٩٤ - ٱلشَّرْح
94 - Al-Inshirah (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، ويقولون: إن كان غرضك من هذا الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيرًا عندهم، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة، وقال: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1، 2] أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم عيروه بالفقر، والدليل عليه دخول الفاء في قوله: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة، فإنه يحصل في الدنيا يسر كامل. المسألة الثانية: قال ابن عباس: يقول الله تعالى: خلقت عسراً واحداً بين يسرين، فلن يغلب عسر يسرين، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : لن يغلب عسر يسرين»تفسير : وقرأ هذه الآية، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول: قال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئاً واحداً. وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير، فكان أحدهما غير الآخر، وزيف الجرجاني هذا وقال: إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني: أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى، كما كرر قوله: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } تفسير : [المطففين: 10] ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، كما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، والمراد من اليسرين: يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة، لقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } تفسير : [التوبة: 52] وهما حسن الظفر وحسن الثواب، فالمراد من قوله: «لن يغلب عسر يسرين» هذا، وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا، ويسر الآخرة كالمغمور القليل، وههنا سؤالان. الأول: ما معنى التنكير في اليسر؟ جوابه: التفخيم، كأنه قيل: إن مع اليسر يسراً، إن مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر. السؤال الثاني: اليسر لا يكون مع العسر، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب: لما كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل، كان مقطوعاً به فجعل كالمقارن له.
القرطبي
تفسير : أي إن مع الضَّيقة والشدّة يسراً، أي سعة وغِنى. ثم كرر فقال: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }، فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام؛ كما يقال: اِرمِ اِرمِ، اِعجَلْ اعجَلْ؛ قال الله تعالى: { أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [التكاثر: 3 ـ 4]. ونظيره في تكرار الجواب: بَلى بَلى، لا، لا. وذلك للإطناب والمبالغة؛ قاله الفرّاء. ومنه قول الشاعر: شعر : هَممتُ بنفسِيَ بعضَ الهموم فأولَى لنفسي أولَى لها تفسير : وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسماً معرّفاً ثم كرّروه، فهو هو. وإذا نكَّروه ثم كرّروه فهو غيره. وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر؛ قاله ثعلب. وقال ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عُسْراً واحداً، وخلقت يُسْرين، ولن يغلِب عسر يسرين. وجاء في الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه السورة أنه قال: « حديث : لن يغلِب عسر يسرين » تفسير : . وقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حَجَر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه؛ ولن يغلب عسر يسرين. وكتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم، وما يُتخوّف منهم؛ فكتب إليه عمر رضي الله عنهما: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مَنزِل شِدّة، يجعل الله بعده فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [آل عمران: 200]. وقال قوم منهم الجُرْجانِيُّ: هذا قول مدخول؛ لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفاً، إن مع الفارس سيفاً، أن يكون الفارس واحداً والسيف اثنان. والصحيح أن يقال: إن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم مُقِلاًّ مُخِفًّا، فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً؛ فاغتم وظنّ أنهم كذبوه لفقره؛ فعزَّاه الله، وعدد نِعمه عليه، ووعده الغنى بقوله: «فإنّ مع العسرِ يسرا» أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر؛ فإن مع ذلك العسرِ يسرا عاجلاً؛ أي في الدنيا. فأنجز له ما وعده؛ فلم يمت حتى فَتَح