٩٦ - ٱلْعَلَق
96 - Al-Alaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } اعلم أن في الباء من قوله: {بِٱسْمِ رَبّكَ } قولين: أحدهما: قال أبو عبيدة: الباء زائدة، والمعنى: اقرأ اسم ربك، كما قال الأخطل:شعر : هن الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : ومعنى اقرأ اسم ربك، أي أذكر اسمه، وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها: أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول: ما أنا بقارىء، أي لا أذكر اسم ربي وثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول، لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولاً به أبداً وثالثها: أن فيه تضييع الباء من غير فائدة. القول الثاني: أن المراد من قوله: {ٱقْرَأْ } أي اقرأ القرآن، إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه قال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءانَهُ } تفسير : [القيامة: 18] وقال: {أية : وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ }تفسير : [الإسراء: 106] وقوله: {بِٱسْمِ رَبّكَ } يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون محل باسم ربك النصب على الحال فيكون التقدير: اقرأ القرآن مفتتحاً باسم ربك أي قل: باسم الله ثم اقرأ، وفي هذا دلالة على أنه يجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر به، وفي هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجباً ولا يبتدىء بها وثانيها: أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعيناً باسم ربك كأنه يجعل الاسم آلة فيما يحاوله من أمر الدين والدنيا، نظيره كتبت بالقلم، وتحقيقه أنه لما قال له: {ٱقْرَأْ } فقال له: لست بقارىء، فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمَ رَبّكَ } أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك وثالثها: أن قوله: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } أي اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير وصنعت هذا الكتاب باسم الوزير ولأجله، فإن العبادة إذا صارت لله تعالى، فكيف يجترىء الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى؟ فإن قيل: كيف يستمر هذا التأويل في قولك: قبل الأكل بسم الله، وكذا قبل كل فعل مباح؟ قلنا: فيه وجهان أحدهما: أن ذلك إضافة مجازية كما تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار لتدفع بذلك ظلم الظلمة، كذا تضيف فعلك إلى الله ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك، فقد روى أن من لم يذكر اسم الله شاركه الشيطان في ذلك الطعام والثاني: أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى على طاعة الله فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه. أما قوله: {رَبَّكَ } ففيه سؤالان: أحدها: وهو أن الرب من صفات الفعل، والله من أسماء الذات وأسماء الذات أشرف من أسماء الفعل، ولأنا قد دللنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم الله أشرف من اسم الرب، ثم إنه تعالى قال ههنا: {بِٱسْمِ رَبّكَ } ولم يقل: اقرأ باسم الله كما قال في التسمية المعروفة: بسم الله الرحمـن الرحيم وجوابه: أنه أمر بالعبادة، وبصفات الذات، وهو لا يستوجب شيئاً، وإنما يستوجب العبادة بصفات الفعل، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة، ولأن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع فاستماله ليزول الفزع، فقال: هو الذي رباك فكيف يفزعك؟ فأفاد هذا الحرف معنيين أحدهما: ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل والثاني: أن الشروع ملزم للاتمام، وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك، أي حين كنت علقاً لم أدع تربيتك فبعد أن صرت خلقاً نفيساً موحداً عارفاً بي كيف أضيعك؟. السؤال الثاني: ما الحكمة في أنه أضاف ذاته إليه، فقال: {بِٱسْمِ رَبّكَ }؟ الجواب: تارة يضيف ذاته إليه بالربوبية كما ههنا، وتارة يضيفه إلى نفسه بالعبودية، أسرى بعبده، نظيره قوله عليه السلام:«حديث : علي مني وأنا منه»تفسير : كأنه تعالى يقول: هو لي وأنا له، يقرره قوله تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] أو نقول: إضافة ذاته إلى عبده أحسن من إضافة العبد إليه، إذ قد علم في الشاهد أن من له إبنان ينفعه أكبرهما دون الأصغر، يقول: هو ابني فحسب لما أنه ينال منه المنفعة، فيقول الرب تعالى: المنفعة تصل مني إليك، ولم تصل منك إلى خدمة ولا طاعة إلى الآن، فأقول: أنا لك ولا أقول أنت لي، ثم إذا أتيت بما طلبته منك من طاعة أو توبة أضفتك إلى نفسي فقلت: أنزل على عبده {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ } تفسير : [الزمر: 53]. السؤال الثالث: لم ذكر عقيب قوله: {رَبَّكَ } قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ }؟ الجواب: كأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربي؟ فيقول: لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوماً. ثم صرت موجوداً فلا بد لك في ذاتك وصفاتك من خالق، وهذا الخلق والإيجاد تربية فدل ذلك على أني ربك وأنت مربوبي.
القرطبي
تفسير : هذه السورة أوّل ما نزل من القرآن؛ في قول معظم المفسرين. نزل بها جبريل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو قائم على حِراء، فعلمه خمسَ آيات من هذه السورة. وقيل: إن أوّل ما نزل {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}، قاله جابر بن عبد الله؛ وقد تقدم. وقيل: فاتحة الكتاب أوّل ما نزل؛ قاله أبو مَيْسَرة الهَمْدانيّ. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: أوّل ما نزل من القرآن { أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تفسير : [الأنعام: 151] والصحيح الأوّل. قالت عائشة: أوّل ما بُدِىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة؛ فجاءه الملك فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ }. خرجه البخارِيّ. وفي الصحيحين عنها قالت: « حديث : أوّل ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوَحْي الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مِثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخَلاء، فكان يخلو بغار حِراءٍ، يتحنث فيه اللياليَ ذواتِ العدد، قبلَ أَنْ يَرْجع إلى أَهْلِهِ ويتزوّد لذلك؛ ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها؛ حتى فجِئه الحقّ وهو في غار حِراء، فجاءه الملك، فقال: «اقرأ»: فقال: ما أنا بقارىء ـ قال ـ فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهدُ ثم أرسلني»، فقال: «اقرأ» فقلت: «ما أنا بقارىء». فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني» فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } الحديث بكماله »تفسير : . وقال أبو رجاء العُطارِدِيّ: وكان أبو موسى الأشعرِيّ يطوف علينا في هذا المسجد: مسجدِ البصرة، فيُقْعِدنا حِلَقاً، فيقرِئنا القرآن؛ فكأني أنظر إليه بين ثوبين له أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ }. وكانت أوّل سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وروتْ عائشة رضي الله عنها أنها أوّل سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعدها { أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ } تفسير : [القلم: 1]، ثم بعدها { أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } تفسير : [المدثر: 1] ثم بعدها «والضحى» ذكره الماوردِيّ. وعن الزُّهرِيُّ: « حديث : أول ما نزل سورة: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} ـ إلى قوله ـ{مَا لَمْ يَعْلَمْ}، فحزِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلو شواهِق الجبال، فأتاه جبريل فقال له: «إنك نبيُّ الله» فرجع إلى خديجة وقال: «دَثِّروني وصُبُّوا عليّ ماء بارداً» فنزل {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ}.تفسير : ومعنى {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي اقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك، وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة. فمحل الباء من «باسم ربك» النصب على الحال. وقيل: الباء بمعنى على، أي اقرأ على اسم ربك. يقال: فعل كذا باسم الله، وعلى اسم الله. وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله. وقال قوم: اسم ربك هو القرآن، فهو يقول: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي اسمَ ربك، والباء زائدة؛ كقوله تعالى: { أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } تفسير : [المؤمنون: 20]، وكما قال: شعر : سُودُ المَحاجِر لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ تفسير : أراد: لا يقرأن السور. وقيل: معنى «اقرأ باسم ربك» أي اذكر اسمه. أمره أن يبتدىء القراءة باسم الله.
البيضاوي
تفسير : مكية. وآيها تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } أي اقرأ القرآن مفتتحاً باسمه سبحانه وتعالى. أو مستعيناً به. {ٱلَّذِى خَلَقَ } أي الذي له الخلق أو الذي خلق كل شيء، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعاً وتدبيراً وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } أو الذي {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } فأبهم أولاً ثم فسر تفخيماً لخلقه ودلالة على عجيب فطرته. {مِنْ عَلَقٍ } جمعه على {ٱلإِنسَـٰنَ } في معنى الجمع ولما كان أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى نزل أولاً ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته. {ٱقْرَأْ } تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق والثاني للتبليغ أو في الصلاة ولعله لما قيل له: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } فقال: حديث : ما أنا بقارىء،تفسير : فقيل له اقرأ: {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } الزائد في الكرم على كل كريم فإنه سبحانه وتعالى ينعم بلا عوض ويحلم من غير تخوف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة. {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } أي الخط بالقلم، وقد قرىء به لتقيد به العلوم ويعلم به البعيد. {عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً، وقد عدد سبحانه وتعالى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهاراً لما أنعم عليه، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته، وأشار أولاً إلى ما يدل على معرفته عقلاً ثم نبه على ما يدل عليها سمعاً. {كَلاَّ } ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ }. {أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } أن رأى نفسه، واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد. {إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } الخطاب للإنسان على الالتفات تهديداً وتحذيراً من عاقبة الطغيان، و {ٱلرُّجْعَىٰ } مصدر كالبشرى. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } نزلت في أبي جهل قال لو رأيت محمداً ساجداً لوطئت عنقه، فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له مالك، فقال إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة. فنزلت ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي. {أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله: {أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له. والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه، أو آمراً {بِٱلتَّقْوَىٰ } فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الصواب كما تقول، {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله. وقيل المعنى {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْداً } يصلي والمنهي على الهدى آمراً بالتقوى، والناهي مكذب متولٍ فما أعجب من ذا. وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر فإنه سبحانه وتعالى كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله سبحانه وتعالى أمراً بالتقوى أتنهاه، ولعله ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ ولم يتعرض له في النهي لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى، فاقتصر على ذكر الصلاة لأنه دعوة بالفعل أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن يكون لها ولغيرها، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة. {كَلاَّ } ردع للناهي. {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } عما هو فيه. {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ } لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة، وقرىء «لنَسْفَعَنَّ» بنون مشددة و«لأسفعن»، وكتابته في المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء باللام عن الإِضافة للعلم بأن المراد ناصية المذكور. { نَاصِيَةٍ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } بدل من الناصية وإنما جاز لوصفها، وقرئت بالرفع على هي ناصية والنصب على الذم ووصفها بالكذب والخطأ، وهما لصاحبها على الإسناد المجازي للمبالغة. {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم. روي أنا أبا جهل لعنه الله مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال: ألم أنهك، فاغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:حديث : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزلتتفسير : {سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط واحدها زبنية كعفرية من الزبن وهو الدفع، أو زبني على النسب وأصلها زباني والتاء معوضة عن الياء. {كَلاَّ} ردع أيضاً للناهي. {لاَ تُطِعْهُ} أي أثبت أنت على طاعتك. {وَٱسْجُدْ } داوم على سجودك. {وَٱقْتَرِب} وتقرب إلى ربك وفي الحديث «حديث : أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد»تفسير : عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله».
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ــــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الوحي وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فقلت: ما أنا بقارىء ــــ قال ــــ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} - حتى بلغ - {مَا لَمْ يَعْلَمْ} » تفسير : قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «حديث : زمّلوني زملوني» تفسير : فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: «حديث : يا خديجة مالي؟» تفسير : وأخبرها الخبر وقال: «حديث : قد خشيت على نفسي.»تفسير : فقالت له: كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أو مخرجي هم؟» تفسير : فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به، إلا عودي، وإن يدركني يومك، أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا، حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن بذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل، تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري، وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده، فهو هناك محرر، ولله الحمد والمنة، فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان مالم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان؛ ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة، وفيه أيضاً: من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يكن يعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱقْرَأْ } أوجد القراءة مبتدئا {بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } الخلائق.
الشوكاني
تفسير : قرأ الجمهور: {اقرأ} بسكون الهمزة أمراً من القراءة. وقرأ عاصم في رواية عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفاً ثم حذفها للأمر. والأمر بالقراءة يقتضي مقروءاً، فالتقدير: اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أمرت بقراءته، وقوله: {بِٱسْمِ رَبّكَ } متعلق بمحذوف هو حال، أي: اقرأ ملتبساً باسم ربك، أو مبتدئاً باسم ربك، أو مفتتحاً، ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: اقرأ اسم ربك كقول الشاعر:شعر : سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : قاله أبو عبيدة. وقال أيضاً: الاسم صلة، أي: اذكر ربك. وقيل الباء بمعنى على، أي: اقرأ على اسم ربك، يقال افعل كذا بسم الله، وعلى اسم الله قاله الأخفش. وقيل: الباء للاستعانة، أي: مستعيناً باسم ربك، ووصف الربّ بقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ } لتذكير النعمة لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه يترتب سائر النعم. قال الكلبي: يعني الخلائق. {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ } يعني: بني آدم. والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: {من علق} بجمع علق؛ لأن المراد بالإنسان الجنس. والمعنى: خلق جنس الإنسان من جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ } كل المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفاً له لما فيه من بديع الخلق، وعجيب الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيراً للأول. والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أبهم أوّلاً، ثم فسرّ ثانياً. ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير، فقال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأكْرَمُ } أي: افعل ما أمرت به من القراءة، وجملة: {وَرَبُّكَ ٱلأكْرَمُ } مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : ما أنا بقارىء» تفسير : يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وهو أميّ. فقيل له: اقرأ، وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم. قال الكلبي: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم. وقيل: إنه أمره بالقراءة أوّلاً لنفسه، ثم أمره بالقراءة ثانياً للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأوّل أولى. {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } أي: علم الإنسان الخط بالقلم. فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب. قال الزجاج: علم الإنسان الكتابة بالقلم. قال قتادة: القلم نعمة من الله عزّ وجلّ عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمي قلماً لأنه يقلم أي: يقطع. {عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } هذه الجملة بدل اشتمال من التي قبلها، أي: علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها. قيل: المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأسْمَاء كُلَّهَا }تفسير : [البقرة: 31]. وقيل: الإنسان هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأولى حمل الإنسان على العموم، والمعنى: أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علمه ما لم يعلم. وقوله: {كَلاَّ } ردع وزجر لمن كفر نعم الله عليه بسبب طغيانه وإن لم يتقدم له ذكر. ومعنى {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ } أنه يجاوز الحد، ويستكبر عل ربه. وقيل: المراد بالإنسان هنا أبو جهل، وهو المراد بهذا، وما بعده إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أوّل هذه السورة. وقيل: {كَلاَّ } هنا بمعنى حقاً قاله الجرجاني، وعلل ذلك بأنه ليس قبله ولا بعده شيء يكون "كلا" ردّاً له، وقوله: {أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } علة ليطغى، أي ليطغى أن رأى نفسه مستغنياً، والرؤية هنا بمعنى العلم، ولو كانت البصرية لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشيء واحد لأن ذلك من خواص باب علم، ونحوه. قال الفرّاء: لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تريد اسماً وخبراً نحو الظنّ والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول: رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجاً، ومتى تظنك خارجاً. قيل: والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة والأنصار والأموال. قرأ الجمهور: {أن رآه} بمد الهمزة. وقرأ قنبل عن ابن كثير بقصرها. قال مقاتل: كان أبو جهل إذا أصاب مالاً زاد في ثيابه، ومركبه، وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه. وكذا قال الكلبي. ثم هدد سبحانه وخوّف، فقال: {إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } أي. المرجع، والرجعى والمرجع والرجوع مصادر. يقال: رجع إليه مرجعاً ورجوعاً ورجعى. وتقدّم الجار والمجرور للقصر، أي: الرجعى إليه سبحانه لا إلى غيره. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } قال المفسرون: الذي ينهي أبو جهل، والمراد بالعبد محمد، وفيه تقبيح لصنعه، وتشنيع لفعله حتى كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية. {أَرَءيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ } يعني: العبد المنهيّ إذا صلى، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ } أي: بالإخلاص والتوحيد، والعمل الصالح الذي تتقي به النار. {أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولى عن الإيمان. وقوله: {أَرَأَيْتَ } في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني؛ لأن الرؤية لما كانت سبباً للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له. وقد ذكر هنا: {أرأيت} ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها. بجملة استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأوّل محذوف، وهو ضمير يعود على {الذي ينهى} الواقع مفعولاً أوّل لـ {أرأيت} الأولى، ومفعول {أرأيت} الأولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد {أرأيت} الثانية. وأما {أرأيت} الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أوّل، ولا ثاني، حذف الأوّل لدلالة مفعول {أرأيت} الثالثة عليه فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع {أرأيت} في الموضعين الآخرين. فهو محذوف تقديره: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ }، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. ومعنى: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } أي: يطلع على أحواله، فيجازيه بها، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ. وقيل: {أرأيت} الأولى مفعولها الأوّل الموصول، ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور. و{أرأيت} في الموضعين تكرير للتأكيد. وقيل كل واحدة من {أرأيت} بدل من الأولى. و: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } الخبر. قوله {كَلاَّ } ردع للناهي، واللام في قوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } هي الموطئة للقسم، أي: والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ } السفع الجذب الشديد، والمعنى: لنأخذنّ بناصيته، ولنجرّنه إلى النار. وهذا كقوله: {أية : فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِى وَٱلاْقْدَامِ } تفسير : [الرحمٰن: 41] ويقال سفعت الشيء: إذا قبضته وجذبته.. ويقال: سفع بناصية فرسه. قال الراغب: السفع الأخذ بسفعة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد: قيل: به سفعة غضب اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتدّ به الغضب، وقيل للصقر أسفع لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى. وقيل: هو مأخوذ من سفع النار والشمس: إذا غيرت وجهه إلى سواد. ومنه قول الشاعر:شعر : أثافيّ سفعاً في معرّس مرجل تفسير : وقوله: {نَاصِيَةٍ } بدل من الناصية. وإنما أبدل النكرة من المعرفة لوصفها بقوله: {كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } وهذا على مذهب الكوفيين فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا شرط وصفها. وأما على مذهب البصريين، فيجوز إبدال النكرة من المعرفة، وأنشدوا:شعر : فلا وأبيك خير منك إني ليؤذيني التحمحم والصهيل تفسير : قرأ الجمهور بجرّ: {ناصية كاذبة خاطئة} والوجه ما ذكرنا. وقرأ الكسائي في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ، أي: هي ناصية، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن عليّ بنصبها على الذمّ. قال مقاتل: أخبر عنه بأنه فاجر خاطىء، فقال: ناصية كاذبة خاطئة، تأويلها: صاحبها كاذب خاطىء. {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } أي: أهل ناديه. والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة. والمعنى: ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، ومنه قول الشاعر:شعر : واستبّ بعدك يا كليب المجلس تفسير : أي: أهله. قيل: إن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتهدّدني وأنا أكثر الوادي نادياً؟ فنزلت: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } أي: الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج. قال الكسائي، والأخفش وعيسى بن عمر: واحدهم زابن. وقال أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد وأبابيل. وقال قتادة: هم الشرط في كلام العرب، وأصل الزبن الدفع، ومنه قول الشاعر:شعر : ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم تفسير : والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتدّ بطشه، ومنه قول الشاعر:شعر : مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عظام حلومها تفسير : قرأ الجمهور: {سندع} بالنون، ولم ترسم الواو، كما في قوله: {أية : يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ } تفسير : [القمر: 6] وقرأ ابن أبي عبلة: (سيدعى) على البناء للمفعول، ورفع الزبانية على النيابة. ثم كرّر الردع والزجر فقال: {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ } أي: لا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة: {وَٱسْجُدْ } أي: صلّ لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه: {وَٱقْتَرِب } أي: تقرّب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. وقيل المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من النار. والأوّل أولى. والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل سجود التلاوة، ويدلّ على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من السجود عند تلاوة هذه الآية، كما سيأتي إن شاء الله. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال:«أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقرأ. فقال: وما أقرأ؟ فضمه ثم قال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } حتى بلغ: {مَا لَمْ يَعْلَمْ }». وفي الصحيحين: وغيرهما من حديث عائشة فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال: «حديث : قلت ما أنا بقارىء، تفسير : قال: حديث : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلنيتفسير : فقال: اقرأ، فقلت: حديث : ما أنا بقارىء، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني تفسير : فقال: اقرأ، فقلت: حديث : ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهدتفسير : فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } الآية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأنّ عنقه، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : لو فعل لأخذته الملائكة عياناً» تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر نادياً مني. فأنزل الله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فقيل: ما يمنعك؟ فقال: قد اسودّ ما بيني وبينه». قال ابن عباس: والله لو تحرّك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: واللات والعزّى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأنّ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً»تفسير : قال: وأنزل الله: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } إلى آخر السورة. يعني أبا جهل {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } يعني قومه. {سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } يعني الملائكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ * عبداً إِذَا صَلَّىٰ } قال: أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلى على ظهره وهو ساجد لله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {لَنَسْفَعاً } قال: لنأخذن. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } قال: ناصره. وقد قدّمنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسجد في: {أية : إِذَا ٱلسَّمَاء ٱنشَقَّتْ } تفسير : [الإِنشقاق: 1] وفي: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ }.
الماوردي
تفسير : قوله: {اقرأ باسْمِ ربِّك الذي خَلَقَ} روي عن عبيد بن عمير قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أتاه بنمط فغطّه فقال: اقرأ، فقال: والله ما أنا بقارىء، فغطّه ثم قال: اقرأ، فقال: والله ما أنا بقارىء فغطّه غطاً شديداً ثم قال: {اقرأ باسم ربك الذي خَلَقَ} أي استفتح قراءتك باسم ربك الذي خلق وإنما قال الذي خلق لأن قريشاً كانت تعبد آلهة ليس فيهم خالق غيره تعالى، فميّز نفسه بذلك ليزول عنه الالتباس. روت عائشة رضي الله عنها أنها أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعدها " نون والقلم" ثم بعدها " يا أيها المدثر" ثم بعدها " والضحى". {خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ} يريد بالإنسان جنس الناس كلهم، خلقوا من علق بعد النطفة، والعلق جمع علقة، والعلقة قطعة من دم رطب سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفت لم تكن علقة، قال الشاعر: شعر : تركْناه يخرُّ على يديْه يَمُجُّ عليهما عَلَقَ الوتين تفسير : ويحتمل مراده بذلك وجهين: أحدهما: أن يبين قدر نعمته على الإنسان بأن خلقه من علقة مهيئة حتى صار بشراً سوياً وعاقلاً متميزاً. الثاني: أنه كما نقل الإنسان من حال إلى حال حتى استكمل، كذلك نقلك من الجهالة إلى النبوة حتى تستكمل محلها. {اقْرَأ وربُّكَ الأكْرَمُ} أي الكريم. ويحتمل ثانياً: اقرأ بأن ربك هو الأكرم، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه دل بها على نعمة كرمه. قال إبراهيم بن عيسى اليشكري: من كرمه أن يرزق عبده وهو يعبد غيره. {الذي علّمَ بالقَلَمِ} أي عَلّم الكاتب أن يكتب بالقلم، وسمي قلماً لأنى يقلم أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده ثم قال لسائر الخلق: كن، فكان، القلم والعرش وجنة عدن وآدم. وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أراد آدم عليه السلام، لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني: إدريس وهو أول من كتب، قاله الضحاك. الثالث: أنه أراد كل من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله له، وجمع بذلك بين نعمته تعالى عليه في خلقه وبين نعمته تعالى عليه في تعليمه استكمالاً للنعمة عليه. {علَّمَ الإنسانَ مالم يَعْلَمْ} فيه وجهان: أحدهما: الخط بالقلم، قاله قتادة وابن زيد. الثاني: علمه كل صنعه علمها فتعلم، قاله ابن شجرة. ويحتمل ثالثاً: علمه من حاله في ابتداء خلقه ما يستدل به على خلقه وأن ينقله من بعد على إرادته.
