Verse. 6099 (AR)

٩٥ - ٱلتِّين

95 - At-Teen (AR)

وَالتِّيْنِ وَالزَّيْتُوْنِ۝۱ۙ
Waaltteeni waalzzaytooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والتين والزيتون» أي المأكولين أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة، فكيف يليق أن يقسم الله تعالى بهما؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان: الأول: أن المراد من التين والزيتون هذان الشيآن المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء. أما التين فقالوا إنه غذاء وفاكهة ودواء، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج الترشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها، وروى أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه، ثم قال لأصحابه: «حديث : كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس»تفسير : وعن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج، وأما كونه دواء، فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن. واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص: أحدها: أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ظاهره قشر ولا كالتمر باطنه قشر، بل نقول: إن من الثمار ما يخبث ظاهره ويطيب باطنه، كالجوز والبطيخ ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر والإجاص. أما التين فإنه طيب الظاهر والباطن وثانيها: أن الأشجار ثلاثة: شجرة تعد وتخلف وهي شجرة الخلاف، وثانية تعد وتفي وهي التي تأتي بالنور أولاً بعده بالثمر كالتفاح وغيره، وشجرة تبذل قبل الوعد، وهي التين لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى، بل لك أن تقول: إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها، ثم بغيرها، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها قبل اهتمامها بنفسها، فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السلام: «حديث : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول»تفسير : وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه، بل من الذين أنثى الله عليهم في قوله: {أية : وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } تفسير : [الحشر: 9]، وثالثها: أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا اسقطت الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما سقط ثم يعود مرة أخرى ورابعها: أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها في المنام نال مالاً وسعة، ومن أكلها رزقه الله أولاداً وخامسها: روى أن آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين، وروى أنه لما نزل وكان متزراً بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق التين، فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكاً، فلما تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها، فلما كانت من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال دون المسك، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا إجل الطمع والطائفة الأخرى جاءت للطمع سراً وإلى آدم ظاهرة، فلا جرم غير الظاهر دون الباطن، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه، وهي في أغلب البلاد لا تحتاح إلى تربية الناس، ثم لا تقتصر منفعتها غذاء بدنك، بل هي غذاء السراج أيضاً وتولدها في الجبال التي لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة، وقيل: من أخذ ورق الزيتون في المنام استمسك بالعروة الوثقى، وقال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي: كل اللامين تشف، فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية، ثم قال المفسرون: التي والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما هذه المصالح والمنافع. القول الثاني: أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوهاً أحدها: قال ابن عباس: هما جبلان من الأرض المقدسة، يقال لهما: بالسريانية طور تيناً، وطور زيتاً، لأنهما منبتا التين والزيتون، فكأنه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء، فالجبل المختص بالتين لعيسى عليه السلام. والزيتون الشأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، والطور مبعث موسى عليه السلام، والبلد الأمين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم الأنبياء وإعلاء درجاتهم وثانيها: أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ثم قال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقال آخرون: التين مسجد أصحاب أهل الكف، والزيتون مسجد إيليا، وعن ابن عباس التين مسجد نوح المبني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، والقائلون بهذا القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة، فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون، لا جرم اكتفى بذكر التين والزيتون وثالثها: المراد من التين والزيتون بلدان، فقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس، وقال شهر بن حوشب: التين الكوفة، والزيتون الشام، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان، والقائلون بهذا القول، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد، فالله تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها، أو يقال: إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم الدنيا، والطور ومكة فيهما نعم الدين. أما قوله تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ } فالمراد من الطور الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه، واختلفوا في سينين والأولى عند النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أو أضيفا إلى ذلك المكان، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة: الطور الجبل وسينين الحسن بلغة الحبشة، وقال مجاهد: {وَطُورِ سِينِينَ } المبارك، وقال الكلبي: هو الجبل المشجر ذو الشجر، وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي: والأولى أن يكون سينين اسماً للمكان الذي به الجبل، ثم لذلك سمي سينين أو سيناً لحسنه أو لكونه مباركاً، ولا يجوز أن يكون سينين نعتاً للطور لإضافته إليه. أما قوله تعالى: {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ } فالمراد مكة والأمين: الآمن قال صاحب "الكشاف": من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله: {أية : حَرَماً ءامِناً } تفسير : [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن، وذكروا في كونه أميناً وجوهاً أحدها: أن الله تعالى حفظه عن الفيل على ما يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى وثانيها: أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند الالتجاء إليها وثالثها: ما روى أن عمر كان يقبل الحجر، ويقول: إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، فقال له علي عليه السلام: إما أنه يضر وينفع إن الله تعالى لما أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض، وكان لهذا الركن يومئذ لسان وشفتان وعينان، فقال: افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة إلى يوم القيامة، فقال عمر: لأبقيت في قوم لست فيهم يا أبا الحسن.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخَعِيّ وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصِرون منه الزيت؛ قال الله تعالى: { أية : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ } تفسير : [المؤمنون: 20]. وقال أبو ذرّ: « حديث : أَهدِي للنبيّ صلى الله عليه وسلم سَلُّ تِين؛ فقال: «كلوا» وأكل منه. ثم قال: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عَجَم، فكلوها فإنها تقطع البواسِير، وتنفع من النقْرِس». حديث : وعن معاذ: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «نِعم السواك الزيتون! من الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحَفَر، وهي سِواكي وسواك الأنبياء مِن قبلي». تفسير : وروي عن ابن عباس أيضاً: التين: مسجِد نوح عليه السلام الذي بُني على الجوديّ، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقال الضحاك: التين: المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. ابن زيد: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس. قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق: والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيلياء. وقال كعبُ الأحبارِ وقتادة أيضاً وعكرمة وابن زيد: التين: دمشق، والزيتون: بيت المقدس. وهذا اختيار الطبريّ. وقال الفراء: سمعت رجلاً من أهل الشام يقول: التين: جبال ما بين حُلْوان إلى هَمَذان، والزيتون: جبال الشام. وقيل: هما جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا وطور تِينا (بالسريانية) سميا بذلك لأنهما ينبِتانِهما. وكذا روى أبو مكِين عن عكرمة، قال: التين والزيتون: جبلان بالشام. وقال النابغة: شعر : ... أَتَيْنَ التيْنَ عَنْ عُرُضٍ تفسير : وهذا اسم موضع. ويجوز أن يكون ذلك على حذف مضاف؛ أي ومنابت التين والزيتون. ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه؛ قاله النحاس. الثانية: أصح هذه الأقوال الأوّل؛ لأنه الحقيقة، ولا يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم الله بالتين، لأنه كان سِتر آدم في الجنة؛ لقوله تعالى: { أية : يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 22] وكان ورق التين. وقيل: أقسم به ليبين وجه المِنة العظمى فيه؛ فإنه جميل المنظر، طيب المخبَر، نَشِر الرائحة، سهل الجَنْى، على قدر المضغة. وقد أحسن القائل فيه: شعر : انظر إلى التين في الغصون ضُحًى ممزق الجِلد مائل العُنُقِ كأنه ربّ نِعمةٍ سُلِبت فعاد بعد الجديد في الخَلَق أصغر ما في النهود أكبره لَكِنْ يُنَادَى عليه في الطرقِ تفسير : وقال آخر: شعر : التين يعدِل عندي كل فاكهة إذا انثنى مائلاً في غصنه الزاهي مُخَمَّش الوجه قد سالت حلاوته كأنه راكع مِن خشية اللَّهِ تفسير : وأقسم بالزيتون لأنه مَثَّل به إبراهيم في قوله تعالى: { أية : يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } تفسير : [النور: 35]. وهو أكثر أُدُم أهل الشام والمغرب؛ يصطبِغون به، ويستعملونه في طبيخهم، ويستصبحون به، ويداوَى به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفيه منافع كثيرة. وقال عليه السلام: « حديث : كلوا الزيت وادّهِنوا به فإنه من شجرة مباركة » تفسير : . وقد مضى في سورة «المؤمنون» القول فيه. الثالثة: قال ابن العربيّ ولامتنان البارىء سبحانه، وتعظيم المِنة في التين، وأنه مُقْتات مدّخر فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه. وإنما فرّ كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه، تقِية جور الولاة؛ فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية، فيأخذونها مغرماً، حَسْب ما أنذر به الصادق صلى الله عليه وسلم. فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلاً إلى مال آخرَ يتشططون فيه، ولكن ينبغي للمرء أن يَخْرج عن نِعمة ربه، بأداء حقه. وقد قال الشافعي لهذه العِلة وغيرها: لا زكاة في الزيتون. والصحيح وجوب الزكاة فيهما.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها. وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم { وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } خصهما من الثمار بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فصل له وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع فإنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن وفي الحديث حديث : أنه يقطع البواسير وينفع من النقرس.تفسير : والزيتون فاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال، وقيل المراد بهما جبلان من الأرض المقدسة أو مسجدا دمشق وبيت المقدس، أو البلدان. {وَطُورِ سِينِينَ } يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه الصلاة والسلام ربه و {سِينِينَ } و {أية : سَيْنَاء }تفسير : [المؤمنون: 20] اسمان للموضع الذي هو فيه. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ } أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله والمراد به مكة. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ } يريد به الجنس. {فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات. {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } بأن جعلناه من أهل النار أو إلى أسفل سافلين وهو النار. وقيل هو أرذل العمر فيكون قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } استثناء منقطعاً. {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } لا ينقطع أولاً يمن به عليهم، وهو على الأولى حكم مرتب على الاستثناء مقرر له. {فَمَا يُكَذّبُكَ } أي فأي شيء يكذبك يا محمد دلالة أو نطقاً. {بَعْدُ بِٱلدّينِ } بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل وقيل «ما» بمعنى من. وقيل الخطاب للإنسان على الالتفات. والمعنى فما الذي يحملك على هذا الكذب. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } تحقيق لما سبق. والمعنى أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد {بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } صنعاً وتدبيراً ومن كان كذلك كان قادراً على الإِعادة والجزاء على ما مر مراراً. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة والتين أعطاه الله العافية واليقين ما دام حياً، فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة».

ابن كثير

تفسير : اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة، فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق، وقيل: هي نفسها، وقيل: الجبل الذي عندها، وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف، وروى العوفي عن ابن عباس: أنه مسجد نوح الذي على الجودي، وقال مجاهد: هو تينكم هذا {وَٱلزَّيْتُونِ} قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون { وَطُورِ سِينِينَ} قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} يعني: مكة، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار، ولا خلاف في ذلك، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار: (فالأول) محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم عليه السلام. (والثاني) طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. (والثالث) مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً صلى الله عليه وسلم، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء ــــ يعني: الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ــــ وأشرق من ساعير ــــ يعني: جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى ــــ واستعلن من جبال فاران ــــ يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً صلى الله عليه وسلم، فذكرهم مخبراً عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما. وقوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِىۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سوي الأعضاء حسنها، { ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ} أي: إلى النار، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار، إن لم يطع الله، ويتبع الرسل؛ لهذا قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}. وقال بعضهم: { ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ} أي: إلى أرذل العمر، وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر، واختار ذلك ابن جرير، ولو كان هذا هو المراد، لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} تفسير : [العصر:1-3] وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي: غير مقطوع كما تقدم. ثم قال: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} أي: يابن آدم {بَعْدُ بِٱلدِّينِ} أي: بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البداءة، وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور قال: قلت لمجاهد: { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} عنى به النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان، وهكذا قال عكرمة وغيره. وقوله تعالى: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ} أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحداً؟ ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : فإذا قرأ أحدكم: والتين والزيتون، فأتى على آخرها: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ}، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» تفسير : آخر تفسير سورة التين والزيتون، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } أي المأكولين أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين.

الشوكاني

تفسير : قال أكثر المفسرين: هو التين الذي يأكله الناس {وَٱلزَّيْتُونِ } الذي يعصرون منه الزيت، وإنما أقسم بالتين؛ لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك، وجعلها على مقدار اللقمة. قال كثير من أهل الطب: إن التين أنفع الفواكه للبدن، وأكثرها غذاء، وذكروا له فوائد، كما في كتب المفردات والمركبات، وأما الزيتون، فإنه يعصر منه الزيت الذي هو إدام غالب البلدان ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية. وقال الضحاك: التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس؛ وقال قتادة: التين الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال عكرمة، وكعب الأحبار: التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل. وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية. قال الفراء: سمعت رجلاً يقول: التين جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال الشام. قلت: هب أنك سمعت هذا الرجل، فكان ماذا؟ فليس بمثل هذا تثبت اللغة، ولا هو نقل عن الشارع. وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء. وقيل: إنه على حذف مضاف، أي: ومنابت التين والزيتون. قال النحاس: لا دليل على هذا من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه. {وَطُورِ سِينِينَ } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه الطور، ومعنى {سينين}: المبارك الحسن بلغة الحبشة قاله قتادة. وقال مجاهد: هو المبارك بالسريانية. وقال مجاهد، والكلبي: {سينين} كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين، وسيناء بلغة النبط. قال الأخفش: طور جبل، وسينين شجر، واحدته سينة. قال أبو علي الفارسي: سينين، فعليل، فكرّرت اللام التي هي نون فيه، ولم ينصرف سينين، كما لم ينصرف سيناء؛ لأنه جعل اسماً للبقعة. وإنما أقسم بهذا الجبل؛ لأنه بالشام، وهي الأرض المقدسة، كما في قوله: {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } تفسير : [الإسراء: 1] وأعظم بركة حلت به، ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه. قرأ الجمهور: {سينين} بكسر السين. وقرأ ابن إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء بفتحها، وهي لغة بكر وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والحسن، وطلحة: (سيناء) بالكسر والمدّ. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ } يعني: مكة، سماه أميناً؛ لأنه آمن، كما قال: {أية : أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً }تفسير : [العنكبوت: 67]. يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين. قال الفراء وغيره: الأمين بمعنى الآمن، ويجوز أن يكون، فعيلاً بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } هذا جواب القسم، أي: خلقنا جنس الإنسان كائناً في أحسن تقويم وتعديل. قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله خلق كل ذي روح مكباً على وجهه إلاّ الإنسان، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم: التعديل. يقال: قوّمته، فاستقام. قال القرطبي: هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين. قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله خلق آدم على صورته»تفسير : يعني: على صفاته التي تقدم ذكرها. قلت: وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] وقوله: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً }تفسير : [طه: 110] ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق، وعجيب الصنع، فلينظر في كتاب: (العبر والاعتبار) للجاحظ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }تفسير : [الذاريات: 21] وهو في مجلدين ضخمين. {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } أي: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم، والضعف بعد الشباب والقوّة، حتى يصير كالصبيّ، فيخرف وينقص عقله، كذا قال جماعة من المفسرين. قال الواحدي: والسافلون هم: الضعفاء، والزمناء، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعاً. وقال مجاهد، وأبو العالية، والحسن: المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [النساء: 145] فلا مانع من كون الكفار، والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل، وقوله: {أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } إما حال من المفعول، أي: رددناه حال كونه أسفل سافلين، أو صفة لمقدر محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } هذا الاستثناء على القول الأوّل منقطع، أي لكن الذين آمنوا إلخ، ووجهه أن الهرم والردّ إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن، كما يصاب به الكافر، فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى. وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلاً من ضمير {رددناه}، فإنه في معنى الجمع، أي: رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [العصر: 3] {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } أي: غير مقطوع، أي: فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم؛ فهذه الجملة على القول الأوّل مبينة لكيفية حال المؤمنين، وعلى القول الثاني مقرّرة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الردّ، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع، ولو قال: أسفل سافل لجاز؛ لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد. وقيل: معنى رددناه أسفل سافلين: رددناه إلى الضلال، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [العصر: 2، 3] أي: إلاّ هؤلاء، فلا يردّون إلى ذلك. {فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِٱلدّينِ } الخطاب للإنسان الكافر، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وإلزام الحجة، أي: إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردّك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أي: أيّ شيء يكذبك يا محمد بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين. قال الفراء، والأخفش: المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين، كأنه قال: من يقدر على ذلك؟ أي: على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، واختار هذا ابن جرير. والدين الجزاء، ومنه قول الشاعر:شعر : دنَّا تميما كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم من سالف الزمن تفسير : وقال الآخر: شعر : ولما صرّح الشر فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوا ن دنَّاهم كما دانوا تفسير : {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } أي: أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً؟ حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء. وفيه وعيد شديد للكفار. ومعنى: أحكم الحاكمين: أتقن الحاكمين في كل ما يخلق. وقيل: أحكم الحاكمين قضاء وعدلاً. والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجاباً، كما تقدّم تفسير قوله: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1]. وقد أخرج الخطيب، وابن عساكر قال السيوطي بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال: لما أنزلت سورة {التين والزيتون} على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدّة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال: التين بلاد الشام. والزيتون بلاد فلسطين. وطور سيناء الذي كلم الله عليه موسى {وهذا البلد الأمين}: مكة {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } محمداً {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ }: عبدة اللات والعزّى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ {فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِٱلدّينِ * أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } إذ بعثك فيهم نبياً، وجمعك على التقوى يا محمد، ومثل هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم به حجة لما تقدّم من كون في إسناده ذلك المجهول. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } قال: مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، والزيتون قال: بيت المقدس: {وَطُورِ سِينِينَ } قال: مسجد الطور. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ } قال: مكة {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } يقول: يردّ إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. {فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِٱلدّينِ } يقول: بحكم الله. وأخرج ابن مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } قال: الفاكهة التي يأكلها الناس {وَطُورِ سِينِينَ } قال: الطور الجبل. والسينين المبارك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: سينين هو الحسن. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال: في أعدل خلق: {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } يقول: إلى أرذل العمر: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } يعني غير منقوص. يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضرّه ما عمل في كبره، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } قال: لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } يقول: إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن العمل، كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد، والبخاري، وغيرهما عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مرض العبد، أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً»تفسير : وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : من قرأ {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } فقرأ: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً: «حديث : إذا قرأت {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } فقرأت: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } فقل بلى»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } قال: سبحانك اللَّهم فبلى ا.هـ.

