Verse. 6131 (AR)

٩٨ - ٱلْبَيِّنَة

98 - Al-Bayyina (AR)

لَمْ يَكُنِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ اَہْلِ الْكِتٰبِ وَالْمُشْرِكِيْنَ مُنْفَكِّيْنَ حَتّٰى تَاْتِيَہُمُ الْبَيِّنَۃُ۝۱ۙ
Lam yakuni allatheena kafaroo min ahli alkitabi waalmushrikeena munfakkeena hatta tatiyahumu albayyinatu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لم يكن الذين كفروا من» للبيان «أهل الكتاب والمشركين» أي عبدة الأصنام عطف على أهل «منفكين» خبر يكن، أي زائلين عما هم عليه «حتى تأتيهم» أي أتتهم «البينة» أي الحجة الواضحة وهي محمد صلى الله عليه وسلم.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، ثم إنه رحمه الله تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن والجواب: عنه من وجوه أولها: وأحسنها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف. وهو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان، كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل. وهو محمد عليه السلام، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست أمتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الله الغنى ازداد فسقاً فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار بذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً، وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُنفَكّينَ } عن كفرهم: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } مذكورة حكاية عنهم، وقوله: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } هو إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذي وقع كان على خلاف ما ادعوا وثانيها: أن تقدير الآية، لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة. وعلى هذا التقدير يزول الإشكال هكذا ذكره القاضي إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء وثالثها: أنا لا نحمل قوله: {مُنفَكّينَ } على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل حتى تأتيهم البينة قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم، فاللفظ لفظ المضارع ومعناه الماضي، وهو كقوله تعالى: {أية : مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [البقرة: 102] أي ما تلت، والمعنى أنهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا فيه، وقال كل واحد فيه قولاً آخر ردياً ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 89] والقول المختار في هذه الآية هو الأول، وفي الآية وجه رابع وهو أنه تعالى حكم على الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول، وكلمة حتى تقتضي أن يكون الحال بعد ذلك، بخلاف ما كان قبل ذلك، والأمر هكذا كان لأن ذلك المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمناً، ومنهم من صار كافراً، ولما لم يبق حال أولئك الجمع بعد مجيء الرسول كما كان قبل مجيئه، كفى ذلك في العمل بمدلول لفظ حتى، وفيها وجه خامس: وهو أن الكفار كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد في كفرهم بل كانوا جازمين به معتقدين حقيقته، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول، بل بقوا شاكين متحيرين في ذلك الدين وفي سائر الأديان، ونظيره قوله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } تفسير : [البقرة: 213] والمعنى أن الدين الذي كانوا عليه صار كأنه اختلط بلحمهم ودمهم فاليهودي كان جازماً في يهوديته وكذا النصراني وعابد الوثن، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام: اضطربت الخواطر والأفكار وتشكك كل أحد في دينه ومذهبه ومقالته، وقوله: {مُنفَكّينَ } مشعر بهذا لأن انفكاك الشيء عن الشيء هو انفصاله عنه، فمعناه أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم إن بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة. المسألة الثانية: الكفار كانوا جنسين أحدهما: أهل الكتاب كفرق اليهود والنصارى وكانوا كفاراً بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] و: {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وتحريفهم كتاب الله ودينه والثاني: المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل، وهو قوله: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } وههنا سؤالان: السؤال الأول: تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر، وهذا حق، وأن المشركين منهم كافر ومنهم ليس بكافر، ومعلوم أن هذا ليس بحق والجواب: من وجوه أحدها: كلمة من ههنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] وثانيها: أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، بعضهم من أهل الكتاب، وبعضهم من المشركين، فإدخال كلمة من لهذا السبب وثالثها: أن يكون قوله: {والمشركين} أيضاً وصفاً لأهل الكتاب، وذلك لأن النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة، وهذا كله شرك، وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء يريد بذلك قوماً بأعيانهم يصفهم بالأمرين. وقال تعالى: {أية : ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ ٱلأَمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ الله} تفسير : [التوبة: 112] وهذا وصف لطائفة واحدة، وفي القرآن من هذا الباب كثير، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى، يعطف بعضها على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفاً لموصوف واحد. السؤال الثاني: المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب؟ قلنا: ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام: «حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب»تفسير : وأنكره الآخرون قال: لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب، وهم اليهود والنصارى، قال تعالى حكاية عنهم: {أية : أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } تفسير : [الأنعام:156] والطائفتان هم اليهود والنصارى. السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين؟ حيث قال: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ }؟ الجواب: أن الواو لا تفيد الترتيب، ومع هذا ففيه فوائد أحدها: أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر وثانيها: أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم، فكان إصرارهم على الكفر أقبح وثالثها: أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلاً لكفر غيرهم، فلهذا قدموا في الذكر ورابعها: أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر. السؤال الرابع: لم قال {من أهل الكتاب}، ولم يقل من اليهود والنصارى؟ الجواب: لأن قوله: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } يدل على كونهم علماء، وذلك يقتضي إما مزيد تعظيم، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى، أو لأن كونه عالماً يقتضي مزيد قبح في كفره، فذكروا بهذا الوصف تنبيهاً على تلك الزيادة من العقاب. المسألة الثانية: هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها: أنه تعالى فسر قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بأهل الكتاب وبالمشركين، فهذا يقتضي كون الكل واحداً في الكفر، فمن ذلك قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس والثاني: أن العطف أوجب المغايرة، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك، وقال عليه السلام: «حديث : غيرنا كحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم»تفسير : فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك الثالث: نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في الأمم الماضية. المسألة الرابعة: قال القفال: الانفكاك هو انفراج الشيء عن الشيء وأصله من الفك وهو الفتح والزوال، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته، ومنه فكاك الرهن وهو زوال الإنغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد قوله: انفك الرهن، ومنه فكاك الأسير وفكه، فثبت أن انفكاك الشيء عن الشيء هو أن يزيله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله، والمعنى أنهم متشبثون بدينهم تشبثاً قوياً لا يزيلونه إلا عند مجيء البينة، أما البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتميز الحق من الباطل فهي من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل، وفي المراد من البينة في هذه الآية أقوال: الأول: أنها هي الرسول، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوهاً الأول: أن ذاته كانت بينة على نبوته، وذلك لأنه عليه السلام كان في نهاية الجد في تقرير النبوة والرسالة، ومن كان كذاباً متصنعاً فإنه لا يتأتى منه ذلك الجد المتناهي، فلم يبق إلا أن يكون صادقاً أو معتوهاً والثاني: معلوم البطلان لأنه كان في غاية كمال العقل، فلم يبق إلا أنه كان صادقاً الثالث: أن مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغاً إلى حد كمال الإعجاز، والجاحظ قرر هذا المعنى، والغزالي رحمه الله نصره في كتاب المنقذ، فإذاً لهذين الوجهين سمي هو في نفسه بأنه بينة الرابع: أن معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت في غاية الظهور وكانت أيضاً في غاية الكثرة فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنه عليه السلام في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه الله تعالى: سراجاً منيراً. واحتج القائلون بأن المراد من البينة هو الرسول بقوله تعالى بعد هذه الآية: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ } فهو رفع على البدن من البينة، وقرأ عبد الله: {رَسُولاً } حال من البينة قالوا: والألف واللام في قوله: {ٱلْبَيّنَةُ } للتعريف أي هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، أو يقال: إنها للتفخيم أي هو: {ٱلْبَيّنَةُ } التي لا مزيد عليها أو البينة كل البينة لأن التعريف قد يكون للتفخيم وكذا التنكير وقد جمعهما الله ههنا في حق الرسول عليه السلام فبدأ بالتعريف وهو لفظ البينة ثم ثنى بالتنكير فقال: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ } أي هو رسول، وأي رسول، ونظيره ما ذكره الله تعالى في الثناء على نفسه فقال: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ } تفسير : [البروج:15] ثم قال: {أية : فَعَّالٌ } تفسير : [البروج: 16] فنكر بعد التعريف. القول الثاني: أن المراد من البينة مطلق الرسل وهو قول أبي مسلم قال: المراد من قوله: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } أي حتى تأتيهم رسل من ملائكة الله تتلوا عليهم صحفاً مطهرة وهو كقوله: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [النساء: 153] وكقوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } تفسير : [المدثر: 52]. القول الثالث: وهو قتادة وابن زيد: البينة هي القرآن ونظيره قوله: {أية : أَوَ لَمْ تَأْتِيَهُمُ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [طه: 133] ثم قوله بعد ذلك: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ } لا بد فيه من مضاف محذوف والتقدير: وتلك البينة وحي: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً }. أما قوله تعالى: {يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } فاعلم أن الصحف جمع صحيفة وهي ظرف للمكتوب، وفي: المطهرة وجوه: أحدها: مطهرة عن الباطل وهي كقوله: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } تفسير : [فصلت: 42] وقوله: {أية : مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ } تفسير : [عبس: 14]، وثانيها: مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن يذكر بأحسن الذكر ويثني عليه أحسن الثناء وثالثها: أن يقال: مطهرة أي ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون، كقوله تعالى: {أية : فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 78، 79]. واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتاً للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف وهو القرآن وقوله: {كتـب } فيه قولان: {أَحَدُهُمَا } المراد من الكتب الآيات المكتوبة في الصحف والثاني: قال صاحب النظم: الكتب قد يكون بمعنى الحكم: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ } تفسير : [المجادلة: 21] ومنه حديث العسيف: «حديث : لأقضين بينكما بكتاب الله»تفسير : أي بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله: {كُتُبٌ قَيّمَةٌ } أي أحكام قيمة أما القيمة ففيها قولان الأول: قال الزجاج: مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل من قام يقوم كالسيد والميت، وهو كقولهم: قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام الثاني: أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة بالحجة والدلالة، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه، ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم، فإن قيل: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أمياً؟ قلنا: إذا تلا مثلاً المسطور في تلك الصحف كان تالياً ما فيها وقد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب، وإن كان لا يكتب، ولعل هذا كان من معجزاته صلى الله عليه وسلم. وأما قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } ففيه مسائل. المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة، أهل الكتاب والمشركين، وههنا ذكر أهل الكتاب فقط، فما السبب فيه؟ وجوابه: من وجوه أحدها: أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية وثانيها: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب أنهم وجدوها في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا: إن الناس تفرقوا في الشقاوة والسعادة في أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة والجواب: أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم الله بذلك وإرادته له حاصل في الأزل، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة المخصوصة. المسألة الثالثة: قالوا: هذه الآية دالة على أن الكفر والتفرق فعلمهم لا أنه مقدر عليهم لأنه قال: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ }، ثم قال: {أوتوا ٱلْكِتَـٰبِ } أي أن الله وملائكته آتاهم ذلك فالخير والتوفيق مضاف إلى الله، والشر والتفرق والكفر مضاف إليهم. المسألة الرابعة: المقصود من هذه الآية تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا يغمنك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم، فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبت وعبادة العجل: إلا من بعد ما جاءتهم البينة فهي عادة قديمة لهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كذا قراءة العامة، وخَطُّ المصحف. وقرأ ابن مسعود «لَمْ يَكُنِ المُشْركونَ وأهْلُ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ» وهذه قراءة على التفسير. قال ابن العربيّ: « وهي جائزة في مَعرِض البيان، لا في مَعْرض التلاوة؛ فقد قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح « حديث : فَطَلِّقُوهنّ لِقَبْل عِدّتهِن » تفسير : [الطلاق: 1] وهو تفسير؛ فإنّ التلاوة: هو ما كان في خطّ المصحف». قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني اليهود والنصارى. {وَٱلْمُشْرِكِينَ} في موضع جر عطفاً على «أهل الكتاب». قال ابن عباس: «أهلُ الكتابِ»: اليهود الذين كانوا بيثرِب، وهم قُرَيَظة والنَّضِير وبنو قَيْنُقاع. والمشركون: الذين كانوا بمكة وحولها، والمدينة والذين حولها؛ وهم مشركو قريش. {مُنفَكِّينَ} أي منتهين عن كفرهم، مائلين عنه. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ} أي أتتهم البينة؛ أي محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الانتهاء بلوغ الغاية؛ أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا، حتى تأتيهم البينة. فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء. وقيل: {مُنفَكِّينَ} زائلين؛ أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول. والعرب تقول: ما انفككتُ أفعل كذا: أي ما زلت. وما انفك فلان قائماً: أي ما زال قائماً. وأصل الفَكّ: الفتح؛ ومنه فك الكتاب، وفَكُّ الخَلخال، وفك السالم. قال طَرَفة: شعر : فآلَيتُ لا ينفَكُّ كَشْحِي بطانةً لِعَضْبٍ رقيق الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدِ تفسير : وقال ذو الرمة: شعر : حَرَاجِيجُ ما تَنْفكٌّ إلاَّ مُناخةً على الخَسْفِ أَوْ نَرْمِي بهَا بَلداً قفرا تفسير : يريد: ما تنفك مناخة؛ فزاد «إلاَّ». وقيل: «مُنفَكِّين»: بارحين؛ أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا، حتى تأتيهُمُ البينةُ. وقال ابن كيسان: أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، حتى بُعِث؛ فلما بُعث حسدوه وجحدوه. وهو كقوله: { أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 89]. ولهذا قال: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}... الآية. وعلى هذا فقوله: {وَٱلْمُشْرِكِينَ} أي ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بُعِث؛ فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبُعث إليهم، فحينئذٍ عادَوْه. وقال بعض اللغويين: {مُنفَكِّينَ}: هالكين؛ من قولهم: أَنْفَكَ صَلاَ المرأةِ عند الولادة؛ وهو أن ينفصل، فلا يلتئم فتهلك. المعنى: لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم، بإرسال الرسل وإنزال الكتب. وقال قوم في المشركين: إنهم من أهل الكتاب؛ فمن اليهود من قال: عُزيرٌ ابن الله. ومن النصارى من قال: عيسى هو الله. ومنهم من قال: هو ابنه. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة. وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيائهم. والمشركون وُلِدوا على الفِطرة، فكفروا حين بلغوا. فلهذا قال: {وَٱلْمُشْرِكِينَ}. وقيل: المشركون وصف أهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد. فالنصارى مُثَلِّثة، وعامة اليهود مُشَبِّهة؛ والكُل شِركٌ. وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء؛ وأنت تريد أقواماً بأعيانهم، تصفهم بالأمرين. فالمعنى: من أهل الكتاب المشركين. وقيل: إن الكفر هنا هو الكفر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى، الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عَبَدَةُ الأوثان من العرب وغيرهم ـ وهم الذين ليس لهم كتاب ـ مُنْفَكِّين. قال القشيرِيّ: وفيه بعد؛ لأن الظاهر من قوله: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أن هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. فيبعد أن يُقال: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد؛ إلا أن يقال: أراد: لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد ـ وإن كانوا من قبل مُعَظِّمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله محمداً إليهم، ويبيّن لهم الآيات؛ فحينئذٍ يؤمن قوم. وقرأ الأعمش وإبراهيم «والمشركُونَ» رفعاً، عطفاً على «الذين والقراءة الأولى أبين؛ لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب. وفي حرف أبيّ: «فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين». وفي مصحف ابن مسعود: «لم يكنِ المشركون وأهلُ الكتابِ منفكِّين». وقد تقدم. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} قيل حتى أتتهم. والبَيِّنة: محمد صلى الله عليه وسلم. {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي بعيث من الله جل ثناؤه. قال الزَّجَّاج: «رسول» رفع على البدل من «البينة». وقال الفراء: أي هي رسول من الله، أو هو رسول من الله؛ لأن البينة قد تذكر فيقال: بينتي فلان. وفي حرف أُبيّ وابن مسعود «رَسُولاً» بالنصب على القطع. {يَتْلُو} أي يقرأ. يقال: تلا يتلو تلاوة. {صُحُفاً} جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. {مُّطَهَّرَةً } قال ابن عباس: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة. وقال قتادة: من الباطل. وقيل: من الكذب، والشُّبُهات، والكفر؛ والمعنى واحد. أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب؛ ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب؛ لأنه كان أمّيا، لا يكتب ولا يقرأ. و{مُّطَهَّرَةً }: من نعت الصحف؛ وهو كقوله تعالى: { أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ } تفسير : [عبس: 13 ـ 14]، فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن. وقيل: «مطهرة» أي ينبغي ألا يَمَسَّها إلا المطهرون؛ كما قال في سورة «الواقعة» حسب ما تقدّم بيانه. وقيل: الصحف المطهرة: هي التي عند الله في أمّ الكتاب، الذي منه نُسِخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب؛ كما قال تعالى: { أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 21 ـ 22]. قال الحسن: يعني الصحف المطهرة في السماء. {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} أي مستقيمة مستوية محكمة؛ من قول العرب: قام يقوم: إذا استوى وصح. وقال بعض أهل العلم: الصحف هي الكتب؛ فكيف قال في صحف فيها كُتب؟ فالجواب: أن الكتب هنا: بمعنى الأحكام؛ قال الله عز وجل: { أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ } تفسير : [المجادلة: 21] بمعنى حكم. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : والله لأقضِين بينكما بكتاب الله » تفسير : ثم قضى بالرجم، وليس ذِكر الرجم مسطوراً في الكتاب؛ فالمعنى لأقضين بينكما بحكم الله تعالى. وقال الشاعر: شعر : وما الولاءُ بالبلاءِ فمِلْتُمُ وما ذاكَ قال اللَّهُ إذ هو يَكْتُبُ تفسير : وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن؛ فجعله كتباً لأنه يشتمل على أنواع من البيان.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها. وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإِلحاد في صفات الله سبحانه وتعالى و {مِنْ } للتبيين. {وَٱلْمُشْرِكِينَ } وعبدة الأصنام. {مُنفَكّينَ } عما كانوا عليه من دينهم، أو الوعد باتباع الحق إذ جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } الرسول عليه الصلاة والسلام أو القرآن، فإنه مبين للحق أو معجزة الرسول بأخلاقه والقرآن بإفحامه من تحدى به. {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ } بدل من {ٱلْبَيّنَةُ } بنفسه أو بتقدير مضاف أو مبتدأ. {يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } صفته أو خبره، والرسول عليه الصلاة والسلام وإن كان أمياً لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل المراد جبريل عليه الصلاة والسلام وكون الصحف {مُّطَهَّرَةٍ } أن الباطل لا يأتي ما فيها، أو أنها لا يمسها إلا المطهرون. {فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق. {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه، أو عن وعدهم بالإِصرار على الكفر. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } فيكون كقوله: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }تفسير : [البقرة: 89] وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم، وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى. {وَمَا أُمِرُواْ } أي في كتبهم بما فيها. {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } لا يشركون به. {حُنَفَاء } مائلين عن العقائد الزائغة. {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } ولكنهم حرفوا وعصوا. {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } دين الملة القيمة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } أي يوم القيامة، أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه فلعله يختلف لتفاوت كفرهما. {أَوْلَـئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} أي الخليقة. وقرأ نافع «البريئة» بالهمز على الأصل. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} فيه مبالغات تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به والحكم عليه بأن من، {عِندَ رَبّهِمْ }، وجمع {جَنَّـٰتُ } وتقييدها إضافة ووصفاً بما تزداد لها نعيماً، وتأكيد الخلود بالتأييد. {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم. {وَرَضُواْ عَنْهُ } لأنه بلغهم أقصى أمانيهم. {ذٰلِكَ } أي المذكور من الجزاء والرضوان. {لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة لم يكن الذين كفروا كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلاً».