ابن عطية
تفسير : في صحيح البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها، قال: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث في غار حراء، فكان يخلو فيه فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ثم ينصرف حتى جاءه الملك وهو في غار حراء، فقال له: {اقرأ} ، فقال: ما أنا بقارىء، قال: فأخذني فغطني ثم كذلك ثلاث مرات، فقال له في الثالثة: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق} إلى قوله {ما لم يعلم} ، قال فرجع بها رسول ترجف بوادره الحديث بطوله، ومعنى هذه الآية، {اقرأ} هذا القرآن {باسم ربك} ، أي ابدأ فعلك بذكر اسم ربك، كما قال: {أية : اركبوا فيها بسم الله} تفسير : [هود: 41] هذا وجه. ووجه آخر في كتاب الثعلبي أن المعنى: {اقرأ} في أول كل سورة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ووجه آخر أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو {باسم ربك الذي خلق} ، كأنه قال له: {اقرأ} هذا اللفظ، ولما ذكر الرب وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أرباباً جاءه بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله تعالى: {الذي خلق}، ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، وما يجده كل مفطور في نفسه، فقال: {خلق الإنسان من علق}، وخلقة الإنسان من أعظم العبر حتى أنه ليس في المخلوقات التي لدينا أكثر عبراً منه في عقله وإدراكه ورباطات بدنه وعظامه، والعلق جمع علقة، وهي القطعة اليسيرة من الدم، و {الإنسان} هنا: اسم الجنس، ويمشي الذهن معه إلى جميع الحيوان، وليست الإشارة إلى آدم، لأنه مخلوق من طين، ولم يكن ذلك متقرراً عند الكفار المخاطبين بهذه الآية، فلذلك ترك أصل الخلقة وسيق لهم الفرع الذي هم به مقرون تقريباً لأفهامهم، ثم قال تعالى: {اقرأ وربك الأكرم} على جهة التأنيس، كأنه يقول: امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص، فهو ينصرك ويظهرك، ثم عدد تعالى نعمة الكتاب {بالقلم} على الناس وهي موضع عبرة وأعظم منفعة في المخاطبات وتخليد المعارف، وقوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم} قيل: المراد محمد عليه السلام، وقيل: اسم الجنس وهو الأظهر، وعدد نعمته اكتساب المعارف بعد جهله بها، وقوله تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى} الآية نزلت بعد مدة من شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه طغى لغناه ولكثرة من يغشى ناديه من الناس، فناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد، ويروى أنه قال: لئن رأيت محمداً يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليه القول وانتهره وتوعده، فقال أبو جهل: أيتوعدني، وما والي بالوادي أعظم ندياً مني، ويروى أيضاً أنه جاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فهمَّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، ثم كع عنه وانصرف، فقيل له: ما هذا؟ فقال: لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار، وهول وأجنحة، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو دنا مني لأخذته الملائكة عياناً"، تفسير : فهذه السورة من قوله: {كلا} إلى آخرها نزلت في أبي جهل، و {كلا}: هي رد على أقوال أبي جهل وأفعاله، ويتجه أن تكون بمعنى: حقاً، فهي تثبيت لما بعدها من القول والطغيان: تجاوز الحدود الجميلة، والغني: مطغ إلا من عصم الله والضمير في {رآه} للإنسان المذكور، كأنه قال: أن رأى نفسه غنياً، وهي رؤية قلب تقرب من العلم، ولذلك جاز أن يعمل فعل الفاعل في نفسه، كما تقول: وجدتني وطننتني ولا يجوز أن تقول: ضربتني، وقرأ الجمهور: "أن رآه"، بالمد على وزن رعاه، واختلفوا في الإمالة وتركها، وقرأ ابن كثير من طريق قنبل: "أن رأه"، على وزن رعه، على حذف لام الفعل وذلك تخفيف، ثم حقر غنى هذا الإنسان وما له بقوله: {إن إلى ربك الرجعى} أي الحشر والبعث يوم القيامة، و {الرجعى}: مصدر كالرجوع، وهو على وزن: العقبى ونحوه، وفي هذا الخبر: وعيد للطاغين من الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام، ولم يختلف أحد من المفسرين في أن الناهي: أبو جهل، وأن العبد المصلي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {أرأيت} توقيف وهو فعل لا يتعدى إلى مفعولين على حد الرؤية من العلم بل يقتصر به، وقوله تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى} إكمال للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث يصلح مع كل واحد منهما فجاء بها في نسق ثم جاء بالوعيد الكافي لجميعها اختصاراً واقتضاباً، ومع كل تقرير من الثلاثة تكملة مقدرة تتسع العبارات فيها، وقوله: {ألم يعلم} دال عليها مغن، وقوله تعالى: {إن كان} يعني العبد المصلي، وقوله: {إن كذب وتولى} ، يعني الإنسان الذي ينهى، ونسب الرؤية إلى الله تعالى بمعنى يدرك أعمال الجميع بإدراك: سماه رؤية، والله منزه عن الجارحة وغير ذلك من المماثلات المحدثات، ثم توعد تعالى إن لم ينته بأن يؤخذ بناصيته فيجر إلى جهنم ذليلاً، تقول العرب: سفعت بيدي ناصية الفرس، والرجل إذا جذبتها مذللاً له، قال عمرو بن معد يكرب: [الكامل] شعر : قوم إذا سمعوا الصياح رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع تفسير : فالآية على نحو قوله: {أية : فيؤخذ بالنواصي والأقدام} تفسير : [الرحمن: 41] وقال بعض العلماء بالتفسير: {لنسفعاً} معناه: لنحرقن من قولهم سفعته النار إذا أحرقته، واكتفى بذكر الناصية لدلالتها على الوجه، وجاء {لنسفعاً} في خط المصحف بألف بدل النون، وقرأ أبو عمرو في رواية هارون: " لنسفعن " مثقلة النون، وفي مصحف ابن مسعود: " لأسفعن بالناصية ناصية كاذبة فاجرة "، وقرأ أبو حيوة: " ناصيةً كاذبةً خاطئةً " بالنصب في الثلاثة، وروي عن الكسائي أنه قرأ بالرفع فيها كلها، والناصية مقدم شعر الرأس، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله: {ناصية كاذبة} ووصفها بالكذب والخطإ من حيث صفة لصاحبها، كما تقول: يد سارقة، وقوله: {فليدع نادية} إشارة إلى قول أبي جهل، وما بالوادي أكثر نادياً مني، والنادي والندى المجلس ومنه دار الندوة ومنه قول زهير: [الكامل] شعر : وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل تفسير : ومنه قول الأعرابية: سيد ناديه، وثمال عافية، و {الزبانية} ملائكة العذاب واحدهم زبنية، وقال الكسائي زبني، وقال عيسى بن عمر والأخفش: زابن وهم الذين يدفعون الناس في النار، والزبن الدفع، ومنه حرب زبون أي تدفع الناس عن نفسها، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم تفسير : ومنه قول عتبة بن أبي سفيان: وقد زبنتنا الحرب وزبناها فنحن بنوها وهي أمنا، ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : عدتني عن زيارتك الأعادي وحالت بيننا حرب زبون تفسير : وحذف الواو من {سندع} في خط المصحف اختصاراً وتخفيفاً، والمعنى: {سندع الزبانية} لعذاب هذا الذي يدعو ناديه، وقرأ ابن مسعود: "فليدع إلى ناديه"، ثم قال تعالى لمحمد عليه السلام: {كلا} رداً على قول هذا الكافر وأفعاله {لا تطعه} أي لا تلتفت إلى نهيه وكلامه، واسجد لربك واقترب إليه بسجودك وبالطاعة والأعمال الصالحة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من الدعاء في السجود فقمين أن يستجاب لكم." تفسير : وقال مجاهد: ثم قال ألم تسمعوا: {واسجد واقترب} ، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم أن قوله تعالى: {واسجد} خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن {اقترب} خطاب لأبي جهل، أي إن كنت تجترىء حتى ترى كيف تهلك، وهذه السورة فيها سجدة عند جماعة من أهل العلم، منهم في مذهب مالك ابن وهب.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِاسْمِ رَبِّكَ} لما كانوا يعبدون آلهة لا تخلق ميز ربه عنهم بقوله {الَّذِى خَلَقَ}.
النسفي
تفسير : مكية وهي تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم عن ابن عباس ومجاهد: هي أول سورة نزلت. والجمهور على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } محل {بِٱسْمِ رَبّكَ } النصب على الحال أي اقرأ مفتتحاً باسم ربك كأنه قيل: قل باسم الله ثم اقرأ الذي خلق. ولم يذكر الخلق مفعولاً لأن المعنى الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، أو تقديره خلق كل شيء فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من بعض. وقوله {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه ولأن التنزيل إليه، ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان إلا أنه ذكر مبهماً ثم مفسراً تفخيماً لخلقه ودلالة على عجيب فطرته {مِنْ عَلَقٍ } وإنما جمع ولم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم ينعم على عباده النعم ويحلم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال {ٱلَّذِى عَلَّمَ} الكتابة {بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به. {كَلاَّ } ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ } نزلت في أبي جهل إلى آخر السورة {أَن رَّءاهُ } أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب: رأيتني وعلمتني، ومعنى الرؤية العلم ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين {ٱسْتَغْنَىٰ } هو المفعول الثاني {إِنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلرُّجْعَىٰ } تهديد للإنسان من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات. والرجعى مصدر بمعنى الرجوع أي إن رجوعك إلى ربك فيجازيك على طغيانك {أَرَءيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ } أي أرأيت أبا جهل ينهى محمداً عن الصلاة {أَرَءيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ } أي إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله {أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ } أو كان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد {أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } أرأيت إن كان ذلك الناهي مكذباً بالحق متولياً عنه كما نقول نحن {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب حاله، وهذا وعيد وقوله {ٱلَّذِى يَنْهَىٰ } مع الجملة الشرطية مفعولا {أَرَأَيْتَ }وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى؟ وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني وهذا كقولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ و {أَرَأَيْتَ } الثانية مكررة زائدة للتوكيد.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {اقرأ باسم ربك} قيل الباء زائدة مجازه اقرأ اسم ربك، والمعنى اذكر اسم ربك أمر أن يبتدىء القراءة باسم الله تأديباً، وقيل الباء على أصلها والمعنى اقرأ القرآن مفتتحاً باسم ربك أي قل بسم الله، ثم اقرأ فعلى هذا يكون في الآية دليل على استحباب البداءة بالتسمية في أول القراءة، وقيل معناه اقرأ القرآن مستعيناً باسم ربك على ما تتحمله من النبوة وأعباء الرّسالة {الذي خلق} يعني جميع الخلائق وقيل الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه وقيل الذي خلق كل شيء.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {اقرأ} بالألف: الأوقية والأعشى وحمزة في الوقف {رآه} ممالة مكسورة الراء: حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس والخزار وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والنقاش عن ابن ذكوان. وقرأ أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش بفتح الراء وكسر الهمزة. روى ابن مجاهد وأبو عون غير قنبل مفتوحة الراء مقصورة على وزن" رعه ". الوقوف: {الذي خلق} ه ج لاتباع صلة بلا عطف فإن الجملة الثانية مفسرة للأولى المبهمة، ولو جعل المعنى الذي خلق كل شيء ثم خص خلق الإنسان ازداد الوقف حسناً {علق} ه ج لأن {اقرأ} يصلح مستأنفاً وتكراراً للأول {الأكرم} ه لا {بالقلم} ه لا {يعلم} ه لا {ليطغى} ه لا {استغنى} ه ط {الرجعى} ه ط {ينهى} ه لا {صلى} ه ط {الهدى} ه لا {بالتقوى} ه ط {وتولى} ه ط {يرى} ه لا {خاطئة} ه لا {ناديه} ه لا {الزبانية} ه لا {كلا} ط على الردع {واقترب} ه. التفسير: وقد مر في أوائل الكتاب أن أكثر المفسرين زعموا أن هذه السورة أول ما نزل من السماء. وفي الباء وجهان: الأول إنها زائدة وزيف بأنه خلاف الأصل وبأن معناه حينئذ: اذكر اسم ربك فلا يحسن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ما أنا بقارىء كما جاء في الحديث، وبأنه كتحصيل الحاصل لأنه لم يكن له شغل سوى ذكر الله. والثاني وهو الأصح أنه نصب على الحال أي اقرأ القرآن مفتتحاً أو متلبساً باسم ربك وهو لغو. والباء للآلة وقد مر وجهه في تفسير البسملة. وكذا وجه من جعله متعلقاً بـ {قرأ} الثانية أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك. وقيل: هي بمعنى اللام أي اجعل هذا الفعل واقعاً لله كقولك " بنيت الدار باسم الأمير". " وصنفت الكتاب باسم الوزير". فالعبادة صارت لله تعالى لم يكن للشيطان فيها نصيب. وفي تخصيص الرب بالذكر في هذا الموضع معنيان: أحدهما ريبتك فلزمك القضاء والشكر فلا تتكاسل. والثاني أن الشروع ملزم للإتمام وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك بعد هذا فلا تفزع. ثم دل على كونه رباً بقوله {الذي خلق} أطلق الخلق أولاً ليتناول كل المخلوقات، ثم خص الإنسان بالذكر لشرفه أو لعجيب فطرته، أو لأن سوق الآية لأجله. ويجوز أن يكون الأول متروك المفعول إشارة إلى أنه لا خالق سواه ولا يتصف بهذا الاسم غيره، وحينئذ يستدل به على إبطال مذهب المعتزلة في أن العبد خالق أفعال نفسه. قال أهل العلم: إن الحكيم إذا أراد أمر استعمل فيه التدريج كما يحكى أن زفر حين بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه لم يلتفتوا إلى قوله وأبو عن قبوله، فرجع إلى أبي حنيفة وأخبره بذلك فقال: إنك لم تعرف طريق التبليغ لكن ارجع إليهم واذكر في المسألة أقاويل المتهم ثم بين ضعفها ثم قل بعد ذلك ههنا قول آخر واذكر قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم قل هذا قول أبي حنيفة فإنهم يقبلونه حينئذ. والمقصود من الحكاية أن الله تعالى كان يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم هؤلاء عبدة الأوثان والفطام من المألوف شديد، فلو خالفتهم أول مرة وصرحت عن محض الحق أبوا أن يقبلوه فاذكر لهم أولاً أنّهم المخلوقون من العلقة فلا يمكنهم الإنكار، ثم قل ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فإذا تأملوا أنصفوا أن من لم يخلق لم يكن إلهاً، والعلق جمع العلقة وإنما لم يقل علقة لأن الإنسان في معنى الجمع وفي تكرار اقرأ وجوه: اقرأ لنفسك ثم اقرأ للتبليغ أو اقرأ في خارج صلاتك، أو الأول للتعلم والثاني للتعليم وهذا قريب من الأول. والأوجه أن يراد بالأول أوجد القراءة ويكون قوله {باسم ربك} متعلقاً بـ {اقرأ} الثاني كما مر في تفسير البسملة، قلت: ويمكن أن يكون الأول إشارة إلى كونه قارئاً بالقوة ولهذا رتب عليه خلق الإنسان من علق، والثاني إشارة إلى كونه قارئاً بالفعل ولهذا وصف نفسه بالأكرمية ورتب عليه تعليم الخط والعلم. وفضائل الخط كثيرة حتى مدح بالرسائل والأشعار وكفاك في مدحه أنه تعالى حين عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة وصف نفسه بالكرم قائلاً {أية : ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} تفسير : [الانفطار: 6] وحيث من عليه بالخط والتعليم مدح ذاته بالأكرمية فقال متعرضاً {وربك الأكرم الذي علم بالقلم} أي علم الإنسان بواسطة القلم أو علمه الكتابة بالقلم. يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فماقيده؟ قال: الكتابة فإن القلم صياد يصيد العلوم يبكي تارةً ويضحك بركوعه يسجد الأنام وبحركته تبقى العلوم على ممر الليالي والأيام، وقوله {علم الإنسان ما لم يعلم} يجوز أن يكون بياناً للأول أي علمه بالقلم كقول القائل " أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات." ويحتمل أن يراد علم بالقلم وعلمه أيضاً غير ذلك. وفي الآية إشارة إلى إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة بل إلى إثبات النبوة كما أن أول السورة يدل على الأوصاف الإلهية. قوله سبحانه {كلا} ذكر بعض العلماء أنه بمعنى حقاً لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع. وقال صاحب الكشاف: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى وهذا معلوم من سياق الكلام وإن لم يذكر. وقال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أنه خلق من علقة وصار عالماً بعد أن كان جاهلاً وذلك لاستغراقه في حب المال والجاه فلا يتأمل في هذه الأحوال. ومعنى {أن رآه} لأن رأى نفسه فحذف حرف الجر على القياس، وحذف النفس لخاصيتة فعل القلب وهي جواز الجمع بين ضميري الفاعل والمفعول فيه. وأكثر المفسرين على أن المراد بالإنسان ههنا إنسان واحد هو أبو جهل. ومنهم من يقول: خمس آيات من أول هذه السورة نزلت أولاً ثم نزل باقيها في أبي جهل بعد ذلك بزمان فضم إليها وقيل: نزلت فيه من قوله {أرأيت الذي ينهى} إلى آخر السورة والإنسان عام فإن قيل: لم قال في حق فرعون {أية : إنه طغى}تفسير : [النازعات: 17] وفي حق أبي جهل {ليطغى} قلنا: إنما أخبر بذلك عن فرعون قبل أن يلقاه موسى وقبل أن يعرض عليه الأدلة، وأما هذه الآية فنزلت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حين رد أبو جهل عليه أقبح الرد. وأيضاًً إن فرعون مع كامل سلطتته ما كان يؤذي موسى إلا بالقول وأبو جهل مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وفرعون كان قد أحسن إلى موسى أولاً وقال آخراً {أية : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل}تفسير : [يونس: 9] وأما أبو جهل فكان يحسد النبي صلى الله عليه وسلم في صباه وقال في آخر عمره: بلغوا عني محمداً أني أموت ولا أجد أبغض إليّ منه. وأيضاً إنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده بل يصون عينه باليد فلهذا كانت المبالغة ههنا أكثر. واعلم أن المال ليس سبباً للطغيان على الإطلاق ولهذا ذهب جم غفير إلى أن الإنسان في الآية مخصوص وكيف لا وإنه لم يزد سليمان عليه السلام إلا تواضعاً وعبودية. روي أنه كان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكيناً. وكان عبد الرحمن بن عوف من كبار الصحابة كثير المال، وقال صلى الله عليه وسلم " حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح " تفسير : ولو أنصف العاقل وتأمل وجد نفسه في حال الغنى أشد افتقاراً إلى الله لأن الفقير لا يتمنى إلا سلامة نفسه والغني يتمنى سلامة نفسه وماله وأهله وجاهه: وقيل: السين في {استغنى} للطلب والمعنى أن الإنسان قد ينسى فضل الرب وعنايته في حالة أن رآه طلب الغنى فنال المنى بسبب الجهد والكد فينسب ذلك إلى كفاءته لا إلى عناية الله، ولم يدر أنه كم من باذل وسعة في الحرص والطلب لم يحصل إلا على خفي حنين، وأنه تعالى قد يرجع الغني آخر الأمر إلى حالة الفقر ليتحقق أن ذلك الغني لم يكن بفعله وكسبه، وإنما ذلك بحول الله وقوته. وههنا نكتة وهي أن أول السورة دل على فضيلة العلم وبعدها دل على مذمة المال فكفى ذلك مرغباً في العلم ومنفراً عن الدنيا. وفي قوله {إن إلى ربك} يا إنسان {الرجعى} أي الرجوع وعيد وتذكير كأنه قيل: مصيرك إلى الله وإلى حيث لا يدفع عنك المال والكسب فما هذه الحيلة والعصيان والكبر والطغيان؟ يروى أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتزعم أن من استغنى طغى فاعل لنا جبال مكة فضة وذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل جبرائيل فقال: يقول الله إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم. وروي أن أبا جهل لعنه الله قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته توطأت عنقه فجاءه، وهو صلى الله عليه وسلم في الصلاة ثم نكص على عقبيه فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار فنزلت {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} أي أخبرني عمن ينهي بعض عباد الله وهذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه التعجب، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول:حديث : اللهم أعز الإسلام بعمر أو بأبي جهل بن هشام تفسير : ، وكأنه تعالى قال له: يا محمد كنت تظن أنه يعز به الإسلام وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام وكان يلقب بأبي الحكم فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ويأمر بعبادة الجماد؟ وفي تنكير العبد دلالة على التفخيم كأنه قال: هو عبد لا يكتنه كنه إخلاصه في العبودية ولا يوصف شرح أخلاقه بالكلية. يروى أن يهودياً من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته وقال: أخبرني عن أخلاق رسولكم. فقال عمر: اطلب من بلال فهو أعلم به مني. ثم إن بلالاً دل على فاطمة عليها السلام وهي دلته على علي رضي الله عنه. فلما سأل علياً رضي الله عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه. فقال اليهودي: هذا لا يتيسر لي فقال علي رضي الله عنه: عجزت عن وصف الدنيا وقد حكم الله بقلته حيث قال {أية : قل متاع الدنيا قليل}تفسير : [النساء: 77] فكيف أصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهد الله بأنه عظيم في قوله {أية : وإنك لعلى خلق عظيم}تفسير : [القلم: 4] والحاصل أنه سبحانه كأنه قال: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، والنهي عن الصلاة مذموم عند العقلاء. حديث : يروى أن علياً رضي الله عنه رأى في المصلى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} تفسير : فلم يصرح بالنهي. وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قاله له أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ فقال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي عن الدعاء. ويحتمل أن يراد بالتنكير الوحدة كأنه قيل: أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي وهو عبد واحد لا أجد ساجداً غيره ولي من الملائكة المقربين ما لا يحصيه إلا الله. وفيه تفخيم شأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان من شهرته بالعبودية لا يحتاج إلى سبق الذكر كقوله {أية : أسرى بعبده}تفسير : [الإسراء: 1] {أية : أنزل على عبده} تفسير : [الكهف: 1] وعن الحسن أن الناهي أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. وأما الخطاب في قوله {أرأيت إن كان على الهدى} فالأكثرون على أنه للنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ليكون على نسق واحد. وقال في الكشاف: معناه أخبرني أن ذلك الناهي إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى. أو كان آمراً بالتقى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد. أو كان على سيرة التكذيب والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن {ألم يعلم بأن الله يرى} ويطلع على أحواله من هداه أو ضلاله فيجازيه على ذلك وهو وعيد. فقوله {الذي ينهى} مفعول أول لـ {أرأيت} الأول و{أرأيت} الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام، وقوله {إن كان على الهدى} مع ما عطف عليه مفعول ثانٍ له، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله {ألم يعلم} ويجوز أن يكون {أرأيت} الثالث أيضاً مكرراً والجواب بالحقيقة هو ما تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أو كذب وتولى فإن الله مجازيه. وقيل: إن جواب الشرط الأول شيء آخر يدل عليه سياق الكلام والمراد: أرأيت إن صار هذا الكافر على حالة الهدى أو أمر بالتقوى بدل النهي عن عبادة الله، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة. ففيه تعجيب من حاله أنه كيف فوت على نفسه مراتب الكمال والإكمال واختار بدلها طريقي الضلال والإضلال. وقيل: الخطاب في {أرأيت} الثاني للكافر كأن الظالم والمظلوم عبدان قاما بين يدي مولاهما أو هما اللذان حضرا عند الحاكم أحدهما المدعي والآخر المبدعى عليه، فيخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما قال للنبي صلى الله عليه وسلم {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} التفت إلى الكافر وقال: أرأيت يا كافر إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الدين أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك؟ ثم إن كان الخطاب في {أرأيت} الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى: أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة وتولى عن خدمة خالقه ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة حتى يصير زاجراً عنها؟ وإن كان الخطاب للكافر فالمراد إن كان محمد كاذباً أو متوالياً ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي فلا يحتاج إلى نهيك؟ قالت العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل ولا يرد عليه المنع عن الصلاة في الدار المغصوبة وفي الأوقات المكروهة ومنع المولى عبده عن قيام الليل وصلاة التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك لاستيفاء مصالح أخرى بإذن الله وحده، ثم ردع أبا جهل عن نهيه أو عن عدم علمه بإحاطة الله بجميع الكائنات أو عن عزمه على أن يقتل محمداً أو يطأ رقبته، فإن تلميذ محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يقتله ويطأ صدره، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة ومنه سفع النار للفحها كأنها تأخذ من الجسد بياضه وطراوته. وقد كتب {لنسفعا} في المصحف بالألف على حكم الوقف لأن النون الخفيفة المؤكدة يوقف عليه بالألف، واللام في قوله {بالناصية} للعهد والمراد لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ثم إن هذا السفع إما أن يكون إلى نار الآخرة وهو ظاهر، وإما أن يكون في الدنيا كما روي أنه عاد إلى النهي فمكن الله المسلمين يوم بدر حتى جروه بالناصية. يحكى أنه لما نزلت سورة الرحمن قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يقرأوها على رؤساء قريش؟ فتثاقل القوم مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود فقال: أنا. فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يعلم من صعفه ثم قال: من يقرأوها عليهم؟ فلم يقم إلا ابن مسعود فأجلسه ثم قال في الثالثة كذلك فلم يقم إلا هو فأذن له، فحين دخل عليهم وكانوا مجتمعين حول الكعبة قرأ السورة فقام أبو جهل فلطمه فانشق أذنه فأدماه فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم رق قلبه وأطرق رأسه مغموماً فإذا جبرائيل جاء ضاحكاً مستبشراً فقال: يا جبرائيل تضحك وابن مسعود يبكي، فقال: ستعلم فلما كان يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم: خذ رمحك والتمس في الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين. فأخذ يطالع القتلى فإذا أبو جهل مصروع فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه. ولعل هذا معنى قوله {أية : سنسمه على الخرطوم}تفسير : [القلم: 15] ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعباً. فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ثم قال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إليّ منه في حال حياتي ولا أحد أبغض إليّ منه في حال مماتي فروي أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى عليه السلام فإنه قال " آمنت " وهوقد زاد عتواً. ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع. فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله. قال أهل العلم: ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفاً لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه منها: أنه كلب والكلب يجر. والثاني ليشق أذنه فتقتص الأذن بالأذن. والثالث تحقق الوعد المذكور في قوله {لنسفعا} فإن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبرائيل عليه السلام بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن. والناصية شعر الجبهة، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، وقد كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية قالوا: السبب فيه أن أبا جهل كان مهتماً بترجيل الناصية وتطييبها فلقاه الله نقيض المقصود حين أعرض عن حكم المعبود. ثم وصف الناصية بأنها {ناصية كاذبة خاطئة} كذب صاحبها وخطأه حين سمى النبي صلى الله عليه وسلم الصادق ساحراً كذاباً، أو حين زعم أنه أكثر أهل الوادي نادياً، والخاطىء أفظع من المخطىء ولهذا قال {أية : لا يأكله إلا الخاطئون} تفسير : [الحاقة: 37] فالخاطىء معاقب مأخوذ والمخطئ لا يكون مأخوذاً ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وقوله {ناصية} بدل الكل من الأول، ووجه حسنها كونها موصوفة كما علم من قواعد النحو. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات قال: يا محمد بمن تهددني وإني أكثر هذا الوادي نادياً أي أهل مجلس، لأملأن عليك هذا الوادي خيلاً جرداً ورجالاً مرداً فزاد الله في تهديده قائلاً {فليدع ناديه سندع الزبانية} والزباني كل متمرد من جن وإنس ومثله " زبنية " بتخفيف الياء كعفريت وعفرية وأصله من الزبن الدفع، ولعل كسر الزاي لتغيير النسب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لو دعا نادية لأخذته الزبانية عياناً. قال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء. قال قتادة: الزبانية الشرط بلغة العرب أي الحرس، وقيل: هي جمع لا واحد له. ثم ردع أبا جهل عن قبائح أحواله وأفعاله بقوله {كلا} وشجع النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {لا تطعه} ثم قال {واسجد واقترب} أي دم على سجودك وتقرب به إلى ربك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " حديث : أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد" تفسير : وقيل: صل وتوفر على عبادة الله فعلاً وإبلاغاً. وقيل: اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل وضع قدمك عليه فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه وهذا تهكم به وتعريض بأن الله سبحانه وتعالى عاصم نبيه وحافظه والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : [قوله تعالى: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}]: هو أولُ ما نَزَلَ من كِتَابِ اللَّه تعالى، نَزَلَ صَدْرُ [هذهِ الآية] إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} في غارِ حِرَاء حَسْبَ ما ثَبَتَ في«صحيح البخاريِّ» وغيره، ومعنى قوله: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي: اقرأ هذَا القرآنَ باسمِ ربِك، أي: مبتدِئاً باسْمِ ربكَ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المقروءُ الذي أُمِرَ بقراءتِه هو {بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ} كأنه قيل له: اقرأْ هذا اللفظَ، والعلقُ: جمع عَلَقَةٍ وهي القِطْعَةُ اليَسِيرَةُ من الدَّمِ، والإنْسَانُ هنا اسمُ جنسٍ، ثم قال تعالى: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} على جِهة التأنِيسِ كأنَّه يقول: امْضِ لِما أُمِرْتَ بهِ، وَرَبُّكَ ليسَ كهذهِ الأربابِ؛ بلْ هُو الأكْرَمُ الذي لاَ يَلْحَقُه نقصٌ، ثم عدَّدَ تعالى نِعْمَةَ الكتابةِ بالقلم على الناسِ، وهي من أعظَم النِّعَم. و{عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} قيل: هو آدمُ وقيل: [هو] اسْمُ جنسٍ؛ وهو الأظْهرُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱقْرَأْ}، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: "اقر" بحذف الألف قياساً على حذفها من "اسع". وهذا على حد قول زهير: [الطويل] شعر : 5253-............................. وإلاَّ يُبْـــدَ بالـظُّلْــمِ يَظْــلِـــــمِ تفسير : وقد تقدم تحرير هذا. قوله: {بِٱسْمِ رَبِّكَ}، يجوز فيه أوجه: أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ. الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط] شعر : 5254-............................ سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ تفسير : قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة. الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك. الرابع: أنها بمعنى "عَلَى"، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 41]، قاله الأخفش. [وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في "بسم الله الرحمن الرحيم" وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة]. فصل قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على "حِرَاء"، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة. وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تفسير : [المدثر: 1]. وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 151]. قال القرطبيُّ: "الصحيح الأول". قالت عائشة - رضي الله عنها -: أول ما بدئ به صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}، خرجه البخاري. وروت عائشةُ - رضي الله عنها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعدها "ن، والقلم" ثم بعدها {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تفسير : [المدثر: 1]، ثم بعدها "والضُّحَى"، ذكره الماوردي. ومعنى قوله: "اقْرَأ" أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب. قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ}، يجوز أن يكون "خَلَقَ" الثاني تفسيراً لـ "خَلَقَ" الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً بـ "خَلَقَ الإنْسَانَ" تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد. والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: {مِنْ عَلَقٍ} جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر "العَلَق" بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟. فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين: أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل. والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: "ربك"، وقال في موضع آخر: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ"تفسير : ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1]. فقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَ} كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق. قوله: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}، فقوله تعالى: {ٱقْرَأْ} تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}، أي: الكريم. وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك. وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ]. [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه]. قوله: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم. قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا. وروى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: حديث : قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: "نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ" ". تفسير : ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام, فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة. وروى مجاهد عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه الصلاة والسلام. من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال: أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام. وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عليه الصلاة والسلام. والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى. قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل. الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال. والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة ". تفسير : قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ ". تفسير : وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن. قوله تعالى: {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. قيل: الإنسان هنا آدم - عليه الصلاة والسلام - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31]. وقيل: الإنسان - هنا - محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113]. وقيل: عام، لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 78]، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