الماوردي

تفسير : مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية. قوله تعالى {والتّينِ والزَّيْتُونِ} هما قَسَمان، وفيهما ثمانية تأويلات: أحدها: أنهما التين والزيتون المأكولان، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد. الثاني: أن التين دمشق، والزيتون بيت المقدس، قاله كعب الأحبار وابن زيد. الرابع: أن التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، قاله الحارث وابن زيد. الخامس: الجبل الذي عليه التين، والجبل الذي عليه الزيتون، قاله ابن قتيبة، وهما جبلان بالشام يقال لأحدهما طور زيتا، وللآخر طور تيناً، وهوتأويل الربيع. وحكى ابن الأنباري أنهما جبلان بين حلوان وهمدان، وهو بعيد. السادس: أن التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد ايليا، قاله محمد بن كعب. السابع: أن التين مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، قاله ابن عباس. الثامن: أنه أراد بهما نعم الله تعالى على عباده التي منها التين والزيتون، لأن التين طعام، والزيتون إدام. {وطورِ سِينينَ} وهو قَسَم ثالث وفيه قولان: أحدهما: أنه جبل بالشام، قاله قتادة. الثاني: أنه الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام، قاله كعب الأحبار. وفي قوله " سينين" أربعة أوجه: أحدها: أنه الحسن بلغة الحبشة، ونطقت به العرب، قاله الحسن وعكرمة. الثاني: أنه المبارك، قاله قتادة. الثالث: أنه اسم البحر، حكاه ابن شجرة. الرابع: أنه اسم للشجر الذي حوله، قاله عطية. {وهذا البلدِ الأَمينِ} يعني بالبلد مكة وحرمها، وفي الأمين وجهان: أحدهما: الآمن أهله من سبي أو قتل، لأن العرب كانت تكف عنه في الجاهلية أن تسبي فيه أحداً أو تسفك فيه دماً. الثاني: يعني المأمون على ما أودعه الله تعالى فيه من معالم الدين، وهذا قَسَم رابع. {لقد خَلَقْنا الإنسانَ} وفي المراد بالإنسان ها هنا قولان: أحدهما: أنه أراد عموم الناس، وذكر الإنسان على وجه التكثير لأنه وصفه بما يعم لجميع الناس. الثاني: أنه أراد إنساناً بعينه عناه بهذه الصفة، وإن كان صفة الناس. واختلف فيمن أراده الله تعالى، على خمسة أوجه: أحدها: أنه عنى كلدة بن أسيد، قاله ابن عباس. الثاني: أبا جهل، قاله مقاتل. الخامس: أنه عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي قوله {في أَحْسَنِ تقْويمٍ} أربعة أقاويل: أحدها: في أعدل خلق، قاله ابن عباس. الثاني: في أحسن صورة، قاله أبو العالية. الثالث: في شباب وقوة، قاله عكرمة. الرابع: منتصب القامة، لأن سائر الحيوان مُنْكَبٌّ غير الإنسان، فإنه منتصب، وهو مروي عن ابن عباس. ويحتمل خامساً: أي في أكمل عقل، لأن تقويم الإنسان بعقله، وعلى هذا وقع القَسَم. {ثم ردَدْناهُ أسْفَلَ سافِلينَ} فيه قولان: أحدهما: إلى الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، قاله الضحاك والكلبي، ويكون أسفل بمعنى بعد التمام. الثاني: بعد الكفر، قاله مجاهد وأبو العالية، ويكون أسفل السافلين محمولاً على الدرك الأسفل من النار. ويحتمل ثالثاً: إلى ضعف التمييز بعد قوّته. {فلهم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنونٍ} فيه ستة أوجه: أحدها: غير منقوص، قاله ابن عباس، وقال الشاعر: شعر : يا عين جودي بدمع غير ممنون ............... تفسير : الثاني: غير محسوب، قاله مجاهد. الثالث: غير مكدر بالمنّ والأذى، قاله الحسن. الرابع: غير مقطوع، قاله ابن عيسى. الخامس: أجر بغير عمل، قاله الضحاك. وحكي أن من بلغ الهرم كتب له أجر ما عجز عنه من العمل الصالح. السادس: أن لا يضر كل أحد منهم ما عمله في كبره، قاله ابن مسعود. {فما يُكذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ} فيه وجهان: أحدهما: حكم الله تعالى، قاله ابن عباس. الثاني: الجزاء، ومنه قول الشاعر: شعر : دِنّا تميماً كما كانت أوائلُنا دانَتْ أوائلَهم في سالفِ الزَّمَنِ تفسير : {أليْسَ اللهُ بأحْكَمِ الحاكِمينَ} وهذا تقرير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم، وفيه وجهان: أحدهما: بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً، قاله ابن عيسى. الثاني: أحكم الحاكمين قضاء بالحق وعدلاً بين الخلق وفيه مضمر محذوف، وتقديره: فلِمَ ينكرون مع هذه الحال البعث والجزاء. وكان عليّ رضي الله عنه إذا قرأ {أليس الله بأحكم الحاكمين} قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ونختار ذلك.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في معنى {التين والزيتون} اللذين أقسم الله تعالى بهما، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل: هو {التين} الذي يؤكل {والزيتون} الذي يعصر، وحديث : أكل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه تيناً أهدي إليه، فقال: "لو قلت إن فاكهة أنزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس" تفسير : ، وقال عليه السلام: "حديث : نعم السواك سواك الزيتون ومن الشجرة المباركة هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي" تفسير : ، وقال كعب وعكرمة: القسم بمنابتها، وذلك أن {التين} ينبت بدمشق، {والزيتون} ينبت بإيلياء فأقسم الله تعالى بالأرضين، وقال قتادة: هما جبلان بالشام، على أحدهما دمشق، وعلى الآخر بيت المقدس، وقال ابن زيد: {التين} مسجد دمشق، {والزيتون} مسجد إلياء، وقال ابن عباس وغيره: {التين} مسجد نوح {والزيتون} مسجد إبراهيم، وقيل {التين والزيتون وطور سينين} ،ثلاثة مساجد بالشام، وقال محمد بن كعب القرظي: {التين} مسجد أصحاب الكهف، و {الزيتون} مسجد إيلياء، وأما {طور سينين}، فلم يختلف أنه جبل بالشام كلم الله عليه موسى، ومنه نودي، وفيه مسجد موسى فهو الطور، واختلف في قوله {سينين} ، فقال مجاهد وعكرمة: معناه حسن مبارك، وقيل معناه ذو الشجر، وقرأ الجمهور بكسر السين "سِينين"، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو رجاء بفتح السين وهي لغة بكر وتميم "سَينين"، وقرأ عمربن الخطاب وطلحة والحسن وابن مسعود: "سِيناء" بكسر السين، وقرأ أيضاً عمر بن الخطاب: "سَيناء" بالفتح، و {البلد الأمين} مكة بلا خلاف، وقيل معنى {سينين}: المبارك، وقيل معنى {سينين}: شجر واحدتها سينية، قاله الأخفش سعيد بن مسعدة و "أمين": فعيل من الأمن بمعنى آمن أي آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، والقسم واقع على قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} ينبغي له، ولا يدفع هذا أن يكون غيره من المخلوقات كالشمس وغيرها أحسن تقويماً منه بالمناسبة، وقال بعض العلماء بالعموم أي {الإنسان} أحسن المخلوقات تقويماً، ولم ير قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته أحسن من الشمس، واحتجوا بهذه الآية، واختلف الناس في تقويم الإنسان ما هو؟ فقال النخعي ومجاهد وقتادة: حسن صورته وحواسه، وقال بعضهم: هو انتصاب قامته، وقال أبو بكر بن طاهر في كتاب الثعلبي: هو عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز، وقال عكرمة: هو الشباب والقوة، والصواب أن جميع هذا هو حسن التقويم إلا قول عكرمة، إذ قوله يفضل فيه بعض الحيوان، و {الإنسان} هنا اسم الجنس، وتقدير الكلام في تقويم {أحسن تقويم}، لأن {أحسن} صفة لا بد أن تجري على موصوف، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين}، فقال عكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه بالهرم وذهول العقل وتفلت الفكر حتى يصير لا يعلم شيئاً، أما إن المؤمن مرفوع عنه القلم، والاستثناء على هذا منقطع وهذا قول حسن وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك وهذه عبرة منصوبة، وقرأ ابن مسعود: "السافلين" بالألف واللام، ثم أخبر أن {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وإن نال بعضهم هذا في الدنيا {فلهم} في الآخرة {أجر غير ممنون} ، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية: المعنى {رددناه أسفل سافلين} في النار على كفره ثم استثنى {الذين آمنوا} استثناء منفصلاً، فهم على هذا ليس فيهم من يرد أسفل سافلين في النار على كفره، وفي حديث عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله تعالى حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئاً كتب الله له ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة." تفسير : وفي حديث "حديث : إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب الله له خير ما كان يعمله في قوته، وذلك أجر غير ممنون. " تفسير : و {ممنون} معناه: محسوب مصَرَّد يمن عليهم، قاله مجاهد وغيره، وقال كثير من المفسرين معناه مقطوع من قولهم حبل منين، أي ضعيف منقطع، واختلف في المخاطب بقوله تعالى: {فما يكذبك بعد بالدين} فقال قتادة والفراء والأخفش: هو محمد عليه السلام، قال الله له: فماذا الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين بعد هذه العبر التي ويجب النظر فيها صحة ما قلت، ويحتمل أن يكون " الدين " على هذا التأويل جميع دينه وشرعه، وقال جمهور من المتأولين: المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذاباً بالدين، تجعل له أنداداً، وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل، وقال منصور قلت لمجاهد: قوله تعالى: {فما يكذبك} يريد به النبي صلى الله عليه وسلم قال معاذ الله يعني به الشاك، ثم وقف تعالى جميع خلقه على أنه {أحكم الحاكمين} على جهة التقرير، وروي عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه السورة قال: "حديث : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ".

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} المأكولان أو التين دمشق والزيتون بيت المقدس أو التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس أو التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس أو الجبل الذي عليه التين والجبل الذي عليه الزيتون وهما جبلان: بالشام أحدهما طور تيناً والآخر طور زيتاً أو جبلان بين حلوان وهمدان حكاه ابن الأنباري أو التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء أو التين مسجد نوح عليه الصلاة والسلام الذين بني على الجودي والزيون مسجد بيت المقدس "ع" أو عبر بهما عن جميع النعم لأن التين طعام والزيتون إدام.

النسفي

تفسير : مكية وهي ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار المثمرة، روي أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: «حديث : كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس»تفسير : وقال: «حديث : نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة »تفسير : وقال: «حديث : هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي»تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو تينكم هذا وزيتونكم هذا، وقيل: هما جبلان بالشام منبتاهما {وَطُورِ سِينِينَ } أضيف الطور ـ وهو الجبل ـ إلى سينين ـ وهي البقعة ـ ونحو سينون بيرون في جواز الإعراب بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ } يعني مكة {ٱلأَمِينُ } من أمن الرجل أمانة فهو أمين، وأمانته أنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والأولياء، فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد نبينا ومبعثه صلوات الله عليهم أجمعين. أو الأولان قسم بمهبط الوحي على عيسى، والثالث على موسى، والرابع على محمد عليهم السلام. وجواب القسم {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ } وهو جنس {فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } أي ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً يعني أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار، أو أسفل من أهل الدركات، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشننّ جلده وكلّ سمعه وبصره، وتغير كل شيء منه، فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } ودخل الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين اللغتين، والاستثناء على الأول متصل، وعلى الثاني منقطع أي ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة. والخطاب في {فَمَا يُكَذّبُكَ بَعْدُ بِٱلدّينِ } للإنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع بالجزاء؟ والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوى، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟ أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل؟ فـ «ما» بمعنى «من» {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ } وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله وهو من الحكم والقضاء والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {والتين والزيتون} قال ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت، قيل إنما خص التين بالقسم لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التّنغيص، وفيه غذاء ويشبه فواكه الجنة لكونه بلا عجم. ومن خواصه أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يخرج بطريق الرشح ويلين الطبيعة، ويقلل البلغم وأما الزيتون فإنه من شجرة مباركة فيه إدام ودهن يؤكل ويستصبح به وشجرته في أغلب البلاد ولا يحتاج إلى خدمة وتربية وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية ويمكث في الأرض ألوفاً من السنين، فلما كان فيهما من المنافع، والمصالح الدّالة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم الله بهما، وقيل هما جبلان فالتين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس، واسمهما بالسريانية طور تيناً وطور زيتاً لأنهما ينبتان التين والزيتون، وقيل هما مسجدان فالتين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وإنما حسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة، وقيل التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء، وقيل التين مسجد نوح الذي بناه على الجودى والزيتون مسجد بيت المقدس {وطور سينين} يعني الجبل الذي كلم الله موسى عليه الصّلاة والسّلام وسينين اسم للمكان الذي فيه الجبل سمي سينين وسيناء لحسنه ولكونه مباركاً وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سينين وسيناء {وهذا البلد الأمين} يعني الآمن، وهو مكة حرسها الله تعالى لأنه الحرم الذي يأمن فيه الناس في الجاهلية والإسلام لا ينفر صيده ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد وهذه أقسام أقسم الله بها لما فيها من المنافع والبركة وجواب القسم قوله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} يعني في أعدل قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه تعالى خلق كل حيوان منكباً على وجهه يأكل بفيه إلا الإنسان فإنه خلقه مديد القامة حسن الصورة يتناول مأكوله بيده مزيناً بالعلم، والفهم، والعقل، والتّمييز، والمنطق. {ثم رددناه أسفل سافلين} يعني إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله والسّافلون هم الضّعفاء، والزمنى والأطفال والشّيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعاً لأنه لا يستطيع حيلة، ولا يهتدي سبيلاً لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله، وقيل ثم رددناه إلى النّار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض ثم استثنى. فقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات...}.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {والزيتون} ه لا {سينين} ه لا {الأمين} ه لا {تقويم} ه ز للعطف {سافلين} ه ط بناء على أن المراد بالرد هو الخذلان إلى الكفر، ولو حمل إلى الرد إلى أرذل العمر لأن الاستثناء منقطع جاز الوقف عند قوم {ممنون} ه ط {بالدين} ه ط {الحاكمين} ه. التفسير: إن التين والزيتون كيف أقسم الله بهما من بين سائر المخلوقات الشريفة؟ للمفسرين فيه قولان: فعن ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذان من خواص التين أنه غذاء فاكهة ودواء لأنه طعام لطيف سريع الهضم ما بين الطبع، ويخرج بطريق الرشح ويقلل البغلم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح مسام الكبد والطحال. وروي أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه" حديث : كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس"تفسير : . وعن علي بن موسى الرضا رضي الله عنه: التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج. ومن خواصه أن ظاهره كباطنه ماله قشر ولا نواة له وأنها شجرة تظهر المعنى قبل الدعوى تأتي بالثمرة ثم بالنورخلاف المشمش واللوز. ونحوهما، وسائر الأشجار كأرباب المعاملات في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول "تفسير : لأنها تلبس نفسها أولاً بورد أو ورق ثم تظهر ثمرتها، وشجرة التين كالمصطفى صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بغيره ثم يبدأ بنفسه كما قال {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : [الحشر: 9] وإنها تعود ثمرتها في العام مرة أخرى، وإنها في المنام رجل خير وغنى فمن رآها نال خيراً وسعة، ومن أكلها رزقه الله أولاداً. ويروى أن آدم عليه السلام تستر بورقها حين نزع عنه ثيابه فلما نزل وكان مستوراً بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعهما بعض ورق التين فرزقها الله الجمال والملاحة صورة، والمسك وطيبة معنى، وحين تفرقت الظباء ورأى غيرهن منها ما أعجبها جاءت من الغد على أثرهن فأطعمها من الورق فغير الله حالها إلى الجمال والملاحة دون طيب المسك، وذلك أن الطائفة الأولى جاءت إلى آدم لا لأجل الطمع، والطائفة الثانية جاءت للطمع سراً وإلى آدم ظاهراً، فلا جرم غير ظاهرها دون باطنها. وأما الزيتون فإنه من الشجرة المباركة وهو فاكهة من وجه ودواء من وجه كما تقدم وصفه في سورة النوّر. قال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي كل اللاءين تشفى فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولاغربية. وقيل: من أخذ ورق الزيتون في النوم استمسك بالعروة والوثقى. فهذه المصالح والمنافع هي التي جوزت الإقسام بهما. القول الثاني: إنه ليس المراد بهما هذه الثمرة ثم اختلفوا. فعن ابن عباس في رواية: هما جبلان في الأرض المقدسة يقال لهما طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. وهما منشأ عيسى ومبعثه ومبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل، كما أن طور سينين مبعث موسى، والبلد الأمين مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس. وقيل: التين مسجد الكهف، والزيتون مسجد إيليا. وعن ابن عباس أيضاً: التين مسجد نوح على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس، وعن كعب: أن التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. عن شهر بن حوشب: التين الكوفة والزيتون الشأم. وعن الربيع: هما جبلان من بين همذان وحلوان، وأما طور سينين فالطور جبل موسى عليه السلام وسينين الحسن بلغة الحبشة. وقال مجاهد: المبارك وقال الكلبي ومقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط. قال الواحدي: الأولى أن يكون سينين اسماً للمكان الذي فيه الطور سمي بذلك لحسنه أو لبركته، ثم أضيف إليه الطور للبيان. لإضافته إليه وسميت مكة أميناً لأنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين وما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون " فعيلاً " بمعنى " مفعولاً " لأنه مأمون الغوائل كما جعله آمناً لكونه إذا أمن أقول: من المعلوم أن الإقسام ينبغي في باب البلاغة أن يكون مناسباً وكذا القسم والمقسم عليه، وكان الله سبحانه أقسم بالمراتب الأربع التي للنفس الإنسانية من العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد إن الإنسان خلق في أحسن تقويم وهو كونه مستعداً للوصول إلى المرتبة الرابعة في العلم والعمل، ثم إذا لم يجتهد في الوصول إلى كماله اللائق به فكأنه رد إلى أسفل سافلين الطبيعة، وإنما عبر عن العقل الهيولاني بالتين لضعف شجرته، ولأنه زمان الصبا واللهو والالتذاذ والاشتغال بالأمور التي لا طائل تحتها ولا درك فيها بخلاف زمان العقل بالملكة لقوة المعقولات فيها لكونه بحيث يطلب للأشياء حقائق ومعاني، وهي بمنزلة الزيت، وفي زمان العقل بالفعل يكون قد ازدادت المعاني رسوخاً حتى صارت كالجبل المبارك، وفي آخر المراتب اجتمعت عنده صور الحقائق دفعة بمنزلة المدينة الفاضلة، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة مفردة فلنقتصر في التفسير على هذا القدر من التأويل. ثم إن أكثر المفسرين قالوا: معنى {في أحسن تقويم} في أحسن تعديل شكلاً وانتصاباً. وقال الأصم: في أكمل عقل وفهم وبيان. والأولون قالوا: لو حلف إنسان أن زوجته أحسن من القمر لم يحنث لأنه تعالى أعلم بخلقه {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} وكان بعض الصالحين يقول: إلهنا أعطيتنا في الأول أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الخصال وهو العفو عن الذنوب والتجاوز عن العيوب. ومعنى {أسفل سافلين} قال ابن عباس: أرذل العمر ومثله قول ابن قتيبة: السافلون هم الضعفاء والزمنى ومن لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلاً. قال الفراء: لو قيل " أسفل سافل " حملاً على لفظ الإنسان كان صواباً أيضاً. وقال مجاهد والحسن: هو النار ومثله ما قال علي رضي الله عنه: أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض ويبدأ بالأسفل فيملأ. وعلى هذا القول تقدير الكلام رددناه إلى أسفل سافلين أي في أسفل سافلين {إلا الذين} الآية. أي الذين استكملوا بحسب القوتين النظرية والعلمية فلهم ثواب دائم غير منقطع. إما بسبب صبرهم على ما ابتوا به من الشيخوخة والهرم والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان مع ضعف البنية وفتور الآلات. او بواسطة حصول الكمالات لهم. فهذا الاستثناء على القول الأول منقطع بمعنى لكن. وعلى الثاني متصل. ولا يبعد أن يكون أيضاً متصلاً والمعنى. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال الاستطاعة فلهم ثواب جزيل في حالة الشيخوخة والضعف وإن لم يقدروا على مثل تلك الأعمال. فكأنهم لم يردوا إلى أسفل من سفل. ثم خاطب الإنسان بقوله {فما يكذبك بعد بالدين} يعني فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات إلى أن تكون كاذباً بسبب تكذيب الجزاء، لأن كل مكذب بالحق فهو كذاب، ولا ريب أن خلق الإنسان من نطفة إلى أن يصير كاملاً في الخلق والخلق، ثم تنكيسه إلى حال تخاذل القوى وتقويس الظهر وابيضاض الشعر وتناثره أوضح دليل على قدرة الصانع وحده، ومن قدر على هذا كله لم يعجز عن إعادة مخلوقه بعد تفرق أجزائه. هذا بالنظر إلى القدرة، وأما بالنظر إلى الحكمة والعدالة فإيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء والفرق بين الصنفين واجب. وأشار إلى هذا الدليل بقوله {أليس الله بأحكم الحاكمين} فأمر المعاد بالنظر إلى القدرة ممكن الوقوع وبالنظر إلى الحكمة والعدل واجب الوقوع. وقال الفراء: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فمن يكذبك بالجزاء أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل؟ قالت المعتزلة: قوله {في أحسن تقويم} دليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يفعل أفعال العباد في ما فيها من السفه والظلم، ولو خلق ذلك لكان هو أولى بأن يدعى سفيهاً وظالماً. وأجيب بأن خلق السفه لا يلزم منه الاتصاف بالسفه كما أن إيجاد الحركة لا يلزم منه الاتصاف بالحركة. ويمكن أن يقال: نحن لا ندعي لزوم الاتصاف به ولكن ندعي أن خلق السفه نفسه نوع سفه. والجواب الصحيح بعد المعارضة بالعلم والداعي أن يعارض بقوله {ثم رددناه} فإنه دليل على أنه أضاف الشيء إلى ذاته. حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأ السورة قال: بلى وأنا بذلك من الشاهدين