ابن كثير

تفسير : أما أهل الكتاب، فهم اليهود والنصارى، والمشركون عبدة الأوثان والنيران من العرب ومن العجم، وقال مجاهد: لم يكونوا {مُنفَكِّينَ} يعني: منتهين، حتى يتبين لهم الحق، وهكذا قال قتادة: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} أي: هذا القرآن، ولهذا قال تعالى: { لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. ثم فسر البينة بقوله: { رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وما يتلوه من القرآن العظيم الذي هو مكتتب في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، كقوله: {أية : فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } تفسير : [عبس: 13 ــــ 16]، وقوله تعالى: { فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} قال ابن جرير: أي: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله عز وجل. قال قتادة: { رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً}: يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء، وقال ابن زيد: { فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} مستقيمة معتدلة، وقوله تعالى: { وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} كقوله: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 105] يعني بذلك: أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات، تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافاً كثيراً، كما جاء في الحديث المروي من طرق: «حديث : إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» تفسير : قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «حديث : ما أنا عليه وأصحابي.»تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] ولهذا قال: {حُنَفَآءَ} أي: متحنفين عن الشرك إلى التوحيد؛ كقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته ههنا، {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} وهي أشرف عبادات البدن، {وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} أي: الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة: أن الأعمال داخلة في الإيمان، ولهذا قال: { وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ } للبيان {أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } أي عبدة الأصنام: عطف على «أهل» {مُنفَكِّينَ } خبر «يكن»، أي زائلين عما هم عليه {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ } أي أتتهم {ٱلْبَيِّنَةُ } أي الحجة الواضحة وهي محمد صلى الله عليه وسلم.