البقاعي
تفسير : لما أمره سبحانه وتعالى في الضحى بالتحديث بنعمته، وذكره بمجامعها في {ألم نشرح} فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه، فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا قدرة لغيره إلا به، فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعاً البعث للجزاء فتشوف السامع إلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأيّ وسيلة يقف بين يدي الملك الأعلى في يوم الجمع الأكبر من خصال الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فأرشد إلى ذلك في هذه السورة، فقال بادئاً بالتعريف بالعلم الأصلي ذاكراً أصل من خلقه سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وبعض أطواره الحسنة والقبيحة تعجيباً من تمام قدرته سبحانه وتعالى وتنبيهاً على تعرفها وإنعام النظر فيها، وقدم الفعل العامل في الجار والمجرور هنا لأنه أوقع في النفس لكونها أول ما نزل فكان الأمر بالقراءة أهم: {اقرأ} وحذف مفعوله إشارة إلى انه لا قراءة إلا بما أمره به، وهي الجمع الأعظم، فالمعنى: أوجد القراءة لما لا مقروء غيره، وهو القرآن الجامع لكل خير، وأفصح له بأنه لا يقدر على ذلك إلا مبعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه، ورباه فأحسن تربيته، فقال ما أرشد المعنى إلى أن تقديره: حال كونك مفتتحاً القراءة {باسم ربك} أي بأن تبسمل، أو مستعيناً بالمحسن إليك لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى بما خصك به في {ألم نشرح} أو بذكر اسمه، والمراد على هذا بالاسم الصفات العلى، وعبر به لأنه يلزم من حسن الاسم حسن مدلوله، ومن تعظيم الاسم تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به وينسب إليه، قالوا: وهذا يدل على أن القراءة لا تكون تامة إلا بالتسمية، ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي إليها تذكر النعم لم يذكر الاسم الأعظم الجامع، وذكر صفة الإحسان بالتربية الجامع لما عداه وتأنيساً له صلى الله عليه وسلم لكونه أول ما نزل حين حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه يتعبد بربه في غار حراء، فجاءه جبرائيل عليه الصلاة والسلام بخمس آيات من أول هذه السورة إلى قوله "ما لم يعلم" ولهذا السر ساقه مساق البسملة بعبارة هي أكثر تأنيساً في أول الأمر وأبسط منها، فأشار إلى الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال، وأشار إلى عموم منة الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول، وإلى خصوص صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها بلوغ النهاية، وذلك لا يكون بدون إفاضة العمل بما يرضي، فيكون سبباً للكرامة الدائمة، وبالتعليم الذي من شأنه أن يهدي إلى الرضوان، وأشار إلى الاستعاذة بالأمر بالقرآن لما أفهمه قوله سبحانه وتعالى:{أية : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة}تفسير : [الإسراء:45] - أي من شياطين الإنس والجن-{ أية : حجاباً مستوراً}تفسير : [الإسراء: 45] وقوله تعالى:{أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98]. ولما خصه تشريفاً بإضافة هذا الوصف الشريف إليه، وصفه على جهة العموم بالخلق والأمر إعلاماً بأن له التدبير والتأثير، وبدأ بالخلق لأنه محسوس بالعين، فهو أعلق بالفهم، وأقرب إلى التصور، وأدل على الوجود وعظيم القدرة وكمال الحكمة، فكانت البداءة به في هذه السورة التي هي أول ما نزل أنسب الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله، وهي بالنظر إلى أفعاله في غاية الوضوح فقال: {الذي خلق *} وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له هذا الوصف وهو التقدير والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما يكون، فكل شيء يدخل في الوجود فهو من صنعه ومتردد بين إذنه ومنعه وضره ونفعه. ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات، وكان الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه، ولباب حقيقته وسر محضه، وأدل على تمام القدرة لكونه جامعاً لجميع ما في الأكوان، فكان خلقه أبدع من خلق غيره، فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة، خصه فقال: {خلق الإنسان} أي هذا الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى ما أخلاقه وحسه، وما ألفه من أبناء جنسه. ولما كانت العرب تأكل الدم، وكان الله تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة، فإذا أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه، قال معرفاً بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب: {من علق *} أي خلق هذا النوع من هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ، جمع علقة، وكذا الطين الذي يعلق باليد يسمى علقاً، وهم مقرّون بخلق الآدمي من الأمرين كليهما، فالآية من أدلة إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه على استعمال المشترك في معنييه، ولعله عبر به ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من الإشارة إلى بديع الصنعة - إشارة إلى حرمة أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب قبل أن يستحيل، فإذا استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في الإحلالات في النكاح وغيره، واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء قبل قصر الشهوة لها، وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء، فإذا تحول الدم لحماً صار إلى جنس ما يحل، وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمراً أو حباً حل. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم{أية : فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين}تفسير : [التين: 7 - 8] وكان معنى ذلك: أيّ شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر لك وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك، ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى:{أية : لئن أشركت ليحبطن عملك}تفسير : [الزمر: 65] وبابه، وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدى إليه الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته صلى الله عليه وسلم من حيث عدم عصمتهم وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم، فتقدير الكلام: أيّ شيء يمكن فيه أن يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب، وقد وضح لكم ما يرفع الريب ويزيل الإشكال، ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين؟ أفيليق به وهو العليم الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم؟ أفيحسن أن يفعل ذلك عبثاً؟ وقد قال تعالى:{أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلاً}تفسير : [ص: 27 - ولكن قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع] فلما قرر سبحانه العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما تقدم ذلك من موجب نفي الاسترابة في نوع الحق إذا اعتبر ونظر، ووقعت في الترتيب سورة العلق مشيرة إلى ما به يقع الشفاء، ومنه يعلم الابتداء والانتهاء، وهو كتابه المبين، الذي جعله الله تعالى تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، فأمر بقراءته ليتدبروا آياته فقال {اقرأ باسم ربك} مستعيناً به فسوف يتضح سبيلك وينتهج دليلك{أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً}تفسير : [الفرقان: 1] وأيضاً فإنه تعالى أعلم عباده بخلقه الإنسان في أحسن تقويم{أية : ثم رددناه أسفل سافلين}تفسير : [التين: 5] وحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين القائلين، كل ذلك بسابق حكمته وإرادته {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} وقد بين سبحانه لنا أقصى غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من الصنف الإنساني، وذلك فيما أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وجليل وعده الكريم له في قوله {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : [الضحى: 5] وفضل حال ابتداء {ألم نشرح} على تقدم سؤال {أية : رب اشرح}تفسير : [طه: 25] إلى ما أشارت إليه آي السورتين من خصائصه الجليلة، وذلك أعلى مقام يناله أحد ممن ذكر، فوقع تعقيب - ذلك بسورة تضمنت الإشارة إلى حال من جعل في الظرف الآخر من الجنس الإنساني، وذلك حال من أشير إليه من لدن قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} إلى قوله: {كلا لا تطعه} ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين، وهي العادة المطردة في الكتب، ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الظرف الآخرة ليطابق المقصود، ولعل بعض من لم يتفطن يعترض هنا بأن هذه السورة من أول ما أنزل فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولاً، فنقول له: وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك، وإلا فليست سورة البقرة من المدني، ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور على الترتيب الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيها بعد من المكي ما لا يحصى، فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور ما هي عليه راجع إلى فعله عليه الصلاة والسلام أكان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم على ما قدمناه، فارجع بصرك، وأعد في الخطبة نظرك، والله يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته، ويحملنا في ذلك على ما يقربنا إليه بمنه وفضله - انتهى. ولما أتم سبحانه ما أراد من أمر الخلق وهو الإيجاد بالأسباب بالتدريج، أخذ في التنبيه على عالم الأمر وهو الإبداع من غير أسباب، فقال مكرراً للأمر بالقراءة تنبيهاً على عظم شأنها وتأنيساً له صلى الله عليه وسلم ومسكناً لروعه ومعلماً أن من جاءه الأمر من قبله ليس كأربابهم: {اقرأ} ولما كان قد قال صلى الله عليه وسلم عند هذا الأمر إخباراً بالواقع كما يقول لسان الحال لو لم ينطق بلسان المقال: ما أنا بقارىء، فكان التقدير: فربك الذي رباك فأحسن تربيتك وأدبك فأحسن تأديبك أمرك بالقراءة وهو قادر على جعلك قارئاً، عطف عليه قوله: {وربك} أي يكون التقدير: والحال أن الذي خصك بالإحسان الجم {الأكرم *} أي الذي له الكمال الأعظم مطلقاً من جهة الذات ومن جهة الصفات ومن جهة الأفعال، فلا يلحقه نقص في شيء من الأشياء أصلاً لأن حقيقته البعيد عن اللوم الجامع لمساوىء الأخلاق، فهو الجامع لمعالي الأخلاق، وليس غيره يتصف بذلك، فهو يعطيك ما لا يدخل تحت الحصر، وأشار إلى أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية من العلم والحظ ما لم يفضه على أمة قبلها على قصر أعمارهم، فقال مشيراً إلى العلم التعليم، مشعراً بوصفه سبحانه بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم بالأكرمية على هذا الوصف الناقل للإنسان من الحال العقلي السافل إلى هذا الحال العالي الكامل {الذي علّم} أي بعد الحلم عن معاجلتهم بالعذاب والعقاب جوداً منه من غير مانع من خوف عاقبة ولا رجاء منفعة {بالقلم *} أي الكتابة به. ولما نبه بذلك على ما في الكتابة من المنافع التي لا يحيط بها غيره سبحانه وتعالى، لأنها انبنت عليها استقامة أمور الدنيا والدين في الدنيا والآخرة، وهي كافية في الدلالة على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره، زاد ذلك عظمة على وجه يعم غيره فقال: {علّم} أي العلم الضروري والنظري {الإنسان} أي الذي من شأنه الأنس بما هو فيه لا ينتقل إلى غيره بل ينساه إن لم يلهمه ربه إياه {ما لم يعلم *} أي بلطفه وحكمته لينتظم به حاله في دينه من الكتاب والسنة ودنياه من المعاملات والصنائع، فيفيض عليه من علمه اللدني الذي لا سبب له ظاهر ما يعرف به ترتيب المقدمات بالحدود والوسطى، فيعلم النتائج، وما يعرف به الحدسيات، وذلك بعد خلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات، ولو كان ذلك بالأسباب فقط لتساوى الناس في مدة التعليم وفي أصل المعلوم كما تساووا في مدة الحمل وأصل الإنسانية، وقد ذكر سبحانه مبدأ الإنسان ومنتهاه بنقله من أخس الحالات إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته، قال الملوي: ولو كان شيء من العطاء والنعم أشرف من العلم لذكره عقب صفة الأكرمية - انتهى، وفي ذلك إشارة إلى مزيد كرم العلماء بالتعليم، وفي الآية الإشارة إلى مطالعة عالمي الخلق والأمر، قال الرازي، وفي كل من العالمين خصوص وعموم - انتهى، فالمعنى أنه يعلمك أيها النبي الكريم وإن كنت أمياً لا تعلم الآن شيئاً كما علم بالقلم من لم يكن يعلم، فتكون أنت - بما أشارت إليه صفة الأكرمية على ما أنت فيه من الأمية - أعلم من أهل الأقلام - وأعلى من كل مقام سام. ولما كان الدم أكثر الأخلاط وأشدها هيجاناً، فإن مرضه لا يشبهه شيء من أمراض بقية الأخلاط، وكان مع ذلك سريع البرء إن أصيب علاجه وعولج بأمر قاهر أقوى منه، وكان العلم قرين الغنى في الأغلب، وكان زلة العالم تفوق زلة غيره، قال معرفاً بعد التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبيناً لقسم الإنسان المردود أسفل سافلين مقرراً لحاله، ورادعاً له عن ضلاله: {كلا} أي ارتدع أيها العالم عن الطغيان إن نلت الغنى حقاً {إن الإنسان} أي هذا النوع الذي هو نوعك ومن شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه {ليطغى *} أي من شأنه - إلا من عصمه الله سبحانه - أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته كما يزيد الخلط الدموي، وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به فإنه لا طاغي يقر بأنه طغى {أن} أي لأجل أن {رآه} أي علم الإنسان نفسه علماً وجدانياً {استغنى *} أي وجد له الغنى، هذا هو الطبع الغالب في الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن مواضع افتقاره، فتغيرت أحواله معه، وتجاوز فيه ما ينبغي له الوقوف عنده"حديث : ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب"تفسير : ومن كان مفتقراً إلى شيء كان منطاعاً له كما في حديث آخر أهل النار خروجاً منها يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه، فإذا أعطيته واستغنى به سأل غيره حتى يدخل دار القرار، ولعله نبه بهذا على أن هذه الأمة المحتاجة ستفتح لها خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من قبلها وإن كانوا هم ينكرون ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم حين بشرهم بالفتوحات وقال:"حديث : إنه يغدى على أحدكم بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم: أنتم اليوم خير أم يومئذ، فقالوا: بل يومئذ، نتفرغ لعبادة ربنا، فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ، قال صلى الله عليه وسلم: والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم. ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء، قال معرفاً أن الإنسان لا يزال مفتقراً إلى مولاه في حياته ومماته وغناه وفقره، محذراً له سوء حالاته مؤكداً لأجل إنكارهم ذلك: {إن إلى ربك} أي المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك، لا إلى غيره من التراب ونحوه {الرجعى *} أي الرجوع الأعظم الثابت الذي لا محيد عنه، أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به، فإنه لا يقدر أحد على شيء إلا بتقديره، وأما في الآخرة فبما أثبت في برهانه في سورة التين، فيحاسب الناس بأعمالهم، ويجازي كل أحد بما يستحق من ثواب أو عقاب، ففيه وعيد للطاغي وتحقير - لغنى ينقطع. ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم الداء واجبة، دل على طغيانه مخوفاً من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير لأنه أوقع في النفس وأروع للّب لأن أبا جهل قال: "لئن رأيت محمداً يعفر وجهه لأفضخن رأسه بصخرة، فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه على حجره فسئل عما دهاه، فقال: إن بيني وبينه لهولاً وأجنحة، وفي رواية: لخندقاً من النار، وفي رواية: لفحلاً من الإبل، فما رأيت مثله، ولو دنوت منه لأكلني" وأصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، فقال: {أرءيت} تقدم في الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصرياً كان بمعنى أخبر، فالمعنى: أخبرني هل علمت بقلبك علماً هو في الجلاء كرؤية بصرك {الذي ينهى *} أي على سبيل التجديد والاستمرار. ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده، قال معبراً بالعبودية منكراً للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية: {عبداً} أي من العبيد {إذا صلّى *} أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي وصلته به، وهي أعظم أنواع العبادة لأنها مع كونها أقرب وصلة إلى الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق، فكان نهيه له عن ذلك نهياً عن أداء الحق لأهله حسداً أو بغياً، فكان دالاًّ على أن من طبع أهل كل زمان عداوة أهل الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصوا بالكمال.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: أول ما نزل من القرآن بمكة {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن أبي موسى الأشعري قال: كانت {اقرأ باسم ربك} أول سورة أنزلت على محمد. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب: حدثني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه {اقرأ باسم ربك} إلى {ما لم يعلم} فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل يوم حراء، ثم أنزل الله آخرها بعد ذلك ما شاء الله. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه عن عائشة قالت: أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "حديث : أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال {اقرأ} قال: قلت: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإِنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} الآية، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإِنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له روقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً، يا ليتني أكون فيها حياً إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي"تفسير : قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: "حديث : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني. فأنزل الله {يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر} [المدثر: 1 ، 2، 3 ، 4 ، 5] فحمي الوحي وتتابع ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: أول سورة نزلت على محمد {اقرأ باسم ربك الذي خلق} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك} ثم (ن والقلم). وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: أول شيء أنزل من القرآن خمس آيات {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى قوله: {ما لم يعلم} . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: أول ما نزل من القرآن {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ثم (ن). وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عائشة قالت: كان أول ما نزل عليه بعد {اقرأ باسم ربك} (ن والقلم) و (يا أيها المدثر) (والضحى). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري وعمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذ أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى {ما لم يعلم} . وأخرج الحاكم من طريق عمرو عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بحراء إذ أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى {ما لم يعلم} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن شداد قال: حديث : أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ فضمه، ثم قال يا محمد: اقرأ؟ قال: وما أقرأ؟ قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} حتى بلغ {ما لم يعلم} فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة ما أراه إلا قد عرض لي. قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك، وما أتيت فاحشة قط. فأتت خديجة ورقة، فأخبرته الخبر. قال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأؤمنن به. قال: ثم أبطأ عليه جبريل فقالت خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك. فأنزل الله {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهراً فوافق ذلك رمضان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع السلام عليكم. قالت: فظننت أنه فجأة الجن. فقال: ابشروا فإن السلام خير، ثم رأى يوماً آخر جبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب. قال: فهبت منه فانطلق يريد أهله فإذا هو بجبريل بينه وبين الباب. قال: فكلمني حتى أنست منه ثم وعدني موعداً فجئت لموعده واحتبس عليّ جبريل فلما أراد أن يرجع إذا هو به وبميكائيل، فهبط جبريل إلى الأرض وميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فصلقني لحلاوة القفا وشق عن بطني فأخرج منه ما شاء الله ثم غسله في طست من ذهب ثم أعاد فيه ثم كفأني كما يكفأ الإِناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم ثم قال لي: اقرأ باسم ربك الذي خلق ولم أقرأ كتاباً قط فأخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال لي: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى قوله: {ما لم يعلم} قال: فما نسيت شيئاً بعده. ثم وزنني جبريل برجل فوازنته، ثم وزنني بأخر فوازنته، ثم وزنني بمائة. فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة. قال: ثم جئت إلى منزلي فلم يلقني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة، فقالت: السلام عليك يا رسول الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب. وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} حتى ظن أنه قتلها، ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمة. فذهب حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد بلالاً على الباب، فدفع الباب. فقال بلال: من هذا؟ فقال عمر بن الخطاب: فقال: حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله بعمر خيراً أدخله في الدين. فقال لبلال: افتح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعيه فهزه فقال: ما الذي تريد؟ وما الذي جئت له؟ فقال له عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه. قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فأسلم عمر مكانه وقال: اخرج ". تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {الذي علم بالقلم} قال: القلم نعمة من الله عظيمة، لولا القلم لم يقم دين، ولم يصلح عيش وفي قوله: {علم الإِنسان ما لم يعلم} قال: الخط. أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: منهومان لا يشبعان: صاحب علم وصاحب دنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن ثم قرأ {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان ثم قرأ {إن الإِنسان ليطغى أن رآه استغنى} والله أعلم. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن مردويه وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل حديث : عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عياناً" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله {فليدع ناديه سندع الزبانية} قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه، فأنزل الله {اقرأ باسم ربك الذي خلق} حتى بلغ هذه الآية {لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية} فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل: ما يمنعك؟ فقال: قد اسودّ ما بيني وبينه. قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج البزار والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: إن لله عليّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته. فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دخلت عليه، فأخبرته بقول أبي جهل. فخرج غضبان حتى جاء المسجد، فعجل أن يدخل الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شرّ فاتزرت ثم تبعته، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {اقرأ باسم ربك الذي خلق} فلما بلغ شأن أبي جهل {كلا إن الإِنسان ليطغى} قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد. فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟ والله لقد سد أفق السماء عليّ. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي حديث : عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه إلا بين أظهركم؟ قالوا: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقاً من نار وهؤلاء أجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً"تفسير : قال: وأنزل الله {كلا إن الإِنسان ليطغى} إلى آخر السورة يعني أبا جهل {فليدع ناديه} يعني قومه {سندع الزبانية} يعني الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} قال أبو جهل بن هشام: حيث رمى رسول الله بالسلا على ظهره وهو ساجد لله عز وجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} قال: نزلت في عدوّ الله أبي جهل، وذلك أنه قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى} قال: محمداً {أرأيت إن كذب وتولى} يعني بذلك أبا جهل {فليدع ناديه} قال: قومه وحيه {سندع الزبانية} قال: الزبانية في كلام العرب الشرط. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} قال: أبو جهل نهى محمداً إذا صلى {فليدع ناديه} قال: عشيرته {سندع الزبانية} قال: الملائكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {لنسفعن} قال: لنأخذن. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث قال: الزبانية أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال {واسجد} أنت يا محمد {واقترب} أنت يا أبا جهل يتوعده. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعونه يقول {واسجد واقترب} . وأخرج ابن سعد عن عثمان بن أبي العاصي قال: آخر كلام كلمني به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ استعملني على الطائف أن قال: "حديث : خفف الصلاة عن الناس حتى وقت اقرأ باسم ربك الذي خلق وأشباهها من القرآن ".
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها تسع عشرة {قْرَأْ} أيْ مَا يوحَى إليكَ فإنَّ الأمرَ بالقراءةِ يقتَضي المقروءَ قطعاً وحيثُ لَمْ يُعينَ وجبَ أنْ يكونَ ذلكَ ما يتصلُ بالأمرِ حتماً سواءً كانتِ السورةُ أولَ ما نزلَ أوْ لاَ والأقربُ أنَّ هذا إلى قولِه تعالى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} أولُ ما نزلَ عليه عليهِ الصلاةُ السَّلامُ كما ينطقُ بهِ حديثُ الزُّهريِّ المشهورُ وقولِه تعالى: {بِٱسْمِ رَبّكَ} متعلقٌ بمضمرٍ هُو حالٌ من ضميرِ الفاعلِ أي اقرأْ ملتبساً باسمهِ تعالى أيْ مُبتدئاً بِه لتتحقق مقارنتُه لجيمعِ أجزاءِ المقروءِ والتعرضُ لعُنْوانِ الربوبـيةِ المنبئةِ عنِ التربـيةِ والتبـيلغِ إلى الكمالِ اللائقِ شيْئاً فشيئاً معَ الإضافةِ إلى ضميرِه عليهِ السَّلامُ للإشعارِ بتبليغِه عليِه السَّلامُ إلى الغايةِ القاصيةِ منَ الكمالاتِ البشريةِ بإنزالِ الوَحي المتواتِرِ ووصفُ الربَّ بقولِه تعالَى: {ٱلَّذِى خَلَقَ} لتذكيرِ أولِ النعماءِ الفائضةِ عليهِ، عليه الصلاةُ والسلامُ منهُ تعالى والتنبـيهِ على أنَّ منْ قدرَ عَلى خلقِ الإنسانِ على ما هُو عليِه من الحياة وما يتبعها منَ الكمالاتِ العلميةِ والعمليةِ منْ مادةٍ لم تشمَّ رائحةَ الحياةِ فضلاً عن سائرِ الكمالاتِ قادرٌ على تعليمِ القراءةِ للحيِّ العالمِ المتكلمِ أي الذي أنشأَ الخلقَ واستأثرَ بِه أوْ خلَقَ كُلَّ شيءٍ وقولُه تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ} عَلى الأولِ تخصيصُ لخلقِ الإنسانِ بالذكرِ من بـينِ سائرِ المخلوقاتِ لاستقلالِه ببدائعِ الصنعِ والتدبـيرِ وَعَلى الثاني إفرادٌ للإنسانِ منْ بـينِ سائرِ المخلوقاتِ بالبـيانِ وتفخيمٌ لشأنِه إذْ هُو أشرفُهم وإليهِ التنزيلُ وهُو المأمورُ بالقراءةِ ويجوزُ أنْ يرادَ بالفعلِ الأولِ أيضاً خلقُ الإنسانِ ويقصدُ بتجريدِه عن المفعولِ الإبهامُ ثمَّ التفسيرُ رَوماً لتفخيمِ فطرتِه وقولُه تعالى: {مِنْ عَلَقٍ} أيْ دمٍ جامدٍ لبـيانِ كمالِ قُدرتِه تعالى بإظهارِ مَا بـينَ حالتِه الأولى والآخرةِ من التباينِ البـينِ وإيرادُه بلفظِ الجمعِ بناءً على أنَّ الإنسانَ في مَعْنى الجمعِ لمراعاةِ الفواصلِ ولعلَّه هو السرُّ في تخصيصِه بالذكرِ منْ بـينِ سائرِ أطوارِ الفطرة الإنسانيةِ معَ كونِ النطفةِ والترابِ أدلَّ منْهُ عَلَى كمالِ القُدرةِ لكونِهما أبعدَ منْهُ بالنسبةِ إلى الإنسانيةِ ولَمَّا كانَ خلقُ الإنسانِ أو النعمُ الفائضةُ عليه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ مِنْهُ تعالى أقدمَ الدلائلِ الدالةِ على وجودِه عزَّ وجلَّ وكمالِ قُدرتِه وعلمِه وحكمتِه وصفَ ذاتَه تَعالى بذلكَ أولاً ليستشهدَ عليه السلامُ بهِ على تمكينهِ تعالى لَه منَ القراءةِ ثم كررَ الأمرَ بقولِه تعالى: {ٱقْرَأْ} أي افعلْ ما أُمرتَ بِه تأكيداً للإيجابِ وتمهيداً لما يعقبُه منْ قولِه تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلأكْرَمُ} الخ، فأنَّه كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لإزاحةِ ما بـينَهُ عليه السَّلامُ منَ العُذرِ بقولِه عليهِ السَّلامُ: « حديث : مَا أنَا بقارىءٍ » تفسير : يريدُ أنَّ القراءةَ شأنُ منْ يكتبُ ويقرأُ وأنَا أُميٌّ فقيلَ لَهُ: وربُّكَ الذي أمركَ بالقراءةِ مبتدئاً باسمِه هو الأكرمُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} [الآية: 1]. قال بعضهم: أهل الإرادة فى الطلب، والمرادون مطلوبون ألا ترى إبراهيم عليه السلام كان طالبًا بقوله: {أية : هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام: 76] وليس لمن يهدى ربى {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الصافات: 99] والمراد مطلوب ذلك صفة الحبيب ألا ترى أنه لما قيل له: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} استقبله الأمر من غير طلب.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}. هذه السورة من أَوّلِ ما نَزَل على المصطفى صلى الله عليه وسلم لمّا تعرِّض له جبريل في الهواء، ونَزَلَ عليه فقال: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}. فالناسُ كُلُّهم مريدون - وهو صلى الله عليه وسلم كان مُرَاداً. فاستقبل الأمر بقوله: "ما أنا بقارئ، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فقال له: "اقرأ كما أقول لك؛ {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}" أي خلقهم على ما هم به. {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}. العَلَق جمع عَلَقَة؛ كشجَرٍ وشجرة.. (والعَلَقَةُ الدمُ الجامد فإذا جرى فهو المسفوح). {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}. "الأكرم": أي الكريم. ويقال: الأكرم من كلِّ كريم. {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. عَلَّمهم ما لم يعلموا: الضروريَّ، والكسبيَّ. {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}. أي: يتجاوز جَدَّه إِذا رأى في نفسه أنه استغنى؛ لأنه يَعْمَى عن مواضع افتقاره. ولم يقل: إِن استغنى بل قال: {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} فإذا لم يكن مُعْجَباً بنفسه، وكان مشاهداً لمحلِّ افتقاره - لم يكن طاغياً.