الثعالبي

تفسير : قال ابن عباس وغيره: «والتينُ والزيتون» المقْسَمُ بهما هُما المعروفانِ، وقال السهيلي: أقْسَمَ تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما جبلانِ عند بيتِ المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناءَ هي الحجارةُ، والطورُ عند أكثر الناسِ هو الجبلُ، وقال الماورديُّ: ليس كلُّ جبلٍ يقال له: طورٌ إلا أنْ تكونَ فيه الأشجارُ والثمار، وإلا فهو جَبَلٌ فقط، انتهى، {وَطُورِ سِينِينَ} جبلٌ بالشَّامِ، و{ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} مكةَ، والقَسَمُ واقع على قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [أي: في أحسن تقويم] ينبغي لَه، وقال بعضُ العلماءِ بالعموم، أي: الإنسانُ أحسنُ المخلوقَاتِ تقويماً، ولَمْ يَرَ قومٌ الحِنْثَ على مَنْ حَلَفَ بالطلاقِ أنَّ زوجتَه أحسنُ من الشمس؛ محتجين بهذهِ الآيةِ، وحسْنُ التقويمِ يشملُ جميعَ محاسنِ الإنسانِ الظاهرةِ والباطنةِ؛ من حسن صورتهِ، وانتصابِ قامَتهِ، وكمالِ عقلهِ، وحسن تمييزِه، والإنسانُ هنا اسمُ جنسٍ، وتقديرُ الكلام: في تقويمِ أحسنَ تقويمٍ؛ لأَن {أَحْسَنُ} صفةٌ لا بُدَّ أنْ تَجْرِي على موصوفٍ. {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ} قال قتادةُ وغيره: معناه بالهَرَم وذهولِ العقلِ وهذهِ عِبْرة منصوبةٌ، وعبارةُ الثعلبيِّ: {فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} قيل: اعتدالهُ واستواءُ شبابهِ، وهو أَحْسَنُ ما يكونُ، {ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ} بالهَرَمِ؛ كما قال: {أية : إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } تفسير : [الحج:5]، والسافلونَ: الهَرْمَى والزَّمْنَى والذين حَبَسَهُم عذرُهم عن الجهادِ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزَلَ اللَّه عُذرَهم وأخبرَهم أن لهم أجْرَهم الذي عَمِلُوا قبلَ أن تَذْهَبَ عقولهُم، انتهى، وفي البخاريّ عنه صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا مَرِضَ العبدُ أو سَافرَ كتبَ اللَّه له مثلَ ما كانَ يعملُ مقيماً صحيحاً» تفسير : وهكذا قال في الذين حَبَسَهُم العذرُ، انتهى، قال * ص *: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ} قيلَ: منقطعٌ بناءً على أنَّ مَعْنَى {أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ}: بالهرَم وذهولِ العقْلِ، وقيل متصلٌ بِنَاءً عَلى أَنَّ معْناه في النارِ على كفرِه، انتهى، قال * ع *: وفي حديثٍ عَنْ أنسٍ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا بَلَغَ المؤْمِنُ خمسينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّه حِسَابَه، فإذَا بَلَغَ سِتِّينَ؛ رَزَقَه الإنَابَة إلَيه، فإذَا بلغَ سبعين أحَبّه أهلُ السَّماءِ، فَإذَا بلغ ثمانين كُتِبَتْ حَسَنَاتُه وتَجاوزَ اللَّهُ عن سيئاتِه، فإذا بلغ تسعينَ غُفِرَتْ ذنُوبُه وشَفَعَ في أهْل بَيْتِه وكَانَ أسيرَ اللَّهِ في أرْضِه، فإذا بلغَ مائةً وَلَمْ يَعْمَل شيئاً كُتِبَ له مثلُ مَا كان يَعْملُ في صحَّتِه ولم تُكْتَبْ عليه سيئة»تفسير : ، وفي حديث: «حديث : إن المؤمنَ إذا رُدَّ إلى أرذل العمر كُتِبَ له خيرُ ما كانَ يعملُ في قوّتهِ»تفسير : . وذلكَ أجرٌ غير ممنون، ثم قال سبحانه إلزامًا للحُجَّةِ وتوبيخاً للكافرِ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} أيها الإنسانُ، أي: فما يَجْعَلُكَ أنْ تُكَذِّبَ بعدَ هذه الحجةِ بالدينِ، وقال قتادة: المعنَى: فمن يكذِّبُكَ يا محمد، فيما تُخْبِرُ به من الجزاءِ والحسابِ، وهو الدينُ، بَعْدَ هذه العبر، ويحتملُ أنْ يريدَ بـ{ٱلدِّينِ} جميعَ دينه وشَرْعِه،، ورُوِيَ عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا قَرَأَ {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ} قَال: بَلَى؛ وأنَا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، قالَ ابن العربي في «أحكامه»: رَوَى الترمذيُّ وغيرُهُ عن أبي هريرةَ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: «حديث : إذا قَرأَ أحدُكم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ} فَلْيَقُلْ: بَلَىٰ؛ وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِين» تفسير : ومِنْ رواية عبد اللَّه: «حديث : إذَا قرأَ أَحَدُكُمْ أَوْ سَمِعَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ} [القيامة:40] فَلْيقُلْ: بَلَىٰ»تفسير : انتهى، * ت *: وهذان الحديثانِ، وإنْ كَانَ قَدْ ضعَّفُهما ابنُ العربيِّ فهما مما ينبغي ذكرُهما في فضائلِ الأعمالِ، واللَّه الموفق بفضله وكرمه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ}. قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: {أية : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} تفسير : [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ. وروى أبو ذر - رضي الله عنه - قال: حديث : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سلٌّ من تينٍ، فقال: "كُلُوا" وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: "كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ" ". تفسير : وعن علي بن موسى الرضى: "التين" يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة. وعن معاذ - رضي الله عنه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي ". تفسير : وعن ابن عباس: "التين" مسجد نوح - عليه الصلاة والسلام - الذي بني على الجودي والزيتون: "بيت المقدس". وقال الضحاك: التين: "المسجد الحرام"، والزيتون: "المسجد الأقصى". وقال عكرمة وابن زيد: التين: "مسجد دمشق"، والزيتون: "مسجد بيت المقدس" [وقال قتادة: "التين: الجبل الذي عليه "دمشق"، والزيتون الذي عليه "بيت المقدس". وقال محمد بن كعب - رضي الله عنه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون "إيليا". وقال عكرمة وابن زيد: التين: "دمشق"، والزيتون: "بيت المقدس"] وهذا اختيار الطبري. وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون. قال القرطبيُّ: "والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل". قوله: {وَطُورِ سِينِينَ}. الطُّور جبل، و "سنين" اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به. قال الزمخشريُّ: "ونحو "سينون يبرون" في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب". وقال أبو البقاء: هو لغة في "سيناء". انتهى. وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم. وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد. وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - العشاء بـ "مكة"، فقرأ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ} قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية بـ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}، و {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}. جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في "المؤمنين"، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية]. وقال الأخفش: "سِيْنين" شجر، الواحدة "السينينة"، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن. وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة]. وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام. وقال مقاتل والكلبي: "سِيْنين" كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط. وقال أبو علي: "سينين": "فعليل"، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في "زحليل" للمكان الزلق، و "كرديدة": للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل. ولم ينصرف "سينين" كما لم ينصرف "سيناء" لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر. وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. ولا يجوز أن يكون "سينين" نعتاً للطور، لإضافته إليه. قوله: {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ}. يعني "مكة"، والأمين على هذا "فعيل" للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] {أية : أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} تفسير : [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن. قال القرطبيُّ: "أقسم الله تعالى بجبل "دمشق"، لأنه مأوى عيسى -عليه الصلاة والسلام - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، و بـ "مكة" لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صلى الله عليه وسلم". قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ}، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر. قيل: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث. وقيل: المراد بالإنسان]: آدم - عليه الصلاة والسلام - وذريته. وقوله: {فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم. وقال أبو البقاء: "فِي أحسن تَقْويمٍ" في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون "فِي" زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى. فصل في معنى الآية قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية "عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن" ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني. روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت, إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟. فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك. فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه. قوله: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}. يجوز في "أسْفلَ سافِلينَ" وجهان: أحدهما: أنه حال من المفعول. والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين. وقرأ عبد الله: "السَّافلين" معرفاً. فصل قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون]. وعن مجاهد وأبي العالية: "أسفل سافلين" إلى النار، يعني الكافر. قال علي رضي الله عنه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فيه وجهان: أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح. والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع. قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [الزمر: 33]، وقوله تعالى: {أية : إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 48]. قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}. قال الضحاكُ: أجر بغير عمل. وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم. قوله تعالى: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ}. "مَا" استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء]، والباء مثلها في قوله: {أية : عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 100]. وقيل: المخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش. قوله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} تفسير : [ص: 27]. وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر] شعر : 5252- ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا ................................. تفسير : [قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما]. وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - إذا قرءا: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين. قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء. وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما كان التين أحسن الفواكه تقويماً فيما ذكروا من فضيلته، وهو مع كونه فاكهة شهية حلوة جداً - غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر وسريع الهضم، ودواء كثير النفع يولد دماً صالحاً وينفع الرئة والكلى ويلين الطبع ويحلل البلغم ويزل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، فكان جامعاً لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي، فهو كامل في مجموع ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه، وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة تعوق عن أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى، مع أنه ينتفع به رطباً ويابساً، وهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسناً وقبولاً لكل من الإصلاح والتغير، كآخر الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا كالقسم للسافل من الإنسان أقسم الله تعالى به فقال: {والتين} بادئاً به لأن القسم المشار به إليه أكثر، فالاهتمام به أكبر. ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وفيه الدسومة والحرافة والمرارة، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع بكل حال في أكله بعد تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث وتنعيم البشرة وتقوية العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما يتبع ذلك من فضائله الجمة كالمؤمن تلاه به فقال: {والزيتون *} ولما كان مع ذلك مشاراً بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعباده وتردد الملائكة إليه بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم بالتوحيد، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام أحد أولي العزم المشرف بكونه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكانت الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من التصريح بالمراد من أول وهلة، ساقه على هذا المنهج العزيز، ولم يبق ممن لم يسكنها من أشرافهم إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فأشار إلى الأولين بقوله معبراً بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ذو النبت من النجم والشجر المثمر وغيره: {وطور} أي جبل المكان المسمى بهذا الاسم. ولما كان الكلام في التقويم، كان المناسب له صورة جمع السلامة فقال تعالى: {سينين *} أي وما كان بالجبل ذي النبت الحسن الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام من لذيذ المناجاة وعجائب المواعدة وحكم الكلام مع أن فيه من الأشجار والأماكن ما يكنّ من الحر والبرد، وفيه لخلوه وحسنه وعلوه جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي للعبادة والتحصن مما يخشى لعلوه وصعوبته، وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة، وفيه ما يأكله الناس والدواب مع الماء العذب والفناء الرحب والمنظر الأنيق، وسنين وسيناء - اسم للموضع الذي هذا الجبل به، وأشار سبحانه وتعالى إلى الأخيرين من أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ختاماً للقسم بأكمل المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي هو ختام الرسل أكمل النوع المقسم لأجله ليكون في البدء بما يرد بعد حسن التقويم الى الفساد والختم بما هو أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى الأسرار: {وهذا البلد} أي مكة، صرح هنا بهذين المكانين ترشيحاً لأن المراد بالأولين مواضع نبتهما مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى مناسبتهما للمقسم من أجله {الأمين *} أي الذي يأمن فيه من حل به من البشر والطير والوحش، فكان بذلك كالرجل الأمين الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعز عليه فيؤديه إليه ويوقره عليه، وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين بعد تقرره مع أن به البيت الذي جعله الله هدى للعالمين وقياماً للناس فهو مدار الدين والدنيا، وكان به من الأسرار بالوحي وآثاره ما لم يكن في بلد من البلاد، وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل النبي المبعوث منه في آخر الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان إذ كان آمنا من غير ملك مرهوب - والناس يتخطفون من حوله، وهو محل الأنس بالناس كما أن الذي قبله محل الأنس بالانفراد، وهو مجمع المرافق ومعدن المنافع ومحل ذوي الوجاهة ديناً ودنيا، ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه المكانان من تنزل الكتب السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما، وفي ذلك تخويف لهم بأنهم إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلداً من بلاد العرب فيكونون بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد، كما ردوا في الأخلاق بالشقاق واللداد. ولما كان هذا القسم مع كونه جامعاً لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعاً لأكثر الذين آمنوا، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكونه أباهم مذكراً مرتين بالأرض المقدسة من القدس ومكة، فتوقع أكمل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر المقسم عليه علماً منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته، أجيب بقوله تعالى محققاً: {لقد خلقنا} أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة الباهرة والعزة الغالبة القاهرة {الإنسان} أي هذا النوع الذي جمع فيه الشهوة والعقل وفيه الأنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه، ولهذا قالت الملائكة عليهم الصلاة والسلام {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}تفسير : [البقرة: 30] لأنهم علموا أنه إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة والسفك من الغضب {في أحسن تقويم *} أي كائن منا روحاً وعقلاً أو أعم من ذلك بما جعلنا له من حسن الخلق والخلق بما خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة واجتماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصرة والذوق واللمس والشم الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر كما مضى بسط ذلك في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه عليه من الفطرة الأولى التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم الذي هيأناه به وقويناه بقدرتنا لقبول الحق، وبمثل ما قلته في حمل الآية على الفطرة الأولى قال الأصفهاني في تفسير{أية : كان الناس أمة واحدة}تفسير : [البقرة: 213] في البقرة، وقال ابن برجان هنا: مفطور على فطرة الإسلام الدين القيم، ثم لما منحناه به من العقل المدرك القويم، فكما جعلنا له شكلاً يميزه عن سائر الحيوان منحناه عقلاً يهديه إلى العروج عن درك النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال الصالحة البالغة نهاية الإحسان، بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم محمد على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان الذين ملؤوا الأرض علماً وحكمةً ونوراً، قال البغوي: خلقه سبحانه وتعالى مديد القامة يتناول مأكوله بيده مزيناً بالعقل والتمييز - انتهى، والعقل هو المقصود في الحقيقة من الإنسان لأن من أسمائه اللب، ومن المعلوم أن المقصود من كل شيء لبه وهو الشرع كما مضى في آخر النساء، والظاهر أن عقول الناس بحسب الخلق متقاربة وأنها إنما تفاوتت بحسب الجبلة فبعضهم جعل سبحانه وتعالى عنصره وجبلته في غاية الفساد فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى أن يصير إلى أسوأ الأحوال، فكل ميسر لما خلق له، وبعضهم يصرف عقله بحسب ما هيأه الله له إلى ما ينجيه، وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يرديه، لأنك تجد أعقل الناس في شيء وأعرفهم به أشدهم بلادة في شيء آخر، وأغباهم في شيء أذكاهم في شيء آخر - فاعتبر ذلك، وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم بالعلوم والصنائع والأحوال - والله الهادي، وهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن التركيب والصورة لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو الأحسن لأن كل صفة يشترك فيها الخلق والحق فالمبالغة للحق كالعالم والأعلم والكريم والأكرم - قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري في تفسيره، وصيغة "أفعل" لا تدل على ما قاله الزنادقة، وإن عزي ذلك إلى بعض الأكابر من قولهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن الدرجة الواحدة تتفاوت إلى ما لا يدخل تحت حصر كتفاوت أفراد الإنسان في صوره وألوانه، وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه، وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته: تهديم الأركان من "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وأوضحته غاية الإيضاح والبيان، وجرت فيه فتن تصم الآذان، ونصر الله الحق بموافقة الأعيان، وقهر أهل الطغيان، ثم أردفته بكتاب "دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام، ودمغت الأخصام، وخسأت الأوهام، بالقول الفارق بين الصادق والمنافق، وهو نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع، ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة بالنسبة إلى شيء أراده الله بحيث إن نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند أهل السنة وصرح به الأشعري وغيره في غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا تتناهى مقدوراته، وممن صرح بما صرح به الأشعري وأكثر في الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء وغيره ولا سيما كتابه "تهافت الفلاسفة" وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة وقولهم بأن فعله بالذات، وبين فساد ذلك، وأنه سبحانه وتعالى قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوتة بالصغر والكبر، وعلى كل ممكن، وعرف أن الممكن هو المقدور عليه، وأنه يرجع إلى المقدور عليه أيضاً ممكن، وعرف الممتنع بانه إثبات الشيء مع نفيه، وإثبات الأخص مع نفي الأعم، وإثبات الاثنين مع نفي الواحد، وقال: وما لا يرجع إلى ذلك فهو ممكن، فدخل فيه عالم أبدع من هذا العالم - والله الموفق لما يريد. ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله سبحانه وتعالى عليه شهوات وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات، وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات، وكان أكثر الخلق بها هالكاً لتتبين قدرة الله سبحانه وتعالى، لم يستثن بل حكم على الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم، فقال تعالى دالاً بأداة التراخي على أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في غاية البعد لولا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة: {ثم رددناه} أي بما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل، فعطل منافع ما خلقناه له فضيع نفسه وفوّت أساب سعادته ونكسناه نحن في خلقه، فصار بالأمرين في خلقه وخلقه نفساً وهوى أو أعم من ذلك بالنكس {أسفل سافلين *} أي إلى ما تحت رتبة الجمادات المستقذرات، فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع لغاية الشتات، أما رده في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في النفوس، وجعلناها داعية إلى كل بؤس، فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته الموارد، وأوقعته في المهاوي والمعاطب، حتى أنه ليركب كثيراً من أموره وهو قاطع بأنه باطل شنيع، لا يقدم على مثله عاقل، فصار يعبد من دون الله ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان مما لا ضر فيه ولا نفع، وصار يركب الظلم والعدوان والإفك والبهتان، وما لا يحصى بالعد من أنواع الفواحش والعصيان، ويظلم أبناء جنسه وغيرهم، ويجتهد في الفجور، ويتصرف بما لا يشك هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن يلزمه أمره ويعنيه شأنه، فصار بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات المستقذرات لأنها وإن كانت لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس نوره بظلامها، فلا تنسب إلى أنها فوّتت شيئاً لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب للشرف، وأما هو فاستعمل ما خلقناه له من الآلات، وما فضلناه به من الكمالات، في غير ما خلقناه له فاستحق العذاب المهين، ثم يموت من غير مجازاة على شيء من ذلك أو على كثير منه، فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه، وله بعد البعث عند ربه على ذلك عذاب مقيم، وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك القوى ضعيفاً، وبعد ذلك العز ذليلاً مهيناً، وبعد ذلك العلم الغزير والفكر المنير لا يعلم شيئاً، وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره، وقال ابن برجان: أما رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب، وأما فيما سبيله الجزاء فبالمسخ في دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في الدنيا من الدواب والهوام والبهائم، وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه، وقال الإمام أبو العباس الأقليشي في شرح "المقدم المؤخر" من شرحه للاسماء الحسنى: إن الله تعالى خلقه. أي الإنسان - أولاً في أحسن تقويم، ثم ركبه في هذا الجسم الذي يجذبه إلى أسفل سافلين، فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى عليين، وكان من المقربين المقدمين، وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم، وكان من المبعدين المؤخرين. ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة إلى كثرة المتصف به منهم، وكان الصالح قليلاً جداً، جعله محط الاستثناء فقال: {إلا الذين آمنوا} أي بالله ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف، فغلبنا بلطفنا عقولهم بما دعت إليه وأعانت عليه الفطرة الأولى على شهواتهم، وحميناهم من أرذل العمر، فكانوا كلما زدناهم سناً زدنا أنوار عقولهم ونقصنا نار شهواتهم بما أضعفنا من إحكام طبائعهم وتعلقهم بهذا العالم، وأحكمنا من مدارك أنوار الحق وإشراقاته منهم، وأعظمنا من قوى أرواحهم. ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذباً قال: {وعملوا} أي تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} أي من محاسن الأعمال من الأقوال والأفعال ثابتة الأركان على أساس الإيمان، محكمة بما آتيناهم من العلم غاية الإحكام، متقنة غاية الإتقان، فإنا حفظناهم - وقليل ما هم - بما كملناهم به وشرفناهم على جميع الحيوانات وسائر من سواهم فلم نمكن منهم الشهوات ولا غيرها، وأقمناهم على ما اقتضاه منهاج العقل، فتبعوا الرسل بسبب إبقائنا لهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم، لم يدنس محياها بشهوة ولا حظ ولا هوى، فسهل انقيادهم، فأداهم ذلك إلى العدل والنصفة والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولم يزيغوا عن منهاج الرسل في قول ولا عمل، فالآية كما ترى من الاحتباك: حذف أولاً بما أفهمته الآية عمل السيئات، وثانياً الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على الفطرة الأولى، ليكون نظمها في الأصل {ثم رددناه أسفل سافلين} بعمل السيئات فله على ذلك عذاب مهين {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنا أبقيناهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم. ولما كان السياق لمدح المؤمنين، حسن أن يعد أعمالهم التي تفضل عليهم بها سبباً كما منّ عليهم به من الثواب فقال: {فلهم} أي فتسبب عن ذلك أن كان لهم في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه سبحانه وتعالى {أجر} أي عظيم جداً وهو مع ذلك {غير ممنون *} أي مقطوع أو يمن عليهم به حتى في حالة المرض والهرم لكونهم سعوا في مرضاة الله سبحانه وتعالى وعزموا عزماً صادقاً أنهم لا ينقصون من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى الدهر، وذلك الأجر جزاء لأعمالهم فضلاً منه بالأصل والفرع حتى أنهم إذا عجزوا بالهرم كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في حال الصحة، ولمن تابع هواه في السفول عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين. ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ظلم بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه قويم العقل الذي لا شك فيه، فكان ذلك بحيث لا يرضاه أحد منهم ولا يقر مخلوق عبيداً في ملكه على مثله بأن يبغي بعضهم على بعض فيهملهم بل لا بد أن يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من الظالم، ولو كان ذلك المالك أقل الناس وأجهلهم فكيف إن كان عاقلاً فكيف إن كان حاكماً فكيف إن كان لا يخاف أحداً فكيف إن كان عدلاً مقسطاً قد ثبتت إحاطة علمه وقدرته سبحانه وتعالى، حسن كل الحسن أن يكون ذلك سبباً للإنكار على من يظن أن الله يهمل عباده من الحكم بينهم لمجازاة كل من المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ظلم بعضهم لبعض، وأن الظالم قد يموت قبل القصاص، فقال مسبباً عن الوعد بما أفصح به الكتاب من إثابة المؤمنين الذي طالما بغى عليهم الظلمة، وانتقصهم حقوقهم الفسقة، والوعيد بما أفهمه الخطاب لعتاب المجرمين الذين طالما بغوا على غيرهم: {فما} أي فتسبب عن إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي العبيد بعضهم على بعض أنه يقال لك تصديقاً لك فيما أخبرت به من أن الله سبحانه وتعالى يبعث الخلائق بعد موتهم ليجازي كلاًّ بما عمل وإنكاراً على من كذبك: ما {يكذبك} أي أيّ شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم نفساً وأتقاهم عرضاً وأطهرهم خلقاً وخلقاً، وعبر بـ"ما" إشارة إلى أن الكذب بهذا مع هذا الدليل القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل دونه {بعد} أي بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالاً لحال النكس، وأعراه من الجار إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته كان ممن له أجر غير ممنون {بالدين *} أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على سبيل العدل والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول، فوقع بها من الظلم والأذى ما لا يسع عاقلاً من العباد أن يحسن عنده ترك فاعلها من غير جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلماً، ومن شأن الملوك الإنصاف بين عبيدهم ورعاياهم، فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي شرع لعباده ذلك، وقد ثبت بما له من هذا الخلق العظيم، على هذا النظام المحكم والمنهاج الأقوم أنه الحكيم، الذي لا حكيم غيره، العليم الذي لا عليم سواه. ولما صح أن تارك الظالم بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج العدل الذي شرعه الله تعالى، حسن جداً تكرير الإنكار بقوله سبحانه وتعالى: {أليس الله} أي على ما له من صفات الكمال، وأكده بالجار في قوله: {بأحكم الحاكمين *} أي حتى يدع الخلق يهلك بعضهم بعضاً من غير جزاء، فيكون خلقهم عبثاً، بل هو أحكم الحاكمين علماً وقدرة وعدلاً وحكمة بما شوهد من إبداعه الخلق ومفاوتته بينهم، وجعل الإنسان من بينهم على أحسن تقويم، فلا بد أن يقيم الجزاء ويضع الموازين القسط ليوم القيامة فيظهر عدله وحكمته وفضله، وهذا الآخر هو أولها قسماً من جهة النبوات التي ظهر بها حكمه وحكمته، ومقسماً عليه من حيث إن الخلق في أحسن تقويم يقتضي العدل لا محالة، والرد أسفل سافلين يتقاضى الحكم حتماً لأجل ما يقع من الظلم والتشاجر بين من استمر على الفطرة القويمة ومن رد لأسفل سافلين، وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها على جميع مقاصد التوراة إجمالاً، وزادت الدلالة على الآخرة، وذلك أن قسمها هو قوله في التوراة "أتانا ربنا من سيناء وشرق بنا من جبل ساعر، وظهر لنا من جبال فاران" والخلق في أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام المذكور في أولها وخلق زوجه وما يحتاجان إليه من السماء والأرض، وخلق الأصفياء من أولادهما وما جاؤوا به من الخير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات هو ما فيها من الشرائع والأحكام، وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالمقسم عنه "معه ربوات الأطهار عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى الشعوب، وبارك على جميع أطهاره" والرد أسفل سافلين هو ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن بعده إلى آخرها، على ما أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم، فقد اكتنفت بأول التوراة وآخرها وأوسطها، وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات، وهي أهم المهم لأنها المنجية من شر قطاع الطريق، وآخرها أدل ما فيها على النبوات لا سيما الثلاث العظام - المشار إليه بقسم هذه السورة - والله سبحانه وتعالى أعلم بالغيب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ أنزلت سورة ‏ {‏والتين‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فصلى العشاء، فقرأ في إحدى الركعتين بـ ‏ {‏والتين والزيتون‏} ‏، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد في مسنده والطبراني عن عبدالله بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بـ ‏ {‏والتين والزيتون‏}‏ ‏.‏ وأخرج الخطيب عن البراء بن عازب قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فقرأ ‏ {‏والتين والزيتون‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن قانع وابن السكن والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة، فعرض علينا الإِسلام، فأسلمنا، فلما صلينا الغداة قرأ بـ ‏ {‏والتين والزيتون‏}‏ ‏و {إنا أنزلناه في ليلة القدر‏}. أخرج الخطيب وابن عساكر بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس قال‏:‏ لما نزلت سورة ‏{‏والتين‏}‏ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بها فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال‏:‏ التين بلاد الشام، والزيتون بلاد فلسطين ‏ {‏وطور سينين‏} ‏ الذي كلم الله موسى عليه، ‏ {‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ مكة ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ عبدة اللات والعزى ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏}‏ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ‏{‏فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏ إذ بعثك فيهم نبياً وجمعك على التقوى يا محمد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والتين‏}‏ قال‏:‏ مسجد نوح الذي بني بأعلى الجودي {‏والزيتون‏}‏ قال‏:‏ بيت المقدس ‏ {‏وطور سينين‏}‏ قال‏:‏ مسجد الطور ‏ {‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ يقول‏:‏ يرد إلى أرذل العمر، كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تسفهت عقولهم، فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم ‏{‏فما يكذبك بعد بالدين‏} ‏ يقول‏:‏ بحكم الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والتين والزيتون‏} ‏ قال‏:‏ هما المسجدان مسجد الحرام ومسجد الأقصى، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وطور سينين‏} ‏ الجبل الذي صعده موسى ‏{‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ مكة ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ قال‏:‏ في انتصاب لم يخلق منكبّاً على وجهه ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ قال‏:‏ أرذل العمر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏والتين‏} ‏ قال‏:‏ التين الجبل الذي عليه دمشق ‏ {‏والزيتون‏}‏ الذي عليه بيت المقدس ‏ {‏وطور سينين‏} ‏ قال‏:‏ جبل بالشام مبارك حسن ذو شجر ‏ {‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏}‏ قال‏:‏ وقع القسم ههنا ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ قال‏:‏ جهنم ‏{‏فما يكذبك بعد بالدين‏} ‏ يقول‏:‏ استيقن فقد جاءك من الله البيان‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبدالله قال‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ مسجد دمشق ‏ {‏والزيتون‏} ‏ بيت المقدس ‏ {‏وطور سينين‏}‏ جبل موسى ‏{‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ البلد الحرام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال‏:‏ ‏{‏التين‏} ‏ مسجد أصحاب الكهف ‏ {‏والزيتون‏} ‏ مسجد إيليا ‏{‏وطور سينين‏}‏ مسجد الطور ‏{‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ مكة‏. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏ {‏والتين والزيتون‏} ‏ مسجدان بالشام ‏ {‏وطور سينين‏}‏ قال‏:‏ الطور الجبل وسينين الحسن‏.‏ وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن كعب الأحبار في قوله‏:‏ ‏ {‏والتين‏}‏ الآية، قال‏:‏ ‏{‏التين‏}‏ دمشق ‏ {‏والزيتون‏} ‏ بيت المقدس ‏ {‏وطور سينين‏} ‏ الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام ‏ {‏والبلد الأمين‏} ‏ مكة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن أبي حبيب الحارث بن محمد قال‏:‏ أربعة جبال مقدسة بين يدي الله تعالى‏:‏ طور زيتا وطور سينا وطور تينا وطور تيما‏.‏ وهو قول الله‏:‏ ‏{‏والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين‏}‏ فأما طور زيتا فبيت المقدس، وأما طور سينا فالطور، وأما طور تينا فدمشق، وأما طور تيما فمكة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن زيد بن ميسرة مثله‏.‏ وفيه وطور سينا حيث كلم الله موسى‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن الحكم ‏{‏والتين‏} ‏ دمشق ‏{‏والزيتون‏}‏ فلسطين ‏ {‏وهذا البلد الأمين‏}‏ مكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس ‏{‏والتين والزيتون‏} ‏ قال‏:‏ الفاكهة التي يأكلها الناس ‏{‏وطور سينين‏} ‏ قال‏:‏ الطور الجبل وسينين المبارك‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏والتين والزيتون‏}‏ قال‏:‏ الفاكهة التي يأكل الناس ‏{‏وطور سينين‏} ‏ قال‏:‏ الطور الجبل وسينين المبارك ‏ {‏وهذا البلد الأمين‏} ‏ قال‏:‏ مكة ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ قال‏:‏ في أحسن صورة ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ قال‏:‏ في النار ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ قال‏:‏ إلا من آمن {‏فلهم أجر غير ممنون‏}‏ قال‏:‏ غير محسوب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وطور سينين‏} قال‏:‏ هو الحسن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏ {‏سينين‏} ‏ هو الحسن بلسان الحبشة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في قوله‏:‏ ‏ {‏والتين والزيتون وطور سينين‏} ‏ قال‏:‏ الجبل الذي عليه التين والزيتون‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبداللهحديث : أن خزيمة بن ثابت، وليس بالأنصاري سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البلد الأمين فقال‏:‏ مكة‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ صليت خلف عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الأولى‏:‏ ‏"‏والتين والزيتون وطور سينا‏"‏ قال‏:‏ وهكذا هي في قراءة عبدالله وقرأ في الركعة الثانية ‏{أية : ‏ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} تفسير : [الفيل: 1‏] ‏{أية : ‏ولئلاف قريش‏}‏ تفسير : ‏[قريش: 1]‏ جمع بينهما، ورفع صوته، فقدرت أنه رفع صوته تعظيماً للبيت‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ قال‏:‏ في أعدل خلق ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ يقول‏:‏ إلى أرذل العمر ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏} ‏ غير منقوص‏‏ يقول‏:‏ فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر، وكان يعمل في شبابه عملاً صالحاً كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، ولم يضره ما عمل في كبره، ولم يكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ أرذل العمر‏. ‏وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ قال‏:‏ خلق كل شيء منكباً على وجهه إلا الإِنسان ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ إلى أرذل العمر ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ الآية قال‏:‏ فأيما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب فعجز عنه جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏{‏والتين‏}‏ قال‏:‏ هو هذا التين ‏{‏والزيتون‏} ‏ قال‏:‏ هو هذا الزيتون ‏{‏وطور سينين‏}‏ قال‏:‏ الطور الجبل وسينين هو الحسن بالحبشة ‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏ قال‏:‏ مكة ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏}‏ قال‏:‏ شباب وشدة ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ قال‏:‏ رد إلى أرذل العمر ‏ {‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏}‏ قال‏:‏ يوفيه الله أجره وعمله فلا يؤاخذه إذا رد إلى أرذل العمر، وفي لفظ، قال‏:‏ من رد منهم إلى أرذل العمر جرى له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه، فذلك الأجر غير ممنون، قال‏:‏ ولا يمن به عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ‏{‏والتين والزيتون‏} ‏ قال‏:‏ تينكم هذا الذي تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ قال‏:‏ في أحسن صورة ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ قال‏:‏ في نار جهنم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏} ‏ يقول‏:‏ في أحسن صورة ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ قال‏:‏ في النار في شر صورة‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن إبراهيم ‏ {‏قد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم‏}‏ قال‏:‏ في أحسن صورة ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ قال‏:‏ إلى أرذل العمر، فإذا بلغوا ذلك كتب لهم من العمل مثل ما كانوا يعملون في الصحة‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ عز وجل ‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} ‏ قال‏:‏ هذا الكافر من الشباب إلى الكبر ومن الكبر إلى النار‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت علي بن أبي طالب وهو يقول‏: شعر : فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل عن الشعث والعدوان في أسفل السفل تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏} قال‏:‏ إلى أرذل العمر‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال‏:‏ من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله‏:‏ ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ قال‏:‏ إلا الذين قرؤوا القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ كان يقال من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ‏ {‏لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ قال‏:‏ لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ قال‏:‏ الهرم لم يجعل فيه قوّة ما كان ‏{‏أية : لكي لا يعلم بعد علم شيئاً}تفسير : [النحل: 70] قال‏:‏ ولا ينزل تلك المنزلة أحد قرأ القرآن، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏إلا الذين آمنوا‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هم أصحاب القرآن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ يقول‏:‏ إلى الكبر وضعفه فإذا ضعف وكبر عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان العبد على طريقة من الخير فمرض أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل، ثم قرأ ‏ {‏فلهم أجر غير ممنون‏} ‏ ‏". تفسير : وأخرج البخاري عن أبي موسى قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏فلهم أجر غير ممنون‏}‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏غير ممنون ما يكتب لهم صاحب اليمين فإن عمل خيراً كتب له صاحب اليمين، وإن ضعف عن ذلك كتب له صاحب اليمين، وأمسك صاحب الشمال، فلم يكتب سيئة، ومن قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن مكحول قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إذا مرض العبد يقال لصاحب الشمال‏:‏ ارفع عنه القلم، ويقال لصاحب اليمين‏:‏ اكتب له أحسن ما كان يعمل، فإني أعلم به وأنا قيدته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن شداد بن أوس‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب عز وجل‏:‏ إني أنا قيدته وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن منصور قال‏:‏ قلت لمجاهد ‏ {‏فما يكذبك بعد بالدين‏} و ‏{‏أية : أرأيت الذي يكذب بالدين‏}‏ تفسير : ‏[الماعون: 1‏]‏ عنى به النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ معاذ الله إنما عني به الإِنسان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال‏:‏ ‏ ‏حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى على هذه الآية ‏ {‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏} ‏ يقول‏: "‏سبحانك فبلى"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة يرويه‏:‏ ‏"‏من قرأ ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فقرأ ‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏} ‏ فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا قرأت ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فقرأت ‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏ فقل بلى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ ‏"‏ ‏ {‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏ قال‏:‏ سبحانك اللهم فبلى‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وقيل: مدنية، وآيُها ثمان {وَٱلتّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} هما هذا التينُ وهذا الزيتونُ خصَّهُما الله سبحانَهُ من بـينِ الثمارِ بالإقسامِ بهما لاختصاصِهما بخواصَّ جليلةٍ فإنَّ التينَ فاكهةٌ طيبةٌ لا فُضلَ لهُ وغذاءٌ لطيفٌ سريعُ الهضمِ ودواءٌ كثيرُ النفعِ يلينُ الطبعَ ويحللُ البلغمَ ويطهرُ الكليتينِ ويزيلُ ما في المثانةِ من الرملِ ويسمن البدنَ ويفتحُ سددَ الكبدِ والطِّحالِ. وحديث : رَوَى أبو ذرَ رضيَ الله عنْهُ أنَّه أهدَى للنبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سلٌّ من تينٍ فأكلَ منْهُ وقالَ لأصحابِه: "كُلوا فلَو قلتُ إن فاكهةً نزلتْ من الجنةِ لقلتُ هذا لأنَّ فاكهةَ الجنَّةِ بلا عجمَ فكلُوهَا فإنَّها تقطعُ البواسيرَ وتنفعُ منَ النِقرسِ" )تفسير : . وعَنْ عليِّ بنِ مُوسى الرِّضَا التينُ يزيلُ نكهةَ الفمِ ويطولُ الشعرَ وهُوَ أمانٌ منَ الفالجِ وأما الزيتونُ فهو فاكهةٌ وإدامٌ ودواءٌ ولو لم يكنْ له سِوى اختصاصِه بدهنِ كثيرِ المنافعِ معَ حصولِه في بقاعٍ لا دهنيةَ فيهَا لكَفى به فضلاً وشجرتُه هيَ الشجرةُ المباركةُ المشهودُ لهَا في التنزيلِ. ومرَّ معاذُ بنُ جبلٍ رضيَ الله عنْهُ بشجرةِ الزيتونِ فأخذَ منهَا قضيباً واستاكَ بهِ وقالَ: سمعتُ النبـيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يقولُ: « حديث : نعمَ السواكُ الزيتونُ من الشجرةِ المباركةِ يطيبُ الفمَ ويذهبُ بالحفرةِ » تفسير : وسمعتُه يقولُ: « حديث : هوَ سواكِي وسواكُ الأنبـياءِ قبلِي » تفسير : وقيلَ: هما جبلانِ من الأرضِ المقدسةِ يقالُ لهما بالسريانيةِ: طُورتينَا وطورزيتَا لأنهمَا منبِتا التينِ والزيتونِ وقيل: التينُ جبالٌ ما بـينَ حلوانَ وهمدانَ والزيتونُ جبالُ الشامِ لأنهمَا منابتَهما كأنه قيلَ: ومنابتِ التينِ والزيتونِ وَقالَ قَتَادةُ: التينُ الجبلُ الذي عليهِ دمشقُ والزيتونُ الجبلُ الذي عليهِ بـيتُ المقدسِ وقال عكرمةُ وَابنُ زيدِ: التينُ دمشقُ والزيتونُ بـيتُ المقدسِ وهو اختيارُ الطبريِّ وقالَ محمدُ بنُ كعبٍ: التينُ مسجدُ أصحابِ الكهفِ والزيتونُ مسجدُ إِيْليَا وعن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهمَا: التينُ مسجدُ نوحٍ عليهِ السلامُ الذي بناهُ على الجُودِيِّ والزيتونُ مسجدُ بـيتِ المقدسِ وقالَ الضحَّاكُ: التينُ المسجدُ الحرامُ والزيتونُ المسجدُ الأَقْصى، والصحيحُ هُوَ الأولُ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا: هو تينُكُم الذي تأكلونَ وزيتونُكم الذي تعصِرونَ منْهُ الزيتَ وبه قالَ مجاهدٌ وعكرمةُ وإبراهيمُ النخعيُّ وعطاءٌ وجابرٌ وزيدٌ ومقاتلٌ والكلبـيُّ {وَطُورِ سِينِينَ} هو الجبلُ الذي ناجَى عليهِ موسى ربَّهُ وسينينَ وسيناءُ علمانِ للموضعِ الذي هُوَ فيهِ ولذلكَ أضيفَ إليهمَا وسينونَ كبـيرونَ في جوازِ الإعرابِ بالواوِ والياءِ والإقرارِ على الياءِ وتحريكِ النونِ بالحركاتِ الإعرابـيةِ.