الشوكاني

تفسير : المراد بـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: اليهود والمراد بـ {ٱلْمُشْرِكِينَ }: مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان. و {مُنفَكّينَ } خبر كان. يقال فككت الشيء فانفك، أي انفصل. والمعنى: أنهم لم يكونوا مفارقين لكفرهم، ولا منتهين عنه. {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } وقيل: الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية، أي: لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم، فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين، أي: لم تكن مدّتهم؛ لتزول حتى تأتيهم البينة، يقال ما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً، وأصل الفكّ الفتح. ومنه فكّ الخلخال. وقيل: منفكين بارحين. أي: لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث. فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله: {أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 89] وعلى هذا فيكون قوله: {وَٱلْمُشْرِكِينَ } أنهم ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه "الأمين"، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه. وقيل: مُنفَكّينَ هالكين. من قولهم: انفكّ صلبه، أي: انفصل. فلم يلتئم فيهلك، والمعنى: لم يكونوا معذبين، ولا هالكين إلاّ بعد قيام الحجة عليهم. وقيل: إن المشركين هم أهل الكتاب، فيكون وصفاً لم؛ لأنهم قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله. قال الواحدي: ومعنى الآية: إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم، وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة، والإنقاذ به من الجهل والضلالة، والآية فيمن آمن من الفريقين. قال: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب. والوجه ما أخبرتك، فاحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال. قال: ويدلّ على أن البينة محمد صلى الله عليه وسلم أنه فسرها وأبدل منها فقال: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } يعني: ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن، ويدلّ على ذلك أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب انتهى كلامه. وقيل: إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم الموعود به، فلما بعث تفرّقوا، كما حكاه الله عنهم في هذه السورة. والبينة على ما قاله الجمهور هو: محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه سراجاً منيراً، وقد فسر الله سبحانه هذه البينة المجملة بقوله: {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ } فاتضح الأمر، وتبين أنه المراد بالبينة. وقال قتادة، وابن زيد: البينة هي القرآن كقوله: {أية : أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ }تفسير : [طه: 133] وقال أبو مسلم: المراد بالبينة مطلق الرسل، والمعنى: حتى تأتيهم رسل من الله، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفاً مطهرة، والأوّل أولى. قرأ الجمهور: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} وقرأ ابن مسعود: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب). قال ابن العربي: وهي: قراءة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة. وقرأ الأعمش، والنخعي: "والمشركون" بالرفع عطفاً على الموصول. وقرأ أبيّ: (فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون). قرأ الجمهور: {رسول من الله} برفع {رسول} على أنه بدل كل من كلّ مبالغة، أو بدل اشتمال. قال الزجاج: رسول رفع على البدل من البينة. وقال الفراء: رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول. وقرأ أبيّ، وابن مسعود: (رسولاً) بالنصب على القطع، وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ } متعلق بمحذوف هو صفة لرسول، أي: كائن من الله، ويجوز تعلقه بنفس رسول، وجوّز أبو البقاء أن يكون حالاً "من صحف". والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله. وقوله: {يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } يجوز أن تكون صفة أخرى لرسول، أو حالاً من متعلق الجار والمجرور قبله. ومعنى {يتلو}: يقرأ، يقال تلا يتلو تلاوة، والصحف جمع صحيفة. وهي ظرف المكتوب. ومعنى {مطهرة}: أنها منزّهة من الزور والضلال. قال قتادة: مطهرة من الباطل. وقيل: مطهرة من الكذب، والشبهات، والكفر، والمعنى واحد؛ والمعنى: أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب كما تقدّم. وقوله: {فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } صفة لـ {صحفاً}، أو حال من ضميرها، والمراد الآيات، والأحكام المكتوبة فيها، والقيمة المستقيمة المستوية المحكمة، من قول العرب: قام الشيء: إذا استوى وصحّ. وقال صاحب النظم: الكتب بمعنى الحكم كقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى }تفسير : [المجادلة: 21] أي: حكم. وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف: «حديث : لأقضين بينكما بكتاب الله»تفسير : . ثم قضى بالرجم، وليس الرجم في كتاب الله، فالمعنى: لأقضينّ بينكما بحكم الله، وبهذا يندفع ما قيل: إن الصحف هي الكتب، فكيف قال: {صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } وقال الحسن: يعني: بالصحف المطهرة التي في السماء، يعني في اللوح المحفوظ، كما في قوله: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 21، 22]. {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } هذه الجملة مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب. قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمداً. فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون. وخصّ أهل الكتاب، وإن كان غيرهم مثلهم في التفرّق بعد مجيء البينة؛ لأنهم كانوا أهل علم، فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } مفرّغ من أعم الأوقات، أي: وما تفرّقوا في وقت من الأوقات إلاّ من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، وهي: بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشريعة الغرّاء، والمحجة البيضاء. وقيل البينة: البيان الذي في كتبهم أنه نبيّ مرسل كقوله: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } تفسير : [آل عمران: 19] قال القرطبي: قال العلماء: من أوّل السورة إلى قوله: {كُتُبٌ قَيّمَةٌ } حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. وقوله: {وَمَا تَفَرَّقَ.. } إلخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج. وجملة: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } في محل نصب على الحال مفيدة؛ لتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرّق بعد مجيء البينة، أي: والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلاّ لأجل أن يعبدوا الله، ويوحدوه حال كونهم {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي: جاعلين دينهم خالصاً له سبحانه، أو جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. وقيل: إن اللام في: {ليعبدوا} بمعنى "أن"، أي: ما أمروا إلاّ بأن يعبدوا كقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ }تفسير : [النساء: 26] أي: أن يبيّن، و{أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ}تفسير : [الصف: 8] أي: أن يطفئوا. قرأ الجمهور: {مخلصين} بكسر اللام. وقرأ الحسن بفتحها. وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات؛ لأن الإخلاص من عمل القلب. وانتصاب {حُنَفَاء } على الحال من ضمير {مخلصين}، فتكون من باب التداخل، ويجوز أن تكون من فاعل "يعبدوا"، والمعنى: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال أهل اللغة: أصله أن يحنف إلى دين الإسلام، أي: يميل إليه. {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } أي: يفعلوا الصلوات في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها، وخصّ الصلاة والزكاة؛ لأنهما من أعظم أركان الدين. قيل: إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر. وإن أريد ما في شريعتنا، فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا، وهما: من جملة ما وقع الأمر به فيها. {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي: وذلك المذكور من عبادة الله، وإخلاصها، وإقامة الصلاة، والزكاة {دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي: دين الملة المستقيمة. قال الزجاج: أي ذلك دين الملة المستقيمة، فالقيمة صفة لموصوف محذوف. قال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم: القائم. قال الفرّاء: أضاف الدين إلى القيمة. وهو نعته لاختلاف اللفظين. وقال أيضاً: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. ثم بيّن سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ }. الموصول اسم "إنّ"، و{المشركين} معطوف عليه، وخبرها {في نار جهنم}، و{خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من المستكنّ في الخبر. ويجوز أن يكون قوله: و{المشركين} مجروراً عطفاً على أهل الكتاب. ومعنى كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى من تقدّم ذكرهم من أهل الكتاب، والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم، والخلود فيها {هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ } أي: الخليقة، يقال برأ، أي: خلق. والبارىء الخالق. والبرية الخليقة. قرأ الجمهور: {البرية} بغير همز في الموضعين. وقرأ نافع، وابن ذكوان فيها بالهمز. قال الفرّاء: إن أخذت البرية من البراء، وهو التراب لم تدخل الملائكة تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم، أي: قدّرته دخلت. وقيل: إن الهمز هو الأصل، لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز، أي: ابتدعه واخترعه ومنه قوله: {أية : مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا }تفسير : [الحديد: 22] ولكنها خففت الهمزة، والتزم تخفيفها عند عامة العرب. ثم بيّن حال الفريق الآخر فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح {أُوْلَـٰئِكَ } المنعوتون بهذا {هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } قال: والمراد أن أولئك شرّ البرية في عصره صلى الله عليه وسلم. ولا يبعد أن يكون كفار الأمم من هو شرّ منهم، وهؤلاء خير البرية في عصره صلى الله عليه وسلم ولا يبعد أن يكون في مؤمني الأمم السابقة من هو خير منهم. {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان، والعمل الصالح {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ }. والمراد بجنات عدن: هي أوسط الجنات وأفضلها. يقال عدن بالمكان يعدن عدناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقرّه، ومنه قول الأعشى:شعر : وإن يستضافوا إلى علمه يضافوا إلى راجح قد عدن تفسير : وقد قدّمنا في غير موضع أنه إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر. وإن أريد مجموع قرار الأرض والشجر، فجري الأنهار من تحتها باعتبار جزئها الظاهر، وهو الشجر. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } لا يخرجون منها، ولا يظعنون عنها، بل هم دائمون في نعيمها مستمرّون في لذاتها، {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } الجملة مستأنفة لبيان ما تفضل الله به عليهم من الزيادة على مجرّد الجزاء. وهو رضوانه عنهم حيث أطاعوا أمره، وقبلوا شرائعه، ورضاهم عنه حيث بلغوا من المطالب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون في محل نصب على الحال بإضمار قد. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } أي: ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشية لله سبحانه في الدنيا، وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشية التي وقعت له لا مجرّد الخشية مع الانهماك في معاصي الله سبحانه، فإنها ليست بخشية على الحقيقة. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مُنفَكّينَ } قال: برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك. واقرءوا إن شئتم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ }. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال: حديث : يا عائشة أما تقرئين: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ }»تفسير : . وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة،تفسير : ونزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } فكان أصحاب محمد إذا أقبل قالوا: قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي، وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: «علي خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: حديث : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بخير البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بشرّ البرية؟ قالوا بلى، قال: الذي يسأل بالله ولا يعطي به»تفسير : قال أحمد: حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكره.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {لم يَكُنِ الّذِينَ كَفَروا مِنْ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكينَ مُنفَكِّينَ} معناه لم يكن الذين كفروا من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب، وغيرهم الذين ليس لهم كتاب.. " منفكين" فيه أربعة تأويلات: أحدها: لم يكونوا منتهين عن الشرك {حتى تأتيهم البَيِّنَةُ} حتى يتبين لهم الحق. وهذا قول ثان: لم يزالوا مقيمين على الشرك والريبة حتى تأتيهم البينة، يعنى الرسل، قاله الربيع. الثالث: لم يفترقوا ولم يختلفوا أن الله سيبعث إليهم رسولاً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وتفرقوا، فمنهم من آمن بربه، ومنهم من كفر، قاله ابن عيسى. الرابع: لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله تعالى، حتى تأتيهم البينة التي تقوم بها عليهم الحجة، قال امرؤ القيس: شعر : إذا قُلْتُ أَنْفَكَّ مِن حُبّها أبى عالقُ الحُبِّ إلا لُزوما تفسير : وفي " البيّنة" ها هنا ثلاثة أوجه: أحدها: القرآن، قاله قتادة. الثاني: الرسول الذي بانت فيه دلائل النبوة. الثالث: بيان الحق وظهور الحجج. وفي قراءة أبيّ بن كعب: ما كان الذي كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، وفي قراءة ابن مسعود: لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين. {رسولٌ مِن الله} يعني محمداً. {يَتْلُواْ صُحُفاً مُطَهّرَةً} يعني القرآن. ويحتمل ثانياً: يتعقب بنبوته نزول الصحف المطهرة على الأنبياء قبله. وفي {مطهرة} وجهان: أحدهما: من الشرك، قاله عكرمة. الثاني: مطهرة الحكم بحسن الذكر والثناء، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: لنزولها من عند الله. {فيها كُتُبٌ قَيِّمةٌ} فيه وجهان: أحدهما: يعني كتب الله المستقيمة التي جاء القرآن بذكرها، وثبت فيه صدقها، حكاه ابن عيسى. الثاني: يعني فروض الله العادلة، قاله السدي. {وما تَفَرَّقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى. {إلاّ مِن بَعْدِ ما جاءتْهم البْيِّنَةُ} فيه قولان: احدهما: القرآن، قاله أبو العالية. الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن شجرة. ويحتمل ثالثاً: البينة ما في كتبهم من صحة نبوته. {وما أُمِروا إلاّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مُقِرِّين له بالعبادة. الثاني: ناوين بقلوبهم وجه الله تعالى في عبادتهم. الثالث: إذا قال لا إله إلا الله أن يقول على أثرها " الحمد لله"، قاله ابن جرير. ويحتمل رابعاً: إلا ليخلصوا دينهم في الإقرار بنبوته. {حُنفاءَ} فيه ستة أوجه: أحدها: متبعين. الثاني: مستقيمين، قاله محمد بن كعب. الثالث: مخلصين، قاله خصيف. الرابع: مسلمين، قاله الضحاك، وقال الشاعر: شعر : أخليفة الرحمنِ إنا مَعْشرٌ حُنفاءُ نسجُدُ بُكرةً وأصيلاً تفسير : الخامس: يعني حجّاجاً، قاله ابن عباس؛ وقال عطية العوفي: إذا اجتمع الحنيف والمسلم كان معنى الحنيف الحاج وإذا انفرد الحنيف كان معناه المسلم، وقال سعيد بن جبير: لا تسمي العرب الحنيف إلا لمن حج واختتن. السادس: أنهم المؤمنون بالرسل كلهم، قاله أبو قلابة. {ويُقيموا الصّلاةَ ويُؤْتُوا الزّكاةَ وذلكَ دينُ القَيِّمَةِ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه وذلك دين الأمة المستقيمة. الثاني: وذلك دين القضاء القيم، قاله ابن عباس. الثالث: وذلك الحساب المبين، قاله مقاتل. ويحتمل رابعاً: وذلك دين من قام لله بحقه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}