البقلي
تفسير : كان عليه الصلاة والسلام شاهدا فى الحضور غائبا عن الرسوم تحول حول الحقائق وتكتم اسرار المعرفة لا يتحدث بحديث العشق ولا يرمز بلطائف المحب كان مستغرقا فى القرب كانه جعل القسمة فى جانب عن الاجانب فى حواس عن تلك القصة معرضا مراقبا عاشقا كانما كانه كان لم يكن له خبر وهو كان فى محل العيان لكن لم يكن فى البيان واقبل بالسر نحو المراد وان لم يكن هناك فى المراد قرع الحق باب قلبه لانه هو المريد والحبيب هو المراد الاحد طالب واحمد المطلوب لا جرم الطلب من ندا اذا اوحى اليه قبل طلبه فقال اقرأ كانه كان قاريا اذ شاهد الحق بالحق فى الازل ولكن كان غائبا عن المحضر الا على لشهوده مشاهدة الادنى فقال ما انا بقارئ يعنى انا لا أقرأ غير الثناء عليه قال اقرأ باسم ربك الذى خلق خذه بالاسم وكشف على ظاهر المعرفة ثم بان المسمى له بقوله ربك ثم غيبه فى الغيب وحيره فى الهوية بتحقيق الاشارة بقوله الذى فلما غاب فى الغيب اخذ يده من استغراقه فى بحر الازل واحضره ساحة انوار الصفات فى مشاهد الافعال بقوله الذى خلق هكذا فعل المرادين وجعل الطالبين حيرانا فى طلبه الا يرى شان موسى عليه السلام كيف اقبل عليه فى طلبه فناجاه بعد اربعين يوما لانه كان مريدا والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان مراد الدلك ناجاه بالبديهة اظهار المحبة البالغ واصطفائيته الكاملة الخليل قال انى ذاهب الى ربى والكليم قال وعجلت اليك رب لترضى وحيث ظهر كمال المحبة قال سبحان الذى اسرى قال بعضهم اهل الارادة فى الطلب والمراد دون مطلوبون الا ترى ان ابراهيم كان طالبا بقول هذا ربى ولئن لم يهدتى ربى وانى ذاهب الى ربى سيهدين والمراد مطلوب وذلك صفة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه الا ترى انه لما قيل له اقرأ باسم ربك استقبله الامر من غير طلب.
اسماعيل حقي
تفسير : {اقرأ} اى ما يوحى اليك يا محمد فان الامر بالقرآءة يقتضى المقروء قطعا وحيث لم يعين وجب ان يكون ذلك ما يتصل بالامر حتما سوآء كانت السورة اول ما نزل ام لا فليس فيه تكليف ما لا يطاق سوآء دل الامر على الفور ام لا والاقرب أن هذا الى قوله ما لم يعلم اول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم على ما دلت عليه الاحاديث الصحيحة والخلاف انما هو فى تمام السورة عن عائشة رضى الله عنها اول ما ابتدئ به رسول الله عليه السلام من النبوة حين اراد الله به كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصالحة كان لا يرى رؤيا الا جاءت كفلق الصبح اى كضيائه وانارته فلا يشك فيها احد كما لا يشك فى وضح ضياء الصبح وانما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا لئلا يفجأه الملك الذى هو جبريل بالرسالة فلا تتحملها القوة البشرية لانهما لا تحتمل رؤية الملك وان لم يكن على صورته الاصلية ولا على سماع صوته ولا على ما يخبر به فكانت الرؤيا تأنيسا له وكانت مدة الرؤيا ستة اشهر على على ما هو ادنى الحمل ثم جاءه الملك فعبر من عالم الرؤيا الى عالم المثال ولذا قال الصوفية ان الحاجة الى التعبير انما هى فى مرتبة النفس الامارة واللوامة واذا وصل السالك الى النفس الملهمة كما قال تعالى فألهمها فجورها وتقواها قل احتياجه الى التعبير لأنه حينئذ يكون ملهما من الله تعالى فمرتبة الالهام له كمرتبة مجيئ الملك للرسول عليه السلام فاذا كانت مدة الرؤيا ذلك العدد يكون ابتدآؤها فى شهر ربيع الاول وهو مولده عليه السلام ثم اوحى اليه فى اليقظة فى شهر رمضان وكان عليه السلام فى تلك المدة اذا خلا يسمع ندآء يا محمد يا محمد ويرى نورا اى يقظة وكان يخشى ان يكون الذى يناديه تابعا من الجن كما ينادى الكهنة وكان فى جبل حرآء غار وهو الجبل الذى نادى رسول الله بقوله الى يا رسول الله لما قال له ثبير وهو على ظهره اهبط عنى يا رسول الله فانى اخاف ان تقتل على ظهرى وكان عليه السلام يتعبد فى ذلك الغار ليالى ثلاثا وسبعا وشهرا ويتزود لذلك من الكعك والزيت وذلك فى تلك المدة وقبلها واول من تعبد فيه من قريش جده عبد المطلب ثم تبعه سائر المتألهين وهم ابو امية بن المغيرة وورقة بن نوفل ونحوهما وكان ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزى بن قصى ابن عم خديجة رضى الله عنها وكان قد قرأ الكتب وكتب الكتاب العبرى وكان شيخا كبيرا قد عمى فى اوآخر عمره ثم لما بلغ عليه السلام رأس الاربعين ودخلت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان جاءه الملك وهو فى الغار كما قال الامام الصرصرى رحمه الله شعر : واتت عليه أربعون فاشرقت شمس النبوة منه فى رمضان تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها جاءه الملك سحر يوم الاثنين فقال اقرأ قال ما انا بقارئ قال فأخذنى فغطنى اى ضمنى وعصرنى ثم ارسلنى فعله ثلاث مرات ثم قال اقرأ الى قوله مالم يعلم واخذ منه القاضى شريح من التابعين ان المعلم لا يضرب الصبى على تعليم القرءآن اكثر من ثلاث ضربات فخرج عليه السلام من الغار حتى اذا كان فى جانب من الجبل سمع صوتا يقول يا محمد انت رسول الله وانا جبريل ورجع الى خديجة يرجف فؤآده فحدثها بما جرى فقالت له ابشر يا ابن عمى واثبت فوالذى نفسى بيده انى لارجو أن تكون نبى هذه الامة ثم انطلقت الى ورقة فاخبرته بذلك فقال فيه شعر : فان يك حقا يا خديجة فاعلمى حديثك ايانا فاحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحى يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزا لدينه ويشقى به الغاوى الشقى المضلل فريقان منهم فرقة فى جنانه واخرى باغلال الجحيم تغلل تفسير : ومكث عليه السلام مدة لا يرى جبريل وانما كان كذلك ليذهب عنه ما كان يجده من الرعب وليحصل له التشوق الى العود وكانت مدة الفترة اى فترة الوحى بين اقرأ وبين يا ايها المدثر وتوفى ورقة فى هذه الفترة دفن الحجون وقد آمن به عليه السلام وصدقه قبل الدعوة التى هى الرسالة ولذا قال عليه السلام حديث : لقد رأيته فى الجنة وعليه ثياب الحرير تفسير : ثم نزل يا ايها المدثر قم فانذر فظهر الفرق بين النبوة والرسالة قال بعض العارفين اهل الارداة فى الطلب والمراد مطلوب وهو نعت الحبيب ألا ترا أنه لما قيل له اقرأ استقبله الامر من غير طلب ونظيره الم نشرح لك صدرك فانه فرق بينه وبين قول موسى رب اشرح له صدرى {باسم ربك} متعلق بمضمر هو حال من ضمير الفاعل اى اقرأ ملتبسا باسم الله تعالى اى مبتدئا به ليتحقق مقارنته لجميع اجزآء المقروء اى قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ فعلم أن اقرأ باسم ربك نزلت من غير بسملة وقد صرح بذلك الامام البخارى رحمه الله امره بذلك لأن ذكر اسم الله قوة له فى القرآءة وانس بمولاه فان الانس بالاسم يفضى الى الانس بالمسمى والذكر باللسان يؤدى الى الذكر بالجنان والباء فى باسم بره تعالى على على المؤمنين بانواع الكرامات فى الدارين والسين كونه سميعا لدعاء الخلق جميعا والميم معناه من العرش الى تحت الثرى ملكه وملكه وفى الكواشى دخلت الباء فى اقرأ بسم ربك لتدل على الملازمة والتكرير كأخذت بالخطام ولو قلت اخذت الخطام لم يدل على التكرير والدوام وفى كتاب شمس المعارف اول آية نزلت على وجه الارض بسم الله الرحمن الرحيم يعنى على آدم الصفى عليه السلام فقال آم الآن علمت أن ذريتى لا تعذب بالنار ما دامت عليها ثم انزلت على ابراهيم عليه السلام فى المنجنيق فانجاه الله بها من النار ثم على موسى عليه السلام فقهر بها فرعون وجنوده ثم على سليمان عليه السلام فقالت الملائكة الآن والله قد تم ملكك فهى آية الرحمة والامان لرسوله واممهم ولما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سورة النمل انه من سلمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم كانت فتحا عظيما فأمر رسول الله فكتبت على رؤوس السور وظهور الدفاتر واوآئل الرسائل وحلف رب العزة بعزته ان لا يسميه عبد مؤمن على شئ الا بورك له فيه وكانت لقائلها حجابا من النار وهى تسعة عشر حرفا تدفع تسعة عشرة زبانية وفى الخبر النبوى لووضعت السموات والارضون وما فيهن وما بينهن فى كفة والبسملة فى كفة لرجحت عليها يعنى البسملة {الذى خلق} وصف الرب به لتذكير اول النعماء الفائضة عليه منه تعالى والتنبيه على أن من قدر على خلق الانسان على ما هو عليه من الحياة وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية من مادة لم تشم رائحة الحياة فضلا عن سائر الكمالات قادر على تعليم القرآءة للحى العالم المتكلم اى الذى له الخلق والمستأثر به لا خالق سواه فيكون خلق منزل منزلة اللازم وبه يتم مرام المقام لدلالته على أن كل خلق مختص به او خلق كل شئ فيكون من حذف المفعول للدلالة على التعميم وقال فى فتح الرحمن لما ذكر الرب وكانت العرب فى الجاهلية تسمى الاصنام اربابا جاء بالصفة التى لا شركة للاصنام فيها فقال الذى خلق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: {اقرأ باسم ربك} أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحاً باسم ربك، أو مستعيناً به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: {الذي خلقَ} صفة للرب، ولم يذكر له مفعولاً؛ لأنَّ المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض. وقوله تعالى: {خَلَق الإِنسانَ} بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأنَّ التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يُراد: الذي خلق الإنسان، إلاَّ أنه ذكر مبهماً، ثم فسّر تفخيماً لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته. قيل: لمَّا ذكر فيما قبل أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبهاً على شيءٍ من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } تفسير : [التين:4، 5]، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: {مِن علقٍ} ولم يقل من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع. وفيه إشارة إلى أنَّ ابتداء الدين كابتداء خلق الإنسان، كان ضعيفاً ثم تقوّى شيئاً فشيئاً حتى انتهى كماله. ثم كرّر الأمر بالقراءة بقوله: {اقرأْ} أي: افعل ما أُمرتَ به، تأكيداً للإيجاب وتمهيداً لقوله: {وربُّك الأكرمُ} فإنه كلام مستأنف، وارد لإزاحة ما أظهر عليه السلام من العُذر بقوله: "ما أنا بقارىء" يريد أنّ القراءة من شأن مَن يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل له: {وربك} الذي أمرك بالقراءة مستعيناً باسمه هو {الأكرم} أي: مِن كل كريم, يُنعم على عباده بغاية النعم، ويحلم عنهم إذا عصوه، فلا يعاجلهم بالنقم, فليس وراء التكرُّم بهذه الفوائد العظيمة تكرُّم. {الذي عَلَّم} الكتابة {بالقلم عَلَّم الإِنسانَ ما لم يعلم} فدلّ على كمال كرمه بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ونبّه على فضل علم الكتابة لِما فيه من المنافع العظيمة، وما دُوّنت العلوم ولا قُيّدت الحِكم ولا ضُبِطت أخبار الأولين، ولا كُتب الله المنزّلة، إلاَّ بالكتابة, ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى دليل إلاّ أمر القلم والخطّ لكفى به وفي ذلك يقول ابن عاشر الفاسي: شعر : لله في خلقه مِن صنعه عجبُ كادت حقائقُ في الوجود تنقلب كلم بعين تُرى لا الأذنُ تسمعها خطابُها حاضر وأهلها ذهبوا تفسير : الإشارة: اقرأ بربك لتكون به في جميع أمورك, الذي أظهر الأشياء ليُعرف بها، وأظهر المظهر الأكبر ـ وهو الإنسان ـ من علقة مهينة، ثم رفعه بالعلم إلى أعلى عليين، فرفعه من حضيض النطفة الخبيثة إلى ارتفاع العلم والمعرفة، ولذلكم قال: (اقرأ وربك الأكرم) الذي تكرَّم عليك وعلّمك ما لم تكن تعلم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يكن يعلم. والله تعالى أعلم. ولمّا لم يشكر الإنسان هذه النعم، زجره تعالى بقوله: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ}.
الطوسي
تفسير : روي عن عائشة ومجاهد وعطاء وابن سيار: ان أول آية نزلت قوله {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وهو قول أكثر المفسرين. وقال قوم: أول ما نزل قوله {يا أيها المدثر} وقد ذكرناه فيما مضى. هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقرأ باسم ربه الذي خلق الخلق، وأن يدعوه بأسمائه الحسنى. وفى تعظيم الاسم تعظيم المسمى، لأن الاسم وصف ليذكر به المسمى بما لا سبيل إلى تعظيمه إلا بمعناه، فلهذا لا يعظم اسم الله حق تعظيمه إلا من هو عارف به ومعتقد لعبادة ربه، فهو معتقد بتعظيم المسمى لا وجه له يعتد به إلا تعظيم المسمى، ولهذا قال الله تعالى {أية : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}تفسير : وقال {أية : فسبح باسم ربك}تفسير : وقال الله تعالى {أية : تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام}تفسير : والباء زائدة، وتقديره اقرأ إسم ربك. وقوله {الذي خلق} فى موضع جر، نعت لـ {ربك} الذي خلق الخلائق وأخرجهم من العدم إلى الوجود. وقوله {خلق الإنسان من علق} تخصيص لبعض ما ذكره بقوله {الذي خلق} لانه يشتمل على الانسان وغيره، وإنما أفرد الانسان بالذكر تشريفاً له وتنبيهاً على ما خصه الله به من سائر الحيوان، وبين أنه مع ذلك خلقه الله من علق، وهو القطعة الجامدة من الدم، وإنما قال {علق} وهو جمع علقة لأن المراد بالانسان الجمع، لأنه إسم جنس، وسمي به قطع العدم التي تعلق لرطوبتها بما تمر به، فاذا جفت لا تسمى علقاً، وواحدها {علقة} مثل شجرة وشجر. وعلق فى معنى الجمع، لان الانسان جمع على طريق الجنس، والنطفة تستحيل فى الرحم علقة ثم مضغة ويسمى ضرب من الدود الأسود العلق، لأنه يعلق على الشفتين لداء يصيبها فيمتص الدم. وفي خلق الانسان من علق دليل على ما يصح أن ينقلب اليه الجوهر. وقوله {اقرأ وربك الأكرم} معناه اقرأ القرآن وربك الاكرم ومعنى الأكرم: الأعظم كرماً وفى صفة الله تعالى معناه الأعظم كرماً بما لا يبلغه كرم، الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه، لأنه يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره، فكل نعمة من جهته تعالى، إما بأن اخترعها أو سببها وسهل الطريق اليها. وقوله {الذي علم بالقلم} {الذي} فى موضع رفع، لانه نعت لقوله {وربك} والمعنى إنه تعالى امتن على خلقه بما علمهم من كيفية الكتابة بالقلم، لما فى ذلك من كثرة الانتفاع لخلقه، فقد نوّه الله بذكر القلم إذ ذكره فى كتابه، وقد وصف بعض الشعراء القلم فقال: شعر : لعاب الافاعي القاتلات لعابه وأري الجنا اشتارته أيد عواسل تفسير : وقوله {علم الإنسان ما لم يعلم} امتنان من الله تعالى على خلقه بأن علمهم ما لم يكونوا عالمين به إما بخلق العلوم فى قلوبهم من الضروريات أو بنصب الأدلة لهم على الوصول اليها فيما لم يعلموه ضرورة، وذلك من أعظم نعم الله تعالى على خلقه، وفي ذلك دلالة على انه تعالى عالم لان العلم لا يقع إلا من عالم. وقوله {كلا} ردع وزجر وتقديره ارتدعوا وانزجروا معاشر المكلفين، ثم اخبر {إن الإنسان ليطغى} ويحتمل أن يكون بمعنى حقاً على وجه القسم بأن الانسان ليطغى أي ليجاوز الحد فى العصيان والخروج عن الطاعة {أن رآه استغنى} أي إذا كثر ماله واستغنى بطر وطغى، وخرج عن الحد المحدود له، ويجوز أن يقال: زيد رآه استغنى من الرؤية بمعنى العلم، ولا يجوز من رؤية العين، زيد {رآه} حتى تقول رأى نفسه، لان الذي يحتاج إلى خبر جاز فيه الضمير المتصل لطول الكلام بلزوم المفعول الثاني. وقرأ ابو عمرو {رآه} بفتح الراء وكسر الهمزة. وقرأ نافع وحفص عن عاصم بالفتح فيهما. الباقون بفتح الراء وبعد الهمزة الف على وزن (وعاه) على أمالة الفتحة، وابو عمرو يميل الالف. ثم قال على وجه التهديد لهم {إن إلى ربك الرجعى} فالرجعي والمرجع والرجوع واحد أي مصيرهم ومرجعهم إلى الله فيجازيهم الله على أفعالهم على الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب. وقوله {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى} تقرير للنبي صلى الله عليه وآله وإعلام له ما يفعله بمن ينهاه عن الصلاة. وقيل: إن الآيات نزلت فى أبي جهل بن هشام، والمراد بالعبد فى الآية النبي صلى الله عليه وآله فان أبا جهل كان ينهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وآله لما قال ابو جهل: ألم انهك عن الصلاة انتهره واغلظ له، فقال أبو جهل، أنا اكثر أهل هذا الوادي نادياً - ذكره ابن عباس وقتادة - والمعنى أرأيت يا محمد صلى الله عليه وآله من فعل ما ذكرناه من منع الصلاة، وينهى المصلين عنها؟ ماذا يكون جزاؤه؟ وما يكون حاله عند الله؟ وما الذى يستحقه من العقاب؟
الجنابذي
تفسير : {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} فى اكثر الاخبار من طرق العامّة والخاصّة انّ هذه السّورة اوّل سورةٍ نزلت عليه (ص) وكانت هذه السّورة فى اوّل يومٍ نزل جبرئيل على رسول الله (ص) واوّل ما نزل كان خمس آياتٍ من اوّلها، وقيل: اوّل ما نزل سورة المدّثّر، وقيل: فاتحة الكتاب، ولفظة الباء فى باسم ربّك للسّببيّة او للاستعانة، والمعنى انّك كنت قبل ذلك تقرأ بنفسك، وبعد ما فنيت من نفسك وابقيت بعد الفناء وارجعت الى الخلق صرت مشاهداً للحقّ فى الخلق وفاعلاً وقائلاً وقارياً بالحقّ لا بنفسك، فاقرء مكتوبات الله فى الواح الطّبائع والمثال ومقروّات ملائكته عليك ومسموعاتك من وسائط الحقّ تعالى بعد ما رجعت الى الخلق باسم ربّك لا بنفسك، وقيل: لفظة الباء زائدة، والمعنى اقرء اسم ربّك والمعنى انّك كنت تقرأ قبل الفناء اسماء الاشياء، وبعد البقاء ينبغى ان تقرأ اسم ربّك لانّك لا ترى بعد ذلك الاّ اسماء الله لا اسماء الاشياء {ٱلَّذِي خَلَقَ} يعنى بعد الرّجوع لا ترى الاشياء الاّ مخلوقين من حيث انّهم مخلوقون، ولمّا كان قوام المخلوق من حيث انّه مخلوق بالخالق بل ليس للمخلوق من تلك الحيثيّة شيئيّة وانانيّة الاّ شيئيّة الخالق وانانيّته فلم يكن فى نظرك الاّ اسم الله الخالق، ولمّا كان ظهور خالقيّته واتقان صنعه ودقائق حكمته وحسن صانعيّته بخلق الانسان والسّير من مقام كماله فى خلقه او فى امره وخلقه الى اخسّ موادّه بطريق السّير المعكوس قال تعالى {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}.
الأعقم
تفسير : {إقرأ باسم ربك} أي اقرأ مفتتحاً باسم ربك قل: بسم الله ثم اقرأ، فأمره بالابتداء بذكره ثم بالقرآن {الذي خلق} {خلق الانسان} ويتناول كل مخلوق لأنه مطلق، وقوله: {خلق الانسان} تخصيص للانسان بالذكر مرتين ما يتناوله الخلق لأن التنزيل اليه وهو أشرف ما على الأرض {من علق} وهو الدم الجامد الذي تستحيل النطفة اليه في الرحم وقوله: {اقرأ} كرر للتأكيد، وقيل: في الأول اسمه وفي الثاني القرآن، وقيل: الأول بالقراءة نفسها وفي الثانية بالقراءة للتبليغ {وربك الأكرم} لا أحد أكرم منه لأن فعله إكرامٌ وإحسانٌ {الذي علَّم بالقلم} أي علم الخط والكتابة الذي فيه النفع العظيم فيما يتعلق بالدين والدنيا {علَّم الإِنسان ما لم يعلم} قدر على أن كرمه أنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبَّه على فضل الكتابة لما فيها من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دوّنت العلوم ولا قيّدت الحكم ولا ضُبطت أخبار الأول ومقالاتِهم ولا كتب الله المنزّلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين ولا الدنيا، وقيل: علم آدم الأسماء ثم صار ذلك في أولاده، والإِنسان آدم، وقيل: هو عام {كلا}، قيل: ردعٌ وزجرٌ لا يعص مع هذه النعم، وقيل: حقَّاً {إن الانسان ليطغى} ليتجاوز إلى منزله في طعامه ولباسه، وقيل: لحرصه على المال والدنيا وجمعها {أن رآه استغنى} يعني إن رأى لنفسه غناءً ومالاً وديناً، وقيل: الرؤيا بمعنى الظن أي يظن نفسه غنياً {إن إلى ربك} أي الموضع الذي يحكم فيه بين العباد {الرجعى}.
الهواري
تفسير : تفسير سورة اقرأ باسم ربك، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} هذا أول ما كلم جبريل النبي عليه السلام حين تبدّى له. قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...} إلى قوله: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}. ذكروا أن هذه السورة أول سورة نزلت على محمد عليه السلام. قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} وهو الكتاب بالقلم. {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. قال تعالى: {كَلاَّ} [قال الحسن: معناها حقاً] {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى}. قال بعضهم: هو أبو جهل بن هشام. وتفسير الكلبي: {لَيَطْغَى أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى} يعني ليرتفع من منزلة إلى منزلة. ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو أن لابن آدم واديين ملئاً مالاً لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ثم يتوب الله على من تاب .