السلمي

تفسير : سمعت أبا الفتح القواس يقول: سمعت جعفرًا الخلدى يقول: سئل الجنيد عن قوله: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} قال: مسجد البيت المقدس، {وَطُورِ سِينِينَ} مسجد الطور {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} المسجد الحرام وإنما هذه مساجد عظمها الله لأنها بقاع كان يُذكر اللهُ تعالى فيها فأقسم الله بها، وكل بقعة ذُكِرَ اللهُ فيها فتلك البقعة معظمة لما أجرى الله تعالى ذكره فيها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ}. أقسم بالتين لما به من عظيم المِنَّةِ على الخَلْقِ حيث لم يجعل فيه النَّوى، وخَلَّصَه من شائب التنغيص، وجعله على مقدار اللُّقْمة لتكمل به اللذََّة. وجعل في "الزيتون" من المنافع مثل الاستصباح والتأدُّم والاصطباغ به. {وَطُورِ سِينِينَ}. الجبل الذي كَلَّمَ الله موسى عليه. ولموضعِ قَدَمِ الأحباب حُرْمةٌ. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ}. يعني: مكة، ولهذا البلد شرف كبير، فهي بلدُ الحبيب، وفيها البيت؛ ولبيتِ الحبيبِ وبَلَدِ الحبيبِ قَدْرٌ ومنزلة.