ابن عطية

تفسير : وفي حرف أبي بن كعب: "ما كان الذين"، وفي حرف ابن مسعود: "لم يكن المشركين وأهل الكتاب منفكين" وقوله تعالى: {منفكين} معناه منفصلين متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه، وما انفك التي هي من أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون هذه الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا {منفكين} عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في {تأتيهم}، لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا {منفكين} عن معرفة صحة نبوة محمد عليه السلام، والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع {منفكين} يجعلها تلك التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم {منفكين} من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس: "والمشركون" بالرفع، وقرأ الجمهور: "والمشركين" بالخفض ومعناهما بين، و {البينة} معناه: القصة البينة والجلية، والمراد محمد عليه السلام، وقرأ الجمهور: "رسولُ الله" بالرفع وقرأ أبي: "رسولاً" بالنصب على الحال، والصحف المطهرة: القرآن في صحفه، قاله الضحاك وقتادة، وقال الحسن والصحف المطهرة في السماء، وقوله عز وجل: {فيها كتب قيمة} فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة: معناه قائمة معتدلة آخذة للناس بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى {قيمة} هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل مصفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس: "مخلِصين" بكسر اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "مخلَصين" بفتح اللام، وكأن {الدين} على هذه القراءة منصوب بـ {بعد} أو بمعنى يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا نظر، وقيل لعيسى عليه السلام: من المخلص لله؟ قال الذي يعمل العمل لله ولا يحب أن يحمده الناس عليه، و {حنفاء}: جمع حنيف وهو المستقيم المائل إلى طرق الخير، قال ابن جبير: لا تسمي العرب حنيفاً إلا من حج واختتن، وقال ابن عباس: {حنفاء} : حجاجاً مسلمين، و {حنفاء} نصب على الحال، وكون {الصلاة} مع {الزكاة} في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي من قول السورة مدنية, لأن {الزكاة} فرضت بالمدينة, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور: "وذلك دين القيمة" على معنى الجماعة القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: هنا الكتب التي جرى ذكرها، وقرأ بعض الناس:"وذلك الدين القيمة"، فالهاء في "القيمة" على هذه القراءة كعلامة ونسابة، ويتجه ذلك أيضاً على أن يجعل {الدين} بمنزلة الملة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} اليهود والنصارى ومن المشركين. {مُنفَكِّينَ} منتهين عن الكفر حتى يتبين لهم الحق أو لم يزالوا على الشك حتى يأتيهم الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أو لم يختلفوا أن الله تعالى سيبعث إليهم رسولاً حتى بُعث محمد صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فآمن بعض وكفر آخرون أو لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله تعالى حتى تأتيهم بينة تقوم بها الحجة عليهم. {الْبَيِّنَةُ} القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بانت دلائل نبوته أو بيان الحق وظهور الحجج.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بمحمد صلى الله عليه وسلم {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي اليهود والنصارى وأهل الرجل أخص الناس به وأهل الإسلام من يدين به {وَٱلْمُشْرِكِينَ } عبدة الأصنام {مُنفَكّينَ } منفصلين عن الكفر وحذف لأن صلة «الذين» تدل عليه {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } الحجة الواضحة والمراد محمد صلى الله عليه وسلم يقول: لم يتركوا كفرهم حتى يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض {رَسُولٌ مّنَ ٱللَّهِ } أي محمد عليه السلام وهو بدل من {ٱلْبَيّنَةُ } {يَتْلُواْ } يقرأ عليهم {صُحُفاً } قراطيس {مُّطَهَّرَةٍ } من الباطل {فِيهَا } في الصحف {كُتُـبٌ} مكتوبات {قَيّمَةٌ } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } فمنهم من أنكر نبوته بغياً وحسداً، ومنهم من آمن. وإنما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع أولاً بينهم وبين المشركين، لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. {وَمَا أُمِرُواْ } يعني في التوراة والإنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } من غير شرك ولا نفاق {حُنَفَاء } مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي دين الملة القيمة {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَوْلَـئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } ونافع يهمزهما والقراء على التخفيف، والنبي والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } إقامة {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بقبول أعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابها {ذٰلِكَ } أي الرضا {لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } وقوله {خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة، لأن البرية الخلق، واشتقاقها من برأ الله الخلق. وقيل: اشتقاقها من البرَى وهو التراب، ولو كان كذلك لما قرءوا {البريئة} بالهمز كذا قاله الزجاج والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني اليهود والنّصارى {والمشركين} أي ومن المشركين، وهم عبدة الأوثان، وذلك أن الكفار كانوا جنسين أحدهما أهل كتاب وسبب كفرهم ما أحدثوه في دينهم، أما اليهود فقولهم عزير ابن الله وتشبيههم الله بخلقه، وأما النّصارى فقولهم المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وغير ذلك، والثاني المشركون أهل الأوثان الذين لا ينتسبون إلى كتاب الله، فذكر الله الجنسين في قوله: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} أي منتهين عن كفرهم وشركهم وقيل معناه زائلين {حتى تأتيهم} أي حتى أتتهم لفظه مضارع ومعناه الماضي {البينة} أي الحجة الواضحة يعني محمداً صلى الله عليه وسلم أتاهم بالقرآن فبين لهم ضلالتهم، وشركهم وما كانوا عليه من الجاهلية، ودعاهم إلى الإيمان، فآمنوا فأنقذهم الله من الجهالة والضّلالة ولم يكونوا منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم، والآية فيمن آمن من الفريقين، قال الواحدي في بسيطة: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً، وتفسيراً وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الإمام فخر الدين في تفسيره إنه لم يلخص كيفية الأشكال فيها وأنا أقول وجه الإشكال أن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرّسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذاً لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرّسول ثم قال بعد ذلك وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرّسول، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والثانية مناقضة في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني قال والجواب عنه من وجوه: أولها: وأحسنها الوجه، الذي لخصه صاحب الكشاف وهو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التّوراة والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب}، أي أنهم كانوا يعدلون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول، ونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه لست بمنفك مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار فيذكره ما كان يقول توبيخاً، وإلزاماً قال الإمام فخر الدين: وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد وهو أن قوله تعالى لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة مذكور حكاية عنهم، وقوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذي وقع كان بخلاف ما ادعوا أو ثانيها أن تقدير الآية لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة وعلى هذا التقدير يزول الإشكال إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء وذكر وجوهاً أخر قال: والمختار هو الأول ثم فسر البينة فقال تعالى: {رسول من الله} أي تلك البينة رسول من الله {يتلوا} أي يقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم {صحفاً} أي كتباً يريد ما تضمنه المصحف من المكتوب فيه وهو القرآن لأنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ عن ظهر قلبه لا عن كتاب {مطهرة} أي من الباطل والكذب والزّور، والمعنى أنها مطهرة من القبيح، وقيل معنى مطهرة معظمة، وقيل مطهرة أي لا ينبغي أن يمسها إلا المطهرون {فيها} أي في الصحف {كتب} أي الآيات المكتوبة وقيل الكتب بمعنى الأحكام {قيمة} أي عادلة مستقيمة غير ذات عوج، وقيل قيمة بمعنى قائمة مستقلة بالحجة من قولهم قام بالأمر إذا أجراه على وجهه، ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم {إلا من بعد ما جاءتهم البينة} يعني جاءتهم البينة في كتبهم أنه نبي مرسل قال المفسرون لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله تعالى فلما بعث تفرقوا في أمره، واختلفوا فيه، فآمن به بعضهم وكفر به آخرون، ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {البريئة} بالهمزة نافع وابن ذكوان. الوقوف: {البينة} لا {مطهرة} ه ك {قيمة} ه ك {البينة} ه ط {القيمة} ه ط {فيها} ط {البرية} ه ط {الصالحات} ه لا {البرية} ه ط {أبداً} ط {عنه} ط {ربه} ه التفسير: استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية لأنه تعالى لم يبين أنهم منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد أنفاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر البينة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن "حتى" لانتهاء الغاية، فالآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله {وما تفرق} الآية. والجواب على ما قال صاحب الكشاف، أن هذه حكاية كلام الكفار، وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي صلى الله عليه وسلم الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه. ثم قال {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والإنفاق على الحق إذا جاءهم الرسول. ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن يعظه: لست بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الغنى ازداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى. وقيل: إن " حتى " للمبالغة فيؤل المعنى إلى قولك مثلاً لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة. وقال قوم: إنا لا نحمل قوله {منفكين} على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم تفرقوا وقال كل واحد فيه قولاً آخر رديئاً، فتكون الآية كقوله {أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} تفسير : [البقرة: 89] ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد قولاً حسناً وآمن به لأن التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة. ولا يبعد أيضاً أن يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم. وفي قوله {منفكين} إشارة إلى هذا لأن انفكاك الشيء هو انفصاله عنه بعد التحامه والتئامه كالعظم إذا انفك عن مفصله، فالمعنى أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وعن الجزم بصحتها إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله {من أهل الكتاب والمشركين} بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون وقيل: المشركون هم أهل الكتاب أيضاً، وذلك أن النصارى هم أهل التثليث واليهود أهل التشبيه. وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء وأراد قوماً بأعيانهم. وفائدة الواو أنهم جامعون بين الوصفين، ومما يؤيد هذا الوجه أنه لم يعد إلا ذكر أهل الكتاب في قوله {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} والأولون اعتذروا عن ذلك بأنهم إنما خصصوا بالذكر لفضلهم وبركة علمهم ولمزيد توبيخهم فإن العصيان والعناد من العالم أقبح، ولعل هذا هو السبب في تقديم ذكرهم أولاً. والبينة الحجة الواضحة، وإطلاقها على الرسول كإطلاق النور والسراج عليه. والصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن المطهر من النقائص ومس المحدث إياه، ومعنى تلاوة الصحف إملاؤه إياها. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ من الكتاب وإن كان لا يكتب ولعل هذا من معجزاته. والكتب المكتوبات. والقيمة المستقيمة أو المستقلة بالدلالة من قولهم " قام فلان بأمر كذا ". وقال أبو مسلم: البينة مطلق الرسل وهم الملائكة أي رسل من السماء يتلون عليهم صحفاً كقوله {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} تفسير : [النساء: 153] وكقوله {أية : بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة} تفسير : [المدثر: 52] قال الجبائي: في قوله وما تفرقوا إلا من بعد كذا دلالة على أن الشقاوة والسعادة لم يثبتا في الأزل ولا في أصلاب الآباء. وزيف بأن المراد ظهور التفرق منهم لا حصوله في علم الله وهو ظاهر. قوله {وما أمروا} أي وما أمروا بما أمروا به في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله على حالة الإخلاص والميل عن الأديان الباطلة. فقوله {حنفاء} حال مترادفة أو متداخلة {وذلك دين القيمة} موصوفها محذوف أي دين الملة القيمة. ويعلم من هذا الإخبار أن الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً كما في شرعهم، ويحتمل أن يراد وما أمروا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل. استدل بالآية من قال: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل بيانه أن الله تعالى ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله {وذلك دين القيمة} ورد بالمنع من أن المشار إليه هو المجموع، ولم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط؟ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد بدين القيمة الدين الكامل المستقل بنفسه وهو أصل الدين ونتائجه وثمراته؟ ثم ذكر وعيد الكفار ووعد الأبرار. قدم في الوعيد أهل الكتاب على المشركين، والسر فيه بعد ما مر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقدم حق الله على حق نفسه ولهذا حين كسروا رباعيته قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وحيث فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً فقال الله تعالى: كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر. ثم إن أهل اكتاب طعنوا فيك فقدمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا فيّ، وأيضاً المشركون رأوه صغيراً يتيماً فيما بينهم. ثم إنه بعد النبوة سفه أحلامهم وكسر أوثانهم وهذا أمر شاق يوجب العداوة الشديدة عند أهل الظاهر. وأما أهل الكتاب فقد كانوا مقرين بنبي آخر الزمان وكان النبي صلى الله عليه وسلم مثبتاً لنبيهم وكتابهم فلم يوجب لهم ذلك عداوة شديدة، فطعنهم في محمد صلى الله عليه وسلم طعن في غير موقعه فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك وكانوا شر البرية، وهذه جملة يطول تفصيلها شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا على سفلتهم طريق الحق، وشر من الجهال لأن العناد أقبح أنواع الكفر، وفيه دلائل على أن وعيد علماء السوء أفظع. قوله في هذه الآية {خالدين فيها} وفي آية الوعد {خالدين فيها أبداً} إشارة إلى كمال كرمه وسعة رحمته كما قال "حديث : سبقت رحمتي غضبي "تفسير : قال العلماء: هذه الآية مخصوصة في صورتين إحداهما أن من تاب منهم وأسلم خرج من الوعيد، والثانية أن من مضى من الكفرة ويجوز أن لا يدخل فيها لأن فرعون كان شراً منهم. قوله {وعملوا الصالحات} مقابلة الجمع بالجمع فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ. فحظ الغني الإعطاء وحظ الفقير الأخذ. احتج بعضهم بقوله {أولئك هم خير البرية} على تفضيل البشر على الملك قالوا: روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك وقرأ هذه الآية "تفسير : أجاب المنكرون بأن الملك أيضاً داخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المراد بالبرية بنو آدم لأن اشتقاقها من البرإ وهو التراب لا من برأ الله الخلق، وتمام البحث في المسألة قد سبق في أول البقرة. قوله {ذلك لمن خشي ربه} مع قوله {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية اللهم اجعلنا منهم والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : [قوله تعالى: { لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}] وفي حرف ابن مسعودٍ: «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ مُنْفَكِّينَ». وقوله تعالى: {مُنْفَكِّينَ} معناه: مُنْفَصِلِينَ متفرقينَ، تقول: انْفَكَّ الشيءُ عن الشيء؛ إذا انفصلَ عنه، وأمَّا انفك التي هي مِنْ أخواتِ «كَانَ» فلا مَدْخَلَ لَها هنا، قال مجاهد وغيره: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن الكفرِ والضلالِ حتى جَاءَتْهُم البينةُ، وأوقَعَ المستقبلَ موقِعَ الماضي في تأتيهم، والبيناتُ: محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرْعُهُ، قال الثعلبيُّ: {وَٱلْمُشْرِكِينَ} يعني: من العربِ وهم عَبَدةُ الأوثانِ، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكِّينَ عَنْ معرفةِ صحةِ نبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم والتَّوَكُّفِ لأمره حتى جاءتهم البينةُ فَتَفَرَّقُوا عند ذلك، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ قولٌ ثالثٌ بارعُ المعنى؛ وذلك أَنْ يكونَ المرادُ: لَمْ يَكُنْ هؤلاءِ القومُ منفكينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى يبعثَ إليهمْ رَسُولاً؛ تقومُ عليهم به الحجةُ، وتتمُّ عَلى مَنْ آمن بهِ النعمةُ فكأَنَّه قَالَ: ما كانوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، والصحفُ المطهَّرة: القرآنُ في صحفهِ؛ قاله قتادة والضحاك، وقال الحسن: الصحفُ المطهَّرة في السماءِ، {فِيهَا كُتُبٌ} أي: أحكامُ كتبٍ، و{قَيِّمَةٌ} معناه قَائِمة معتدلَة آخذةٌ للناسِ بالعَدْلِ، ثُمَّ ذَمّ تعالى أهْلَ الكتابِ في أنّهم لم يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ محمد صلى الله عليه وسلم إلا مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ الواضحةَ؛ وكانوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ على نُبُوَّتهِ وصفتهِ، و{حُنَفَاءَ}: جَمْعُ حنيفٍ وهو المستقيمُ، وذِكْر الزكاةِ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسرائيل يُقَوِّي قَوْلَ من قَال: السورةُ مدنيةٌ؛ لأنَّ الزكاةَ إنما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ولأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما دُفِعَ إلى مناقَضَةِ أهْلِ الكتَابِ بالمدينةِ، وقرأ الجمهور: «وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة والفِرْقَةِ القيمة، وقال * ص *: قراءة الجمهور: «وذلك دين القيمة» على تقديرِ الأمَّةِ القَيِّمَةِ؛ أي: المستقيمةِ أو الكتُب القيمةِ، وقرأ عبد اللَّه: «وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ» بتعريفِ الدِّينِ ورَفْعِ القيمة صفةً، والهاءُ فيه للمبالغَةِ أو عَلى تأويلِ أنَّ الدِّينَ بمعنى الملَّة، انتهى، و{ٱلْبَرِيَّةِ} جميعُ الخَلْقِ؛ لأن اللَّه تعالى براهُم أي: أوْجَدَهُمْ بَعْدَ العَدَم. وقوله تعالى: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} قِيْلَ ذلك في الدنيا؛ فَرِضاه عنهم هو ما أظْهَرَه عليهم من أمَارَاتِ رحمتهِ، ورضاهُم عنه؛ هو رضَاهم بجميعِ مَا قَسَمَ لَهم من جميعِ الأرزاقِ والأقدارِ، وقال بعضُ الصالحين: رَضَى العبادِ عن اللَّهِ رِضَاهُمْ بِما يَرِدُ من أحكامِه، ورِضَاه عنهم أن يُوَفِّقَهُمْ للرِّضَى عَنْهُ، وقال سري السقطي: إذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى عَنِ اللَّهِ فكَيْفَ تَطْلُبُ منْه أنْ يَرْضَى عَنْكَ، وقيل ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ تعالى بالذكرِ أهْلَ الخَشْيَةِ؛ لأنها رأْسُ كلِّ بَرَكَةٍ وهيَ الآمِرَةُ بالمعروفِ والناهِيَةُ عن المنكرِ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ}، هذه قراءة العامة، وخط المصحف. وقرأ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "لَمْ يكُن المُشْركُونَ وأهْلُ الكِتابِ منفكين" وهذه قراءة على التفسير. قال ابن العربي: "وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض التلاوة، فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح "فَطلِّقُوهُنَّ لقُبُلِ عدَّتهِنَّ" وهو تفسيرٌ، فإن التلاوة هو ما كان في خط المصحف". وقرئ: "والمُشرِكُون" بالواو نسقاً على "الَّذينَ كَفَرُوا". قوله: {مُنفَكِّينَ} اسم فاعل من "انفكَ"، وهي هنا التامة، فلذلك لم تحتج إلى خبر. وزعم بعضهم: أنها هنا ناقصة، وأن الخبر مقدر، تقديره: منفكّين عارفين محمداً صلى الله عليه وسلم. قال أبو حيان: وحذف خبر "كَانَ" لا يجوز اقتصاراً، ولا اختصاراً. وجعلوا قوله: [الكامل] شعر : 5263ب- ….............................. يَبْغِي جِوَاركَ حَيْثُ لَيْسَ مُجِيرُ تفسير : أي: في الدنيا، ضرورة، ووجه من منع من ذلك أنه قال: صار الخبر مطلوباً من جهتين: من جهة كونه مخبراً به، فهو أحد جزئي الإسناد، ومن حيث كونه منصوباً بالفعل، وهذا منتقض بمفعولي ظن، فإن كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران ومع ذلك يحذفان، أو أحدهما اختصاراً، وأما الاقتصار ففيه خلاف وتفصيل وتقدم ذكره. وقوله: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ} متعلق بـ "لَمْ يَكُنْ" أو بـ "مُنفكِّينَ". فصل قال الواحديُّ: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، ولم يبين كيفية الإشكال قال ابن الخطيب: ووجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا إلى أن تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر الشيء المنفكّ عنه، والظاهر أن المراد لم ينفكوا عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، فانفكوا عنه لأن "حتَّى" لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يقتضي زيادة كفرهم عند مجيء الرسول - عليه الصلاة والسلام - فحينئذ يحصل التناقض، والجواب من وجوه: أحدها: وهو أحسنها، ما لخصه الزمخشريُّ: أن الأول حكاية ما كانوا يقولونه من أنه صلى الله عليه وسلم الموعود به لا ننفك عما نحن عليه من ديننا. والثاني: إخبار عن الواقع، يعني أنهم كانوا يعدون الاتِّفاق على الحق إذا جاءهم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، والمعنى أن الذي وقع فيه كان خلافاً لما ادعوا. وثالثها: المعنى: لم يكونوا منفكين عن كفرهم، وإن جاءتهم بينة، قاله القاضي. إلا أن جعل "حتى" بمعنى "أن" بعيد في اللغة. ورابعها: المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم بالمناقب والفضائل، حتى أتتهم البينة، والمضارع هنا بمعنى الماضي كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} تفسير : [البقرة: 102]، أي ما تلت أي: ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا، ونظيره {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. وخامسها: أنهم كانوا متفقين على الكفر قبل البينة، فلما جاءتهم البينة تفرقوا، وتكفي هذه المغايرة. وسادسها: هي كقوله تعالى: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} تفسير : [البقرة: 213] الآية، أي: كان كل منهم جازماً بمذهبه ودينه، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم شكوا في أديانهم، لأن قوله تعالى {مُنفَكِّينَ} مشعر بهذا؛ لأن الانفكاك من الشيء هو الانفصال عنه، فمعناه: أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد، وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة. فصل في المراد بأهل الكتاب هنا قال ابن عباس: أهل الكتاب الذين كانوا بـ "يثرب"، وهم: قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، والمشركون الذين كانوا بـ "مكة" وما حولها، و "المدينة"، وهم مشركو قريش، وقوله تعالى: {مُنفَكِّينَ} أي: منتهين من كفرهم {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وقيل: لانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة. وقيل: منفكين زائلين إن لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا، أي ما زلت، وما انفك فلان قائماً، أي: ما زال قائماً. وأصل الفك للفتح، ومنه: فك الكتاب، وفك الخلخال. وقيل: "مُنفكِّينَ"، بارحين، أي: لم يكونوا ليبرحوا, ويفارقوا الدنيا, حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: أي: لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم ويسمونه الأمين في كتابهم حتى بعث فلما بعث صلى الله عليه وسلم حسدوه، وجحدوه، وهو قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]، ولهذا قال تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [البينة: 4]، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَٱلْمُشْرِكِينَ} أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث، فإنهم كانوا يسمونه الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم صلى الله عليه وسلم فحينئذ عادوه. وقال بعض اللغويين: "مُنفكِّينَ"، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. فصل في المراد بالمشركين قال قوم: المراد بالمشركين من أهل الكتاب، فمن اليهود من قال: عزير ابن الله ومن النصارى من قال: عيسى هو الله. ومنهم من قال: هو ابنه. ومنهم من قال: هو ثالث ثلاثة وكذبوا فيما قالوا عن الله تعالى، وأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا ولد له، ولا مثل ولا ضد له، ولا ند له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له، ولا زوجة له، ولا وزير له، ولا حاجب له، ولا بواب له، وهو سبحانه وتعالى كما قال في كتابه المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الاخلاص 1-4]. وقيل: المشركون وصف لأهل الكتاب أيضاً، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد، فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة، والكل شرك، وهو كقولك: جاءني العقلاء والظرفاء، وأنت تريد أقواماً بعينهم تصفهم بالأمرين، قال تعالى: {أية : ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 112]، وهذا وصف للطائفة الواحدة، فالمعنى على هنا من أهل الكتاب المشركين. ٌ[وقيل: أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيئاهم، والمشركون ولدوا على الفطرة، ثم كفروا حين بلغوا. وقيل: الكفر هنا هو الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم، وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين. قال القشيريُّ: وفيه بعد، لأن الظاهر من قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أنّ هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. فيبعد أن يقال لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين، حتى يأتيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال: أراد لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا من قبل معظمين له منتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله تعالى لهم محمداً صلى الله عليه وسلم ويبين لهم الآيات، فحينئذٍ يؤمن قوم]. وقرأ الأعمش وإبراهيم: "والمُشْرِكُونَ" رفعاً عطفاً على "الَّذِينَ كَفرُوا". قال القرطبيُّ: "والقراءة الأولى أبين، لأن الرفع يصير فيه الصنفان، كأنهم من غير أهل الكتاب". وفي حرف أبيّ: "فما كان الذين من أهل الكتاب والمشركون منفكين". قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال الذين كفروا، بلفظ الفعل، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ فالجوابُ: أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر؛ لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، وبمبعث محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف المشركين، فإنهم ولدوا على عبادةِ الأوثان، وذلك يدل على الثبات على الكفر. قوله: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. قيل: البينة، محمد صلى الله عليه وسلم لأنه في نفسه بينة وحُجَّة ولذلك سمَّاه الله - تعالى - سراجاً منيراً. قوله تعالى: {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ}، وهو رفع على البدل من "البَيِّنةُ"، ولأن اللام في "البَيِّنةُ" للتعريف أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير، وقد جمعهما الله - تعالى- ها هنا - في حق الرسول، أي: هو رسول، وأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه، فقال سبحانه وتعالى: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} تفسير : [البروج: 15] ثم قال تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16] فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسل، فقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} أي: تأتيهم رسل من ملائكة الله تعالى، تتلو عليهم صحفاً مطهرة، نظيره: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} تفسير : [المدثر: 52]. وقال قتادة وابن زيد: "البَيِّنةُ" هي القرآن، كقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 133]. قوله: "رسُولٌ"، العامة: على رفعه بدلاً من "البينة"، إما بدل اشتمال، وإما بدل كل من كل على سبيل المبالغة، جعل الرسول صلى الله عليه وسلم نفس البينة، أو على حذف مضاف، أي: بينة رسول. وقال الفرَّاء: رفع على خبر ابتداء مضمر، أي: هي رسول، أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكَّر، فيقال: بَيَّنتي فلان. وقرأ عبد الله وأبيّ: "رسولاً" على الحال من "البينة". وقال القرطبي: "بالنصب على القطع". قوله: "من اللهِ" يجوز تعلُّقه بنفس "رسول" أو بمحذوف على أنه صفة لـ "رسول"، وجوز أبو البقاء ثالثاً، وهو أن يكون حالاً من "صحفاً"، والتقدير: يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله تعالى. يعني كانت صفة في الأصل للنَّكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالاً. قوله: "يتلو" يجوز أن يكون صفة لـ "رسول" وأن يكون حالاً من الضمير في الجار قبله، إذا جعله صفة لـ "رسول". و "يتلو": أي: يقرأ، يقال: تلا يتلو تلاوة. و "صُحُفاً" جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب. "مُطهَّرة"، قال ابن عبَّاسٍ: من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة، وقال قتادة: من الباطل. وقيل: من الكذب والشبهات، والمعنى واحد [أي: يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب بدليل أنه كان يتلو على ظهر قلب لا عن كتاب، ولأنه كان أميًّا لا يقرأ، ولا يكتب، ومطهرة من نعت الصحف كقوله تعالى: {أية : فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ} تفسير : [عبس: 13، 14] فالمطهرة: نعت للصحف في الظاهر، وهو نعت لما في الصحف من القرآن. وقيل: مطهرة أي: لا يسمُّها إلا المطهرون كما تقدم في سورة "الواقعة". وقيل: الصحف المطهرة هي التي عند الله - تعالى - في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم من الكتب لقوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج:21-22]. قوله: {فِيهَا كُتُبٌ}. يجوز أن تكون جملة صفة لـ "صُحُفاً"، أو حالاً من ضمير "مُطهَّرة" وأن يكون الوصف أو الحال الجار والمجرور فقط، و "كتب" فاعل به، وهو الأحسن، والمراد بالكتب: الآيات المكتوبة في الصحف، والقيمةُ: المستقيمة المحكمةُ، من قول العرب: قام يقوم إذا استوى وصح. وقال صاحب "النَّظم": الكتب بمعنى الحكم؛ لقوله تعالى: {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21]، ومنه حديث العسيف: "حديث : لأقضينَّ بَينكُمَا بِكتابِ اللهِ"تفسير : ، ثم قضى بالرَّجْم، وليس ذكر الرجم مسطُوراً في الكتاب. وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، سمي كتباً، لأنه يشتمل على أنواع من البيان.

