَذِلَّهُ، بَلِ ارْفَعْ مِنْ شَأْنِهِ بالأَدَبِ، وَهَذَّبْ نَفْسَهُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ لِيَكُونَ عُضْواً نَافِعاً فِي جَمَاعَتِكَ، وَمَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ اليُتْمِ وَالضَّيقِ فِي نَفْسِهِ، فَمَا أَجْدَرَهُ بِأَنْ يَسْتَشْعِرَهَا فِي غَيْرِهِ.
الثعلبي
تفسير : {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} واذكر يتمك، وقرأ النخعي والشعبي: فلا تكهر، بالكاف، وكذلك هو في مصحف عبد الله، والعرب تعاقب بين القاف والكاف، يدل عليه حديث معاوية بن الحكم الذي تكلّم في الصلاة قال: ما كهرني، ولا ضربني. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا إسحاق بن عيسى قال: حدّثنا مالك، عن ثور بن زيد الدبلي قال: سمعت أبا الغيث يحدّث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنّة إذا اتقى الله سبحانه" وأشار مالك بالسبابة والوسطى . تفسير : أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن [يوسف] قال: حدّثنا الحسن بن علي بن نصر الطوسي قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الفضل برأس العين قال: حدّثنا إبراهيم بن زكريا قال: حدّثنا الحسين بن أبي جعفر، عن علي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله سبحانه لملائكته: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيّب أباه في التراب؟ فيقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله: يا ملايكتي فإني أشهدكم أنّ لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة" فكان عمر إذا رأى يتيماً مسح رأسه، وأعطاه شيئاً . تفسير : وأخبرني عبد الله بن حامد الأصفهاني، حدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حزم، عن أنس بن مالك قال: من ضمّ يتيماً فكان في نفقته وكفاه مؤونته كان له حجاباً من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة. {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} فلا تزجر لكن بدّل يسيراً ورُدَّ جميلا، واذكر فقرك. وأخبرنا عبد الله بن حامد فيما أجاز لي روايته عنه قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الحلواني قال: حدّثنا العباس بن عبد الله قال: حدّثنا سعيد أبو عمرو البصري قال: حدّثنا سهل ابن أسلم العنبري، عن الحسن في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} قال: أما انه ليس بالسائل الذي يأتيك لكن طالب العلم. وأخبرني عبد الله بن حامد الأصفهاني قال: حدّثني العباس بن محمد بن قوهيال قال: حدّثنا حاتم بن يونس قال: حدّثني عبيد بن نعيش قال: سمعت يحيى بن آدم يقول: وأمّا السائل فلا تنهر، قال: إذا جاءك الطالب للعلم فلا تنهره. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا أبو عروبة قال: حدّثنا يحيى بن حكيم والحسين بن سلمة بن أبي كبشة قالا: حدّثنا أبو قتيبة قال: حدّثنا الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمنعن أحدكم السائل أن يعطيه إذا سأل وأن رأى في يده قلبين من ذهب ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الكسائي قال: حدّثنا أحمد بن ثابت بن غياث قال: حدّثنا إبراهيم بن الشماس قال: حدّثنا أحمد بن أيوب الضبي، عن إبراهيم بن أدهم قال: نعم القوم السُّؤّال، يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون إلى أهليكم بشيء. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا القرشي قال: حدّثنا هدية بن خالد قال: حدّثنا صبان بن علي قال: حدّثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رددت السائل ثلاثاً فلم يرجع فلا عليك أن تزبره ". تفسير : {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} يعني النبوّة، عن مجاهد ابن أبي نجيح عنه قال: القرآن، وإليه ذهب الكلبي. وحكم الآية [عام] في جميع الإنعام. أخبرني الغنجوي قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني ابو عمرو الأزدي قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا نوح بن قيس قال: حدّثني نصر بن علي قال: كان عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة خيراً، قرأت كذا وصلّيت كذا، وذكرت الله كذا وفعلت كذا، فيقال له: يا أبا فراس إن مثلك لا يقول مثل هذا فيقول: الله سبحانه يقول: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} وتقولان أنتم: لا تحدّث بنعمة ربك. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا شبر بن موسى قال: حدّثنا عبد الله ابن يزيد المقري قال: حدّثنا أبو معمر، عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعطي خيراً فلم ير عليه سُمّي بغيض الله معادياً لنعمه ". تفسير : وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: حدّثنا أبو القاسم بن منيع قال: حدّثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدّثنا وكيع، عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن وليد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "من لم يشكر القليل، ومن لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب ".
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} معناه لا تَحقُرْ {وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ} معناه لا تَزجُرْ، ولكن زده رحمةً {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} معناه إخوانُكَ حدّثهم بالقُرآنِ. ويقال: إخوانُكَ إخوانُ ثقتِكَ. فهذا تَأديبٌ من الله تعالى لأُمةِ محمدٍ صلى الله عليهِ وآلهِ وسَلّمَ عَلَى لِسَانِ نَبيهِ عَلَيهِ السَّلامُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):