البقلي

تفسير : {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ} اقسم الله بمواضع تجلى جماله وجلاله اما التين فشجرة أدم التى نهاه عن قربها وهو متجلى عنها له وشجرة الزيتون التى تجلى منها لموسى حيث قال انى أنست نارا وقال نودى من الشجرة ان يا موسى انى انا الله وطور سيناء الذى تجلى عنه ايضا لموسى والبلد الامين هو الذى بيته فيه وهو محل اياته وكشوف صفاته بقوله فيه ايات بينات لذلك قال عليه الصلاة والسلام جاء الله من سيناء واستعلن باعير واشرق من جبال فاران وايضا والتين اى شجرة الروح القدسية والزتيون شجرة العقل القدسى وطور سينين هو القلب العارف بالله والبلد الامين صدر المحب المتمكن قال الجنيد التين مسجد ايليا والزيتون مسجد بيت المقدس وطر سنين مسجد طور وهذا البلد الامين مسجد الحرام وانا هذه مساجد عظمها الله لانها بقاع الله جل ذكره يذكر فيها فاقسم بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {والتين والزيتنون} هما هذا التين الذى يؤكل وهذا الزيتون الذى يعصر منه الزيت خصهما الله من بين الثمار بالاقسام بهما لاختصاصهما بخواص جليلة فان التين فاكهة طيبة لافضل له وغذآء لطيف سريع الهضم ودوآء كثير النفع يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما فى المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح سدد الكبد والطحال وروى ابو ذر رضى الله عنه أنه اهدى للنبى عليه السلام سل من تين فاكل منه وقال لاصحابه كلوا فلو قلت ان فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذا الآن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فانها تقطع البواسير وتنفع من النقرس وعن على بن موسى الرضى رضى الله عنه التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو امان من الفالج قال الامام لما عصى آدم عليه السلام وفارقته ثيابه تستربورق التين ولما نزل وكان مترزا بورق التين استوحش فطافت الظباء حوله فاستأنس بها فاطعمها بعض ورق التين فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا فلما تفرقت الظباء الى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما اعجبه فلما كان الغد جاءت ظباء آخر على اثر الاول فاطعمها من الورق فغير الله حالها الى الجمال دون المسك وذلك لأن الاولى جاءت الى آدم لاجله لا لأجل الطمع والطائفة الاخرى جاءت اليه ظاهرا وللطمع باطنا فلا جرم غير الظاهر دون الباطن وفى اسئلة الحكم فان قلت ما الحكمة فى أن سائر الاشجار يخرج ثمارها فى كمامها اولا ثم تظهر الثمرة من الكمام ثانيا وشجرة التين اول ما يبدو ثمرها يبدو بارزا من غير كمام قلت لأن آدم لم يستره الاشجرة التين فقال الله بعدما سترت آدم اخرج منك المعنى قبل الدعوى وسائر الاشجار يخرج منها الدعوى قبل المعنى قال فى خريدة العجائب اذا نثر رماد خشب التين فى البساتين هلك منه الدود ودخان التين يهرب منه البق والبعوض. واما الزيتون فهو فاكهة وادام ودوآء ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع مع حصوله فى بقاع لا دهنية فيها كالجبال لكفى به فضلا وشجرته هى الشجرة المباركة المشهورة فى التنزيل ومر معاذ بن جبل رضى الله عنه بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال سمعت النبى عليه السلام يقول نعم سواك الزيتون هو سواكى وسواك الانبياء من قبلى وشجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة ومن خواصها أنها تصبر عن الماء طويلا كالنخل واذا لقط ثمرتها جنب فسدت والقت حملها وانتثر ورقها وينبغى ان تغرس فى المدر لكثرة الغبار لان الغبار كلما علا على زيتونها زاد دسمه ونضجه ورماد ورقها ينفع العين كحلا ويقوم مقام التوتيا وفى الحديث حديث : عليكم بالزيت فانه يكشف المرة ويذهب البلغم ويشد العصب ويمنع الغشى ويحسن الخلق ويطيب النفس ويذهب الهمتفسير : قال الامام ان التين فى النوم رجل خير غنى فمن ناله فى المنام نال مالا وسعة ومن اكله رزقه الله اولادا ومن اخذ ورق الزيتون فى المنام استمسك بالعروة الوثقى وقال مريض لابن سيرين رأيت فى المنام كأنه قيل لى كل اللاءين تشفى فقال كل الزيتون فانه لا شرقية ولا غربية وقال الطبرى المراد بالتين الجبل الذى عليه دمشق يعنى جبل الصالحية ويسمى جبل قاسيون والزيتون وهو طور زيتا الجبل الذى يلى بيت المقدس من جهة المشرق وذلك أن التين ينبت كثيرا بدمش والزيتون بايليا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والتينِ والزيتونِ}، أقسم بهما تعالى لِما فيهما من المنافع الجمّة. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم أُهْدِي له طبقٌ من تينٍ فأكل منه، وقال لأصحابه: "كُلوا، فلو قلتُ إنَّ فاكهةً نزلت من الجنة لقُلتُ هذه، لأن فاكهة الجنة، بلا عَجَمِ، فكلوها فإنها تقْطَعُ البواسير، وتنفَعُ من النقْرسِ". وهو أيضاً فاكهة طيبة لا فضل له، وغذاء لطيف سريع الهضم، كثير النفع، ملين الطبع، ويحلل البلغم، ويُطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح سُرد الكبد والطحال. وعن عليّ بن موسى الرضا: التين يزيل نكهة الفم، ويطيل الشعر، وهو أمان من الفالج. هـ. وأمّا الزيتون فهو فاكهة وإدام ودواء، ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدُهن كثير المنافع لكفى به فضلاً. وشجرته هي الشجرة المباركة، المشهود لها في التنزيل. ومرّ معاذُ بن جبل بشجرة الزيتون، فأخذ منها قضيباً واستاك به. وقال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : نعم السواك الزيتون، هي الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفرة" تفسير : وقال: " حديث : هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي"تفسير : . وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم هذا. وقيل: هما جبلان بالشام ينبتانهما. {وطُورِ سينينَ}، أضيف الطور وهو الجبل إلى "سينين" وهو البقعة، وهو الجبل الذي ناجى موسى عليه السلام ربَّه عليه، ويُقال له: سينين وسيناء. {وهذا البلد الأمين} وهو مكة، شرّفها الله، وأمانتها أنها تحفظ مَن دخلها كما يحفظ الأمين ما يُؤتمن عليه. ووجه الإقسام بهاتين البقعتين المباركتين المشحونتين بخيرات الدنيا والآخرة غني عن الشرح والتبيين. وجواب القسم: {لقد خلقنا الإِنسانَ} أي: جنس الإنسان {في أحسن تقويمٍ} أي: كائناً في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورةً ومعنى، حيث جعله اللهُ مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفاً بصفات البارىء تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله خلق آدم على صورته"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : على صورة الرحمن" تفسير : على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول. {ثم رددناه أسفلَ سافلين} أي: جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خَلَقَه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى: {أية : وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ}تفسير : [يَس:68] أي: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفلَ مَن سفُلَ في حُسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه, فقوَّس ظهره بعد اعتداله، وابْيَضَّ شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكَلّ سمعه وبصره. {إِلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، استثناء متصل على التفسير الأول، ومنقطع على الثاني، {فلهم أجرٌ غيرُ ممنونٍ} أي: رددناه أسفل السافلين إلاَّ مَن آمن، أو: لكن الذين آمنوا وكانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب غير منقطع، لطاعتهم وصبرهم على الشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاقّ والقيام بالعبادة، خصوصاً وقت الكبر. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفّف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ ثمانين كُتبت حسناته وتجاوز الله عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غُفرت ذنوبه, وشفع في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل كتب له ما كان يعمله في صحته وشبابه ". تفسير : ودخلت الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين المعنيين هنا. قاله النسفي. والخطاب في قوله: {فما يُكَذِّبُك بعدُ بالدين} للإنسان، على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع، والبرهان الساطع بالجزاء، والمعنى: إنَّ خلق الإنسان من نطفةٍ، وتسويته بشراً سويًّا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثمّ تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر, لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأنَّ مَن قدر على خلق الإنسان على هذا النمط العجيب لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء؟! أو: بالرسول صلى الله عليه وسلم: أي: فمَن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل القاطع؟ {أليس اللهُ بأحكم الحاكمين} وعيد للكفار، وأنّه يحكم عليهم بما هو أهله، وهو من الحُكم والقضاء، أي: أليس الله بأفضل الفاصلين فيفصل بينك وبين مكذِّبِيك. وقيل: مِن الحِكمة، بمعنى الإتقان، أي: أليس مَن خلق الإنسان وصوّره في أحسن تقويم بأحكم الحكماء. وكان عليه الصلاة والسلام إذا قرأها قال: "حديث : بلى, وأنا على ذلك من الشاهدين ". تفسير : الإشارة: حاصل ما ذكره القشيري: أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها؛ الأولى شجرة القلب التينية المثمِرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية، والثانية: شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشاره بقوله: {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} تفسير : [النور:35] الخ. والثالثة: شجرة السر، الذي هو طور التجلِّي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة: البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياماً بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسَم عليه: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} قال القشيري: أي: في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أُم الروحانيات, وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. هـ. قلت: وإليه أشار الششتري بقوله: شعر : وفيك يطوى ما انتشر من الأواني تفسير : وقول الشاعر: شعر : يا تائهاً في مهمهٍ عن سره انظر تجد فيك الوجودَ بأسره أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعاً سر الإله بأسره تفسير : وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي: قرأتُ ليلة {والتين والزيتون} إلى أن انتهيت إلى قوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى: {إلاّ الذين آمنوا..} الخ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : هذا قسم من الله تعالى بالتين والزيتون، وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس. قال الفراء: سمعت رجلا من أهل الشام، وكان صاحب تفسير، قال: التين جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون الذي يعصر {وطور سينين} هو قسم آخر، وقال مجاهد وقتادة {الطور} جبل. و {سينين} معناه مبارك، فكأنه قيل: جبل فيه الخير الكثير، لانه أضافه إضافة تعريف. وقال الحسن: طور سينين هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام، فهو عظيم الشأن. وقيل: سينين بمعنى حسن، لأنه كثير النبات والشجر - في قول عكرمة - وقوله {وهذا البلد الأمين} قسم آخر، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وابراهيم: البلد الأمين مكة، والامين بمعنى آمن، كما قال الله تعالى {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً}تفسير : قال الشاعر: شعر : ألم تعلمي يا اسم ويحك انني حلفت يميناً لا أخون أميني تفسير : يريد أمني، وقوله {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} جواب القسم قال ابن عباس: خلق الله تعالى الانسان فى أحسن تقويم منتصب القامة وسائر الحيوان منكب. وقال الفراء: معناه إنا لنبلغ بالآدمى أحسن تقويمه، وهو اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: معناه فى أحسن صورة والتقويم تصبير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه من التأليف والتعديل، قومه تقويماً فاستقام، وتقوم. وقوله {ثم رددناه أسفل سافلين} قال ابن عباس وابراهيم وقتادة: معناه إلى ارذل العمر، وقال الحسن ومجاهد وابن زيد: ثم رددناه إلى النار فى أقبح صورة ثم استثنى من جملتهم {إلا الذين آمنوا} بالله تعالى واخلصوا العبادة له {وعملوا الصالحات} أي وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات، وبين أن من هذه صفته {لهم أجر} أي ثواب على طاعاتهم {غير ممنون} أي غير منقوص. وقيل غير مقطوع، وقال مجاهد: غير محسوب، وقيل غير مكدر بما يوذي ويغم. وقوله {فما يكذبك بعد بالدين} معناه أي شيء يكذبك أيها الانسان بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الجزاء. وقال قتادة: معناه فمن يكذبك أيها الانسان بعدها بالدين الذي هو الجزاء والحساب، وهو قول الحسن وعكرمة. وقوله {أليس الله بأحكم الحاكمين} تقرير للانسان على الاعتراف بأنه تعالى أحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً، لانه لا خلل فيه ولا اضطراب يخرج عما تقتضيه الحكمة وفى ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة فى أن الله يخلق الظلم والفساد. والحكم الخبر بما فيه فائدة بما تدعو اليه الحكمة، فاذا قيل: حكم جائر فهو بمنزلة حجة داحضة مجازاً بمعنى أنه حكم عند صاحبه كما أنها حجة عنده. وليست حجة فى الحقيقة. وقيل: المعنى أي شيء يكذبك بالدين: ويحملك على جحد الجزاء يوم القيامة وأنا أحكم الحاكمين. وروي عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ {أليس الله بأحكم الحاكمين} قال: سبحانك اللهم بلى. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال "حديث : إذا قرأ احدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها فليقل: بلى ".

الجنابذي

تفسير : {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} التّين فاكهة معروفة وهو غذاء وادام وفاكهة كثير الغذاء قليل الفضول لا نوى له ولا قشر نافع لكثيرٍ من الامراض واسم جبل بالشّام ومسجد بها، وجبل بقطفان، واسم دمشق، ومسجد، وطور تيناء بفتح التّاء والمدّ او القصر بمعنى طور سيناء، والزّيتون شجرة الزّيت او ثمرتها وهو ايضاً كثير المنافع يعصر منه دهنٌ يكون اداماً وجزءً لاكثر الادام فى بلادهم، ومسجد دمشق، او جبال الشّام، وبلد بالصّين، وقرية بالصّعيد، ويجوز لله تعالى القسم بكلّ منهما، ولكن لمّا كان قوله: {وَطُورِ سِينِينَ}، وهذا البلد الامين معطوفاً عليهما فالاوفق ان يكون المراد بهما احد الامكنة بحسب الظّاهر، والاوفق بحسب التّأويل ان يكون المراد بالتّين جهة النّفس العمّالة الالهيّة، وبالزّيتون جهتها العلاّمة فانّهما مسجدان فى العالم الصّغير.

فرات الكوفي

تفسير : قال أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري] معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {فما يكذبك بعد بالدين} قال: علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام [في. ر] قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون} قال: المؤمنون هم سلمان [الفارسي. ر] والمقداد [الأسود. ر] وعمار وأبو ذر [رضي الله عنهم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ر] {فلهم أجرٌ غير ممنون} [قال: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. أ، ب]. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد [الفزاري قال: حدثني أحمد بن الحسين الهاشمي عن محمد بن حاتم. ش]: عن محمد بن الفضيل بن يسار! قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله تعالى: {والتين والزيتون} قال: التين الحسن والزيتون الحسين. فقلت: [في. أ، ر] قوله: {وطور سينين} فقال: [ليس هو طور سينين. ب، ر] إنما هو طور سيناء وذلك أمير المؤمنين عليه السلام، وقوله: {وهذا البلد الأمين} قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم سكت ساعة ثم قال: لم لا تستوفي مسألتك إلى آخر السورة؟ قلت: بأبي [أنت. ب] وأمي قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال: ذلك أمير المؤمنين وشيعته كلهم {فلهم أجرٌ غير ممنون}. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن مروان [قال: حدثني أبي قال: حدثنا عمر بن الوليد. ش]: عن محمد بن الفضيل الصيرفي قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن قول الله تبارك وتعالى: {والتين والزيتون} قال: التين الحسن والزيتون الحسين. فقلت: قوله: {وطور سينين} قال: إنما هو طور سيناء، قلت: فما يعني بقوله: طورسينا؟ قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: قلت: {وهذا البلد الأمين}؟ قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو [ش، ر: ومن] سبلنا [ب: سبيلنا] آمن الله به الخلق في سبيلهم ومن النار إذا أطاعوه، قلت: قوله: {إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات}؟ قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته {فلهم أجرٌ غير ممنون}. قال: قلت: قوله: {فما يكذبك بعد بالدين}؟ قال: معاذ الله لا والله ما هكذا قال تبارك وتعالى ولا كذا أنزلت قال: إنما قال: فما [ب: فمن] يكذبك بعد بالدين [والدين أمير المؤمنين] أليس الله بأحكم الحاكمين. فرات قال: حدثنا سهل بن أحمد الدينوري معنعناً: عن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال في قول الله تعالى: {والتين والزيتون} قال: الحسن والحسين عليهما السلام، {وطور سينين} قال: علي بن أبي طالب عليه السلام، {وهذا البلد الأمين} قال: محمد صلى الله عليه وآله، {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته، {فما يكذبك بعد بالدين} يا محمد [يعني. ب] ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني محمد بن الحسين {الحسن} بن إبراهيم [قال: حدثنا داود بن محمد النهدي. ش]: عن محمد بن الفضيل الصيرفي قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن قول الله [تعالى. ب] {والتين والزيتون}؟ قال: أما التين فالحسن [ن: الحسن] أما الزيتون فالحسين. قال: قلت: قوله: {طور سينين}؟ قال: إنما [هو. ب] طورسينا. قلت: وما يعني بقوله: طورسينا؟ قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ] قال: فقلت: فقوله: {وهذا البلد الأمين}؟ قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهو سبيل آمن الله به الخلق في سبيلهم [ش: سبلهم] ومن النار إذا أطاعوه. قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال: ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته {فلهم أجرٌ غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين} يعني ولايته.

الأعقم

تفسير : وقوله: {والتين والزيتون} أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأصناف المثمرة، حديث : روي أنه أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: "كلوا فلو قلت أن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذا لأن فاكهة الجنة بلا حجم فكلوها فإنها تقطع البواسير" تفسير : وعن ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، وقيل: جبلان من الأرض المقدسة، وقيل: هما مسجدان بالشام، وقيل: التين المسجد الحرام والزيتون المسجد الأقصى، والظاهر ما قدمنا أولاً {وطور سينين} والطور الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى {سينين} اسم لذلك الجبل، وقيل: سينين اسم لجنس لأنه كثير النبات والشجر، وقيل: سينين مبارك {لقد خلقنا الانسان} هذا جواب القسم أنه خلق الانسان {في أحسن تقويم}، قيل: في أحسن صورة {ثم رددناه أسفل سافلين} إلى الهرم وأراد العمر، وقيل: إلى النار {إلاَّ الذين آمنوا} استثناء متصل إذا حمل ما قبله على النار، فإن حملته على الهرم فالاستثناء منقطع، وقيل: متصل والمعنى يكتب لهم رواتبهم وان انقطعت أعمالهم {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فتكتب لهم في حال هرمهم مثل ما كانوا يعملون، وقيل: إلى بمعنى لكن قال الحاكم: وهو الوجه، فإنهم يبقون أقوياء شباباً في الجنة {فما يكذبك بعد} أي شيء، وقيل: ما بمعنى من والمخاطب هو الإِنسان، وقيل: هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {بالدين} قيل: بالجزاء والحساب {أليس الله بأحكم الحاكمين} صنعاً وتدبيراً.

الهواري

تفسير : تفسير سورة التين، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} قال بعضهم: التين جبل دمشق، والزيتون جبل بيت المقدس. وقال الكلبي: تينكم هذا وزيتونكم هذا. قوله عز وجل: {وَطُورِ سِنِينَ} الطور: الجبل، و (سِنِينَ): الحسن. أي: الجبل الحسن. وقال مجاهد: (سِنِينَ): المبارك. وقال الحسن: هو الجبل الذي نادى الله منه موسى. قال عز وجل: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} أي: الآمن، أي: الحرام يعني مكة. يقول: إنكم تأمنون فيه من القتل والسباء، والعرب يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وأنتم آمنون من ذلك. وكان هذا قبل أن يؤمر النبي عليه السلام بقتل المشركين، ثم أمر بقتالهم بالمدينة. قال عز وجل: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي: في أحسن صورة وقال مجاهد: في أحسن الخلق. أقسم بهذا كله من أول السورة إلى هذا الموضع. قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي: جهنم، ويعني بالإِنسان ها هنا المشرك. وقال بعضهم: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي: الشباب، {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} يعني الهرم. وقال الكلبي: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي: الهرم، يعني مثل قوله: (أية : وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) تفسير : [يس:68]، فيصير مثل الصبي الذي لا يعقل شيئاً.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} المأكولين، قال ابن عباس والكلبي هما تينكم هذا وزيتونكم هذا أقسم الله بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة التين لحلاوته وادخاره طعاما كالتمر والزيتون لخروج الزيت منه ويأكلونه "حديث : وأهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق فيه تين فأكل منه فقال لأصحابه كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس" تفسير : وهو ورم ووجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين. ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قظيبا واستاك به وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة" تفسير : وهي حفرة الأسنان، وسمعته يقول "حديث : هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي وهو فاكهة وإدام ودواء ونور في الظلمة من شجرة مباركة وله دهن لطيف كثير المنافع" تفسير : وقد تنبت حيث لا دهنية فيه كالجبال. والتين فاكهة طيبة لا فضلة له وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع فإنه يلين الطبع ويفتح سداد الكبد والطحان ويسمن البدن ويقلل البلغم، ويثبتان في الأرض مدة طويلة ولا سيما الزيتون فإنه يثبت الوفا ولا يحتاج إلى خدمة وتربية وقيل جبلان من أرض المقدسة فالتين الجبل الذي عليه ودمشق والزيتون الذي عليه بيت المقدس واسمهما بالسريانية طور سيناء وطور زيتاء لأنهما ينبتان سيناء وهو التين بالسريانية وزيتاء وهي الزيت، وقال السهيلي طور تيناء بالمثناة أولى وروي التفسير بالجبلين، عن ابن عباس وقيل والتين جبل بين حلوان وهمدان والزيتون جبل بالشام لأنهما منابتهما كأنه قيل ومنابت التين والزيتون وقيل التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس أقسم بهما لأنهما موضع الطاعة، وقيل التين دمشق والزيتون بلد المقدس وعن السهيلي جبلان عند بيت المقدس، وقيل التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا وقيل التين مسجد نوح عليه السلام بناه على الجودي والزيتون بيت المقدس.

اطفيش

تفسير : {وَالتَّينِ} فاكهة طيبة لا فضل لها فيما قيل والمعهود أن لها فضلة كسائر طعام الدنيا، فالمراد لا فضلة كثيرة معها وهو غداءِ لطيف سريع الانهضام ويقال هو أصح الفواكه غذاء إذا أُكل على فراغ البطن ولم يتبع بشىءٍ وهو كثير النفع يفتح السدود ويقوى الكبد ويذهب داءِ الطحال وغلظة وعسر البول وهزال الكلى والخفقان والربو وعسر النفس والسعال وأوجاع الصدر وخشونة القصبة ويزيل نكهة الفم ويطيل الشعر وهو أمان من الفالج وأهدى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة لا عجم لها فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع النقرس، وقال نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة، وقال هى سواكى وسواك الأَنبياءِ قبلى ومعنى أنه لا عجم لها يطرح ولا يؤكل بل عجمها دقيق مأكول مغذ ويقال إن نفعه من النقرس إذا دق مع دقيق الشعير أو القمح أو الحلبة وحينئذ ينفع من الأورام الغليظة وأوجاع المفاصل. {وَالزَّيْتُونِ} إدام ودواء وفاكهة والمكلس منه لا شىء منه فى الهضم والتسمين وتقوية الأعضاءِ ويكفيه فضلاً دهنه الذى عم الاصطباح به فى المساجد ونحوها مع ما فيه من المنافع فتحسن اللون وتصفية الأخلاط وشد الأَعصاب وفتح السدد وإخراج الدود والإدرار وتفتيت الحصا وإصلاح الكلى شرباً بالماءِ الحار وقلع البياض وتقوية البصر اكتحالاً ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها سواكاً فاستاك به، وقال سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول"حديث : نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة "تفسير : وسمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول "حديث : هو سواكي وسواك الأَنبياءِ عليهم السلام قبلي"تفسير : ، وعن قتادة التين الجبل الذى عليه دمشق والزيتون الجبل الذى عليه بيت المقدس، قيل يقال للأول طور تينا والثانى طور زيتا لأنهما منبت التين والزيتون المأكولين سمى مكانهما باسميهما، وقيل التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس لأن فيهما شجرا من الجنسين، وعن كعب الأحبار التين دمشق والزيتون إيليا بلد بيت المقدس تسمية للمحل باسم الحال، وعن محمد بن كعب التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون بيت المقدس وعبارة بعض مسجد إيليا وعن ابن عباس التين مسجد نوح عليه السلام الذى بنى على الجودى والزيتون بيت المقدس، وعن شهر بن حوشب التين الكوفة والزيتون الشام، ولعل المراد الأرض التى تسمى اليوم الكوفة وقد كانت منزل نوح وإلاَّ فالكوفة بلدة حادثة مصرها سعد بن أبى وقاص فى أيام عمر رضى الله عنه، وقيل الكوفة بلدة خربت وهى قديمة حددت فى أيام عمر، وقيل التين جبال ما بين حلوان وهمدان والزيتون جبال الشام، والمراد تشريف هذه البقاع فى ضمن تعظيم المقسم عليه وذلك لشرف تلك البقاع لأنها مواضع الطاعة وفيه مناسبة للقسم بالبقاع بعد واختار بعضهم التفسير الأول بالشجر لبركة تلك الثمار كذلك.