البقاعي

تفسير : لما أخبر سبحانه وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي الفجر الذي يحصل به غاية البيان، أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم يكون بيانه أعظم من بيان الفجر، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال: {لم يكن} أي في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال كوناً هو كالجبلة والطبع، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون عليه لأن ذلك ليس في جبلاتهم، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكيّ عن سيرتهم من بعد موسى عليه الصلاة والسلام لما كانت تسوسهم الأنبياء عليهم السلام كما دل على بعض ذلك قوله تعالى:{أية : فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا}تفسير : [المائدة: 71] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام ولا ينفصلون عنه بالكلية، وتارة يعبدون الأصنام، وتارة الملائكة، وأخرى الجن، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتاً كلياً مثل ثباتهم على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغيرها ذلك من خرافاتهم {الذين كفروا} أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا. ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرماً عند فعل ما يقتضي اللوم، بدأ بقوله: {من أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقاً، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا {والمشركين} أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب {منفكين} أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكاً يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحماً، من فك الكتاب والختم والعظم - إذا زايل ما كان ملتصقاً ومتصلاً به، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم{أية : لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم}تفسير : [فاطر: 42] فيصيروا بذلك أحزاباً وفرقاً {حتى} أي إلى أن {تأتيهم} عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة {البينة *} أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهوراً وضياء ونوراً، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان، ولذلك أبدل منها قوله: {رسول} أي عظيم جداً، وزاد عظمته بقوله واصفاً له: {من الله} أي الذي له الجلال والإكرام {يتلوا} أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له {صحفاً} جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها، عبر بها عنه لشدة المواصلة {مطهرة *} أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا المطهرون، وقراءته وإن كان أمياً لمثل ما فيها قراءة لها. ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة، بين سبب ذلك فقال: {فيها} أي تلك الصحف {كتب} جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن تكتب {قيمة *} أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا، أهل الكتاب يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لما عندهم من البشائر الصريحة به، والمشركون يقولون: لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، ويقولون: نحن نعرف الحق لأهله ولا ندفعه بوجه، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لا شبهة فيه تفرقوا، فبعضهم آمن وبعضهم كفر. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره عليه الصلاة والسلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته، وأتبع ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها، أتبع ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به، حتى إذا حصل ذلك مشاهداً لهم كانوا هم أول كافر به، فقال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله: وذلك دين القيمة} وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء قد كانوا قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل،وقد كانوا إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسلام من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما رضي الله عنهم أجمعين، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه عليه الصلاة والسلام على جهالة وعمى، فلم يضرهم إذا قد سبق لهم في الأزل "أولئك هم خير البرية" انتهى. ولما كان التقدير: فإذا أتتهم انفكوا، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال، والضال إلى مجاهر ومساتر، وكذا أهل الكتاب، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة، عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلماً بزيادة القبح في وقوع الذنب من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين: {وما تفرق} أي الآن وفيما مضى من الزمان تفرقاً عظيماً {الذين} ولما كانوا في حال هي أليق بالإعراض، بنى للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} أي عما كانوا عليه من الإطباق على الضلال أو الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا كان فعلهم في عيسى صلى الله عليه وسلم من قبل، فاستمر بعضهم على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد، ووفى بعض بالوعد فاهتدى، وكان تفرقهم لم يعد تفرقاً إلا زمناً يسيراً، ثم اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد خلافته لباقيهم تفرقاً لكونه قليلاً من كثير، فلذلك أدخل الجارّ فقال: {إلا من بعد} وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم، ثم أطبق اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقاً لهم {ما} أي الزمن الذي {جاءتهم} فيه أو مجيء {البينة *} فكان حالهم كما قال سبحانه{أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}تفسير : [البقرة: 89] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق، لا تفرقهم فيه، وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمناً يسيراً في أول الأمر، فكان الضال منهم أكثر، ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج، فدل ذلك على غاية العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من المشركين بالاجتماع على الهدى، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من العالم أكثر، وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته وتنميته بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف بالتوبة، فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها، وتكاثف رينها وغمامها، فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية الانقياد للدعاء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏لم يكن‏} ‏ بالمدينة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏لم يكن‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم المزني أحد بني فضيل‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله ليسمع قراءة ‏{‏لم يكن‏}‏ فيقول‏:‏ أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم عن مطر المزني أو المدني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الله ليسمع قراءة ‏{‏لم يكن الذين كفروا‏}‏ فيقول‏:‏ أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حبة البدري قال‏:‏ حديث : ‏لما نزلت ‏ {‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ إلى آخرها، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم‏: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي‏:‏ إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة‏.‏ قال أبي‏ّ:‏ وقد ذكرت ثم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم فبكى‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أمرني أن أقرأ عليك ‏{‏لم يكن الذين كفروا‏}‏ قال‏:‏ وسماني لك‏؟‏ قال‏:‏ نعم فبكى، وفي لفظ‏:‏ لما نزلت ‏ {‏لم يكن الذين كفروا‏} ‏ دعا أبيّ بن كعب فقرأها عليه، فقال‏:‏ ‏"أمرت أن أقرأ عليك"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل ذلك فلن يكفره‏ . تفسير : وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عليَّ ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏ إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره‏"‏تفسير : ‏.‏ قال شعبة‏:‏ ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ ‏"حديث : ‏لو أن لابن آدم وادياً من مال لسأل وادياً ثانياً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب‏"تفسير : ‏، قال‏:‏ ثم ختم بما بقي من السورة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يا أبيّ إني أمرت أن أقرئك سورة فأقرأنيها ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة‏}‏ أي ذات اليهودية والنصرانية إن أقوم الدين الحنيفية مسلمة غير مشركة، ومن يعمل صالحاً فلن يكفره ‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية، ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده، وأولئك عند الله هم خير البرية ‏{‏جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه‏} "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن ابن عباس قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر‏:‏ كم مالك‏؟‏ قال‏:‏ أربعون من الإِبل‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ قلت صدق الله ورسوله لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب‏.‏ فقال عمر‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقلت‏:‏ هكذا اقرأني أبيّ‏.‏ قال‏:‏ فمر بنا إليه فجاء إلى أبيّ فقال‏:‏ ما تقول هذا‏؟‏ قال أبيّ‏:‏ هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ إذاً أثبتها في المصحف‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال‏:‏ قلت يا أمير المؤمنين‏:‏ إن أبيّاً يزعم أنك تركت من آيات الله آية لم تكتبها‏.‏ قال‏:‏ والله لأسألن أبيّاً فإن أنكر لتكذبن‏.‏ فلما صلى صلاة الغداة غدا على أبيّ فأذن له وطرح له وسادة وقال‏:‏ يزعم هذا أنك تزعم أني تركت آية من كتاب الله لم أكتبها‏.‏ فقال‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب‏"‏‏تفسير : .‏ فقال عمر‏:‏ أفأكتبها‏؟‏ قال‏:‏ لا أنهاك‏.‏ قال‏:‏ فكأن أبيّاً شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرآن منزل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ لقي أبيّ بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا أبيّ إن الله قد أنزل سورة وأمرني أن أقرئكها فقال‏:‏ الله أمرك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فافعل‏.‏ قال‏:‏ فاقرأها إياه‏.‏ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين‏}‏ قال‏:‏ منتهين عما هم فيه ‏{‏حتى تأتيهم البينة‏} ‏ أي هذا القرآن ‏{‏رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة‏}‏ قال‏:‏ يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء ‏ {‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء‏}‏ والحنيفية الختام وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك ‏ {‏ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة‏} ‏ قال‏:‏ هو الذي بعث الله به رسوله وشرعه لنفسه ورضيه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏منفكين‏} ‏ قال‏:‏ برحين‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏منفكين‏} ‏ قال‏:‏ منتهين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏حتى تأتيهم البينة‏}‏ قال‏:‏ محمد، وفي قوله‏:‏ {‏وذلك دين القيمة‏} ‏ قال‏:‏ القيم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏{‏من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏ قال‏:‏ محمد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عقيل قال‏:‏ قلت للزهري تزعمون أن الصلاة والزكاة ليسا من الإِيمان فقرأ ‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة‏} ‏ ترى هذا من الإِيمان أم لا‏؟‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له‏:‏ إن قوماً قالوا‏:‏ إن الصلاة والزكاة ليسا من الدين فقال‏:‏ أليس يقول الله ‏ {‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة‏} ‏ فالصلاة والزكاة من الدين‏. وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال‏:‏ كان أبو واثل إذا سئل عن شيء من الإِيمان قرأ ‏ {‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال‏:‏ أتعجبون من منزلة الملائكة من الله‏؟‏ والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك واقرأوا إن شئتم ‏ {‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ ‏ ‏حديث : قلت يا رسول الله‏:‏ من أكرم الخلق على الله‏؟‏ قال‏: ‏"يا عائشة أما تقرئين ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏}"‏‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: ‏ ‏حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏}" ‏‏تفسير : فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا‏:‏ جاء خير البرية‏. وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً‏:‏ عليّ خير البرية‏.‏ وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال‏:‏حديث : ‏ لما نزلت ‏ {‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي‏: "هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ألم تسمع قول الله‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏}‏ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها ثمان {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} أي اليهودُ والنَّصارَى وإيرادُهم بذلكَ العنوانِ للإشعارِ بعلةِ ما نُسبَ إليهمْ من الوعدِ باتباعِ الحقِّ فإنَّ مناطَ ذلكَ وجدانُهم لَهُ في كتابِهم وَإِيرادُ الصلةِ فعلاً لما أنَّ كُفرهم حادثٌ بعدَ أنبـيائِهم {وَٱلْمُشْرِكِينَ} أيْ عبدةِ الأصنامِ وقُرِىءَ وَالمشركونَ عطفاً على الموصولِ {مُنفَكّينَ} أي عمَّا كانُوا عليهِ من الوعدِ باتباعِ الحقِّ والإيمانِ بالرسولِ المبعوثِ في آخرِ الزمانِ والعزمِ على إنجازِه وهَذَا الوعدُ من أهلِ الكتابِ مما لا ريبَ فيه حَتَّى إنَّهم كانُوا يستفتحونَ ويقولونَ: اللهمَّ افتحْ علينَا وانصرنا بالنبـيِّ المبعوثِ في آخرِ الزمانِ ويقولونَ لأعدائِهم منَ المشركينَ: قد أظلَّ زمانُ نبـيَ يخرجُ بتصديقِ ما قلنَا فنقتلُكُم مَعَهُ قتلَ عادٍ وإرمَ وأما منَ المشركينَ فلعلَّهُ قدْ وقعَ من متأخريهمْ بعدَ مَا شَاعَ ذلكَ من أهلِ الكتابِ واعتقدوا صحتَهُ بَمَا شاهدُوا من نصرتهم على أسلافهم كما يشهدُ به أنهم كانوا يسألونهم عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم هلْ هُوَ المذكورُ في كتابِهم وكانوا يغرونَهُم بتغيـيرِ نعوتِه عليهِ السَّلامُ وانفكاكُ الشيءِ أنْ يزايَلَهُ بعدَ التحامِه كالعظمِ إذا انفكَّ من مفصلِه وفيهِ إشارةٌ إلى كمالِ وكادةِ وعدِهم أيْ لم يكُونوا مفارقينَ للوعدِ المذكورِ بلْ كانُوا مجمعينَ عليهِ عازمينَ على إنجازِه {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ} التي كانُوا قد جعلوا إتيانها ميقاتاً لاجتماعِ الكلمةِ والاتفاقِ عَلى الحقِّ فجعلوه ميقاتاً للانفكاكِ والافتراقِ وإخلافِ الوعدِ والتعبـيرُ عن إتيانِها بصيغةِ المضارعِ باعتبارِ حالِ المحكيِّ لا باعتبارِ حالِ الحكايةِ كما في قولِه تعالَى: { أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيـٰطِينِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 102] أي تلتْ وقولُه تعالى: {رَّسُولٌ} بدلٌ منَ البـينةِ عبرَ عنه عليهِ السَّلامُ بالبـينةِ للإيذانِ بغاية ظهورِ أمرِهِ وكونِه ذلكَ الموعودَ في الكتابـينِ وقولُه تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بمضمرٍ هو صفةٌ لرسولٍ مؤكدٍ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي رسولٌ وأيُّ رسولٍ كائنٌ منْهُ وقولُه تعالى: {يَتْلُو} صفة أخرى أو حال من الضمير في متعلق الجارِّ {صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} أيْ منزهةً عنِ الباطلِ لا يأتيه الباطلُ من بـينِ يديهِ ولا منْ خلقِهِ أو من أنْ يمسَّهُ غيرُ المطهرينَ ونسبةُ تلاوتِها إليه عليهِ السلامُ منْ حيثُ إنَّ تلاوةَ مَا فيها بمنزلةِ تلاوتِها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. "منفكين": مُنْتَهين عن كفرهم حتى تأتيهم البيِّنة: وهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لم يزالوا مجتمعين عَلَى تصديقه؛ لِمَا وَجَدوه في كُتُبهم إلى أنْ بَعَثَه الله تعالى. فلمّا بَعَثَه حسدوه وكفروا. {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. أي حتى يأتيهم رسول من الله يقرأ كُتُباً مُطَهَّرَةً عن تبديل الكفار. {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}: مستوية ليس فيها اعوجاج. قوله جلّ ذكره: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. يعني: القرآن. قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}. {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي موحِّدين لا يُشرِكون بالله شيئاً؛ فالإخلاصُ أَلاَّ يكونَ شيءٌ من حركاتك وسَكَنَاتك إلاَّ لله. ويقال: الإخلاصُ تصفيةُ العملِ من الخَلَلِ. "حنفاء": مائلين إلى الحقِّ، عادلين عن الباطل. {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ... وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}: أي دينُ الملَّةِ القيمة، والأمة القيِّمة، والشريعة القيِّمة.

البقلي

تفسير : وصف الله النفس الامارة واعوانه من الشياطين انها عارضت بينات كاشف الملكوت للارواح والقلوب والعقول واشد انكار من عاين البينة.