عليه الحجاز واليمن، ووسَّع ذات يده، حتى كان يعطى الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويُعِدّ لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا؛ وإن كان خاصاً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى. ثم ابتدأ فضلاً آخراً من الآخرة وفيه تأسِية وتعزِية له صلى الله عليه وسلم، فقال مبتدئاً: {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } فهو شيء آخر. والدليل على ابتدائه، تعرّيه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النَّسْق التي تدل على العطف. فهذا وعد عام لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه؛ أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة. والذي في الخبر: « حديث : لن يغلب عسر يسرين » تفسير : يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا؛ فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: «إن مع العسر» وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة «يسرا»، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عِز وشرف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ } الشدّة {يُسْراً } سهولة.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} مع اجتهاد الدنيا جزاء إلا الجنة "ح" أو مع الشدة رخاء ومع الضيق سعة ومع الشقاوة سعادة ومع الحزونة سهولة وكرره تأكيداً ومبالغة أو العسر واحد واليسر اثنان لدخول الألف واللام على العسر وحذفهما من اليسر.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً}[5] قال: عظم الله تعالى حال الرجاء في هذه الآية بكرمه وخفي لطفه، فذكر اليسر مرتين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يغلب عسر يسرين"تفسير : ، يعني فطنة القلب والعقل يسران يغلبان نفس الطبع، فيعيدانه إلى الإخلاص، وهو معنى الآية في الباطن، أي فإن مع شدة نفس الطبع في افتقاره إلى ذات الحق عزَّ وجلَّ إلى نفس الروح والعقل وفطنة القلب وهو في الباطن تسكن قلب محمد صلى الله عليه وسلم على الإعانة خوفاً، فقال: إنا سلطنا على نفس الطبع الكثيف منك لطائف نفس الروح والعقل والقلب والفهم التي سبقت بالموهبة الجليلة قبل بدوِّ الخلق بألف عام، فغلبت نفس الطبع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} مع عسر المجاهدة يسر المشاهدة او مع عسر الانفصال يسر الاتصال ومع عسر القبض يسر البسط وزاد يسرا على يسرا على يسير وجعلها يسر بن بعد عسر العسر هو الحجاب واليسر كشف النقاب ويسر اخر رفع العتاب قال الجوزجانى مع الصبر عن الحرام والشبهات الاسترواح الى عز التوكل.
اسماعيل حقي
تفسير : {فإن مع العسر يسرا} تقرير لما قبله ووعد كريم بتيسير كل عسير له عليه السلام وللمؤمنين فاللام للاستغراق قال فى الكشاف فان قلت كيف تعلق قوله فان مع العسر يسرا بما قبله قلت كان المشركون يعيرون رسول الله والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق الى وهمه أنهم رغبوا عن الاسلام لافتقار اهله واحتقارهم فذكره ما انعم الله به عليه من جلائل النعم ثم قال فان مع العسر الخ كأنه قيل خولناك من جلائل النعم فكن على ثقة بفضل الله ولطفه فان مع العسر يسرا كثيرا وفى كلمة مع اشعار بغاية سرعة مجيئ اليسر كأنه مقارن للعسر والا فالظاهر ذكر كلمة المعاقبة لا اداة المصاحبة لأن الضدين لا يجتمعان بل يتعاقبان شعر : ان مع العسر جو يسرش قفاست شاد برآنم كه كلام خداست تفسير : وقال بعضهم هذا عند العامة واما عند الخاصة فالمعية حقيقية كما قيل شعر : برجانم ازتوهرجه رسد جاى منت است كرناوك جفاست وكر خنجر ستم تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر هى معية امتزاج لا معية مقارنة ولا تعاقب ولذلك كررها فلولا وجود اليسر فى العسر لم يبق عسر لعموم الهلاك ولولا وجود العسر فى اليسر لم يبق يسر وبضدها تتبين الاشياء ثم ان العسر يؤول كله الى اليسر فقد سبقت الرحمة الغضب وذلك عناية من الله فان ذلك قد يكون مصقلة وجلاء لقلوب الاكابر وتوسعة لاستعدادهم فتتسع لتجلى الحضرة الالهية وكما أن حظهم من الملائم اوفر فكذلك غير الملائم قال عليه السلام حديث : اشد الناس بلاء الانبياء ثم الاولياء ثم الامثل فالامثل تفسير : ولذلك قال تعالى ادعونى استجب لكم وقال عليه السلام حديث : ان الله يحب الملحين فى الدعاء تفسير : وفى تعريف العسر وتنكير اليسر اشارة لطيفة الى أن الدنيا دار العسر فالعسر عند السامع معلوم معهود واليسر مجهول مبهم.