الالوسي

تفسير : إقسام ببقاع مباركة شريفة على ما ذهب إليه كثير فأما البلد الأمين فمكة حماها الله تعالى بلا خلاف وجاء في حديث مرفوع وهو مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه. والأمين فعيل إما بمعنى فاعل أي الآمن من أمُن الرجل بضم الميم أمانة فهو أمين وجاء أمَّان أيضاً كما جاء كريم وكَرَّام ولم يسمع آمن اسم فاعل وسمع على معنى النسب كما في قوله تعالى {أية : حَرَماً آمِناً}تفسير : [القصص: 57] بمعنى ذي أمن، وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ففيه تشبيه بالرجل الأمين وإما بمعنى مفعول أي المأمون من أمنه أي لم يخفه ونسبته إلى البلد مجازية والمأمون حقيقة الناس أي لا تخاف غوائلهم فيه أو الكلام على الحذف والإيصال أي المأمون فيه من الغوائل. وإقحام اسم الإشارة للتعظيم. وأما طور سينين فالجبل الذي كلم الله تعالى شأنه موسى عليه السلام عليه ويقال له طور سيناء بكسر السين والمد وبفتحها والمد وقد قرأ بالأول هنا بدل (سينين) عمر بن الخطاب وعبد الله وطلحة والحسن وبالثاني عمر أيضاً وزيد بن علي (وطور سَينين) بفتح السين وهي لغة بكر وتميم وقد قرأ بها ابن أبـي إسحٰق وعمرو بن ميمون وأبو رجاء وفي «البحر» أنه لم يختلف في أنه جبل بالشام وتعقبه الشهاب ((بأنه خلاف المشهور فإن المعروف اليوم بطور سينا ما هو بقرب التيه بين مصر والعقبة)) وسينين قيل اسم للبقعة التي فيها الجبل أضيف إليه الطور ويعامل في الإعراب معاملة بيرون ونحوه فيعرب بالواو والياء ويقر على الياء وتحرك النون بحركات الإعراب. وقال الأخفش سينين جمع بمعنى شجر واحدته سينة فكأنه قيل طور الأشجار وأخرج ابن أبـي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال سينين هو الحسن وأخرج عبد بن حميد نحوه عن الضحاك وكذلك أخرج هو وجماعة عن عكرمة بزيادة بلسان الحبشة وأخرج هو أيضاً وابن جرير وابن عساكر وغيرهما عن قتادة أنه قال سينين مبارك حسن ذو شجر والإضافة على ما ذكر من إضافة الصفة إلى الموصوف. وأما التين والزيتون فروى جماعة عن قتادة أن الأول منهما الجبل الذي عليه دمشق والثاني الجبل الذي عليه بيت المقدس ويقال على ما أخرج سعيد بن منصور وابن أبـي حاتم عن أبـي حبيب الحرث بن محمد للأول طور تينا وللثاني طور زيتا وذلك لأنهما منبتا التين والزيتون وكأن الكلام على هذا إما على حذف مضاف أو على التجوز بأن يكون قد تجوز بالتين والزيتون عن منبتيهما وشاع ذلك وأخرج عبد بن حميد عن أبـي عبد الله الفارسي أن التين مسجد دمشق والزيتون بين المقدس ولعل إطلاقهما عليهما لأن فيهما شجراً من جنسهما وعن كعب الأحبار أنهما دمشق وإيلياء بلد بيت المقدس وكأن تسميتهما بذلك من تسمية المحل باسم الحال فيه وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب أنهما / مسجد أصحاب الكهف ومسجد إيلياء وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنهما مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي وبيت المقدس وعن شهر بن حوشب أنهما الكوفة والشام وتعقب بأن الكوفة بلدة إسلامية مَصَّرَها سعد بن أبـي وقاص في أيام أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه ولعله أراد الأرض التي تسمى اليوم بالكوفة فقد كانت كما في «القاموس» وغيره منزل نوح عليه السلام وقال بعضهم إن الكوفة بلد كانت قبل لكنها خربت فجددت في أيام عمر رضي الله تعالى عنه وقيل هما جبال ما بين حلوان وهمذان وجبال الشام لأنهما منابتهما وأياً ما كان فالمتعاطفات متناسبة في أن المراد بها أماكن مخصوصة. وقيل المراد بهما الشجران المعروفان وأخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال التين والزيتون الفاكهة التي يأكلها الناس وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن مجاهد نحوه وحكاه في «البحر» أيضاً عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبـي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبـي وعكرمة والحسن وخصهما الله تعالى على هذا القول بالإقسام بهما من بين الثمار لاختصاصهما بخواص جليلة فإن التين فاكهة طيبة لا فضل لها وغذاء لطيف سريع الانهضام بل قيل إنه أصح الفواكه غذاء إذا أكل على الخلاء ولم يتبع بشيء وهو دواء كثير النفع يفتح السدد ويقوي الكبد ويذهب الطحال وعسر البول وهزال الكلى والخفقان والربو وعسر النفس والسعال وأوجاع الصدر وخشونة القصبة إلى غير ذلك وعن علي الرضا بن موسى الكاظم على جدهما وعليهما السلام أنه يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج وروى أبو ذر أنه حديث : أهدي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرستفسير : ولم أقف للمحدثين على شيء في هذا الحديث لكن قال داود الطبيب بعد سرد نبذة من خواص التين وفي نفعه من البواسير حديث حسن وذكر أن نفعه من النقرس إذا دق مع دقيق الشعير أو القمح أو الحلبة وذكر أنه حينئذ ينفع من الأورام الغليظة وأوجاع المفاصل وله مفرداً ومركباً خواص أخرى كثيرة وكذا لشجرته كما لا يخفى على من راجع كتب الطب وما أشبه شجرته بمؤثر على نفسه وبكريم يفعل ولا يقول. وأما الزيتون فهو إدام ودواء وفاكهة فيما قيل وقالوا إن المكلس منه لا شيء مثله في الهضم والتسمين وتقوية الأعضاء ويكفيه فضلاً دهنه الذي عم الاصطباح به في المساجد ونحوها مع ما فيه من المنافع كتحسين الألوان وتصفية الأخلاط وشد الأعصاب وكفتح السدد وإخراج الدود والإدرار وتفتيت الحصى وإصلاح الكلى شرباً بالماء الحار كقلع البياض وتقوية البصر اكتحالاً إلى غير ذلك وشجرته من الشجرة المباركة المشهود لها في التنزيل وإذا تتبعت خواص أجزائها ظهر لك أنها أجدى من تفاريق العصا وعن معاذ بن جبل أنه مر بشجرة زيتون فأخذ منها سواكاً فاستاك به وقال سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول((حديث : نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة ))تفسير : وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول((حديث : هو سواكي وسواك الأنبياء عليهم السلام قبلي))تفسير : وقال بعضهم أن تفسيرهما بما ذكر هو الصحيح وكان المراد عليه تين تلك الأماكن المقدسة وزيتونها. والغرض من القسم بتلك الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة ويرجع إلى القسم بالأرض المباركة وبالبلد الأمين وفيه رمز إلى فضل البلد كما يشعر به كلام صاحب «الكشاف» وبين ذلك في «الكشف» بقوله وذلك أنه فصل بركتي الأرض المقدسة الدنيوية والدينية بذكر الشجرتين أو ثمرتيهما والطور الذي نودي منه موسى عليه السلام وناب المجموع مناب والأرض المباركة على سبيل الكناية فظهر التناسب في العطف على وجه بين إذ عطف البلد على مجموع الثلاثة لأنها / كالفرد بهذا الاعتبار كأنه قيل والأرض التي باركنا فيها ديناً ودنيا والبلد الآمن من دخله في الدارين وذلك بركة يتضاءل دونها كل بركة يتضاءل دونها كل بركة ويتضمن ذلك أن شرف تلك البقاع بمناجاة موسى عليه السلام ربه عز وجل أياماً معدودة وكم نوجيت في البلد الأمين ثم قال والحمل على الظاهر أريد المنابت أو الشجر أن يفوته المناسبة بين الأولين والبلد الأمين لأن مناسبة طور سينين للبلد غير مناسبته لهما والكلام مسوق للأول انتهى فتأمل فإنه دقيق.

سيد قطب

تفسير : الحقيقة الرئيسية التي تعرضها هذه السورة هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان، والوصول بها معه إلى كمالها المقدور لها. وهبوط الإنسان وسفوله حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان. ويقسم الله ـ سبحانه ـ على هذه الحقيقة بالتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين، وهذا القسم على ما عهدنا في كثير من سور هذا الجزء ـ هو الإطار الذي تعرض فيه تلك الحقيقة. وقد رأينا في السور المماثلة أن الإطار يتناسق مع الحقيقة التي تعرض فيه تناسقاً دقيقاً. وطور سينين هو الطور الذي نودي موسى ـ عليه السلام ـ من جانبه. والبلد الأمين هو مكة بيت الله الحرام.. وعلاقتهما بأمر الدين والإيمان واضحة.. فأما التين والزيتون فلا يتضح فيهما هذا الظل فيما يبدو لنا. وقد كثرت الأقوال المأثورة في التين والزيتون.. قيل: إن التين إشارة إلى طورتينا بجوار دمشق. وقيل: هو إشارة إلى شجرة التين التي راح آدم وزوجه يخصفان من ورقها على سوآتهما في الجنة التي كانا فيها قبل هبوطهما إلى هذه الحياة الدنيا. وقيل: هو منبت التين في الجبل الذي استوت عليه سفينة نوح ـ عليه السلام. وقيل في الزيتون: إنه إشارة إلى طورزيتا في بيت المقدس. وقيل: هو إشارة إلى بيت المقدس نفسه. وقيل: هو إشارة إلى غصن الزيتون الذي عادت به الحمامة التي أطلقها نوح عليه السلام ـ من السفينة ـ لترتاد حالة الطوفان. فلما عادت ومعها هذا الغصن عرف أن الأرض انكشفت وأنبتت! وقيل: بل التين والزيتون هما هذان الأكلان اللذان نعرفهما بحقيقتهما. وليس هناك رمز لشيء وراءهما.. أو أنهما هما رمز لمنبتهما من الأرض.. وشجرة الزيتون أشير إليها في القرآن في موضع آخر بجوار الطور: فقال: {أية : وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين}.. تفسير : كما ورد ذكر الزيتون: {أية : وزيتوناً ونخلاً}..تفسير : فأما "التين" فذكره يرد في هذا الموضع لأول مرة وللمرة الوحيدة في القرآن كله. ومن ثم فإننا لا نملك أن نجزم بشيء في هذا الأمر. وكل ما نملك أن نقوله ـ اعتماداً على نظائر هذا الإطار في السور القرآنية ـ: إن الأقرب أن يكون ذكر التين والزيتون إشارة إلى أماكن أو ذكريات ذات علاقة بالدين والإيمان. أو ذات علاقة بنشأة الإنسان في أحسن تقويم (وربما كان ذلك في الجنة التي بدأ فيها حياته).. كي تلتئم هذه الإشارة مع الحقيقة الرئيسية البارزة في السورة؛ ويتناسق الإطار مع الحقيقة الموضوعة في داخله. على طريقة القرآن... فأما الحقيقة الداخلية في السورة فهي هذه: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون}.. ومنها تبدو عناية الله بخلق هذا الإنسان ابتداء في أحسن تقويم. والله ـ سبحانه ـ أحسن كل شيء خلقه. فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحسن التركيب، وحسن التقويم، وحسن التعديل.. فيه فضل عناية بهذا المخلوق. وإن عناية الله بأمر هذا المخلوق ـ على ما به من ضعف وعلى ما يقع منه من انحراف عن الفطرة وفساد ـ لتشير إلى أن له شأناً عند الله، ووزناً في نظام هذا الوجود. وتتجلى هذه العناية في خلقه وتركيبه على هذا النحو الفائق، سواء في تكوينه الجثماني البالغ الدقة والتعقيد، أم في تكوينه العقلي الفريد، أم في تكوينه الروحي العجيب. والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية. فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان المستقيم معها. إذ إنه من الواضح أن خلقته البدنية لا تنتكس إلى أسفل سافلين. وفي هذه الخصائص الروحية يتجلى تفوق التكوين الإنساني. فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى يفوق مقام الملائكة المقربين. كما تشهد بذلك قصة المعراج.. حيث وقف جبريل ـ عليه السلام ـ عند مقام، وارتفع محمد بن عبد الله ـ الإنسان ـ إلى المقام الأسنى. بينما هذا الإنسان مهيأ ـ حين ينتكس ـ لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط: {ثم رددناه أسفل سافلين}.. حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم، لاستقامتها على فطرتها، وإلهامها تسبيح ربها، وأداء وظيفتها في الأرض على هدى. بينما هو المخلوق في أحسن تقويم، يجحد ربه، ويرتكس مع هواه، إلى درك لا تملك البهيمة أن ترتكس إليه. {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}.. فطرة واستعداداً.. {ثم رددناه أسفل سافلين}.. حين ينحرف بهذه الفطرة عن الخط الذي هداه الله إليه، وبينه له، وتركه ليختار أحد النجدين. {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.. فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة، ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح، ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها، حتى ينتهوا بها إلى حياة الكمال في دار الكمال. {فلهم أجر غير ممنون} دائم غير مقطوع. فأما الذين يرتكسون بفطرتهم إلى أسفل سافلين، فيظلون ينحدرون بها في المنحدر، حتى تستقر في الدرك الأسفل. هناك في جهنم، حيث تهدر آدميتهم، ويتمحضون للسفول! فهذه وتلك نهايتان طبيعيتان لنقطة البدء.. إما استقامة على الفطرة القويمة. وتكميل لها بالإيمان، ورفع لها بالعمل الصالح.. فهي واصلة في النهاية إلى كمالها المقدر في حياة النعيم.. وإما انحراف عن الفطرة القويمة، واندفاع مع النكسة، وانقطاع عن النفخة الإلهية.. فهي واصلة في النهاية إلى دركها المقرر في حياة الجحيم. ومن ثم تتجلى قيمة الإيمان في حياة الإنسان.. إنه المرتقى الذي تصل فيه الفطرة القويمة إلى غاية كمالها. إنه الحبل الممدود بين الفطرة وبارئها. إنه النور الذي يكشف لها مواقع خطاها في المرتقى الصاعد إلى حياة الخالدين المكرمين. وحين ينقطع هذا الحبل، وحين ينطفئ هذا النور، فالنتيجة الحتمية هي الارتكاس في المنحدر الهابط إلى أسفل سافلين، والانتهاء إلى إهدار الآدمية كلية، حين يتمحض الطين في الكائن البشري، فإذا هو وقود النار مع الحجارة سواء بسواء! وفي ظل هذه الحقيقة ينادى "الإنسان": {فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين؟}.. فما يكذبك بالدين بعد هذه الحقيقة؟ وبعد إدراك قيمة الإيمان في حياة البشرية؟ وبعد تبين مصير الذين لا يؤمنون، ولا يهتدون بهذا النور، ولا يمسكون بحبل الله المتين؟ {أليس الله بأحكم الحاكمين؟}.. أليس الله بأعدل العادلين حين يحكم في أمر الخلق على هذا النحو؟ أو.. أليست حكمة الله بالغة في هذا الحكم على المؤمنين وغير المؤمنين؟ والعدل واضح. والحكمة بارزة.. ومن ثم ورد في الحديث المرفوع عن أبي هريرة: "حديث : فإذا قرأ أحدكم {والتين والزيتون} فأتى آخرها: {أليس الله بأحكم الحاكمين؟}.. فليقل.. بلى وأنا على ذلك من الشاهدين "..

ابن عاشور

تفسير : ابتداء الكلام بالقَسَم المؤكد يؤذن بأهمية الغرض المسوق له الكلام، وإطالةُ القَسَم تشويق إلى المُقْسَم عليه. والتينُ ظاهرة الثمرة المشهورة بهذا الاسم، وهي ثمرة يشبه شكلها شكل الكمثرى ذات قشر لونه أزرق إلى السواد، تتفاوت أصنافه في قُتومَة قِشره، سهلة التقشير تحتوي على مثل وعاء أبيضَ في وسطه عَسل طيّبٌ الرائحة مخلوط ببزور دقيقة مثل السِمسم الصغير، وهي من أحسن الثمار صورة وطعماً وسهولة مضغ فحالتُها دالة على دقة صنع الله ومؤذنة بعلمه وقدرته، فالقسم بها لأجل دلالتها على صفات إلٰهية كما يقسم بالاسم لدلالته على الذات، مع الإِيذان بالمنة على الناس إذ خلَق لهم هذه الفاكهة التي تنبت في كل البلاد والتي هي سهلة النبات لا تحتاج إلى كثرة عمل وعلاج. والزيتونُ أيضاً ظاهرة الثمرة المشهورة ذاتُ الزيت الذي يُعتصر منها فيطعمه الناس ويستصبحُون به. والقَسَم بها كالقَسَم بالتين من حيث إنها دالّة على صفات الله، مع الإِشارة إلى نعمة خلق هذه الثمرة النافعة الصالحة التي تكفي الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم. وعلى ظاهر الاسمين للتِّين والزيتون حملهما جمع من المفسرين الأوَّلين ابنُ عباس ومجاهد والحسن وعكرمةُ والنخعي وعطاء وجابر بن زيد ومقاتِل والكلبي وذلك لما في هاتين الثمرتين من المنافع للناس المقتضية الامتنان عليهم بأن خلقها الله لهم، ولكن مناسبة ذكر هذَيْن مع {طور سنين} ومع {البلد الأمين} تقتضي أن يكون لهما محمل أوفق بالمناسبة فروي عن ابن عباس أيضاً تفسير التين بأنه مَسجد نوح الذي بني على الجُودي بعد الطوفان. ولعل تسمية هذا الجبل التين لكثرته فيه إذ قد تسمى الأرض باسم ما يكثر فيها من الشجر كقول امرىء القيس: شعر : أَمَرْخٌ ديارُهم أم عُشَرْ تفسير : وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابَات بقوله: شعر : صُهْب الظِّلال أتَيْنَ التينَ في عُرُضٍ يَزجين غَيماً قَليلاً ماؤُه شَبِما تفسير : والزيتون يطلق على الجبل الذي بُني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون. وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمٰن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظِي. ويجوز عندي أن يكون القَسَم بــــ {التين والزيتون} معنياً بهما شجر هاتين الثمرتين، أي اكتسب نوعاهما شرفاً من بين الأشجار يكون كثير منه نابتاً في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير: شعر : أتذكرُ حين تصقِل عارضَيْها بفرع بشامة سُقي البشام تفسير : فدعا لنوع البشام بالسّقي لأجل عود بَشَامَةَ الحَبِيبة. وأما {طور سينين} فهو الجبل المعروف بــــ «طور سينا». والطور: الجبل بلغة النبَط وهم الكنعانيون، وعرف هذا الجبل بــــ {طور سينين} لوقوعه في صحراء «سينين»، و«سينين» لغة في سِين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين. وقيل: سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية، وقيل: معناه الحسن بلغة الحبشة. وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع، مجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإِعراب مثل: صِفِّين ويَبْرِين وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : والطور وكتاب مسطور } تفسير : [الطور: 1، 2]. و{البلد الأمين}: مكة، سمي الأمين لأن من دخله كان آمناً، فالأمين فعيل بمعنى مُفعل مثل: «الداعي السمِيع» في بيت عمرو بن معديكرب، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإِسناد المجازي، أي المأمون ساكنوه قال تعالى: { أية : وآمنهم من خوف } تفسير : [قريش: 4]. والإشارة إليه للتعظيم ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين نظير قوله: { أية : لا أقسم بهذا البلد } تفسير : [البلد: 1]. وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين الأيمان وتكون إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر، فالتين إيماء إلى رسالة نوح وهي أول شريعة لِرسولٍ، والزيتون إيماء إلى شريعة إبراهيم فإنه بنى المسجد الأقصى كما ورد في الحديث وقد تقدم في أول الإِسراء، و{طور سينين} إيماء إلى شريعة التوراة، و{البلد الأمين} إيماء إلى مهبط شريعة الإِسلام، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى لأنها تكملة لشريعة التوراة. وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ظهور شريعة عيسى عليه السلام لأن المسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى ويكون قوله: {وهذا البلد الأمين} إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإِسلام فإن الإِسلام جاء على أصول الحنيفية وبذلك يكون إيماءُ هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى: { أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } تفسير : [الشورى: 13]، وبذلك يكون ترتيب الإيماء إلى شرائع نوح وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام غير جار على ترتيب ظهورها فتوجيه مخالفة الترتيب الذكري للترتيب الخارجي أنه لمراعاة اقتران الاسمين المنقولين عن اسمي الثمرتين، ومقارنة الاسمين الدالين على نوعين من أماكن الأرض، ليتأتى مُحسن مراعاة النظير ومحسن التورية، وليناسب {سينين} فواصل السورة. وفي ابتداء السورة بالقَسَم بما يشمل إرادة مهابط أشهر الأديان الإِلٰهية براعةُ استهلال لغرض السورة وهو أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، أي خلقه على الفطرة السليمة مدركاً لأدلة وجود الخالق ووحدانيته. وفيه إيماء إلى أن ما خالف ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع، ويكفي في تقوّم معنى براعة الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال. وجملة: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} مع ما عطف عليه هو جواب القسم. والقَسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفيّ يجب التدبر لإِدراكه كما سنبينه في قوله: {في أحسن تقويم}. فلذلك ناسب أن يحقق بالتوكيد بالقسم، لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه حالة من ينكرون أنهم خُلقوا على الفطرة. والخلق: تكوين وإيجاد لشيء، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول الإِيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى: { أية : لِما خلقتُ بيدي } تفسير : [ص: 75] وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسلت منها ذرياتهم كما قال: { أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تفسير : [الأعراف: 11]. وتعريف {الإنسان} يجوز أن يكون تعريف الجنس، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها. ويحمل على معنى: خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم. ويجوز أن يكون تعريف {الإنسان} تعريف الحقيقة نحو قولهم: الرجل خير من المرأة، وقول امرىء القيس: شعر : الحرب أول ما تكون فَتية تفسير : فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها. ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى: { أية : إن الإنسان خُلِق هلوعاً }، تفسير : وقد تقدم في سورة المعارج (19). والتقويم: جعل الشيء في قَوام (بفتح القاف)، أي عَدل وتسوية، وحسن التقويم أكمله وأليقه بنوع الإِنسان، أي أحسن تقويم له، وهذا يقتضي أنه تقويم خاص بالإِنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات، ويتضح ذلك في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما يفسده، ولا يعوق بعض قواه البعضَ الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه كان دونه في التقويم. وحرف {في} يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والمِلك فهي مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك، وإنما عدل عن أحد الحرفين الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك مع الإِيجاز ولولا الإِيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال: لقد خلقنا الإِنسان بتقويم مكين هُو أحسن تقويم. فأفادت الآية أن الله كوَّن الإِنسان تكويناً ذاتياً مُتناسباً ما خلق له نوعه من الإِعداد لنظامه وحضارته، وليس تقويم صورة الإِنسان الظاهرة هو المعتبر عند الله تعالى ولا جديراً بأن يقسم عليه إذ لا أثر له في إصلاح النفس، وإصلاح الغير، والإِصلاح في الأرض، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة التي في القَسَمْ بالتين والزيتون وطور سينين والبلدِ الأمين. وإنما هو متمّم لتقويم النفس قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم » تفسير : فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع. فالمرضيّ عند الله هو تقويم إدراك الإِنسان ونظره العقلي الصحيح لأن ذلك هو الذي تصدر عنه أعمال الجسد إذ الجسم آلة خادمة للعقل فلذلك كان هو المقصود من قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}. وأما خلق جسد الإِنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة ويظهر هذا كمال الظهور في قوله: {ثم رددناه أسفل سافلين} فإنه لو حمل الرد أسفل سافلين على مصير الإِنسان في أرذل العمر إلى نقائص قوته كما فسر به كثير من المفسرين لكان نبوّه عن غرض السورة أشد، وليس ذلك مما يقع فيه تردد السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم ويدل لذلك قوله بعده: { أية : إلا الذين آمنوا } تفسير : [التين: 6] لأن الإِيمان أثر التقويم لعقل الإنسان الذي يلهمه السير في أعماله على الطريق الأقوم، ومعاملةِ بني نوعه السالمين من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في تكوين الإِنسان إذا سلم من عوارض عائقة من بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين؛ إما من عاهة تلحقه لِمرض أحد الأبوين، أو لفساد هيكله من سقطة أو صدمة في حمله، وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه فيحرف شيئاً من فطرته كحماقة السوداويين والسُّكريين أو خبال المختبلين، ومما يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسكرات وتناول المخدرات مما يورثه على طولٍ انثلامَ تعقله أو خَوَرَ عزيمته. والذي نأخذه من هذه الآية أنَّ الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإِنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكاً مستقيماً مما يتأدى من المحسوسات الصادقة، أي الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين، بحيث لو جانبتْه التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار، أو لو تسلطت عليه تسلطاً ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب، لجَرى في جميع شؤونه على الاستقامة، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويُرخي العنان لهواه وشهوته، فترمي به في الضلالات، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإِطماع فيتابعهم طوعاً أو كرهاً، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد. ويفسر هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه » تفسير : الحديث؛ ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه، فهما اللذان يُلقيان في نفسه الأفكار الأولى، فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطاً ثم هو بعد ذلك عُرضة لعديد من المؤثرات فيه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، واقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على الأبوين لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما، وأشد إلحاحاً على ولدهما. ولم يعرج المفسرون قديماً وحديثاً على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم فقصروا التقويم على حسن الصورة. وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي وإبراهيم وأبي العالية، أو على استقامة القامة. وروي عن ابن عباس، أو على الشباب والجلادة، وروي عن عكرمة وابن عباس. ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس الإنسان شكرها فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين، سوى ما حكاه ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال: «تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيّناه بالتمييز» ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة يتناول مأكوله بيده وما حكاه الفخر عن الأصم «أن {أحسن تقويم} أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان». وتفيد الآية أن الإِنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنّه باطلاً أو هلاكاً، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك تراه يسر بالعدل والإِنصاف، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره، ويغيث الملهوف ويعامل بالحسنى، ويغار على المستضعفين، ويشمئزّ من الظلم ما دام مجرداً عن رَوْم نفع يجلبه لنفسه أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش بصدره، تلك العوارض التي تحول بينه وبين فطرته زمناً، ويهش إلى كلام الوعّاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويودّ طول بقائهم. فإذا ساورتْه الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال، وثقْل عليه نصح الناصحين، ووعظُ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله. ولهذا كان الأصل في الناس الخيرَ والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدِّثين. وجملة: {ثم رددناه أسفل سافلين} معطوفة على جملة: {خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} فهي في حيّز القَسَم. وضمير الغائب في قوله: {رددناه} عائد إلى الإِنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف. و{ثم} لإفادة التراخي الرُّتْبي كما هو شأنها في عطف الجمل، لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطاً بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جُبل عليه، وتغييرُ الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن، ولأنّ هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين. والمعنى: ولقد صيرناه أسفل سافلين، أو جعلناه في أسفل سافلين. والرد حقيقته إرجاع ما أخذ من شخص أو نُقل من موضع إلى ما كان عنده، ويطلق الرد مجازاً على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا. و{أسفل}: اسم تفضيل، أي أشدَّ سفالة، وأضيف إلى {سافلين}، أي الموصوفين بالسفالة. فالمراد: أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله: { أية : إلا الذين آمنوا } تفسير : [التين: 6]. وحقيقة السفالة: انخفاض المكان، وتطلق مجازاً شائعاً على الخسة والحقارة في النفس، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه. والسافلون: هم سفلة الاعتقاد، والإِشراكُ أسفل الاعتقاد فيكون {أسفل سافلين} مفعولاً ثانياً لــــ {رددناه} لأنه أجري مجرى أخوات صار. والمعنى: أن الإِنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإِيمان بإلٰه واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين، وهل أسفلُ ممن يعتقد إلٰهية الحجارة والحيوانِ الأبكم مِن بقر أو تماسيح أو ثعابين أو من شجر السَّمُر، أو مَن يحسب الزمان إلٰهاً ويسميه الدهر، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى: { أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون } تفسير : [الذاريات: 21]. فإن مِلت إلى جانب الأخلاق رأيت الإِنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل، فمِن مَلَق إذا طمِع، ومن شُحّ إذا شجع، ومن جزع إذا خاف، ومن هلع، فكم من نفوس جُعلت قرابين للآلهة، ومن أطفال موءودة، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي. وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكوّن الأسبابَ العالية ونظامَ تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مدّ وقبض الظل إليه تعالى في قوله: { أية : ألم تر إلى ربك كيف مَدّ الظل } تفسير : إلى قوله: { أية : ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً } تفسير : [الفرقان: 45، 46] وعلى نحو الإِسناد في قول الناس: بنَى الأمير مدينةَ كذا. ويجوز أن يكون {أسفل سافلين} ظرفاً، أي مكاناً أسفلَ مَا يسكنه السافلون، فإضافة {أسفل} إلى {سافلين} من إضافة الظرف إلى الحالِّ فيه، وينتصب {أسفل} بــــ {رددناه} انتصاب الظرف أو على نزع الخافض، أي إلى أسفل سافلين، وذلك هو دار العذاب كقوله: { أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } تفسير : [النساء: 145] فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه، وإسناد الرد إلى الله تعالى على هذا الوجه حقيقي. وأحسب أن قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين} انتزَع منه مالك رحمه الله ما ذكره عياض في «المدارك» قال: قال ابن أبي أويس: قال مالك: أقبلَ عليَّ يوماً ربيعة فقال لي: مَن السَّفلة يا مالك؟ قلت: الذي يأكل بدينه، قال لي: فمن سفلة السفلة؟ قلت: الذي يأكل غيرُه بدينه. فقال: (زِهْ) وصدَرني (أي ضرب على صدرِي يعني استحساناً). وأنَّ المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ضلّلهم كبراؤهم وأيمتهم فسوّلوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم.