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {اقْرَأْ} مبني على سكون الهمزة كذا في نسختا معشر المغاربة وصحت كتابة غيرنا له بألف غير مهموزة فهو مبني على سكون الهمزة المبدلة الفا. *{بِاسْمِ رَبِّكَ} متعلقا بمحذوف جوازا حال أي مفتتحا {بِاسْمِ رَبِّكَ} أي قل باسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ القرآن وهذا في غير هذه السورة واما هذه فقد قال له جبريل في شأنها استعذ بالله ثم قل باسم الله الرحمن الرحيم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وفي ذلك دليل على وجوب البسملة الا ان يقال اسم ربك صادق على قولك باسم الله لكن نقول نزل اتمام البسملة بعد ذلك انني امر باتمامها عند القراءة وقال بعضهم ان ذلك مستحب وقدر بعضهم اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك على تحمل النبوة والرسالة وجعل اقرأ كاللازم بان لم يتعلق الغرض بذكر مفعوله والمراد اذا وجد القراءة وقيل المفعول اسم ربك والباء زائدة اي اذكر اسم ربك وزعم بعض انه يجوز ان يكون المفعول اسم ربك الخ على ارادة اللفظ اي اقرأ هذا اللفظ وانما لم يتقدم الجار فيفيد التخصيص لأن هذه أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم ويجوز تعليق الياء باقرأ الثاني فيفيد تقديمه الحصر بعد تقديم الأول بالإهتمام ويجوز كون الباء زائدة ومدخولها مفعول للثاني ولا مفعول للأول على ما مر أو يقدر ويجوز تعليق الباء بالثاني وتعليق باسم الله بالأول فيفيد الحصر مرتين أو تعلق بسم الله بالأول ومفعول هذا الأول اسم ربك بزيادة باءه وذلك لأن الصحيح أن البسملة من السورة. *{الَّذِي خَلَقَ} لا مفعول له إنما هو مثل قولك فلان يعطي إذا لم ترد الإثبات الإعطاء له أي الذي له الخلق ولا خالق سواه أو له مفعول حذف للتعميم والمعنى خلق كل شيء أو مفعوله الإنسان وخلق الثاني تأكيدا له كقولك ضربت ضربت زيدا أو حذف مفعوله بالإبهام ثم لإيضاح فإنه أدخل في النفس وتفسيره هو قوله: {خَلَقَ الإِنسَانَ}.
اطفيش
تفسير : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله تعالى {أية : ما لم يعلم} تفسير : [العلق: 5] وتأَخر ما بعد ذلك وذلك خمس آيات هن أول ما نزل وهن بمرة وشهر أنه غطه فى غار حراءِ حتى بلغ الجهد فقال اقرأ فقال ما أنا بقارىء ثم غطه كذلك وفى الثالثة غطه وشهر أنه بلغ الجهد فى الثالثة، وفى البخارى ومسلم أنه بلغ الجهد فى الثلاثة وقال اقرأ ولو كان أول ما نزل فاتحة الكتاب كما قيل لكان قوله ما أنا بقارىء كذباً وعناداً حاشاه عنهما ولو صح لقلنا إن الفاتحة أول ما نزل جملة أو أول ما نزل متتابعاً لم يفصله غيره أو أول ما نزل فى رسالته المتأخرة عن نبوته بثلاث سنين كما قال جابر بن زيد رضى الله عنه أول ما نزل اقرأ ثم يا أيها المزمل ثم يا أيها المدثر ثم الفاتحة وقيل يا أيها المدثر قبل يا أيها المزمل وأول ما بدىءَ من الوحى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح وحبب إليه الخلاء بغار حراءِ يتزود إليه لأَيام وأوحى إليه فيه فرجع إلى خديجة رضى الله عنها يرجف فقال إنى خشيت على نفسى فقالت كلا إنك تصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الدهر فأَتت به ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى كان كبير السن وعمى وتنصر وكتب من التوراة والإنجيل فقالت يا ابن عمى انظر ما يقول ابن أخيك فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما رأى فقال هذا مثل ما أوحى إلى موسى يا ليتنى كنت شاباً إذا أخرجك قومك، قال: أو مخرجى هم قال نعم ما أتى أحد بمثلما أتيته إلاَّ عودى وإن أدركتنى لأَنصرك نصراً شديداً، وفتر الوحى حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يذهب إلى الجبل ليلقى نفسه وكلما فعل قال له جبريل وهو فى صورته التى رآه عليها أنت رسول الله حقاً فيرجع، ومعنى يكسب المعدوم بضم الياءِ التحتية وضم الدال بعدها واو يجعل من لم يكن عنده شىءٍ كاسباً بأَن يعطيه، وانظر كيف يلقى نفسه من الجبل الجواب إنه يصير بصورة من يلقى نفسه فى العاقبة بحسب الظن لشدَّة ولهه ولما مضت ثلاث سنين بعد قصة حراء جاءَه جبريل بها فمجيئه حديث : فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءَني بحراء جالس على كرسي بين السماءِ والأرض فرعبت فقلت زملوني تفسير : فأَنزل الله تعالى {أية : يا أيها المدثر قم فأَنذر} تفسير : [المدثر: 1 -2] إلى {أية : فاهجر} تفسير : [المدثر: 5] فالتزمل والتدثر فى قصة واحدة أعنى أنه تلقيت واحد المفعول محذوف أى اقرأ ما يوحى إليك من القرآن وباسم ربك متعلق بكون خاص محذوف أى مقترناً باسم ربك أو مستعيناً باسمِ ربك على تلقى الوحى أو مبتدئا باسم ربك أو ملتبسا باسم ربك وذلك عموم فى التذكير بأسماء الله بأَن يستصحبها وقيل المراد البسملة يقرأها أول كل سورة غير التوبة فعلى هذا نزلت هذه بلا بسملة ثم أنزلت أولها وأول كل سورة وقيل الباء صلة أى اقرأ باسم ربك، وعن عكرمة والحسن وأول ما نزل بسم الله الرحمن الرحيم وأول سورة اقرأ وليس قول جبريل فى حراء اقرأ تكليفاً بالمحال الذى لا يطاقَ لأَن المراد بقوله اقرأ استعد للقراءَة لما سأَلقيه عليك وهو قوله اقرأ باسم ربك والمراد اقرأ بلسانك لا ما قيل اقرأ هذا المكتوب مشيراً إلى كتابة فى نمط من ديباج فيه اقرأ باسم إلى ما لم يعلم كما قيل وإن صح فليس المراد اقرأ من الكتابة بل من لسانك وكذا لا دليل فيه على تأخير البيان عن وقت الخطاب المعبر عنه بوقت الحاجة لما علمت أن المراد استعد للقراءَة. {الَّذِي خَلَقَ} نبهه بأَول النعم على قدرته تعالى على تعليم القرآن بأَلطف وجه أو باسم ربك الذى خلق لا بأسماءِ أرباب فى زعم أصحابها التى لا تخلق وهى الأصنام فإنهم يسمونها أرباباً لكن يعتقدون أنها تخلق ولا مفعول له لأن المعنى الذى قدر على الخلق أو الذى له الخلق أو الذى من شأنه الخلق أو له مفعول خاص أى خلق الإنسان أو عام أى خلق كل شىءٍ ويكون قوله: {خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} ذكر للخاص لمزيته وشرفه بعد التعليق للقدرة والإمكان أو بعد الإبهام إن قدرنا خلق الإنسان أو بعد العموم الصالح بكل ما يمكن فإنه أشرف المخلوقات مع أن التنزيل إليه وفيه من بدائع الصنع ما ليس فى غيره من الحيوانات ولا يخفى أن البيان بعد الإبهام أو الإجمال أدخل فى النفس وفى الآية تلويح بأَن الإنسان خلق للقراءة والدراية إذ ذكر مع الأَمر بهما كما ذكر بذلك فى قوله عز وجل {أية : الرحمن علم القرآن خلق الإنسان} تفسير : [الرحمن: 1 - 3] وإن كل ما سوى الله وصفاته مخلوق حتى القرآن، والإنسان دون القرآن ولا مانع من ذكر خاص بعد إجمال أو إبهام شامل لخاص مثله أو أفضل نحو مات المؤمنون حتى أبو بكر فإن فى الناس من هو فوق أبى بكر، والعلق الدم الجامد خص هذا الطور دون النطفة والمضغة وما بعدها للفاصلة وإلاَّ فالخلق من التراب والنطفة أدل على القدرة لأنهما أبعد من الإنسانية ولا يقال لم يذكر مادة الأَصل الذى هو آدم وهى التراب لأن خلقه من ذلك لم يكن متقرراً عند الكفار فذكر مادة الفرع وهى العلقة تقريباً لإفهامهم لأَنا نقول قد ذكر فى غير موضع أنكم خلقتم من تراب أى بواسطة خلق أبيكم منه إلاَّ أن يقال خلقتم مما هو من تراب وهو الطعام وأيضاً قد يقال بإذا لم يقرب إلى أفهامهم خلقه من نطفة أو مضغة وقد يقال العلقة أقرب إلى اللحم وتوجد فى اللحم فهى أولى من النطفة وأسبق من المضغة فبدىء بها للبيان أو خص ذكر العلقة تذكيراً للعلقة التى أخرجت منه عند شق صدره - صلى الله عليه وسلم - ليتهيأَ لهذه القراءَة وتوابعها علماً وعملاً.
الالوسي
تفسير : {ٱقْرَأْ} أي ما يوحى إليك من القرآن فالمفعول مقدر بقرينة المقام كما قيل وليس الفعل منزلاً منزلة اللازم ولا أن مفعوله قوله تعالى: {بِٱسْمِ رَبّكَ } على أَنّ الباء زائدة كما قال / أبو عبيدة وزعم أن المعنى {ٱذْكُرْ رَبَّكَ } بل هي أصلية ومعناها الملابسة وهي متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع حالاً كما روي عن قتادة والمعنى اقرأ مبتدئاً أو مفتتحاً لاسم ربك أي قل بسم الله ثم اقرأ وهو ظاهر في أنه لو افتتح بغير اسمه عز وجل لم يكن ممتثلاً. واستدل بذلك على أن البسملة جزء من كل سورة وفيه بحث وكذا الاستدلال به على أنها ليس من القرآن للمقابلة إذ لقائل أن يقول إنها تخصص القرآن المقدر مفعولاً بغيرها ((وبعضهم استدل على أنها ليست بقرآن في أوائل السور بأنها لم تذكر فيما صح من أخبار بدء الوحي الحاكية لكيفية نزول هذه الآيات كذا أفاده النووي عليه الرحمة ثم قال وجواب المثبتين [لها] أنها لم تنزل أولاً بل نزلت في وقت آخر كما نزل باقي السورة كذلك)) وهذا خلاف ما أخرج الواحدي عن عكرمة والحسن أنهما قالا أول ما نزل من القرآن {أية : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }تفسير : [الفاتحة: 1] وأول سورة {ٱقْرَأْ } وكذا خلاف ما أخرجه ابن جرير وغيره من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال أول ما نزل جبريل عليه السلام على النبـي صلى الله عليه وسلم قال يا محمد استعذ ثم قل {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } وقد عد القول بأنها أول ما نزل أحد الأقوال في تعيين أول منزل من القرآن وقال الجلال السيوطي إن هذا القول لا يعد عندي قولاً برأسه فإنه من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها فهي أول آية نزلت على الإطلاق وفيه منع ظاهر كما لا يخفى. وجوز كون الباء للاستعانة متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع حالاً ورجحت الملابسة بسلامتها عن إيهام كون اسمه تعالى آلة لغيره وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول الكتاب. ثم إنه ليس في الأمر المذكور تكليف بما لا يطاق سواء دل الأمر على الفور أم لا لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن ما أوحي قرآن فهو المكلف بقراءته عليه الصلاة والسلام ولا محذوف في كون {ٱقْرَأْ } الخ مأموراً بقراءته لصدق المأمور بقراءته عليه وهذا كما تقول لشخص اسمع ما أقول لك فإنه مأمور بسماع هذا اللفظ أيضاً. وقد ذكر جمع من الأصوليين أن هذا بيان للمأمور به في قول جبريل عليه السلام {ٱقْرَأْ } المذكور في حديث بدء الوحي المتفق عليه قال الآمدي عند ذكر أدلة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب الذي ذهب إليه جماعة من الحنفية وغيرهم ((ومن الأدلة ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبـي صلى الله عليه وسلم {ٱقْرَأْ } قال وما أقرأ؟ كرر عليه ثلاث مرات ثم قال له {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } فأخر بيان ما أمره به أولاً مع إجماله إلى ما بعد ثلاث مرات من أمر جبريل عليه السلام وسؤال النبـي صلى الله عليه وسلم مع إمكان بيانه أولاً وذلك دليل جواز التأخير)) إلى آخر ما قال سؤالاً وجواباً لا يتعلق بهما غرضنا. ولا يخفى أن كون هذا بياناً للمراد على الوجه الذي ذكرناه ظاهر وكونه كذلك بجعل {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } إلى آخر ما نزل أو {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱقْرَأْ } الخ ما ادعاه الجلال معمولاً لإقرأ المكرر في كلام جبريل عليه السلام مما لا أظن أن أصولياً يقول به ومثله كونه كذلك بحمل الآية على ما سمعت عن أبـي عبيدة وأما بناء الاستدلال على ما في بعض الآثار من أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وهو بحراء بنمط من ديباج مكتوب فيه {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ} [العلق: 1] إلى {أية : مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق: 5] فقال له اقرأ فقال عليه الصلاة والسلام ما أنا بقارىء قال {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } بأن يكون {ٱقْرَأْ } الخ بياناً وتلاوة من جبريل عليه السلام لما في النمط المنزل لعدم العلم بما فيه وإن كان مشاهداً منزلة المجمل الغير المعلوم فلا يخفى حاله فتأمل. ثم إن في كلام الآمدي من حيث رواية الخبر ما فيه فلا تغفل. والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه الصلاة والسلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية بإنزال الوحي المتواتر. ووصف الرب بقوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ } لتذكيره عليه الصلاة والسلام أول النعماء الفائضة عليه صلى الله عليه وسلم / منه سبحانه مع ما في ذلك من التنبيه على قدرته تعالى على تعليم القراءة بألطف وجه وقيل لتأكيد عدم إرادة غيره تعالى من الرب فإن العرب كانت تسمي الأصنام أرباباً لكنهم لا ينسبون الخلق إليها والفعل إما منزل منزلة اللازم أي الذي له الخلق أو مقدر مفعوله عاماً أي الذي خلق كل شيء والأول يفيد العموم أيضاً فعلى الوجهين يكون وجه تخصيص الإنسان بالذكر في قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ}.
سيد قطب
تفسير : مطلع هذه السورة هو أول ما نزل من القرآن باتفاق. والروايات التي تذكر نزول غيرها ابتداء ليست وثيقة. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر بن الزهري، عن عروة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود إلى ذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك، فقال: "حديث : اقرأ. قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}"تفسير : .. فرجع بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال "حديث : زملوني زملوني" تفسير : فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة مالي؟ وأخبرها الخبر. وقال: "حديث : قد خشيت على نفسي" تفسير : فقالت له: كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها. وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية. كان يكتب الكتاب العربي، وكتب العبرانية من الإنجيل ـ ما شاء الله أن يكتب ـ وكان شيخاً كبيراً قد عمي. فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : أو مخرجي هم؟"تفسير : فقال ورقة: نعم. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عُودِيَ، وإن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشب ورقة أن توفي.. الخ". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري.. وروى الطبري ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن الزبير. قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : فجاءني ـ وأنا نائم ـ بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ. فغتني حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي. قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق.. إلى قوله: علم الإنسان ما لم يعلم} قال: فقرأته. ثم انتهى، ثم انصرف عني. وهببت من نومي، وكأنما كتب في قلبي كتاباً. قال: ولم يكن من خلق الله أبغض علي من شاعر أو مجنون. كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت: إن الأبعد ـ يعني نفسه ـ لشاعر أو مجنون! لا تحدث بها عني قريش أبداً! لأعمدنَّ إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن! قال: فخرجت أريد ذلك. حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد. أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي.. ".. تفسير : وقد رواه ابن إسحاق مطولاً عن وهب بن كيسان عن عبيد أيضاً.. وقفت هنا أمام هذا الحادث الذي طالما قرأناه في كتب السيرة وفي كتب التفسير، ثم مررنا به وتركناه، أو تلبثنا عنده قليلاً ثم جاوزناه! إنه حادث ضخم. ضخم جداً. ضخم إلى غير حد. ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته، فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا! إنه حادث ضخم بحقيقته. وضخم بدلالته. وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعاً.. وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد ـ بغير مبالغة ـ هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل. ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة؟ حقيقته أن الله جل جلاله، العظيم الجبار القهار المتكبر، مالك الملك كله، قد تكرم ـ في عليائه ـ فالتفت إلى هذه الخليقة المسماة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يرى اسمه الأرض. وكرّم هذه الخليقة باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثل قدره الذي يريده ـ سبحانه ـ بهذه الخليقة. وهذه حقيقة كبيرة. كبيرة إلى غير حد. تتكشف جوانب من عظمتها حين يتصور الإنسان ـ قدر طاقته ـ حقيقة الألوهية المطلقة الأزلية الباقية. ويتصور في ظلها حقيقة العبودية المحدودة الحادثة الفانية. ثم يستشعر وقع هذه العناية الربانية بهذا المخلوق الإنساني؛ ويتذوق حلاوة هذا الشعور؛ ويتلقاه بالخشوع والشكر والفرح والابتهال.. وهو يتصور كلمات الله، تتجاوب بها جنبات الوجود كله، منزّلة لهذا الإنسان في ذلك الركن المنزوي من أركان الوجود الضئيلة! وما دلالة هذا الحادث؟ دلالته ـ في جانب الله سبحانه ـ أنه ذو الفضل الواسع، والرحمة السابغة، الكريم الودود المنان. يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة، سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة. ودلالته ـ في جانب الإنسان ـ أن الله ـ سبحانه ـ قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا يملك أن يشكرها. وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعاً ساجداً.. هذه.. أن يذكره الله، ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من جنسه رسولاً يوحي إليه بكلماته. وأن تصبح الأرض.. مسكنه.. مهبطاً لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال. فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى. بدأت في تحويل خط التاريخ، منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني.. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه.. إنها ليست الأرض وليس الهوى.. إنما هي السماء والوحي الإلهي. ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة.. في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة. عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم. كبيره وصغيره. يحسون ويتحركون تحت عين الله. ويتوقعون أن تمتد يده ـ سبحانه ـ فتنقل خطاهم في الطريق خطوة خطوة. تردهم عن الخطأ وتقودهم إلى الصواب.. وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم، ويقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك! ولقد كانت فترة عجيبة حقاً. فترة الثلاثة والعشرين عاماً التالية، التي استمرت فيها هذه الصلة الظاهرة المباشرة بين البشر والملأ الأعلى. فترة لا يتصور حقيقتها إلا الذين عاشوها. وأحسوها. وشهدوا بدأها ونهايتها. وذاقوا حلاوة هذا الاتصال. وأحسوا يد الله تنقل خطاهم في الطريق. ورأوا من أين بدأوا وإلى أين انتهوا.. وهي مسافة هائلة لا تقاس بأي مقياس من مقاييس الأرض. مسافة في الضمير لا تعدلها مسافة في الكون الظاهر، ولا يماثلها بعد بين الأجرام والعوالم! المسافة بين التلقي من الأرض والتلقي من السماء. بين الاستمداد من الهوى والاستمداد من الوحي. بين الجاهلية والإسلام. بين البشرية والربانية، وهي أبعد مما بين الأرض والسماء في عالم الأجرام! وكانوا يعرفون مذاقها. ويدركون حلاوتها. ويشعرون بقيمتها، ويحسون وقع فقدانها حينما انتقل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الرفيق الأعلى، وانقطعت هذه الفترة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها لولا أنها وقعت حقاً. عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال أبو بكر لعمر ـ رضي الله عنهما ـ بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ انطلق بنا إلى أم أيمن ـ رضي الله عنها ـ نزورها كما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزورها. فلما أتيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها... (أخرجه مسلم).. ولقد ظلت آثار هذه الفترة تعمل في حياة البشر منذ تلك اللحظة إلى هذه اللحظة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لقد ولد الإنسان من جديد باستمداد قيمه من السماء لا من الأرض، واستمداد شريعته من الوحي لا من الهوى. لقد تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط، وكما لم يتحول من بعد أيضاً. وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق. وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث. وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه الصورة. ولم يجيء بعده تصور في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعاً، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية. ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض! وتبينت خطوطه ومعالمه. {أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة}.. تفسير : لا غموض ولا إبهام. إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد! إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقاناً في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل، والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به، وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها. وأن يذكر دائماً أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان.. ذلك شأن المقطع الأول من السورة. فأما بقيتها فواضح أنها نزلت فيما بعد. فهي تشير إلى مواقف وحوادث في السيرة لم تجيء إلا متأخرة، بعد تكليف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إبلاغ الدعوة، والجهر بالعبادة، وقيام المشركين بالمعارضة. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في السورة: {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟}.. الخ ولكن هناك تناسقاً كاملاً بين أجزاء السورة، وتسلسلاً في ترتيب الحقائق التي تضمنتها بعد هذا المطلع المتقدم. يجعل من السورة كلها وحدة منسقة متماسكة.. {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}.. إنها السورة الأولى من هذا القرآن، فهي تبدأ باسم الله. وتوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول ما توجه، في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى، وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها.. توجهه إلى أن يقرأ باسم الله: {اقرأ باسم ربك}.. وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: {الذي خلق}. ثم تخصص: خلق الإنسان ومبدأه: {خلق الإنسان من علق}.. من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقة بالرحم. من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين. فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته. فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلم فيتعلم: {اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}.. وإنها لنقلة بعيدة جداً بين المنشأ والمصير. ولكن الله قادر. ولكن الله كريم. ومن ثم كانت هذه النقلة التي تدير الرؤوس! وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم.. تعليم الرب للإنسان {بالقلم}.. لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان.. ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية. ولكن الله ـ سبحانه ـ كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية. في أول سورة من سور القرآن الكريم.. هذا مع أن الرسول الذي جاء بها لم يكن كاتباً بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى لو كان هو الذي يقول هذا القرآن. لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة! ثم تبرز مصدر التعليم.. إن مصدره هو الله. منه يستمد الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم. وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار نفسه. فهو من هناك. من ذلك المصدر الواحد، الذي ليس هناك سواه. وبهذا المقطع الواحد الذي نزل في اللحظة الأولى من اتصال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالملأ الأعلى، بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة.. كل أمر. كل حركة. كل خطوة. كل عمل. باسم الله. وعلى اسم الله. باسم الله تبدأ. وباسم الله تسير. وإلى الله تتجه، وإليه تصير. والله هو الذي خلق. وهو الذي علم. فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة.. والإنسان يتعلم ما يتعلم، ويعلم ما يعلم.. فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم.. {علم الإنسان ما لم يعلم}.. وهذه الحقيقة القرأنية الأولى، التي تلقاها قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره، وتصرف لسانه، وتصرف عمله واتجاهه، بعد ذلك طوال حياته. بوصفها قاعدة الإيمان الأولى. قال الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه: "زاد المعاد في هدي خير العباد" يلخص هدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذكر الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكراً لله عز وجل. بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه. وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكراً منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكراً منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتحميده وتسبيحه ذكراً منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكراً منه له. وسكوته وصمته ذكراً منه له بقلبه. فكان ذاكراً لله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله. وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفي مشيته وركوبه، وسيره ونزوله، وظعنه وإقامته. وكان إذا استيقظ قال: حديث : الحمد لله الذي أحياناً بعد ما أماتنا وإليه النشور. تفسير : وقالت عائشة كان إذا هب من الليل كبر عشراً، وهلل عشراً، ثم قال: حديث : اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشراً، ثم يستفتح الصلاة. وقالت أيضاً: كان إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك. اللهم أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك. اللهم زدني علماً. ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب تفسير : "ذكرها أبو داود". وأخبر أن من استيقظ من الليل فقال: "حديث : لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد وهوعلى كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" تفسير : ثم قال: حديث : اللهم أغفر ليتفسير : ، أو دعاء آخر استجيب له. فإن توضأ وصلى قبلت صلاته "ذكره البخاري". وقال ابن عباس عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة مبيته عنده: إنه لما استيقظ رفع رأسه للسماء، وقال العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران.. {أية : إن في خلق السماوات والأرض.. الخ} تفسير : ثم قال.. "حديث : اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت. أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". تفسير : وقد قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كان إذا قام من الليل قال: "حديث : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". تفسير : وربما قالت: كان يفتتح صلاته بذلك. وكان إذا أوتر ختم وتره بعد فراغه بقوله: حديث : سبحان الله القدوس (ثلاثاً) تفسير : ويمد بالثالثة صوته. وكان إذا خرج من بيته يقول: حديث : بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل، أو يُجهل علي" تفسير : (حديث صحيح). "حديث : قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: من قال إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان"تفسير : (حديث حسن). وقال ابن عباس عنه ـ ليلة مبيته عنده ـ: إنه خرج إلى صلاة الفجر وهو يقول:"حديث : اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، واجعل من تحتي نوراً. اللهم أعظم لي نوراً ". تفسير : وقال فضل بن مرزوق عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"حديث : ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي إليك، فإني لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا رياء ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته ". تفسير : وذكر أبو داود عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان إذا دخل المسجد قال "حديث : أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم ". تفسير : وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل وليسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك"تفسير : .. وذكر عنه أنه كان إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم، ثم يقول: حديث : اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك تفسير : . فإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم، ثم يقول: "حديث : اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي باب فضلك ". تفسير : وكان إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس يذكر الله عز وجل. وكان يقول إذا أصبح: حديث : اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور تفسير : . (حديث صحيح). وكان يقول: "حديث : أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما بعده؛ رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر. وإذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله... الخ" تفسير : (ذكره مسلم). وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: قل: "حديث : اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء مليكه ومالكه. أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك" تفسير : (حديث صحيح). "ثم ذكر أحاديث كثيرة في هذا الباب". ..وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا استجد ثوباً سماه باسمه عمامة أو قميصاً أو رداء. ثم يقول: "حديث : اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، أعوذ بك من شره وشر ما صنع له".تفسير : (حديث صحيح). ويذكر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يقول إذا انقلب إلى بيته: "حديث : الحمد لله الذي كفاني وآواني، والحمد لله الذي أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي منَّ علي. أسألك أن تجيرني من النار ". تفسير : وثبت عنه في الصحيحين أنه كان يقول عند دخول الخلاء: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ". تفسير : وكان إذا خرج من الخلاء قال: "حديث : غفرانك" تفسير : ويذكر عنه أنه كان يقول: حديث : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني تفسير : (ذكره ابن ماجه). وثبت عنه أنه وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال للصحابه: حديث : توضأوا باسم الله . تفسير : ويذكر عنه أنه كان يقول "عند رؤية الهلال": "حديث : اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" تفسير : (قال الترمذي حديث حسن). وكان إذا وضع يده في الطعام قال: حديث : باسم الله تفسير : . ويأمر الآكل بالتسمية ويقول: "حديث : إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله فليقل: باسم الله في أوله وأخره"تفسير : (حديث صحيح). وهكذا كانت حياته كلها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدقائقها متأثرة بهذا التوجيه الإلهي الذي تلقاه في اللحظة الأولى. وقام به تصوره الإيماني على قاعدته الأصيلة العريقة.. ولقد كان من مقتضيات تلك الحقيقة: حقيقة أن الله هو الذي خلق. وهو الذي علم. وهو الذي أكرم. أن يعرف الإنسان. ويشكر. ولكن الذي حدث كان غير هذا، وهذا الانحراف هو الذي يتحدث عنه المقطع الثاني للسورة: {كلا! إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى. إن إلى ربك الرجعى}.. إن الذي أعطاه فأغناه هو الله. كما أنه هو الذي خلقه وأكرمه وعلمه. ولكن الإنسان في عمومه ـ لا يستثنى إلا من يعصمه إيمانه ـ لا يشكر حين يُعطى فيستغني؛ ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته، وهو المصدر الذي أعطاه خلقه وأعطاه علمه.. ثم أعطاه رزقه.. ثم هو يطغى ويفجر، ويبغي ويتكبر، من حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر. وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف: {إن إلى ربك الرجعى} فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى؟ وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني. قاعدة الرجعة إلى الله. الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر، وفي كل نية، وفي كل حركة. فليس هناك مرجع سواه. إليه يرجع الصالح والطالح. والطائع والعاصي. والمحق والمبطل. والخير والشّرير. والغني والفقير.. وإليه يرجع هذا الذي يطغى أن رآه استغنى. ألا إلى الله تصير الأمور.. ومنه النشأة وإليه المصير.. وهكذا تجتمع في المقطعين أطراف التصور الإيماني.. الخلق والنشأة. والتكريم والتعليم.. ثم.. الرجعة والمآب لله وحده بلا شريك: {إن إلى ربك الرجعى}.. ثم يمضي المقطع الثالث في السورة القصيرة يعرض صورة من صور الطغيان: صورة مستنكرة يعجب منها، ويفظع وقوعها في أسلوب قرآني فريد. {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ أرأيت إن كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى؟}. والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير، التي تتعذر مجاراتها في لغة الكتابة. ولا تؤدّى إلا في أسلوب الخطاب الحي. الذي يعبر باللمسات المتقطعة في خفة وسرعة! {أرأيت}؟ أرأيت هذا الأمر المستنكر؟ أرأيته يقع؟ {أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى؟}. أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة؟ وتضاف بشاعة إلى بشاعة؟ أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته.. إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ ثم ينهاه من ينهاه. مع أنه على الهدى، آمر بالتقوى؟. أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكراً؟ {أرأيت إن كذب وتولى؟}. هنا يجيء التهديد الملفوف كما جاء في نهاية المقطع الماضي: {ألم يعلم بأن الله يرى؟} يرى تكذيبه وتوليه. ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى، وهو على الهدى، آمر بالتقوى. يرى. وللرؤية ما بعدها! {ألم يعلم بأن الله يرى!}. وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان، وفي وجه الطاعة، يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير، مكشوفاً في هذه المرة لا ملفوفاً: {كلا. لئن لم ينته لنسفعن بالناصية. ناصية كاذبة خاطئة. فليدع ناديه. سندع الزبانية}. إنه تهديد في إبانه. في اللفظ الشديد العنيف: {كلا. لئن لم ينته لنسفعن بالناصية}. هكذا {لنسفعن} بهذا اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه. والسفع: الأخذ بعنف. والناصية: الجبهة. أعلى مكان يرفعة الطاغية المتكبر. مقدم الرأس المتشامخ: إنها ناصية تستحق السفع والصرع: {ناصية كاذبة خاطئة}! وإنها للحظة سفع وصرع. فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه: {فليدع ناديه} أما نحن فإننا {سندع الزبانية} الشداد الغلاظ.. والمعركة إذن معروفة المصير! وفي ضوء هذا المصير المتخيل الرعيب.. تختم السورة بتوجيه المؤمن الطائع إلى الإصرار والثبات على إيمانه وطاعته.. {كلا. لا تطعه، واسجد، واقترب.} كلا! لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة. واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة. ودع هذا الطاغي. الناهي. دعه للزبانية! ولقد وردت بعض الروايات الصحيحة بأن السورة ـ عدا المقطع الأول منها ـ قد نزلت في أبي جهل إذ مر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي عند المقام. فقال (يا محمد. ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده. فأغلظ له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانتهره..) ولعلها هي التي أخذ فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخناقه وقال به: {أولى لك ثم أولى} فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً، فأنزل الله: {فليدع نادية...} وقال ابن عباس لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. ولكن دلالة السورة عامة في كل مؤمن طائع عابد داع إلى الله. وكل طاغ باغ ينهى عن الصلاة، ويتوعد على الطاعة، ويختال بالقوة.. والتوجيه الرباني الأخير {كلا! لا تطعه واسجد واقترب}.. وهكذا تتناسق مقاطع السورة كلها وتتكامل إيقاعاتها..