الجنابذي
تفسير : {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} الفاء للسّببيّة والمعنى سهّلنا لك امورك بعد ما كان صعباً اليك بسبب انّا جعلنا ان يكون لكلّ عسرٍ يسرين فهو تعليل لسابقه ووعد له (ص) بيسرٍ آخر، والمراد بالعسر الفقر او تألّمه (ص) عن عدم ايمان قومه وعن ايذاء المشركين له (ص) وللمؤمنين، او ضيق صدره عن المعاشرة مع الخلق ودعوتهم واقامة عوجهم.
الهواري
تفسير : قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه: حديث : لن يغلب عسر يسرين . تفسير : قوله عز وجل: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} تفسير الحسن: فإذا فرغت من قتال أعدائك فانصب إلى ربك في العبادة. قال: أمره الله أن لا يؤثر شيئاً من أمر الدنيا على شيء من أمر الآخرة؛ والله أعلم كيف كان تفسير الحسن هذه الآية. وقال الكلبي: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء. قال عز وجل: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب} أي: فتضرّع بالدعاء. ذكروا أن أبا الدرداء قال: من أكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له؛ يعني الدعاء. وكان بعض الفقهاء يعجبهم أن يدعو في الصلاة المكتوبة بدعاء في كتاب الله. وقال بعضهم: السنة أن القرآن في الصلاة في القيام، والتسبيح في الركوع والسجود، والدعاء في الجلوس.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } على ما في «الكشاف» فصيحة والكلام وعد له صلى الله عليه وسلم مسوق للتسلية والتنفيس قال ((كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم / والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى ذهنه الشريف عليه الصلاة والسلام أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم فذكره سبحانه ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال تعالى شأنه {إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} كأنه قال سبحانه خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله تعالى فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً)) وهو ظاهر في أن أل في (العسر) للعهد وأما التنوين في (يسراً) فللتفخيم كأنه قيل إن مع العسر يسراً عظيماً وأي يسر والمراد به ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يسر الدنيا مطلقاً.
ابن عاشور
تفسير : الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا، أي إذا علمت هذا وتقرر، تعلَمُ أن اليسر مصاحب للعسر، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبةُ اليسر للعسر مقتضيةً نقضَ تأثير العسر ومبطلة لعمله، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإِلٰهية به فيما سبق، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله. وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن يُيَسر اللَّهُ له المصاعب كلَّما عرضت له، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب، وذلك من خصائص كلمة {مع} الدالة على المصاحبة. وكلمة {مع} هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معاً مستحيلة، فتعين أن المعيّة مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: { أية : سيجعل اللَّه بعد عسر يسراً } تفسير : في سورة الطلاق (7). فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء، وآية سورة الطلاق عامة، وللبعْدية فيها مراتب متفاوتة. فالتعريف في {العسر} تعريف العهد، أي العسر الذي عَهِدْتَه وعلمتَه وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن (ال) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى: { أية : فإن الجنة هي المأوى } تفسير : [النازعات: 41] أي فإن مع عُسرك يسراً، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى. وعد الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل الأمور العسرة عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله: { أية : ونيسرك لليسرى } تفسير : [الأعلى: 8]. وحرف {إنْ} للاهتمام بالخبر. وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر: (إنَّ) تغني غَناء فاء التسبب، لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر عَلى حرف (إنّ) لفات معنى الفصيحة. وتنكير {يسراً} للتعظيم، أي مع العسر العارض لك تيسيراً عظيماً يغلب العسر ويجوز أن يكون هذا وعداً للنبيء صلى الله عليه وسلم ولأمته لأن ما يعرض له من عسر إنما يعرض له في شؤون دعوته للدين ولصالح المسلمين. وروى ابن جرير عن يونس ومعمر عن الحَسَن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزلت هذه الآية: {فإن مع العسر