الشنقيطي

تفسير : التين هو الثمرة المعروفة التي لا عجم لها ولا قشرة، والزيتون هو كذلك الثمرة التي منها الزيت، وطور سينين هو جبل الطور الذي ناجى موسى عنده ربه، والبلد الأمين هو مكة المكرمة، والواو للقسم. وقد اختلف في المراد بالمقسم به في الأول، والثاني التين والزيتون، واتفقوا عليه في الثالث والرابع على ما سيأتي. أما التين والزيتون، فعن ابن عباس رضي الله عنهما "أنهما الثمرتان المعروفتان" وهو قول عكرمة والحسن ومجاهد. كلهم يقول: التين: تينكم الذي تأكلون، والزيتون: زيتونكم الذي تعصرون. وعن كعب: التين: مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس. وكذا عن قتادة. وأرادوا منابت التين والزيتون بقرينة الطور والبلد الأمين، على أن منبت التين والزيتون لعيسى، وطور سينين لموسى، والبلد الأمين لمحمد صلى الله عليه وسلم. ولكن حمل التين والزيتون على منابتهما لا دليل عليه، فالأولى إبقاؤهما على أصلهما، ويشهد لذلك الآتي: أولاً التين: قالوا: إنه أشبه ما يكون من الثمار بثمر الجنة، إذ لا عجم له ولا قشر، وجاء عنه في السنة "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم أهدى له طبق فيه تين، فأكل منه ثم قال لأصحابه: فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه، فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس"تفسير : ، ذكره النيسابوري ولم يذكر من خرجه. وذكره ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، قائلاً: ويذكر عن أبي الدرداء "حديث : أهدى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين" تفسير : وساق النص المتقدم. ثم قال: وفي ثبوت هذا نظر. وقد ذكر المفسرون وابن القيم وصاحب القاموس: للتين خواص، وقالوا: إنها مما تجعله محلاً للقسم به، وجزم ابن القيم: أنه المراد في السورة. ومما ذكروا من خواصه، قالوا: إنه يجلو رمل الكلى والمثانة ويؤمن من السموم، وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة، ويغسل الكبد والطحال، وينقي الخلط البلغمي من المعدة، ويغذي البدن غذاء جيداً، ويابسه يغذي وينفع العصب. وقال جالينوس: إذا أكل مع الجوز والسذاب، قبل أخذ السم القاتل نفع، وحفظ من الضر، وينفع السعال المزمن ويدر البول ويسكن العطش الكائن عن البلغم المالح، ولأكله على الريق منفعة عجيبة. وقال ابن القيم: لما لم يكن بأرض الحجاز والمدينة، لم يأت له ذكر في السنة، ولكن قد أقسم الله به في كتابه، لكثرة منافعه وفوائده. والصحيح: أن المقسم به هو التين المعروف. اهـ. وكما قال ابن القيم رحمه الله: لم يذكر في السنة لعدم وجوده بالحجاز والمدينة، فكذلك لم يأت ذكره في القرآن قط إلاَّ في هذا الموضع، ولم يكن من منابت الحجاز والمدينة لمنافاة جوه لجوها، وهو إن وجد أخيراً إلاَّ أنه لا يجود فيها جودته في غيرها. فترجح أن المراد بالتين هو هذا المأكول، كما جاء عمن سمينا: ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن. أما الزيتون، فقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في المقدمة، أن من أنواع البيان إذا اختلف في المعنى المراد، وكان مجيء أحد المعنيين أو المعاني المحتملة أكثر في القرآن، فإنه يكون أولى بحمل اللفظ عليه. وقد جاء ذكر الزيتون في القرآن عدة مرات مقصوداً به تلك الشجرة المباركة، فذكر في ضمن الأشجار خاصة في قوله تعالى من سورة الأنعام {أية : وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} تفسير : [الأنعام: 99] - إلى قوله - {أية : إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 99]، وسماها بذاتها في قوله تعالى من سورة المؤمنين {أية : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} تفسير : [المؤمنون: 20]، وذكرها مع النخل والزرع في عبس في قوله تعالى: {أية : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً} تفسير : [عبس: 27-29]، وذكر من أخص خصائص الأشجار، في قوله في سورة النور في المثل العظيم المضروب {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35]. فوصفها بالبركة ووصف زيتها بأنه يكاد يضيء، ولو لم تمسسه نار، واختيارها لهذا المثل العظيم، يجعلها أهلاً لهذا القسم العظيم هنا. أما طور سينين: فأكثرهم على أنه جبل الطور، الذي ناجى الله موسى عنده، كما جاء في عدة مواطن، وذكر الطور فيها للتكريم وللقسم فمن ذكره للتكريم قوله تعالى: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} تفسير : [مريم: 52]، ومن ذكره للقسم به قوله تعالى: {أية : وَٱلطُّورِ وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ} تفسير : [الطور: 1-2]. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورة الطور قوله، وقد أقسم الله بالطور في قوله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ} ا هـ. أما البلد الأمين فهو مكة لقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]، فالأمين بمعنى الأمن، أي من الأعداء، أن يحاربوا أهله أو يغزوهم، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]، والأمين بمعنى أمن جاء في قول الشاعر: شعر : ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني حلفت يميناً لا أخون أميني تفسير : يريد: آمني.

الواحدي

تفسير : {والتين والزيتون} هما جبلان بالشَّام، طور تينا، وطور زيتا بالسِّريانية، سمِّيا بالتِّين والزَّيتون؛ لأنَّهما يُنبتانهما. {وطور سِنين} جبل موسى عليه السَّلام، وسينين: المبارك بالسِّريانية. {وهذا البلد الأمين} [الآمن]. يعني: مكَّة، سمَّاه أميناً لأنه آمنٌ لا يُهاج أهله. {لقد خلقنا الإِنسان في أحسن تقويم} صورةٍ؛ لأنَّه معتدل القامة، يتناول مأكوله بيده. {ثمَّ رددناه أسفل سافلين} إلى أرذل العمر، والسَّافلون: هم الهرمى والزَّمنى والضَّعفى. {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ ممنون} يعني: إنَّ المؤمن إذا ردَّ إلى أرذل العمر كُتب له مثل أجره إذا كان يعمل، بخلاف الكافر، فذلك قوله: {فلهم أجرٌ غَيرُ ممنون} أي: غير مقطوعٍ. وقيل: معنى: {ثم رددناه أسفل سافلين}: إلى النَّار، يعني: الكافر، ثمَّ استثنى المؤمنين، فقال: {إلاَّ الذين آمنوا} وهذا القول أظهر، ثمَّ قال توبيخاً للكافر: {فما يكذبك} أيُّها الإِنسان {بعد} هذه الحُجَّة {بالدين} بالحساب والجزاء، ومعنى: ما يُكذِّبك: ما الذي يجعلك مكذِّباً بالدِّين. وقيل: إنَّ هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما الذي يكذِّبك يا محمد بعد ما تبيَّن من قدرتنا على خلق الإِنسان، وظهر من حجَّتنا، كأنَّه قال: فمَنْ يقدر على تكذيبك بالثَّواب والعقاب. {أليس الله بأحكم الحاكمين} في جميع ما خلق وصنع، وكلُّ ذلك دالٌّ على علمه وحكمته [جلَّ جلاله، وتقدَّست أسماؤه، ولا إله غيره].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بالتين والزيتون لبركتهما وعظيم منفعتهما. 2- وبالجبل الذى كلَّم الله عليه موسى. 3- وهذا البلد - مكة - المعظمة، يشهد بعظمتها مَن زارها. الآمن مَنْ دخلها. 4- لقد خلقنا جنس الإنسان مقوماً فى أحسن ما يكون من التعديل. متصفاً بأجمل ما يكون من الصفات. 5- ثم أنزلنا درجته إلى أسفل سافلين لعدم قيامه بموجب ما خلقناه عليه. 6- لكن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، فلهم أجر غير مقطوع عنهم ولا ممنون به عليهم. 7- فأى شئ يحملك على التكذيب بالبعث والجزاء. بعد أن وضحت قدرتنا على ذلك؟! 8- أليس الله الذى فعل ما أنبأناك به بأحكم الحاكمين صنعاً وتدبيراً؟!

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والتين والزيتون: هما المعروفان التين فاكهة والزيتون ما يستخرج منه الزيت. وطور سنين: جبل الطور الذي ناجى الربّ تعالى فيه موسى عليه السلام. وهذا البلد الأمين: مكة المكرمة لأنها بلد حرام لا يقاتل فيها فمن دخلها آمن. لقد خلقنا الإِنسان: جنس الإِنسان آدم عليه السلام وذريته. في أحسن تقويم: أي في أجمل صورة في اعتدال الخلق وحسن التركيب. أسفل سافلين: أي إلى أرذل العمر حتى يخرف ويصبح لا يعلم بعد أن كان يعلم. أجر غير ممنون: أي غير منقطع فالشيخ الهرم الخرف المسلم يكتب له ما كان يفعله أيام قدرته على العمل فأجره لا ينقطع إلا بموته. معنى الكلمات: قوله تعالى {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} هذا قسم جليل من أقسام الرب تعالى حيث أقسم فيه بأربعة أشياء وهي التين وهو التين المعروف وهو أشبه شيء بفاكهة الجنة لخلوه من العَجَمِ. وما يوجد بداخل الفاكهة كالنواة ونحوها، والزيتون وهو ذو منافع يؤكل ويدهن به ويستصبح به ويتداوى به كذلك، وبطور سينين وهو جبل سينا في فلسطين إذ تم عليه أكبر حدث في تاريخ الحياة وهو أن الله تعالى كلم موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه عدة مرات وأسمعه كلامه وتجلى للجبل فصار دكا. وبمكة أم القرى التي دحيت الأرض من تحتها وفيها بيت الله وحولها حرمه هذا قسم عظيم وجوابه قوله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ولقد تضمن هذا الجواب لذلك القسم أكبر مظاهر القدرة والعلم والرحمة وهي موجبة للإِيمان بالله وتوحيده ولقائه وهو ما كذب به أهل مكة وأنكروه وبيان ذلك أن الإِنسان كائن حي مخلوق فخالقه ذو قدرة قطعا وتعديل خلقه بنصب قامته وتسوية أعضائه وحسن سمته وجمال منظره دال على علم وقدرة وهي موجبة للإِيمان بالله ولقائه إذ القادر على خلق الإِنسان اليوم وقبل اليوم قادر على خلقه غدا كما شاء متى شاء ولا يرد هذا إلا أحمق جاهل، وقوله ثم رددناه أسفل سافلين وذلك بهرم بعض أفراده والنزول بهم إلى ما أسفل من سن الطفولة حيث يصبح الرجل فاقدا لعقله وقواه فيفقد قواه العقلية والبدنية وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} وهو أن كانوا يقومون به من الفرائض والنوافل وسائر الطاعات والقربات لا ينقطع أجرهم منها بكبرهم وعدم قيامهم بها في سن الشيخوخة والهرم والخرف بخلاف الكافر والفاجر والفاسق فليس لهم أعمال لا تنقطع إلا من سن منهم سنة سيئة فإِن ذنبه لا ينقطع ما بقى من يعمل بتلك السنة السيئة. وقوله تعالى {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} أي فمن يقدر على تكذيبك يا رسولنا بعد هذه الآيات والحجج والبراهين الدالة على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته فمن يكذب بالبعث والجزاء على الكسب الإِرادي الاختياري في هذه الحياة من خير وشر فإِنه وإن كذب بالدين وهو الجزاء الأخروي على عمل المكلفين في هذه الحياة الدنيا فإِن هذا التكذيب قائم على أساس العناد والمكابرة إذ الحجج الدالة على يوم الدين والجزاء فيه تجعل المكذب به مكابرا أو جاحدا لا غير. وقوله تعالى {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}؟ بلى فليس هناك أعدل من الله وأحسن حكما فكيف يظن إذا أن الناس يعملون متفاوتين في أعمالهم في هذه الدنيا ثم يموتون سواء ولا جزاء بعد بالثواب ولا بالعقاب هذا ظلم وباطل ومنكر ينزه الرب عنه سبحانه وتعالى فقضية البعث الآخر لا تقبل الجدل والمماحكة بحال من الأحوال. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان منافع التين والزيتون واستحباب غرس هاتين الشجرتين والعناية بهما. 2- بيان شرف مكة. وحرمها. 3- بيان فضل الله على الإِنسان في خلقه في أحسن صورة وأقوم تعديل. 4- تقرير فضل الله على الإِنسان المسلم وهو أنه يطيل عمره فإِذا هرم وخرف كتب له كل ما كان يعمله من الخير ويجانبه من الشر. 5- مشروعية قول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين بعد قراءة والتين إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

القطان

تفسير : التين: ثمر معروف. الزيتون: ثمر معروف. طور سينين: جبل الطور الذي كلّم الله عليه موسى، وهو معروف في سيناء. البلد الأمين: مكة المكرمة. في أحسن تقويم: في أجمل صورة وأعدل قامة. أسفلَ سافلين: جهنم. غير ممنون: غير مقطوع. أَقسَمَ الله بالتّينِ والزيتون لبَرَكَتِهما وعظيم منفعتهما (فان التينَ من الثمار المباركة، وهو غذاء كامل. وكذلك الزيتون، فإنه غذاء ودواء. وكان في الزمن الماضي يُستعمل للإنارة ايضاً فهو مثل البترول في هذه الايام، ولا يزال محتفظاً بمكانته). وقال بعض المفسرين: إن التِّين هو عصرُ الإنسان الأول، والزيتون: عصرُ نوحٍ... وهو كلامٌ ليس عليه دليل. وأقسَمَ بطورِ سينين، الجبلِ الذي كلَّم الله عليه موسى، وبهذا البلدِ الأمين، مكة المكرمة، الّتي يَأمنُ فيها من دَخَلها على نفسِه وماله - أننا خلقْنا الإنسانَ في أحسن صورة، وجعلناه مديدَ القامة، وزيّناه بالعقلِ والحِكمة والمعرفة. {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} حين ينحرفُ بهذه الفطرة عن الدِين الذي بَيَّنّاه له. وقد تركناه يختار أحدَ النَّجدين، فالذين ينحرفون مصيرُهم جهنّمُ، حيث يكونون في أسفل سافلين. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} وهؤلاء هم الذين يبقون على سَواءِ الفِطرة، ويكمّلونها بالإيمان والعملِ الصالح.. وبذلك يرتقون بها الى الكمال المقدَّر لها، فيكون لهم عندنا أجرٌ دائمٌ غيرُ مقطوع. وفي ظل هذه الحقائق ينادي جلَّ وعلا الانسانَ بقوله: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} فأيّ شيء يحملك أيها الإنسانُ على التكذيب بالبعث والجزاء بعدَ هذا البيان، وبعد وضوح البراهين؟ {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}. أليس اللهُ بأعدَلِ العادلين حينَ يحكُم في أمرِ الخَلق بهذا الصنع العظيم والتدبير الحكيم؟ وكان علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما اذا قرأآ {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} قالا: بلى، وإنّا على ذلك من الشاهدين.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ المَقْصُودِ بِالتِّين وَالزِّيْتُونِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا التِّينُ وَالزَّيْتُونَ الثَّمَرَانِ المَعْرُوفَانِ، فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بَعْضَ الثِّمَارِ كَالعِنَبِ وَالنَّخْلِ وَالفَاكِهَةِ وَالطَّلْحِ وَالسِّدْرِ. - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ التِّينَ إِشَارَةٌ إِلَى عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَمَا كَانَ الإِنْسَانُ يَسْتُرُ نَفْسَهُ بِوَرَقِ التِّينِ (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ). أَمَّا الزَّيْتُونُ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلى عَهْدِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَبَعْدَ أَنِ انْتَهَى الطُّوفَانُ أَرْسَلَ نُوحٌ طَيراً فَعَادَ إِلَيهِ يَحْمِلُ وَرَقَةَ زَيْتُونٍ، فَعَلِمَ أَنَّ الطُّوفَانَ قَدِ انْتَهَى، وَأَنَّ الأَرْضَ عَادَتْ تُنْبِتُ. - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ التِّينَ وَالزَّيْتُونَ إِشَارَةٌ إِلَى القُدْسِ وَهِيَ مَبْعَثُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لأَِنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَى طُورِ سِينَاءَ وَمَكَّةَ. وَطُورُ سِينَاءَ هِيَ المَكَانُ الذِي كَلَّمَ اللهُ فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ مَكَّةَ مَبْعَثُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَيَكُونُ تَعَالَى قَدْ أَقْسَمَ بِثَلاَثَةِ مَوَاقِعَ مُشَرَّفَةٍ بِبَعْثِهِ فِيهَا ثَلاَثَةِ مِنَ الرُّسُلِ الكِرَامِ أُولِي العَزْمِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التِّينُ والزَّيْتُونُ إِشَارَةً إِلَى أَمَاكِنَ وَذِكْرَيَاتٍ ذَاتِ عِلاَقَةٍ بِالدِّينِ وَالإِيْمَانِ، أَوْ ذَاتِ عِلاَقَةٍ بِنَشْأَةِ الإِنْسَانِ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم هذا الذي تأكلون، وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. أخبرني الحسين قال: حدّثنا السُني قال: وجدت في كتاب أبي: حدّثنا القاسم بن أبي الحسين الزبيدي قال: حدّثنا سهل بن إبراهيم الواسطي، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني الثقة عن أبي ذر قال: حديث : أُهدي للنبيّ صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: "كلوا، ثم قال: لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه، لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا يوسف بن أحمد أبو يعقوب قال: حدّثنا العباس بن أحمد بن علي قال: حدّثنا معلل بن نقيل الحداني قال: حدّثنا محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، حديث : عن عبد الرحمن بن غنم قال: سافرت مع معاذ بن جبل، [فكان يمرّ] بشجرة الزيتون فيأخذ منها القضيب فيستاك به ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول] نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيّب الفم، ويذهب بالجفر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي مسواكي ومسواك الأنبياء قبلي ". تفسير : وقال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنيم: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. عن الضحّاك: هما مسجدان بالشام. عن محمد بن كعب: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد إيليا، ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون. أبو مكين، عن عكرمة: جبلان. عن عطية، عن ابن عباس: التين: مسجد نوح الذي [بناه] على الجودي، والزيتون: بيت المقدس. عن نهشل، عن الضحّاك: التين: المسجد الحرام. والزيتون: المسجد الأقصى. وسمعت محمد بن عبدوس يقول: سمعت محمد بن الحميم يقول: سمعت الفرّاء يقول: سمعت رجلا من أهل الشام وكان صاحب تفسير قال: التين: جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون: جبال الشام. {وَطُورِ سِينِينَ} يعني جبل موسى، قال عكرمة: السينين: الجسر بلغة الحبشة. الحكم والنضر عنه: كلّ جبل ينبت فهو طور سينين، كما ينبت في السهل كذلك ينبت في الجبل، وعن مجاهد: الطور الجبل، وسينين: المبارك. وعن قتادة: المبارك الحسن. عن مقاتل: كل جبل فيه شجرة مثمرة فهو سينين وسينا وهو بلغة النبط. عن الكلبي: يعني الجبل المشجر. عن شهر بن حوشب: التين: الكوفة، والزيتون: الشام، وطور سينين: جبل فيه ألوان الأشجار. قال عبد الله بن عمر: أربعة أجبال مقدّسة بين يدي الله سبحانه، طور تينا وطور زيتا وطور سينا وطور يتمانا، فأما طور تينا فدمشق، وأما طور زيتا فبيت المقدس، وأما طور سينا فهو الذي كان عليه موسى، وأما طور يتمانا فمكة. أخبرنا أبو سفيان الحسين بن محمد بن عبد الله المقري قال: حدّثنا البغوي ببغداد قال: حدّثنا ابن أبي شيبة قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا وكيع عن أبيه وسفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرأ بمكة في المغرب: والتين والزيتون وطور سيناء، قال: فظننت أنه إنما يقرؤها ليعلم حرمة البلد. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} الآمن، يعني مكة، وأنشد الفرّاء: شعر : ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني حلفت يميناً لا أخون أميني تفسير : يريد آمني. {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل شي منكبّاً على وجهه إلاّ الإنسان. وقال أبو بكر بن ظاهر: مزيناً بالعقل، مؤدّباً بالأمر، مهذّباً بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} يعني إلى أرذل العمر، ينقص عمره ويضعف بدنه ويذهب عقله. قال ابن عباس: [إنّ] نفراً ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عذرهم وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. قال عكرمة: لم يضرّ هذا الشيخ الهرم كبره إذا ختم الله تعالى له بأحسن ما كان يعمل. قال أهل المعاني: السافلون: الضعفى والهرمى والزمنى، فقوله (أسفل سافلين) نكرة تعمّ الجنس، كما تقول: فلان أكرم قائم، فإذا عرّفت قلت: القائمين. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن مهران قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفراي قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا خالد الزيات قال: حدّثنا داوّد ابو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمّر بن حزم الأنصاري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالديه، فإن عمل سيئة لم تكتب عليه، ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم، أمر الله الملكين اللذين معه يحفظانه ويسدّدانه، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله سبحانه من البلايا الثلاث: من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفّعه في أهل بيته، وكان اسمه أسير الله في الأرض، فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، كتب الله سبحانه له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ". تفسير : وقال الحسن ومجاهد وقتادة: يعني ثم رددناه الى النار. وقال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة، في صورة خنزير. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن حواس قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي قال: أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيُملأ، فهي أسفل السافلين، وفي مصحف عبد الله، (أسفل السافلين) بالألف. ثم استثنى فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} يعني ثم رددناه أسفل سافلين، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم، فلا تثبت لهم حسنة {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} منهم، فأنه يكتب لهم في حال هرمهم وخرفهم مثل الذي كانوا يعملونه في حال شبابهم وصحتهم وقوّتهم، فذلك قوله سبحانه {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال الضحّاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزاماً للحجة وتوبيخاً للكافر. {فَمَا يُكَذِّبُكَ} أيها الإنسان بعد هذه الحجة والبرهان {بِٱلدِّينِ} بالحساب والجزاء. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} قال قتادة: حديث : بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين ".