ابن عاشور
تفسير : { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ} . هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم لِما ثبت عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سيأتي قريباً. وافتتاح السورة بكلمة {اقرأ} إيذان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون قارئاً، أي تالياً كتاباً بعد أن لم يكن قد تلا كتاباً قال تعالى: { أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب } تفسير : [العنكبوت: 48]، أي من قبل نزول القرآن، ولهذا حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له اقرأ: «ما أنا بقارىء» تفسير : . وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن. وقوله تعالى: {اقرأ} أمر بالقراءة، والقراءة نطق بكلام معيَّن مكتوبٍ أو محفوظٍ على ظهر قلب. وتقدم في قوله تعالى: { أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم } تفسير : في سورة النحل (98). والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال، فالمطلوب بقوله: {اقرأ} أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال، أي أن يقول مَا سَيُمْلَى عليه، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته، ولا سُلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها، فهو كما يقول المُعلم للتلميذ: اكتب، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه. وفي حديث «الصحيحين» حديث : عن عائشة رضي الله عنها قولها فيه: « حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرْسَلَني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلى {ما لم يعلم}تفسير : . فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها قال: « حديث : فقلت: ما أنا بقارىء ». تفسير : وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد قالت فيه: «فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فُؤاده» أي فرجع بالآيات التي أُمليَتْ عليه، أي رجع متلبساً بها، أي بوعيها. وهو يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه. وقرأه حينئذٍ ويزيد ذلك إيضاحاً قولها في الحديث: «فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك»، أي اسمع القول الذي أوحي إليه وهذا ينبىء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد الفطة الثالثة: {اقرأ باسم ربك} الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذٍ كما أمره الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها وعلى هذا الوجه يكون قول المَلك له في المرات الثلاث {اقرأ} إعادة للفّظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل. ولم يُذكر لِفعل {اقرأ} مفعول، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة، وإما لظهور المقروء من المقام، وتقديره: اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن. وقوله {باسم ربك} فيه وجوه: أولها: أن يكون افتتاح كلام بعد جملة {اقرأ} وهو أول المقروء، أي قل: باسم الله، فتكون الباء للاستعانة فيجوز تعلقه بمحذوف تقديره: ابتدىء ويجوز أن يتعلق بـــ {اقرأ} الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله. ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة، وإقحامُ كلمة (اسم) لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام على البسملة، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {باسم الله} حين تلقَّى هذه الجملة. الثاني: أن تكون الباء للمصاحبة ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير {اقرأ} الثاني مقدَّماً على عامله للاختصاص، أي اقرأ ما سيوحَى إليك مصاحباً قراءتَك (اسمَ ربك). فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله، ويكون هذا إثباتاً لوحدانية الله بالإلٰهية وإبطالاً للنداء باسم الأصنام الذي كان يفعله المشركون يقولون: باسم اللاتِ، باسم العزى، كما تقدم في البسملة. فهذا أول ما جاء من قواعد الإسلام قد افتتح به أول الوَحي. الثالث: أن تكون الباء بمعنى (على) كقوله تعالى: { أية : من إن تأمنه بقنطار } تفسير : [آل عمران: 75]، أي على قنطار. والمعنى: اقرأ على اسم ربك، أي على إذنه، أي أن المَلَك جاءك على اسم ربك، أي مرسلاً من ربك، فذكر (اسْم) على هذا متعين. وعدل عن اسم الله العَلم إلى صفة {ربك} لما يؤذن وصف الرب من الرأفة بالمربوب والعناية به، مع ما يتأتى بذكره من إضافته إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة مؤذنة بأنه المنفرد بربوبيته عنده رداً على الذين جعلوا لأنفسهم أرباباً من دون الله فكانت هذه الآية أصلاً للتوحيد في الإسلام. وجيء في وصف الربّ بطريق الموصول {الذي خلق} ولأن في ذلك استدلالاً على انفراد الله بالإلٰهية لأن هذا القرآن سيُتلى على المشركين لما تفيده الموصولية من الإيماء إى علة الخبر، وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم الرب هي أنه خالق دل ذلك على بطلان الإقبال على ذكر غيره الذي ليس بخالق، فالمشركون كانوا يقبلون على اسم اللات واسم العزى، وكونُ الله هو الخالق يعترفون به قال تعالى: { أية : ولئن سألتهم من خلق السمٰوات والأرض ليقُولُنّ الله } تفسير : [لقمان: 25] فلما كان المقام مقام ابتداء كتاب الإسلام دين التوحيد كان مقتضياً لذكر أدلّ الأوصاف على وحدانيته. وجملة {خلق الإنسان من علق} يجوز أن تكون بدلاً من جملة {الذي خلق} بدل مفصَّل من مُجْمل إن لم يقدر له مفعول، أو بدل بعض إن قُدِّر له مفعول عام، وسُلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداءً لإقامة الاستدلال على افتقار المخلوقات كلها إليه تعالى لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام. ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل. ويجوز أن تكون بياناً مِن {الذي خَلَق} إذا قُدر لفعل {خلق} الأول مفعول دل عليه بيانه فيكون تقدير الكلام: اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق. وعدم ذكر مفعولٍ لفعل {خلق} يجوز أن يكون لتنزيل الفعل منزلة اللازم، أي الذي هو الخالق وأن يكون حذف المفعول لإرادة العموم، أي خلق كل المخلوقات، وأن يكون تقديره: الذي خلق الإنسان اعتماداً على ما يرد بعده من قوله {خلق الإنسان}، فهذه معانٍ في الآية. وخص خلق الإِنسان بالذكر من بين بقية المخلوقات لأنه المطَّرد في مقام الاستدلال إذ لا يَغفُلُ أحد من الناس عن نفسه ولا يخلو من أن يخطر له خاطر البحث عن الذي خلقه وأوجده ولذلك قال تعالى: { أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون } تفسير : [الذاريات: 21]. وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل الوحدانية قائم في أنفسهم. وفي قوله: {من علق} إشارة إلى ما ينطوي في أصل خَلْق الإِنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطانَ هذا العالم الأرضي. والعلق: اسم جمع عَلَقَة وهي قطعةٌ قَدرُ الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطْباً لم يجفّ، سمي بذلك تشبيهاً لها بدودةٍ صغيرة تسمَّى علقة، وهي حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة، تمتص الدم من الحيوان إذا علق خرطومها بجلده وقد تدخل إلى فم الدابة وخاصة الخيل والبغال فتعلق بلهاته ولا يُتفطن لها. ومعنى: {خَلق الإنسان من علق} أن نطفة الذكر ونطفة المرأة بعد الاختلاط ومضي مدة كافيَة تصيران علقةً فإذا صارت علقة فقد أخذت في أطوار التكوّن، فجُعلت العلقة مبدأ الخلق ولم تُجعل النطفة مبدأ الخلق لأن النطفة اشتهرت في ماء الرجل فلو لم تخالطه نطفة المرأة لم تصر العلقة فلا يتخلق الجنين وفيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة وقابليات عظيمة أقصاها قابلية العلم والكتابة. ومن إعجاز القرآن العلمي ذكر العلقة لأن الثابت في العلم الآن أن الإِنسان يتخلق من بويضة دقيقة جداً لا ترى إلا بالمرآة المكبِّرة أضعافاً تكون في مبدإ ظهورها كروية الشكل سابحة في دم حيض المرأة فلا تقبل التخلق حتى تخالطها نطفة الرجل فتمتزج معها فتأخذ في التخلق إذا لم يَعُقْها عائق كما قال تعالى: { أية : مخلقة وغير مخلقة } تفسير : [الحج: 5]، فإذا أخذت في التخلق والنمو امتد تكورها قليلاً فشابهت العلقة التي في الماء مشابَهة تامة في دقة الجسم وتلونها بلون الدم الذي هي سابحة فيه وفي كونها سابحة في سائل كما تسبح العلقة، وقد تقدم هذا في سورة غافر وأشرت إليه في المقدمة العاشرة. ومعنى حرف {مِن} الابتداء. وفعل {اقرأ} الثاني تأكيد لـــ {اقرأ} الأول للاهتمام بهذا الأمر. {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} . جملة معطوفة على جملة: {اقرأ باسم ربك} فلها حكم الاستئناف، و{ربُّك} مبتدأ وخبره إما {الذي علم بالقلم} وإما جملة: {علم الإنسان ما لم يعلم}. وهذا الاستئناف بياني. فإذا نظرتَ إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئاً عن سؤال يجيش في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة، فأجيب بأن الذي علم القراءة بواسطة القلم، أي بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم. وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جواباً عن قوله لجبريل: « حديث : ما أنا بقارىء » تفسير : فالمعنى: لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل عالماً بالقراءة إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإِملاء والتلقين والإِلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئاً. ومقتضى الظاهر: وعَلَّم بالقلم. فعُدل عن الإِضمار لتأكيد ما يشعر به {ربّك} من العناية المستفادة من قوله: {اقرأ باسم ربك} وأن هذه القراءة شأن من شؤون الرب اختص بها عبدَه إتماماً لنعمة الربوبية عليه. وليجري على لفظ الرب وصفُ الأكرم. ووصف {الأكرم} مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغاً للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة. والكرم: التفضل بعطاء ما ينفع المعطَى، ونعم الله عظيمة لا تُحصى ابتداء من نعمة الإِيجاد، وكيفية الخلق، والإِمداد. وقد جمعت هذه الآيات الخمسُ من أول السورة أصول الصفات الإِلٰهية فوَصفُ الرب يتضمن الوجود والوحدانية، ووصف {الذي خلق} ووصف {الذي عَلَّم بالقلم} يقتضيان صفات الأفعال، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإِيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها. ووصف {الأكرم} يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص. ومفعولا {عَلَّم بالقلم} محذوفان دل عليهما قوله: {بالقلم} وتقديره: علّم الكاتبين أو علّم ناساً الكتابة، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النُّميري: شعر : كما خُطّ الكتابُ بكفِّ يَوماً يَهُودِيَ يقارِب أو يُزيل تفسير : ويتفاخر من يعرف الكتابة بعِلمه وقال الشاعر: شعر : تعلّمْتُ بَاجَاد وآل مُرَامِرٍ وسوَّدت أثوابي ولستُ بكاتب تفسير : وذُكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار، وأدخل الكتابة إلى الحجاز حربُ بن أمية تعلمه من أسْلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مُرامِر بن مُرة وكان الخط سابقاً عند حمير باليمن ويسمى المُسْنَد. وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلُها معترضة بين المبتدإ والخبر للإِيماء إلى إزالة ما خطر ببال النبي صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة عليه لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءةُ إذْ قال للملك: «ما أنا بقارىء» ثلاث مرات، لأن قوله: « حديث : ما أنا بقارىء » تفسير : اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله: {اقرأ}؛ فالمعنى أن الذي علّم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة. والقلم: شَظيَّة من قصب ترقق وتثقّف وتبرى بالسكينِ لتكون ملساء بين الأصابع ويجعلُ طرفها مشقوقاً شقاً في طول نصف الأنملة، فإذا بلّ ذلك الطرف بسائل المداد يخُط به على الورق وشبهه، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إذ يُلقون أقلامَهم أيُّهم يكفل مريم } تفسير : في سورة آل عمران (44). وجملة: {علّم الإنسان ما لم يعلم} خبر عن قوله: {وربُّك الأكرم} وما بينهما اعتراض. وتعريف {الإنسان} يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإِعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإِنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم. وقد حصلتْ من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب وأن تحصيل العلوم يعتمد أموراً ثلاثة: أحدها: الأخذ عن الغير بالمراجعة، والمطالعة، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية. والثاني: التلقي من الأفواه بالدرس والإِملاء. والثالث: ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات. وهذان داخلان تحت قوله تعالى: {علم الإنسان ما لم يعلم}. وفي ذلك اطمئنان لنفس النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته لأن الله علّم الإنسان ما لم يعلم، فالذي علّم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة. وأشعر قوله: {ما لم يعلم} أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يُعلَم من قبل، أي فلا يُؤْيِسَنَّك من أن تصير عالماً بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم. وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يُكتَب للنبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزل عليه من القرآن فمن أجل ذلك اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتّاباً للوحي من مبدإ بعثته. وفي الاقتصار على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثم إخباره بأن الله علّم الإنسان بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وصف مكمِّل لإعجاز القرآن قال تعالى: { أية : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخُطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون } تفسير : [العنكبوت: 48]. وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآيات الخمس تسع مسائل مرتبط بعضها ببعض ارتباط السبب بالمسبب، والعام بالخاص، والدليل بالمدلول عليه، وكلها من منهج هذا الكتاب المبارك. وفي الواقع أنها كلها مسائل أساسية بالغة الأهمية عظيمة الدلالة. وقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها وأمثالها من السور التي فيها العجائب، وذلك لما جاء فيها من التأسيس لافتتاحية تلك الرسالة العظيمة، ولا تستطيع إيفاءها حقها عجزاً وقصوراً. وقد كتب فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأسلوبه مائتين وعشرين صفحة متتالية، وفصلاً آخر في مباحث تتصل بها، ولو أوردنا كل ما يسعنا مما تحتمله، لكان خروجاً عن موضوع الكتاب، ولذا فإنا نقصر القول على ما يتصل بموضوعه، إلا ما جرى القلم به مما لا يمكن تركه، وبالله تعالى التوفيق. أما المسائل التسع التي ذكرت هنا، فإنا نوردها لنتقيد بها وهي: أولاً: الأمر بالقراءة، يوجه لنبي أمي. والثانية: كون القراءة هذه باسم الرب سبحانه مضافاً للمخاطب صلى الله عليه وسلم باسم ربك. الثالثة: وصف للرب الذي خلق بدلاً من اسم الله، واسم الذي يحيي ويميت أو غير ذلك. الرابعة: خلق الإنسان بخصوصه، بعد عموم خلق وإطلاقه. الخامسة: خلق الإنسان من علق، ولم يذكر ما قبل العلقة من نطفة أو خلق آدم من تراب. السادسة: إعادة الأمر بالقراءة مع وربك الأكرم، بدلاً من أي صفة أخرى، وبدلاً من الذي خلق المتقدم ذكره. الثامنة: التعليم بالقلم. التاسعة: تعليم الإنسان ما لم يعلم. لما كانت هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وكانت تلك الآيات الخمس أول ما نزل منها على الصحيح، فهي بحق افتتاحية الوحي، فكانت موضع عناية المفسرين وغيرهم، والكلام على ذلك مستفيض في كتب التفسير والحديث والسيرة، فلا موجب لإيراده هنا. ولكن نورد الكلام على ما ذكرنا من موضوع الكتاب إن شاء الله. أما المسألة الأولى: قوله تعالى: {ٱقْرَأْ}، فالقراءة لغة الإظهار، والإبراز، كما قيل في وصف الناقة: لم تقرأ جنيناً، أي لم تنتج. وتقدم للشيخ بيان هذا المعنى لغة وتوجيه الأمر بالقراءة إلى نبي أمي لا تعارض فيه، لأن القراءة تكون من مكتوب وتكون من متلو، وهنا من متلو يتلوه عليه جبريل عليه السلام، وهذا إبراز للمعجزة أكثر، لأن الأمي بالأمس صار معلماً اليوم. وقد أشار السياق إلى نوعي القراءة هذين، حيث جمع القراءة مع التعليم بالقلم. وفي قوله تعالى: {ٱقْرَأْ} بدء للنبوة وإشعار بالرسالة، لأنه يقرأ كلام غيره. وقوله تعالى: {بِٱسْمِ رَبِّكَ}، تؤكد لهذا الإشعار، أي ليس من عندك ولا من عند جبريل الذي يقرئك. وقد قدمنا الرد على كونه صلى الله عليه وسلم لم يكتب ولا يقرأ مكتوباً، من أنه صيانة للرسالة، كما أنه لم يكن يقول الشعر وما ينبغي له، إذاً لارتاب المبطلون. كما قال تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} تفسير : [العنكبوت: 48] الآية. وذلك عند قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} تفسير : [الجمعة: 2]. وهنا لم يبين ما يقرؤه ولكن مجيئ سورة القدر بعدها بمثابة البيان لما يقرؤه وهي: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ} تفسير : [القدر: 1]، وجاء بيان ما أنزل في سورة الدخان {أية : حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 1-3]. وللشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان لذلك عند قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113]، فكأنه في قوة اقرأ ما يوحي إليك من ربك، والمراد به هو القرآن بالإجماع. المسألة الثانية: قوله: {بِٱسْمِ رَبِّكَ}، أي اقرأ باسم ربك منشئاً ومبتدئاً القراءة باسم ربك، وقد تكلم المفسرون على الباء أهي صلة، ويكون اقرأ اسم ربك، أي قل باسم اللَّه، كما في أوائل السور. وقيل: الباء بمعنى على، أي على اسم ربك، وعليه: فالمقروء محذوف. والذي يظهر والله تعالى أعلم أن قوله: {بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي أن ما تقرؤه هو من ربك، وتبلغه للناس باسم ربك، وأنت مبلغ عن ربك على حد قوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4]. وقوله: {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [المائدة: 99]، أي عن الله تعالى. وكقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 64]. ونظير هذا في الأعراف الحاضرة خطاب الحكم، أو ما يسمى خطاب العرش، حينما يقول ملقيه باسم الملك، أو باسم الأمة، أو باسم الشعب، على حسب نظام الدولة، أي باسم السلطة التي منها مصدر التشريع والتوجيه السياسي. وهنا باسم الله، باسم ربك، وصفة ربك هنا لها مدلول الربوبية الذي ينبه العبد إلى ما أولاه الله إياه من التربية والرعاية والعناية، إذ الرب يفعل لعبده ما يصلحه، ومن كمال إصلاحه أن يرسل إليه من يقرأ عليه وحيه بخبري الدنيا والآخرة، وفي إضافته إلى المخاطب إيناس له. المسألة الثالثة: وصف الرب بالذي خلق مع إطلاق الوصف، وذلك لأن صفة الخلق هي أقرب الصفات إلى معنى الربوبية، ولأنها أجمع الصفات للتعريف بالله تعالى لخلقه، وهي الصفة التي يسلمون بها {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25]. {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف:87]. ولأن كل مخلوق لا بد له من خالق {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الطور: 35]، وقد أطلق صفة الخلق عن ذكر مخلوق ليعم ويشمل الوجود كله، خالق كل شيء في قوله: {أية : ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 102]. {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} تفسير : [الزمر: 62]. {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} تفسير : [الحشر: 24]. وتلك المسائل الثلاث: هي الأصول في الرسالة وما بعدها دلالة عليها، فالأمر بالقراءة تكليف لتحمل الوحي، وباسم ربك بيان لجهة التكليف، والذي خلق تدليل لتلك الجهة، أي الرسالة والرسول والمرسل مع الدليل المجمل. ولا شك أن المرسل إليهم لم يؤمنوا ولا بواحدة منها، فكان لا بد من إقامة الأدلة على ثبوتها بالتفصيل. ولما كانت جهة المرسل هي الأساس وهي المصدر، كان التدليل عليها أولاً، فجاء التفصيل في شأنها بما يسلمون به ويسلمونه في أنفسهم، وهي المسألة الرابعة. والخامسة: خلق الإنسان من علق، وهذا تفصيل بعد إجمال ببيان للبعض من الكل فالإنسان بعض مما خلق، وذكره من ذكر العام بعد الخاص أولاً، ومن إلزامهم بما يسلمون به ثم لانتقالهم مما يعلمون، ويقرون به إلى ما لا يعلمون وينكرون. وفي ذكر الإنسان بعد عموم الخلق تكريم له، كذكر الروح بعد عموم الملائكة، تنزل الملائكة والروح فيها ونحوه، والإنسان هنا الجنس بدليل الجمع في علق جمع علقة، ولأنه أوضح دلالة عنده، ليستدل بنفسه من نفسه كما سيأتي. وقوله: {مِنْ عَلَقٍ}، وهو جمع علقة، وهي القطعة من الدم، كالعرق أو الخيط بيان على قدرته تعالى، وذلك لأنهم يشاهدون ذلك أحياناً فيما تلقى به الرحم، ويعلمون أنه مبدأ خلقة الإنسان. فالقادر على إيجاد إنسان في أحسن تقويم من هذه العلقة، قادر على جعلك قارئاً وإن لم تكن تعلم القراءة من قبل، كما أوجد الإنسان من تلك العلقة ولم يكن موجوداً من قبل، ولأن الذي يتعهد تلك العلقة حتى تكتمل إنساناً يتعهدها بالرسالة. وقد يكون في اختيار الإنسان بالذات وبخصوصه لتفصيل مرحلة وجوده، أن غيره من المخلوقات لم تعلم مبادئ خلقتها كعلمهم بالإنسان، ولأن الإنسان قد مر ذكره في السورة قبلها {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]، فبين أنه من هذه العلقة كان في أحسن تقويم، ومن حسن تقويم إنزال الكتاب القيم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المقام هنا مقام دلالة على وجود الله، فبدأ بما يعرفونه ويسلمون به لله، ولم يبدأ من النطفة أو التراب، لأن خلق آدم من تراب لم يشاهدوه، ولأن النطفة ليست بلازم لها خلق الإنسان، فقد تقذف في غبر رحم كالمحتلم، وقد تكون فيه، ولا تكون مخلقة. اهـ. وهذا في ذاته وجيه، ولكن لا يبعد أن يقال: إن السورة في مستهل الوحي وبدايته، فهي كالذي يقول: إذا كنت بدأت بالوحي إليه ولم يكن من قبل، ولم يوجد منه شيء بالنسبة إليك، فليس هو بأكثر من إيجاد الإنسان من علقة، بعد أن لم يكن شيئاً. وعليه يقال: لقد تركت مرحلة النطفة مقابل مرحلة من الوحي، قد تركت أيضاً وهي فترة الرؤيا الصالحة، كما في الصحيحين "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان أول ما بدئ به الوحي الرؤيا الصالحة، يراها فتأتي كفلق الصبح" تفسير : فكان ذلك إرهاصاً للنبوة وتمهيداً لها لمدة ستة أشهر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة" تفسير : وهي نسبة نصف السنة من ثلاث وعشرين مدة الوحي، ولكن الرؤيا الصالحة قد يراها الرجل الصالح، ومثل ذلك تماماً فترة النطفة، فقد تكون النطفة ولا يكون الإنسان، كما تكون الرؤيا ولا تكون النبوة، أما العلقة فلا تكون إلا في رحم وقرار مكين، ومن ثم يأتي الإنسان مخلقاً كاملاً، أو غير مخلق على ما يقدر له. فلما كانت فترة النطفة ليست بلازمة لخلق الإنسان، وكان مثلها فترة الرؤية ليست لازمة للنبوة ترك كل منها مقابل الآخر، ويبدأ الدليل بما هو الواقع المسلم على أن الله تعالى هو الخالق، والخالق للإنسان من علقة، فكان فيه إقامة الدليل من ذاتية المستدل، فالدليل هو خلق الإنسان، والمستدل به هو الإنسان نفسه، كما في قوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]، فيستدل لنفسه من نفسه على قدرة خالقه سبحانه. وإذا تم بهذا الاستدلال على قدرة الرب الخالق، كان بعده إقامة الدليل على صحة النبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءت المسألة السادسة وهي إعادة القراءة في قوله: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ}، إذ أقام الدليل على أنك مرسل من الله تبلّغ عنه وتقرأ باسمه، فاعلم أن تلك القراءة وهذا الوحي من ربك الأكرم، والأكرم قالوا: هو الذي يعطي بدون مقابل، ولا انتظار مقابل، والواقع أن مجيء الوصف هنا بالأكرم بدلاً من أي صفة أخرى، لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة. فأولاً: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم. وكفى. وثانياً: نعمة الخلق والإيجاد، فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلاَّ من الرب الأكرم سبحانه. ثم تأتي المسألة الثامنة: وهي من الدلالة على النبوة والرسالة، وربك الأكرم الذي علم بالقلم، سواء كان الوقف على: اقرأ، وابتداء الكلام: وربك الأكرم الذي علم بالقلم. أو الوقف على الأكرم وابتداء الكلام. الذي علم بالقلم، لأن من يعلم الجاهل بالقلم، يعلّم غيره بدون القلم بجامع التعليم بعد الجهل. فالقادر على هذا قادر على ذلك. والتاسعة: بيان لهذا الإجمال حيث لم يبين ما الذي علمه بالقلم. فقال: {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، وهذا مشاهد ملموس في أشخاصهم {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} تفسير : [النحل: 78]. فالله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وكل ما تعلمه الإنسان فهو من الله تعلمونهن مما علمكم الله، وهل الرسالة والنبوة إلا تعليم الرسول ما لم يكن يعلم؟ وبهذا تم إقامة الدليل على صحة النبوة، أي الرسالة والرسول والمرسل، وهي أسس الدعوة والبعثة الجديدة. وقد اشتهر عند الناس أنه نبئ "باقرأ" وأرسل "بالمدثر" ولكن في نفس هذه السورة معنى الرسالة، لما قدمنا من أن القراءة باسم ربك،إشعار بأنه مرسل من ربه إلى من يقرأ عليهم، ففيها إثبات الرسالة من أول بدء الوحي. تنبيه في قوله تعالى: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، مبحث التعليم ومورد سؤال، وهو إذا كان تعالى تمدح بأنه علّم بالقلم وأنه علّم الإنسان ما لم يعلم، فكان فيه الإشادة بشأن القلم، حيث الله تعالى قد علم به، وهذا أعلى مراتب الشرف مع أنه سبحانه قادر على التعليم بدون القلم، ثم أورده في معرض التكريم في قوله: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 1-2]، وعظم المقسم عليه وهو نعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي، يدل على عظم المقسم به، وهو القلم وما يسطرون به من كتابة الوحي وغيره. وقد ذكر القلم في السنة أنواعاً متفاوتة، وكلها بالغة الأهمية. منها: أولها وأعلاها: القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، والوارد في الحديث "حديث : أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب" تفسير : الحديث. فعلى رواية الرفع، يكون هو أول المخلوقات ثم جرى بالقدر كله، وبما قدر وجوده كله. ثانيها: القلم الذي يكتب مقادير العام في ليلة القدر من كل سنة، المشار إليه بقوله: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان: 4]. ثالثها: القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل. ثالثها: القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين المنوه عنه بقوله تعالى: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]، أي بالكتابة كما في قوله: {أية : كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار: 11-12]، إذا قلنا إن الكتابة في ذلك تستلزم قلماً، كما هو الظاهر. رابعاً: القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم الله، ومن أهمها أقلام كتاب الوحي، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتابة سليمان لبلقيس. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، شامل لهذا كله، إذا كان هذا كله شأن القلم وعظم أمره، وعظيم المنة له على الأمة، بلى وعلى الخليقة كلها. وقد افتتحت الرسالة بالقراءة والكتابة، فلماذا لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي أعلن عن هذا الفضل كله للقلم! لم يكن هو كاتباً به، ولا من أهله بل هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2]. والجواب: أنا أشرنا أولاً إلى ناحية منه، وهي أنه أكمل للمعجزة، حيث أصبح النَّبي الأمي معلماً كما قال تعالى: {أية : يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [آل عمران: 164]. وثانياً: لم يكن هذا النَّبي الأمي مُغْفِلاً شأن القلم، بل عنى به كل العناية، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتّاباً للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه، مع أنه يحفظه ويضبطه، وتعهد الله له بحفظه وبضبطه في قوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعلى: 6-7]، حتى الذي ينساه يعوضه الله بخير منه أو مثله، كما في قوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} تفسير : [البقرة: 106]، ووعد الله تعالى بحفظه في قوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ومع ذلك، فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ وكان له عدة كتاب، وهذا غاية في العناية بالقلم. وذكر ابن القيم من الكتاب الخلفاء الأربعة، ومعهم تتمة سبعة عشر شخصاً، ثم لم يقتصر صلى الله عليه وسلم في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي، بل جعل التعليم به أعم، كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلِّم الناس الكتابة بالمدينة، وكان كاتباً محسناً" ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في الاستيعاب. وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: "علّمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن". وقد كانت دعوته صلى الله عليه وسلم، الملوك إلى الإسلام بالكتابة كما هو معلوم. وأبعد من ذلك، ما جاء في قصة أسارى بدر، حيث كان يفادي بالمال من يقدر على الفداء، ومن لم يقدر. وكان يعرف الكتابة مفاداته أن يعلِّم عشرة من الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك. وكان ممن تعلم: زيد بن ثابت وغيره. فإذا كان المسلمون وهم في بادئ أمرهم وأحوج ما يكون إلى المال والسلاح، بل واسترقاق الأسارى فيقدمون تعليم الغلمان الكتابة على ذلك كله، ليدل على أمرين: أولهما: شدة وزيادة العناية بالتعليم. وثانيهما: جواز تعليم الكافر للمسلم ما لا تعلق له بالدين، كما يوجد الآن من الأمور الصناعية، في الهندسة، والطب، والزراعة، والقتال، ونحو ذلك. وقد كثر المتعلمون بسبب ذلك، حتى كان عدد كتاب الوحي اثنين وأربعين رجلاً ثم كان انتشار الكتابة مع الإسلام، وجاء النص على الكتابة في توثيق الدين في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ} تفسير : [البقرة: 282] الآية، وهي أطول آية في كتاب الله تعالى رسمت فيهم كتابة العدل الحديثة كلها. وإذا كان هذا شأن القلم وتعلمه، فقد وقع الكلام في تعليمه للنساء على أنهن شقائق الرجال في التكليف والعلم، فهل كن كذلك في تعلم الكتابة أم لا؟ مبحث تعليم النساء الكتابة وقع الخلاف بسبب نصين في المسألة: الأول: حديث حديث : الشفاء بنت عبد الله قالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟" تفسير : رواه المجد في المنتقى عن أحمد وأبي داود وقال بعده: وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة. والثاني: حديث عائشة رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعاً: "حديث : لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة - يعني النساء - وعلموهن الغزل وسورة النور" تفسير : قال الشوكاني في نيل الأوطار، على حديث المنتقى وحديث عائشة: إن حديث الشفاء دليل على جواز تعليمهن، وحديث النهي: محمول على من يخشى من تعليمها الفساد، أعني تعليم الكتابة والقراءة. أما تعليم العلم فليس محل خلاف، والواقع أن هذه المسألة واضحة المعالم، إذا نظرت كالآتي: أولاً: لا شك أن العلم من حيث هو خير من الجهل، والعلم قسمان: علم سماع وتلقي، وهذه سيرة زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة كانت القدوة الحسنة في ذلك في فقه الكتاب والسنة، وكم استدركت على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا مشهور ومعلوم. والثاني: علم تحصيل بالقراءة والكتابة، وهذا يدور مع تحقق المصلحة من عدمها، فمن رأى أن تعليمهن مفسدة منعه، كما روي عن علي رضي الله عنه: أنه مرَّ على رجل يعلم امرأة الكتابة فقال: لا تزد الشر شراً. وروي عن بعض الحكماء: أنه رأى امرأة تتعلم الكتابة، فقال: أفعى تسقى سماً، وأنشدوا الآتي: شعر : ما للنساء وللكتا بة والعمالة والخطابة هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابه تفسير : ومثله ما قاله المنفلوطي: شعر : يا قوم لم تخلق بنات الورى للدرس والطرس وقال وقيل لنا علوم ولها غيرها فعلّموها كيف نشر الغسيل والثوب والإبرة في كفها طرس عليه كل خط جميل تفسير : وهذا نظر إلى تعليمهن وموقفهن من زاوية واحدة. كما قال الشاعر الآخر: شعر : كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول تفسير : مع أننا وجدنا في تاريخ المرأة نسوة شاركن في القتال، حتى عائشة رضي الله عنها كانت تسقي الماء، وأم سلمة تداوي الجرحى، إذ لا يؤخذ قول كل منهما على عمومه. قال صاحب التراتيب الإدارية: أورد القلنشدي أن جماعة من النساء كن يكتبن، ولم ير أن أحداً من السلف أنكر عليهم. اهـ. ومن المعلوم رواية "كريمة" لصحيح البخاري، وهي من الرواية المعتبرة عن المحدثين، فقد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي، وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله: وقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الإفريقية خصوصاً شنقيط: شنجط، أي شنقيط، وهي المعروفة الآن بموريتانيا، وتيتبكتو، وقبيلة كنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء. أهـ. ومما يؤيد ما ذكره أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لإفريقيا، سمعنا ونحن في مدينة أطار وهي على مقربة من مدينة شنجيط المذكورة، سمعنا من كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقاً مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة. وقد سمعت في الآونة الأخيرة، أنه كانت توجد امرأة تدريس في المسجد النبوي، الحديث، والسيرة، واللغة العربية وهي شنقيطية. ويجب أن تكون النظرة لهذه المسألة على ضوء واقع الحياة اليوم وفي كل يوم، وقد أصبح تعليم المرأة من متطلبات الحياة، ولكن المشكلة تكمن في منهج تعليمها، وكيفية تلقيها العلم. فكان من اللازم أن يكون منهج تعليمها قاصراً على النواحي التي يحسن أن تعمل فيها كالتعليم والطب وكفى. أما كيفية تعليمها، فإن مشكلتها إنما جاءت من الاختلاط في مدرجات الجامعات، وفصول الدراسة في الثانويات في فترة المراهقة، وقلة المراقبة، وفي هذا يكمن الخطر منها وعليها في آن واحد، فإذا كان لا بد من تعليمها، فلا بد أيضاً من المنهج الذي يحقق الغاية منه ويصمن السلامة فيه، والتوفيق من الله سبحانه. أما ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية والقوة الأخلاقية. أما ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية والقوة الأخلاقية. وقد أوردت هذا المبحث استطراداً لبيان وجهة النظر في هذه المسألة، اقتباساً من قوله تعالى: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، وبالله التوفيق. مسألة بيان أولية الكتابة عامة والعربية خاصة، وأول من خط بالقلم على الأرض: جاء في المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية المطبوع سنة 1304 هـ ما نصه: وإنما أصول الكتابة اثني عشر على ما قاله ابن خلكان، وتبعه كثير من المؤلفين، كالدميري في حياة الحيوان، والحلبي في السيرة وغيرهما. قال: إن جميع كتابات الأمم من سكان المشرق والمغرب اثنتي عشرة كتابة، خمس منها ذهب من يعرفها وبطل استعمالها وهي: الحميرية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية، واليونانية، وثلاث منها فقد من يعرفها في بلاد الإسلام ومستعملة في بلادها، وهي السريانية والفارسية والعبرانية والعربية. ا هـ. كلامه باختصار وفيه ما فيه. قال: والحميرية: هي خط أهل اليمن قوم هود وهم عاد الأولى، وهي عاد إرم، وكانت كتابتهم تسمى المسند الحميري، وكانت حروفها كلها منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، حتى جاءت دولة الإسلام، وليس بجميع اليمن من يكتب ويقرأ. وقال المقريزي في الخطط: القلم المسند، هو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد. اهـ. والمعروف الآن أن الحروف المستعملة في الكتابة في العالم كله بصرف النظر عن اللغات المنطوق بها هي ثلاثة فقط، الخط العربي بحروف ألف باء وبها لغات الشرق. والحروف اللاتينية وبها لغات أوروبا والحروف الصينية. أما اللغات، وهي فوق ألفي لغة "والأمهرية بحرف قريب من اللاتيني". أما أولية الكتابة العربية، فقال صاحب المطالع النصرية: فقد اختلفت الروايات فيها، كما قاله الحافظ السيوطي في الأوائل. وكذا في المزهر في النوع الثاني والأربعين، قال: إنه يرى آدم عليه السلام أول من كتب بالقلم، وأن الكتابات كلها من وضعه، كان قد كتبها في طين وطبخه، يعني أحرقه ودفنه قبل موته بثلاثمائة سنة، وبعد الطوفان وجد كل قوم كتاباً فتعلموه، وكانت اثنى عشر كتاباً، فتعلموه بإلهام إلهي. وقيل: إن أول من خط بالعربي إسماعيل عليه السلام. اهـ. وقد أطال السيوطي في المزهر الكلام في هذه المسألة، نقلاً عن ابن فارس الشدبامي. وعن العسكري عن الأوائل في ذلك أقوال، فقيل إسماعيل، وقيل: مرار بن مرة، وهما من أهل الأنبار، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : كتبت أبا جاد وخطى مرامر وسورت سربالي ولست بكاتب تفسير : وقيل: أول من وضعه أبجد، وهوز وحطي، وكلمن، وصعفص، وقرشت، وكانوا ملوكاً فسمي الهجاء بأسمائهم. وذكر عن الحافظ أبي طاهر السلفي بسنده عن الشعبي قال: أول من كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلّم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار. وقال أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار، ثم قال ابن فارس: والذي نقوله إن: الخط توفيقي، وذلك لظاهر قوله تعالى: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. وقوله: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1]. وإذا كان هذا فليس ببعيد، أن يوقف الله آدم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتابة، فأما أن يكون شيئاً مخترعاً اخترعه من تلقاء نفسه، فهذا شيء لا نعلم صحته إلاَّ من خبر صحيح. قال السيوطي: قلت يؤيد ما قاله من التوقيف، ما أخرجه ابن شقة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أول كتاب أنزله الله من السماء أبا جاد". وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام"تفسير : . اهـ. وقد أطال النقول في ذلك مما يرجع إلى الأول، وليس فيه نقل صحيح يقطع به. وقد أوردنا هذه النبذة بخصوص كلام ابن فارس، من أن تعليم الكتابة أمر توقيفي، وما استدل به السيوطي من أول كتاب أنزله الله في السماء، فإن في القرآن ما يشهد لإمكان ذلك، وهو أن الله تعالى أنزل الصحف لموسى مكتوبة. وفي الحديث "حديث : إن الله كتب الألواح لموسى بيده، وغرس جنة عدن بيده ". تفسير : وإذا كان موسى تلقى ألواحاً مكتوبة، فلا بد أن تكون الكتابة معلومة له قبل إنزالها، وإلاَّ لما عرفها. أما المشهور في الأحرف التي نكتب بها الآن، فكما قال السيوطي في المزهر، ونقله عنه صاحب المطالع المصرية ما نصه: المشهور عند أهل العلم ما رواه ابن الكلبي عن عوانة، قال: أول من كتب بخطنا هذا. وهو الجزم مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن حدرة. كما في القاموس. وهم من عرب طيء تعلموه من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه السلام، ثم علّموه أهل الأنبار، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها، فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وكانت له صحبة بحرب بن أمية فتعلم حرب منه، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان. فتعلم منه جماعة من أهل مكة. فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبيل الإسلام. ولذا قال رجل كندي من أهل دومة الجندل، يمن على قريش بذلك: شعر : لا تجحدوا نعماء بشر عليكم فقد كان مَيمون النقيبة أزهرا أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا من المال ما قد كان شتى مبعثرا وأتقنتموا ما كان بالمال مهملا وطأمنتموا ما كان منه مبقرا فأجريتم الأقلام عوداً وبدأة وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا وأغنيتم عن مسند إلى حميرا وما زبرت في الصحف أقلام حميرا تفسير : قال: وكذلك ذكر النووي في شرح مسلم نقل عن الفراء، أنه قال: إنما كتبوا الربا في المصحف بالواو، لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم الربوا، فعلموهم صورة الخط على لغتهم. 1هـ. تنبيه آخر قوله تعالى: {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}، لا يمنع تعليمه تعالى بغير القلم، كما في قصة الخضر مع موسى عليه السلام في قوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65]. وكما في حديث "حديث : نفث في روعي أنه لن تموت نفس، حتى تستكمل رزقها وأجلها" تفسير : الحديث. وكما في حديث : حديث الرقية بالفاتحة لمن لدغته العقرب في قصة السرية المعروفة، فلما سأله صلى الله عليه وسلم "وما يدريك أنها رقية؟ قال: شيء في نفث روعي" . تفسير : وحديث علي لما سئل "هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم؟ قال: لا، إلا فهماً يؤتيه الله من شاء في كتابه. وما في هذه الصحيفة". وقوله: واتقوا الله ويعلمكم الله. نسأل الله علم ما لم نعلم، والعمل بما نعلم. وبالله التوفيق.
الواحدي
تفسير : {أقرأ باسم ربك} يعني: اقرأ القرآن باسم ربك، وهو أن تذكر التَّسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ. {الذي خلق} الأشياء والمخلوقات. {خلق الإِنسان} يعني: ابن آدم {من علق} جمع عَلَقةٍ. {اقرأ وربك الأكرم} يعني: الحليم عن جهل العباد، فلا يعجل عليهم بالعقوبة. {الذي علَّم بالقلم} ثمَّ بيَّن ما علَّم، فقال: {علَّم الإنسان ما لم يعلم} وهو الخطُّ والكتابة. {كلا} حقَّاً {إنَّ الإِنسان ليطغى} ليتجاوز ويستكبر على ربِّه. {أن رآه} رأى نفسه {استغنى}. {إنَّ إلى ربك الرجعى} المرجع في الآخرة، فيجازي الطَّاغي بما يستحقُّه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- اقرأ - يا محمد - ما يوحى إليك مفتتحاً باسم ربك الذى له - وحده - القدرة على الخلق. 2- أوجد الإنسان الكامل الجسم والعلم من علق لا يظهر فيه ما يدعو إلى إفْخَار. 3- امض فى القراءة وربك الأكرم يقدرك ولا يخذلك. 4- الذى علَّم الإنسان الكتابة بالقلم ولم يكن يعلمها. 5- علم الإنسان ما لم يكن يخطر بباله. 6، 7- حقاً إن الإنسان ليجاوز الحدود يستكبر على ربه، من أجل أن رأى نفسه ذا غنى وثراء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اقرأ: أي أوجد القراءة وهي جمع الكلمات ذات الحروف باللسان. باسم ربك: أي بذكر اسم ربك. الذي خلق: أي خلق آدم من سلالة من طين. خلق الإِنسان: أي الإِنسان الذي هو ذرية آدم. من علق: أي جمع علقة وهي النطفة في الطور الثاني حيث تصير علقة أي قطعة من الدم الغليظ. وربك الأكرم: أي الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله ولا يساويه. الذي علم بالقلم: أي علم العباد الكتابة والخط بالقلم. علم الإِنسان: أي جنس الإِنسان. ما لم يعلم: أي ما لم يكن يعلمه من سائر العلوم والمعارف. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} هذه الآيات الخمس من أول ما نزل من القرآن الكريم لأحاديث الصحاح فيها فإِن مما اشتهر في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي حراء يتحنث فيه أي يزيل الحنث فرارا مما عليه قومه من الشرك والباطل حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق فقرأت الحديث. وقوله تعالى {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} يأمر الله تعالى رسوله أن يقرأ بادئا قراءته بذكر اسم ربّه أي باسم الله الرحمن الرحيم وقوله {ٱلَّذِي خَلَقَ} أي خلق الخلق كله وخلق آدم من طين وخلق الإِنسان من أولاد آدم من علق والعلق اسم جمع واحدة علقة وهي قطعة من الدم غليظة كانت في الأربعين يوما الأولى في الرحم نطفة ثم تطورت إلى علقة تعلق بجدار الرحم ثم تتطور في أربعين يوما إلى مضعة لحم، ثم إما أن يؤذن بتخلقها فتخلق وإما لا فيطرحها الرحم قطعة لحم وقوله {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ} تأكيد للأمر الأول لصعوبة الأمر واندهاش الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاجأة {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} أي وربك الأكرم هو الذي علم بالقلم عباده الكتابة والخط. وقوله {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} أي من كرمه الذي أفاض منه على عباده نعمه التي لا تحصى إنه علم الإِنسان بواسطة القلم ما لم يكن يعلم من العلوم والمعارف وهذه إشادة بالقلم وأنه واسطة العلوم والمعارف والواسطة تشرف بشرف الغاية المتوسط لها فلذا كان لا أشرف في الدنيا من عباد الله الصالحين والعلوم الإِلهية في الكتاب والسنة وما دعوا إليه وحضا عليه من العلوم النافعة للإِنسان. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير الوحي الإِلهي وإثبات النبوة المحمدية. 2- مشروعية ابتداء القراءة بذكر اسم الله ولذا افتتحت سور القرآن ما عدا التوبة ببسم الله الرحمن الرحيم. 3- بيان تطور النطفة في الرحم إلى علقة ومنها يتخلق الإِنسان. 4- إعظام شأن الله تعالى وعظم كرمه فلا أحد يعادله في الكرم. 5- التنويه بشأن الكتابة والخط بالقلم إذ المعارف والعلوم لم تدون إلا بالكتابة والقلم. 6- بيان فضل الله تعالى على الإنسان في تعليمه ما لم يكن يعلم بواسطة الكتابة والخط.
القطان
تفسير : العلق: الدم الجامد. الرُّجعى: الرجوع، المرجع، المصير. أرأيتَ: أخبِرني. لَنسفعاً بالناصية: لنأخذنّ بشعر جبهته، والناصية مقدّم الرأس، وشعرُ مقدم الرأس. النادي: المكان الذي يجتمع فيه القوم. الزبانية: أصل الكلمة الشُّرط، وسُمي بها بعضُ الملائكة لدفعِهم أهلَ النار اليها مفردها زبنىّ. والزّبْنُ: الدفع والضرب. {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ....} الخطابُ موجَّه الى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه دعوة الى القراءة والكتابة والعلم.. وهذا هو شِعارُ الاسلام. اقرأ يا محمد ما يوحَى إليك مستعيناً باسمِ ربك الذي خلَق هذا الكونَ العجيب وما فيه.. خلق الانسانَ الكامل الجسم والعلمِ على أحسنِ مثالٍ، ومن عَلَقَةٍ ليست اكثر من دمٍ جامد، ثم كرّمه بأن رفع قدر هذا العلق فجعل منه الانسانَ الذي يعلَم فيتعلم. ثم كرر الأمر بالقراءة لخُطورتها وأنها لا تُعلم الا بالتكرار فقال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وربُّك اكرمُ لكلِّ من يَرتجي منه العونَ والعطاء. فهو الذي علَّم الخط والكتابة بالقلم، وعلَّم البشَرَ ما لم يكونوا يعرفونه من العِلم والمعرفة، وبذلك نَقَلَهم من ظلمة الجهل الى نور العلم والإيمان. ان هذه الآياتِ الباهرةَ التي ابتدأ الله تعالى بها كتابَه العظيم لهي أكبرُ دليل على احتفال الإسلام بالعِلم بجميع أنواعه. وقد أخذ بها سلفُنا الصالح، وأمتُنا المهتدون، ونشروا العلم في أرجاء العالم. ونحنُ الآن مدعوون للأخذ بالعلم الصحيح، وتمزيقِ تلك الحجُب التي حجبت عن ابصارنا نورَ العلم، والسيرِ على هدى كتاب الله وسنة رسوله، والجِدِّ في تحصيل العلم حتى نلحقَ بالركب ونشارك في بناء هذه الحضارة مشاركة فعالة. فلا نبقى، كما نحنُ الآن، تابعين خاملين. بعد أن بيّن لنا الله تعالى طريقَ الهدى والخير أخبر عن سبب بطَرِ الانسان وطغيانه فقال: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}. حقاً إن الانسان لَيتجاوز الحد في الطغيان، ويستكبر ويتجبرُ، عندما يرى نفسه غنياً ذا ثروة طائلة ومالٍ كثير. وليست الثروة مذمومةً في كل حال، فإنْ كان الانسان مؤمناً تقيا وآتاه الله مالاً كثيرا وقام بحقّه - فإن ذلك خيْرٌ وأبقى، يعمُّ نفعُه ويرضى الله عنه ورسوله. ثم حذّر من الطغيان. وتوعّد أولئك الأشرارَ اصحابَ الاموال الذين يتكبرون ويتجبرون فقال: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} ان المرجعَ والمصير الى الله وحده، فهو مالكُ الأمور، والمتصرف في هذا الكون. وبعد ذلك ضَرب الله لنا مثلا من أمثلة الطغيان، وذكَره على طريقة الاستغراب والتعجيب. ثم أعقبَ ذِكره بالوعيد والتهديد فقال: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} أأبصرتَ يا محمد هذا الطاغي الذي ينهى الناس عن الصلاة، ويحُول دون عبادة الله! {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} أخبِرْني عن حاله ان كان ذلك الطاغي على الهُدى أو أمر بالتقوى فكان نهيُه عن الصلاة! أفما كان ذلك خيراً له وأفضل؟؟ {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} اخبرني عن حال هذا الطاغي إن كذّب بما جاء به الرسول، وأعرضَ عن الايمان.. أفلا يخشَى ان تحلَّ به قارعة، ويصيبه عذابٌ شديد!؟ أَجَهِلَ أن الله يطّلع على أحواله فيجازيه بها؟ وفي هذا تهديدٌ كبير للعصاة والجاحدين المتكبرين.. {كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} لِيرتدعْ هذا الطاغي المتجبر عن غَيِّه وضلاله، فإني أُقسِم لئن لم يكفّ عن هذا الطغيان وعن نهي المصلين عن صلاتهم، لنأخذنَّه بناصيته ونجرَّه الى النار. {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} فلْيجمعَ أمثالَه من أهلِ ناديه ليمنعَ المصلّين ويؤذيهم. سندعو جنودنا زبانيةَ جهنم لينصُروا محمداً ومن معه من المؤمنين. {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} لِيرتدعْ هذا الفاجر، فلا تطعْه يا محمد فيما ينهاك عنه، بل داومْ على صلاتك وواظبْ على سجودك، وتقرّب بذلك الى ربك. وهنا عند قوله تعالى {وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} موضعُ سجدةٍ عند غيرِ الإمام مالك.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - الآيَاتُ الأُوْلَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدِ اعْتَادَ عَلَى أَنْ يَتَعَبَّدَ رَبَّهُ فِي غَارِ حِرَاءَ قُرْبَ مَكَّةَ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ النَّبِيُّ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَهُ المَلَكُ فَضَغَطَهُ (غَطَّهُ) حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الجَهْدَ، ثُمَّ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرّاتٍ، وَفِي المَرَّةِ الرَّابِعَةِ سَأَلَهُ النَّبِيُّ وَمَاذَا أَقْرَأُ؟ فَقَالَ المَلَكُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ. وَلَمَّا فَارَقَ المَلَكُ النَّبِيَّ، عَادَ النَّبِيُّ إِلَى زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ يَرْتَجِفُ، وَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. وَلَمَّا هَدَأَ رَوْعُهُ قَصَّ عَلَى خَدِيجَةَ مَا رَأَى، وَقَالَ لَهَا خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ كَلاَّ. أَبْشِرْ فَوَاللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الزَّمَنِ. وَمَعْنَى الآيَةِ: اقْرَأَ يَا مُحَمَّدُ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مُفَتَتِحاً قِرَاءَتكَ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي لَهُ وَحْدَهُ القُدْرَةُ عَلَى الخَلْقِ.