يسراً} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين » تفسير : فاقتضى أن الآية غير خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل تعمّه وأمته. وفي «الموطإ» «أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب يَذْكُر له جموعاً من الروم وما يُتخوف منهم فكتب إليه عمر: «أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجاً وإنه لن يغلب عسر يسرين». وروى ابن أبي حاتم والبزار في «مُسنده» عن عائذِ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حَجَر، فقال: لو جاء العسر فدخل هذا الحَجَر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيُخرجه تفسير : فأنزل الله عز وجل: {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً}. قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح قال ابن كثير: وقد قال أبو حاتم الرازي: في حديث عائذ بن شريح ضعف. وروى ابن جرير مثله عن ابن مسعود موقوفاً، ويجوز أن تكون جملة: {فإن مع العسر يسراً} معترضة بين جملة { أية : ورفعنا لك ذكرك } تفسير : [الشرح: 4] وجملة: { أية : فإذا فرغت فانصب } تفسير : [الشرح: 7] تنبيهاً على أن الله لطيف بعباده فقدر أن لا يخلو عسر من مخالطة يسر وأنه لولا ذلك لهلك الناس قال تعالى { أية : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } تفسير : [النحل: 61]. وروي عن ابن عباس: يقول الله تعالى خلقت عسراً واحداً وخلقت يسرين ولن يغلب عسر يسرين ا هــــ. والعسر: المشقة في تحصيل المرغوب والعملِ المقصود. واليسر ضده وهو: سهولة تحصيل المرغوب وعدم التعب فيه. وجملة: {إن مع العسر يسراً} مؤكدة لجملة: {فإن مع العسر يسراً} وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطراد هذا الوعد وتعميمه لأنه خبر عجيب. ومن المفسرين من جعل اليسر في الجملة الأولى يسر الدنيا وفي الجملة الثانية يسر الآخرة وأسلوب الكلام العربي لا يساعد عليه لأنه متمحض لكون الثانية تأكيداً. هذا وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لن يغلب عسر يسرين» قد ارتبط لفظه ومعناه بهذه الآية. وصُرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ وتضافر المفسّرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك، وشاع بين أهل العلم أن ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كملة «يسر» وإعادتها منكَّرة، وقالوا: إن اللفظ النكرة إذا أعيد نكرة فالثاني غير الأول وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول كقوله تعالى: { أية : كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول } تفسير : [المزمل: 15، 16]. وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ لأن تلك القاعدة في إعادة النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون لام الجنس، وهي أيضاً في إعادة اللفظ في جملة أخرى والذي في الآية ليس بإعادة لفظ في كلام ثان بل هي تكرير للجملة الأولى، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا المأخذ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب «النظم» كما في «معالم التنزيل». وأبطله صاحب «الكشاف» أيضاً، وجعل ابن هشام في «مغني اللبيب» تلك القاعدة خطأ. والذي يظهر في تقرير معنى قوله: «لن يغلب عسر يسرين» أن جملة: {إن مع العسر يسراً} تأكيد لجملة {فإن مع العسر يسراً}. ومن المقرر أن المقصود من تأكيد الجملة في مثله هو تأكيد الحكم الذي تضمنه الخبر. ولا شك أن الحكم المستفاد من هذه الجملة هو ثبوت التحاق اليسر بالعسر عند حصوله، فكان التأكيد مفيداً ترجيح أثر اليسر على أثر العسر، وذلك الترجيح عبر عنه بصيغة التثنية في قوله: «يسرين»، فالتثنية هنا كناية رمزية عن التغلب والرجحان فإن التثنية قد يكنى بها عن التكرير المراد منه التكثير كما في قوله تعالى: { أية : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير } تفسير : [الملك: 4] أي ارجع البصر كثيراً لأن البصر لا ينقلب حسيراً من رَجعتين. ومن ذلك قول العرب: لَبَّيْك، وسَعْدَيك، ودَوَاليك» والتكرير يستلزم قوة الشيء المكرر فكانت القوة لازِمَ لازِمِ التثنية وإذا تعددت اللوازم كانت الكناية رمزية. وليس ذلك مستفاداً من تعريف {العسر} باللام ولا من تنكير «اليسر» وإعادته منكراً.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - إِنَّ مَعَ الضِّيقِ فَرَجاً، وَمَعَ الشِّدَّةِ مَخْرَجاً إِذَا تَدَرَّعَ الإِنْسَانُ بِالصَّبْرِ، وَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} معناه ليكونَ الرَّجاءُ أعظمَ من الخَوفِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):