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} قال: هما التين والزيتون الذي يأْكل الناس. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَطُورِ سِينِينَ} [الآية: 2]. قال: الطور: الجبل، والسينين: المبارك.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {طُورِ سِينِينَ} هو جبل الطور الذي كلم الله عليه موسى ومعنى {سِينِينَ} المبارك {تَقْوِيمٍ} تعديل يقال: قوَّم العود أي عدَّله وجعله مستقيما، وقوَّمه الدهر جعله متزناً حصيف الرأي والعقل {مَمْنُونٍ} مقطوع {بِٱلدِّينِ} الجزاء مأخوذ من دان بمعنى جازى ومنه الحديث الشريف "حديث : كما تدين تُدان"تفسير : أي كما تفعل تُجازى. التفسِير: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} هذا قسمٌ أي أُقسمُ بالتين والزيتون لبركتهما وعظيم منفعتهما قال ابن عباس: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت وقال عكرمة: أقسم الله تعالى بمنابت التين والزيتون، فإِن التين ينبتُ كثيراً بدمشق، والزيتون ببيت المقدس.. وهو الأظهر، ويدل عليه أن الله تعالى عطف عليه الاماكن "جبل الطور" و"البلد الأمين" فيكون قسماً بالبقاع المقدسة التي شرَّفها الله تعالى بالوحي والرسالات السماوية {وَطُورِ سِينِينَ} أي وأُقسم بالجبل المبارك الذي كلَّم الله عليه موسى وهو "طور سيناء" ذو الشجر الكثير، الحسن المبارك قال الخازن: سمي "سينين" و"سيناء" لحسنه ولكونة مباركاً، وكلُّ جبلٍ فيه أشجارٌ مثمرة يسمى سينين وسيناء {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} أي وأٌقسم بالبلد الأمين "مكة المكرمة" التي يأمن فيها من دخلها على نفسه وماله كقوله تعالى {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 67]!! قال الألوسي: هذه أقسام ببقاع مباركة شريفة على ما ذهب إِليه الكثيرون، فأما البلد الأمين فمكة المكرمة - حماها الله - بلا خوف، وأما طور سينين فالجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه، ويقال له: طور سيناء، وأما التين والزيتون فروي عن قتادة أن المراد بهما جبلان: أحدهما بدمشق، والثاني ببيت المقدس، وعنى بالتين والزيتون منبتيهما، وقيل: المراد بهما الشجران المعروفان وهو قول ابن عباس ومجاهد، والغرض من القسم بتلك الأشياء الإِبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير والبركة ببعثة الأنبياء والمرسلين وقال ابن كثير: ذهب بعض الأئمة إِلى أن هذه محالٌ ثلاث، بعث الله في كلٍ منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار فالأول: محلة التين والزيتون وهي "بيت المقدس" التي بعث الله فيها عيسى عليه السلام والثاني: طور سينين وهو "طور سيناء" الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران والثالث: البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل الله فيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في آخر التوراة هذه الأماكن الثلاثة "جاء اللهُ من طور سيناء - الجبل الذي كلم الله عليه موسى - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً صلى الله عليه وسلم" فذكرهم بحسب ترتيبهم بالزمان، وأقسم بالأشرف ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما، وجواب القسم هو قوله {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي لقد خلقنا جنس الإِنسان في أحسن شكل، متصفاً بأجمل وأكمل الصفات، من حسن الصورة، وانتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، مزيناً بالعلم والفهم، والعقل والتمييز، والنطق والأدب، قال مجاهد: {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أحسن صورة، وأبدع خلق {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أي ثم أنزلنا درجته إِلى أسفل سافلين، لعدم قيامه بموجب ما خلقناه عليه، حيث لم يشكر نعمة خلقنا له في أحسن صورة، ولم يستعمل ما خصصناه به من المزايا في طاعتنا، فلذلك سنرده إِلى أسفل سافلين وهي جهنم قال مجاهد والحسن: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} أسفل دركات النار وقال الضحاك: أي رددناه إِلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة قال الألوسي: والمتبادرُ من السياقِ الإِشارة الى حالة الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي إِلا المؤمنين المتقين الذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي فلهم ثواب دائم غير مقطوع عنهم، وهو الجنة دار المتقين {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} الخطاب للإِنسان على طريقة الالتفات أي فما سبب تكذيبك أيها الانسان، بعد هذا البيان وبعد وضوح الدلائل والبراهين؟ فإِن خلق الإِنسان من نطفة، وإيجاده في أجمل شكل وأبدع صورة، من أوضح الدلائل على قدرة الله عز وجل على البعث والجزاء، فما الذي يدعوك إِلى التكذيب بيوم الدين بعد هذه البراهين؟ {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} أي أليس الله الذي خلق وأبدع، بأعدل العادلين حكماً وقضاءً وفصلاً بين العباد؟! وفي الحديث حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين . تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المجاز العقلي بإِطلاق الحال وإِرادة المحل {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} أراد موضعهما الشام وبيت المقدس على القول الراجح. 2- الطباق بين {أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} وبين {أَسْفَلَ سَافِلِينَ}. 3- جناس الاشتقاق {أَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}. 4- الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب زيادة في التوبيخ والعتاب {فَمَا يُكَذِّبُكَ}؟! 5- الاستفهام التقريري {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ}؟ 6- السجع المرصَّع {ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ.. أَسْفَلَ سَافِلِينَ.. أَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} والله أعلم. لطيفَة: ذكر الإِمام القرطبي: أن "عيسى الهاشمي" كان يحب زوجته حباً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إِن لم تكوني أحسن من القمر!! فاحتجبت عنه وقالت طلقتني، فحزن حزناً شديداً وذهب إِلى الخليفة "المنصور" وأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طُلّقت، إِلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة فقد بقى ساكتاً فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال له الرجل يا أمير المؤمنين: يقول الله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} فليس شيء أحسن من الإِنسان، فقال صدقت، وردها إِلى زوجها.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ} فالتِّينُ: الذي يُؤكلُ والزَّيتونُ: الَّذِي يُعصرُ. ويقال: التِّينُ والزَّيتونُ جَبلان. والطّورَ: جَبلٌ وسيناء: الحسنُ بالحَبشيةِ. و: {ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} يعني مكة.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها من كمله الله تعالى خلقاً وفضله على سائر العالم ثم ذكر هنا حالة من يعاد به وأنه يرده إلى أسفل السافلين في الدنيا والآخرة وأقسم تعالى بما أقسم به أنه خلقه مهيأ لقبول الحق نقله كما أراد إلى الحالة السافلة والظاهر أن التين والزيتون هما المشهور إذ بهذا الإِسم وفي الحديث حديث : مدح التين وأنه يقطع البواسير وينفع من النقرس تفسير : وقال تعالى: {أية : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ}تفسير : [المؤمنون: 20] أقسم تعالى بمنابتهما فالتين ينبت كثيراً بدمشق والزيتون بايليا فأقسم بالأرضين وقيل هما جبلان بالشام على أحدهما دمشق على الآخر بيت المقدس ومعنى سينين ذو الشجر. {وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} هو مكة وأمين للمبالغة أي آمن من فيه ومن دخله وما فيهن من طير وحيوان ومعنى القسم بهذه الأشياء إبانة شرفها وما ظهر فيها من الخير بسكنى الأنبياء والصالحين. فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم عليه السلام ومولد عيسى ومنشأ والطور المكان الذي نودي عليه موسى عليه السلام ومكة مكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ومكان البيت الذي هو هدى للعالمين. {فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} في أحسن صورته وحواسه والإِنسان هنا إسم جنس وأحسن صفة لمحذوف تقديره في تقويم أحسن تقويم. {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} أي بالهرم وذهول العقل وتغلب الكبر حتى يصير لا يعلم شيئاً أما المؤمن فمرفوع عنه القلم والاستثناء على هذا منقطع وليس المعنى أن كل إنسان يعتريه هذا بل في الجنس من يعتريه ذلك ومن لا يعتريه وفي الحديث وفيه أيضاً حديث : أن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب له خير ما كان يعمل في قوته تفسير : وذلك أجر غير ممنون أي غير مرفوع ولا مقطوع أو محسوب يمن به عليهم والخاب في فما يكذبك للإِنسان الكافر أي ما الذي يجعلك مكذباً بالدين تجعل لله تعالى أنداداً وتزعم أن لا بعث بعد هذه الدلائل. {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} وعيد للكفار وإخبار بعدله تعالى.

الجيلاني

تفسير : {وَ} حق {ٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} [التين: 1] هما جبلان في الأرض المقدسة، يكثر فيها كلتا الفاكهتين. {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 2] أي: الجبل الذي ناجى عليه موسى الكليم مع ربه. {وَ} لا سيما بحق {هَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} [التين: 3] يعني: مكة - شرفها الله - سماها أميناً؛ لأن من دخله إيماناً واحتساباً كان آمناً من العذاب الأليم. وبالجملة: بحق هذه المقسمات العظام {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي: جنسه {فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] وأقوم تعديل؛ إذ لا مظهر أعدل منه وأقوم بحسب الظاهر والباطن؛ لذلك اصطفيناه لخلافتنا من بين خليقتنا. {ثُمَّ} بعدما تعلق إرادتنا لرداءة فعله {رَدَدْنَاهُ} وأحطناه من تلك المرتبة العلية والدرجة السنية {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] وهي مقتضيات الإمكان، المستلزم لدركات النيران، وسلاسل أمانيها وأغلال آمالها. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بوحدة الحق {وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} المخلصة لهم عن قيود الإمكان، المقربة لهم إلى فضاء الوجوب {فَلَهُمْ} بعدما وصلوا إلى عالم اللاهوت {أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] أي: نعم لا تنقطع، ولا يمن بها عليهم أصلاً. وبعدما نبه سبحانه على ما نبه بأبلغ وجه وأوكده، حيث عموم الإنسان على الإيمان ورغبهم إلى اليقين والعرفان، فقال على وجه التقريع والتوبيخ: {فَمَا يُكَذِّبُكَ} أي: أي شيء يحملك على الكفر والطغيان والتكذيب والكفران أيها الإنسان المجبول على فطرة التوحيد والعرفان {بَعْدُ} أي: بعدما ظهر الحق، ولاحت دلائل التصديق وأمارات اليقين {بِٱلدِّينِ} [التين: 7] القويم، والسبيل المستقيم؟! {أَلَيْسَ ٱللَّهُ} القادر المقتدر على أمثال هذا الرد والخلق بالإرادة والاختيار {بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} [التين: 8] على كل ما شاء، وأراد، سواء كان بدءاً أو إعادة، فله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا يسأل عن فعله، إنه حكيم حميد. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي الطالب للتقرر والثبوت على جادة التوحيد التي هي أحسن تقويم الإنسان، وأعدل طريقه أن تتأمل في هذه الصورة حق التأمل، وتدخر لنفسك من فوائدها ما هو أهم، فعليك التوبة إلى الله، والإتيان بصوالح الأعمال، والاجتناب عن فواسدها. وإياك إياك أن تتلطخ بقاذورات الدنيا، وتنغمس بأمانيها، فإنها ترديك وتردك إلى أدنى مراتب الإمكان الجالب لأسفل دركات النيران، وتغويك فيها بأنواع الخيبة والخذلان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا ساكن البلد الأمين، وآكل ثمرة اليقين من شجرة التين، اعلم أن الله أقسم بالتين وهو الثمرة اليقينية الذاتية الوجودية اللاهوتية، وبالزيتون وهو الثمرة العينية الصفاتية الجبروتية، وبطور سينين بفله الملكوتي الذي هو جبل مضى صفاؤه وسناؤه من سناء سبحات الجلال عليه بترتيب أمر النطق؛ وهو جبل ختم الله طينه بيدي لطفه وقهره في أربعين درجة، لاهوتية وجبروتية وملكوتية وناسوتية عشراً عشراً في صباح حاجز بين ظلمة العالم الجسماني وضياء العالم الروحاني، وبه يتم تدبير الأمر وهو المقصود من تجلي الذات وإبراز الصفات وإصدار الأفعال وإظهار الآثار؛ لأن الله تعالى أدرج {أية : كُنْ}تفسير : [آل عمران: 47] كون ذلك الجبل جوهر اللطيفة العارفة المعرفة الشاهد المشهودة للمرآتية، وهو القلب. {ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} [التين: 3]؛ أي: المأمون من دخول الشيطان فيه، بيت الله الحرام الذي قال في كتابه: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97] من عذاب الفرقة، والدخول في هذا البيت الحرام على النفس الملوثة بمحبة الدنيا الملطخة بمشتهياتها واتباعها على وفق الهوى المكدرة باشتغال بما سوى الحق تعالى، والحق يقسم بذاته وصفاته وأفعاله وآثاره في كلامه بقوله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 1-4]؛ يعني: جمعنا فيه الحقائق اللأهوتية، والدقائق الجبروتية، والرقائق الملكوتية، والشقائق الناسوتية. {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5]؛ يعني: رددناه إلى أسفل سافلين الطبيعة للابتداء، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6] لأجل هذا الترديد؛ لأنهم صدقوا اللطيفة الخفية، وآمنوا بالحق واستعملوا قواهم في الأعمال الصالحات، فلهم أجر على هذه الأعمال التي عملوا لله {غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6]؛ أي: غير مقطوع أبد الآباد، وكان ردنا إياهم وقت التدبير إلى {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] الطبيعة ليكتسبوا القوى الصالحة، وتعرج إلى ربها مع حصول المعارف على سبيل التفضيل، ويجتازوا عن درجة الروحانيين، ويكونوا مرآة لوجه الله تعالى الملك الكريم من كمال عنايتنا بهم واصطفائهم بالمرآتية من بين المخلوقات. {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ} [التين: 7]؛ يعني: فما يكذبك الشيطان بعد هذا التقدير، وكشف سر التدبير وحكمة العروج إلى الرب القدير {بِٱلدِّينِ} [التين: 7] الذي هو فطرتك الخفية، أتظن أن الله خلقكم عبثاً؟! أتحسب أن الله تعالى جمع فيك المفردات وركبك من لطائف المفردات العلوية والسفلية بالهزل؟! وإنك لا ترجع إليه {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَاكِمِينَ} [التين: 8]؟! يعني أن الحكم الحقيقي للحاكم القادر لا يفعل فعلاً عبثاً، ولا يخلق شيئاً باطلاً فخلقه لك {فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، ثم رده إياك إلى {أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5] [لم] يكن من غير حكمة، ولا يكون بعد هذا الرد رجوعك إليه، ولا ينفي منك لطيفة باقية تتنعم وتتألم بعد خراب البدن، فكل نفس تكون مطمئنة تؤمن وتقول: بلى وأنا من الشاهدين على أنك أحكم الحاكمين، ولا يمكن أن يصدر منك فعل غير حق وعمل غير متقن، خلقنا لمظهرية صفات لطفك وقهرك، وأودعت فينا لطيفة مستحقة؛ لتكون مرآة لذاتك، فطوبى لمن آمن بحقيتك وعمل عملاً صالحاً على مرآة وجوده بتصقيلها وإقامتها محاذاة الوجه بعد إخراج الحديد من الجبل، وبناء البلد الأمين الذي فيه مسكن المعمّلة، وغرس الأشجار المثمرة؛ ليضيء بضياء نور مروج في دهن الزيت {ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ} [التين: 3]، فيطلع في بستانه على ثمرة المعرفة الذاتية ويجتنبها ويأكلها ويصل إلى لطيفة ذوقها، اللهم أذقنا معرفتك الذاتية بمحمد صلى الله عليه وسلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { التين } هو التين المعروف، وكذلك { الزَّيْتُونَ } أقسم بهاتين الشجرتين، لكثرة منافع شجرهما وثمرهما، ولأن سلطانهما في أرض الشام، محل نبوة عيسى ابن مريم عليه السلام. { وَطُورِ سِينِينَ } أي: طور سيناء، محل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم. { وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ } وهي: مكة المكرمة، محل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأقسم تعالى بهذه المواضع المقدسة، التي اختارها وابتعث منها أفضل النبوات وأشرفها. والمقسم عليه قوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } أي: تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا، ومع هذه النعم العظيمة، التي ينبغي منه القيام بشكرها، فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور، وسفساف الأخلاق، فردهم الله في أسفل سافلين، أي: أسفل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم، إلا من من الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة العالية، { فَلَهُمْ } بذلك المنازل العالية، و { أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } أي: غير مقطوع، بل لذات متوافرة، وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة، في أبد لا يزول، ونعيم لا يحول، أكلها دائم وظلها، { فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ } أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء على الأعمال، وقد رأيت من آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين، ومن نعمه ما يوجب عليك أن لا تكفر بشيء مما أخبرك به، { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا يعاقبون؟ أم الذي خلق الإنسان أطوارًا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم والخير والبر ما لا يحصونه، ورباهم التربية الحسنة، لا بد أن يعيدهم إلى دار هي مستقرهم وغايتهم، التي إليها يقصدون، ونحوها يؤمون. تمت ولله الحمد.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} [1] 702 - أنا قُتيبة بن سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ هو ابنُ سعد -، وأنا قُتيبة بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ، قال: حديث : صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العِشاءَ، فقرأ بالتينِ والزَّيتون ، تفسير : وقال مالِكٌ: "الْعتمَةَ".

همام الصنعاني

تفسير : 3650- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلتِّينِ}: [الآية: 1]، قال: الجبل الذي عليه دمشق. {وَٱلزَّيْتُونِ}: [الآية: 1]، الذي عليه بيت المقدس. {وَطُورِ سِينِينَ}: [الآية: 2]، جبل بالشَّام جبل مبارك حسَنٌ. 3651- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال الكلبي: هو التين والزيتون اللذان تأْكُلُونَ، وأما طور سينين فهو الجبل ذو الشجر.