اسماعيل حقي

تفسير : {لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب} اى اليهود والنصارى وايراد الصلة فعلا لما أن كفرهم حادث بعد انبيائهم {والمشركين} اى عبدة الاصنام ومن للتبيين لا للتبعيض حتى لا يلزم ان لا يكون بعض المشركين كافرين وذلك أن الكفار كانوا جنسين اهل الكتاب كفرق اليهود والنصارى والمشركين وهم الذين كانوا لا ينسبون الى كتاب فذكر الله الجنسين بقوله الذين كفروا على الاجمال ثم اردف ذلك الاجمال بالتفصيل والتبيين وهو قوله من اهل الكتاب والمشركين وهو حال من الواو فى كفروا اى كائنين منهم {منفكين} خبر كان اى عما كانوا عليه من الوعيد باتباع الحق والايمان بالرسول المبعوث فى آخر الزمان والعزم على انجازه وهذا الوعد من اهل الكتاب مما لا ريب فيه حتى أنهم كانوا يستفتحون ويقولون اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبى المبعوث فى آخر الزمان ويقولون لاعدآئهم من المشركين قد اظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وارم واما من المشركين فلعله قد وقع من متأخريهم بعدما شاع ذلك من اهل الكتاب واعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصرتهم على اسلافهم كما يشهد به أنهم كانوا يسألونهم عن رسول الله هل هو المذكور فى كتبهم وكانوا يغرونهم بتغيير نعوته وانفكاك الشئ من الشئ أن يزايله بعد التحامة كالعظم اذا انفك من مفصله وفيه اشارة الى كمال وكادة وعدهم اى لم يكونوا مفارقين للوعد المذكور بل كانوا مجمعين عليه عازمين على انجازه {حتى تأتيهم البينة} التى كانوا قد جعلوا اتيانها ميقاتا لاجتماع الكلمة والاتفاق على الحق فجعلوه ميقاتا للانفكاك والافتراق واخلاق الوعد والتعبير عن اتيانها بالمضارع باعتبار حال المحكى لا الحكاية والبينة الحجة والواضحة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لم يكن الذين كفروا} أي: بالرسول وبما أنزل عليه {من أهل الكتاب} اليهود والنصارى، {والمشركين}؛ عبَدة الأصنام {منفكِّين} منفصلين عن الكفر، وحذف لأنَّ صلة "الذين" يدل عليه، {حتى تأتِيَهم البَيِّنَةُ} الحجة الواضحة، وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلمّا بُعِثَ أسلم بعض, وثبت على الكفر بعض. أو: لم يكونوا منفكين، أي: زائلين عن دينهم حتى تأتيَهم البَينة ببطلان ما هم عليه، فتقوم الحجة عليهم. أو: لم يكونوا لينفصلوا عن الدنيا حتى بَعَثَ اللهُ محمداً فقامت عليهم الحجة، وإلاّ لقالوا: {أية : لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً...}تفسير : [طه:134] الآية. وتلك البينة هي {رسولٌ من الله} أي: محمد صلى الله عليه وسلم وهو بدل من "البينة" {يتلو} يقرأ عليهم {صُحفاً} كتباً {مُطَهَّرةً} من الباطل والزور والكذب، والمراد: يتلو ما يتضمنه المكتوب في الصحف، وهو القرآن، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه، ولم يكن يقرأ مكتوباً؛ لأنه كان أُميًّا لا يكتب ولا يقرأ الصحف، ولكنه لَمَّا كان تالياً معنى ما في الصُحف فكأنه قد تلى الصُحف. ثم بيّن ما في الصُحف، فقال: {فيها} أي: في الصُحف {كُتب قَيِّمةٌ} مستقيمة ناطقةٌ بالحق والعدل. ولَمّا كان القرآن جامعاً لِما في الكتب المتقدمة صدق أنَّ فيه كُتباً قيمة. {وما تَفَرَّقَ الذين أُوتوا الكتاب إِلاَّ مِن بعد ما جاءتهم البينةٌ} أي: وما اختلفوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلاَّ مِن بعد ما عَلِموا أنه حق، فمنهم مَن أنكر حسداً، ومنهم مَن آمن. وإنّما أفرد أهل الكتاب بعدما جمع إولاً بينهم وبين المشركين؛ لأنهم كانوا على علمٍ به؛ لوجوده في كتبهم، فإذا وُصفوا بالتفرُّق عنه كان مَن لا كتاب له أدخل في هذا. وقيل: المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، أي: منفصلين عن معرفة نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى بعثه الله. {وما أُمروا إِلاَّ ليعبدوا اللهَ} أي: ما أُمروا في التوراة والإنجيل إلاّ لأجل أن يعبدوا الله وحده من غير شرك ولا نفاق، ولكنهم حرّفوا وبدّلوا. وقيل: اللام بمعنى "أن" أي: إلاّ بأن يعبدوا الله {مخلصين له الدينَ} أي: جاعلين دينَهم خالصاً له تعالى، أو: جاعلين أنفسهم خالصة له في الدين. قال ابن جُزي: استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد؛ لأنَّ الإخلاص هنا يُراد به التوحيد وترك الشرك، أو ترك الرياء. انظر كلامه، وسيأتي بعضه في الإشارة. {حنفاءَ} مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام، {ويُقيموا الصلاةَ ويُؤتوا الزكاةَ} إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة، فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أمرهم بالدخول في شريعتنا، {وذلك دِينُ القيِّمة} أي: الملة المستقيمة. والإشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعُلو رتبته وبُعد منزلته. الإشارة: لم يكن الذين جحدوا وجودَ أهل الخصوصية من العلماء والجهّال منفكين عن ذلك حتى جاءتهم الحُجة القائمة عليهم، وهو ظهور شيخ التربية خليفة الرسول، يتلو كتابَ الله العزيز على ما ينبغي, وما تَفَرَّقوا في التصديق إلاّ بعد ظهوره. وما أُمروا إلاّ بالإخلاص وتطهير سرائرهم، وهو لا يتأتى إلاّ بصُحبته. وتكلم ابنُ جزي هنا على الإخلاص، فقال: اعلم أنَّ الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات؛ فأمّا المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن: خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها أُخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص، وإن كانت لغير وجه الله من طلب منفعة دنيوية أو مدح أو غير ذلك، فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة؛ ففي ذلك تفصيل، فيه نظر واحتمال. قلت: وقد تقدّم كلام الغزالي في سورة البقرة عند قوله: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [البقرة:198]، وحاصله: أنَّ الحكم للغالب وقوة الباعث. انظر لفظه. ثم قال ابن جزي: وأمَّا المنهيات فإنْ تَرَكها دون نية خرج عن عهدتها ولم يكن له أجر في تركها، وإن تركها بنية وجه الله خرج عن عهدتها وأُجر. وأمَّا المباحات، كلأكل والشرب، والنوم والجماع وغير ذلك، فإن فَعَلَها بغير نية لم يكن له فيها أجر، وإن فَعَلَها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإنَّ كُلَّ مباح يمكن أن يصير قُربة إذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجِمَاع التعفُّف عن الحرام، وشبه ذلك. هـ. ودرجات الإخلاص ثلاث: الأولى: أن يعبد الله لطلب غرض دنيوي أو أخروي من غير ملاحظة أحد من الخلق، والثانية: أن يعبد الله لطلب الآخرة فقط، والثالثة: أن يعبد الله عبودية ومحبة. ثم بَيّن حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا ـ يعني أهل الكتاب والمشركين ـ فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عامر - في رواية ابن ذكوان {خير البرئية} و {شر البرئية} مهموزتان الباقون بغير همز. من همز جعله من {برأ الله الخلق يبرؤهم} ومنه البارئ ومن لم يهمز يجوز أن يكون خفف. ويجوز أن يكون من البري الذى هو التراب، كما يقال: بغاك من سار إلى القوم البرئ، وروى أبو نشيط من طريق القرطي {لمن خشي ربه} بضم الهاء من غير اشباع. الباقون بضم الهاء، ووصلها بواو في اللفظ. يقول الله تعالى {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} قال الحسن وقتادة معناه لم يكونوا منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة. وقال قوم: معناه لم يكونوا منفكين من كفرهم أي زائلين. وقيل: معناه لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله حتى تأتيهم البينة التى تقوم بها الحجة عليهم وقال الفراء: منعاه لم يكونوا منفكين من حجج الله بصفتهم للنبي صلى الله عليه وآله أنه فى كتابهم وقيل معناه لم يكونوا زائلين من الدنيا، والانفكاك على وجهين: على لا يزال ولا بد لها من خبر وحرف الجحد. ويكون على الانفصال فلا يحتاج إلى خبر ولا حرف جحد، كقولك انفك الشيء من الشيء قال ذو الرمة: شعر : قلايص ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو يرمى بها بلداً قفرا تفسير : فجعله الفراء من (انفك الشيء من الشيء) وجعله غيره من {ما يزال} إلا أنه ضرورة. والانفكاك إنفصال عن شدة اجتماع. واكثر ما يستعمل ذلك فى النفي كما أن (ما زال) كذلك تقول: ما انفك من هذا الأمر أي ما انفصل منه لشدة ملابسته له. والمعني أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ومن المشركين يعني عباد الاصنام لا يفارقون الكفر إلى أن تأتيهم البينة يعني الحجج الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، وهي من البينونة. وفصل الشيء من غيره فالنبي صلى الله عليه وآله حجة وبينة، وإقامة الشهادة العادلة بينة، وكل برهان ودلالة فهو بينة، وقوله {رسول من الله} هو بيان تلك البينة، بينها بأنه رسول من قبل الله يتلو عليهم صحفاً مطهرة، يعني فى السماء لا يمسها إلا الملائكة المطهرون من الانجاس وقوله {فيها كتب قيمة} معناه في تلك الصحف كتب جمع كتاب {قيمة} فالقيمة المستمرة في جهة الصواب، فهو على وزن (فيعلة) من قام الأمر يقوم به إذا أجراه في جهة الاستقامة. وقال قتادة: صحفاً مطهرة يعني من الباطل وهو القرآن يذكره بأحسن الذكر ويثني عليه بأحسن الثناء. وقوله {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائتهم البينة} اخبار من الله تعالى أن هؤلاء الكفار لم يختلفوا في نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانهم مجمعين على نبوته بما وجدوه في كتبهم من صفاته، فلما أتاهم بالبينة الظاهرة والمعجزة القاهرة، تفرقوا واختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن الكفار خلقوا كفاراً فى بطون إمهاتهم، لأنه تعالى بين أنهم لم يختلفوا فى ذلك قبل مجيء معجزاته وأدلته، ولا يلزم على ذلك أن يكون مجيء الآيات مفسدة من حيث وقع الفساد عندها، لانه ليس حد المفسدة ما يقع عنده الفساد، بل حده ما يقع عنده الفساد ولولاه لم يقع، من غير أن يكون تمكيناً، وها هنا المعجزات تمكين فلم يكن مفسدة. ثم قال تعالى {وما أمروا} أي لم يأمرهم الله تعالى {إلا ليعبدوا الله} وحده ولا يشركوا بعبادته غيره {مخلصين له الدين} لا يخلطون بعبادته عبادة سواه. وقوله {حنفاء} جمع حنيف، وهو المائل إلى الحق، والحنفية الشريعة المائلة إلى الحق، وأصله الميل، ومن ذلك الاحنف: المائل القدم إلى جهة القدم الاخرى. وقيل: أصله الاستقامة، وإنما قيل للمائل القدم أحنف على وجه التفاؤل، وقوله {ويقيموا الصلاة} أي يدوموا عليها ويقوموا بحددوها {ويؤتوا الزكاة} المفروضة من أموالهم. ثم قال {وذلك دين القيمة} أي ذلك الذي تقدم ذكره دين القيمة وتقديره ذلك دين الملة القيمة والشريعة القيمة. وقوله {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} دليل على فساد مذهب المجبرة: ان الله خلق الكفار ليكفروا به، لانه صرح ها هنا أنه خلقهم ليعبدوه. وليس فى الآية دلالة على أن أفعال الجوارح من الايمان، ولا من الدين، لأنه يجوز أن يكون المراد {وذلك} إشارة إلى الدين، وتقديره والدين بذلك هو دين القيمة، لأن من لا يعتقد جميع ذلك ويؤمن بجميع ما يجب عليه فليس بمسلم. وقد تقدم قوله {مخلصين له الدين} ثم قال {وذلك} يعني وذلك الدين {دين القيمة} وليس يلزم أن يكون راجعاً إلى جميع ما تقدم، كما لا يلزم على مذهبهم فى قوله {أية : ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}تفسير : أن يكون راجعاً إلى الشرك، وقتل النفس والزنا، بل عندهم يرجع إلى كل واحد من ذلك، فكذلك - ها هنا - وقد أستوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب الاصول. وفي الآية دلالة على وجوب النية في الطهارة، لأنه بين تعالى أنه أمرهم بالعبادة على الاخلاص، ولا يمكن ذلك إلا بالنية والقربة، والطهارة عبادة لقوله صلى الله عليه وآله "حديث : الوضوء شطر الايمان"تفسير : وما هو شطر الايمان لا يكون إلا عبادة. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار والمشركين فقال {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} يعني من جحد توحيد الله وأنكر نبوة نبيه وأشرك معه إلهاً آخر في العبادة {في نار جهنم} معاقبين فيها جزاء على كفرهم {خالدين فيها} أي مؤبدين لا يفنى عقابهم. ثم قال {أولئك هم شر البرية} أي شر الخليقة، والبرية (فعيلة) من برأ الله الخلق إلا أنه ترك فيهما الهمز، ومن همز فعلى الاصل. ويجوز أن يكون (فعيلة) من البري وهو التراب. ثم أخبر عن حال المؤمنين فقال {إن الذين آمنوا} بالله وأقروا بتوحيده واعترفوا بنبوة نبيه {وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} أي هم أحسنهم حالة. وإنما أطلق بأنهم خير البرية، لان البرية هم الخلق، ولا يخلوا أن لا يكونوا مكلفين، فالمؤمن خير منهم لا محالة. وإن كانوا مكلفين: فاما أن يكونوا مؤمنين أو كافرين أو مستضعفين، فالمؤمن خيرهم أيضاً لامحالة بما معه من الثواب. وقوله {جزاءهم عند ربهم} يعني جزاء إيمانهم وطاعاتهم عند الله يوفيهم الله يوم القيامة. ثم فسر ذلك الجزاء فقال {جنات عدن} أي بساتين إقامة {خالدين فيها} أى مؤبدين فيها {أبداً رضي الله عنهم} أي رضي أفعالهم {ورضوا عنه} بما فعل بهم من الثواب. والرضا هو الارادة، إلا أنها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتعقبها كراهية، فتسمى حينئذ رضا، فأما الارادة لما يقع في الحال او فيما يفعل بعد، فلا تسمى رضا، فرضى الله عن العباد إرادته منهم الطاعات التي فعلوها، ورضاهم عنه إرادتهم الثواب الذى فعله بهم، ثم قال {ذلك لمن خشي ربه} أي ذلك الرضا والثواب والخلود في الجنة لمن خاف الله فترك معاصيه وفعل طاعاته.

الجنابذي

تفسير : {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} اى اليهود والنّصارى فانّهم كانوا معروفين بهذا الاسم {وَٱلْمُشْرِكِينَ} عبدة الاصنام او عبدة الاصنام وغيرهم من اصناف المشركين، وسمّى اهل الكتاب كافرين لانّهم ستروا الدّين والطّريق الى الله، وستروا الحقّ بحسب صفاته وان كانوا اقرّوا بالتّوحيد {مُنفَكِّينَ} اى لم يكونوا متفرّقين بان يكون بعضهم على الحقّ وبعضهم على الباطل بل كان جميعهم على الباطل مجتمعين فيه او منفكّين عن دينهم او عن الوعد باتّباع الحقّ اذا جاءهم محمّد (ص) او عن الاقرار بمحمّدٍ (ص) ورسالته او عن الحجج والبراهين {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} المراد بالبيّنة الرّسول (ص) او رسالته او معجزاته، واستقبال تأتيهم بالنّسبة الى قوله لم يكن والاّ فهو على المضىّ.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي] معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخير لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما لم يقله لأحد قال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} [أنت وشيعتك يا علي خير البرية]. فعلي والله خير البرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فرات قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم العطار [وجعفر بن محمد الفزاري وأحمد بن الحسن بن صبيح قالوا: حدثنا محمد بن مروان عن عامر السراج قال: حدثني عمرو بن شمر عن جابر. ش]: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث : [(إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ش] أولئك هم خير البرية) أنت وشيعتك يا علي . تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [قال: حدثنا سعيد بن عثمان قال:حدثنا عمرو بن شمر عن جابر. ش]. عن أبي جعفر عليه السلام أن [ش: عن] النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حديث : يا [ش: هيا] علي {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} أنت وشيعتك ترد عليّ أنت وشيعتك راضين مرضيين . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي [قال: حدثنا الحسن بن الحسين قال: حدثنا شداد الجعفي عن جابر. ش]: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي الآية التي أنزلها الله [تعالى. أ] {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} هم أنت وشيعتك يا علي . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر [بن محمد بن سعيد الأحمسي قال: حدثنا الحسن بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن مساور عن إسرائيل عن جابر بن يزيد الجعفي. ش]: عن أبي جعفر [محمد بن علي عليهما السلام. ش] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [لعلي من الخير ما لم يقله لأحد قال الله (أ: النبي). ن] [{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ش] أولئك هم خير البرية} هم أنت وشيعتك يا علي. فرات بن إبراهيم قال: حدثني سعيد بن الحسن قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد قال: حدثنا يوسف عن خالد عن حفص بن عمر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: وعن ثور عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} قالا [ن: قال]: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ما يختلف فيها أحد. فرات قال: حدثني [ش: ثنا] أحمد بن عيسى بن هارون [قال: حدثني علي بن أحمد بن عيسى بن سويد القرشي الباني! قال: حدثنا سليمان بن محمد البصري ويعرف بابن أبي فاطمة قال: حدثنا جابر بن إسحاق البصري عن أحمد بن محمد بن ربيعة ويعرف بابن عجلان مولى علي بن أبي طالب عن (عبد الله) بن لهيعة عن أبي الزبير. ش]: حديث : عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلما نظر إليه النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] قال: قد أتاكم أخي. ثم التفت إلى الكعبة قال: ورب هذه البنيّة إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة. ثم أقبل علينا بوجهه فقال: أما والله إنه أولكم إيماناً بالله وأقومكم لأمر [ش: بأمر] الله وأوفاكم بعهد الله وأقضاكم بحكم الله وأقسمكم بالسوية وأعدلكم في الرعية وأعظمكم عند الله مزية [ن: منزلة] . تفسير : قال جابر: فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} فكان علي عليه السلام إذا أقبل قال أصحاب محمد [ن: أصحابه]: قد أتاكم خير البرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه لفاطمة [عليها السلام. ب، ر]: بأبي أنت وأمي أرسلي إلى بعلك فادعيه لي. فقالت فاطمة للحسن [عليه السلام. ب]: انطلق إلى أبيك فقل يدعوك جدي. قال: فانطلق إليه الحسن فدعاه فأقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وفاطمة عليها السلام عنده وهي تقول: واكرباه لكربك يا ابتاه. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا كرب لأبيك بعد اليوم يا فاطمة إن النبي لا يشق عليه الجيب ولا يخمش عليه الوجه ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان وقد يوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ولو عاش إبراهيم لكان نبياً!!!! ثم قال: يا علي ادن مني فدنا منه فقال: ادخل أذنك في فيّ. ففعل وقال: يا أخي ألم تسمع قول الله في كتابه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية}؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: هو أنت وشيعتك غرّ محجلون! شباع مرويين أولم تسمع قول الله في كتابه: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم خالدين فيها أولئك هم شرّ البريّة}؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: هم عدوك [ع:أعداؤك] وشيعتهم يجيئون يوم القيامة [مسودة وجوههم.ع] ظماء مظمئين أشقياء معذبين كفار منافقين، ذلك لك ولشيعتك، وهذا لعدوك ولشيعتهم . تفسير : وهكذا روى جابر الأنصاري رضي الله عنه! فرات قال: حدثني علي بن محمد الزهري معنعناً: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : لمّا أسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى سمعت وهبت منها ريح بقتها فقلت لجبرئيل عليه السلام: ما هذا؟ فقال: هذه سدرة المنتهى اشتاقت إلى ابن عمك حين نظرت إليك فسمعت منادياً ينادي من عند ربي: محمد خير الأنبياء وأمير المؤمنين علي خير الأولياء [ب: الأوصياء] وأهل ولايته خير البريّة {جزاؤهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله} عن علي وأهل ولايته [أ: بيته] هم المخصوصون برحمة الله الملبسون نور الله المقربون إلى الله طوبى لهم ثم طوبى لهم يغبطهم الخلائق يوم القيامة بمنزلتهم عند ربهم .