الثعلبي
تفسير : {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} أي الدم، واحدتها علقة، وإنما جمع ولفظ الإنسان واحد، لأنه في معنى الجمع، وهذه أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وأول ما نزل منها خمس آيات من أولها إلى قوله {مَا لَمْ يَعْلَمْ}، وعلى هذا أكثر العلماء. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون وعبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت: حديث : أوّل ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب [الله] إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد [في] الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده بمثلها، حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء. قال: فجاءه الملك وقال: اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقلت له: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقاري، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، حتى بلغ، ما لم يعلم". فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: "يا خديجة مالي؟" وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت عليّ؟ قالت له: كلاّ ابشر، فوالله لا يحزنك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وهو ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يا بن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أومخرجي هم؟"، فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئتَ به إلاّ عُوديَ وأُوذيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً، ثم لم ينشب ورقة ان توفي وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منها تبدّى له جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن بذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا بمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبرائيل فقال له مثل ذلك . تفسير : قال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثيت منه رعباً، فرجعت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني" تفسير : وأنزل الله سبحانه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} تفسير : [المدثر: 1] إلى قوله سبحانه {أية : وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} تفسير : [المدثر: 5]. قبل: أن تفرض للصلاة، وهي الأوثان، ثم كان ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن بعد اقرأ والمدثر، {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ} تفسير : [القلم: 1] إلى قوله: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]، ثم {أية : وَٱلضُّحَىٰ} تفسير : [الضحى: 1]. أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن ابن جرير قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال: حدّثنا عبد الواحد قال: حدّثنا سليمان الشيباني قال: حدّثنا عبد الله بن شداد قال: حديث : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}، ثم أبطأ عليه جبرائيل، فقالت له خديجة: ما أرى إلاّ قد قلاك، فأنزل الله سبحانه {وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [الضحى: 1-3] . تفسير : أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشير قال: حدّثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أول سورة نزلت {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أبو عامر العقدي، عن قرّه بن خالد، عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى يُقرئُنا القرآن في هذا المسجد فنقعد له حلقاً حلقاً، كأني أنظرُ إليه الآن في ثوبين أبيضين، فعنه أخذتُ هذه السورة: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}. وقال: كانت أول سورة نزلت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب. أخبرنا محمد بن حمدويه وعبد اللّه بن حامد قالا: حدّثنا محمد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدّثنا يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيلحديث : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: " إني إذا خلوت وحدي سمعتُ نداءً وقد واللّه خشيتُ أن يكون هذا أمراً ". فقالت: معاذ اللّه، ما كان اللّه عزّ وجلّ ليفعل بك ذاك، فواللّه إنّك لتؤدّي الأمانة وتصل الرحم وتصدّق الحديث. فلمّا دخل أبو بكر رضي الله عنه وليس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم [في الدار] ثم ذكرت خديجة له وقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل، فلمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده وقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال: "من أخبرك؟ " فقال: خديجة. فانطلقا إليه فقصّ عليه فقال: "إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض". فقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني، فلمّا خلا ناداه يا محمد قل: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1-2] حتّى بلغ {وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7] قل: لا إله إلاّ اللّه، فأتى ورقة فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنّك الذي بشّر به ابن مريم، وأنّك على مثل ناموس موسى، وأنّك نبي مرسل، وأنّك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدنّ معك، فلمّا توفي ورقة قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " لقد رأيت القس في الجنة، عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدّقني" تفسير : يعني ورقة، قالوا: وقال ورقة: شعر : فإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي حديثك إيّانا فأحمد مرسلُ وجبريل يأتيه وميكال معْهما من اللّه وحيٌ يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزٌ لدينه ويشقى به الغاوي الشقيّ المضلل فريقان منهم فرقة في جنانه وأُخرى بأغلال الجحيم تغلغل تفسير : {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} قال الكلبي: يعني الحليم عن جهل العبادة ولا يعجل عليهم بالعقوبة {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} يعني الخط والكتاب. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا محمد بن أيوب بن هشام المزني قال: حدّثنا أبو الحسن عاصم بن علي بن عاصم وعبد اللّه بن عاصم الجماني قالا: حدّثنا محمد بن راشد عن مسلم بن موسى قال: أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن عبد اللّه بن عمر بن العاص قال: حديث : قلت: يا نبي اللّه أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: "نعم، فاكتب فإنّ اللّه علّم بالقلم ".
الصابوني
تفسير : اللغَة: {عَلَقٍ} جمع علقة وهي الدم الجامد، سميت علقة لأنها تعلق بالرحم {نَسْفَعاً} السَّفع: الجذب بشدة وقوة قال أهل اللغة: سفعت بالشيء إِذا قبضتُ عليه وجذبته جذباً شديداً، وسفع بناصية فرسه جذبها قال الشاعر: شعر : قومٌ إِذا كثر الصياح رأيتهم مابين ملجم مهره أو سافع تفسير : {ٱلنَّاصِيَةِ} شعر مقدَّم الرأس {ٱلزَّبَانِيَةَ} مأخوذ من الزَّبن وهو الدفع، والمراد بهم ملائكة العذاب، الغلاظ الشداد، والعرب يطلقون هذا الاسم على من اشتد بطشه قال الشاعر: شعر : مطاعيم في القُصْوى، مطاعين في الوغى زبانيةٌ غلبٌ عظام حلومها حديث : روي أن أبا جهل اللعين قال لأصحابه يوماً: هل يُعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ - يريد هل يصلي ويسجد أمامكم - قالوا: نعم، فقال: واللاَّت والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنَّ على رقبته، ولأُعفرنَّ وجهه في التراب، فجاء يوماً فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فأقبل يريد أن يطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إِن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عضواً عضواً"تفسير : فأنزل الله {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} إِلى آخر السورة. التفسِير: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} هذا أول خطاب إِلهي وجه إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه دعوةٌ إِلى القراءة والكتابة والعلم، لأنه شعار دين الإِسلام أي إِقرأ يا محمد القرآن مبتدئاً ومستعيناً باسم ربك الجليل، الذي خلق جميع المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، ثم فسَّر الخلق تفخيماً لشأن الإِنسان فقال {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} أي خلق هذا الإِنسان البديع الشكل، الذي هو أشرف المخلوقات من العلقة - وهي الدودة الصغيرة - وقد أثبت الطبُّ الحديث أن المنيَّ الذي خلق منه الإِنسان محتوٍ على حيواناتٍ وديدان صغيرة لا تُرى بالعين، وإِنما ترى بالمجهر الدقيق - الميكرسكوب - وأن لها رأساً وذنباً، فتبارك الله أحسن الخالقين قال القرطبي: خصَّ الإِنسان بالذكر تشريفاً له، والعلقةُ قطعة من دمٍ رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمرُّ عليه {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} أي اقرأ يا محمد وربك العظيم الكريم، الذي لا يساويه ولا يدانيه كريم، وقد دلَّ على كمال كرمه أنه علَّم العباد ما لم يعلموا {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} أي الذي علَّم الخطَّ والكتابة بالقلم، وعلَّم البشر ما لم يكونوا يعرفونه من العلوم والمعارف، فنقلهم من ظلمة الجهل إِلى نور العلم، فكما علَّم سبحانه بواسطة الكتابة بالقلم، فإِنه يعلمك بلا واسطة وإِن كنت أمياً لا تقرأ ولا تكتب قال القرطبي: نبَّه تعالى على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إِنسان، وما دُونت العلوم ولا قُيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتبُ الله المنزَّلة إِلا بالكتابة، ولولاها ما استقامت أمور الدنيا والدين.. وهذه الآيات الخمس هي أول ما تنزَّل من القرآن، كما ثبت في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الملك وهو يتعبَّد بغار حراء، فقال: اقرأ، فقال ما أنا بقارىء.. الخ قال ابن كثير: أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات المباركات، وهنَّ أول رحمةٍ رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإِنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علَّم الإِنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرَّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به "آدم" على الملائكة .. ثم أخبر تعالى عن سبب بطر الإِنسان وطغيانه فقال {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ} أي حقاً إِن الإِنسان ليتجاوز الحد في الطغيان، واتباع هوى النفس، ويستكبر على ربه عز وجل {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} أي من أجل أن رأى نفسه غنياً، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وبطر، ثم توعَّده وتهدده بقوله {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} أي إِنَّ إِلى ربك - أيها الإِنسانُ - المرجعُ والمصير فيجازيك على أعمالك، وفي الآية تهديدٌ وتحذير لهذا الإِنسان من عاقبة الطغيان، ثم هو عام لكل طاغٍ متكبر قال المفسرون: نزلت هذه الآيات إِلى آخر السورة في "أبي جهل" بعد نزول صدر السورة بمدة طويلة، وذلك أن أبا جهل كان يطغى بكثرة ماله، ويبالغ في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والعبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تعجيبٌ من حال ذلك الشقي الفاجر أي أخبرني يا محمد عن ذلك المجرم الأثيم، الذي ينهى عبداً من عباد الله عن الصلاة ، ما أسخف عقله، وما أشنع فعله!! قال أبو السعود: هذه الآية تقبيحٌ وتشنيعٌ لحال الطاغي وتعجيب منها، وإِيذان بأنها من الشناعة الغرابة بحيث يقضى منها العجب، وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذي نهاه هو اللعين "أبو جهل" حيث قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأن على عنقه {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} أي أخبرني إِن كان هذا العبد المصلي - وهو النبي صلى الله عليه وسلم - الذي تنهاه عن الصلاة صالحاً مهتدياً، على الطريقة المستقيمة في قوله وفعله!! {أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰ} أي أو كان آمراً بالإِخلاص والتوحيد، داعياً إِلى الهدى والرشاد، كيف تزجره وتنهاه!! فما أبلهك أيها الغبي الذي تنهي من هذه أوصافه: عبدٌ لله مطيعٌ مهتدٍ منيب، داعٍ إِلى الهدى والرشاد؟! وما أعجب هذا؟! ثم عاد لخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي أخبرني يا محمد إِن كذَّب بالقرآن، وأعرض عن الإِيمان {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} أي ألم يعلم ذلك الشقي أن الله مطَّلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها!! ويله ما أجهله وأغباه؟! ثم ردعه وزجره فقال {كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} أي ليرتدع هذا الفاجر "أبو جهل" عن غيه وضلاله، فوالله لئن لم ينته عن أذى الرسول، ويكف عمَّا هو عليه من الكفر والضلال {لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ} أي لنأخذنه بناصيته - مقدم شعر الرأس - فلنجرنه إِلى النار بعنفٍ وشدة ونقذفه فيها {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} أي صاحب هذه الناصية كاذبٌ، فاجرٌ، كثير الذنوب والإِجرام قال في التسهيل: ووصفها بالكذب والخطيئة مجازٌ، والكاذب الخاطىء في الحقيقة صاحبها، والخاطىء الذي يفعل الذنب متعمداً، والمخطىء الذي يفعله بدون قصد {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} أي فليدع أهل ناديه وليستنصر بهم {سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} أي سندعوا خزنة جهنم، الملائكة الغلاظ الشداد، روي حديث : أن أبا جهل مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام فقال: ألم أنهك عن هذا يا محمد! فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم القول، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد! والله إِني لأكثر أهل الوادي هذا نادياً فأنزل الله {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ} تفسير : قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ} أي ليرتدع هذا الفاجر، ولا تطعه يا محمد فيما دعاك إِليه من ترك الصلاة {وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} أي وواظب على سجودك وصلاتك، وتقرَّب بذلك إِلى ربك وفي الحديث "حديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بتكرار الفعل {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ..} ثم قال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. 2- الجناس الناقص بين {خَلَقَ} و{عَلَقٍ}. 3- طباق السلب {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. 4- الكناية {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً} كنَّى بالعبد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل: ينهاك تفخيماً لشأنه وتعظيماً لقدره. 5- الاستفهام للتعجيب من شأن الناهي {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ}؟ {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ}؟ 6- المجاز العقلي {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} أي كاذب صاحبها خاطىء فأسند الكذب إِليها مجازاً. 7- السجع المرصَّع مثل {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} هذه السورة مكية وصدرها أول ما نزل من القرآن وذلك في غار حراء على ما ثبت في صحيح البخاري وغيره ولما ذكر تعالى فيما قبلها خلق الإِنسان في أحسن تقويم ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك هنا منبهاً على شىء من أطواره وذكر نعمته عليه ثم ذكر طغيانه بعد ذلك وما يؤول إليه حاله في الآخرة والظاهر تعلق الباء بإِقرأ وتكون للاستعانة ومفعول إقرأ محذوف تقديره ما يوحى إليك والإِنسان هنا إسم جنس والعلق جمع علقة فلذلك جاء من علق وإنما ذكر من خلق من علق لأنهم مقرون به ثم جاء الأمر ثانياً تأنيساً له كأنه قيل إمض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب بل هو الأكرم الذي لم يلحقه نقص والأكرم صفة تدل على المبالغة في الكرم. {ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} دليل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو ولا دونت العلوم ولا قيدت الحكم إلا بالكتابة ولولا هي لما استقامت أمور الدنيا والدين. {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ} نزلت بعد مدة في أبي جهل ناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم العداوة ونهاه عن الصلاة في المسجد. وروي أنه قال: لئن رأيت محمداً يسجد عند الكعبة لأطأن على عنقه فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ عليه وانتهره وتوعده فقال أبو جهل: أيتوعدني محمد والله ما بالوادي أعظم نادياً مني أي مجلساً وقيل انه هم أن يمنعه من الصلاة فكف عنه كلا ردع لمن كفر بنعم الله عليه بطغيانه وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه إن الإِنسان ليطغى أي ليتجاوز الحد. {أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} الفاعل ضمير الإِنسان وضمير المفعول عائد عليه أيضاً ورأى هنا من رؤية القلب ويجوز أن يتحد فيها الضميران متصلين فتقول رأيتني صديقك وكذلك فقد وعدم بخلاف غيرها فلا يجوز زيد ضربه وهما ضميرا زيد. {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} أي الرجوع مصدر على وزن فعلى الألف فيه للتأنيث وفيه وعيد للطاغي المستغني وتحقير لما هو فيه حيث مآله إلى البعث ويحاسب والجزاء على طغيانه. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} تقدم أنه أبو جهل والخطاب في أرأيت الظاهر أنه للرسول عليه السلام وكذا أرأيت الثاني والثالث والتناسق في الضمائر الذي يقتضيه النظم وقيل أرأيت الثاني خطاب للكافر التفت إلى الكافر فقال أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاء إلى الله تعالى وأمر بالتقوى أنهاه مع ذلك والضمير في إن كان وفي إن كذب عائد على الناهي. {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك وهذا وعيد. {كَلاَّ} ردع لأبي جهل ومن في طبقته عن نهي عباد الله عن عبادة الله تعالى. {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} أي عن ما هو فيه وعيد شديد. {لَنَسْفَعاً} أي لنأخذن. {بِٱلنَّاصِيَةِ} وعبر بها عن جميع الشخص أي سحبا إلى النار كقوله: {أية : فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ}تفسير : [الرحمن: 41] واكتفى بتعريف العهد عن الإِضافة إذ علم أنها ناصية الناهي. {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} إشارة إلى قول أبي جهل ما بالوادي أكثر نادياً مني والمراد أهل النادي وقرىء سيدعى مبنياً للمفعول الزبانية رفع. {كَلاَّ} ردع لأبي جهل ورد عليه. {لاَ تُطِعْهُ} أي لا تلتفت إلى نهيه وكلامه. {وَٱسْجُدْ} أمر له بالسجود والمعنى دم على صلاتك وعبر عن الصلاة بأفضل الأوصاف التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى. {وَٱقْتَرِب} وتقرب إلى ربك وثبت في الصحيحين سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت وفي هذه السورة وهي من العزائم عند علي رضي الله عنه وكان مالك يسجد فيهما في خاصة نفسه.
الجيلاني
تفسير : {ٱقْرَأْ} يا أكمل الرسل وتذكر بعدما أدركتك العناية، وأحاطت عليك الكرامة الإلهية {بِٱسْمِ رَبِّكَ} أي: داوم على تذكر عموم أسماء مربيك {ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] كل شيء، وأظهره من كتم العدم حسب أسمائه وصفاته، وربَّاه بأنواع اللطف والكرم وأباح عليه من جلائل النعم. سيما {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} وخصه من عموم الأكوان بمزيد الإنعام والإحسان، مع أنه خلقه وقدر وجوده {مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2] دماء معلوقة مسترذلة، مكونة من مني مرذول، مكون من الدم المسفوح، المتكون من إجراء الأغذية. وبعدما أمر سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم بالقراءة، وتعديد الأسماء وإحصاءها، أمره بالقراءة ثانياً؛ للتأمل والتدبر في معانيها، والاستكشاف عن فحاويها ومرموزاتها فقال: {ٱقْرَأْ} قراءة تدبر وتعمق واستكشاف على ما في مطاويها من البدائع والغرائب المودعة فيها، ولا تنظر إلى كونك أمياً لست من أهل الإملاء {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} [العلق: 3] الكامل الكرامة والهداية لأرباب العناية. {ٱلَّذِى عَلَّمَ} الخط والرقم {بِٱلْقَلَمِ} [العلق: 4] الذي هو بمراحل عن التعلم والتفهم. لا تستبعد من كمال كرامته وعنايته، تعلمك يا أكمل الرسل؛ إذ هو سبحانه {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ} المصور على صورة الرحمن {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] من البيان والتبيان، وأنواع طرق الكشف والعيان، فأنت يا أكمل الرسل من أعز أفراد الإنسان شأناً، وأعلاه شرفاً وبرهاناً، وأرفعه قدراً ومكاناً. وبعدما أشار سبحانه إلى مبدأ الإنسان ومادته، وإلى منتهاه وغايته، تعجب سبحانه من حاله، واستبعد ما صدر عنه من الطغيان والكفران والبغي والعدوان، مع كمال عناية الله معه وكرامته إياه، فقال على سبيل الردع والزجر: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ} المستحدث من الأقذار المهانة، المترقي إلى نهاية الكرامة وأعلى المقامة {لَيَطْغَىٰ} [العلق: 6] ويتجاوز عن حده، ويستكبر على ربه، وينسى أصل منشئه؛ لأجل {أَن رَّآهُ} علم نفسه أنه {ٱسْتَغْنَىٰ} [العلق: 7] أي: صار غنياً عن الله، مستغنياً عن الافتقار إليه، مستكبراً على عباده، يمشي على وجه الأرض خيلاء بما عنده من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية. وكيف يتأتى لك الطغيان والاستكبار أيها المسترذَل المُهان المستحدث من المهين {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ} الذي أظهرك من كتم العدم، وأحدثك من الأمشاج المرذولة {ٱلرُّجْعَىٰ} [العلق: 8] أي: الرجوع المعهود في النشأة الأخرى، فسيجزيك بجميع ما صدر عنك بعدما يحاسبك عليه بمقتضى العدالة والإنصاف.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيتها اللطيفة الخفية، {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] مفردات لطائفك أولاً، {خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 2]؛ أي: خلق ثانياً حقيقة إنسانيتك عند خلق المفردات بعضها ببعض ليصل إليها ضوء نور اسم ربك؛ لكي تشرق به أرض قالبك. {ٱقْرَأْ} [العلق: 3] بالقوة التي أودعناها في اسمك الأحمدي الذي هو مظهر اسمنا الأحدي، {وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ} [العلق: 3-4]؟ وهو أول موجود أوجده الله في مرتبة الفاعلية، وهذه إشارة ترد على اللطيفة المتخلقة من ظلمات القالب، ويظهر على السالك بعد هذا الأمر العلم اللدني، فإذا أدى حق هذه المقام في السجود يعطى له العلم المجهول في مقام الاقتراب، وهو مقام يرفع الحجاب فيه بين الأرباب الباطلة المتفرقة ورب الأرباب، يسجدوا له ويؤمنوا به ويقولوا: نحن التراب وأنت رب الأرباب، وفي هذا البيان سر عزيز يتعلق بحد القرآن الذي لا يمكن لقلم البيان التجاوز عنه؛ لأنه مأمور بأن يمد عين البيان في ميدانه. {عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] من تفاصيل علم الأسماء، ومحاضر الصفاء، ومصادر الأفعال، ومظاهر الآثار. {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} [العلق: 6-7]؛ يعني: حقاً إن الإنسان إذا أراه مستغنياً بالقوى والآلات والأدوات التي أعطيناها ليكتسب بها علم التفاصيل، {لَيَطْغَىٰ} [العلق: 6] ويعصي ربه بتلك الآلات والأدوات واستعمالها بغير حقها؛ ليكتسب اللذائذ العاجلة الشهوانية ويتمتع بها، ونسيانه بأن رجوعه إلى ربه كما يقول: {إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} [العلق: 8]؛ يعني: مرجع كل اللطائف إلى رب الحق، فكل لطيفة أثقلت بالباطل ظهرها فهي معذبة وقت الرجوع. {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] لكي يخفف نور اسم ربك ظهرك على ظلمة الباطل، كما أشرنا إليها من قبل. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ} [العلق: 9-10]؛ يعني: أرأيت القوى القالبية والنفسية إن تنهى لطيفتها التي توجهت إلى لطيفتها الخفية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه السورة أول السور القرآنية نزولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة، إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأمره أن يقرأ، فامتنع، وقال: { ما أنا بقارئ } فلم يزل به حتى قرأ. فأنزل الله عليه: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } عموم الخلق، ثم خص الإنسان، وذكر ابتداء خلقه { مِنْ عَلَقٍ } فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره، لا بد أن يدبره بالأمر والنهي، وذلك بإرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولهذا ذكر بعد الأمر بالقراءة، خلقه للإنسان. ثم قال: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ } أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم. و { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم. فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور، ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق، ولكن الإنسان -لجهله وظلمه- إذا رأى نفسه غنيًا، طغى وبغى وتجبر عن الهدى، ونسي أن إلى ربه الرجعى، ولم يخف الجزاء، بل ربما وصلت به الحال أنه يترك الهدى بنفسه، ويدعو [غيره] إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال الإيمان. يقول الله لهذا المتمرد العاتي: { أَرَأَيْتَ } أيها الناهي للعبد إذا صلى { إِنْ كَانَ } العبد المصلي { عَلَى الْهُدَى } العلم بالحق والعمل به، { أَوْ أَمَرَ } غيره { بِالتَّقْوَى }. فهل يحسن أن ينهى، من هذا وصفه؟ أليس نهيه، من أعظم المحادة لله، والمحاربة للحق؟ فإن النهي، لا يتوجه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى، أو كان يأمر غيره بخلاف التقوى. { أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ } الناهي بالحق { وَتَوَلَّى } عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى عقابه؟ { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } ما يعمل ويفعل؟. ثم توعده إن استمر على حاله، فقال: { كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ } عما يقول ويفعل { لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ } أي: لنأخذن بناصيته، أخذًا عنيفًا، وهي حقيقة بذلك، فإنها { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } أي: كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها. { فَلْيَدْعُ } هذا الذي حق عليه العقاب { نَادِيَهُ } أي: أهل مجلسه وأصحابه ومن حوله، ليعينوه على ما نزل به، { سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } أي: خزنة جهنم، لأخذه وعقوبته، فلينظر أي: الفريقين أقوى وأقدر؟ فهذه حالة الناهي وما توعد به من العقوبة، وأما حالة المنهي، فأمره الله أن لا يصغى إلى هذا الناهي ولا ينقاد لنهيه فقال: { كَلا لا تُطِعْهُ } [أي:] فإنه لا يأمر إلا بما فيه خسارة الدارين، { وَاسْجُدْ } لربك { وَاقْتَرِبْ } منه في السجود وغيره من أنواع الطاعات والقربات، فإنها كلها تدني من رضاه وتقرب منه. وهذا عام لكل ناه عن الخير ومنهي عنه، وإن كانت نازلة في شأن أبي جهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وعبث به وآذاه. تمت ولله الحمد.
همام الصنعاني
تفسير : 3663- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال أخبرني عمرو بن دينار، والزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ بِحِرَاءٍ، إذْ أتاه ملك بنمط من ديباج فيه مكتوب: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ...}: إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}: [الآية: 1-5]. 3664- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: أوّل سورة أُنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}: [الآية: 1].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):