الأعقم

تفسير : "ومن قرأ سورة {لم يكن} كان يوم القيامة مع خير البرية مساءً ومقيلاً" عن أبي الدرداء عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) انه قال: "حديث : لو يعلم الناس ما في هذه السورة {لم يكن الذين كفروا} لعطلوا الأهل والمال وتعلموها ". تفسير : كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان يقولون قبل بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لا تنفك عما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والانجيل وهو محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولون ثم قال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذ جاءهم الرسول طوبى مما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر الا في الرسول، وهو محمد سماه نبياً لما معه من البينات نحو القرآن وسائر المعجزات، ثم فسّر البينة فقال: {رسول من الله} متعلقا {يتلو} عليهم {صحفاً} جمع صحيفة، وقيل: الصحف المطهرة في السماء، وقيل: هو القرآن لأنه مثبت في اللوح المحفوظ {فيها كتب قيمة} أي عادلة، وقيل: مستقيمة {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} ثم تفرقوا في الدين، ولم يختلفوا إلاّ من بعد ما جاءتهم الحجة، وقيل: كانوا مجتمعين على نبوة محمد فلما بعث محمداً تفرقوا من بعضهم وكفر بعضهم {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} مايلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، وقيل: مستقيمين {ويقيموا الصلاة} ويديمونها بأركانها {ويؤتوا الزكاة} المفروضة {وذلك} يعني ما ذكر {دين القيّمة} ذلك الدّين المستقيم {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} عطف المشركين على الذين كفروا {في نار جهنم خالدين فيها} أي دائمين {أولئك هم شر البرية} أي شر الخلق {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} أي خير الخليقة {جزآؤهم عند ربهم جنات عدنٍ} اقامة {تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت أبنيتها وأشجارها {خالدين فيها أبداً} أي دائمين لا ينقطع {رضي الله عنهم} بما قدموا من الطاعات وقيل: رضي أعمالهم ورضوا بما جازاهم من النعم والثواب، وقيل: رضي الله عنهم حيث وحدوه ونزهوه عن القبائح وأطاعوه {ورضوا عنه} حيث فعل لهم ما رجوا من فضله وخيره {ذلك لمن خشي ربه} عقابه فأطاعه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة لم يكن وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} أي: ومن المشركين {مُنفَكِّينَ} أي: منتهين عن كفرهم {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللهِ} يعني محمداً عليه السلام {يَتْلُواْ صُحُفاً} يعني القرآن {مُّطَهَّرَةً} أي: من الشرك والكفر، كقوله تعالى: (أية : فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) تفسير : [عبس:13-16] {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [أي: مستقيمة لا عوج فيها]، يعني التي جاءت بها الأنبياء، وهي من الصحف المطهرة التي عند الله. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: حديث : أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة في السماء فما لهم لا يؤمنون. قال: أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون ينزل عليهم الوحي فما لهم لا يؤمنون. قال: أي الخلائق أعجب إيماناً؟ قالوا: أصحابك. قال: أصحابي يرونني ويسمعون كلامي فما لهم لا يؤمنون. قال: أعجب الخلائق إيماناً قوم يأتون من بعدكم فيجدون كتاباً في رَق فيؤمنون به . تفسير : ذكروا عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم .

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} اليهود والنصارى ومن للبيان وكفرهم كفر شرك فإنهم ألحدوا في صفات الله وقول اليهود عزير ابن الله وتشبه الله بخلقه وقول النصارى المسيح ابن الله وثالث ثلاثة ومن كفر بنبي مشرك شرك جحود وهم كفروا بنبينا صلى الله عليه وسلم وزعم من زعم أنهم منافقون. *{وَالْمُشْرِكِينَ} عبدة الأوثان، وقرأ ابن مسعود لم يكن المشركون وأهل الكتاب *{مُنفَكِّينَ} منتهين وزائلين عن كفرهم وشركهم وهو من الإنفكاك التام لا الناقص ويجوز أن يكون ناقصا فيقدر له خبر أي منفكين كافرين ومشركين وزعم بعضهم أنه لا مدخل للناقص هنا، ويجوز تقدير منفكين عن الوعد بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم أو منفكين واعدين. *{حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} رسول الله صلى الله عليه وسلم أو القرآن فإنهما مبينان للحق أو معجزة الرسول ومعجزته هي الإقحام به.

اطفيش

تفسير : {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ} اليهود والنصارى عبر عنهم أهل الكتاب تشنيعا عليهم أن الله عز وجل أنعم عليهم بكتبه فخالفوها وكفروا بها تارة صراحاً وتارة ضمناً وبما فيها من ذكر رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه القرآن الكريم وأشركوا بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله وأنه إله، وألحدوا أيضاً فى صفات الله وإيراد الصلة فعلاً وفاعلاً إذ لم يقل لم يكن الكافرون من أهل الكتاب باسم الفاعل الدال على الثبوت لأن كفرهم حادث بعد أنبيائهم ومن للتبعيض لأَن منهم من لم يكفر وعد منهم الملكانية من النصارى فقيل إنهم على الحق بعد بعثه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ أن كفروا به - صلى الله عليه وسلم - قيل ولو جعلنا من للبيان أى لم يكن الذين كفروا وهم أهل الكتاب لزم أنهم مشركون قلنا هى للبيان وكلهم مشركون إذ كفروا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فإن وجد شاذاً وحدث كعبد الله بن سلام فليس الكلام فيه، وعن ابن عباس المراد بأَهل الكتاب من أعمال المدينة قريظة والنضير وقينقاع. {وَالْمُشْرِكينَ} بعبادة الأصنام أو غيرها كالنجوم والبقر أو إنكار الله أو بعدم معرفته أو بإنكار نبى أو كتاب أو بعضه، وعن ابن عباس كفار مكة والمدينة ومن حولهما من العرب والعطف على أهل الكتاب ولو كانت من للتبعيض ولا يلزم التبعيض فى المشركين لأن المعنى بعض أهل الكتاب وكل المشركين، وقيل المراد بهم أهل الكتاب تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذات كأنه قيل لم يكن الذين كفروا المتصفون بأنهم أهل كتاب وبأنهم مشركون قلنا هذا خلاف الأَصل إنما يرتكب لداع صحيح ولأن التأسيس المحض أولى من التكرير وما يلتحق به. {مُنفَكِينَ} عن الكفر مفارقين للكفر ومنفكين اسم فاعل انفك الذى لا خبر له ولا دليل ولا داعى إلى جعلها ذات خبر محذوف أى واعدين اتباع الحق والحذف خلاف الأصل وخبر باب كان لا يحذف فى السعة. {حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ} قيل متعلق بمنفكين والظاهر أن يتعلق بلم أى انتفى انفكاكهم إلى إتيان البينة والبينة الحجة سمى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبالغة كأَن ذاته نفس الحجة مع أن الحجة ما ينطق به لسانه عن الله تعالى، أو يقدر ذو البينة، وقيل البينة وصف بمعنى المبين للحق ولا يعرف أن البينة بمعنى المبين ولو صح لكانت التاءِ للمبالغة وليس هذا مما تقاس فيه تاءَ المبالغة، أو البينة القرآن لأَنه مبين للحق ولأَنه كبينة المدعى أى شهوده فيكون رسول بدل اشتمال أو كل على حذف مضاف أى كتاب رسول الله أو بينة رسول أو موحى رسول أو خبراً لمحذوف أى هو رسول أى القرآن أى كتاب رسول أو بينة رسول أو موحى رسول أو معنى الآية أنهم لا يزالون عن الكفر ويتصل كفرهم بمجىء الرسول وليس المراد أن كفرهم ينتهى إذا جاءَتهم البينة ولما جاءَ كان الحق أن يزولوا عن الكفر ولم يزولوا بل ازدادوا كفراً وتفرقوا فيه فكل طائفة تكفر به نوع كفر وما تفرقوا هذا التفرق قبل مجيئه لأَن كفرهم قبل مجيئه ليس كفراً فيه - صلى الله عليه وسلم - وذلك شامل لقول اليهود المذكور وشامل لقول المشركين من قريش ومن يتصل بهم إنا ندوم على ما نحن عليه حتى يجىء نبى آخر الزمان كما تقول اليهود أنه يجىء وكما يقول ورقه وزيد ابن نفيل وغيرهما أنه يجىء من قريش بل من بنى هاشم بل من بنى عبد المطلب وكما سمى جماعة أبناءهم محمداً رجاءَ أن يكونوه وانتشر ذلك فيهم ولما جاءَ تفرقوا فيه بأنواع الكفر والحاصل أنه ما فرقهم عن الحق الذى انتظروه ولا أقرهم على الباطل والكفر إلاَّ مجىء الرسول الذى انتظروه أن يؤمنوا به وهذا لإفادته أولى من أن يقال طوى حال المشركين لعلمه بالأُولى من حال اليهود، وأما حال النصارى وقد شملهم لفظ أوتوا الكتاب فهو مثل حال اليهود سواء فاجتماعهم وافتراقهم واحد، وقيل معنى الآية ما تفرق الذين أوتوا الكتاب فآمن بعض وعاند بعض مع علمه الحق إلاَّ من بعد ما جاءَتهم البينة.

الالوسي

تفسير : {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي اليهود والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان قيل لإعظام شناعة كفرهم وقيل للإشعار بعلة ما نسب إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له في كتابهم وهو مبني على وجه يأتي إن شاء الله تعالى في الآية بعد. وإيراد الصلة فعلاً لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم عليهم السلام بالإلحاد في صفات الله عز وجل. و(مِنْ) للتبعيض كما قال علم الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي في «التأويلات» لا للتبيين لأن منهم من لم يكفر بعد نبيه وكان على الاعتقاد الحق حتى توفاه الله تعالى وعد من ذلك الملكانية من النصارى فقيل إنهم كانوا على الحق قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث والظاهر خلافه وأيد إرادة التبعيض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بأهل الكتاب اليهود الذين كانوا بأطراف المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع. وقال بعض لا نسلم أن التبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث لجواز أن يكون التعبير عنهم بالذين كفروا باعتبار حالهم بعد البعثة كأنه قيل لم يكن هؤلاء الكفرة وبينوا بأهل الكتاب {وَٱلْمُشْرِكِينَ } وهم من اعتقدوا لله سبحانه شريكاً، صنماً أو غيره وخصهم بعض بعبدة الأصنام لأن مشركي العرب الذين بمكة والمدينة وما حولهما كانوا كذلك وهم المقصودون هنا على ما روي عن الحبر. وأياً ما كان فالعطف على (أهل الكتاب) ولا يلزم على التبعيض أن لا يكون بعضهم كافرين ليجب العدول عنه للتبيين لأنهم بعض من المجموع كما أفاده بعض الأجلة واحتمال أن يراد بالمشركين أهل الكتاب وشركهم لقولهم المسيح ابن الله وعزير ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً والعطف لمغايرة العنوان ليس بشيء. وقرىء (والمشركون) بالرفع عطفاً على الموصول وحمل قراءة الجمهور على / ذلك واعتبار أن الجر للجوار لا يخفى حاله والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير {كَفَرُواْ}. وقوله تعالى: {مُنفَكّينَ } خبر {يَكُنْ} والانفكاك في الأصل افتراق الأمور الملتحمة بنوع مزايلة وأريد به المفارقة لما كانوا عليه مما ستعرفه إن شاء الله تعالى فالوصف اسم فاعل من انفك التامة دون الناقصة الداخلة على المبتدأ والخبر، وزعم بعض النحاة أنه وصف منها والخبر محذوف أي واعدين اتباع الحق أو نحوه وتعقب مع كونه خلاف الظاهر بأن خبر كان وأخواتها لا يجوز حذفه في السعة لا اقتصاراً ولا اختصاراً وحين ليس مجير أي في الدنيا ضرورة. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } متعلق بمنفكين والبينة صفة بمعنى اسم الفاعل أي المبين للحق أو هي بمعناها المعروف وهو الحجة المثبتة للمدعي ويراد بها المعجز وعلى الوجهين.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة معدودة في المصحف وفي أكثر الروايات أنها مدنية. وقد وردت بعض الروايات بمكيتها. ومع رجحان مدنيتها من ناحية الرواية، ومن ناحية أسلوب التعبير التقريري، فإن كونها مكية لا يمكن استبعاده. وذكر الزكاة فيها وذكر أهل الكتاب لا يعتبر قرينة مانعة. فقد ورد ذكر أهل الكتاب في بعض السور المقطوع بمكيتها. وكان في مكة بعض أهل الكتاب الذين آمنوا، وبعضهم لم يؤمنوا. كما أن نصارى نجران وفدوا على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة وآمنوا كما هو معروف. وورد ذكر الزكاة كذلك في سور مكية. والسورة تعرض عدة حقائق تاريخية وإيمانية في أسلوب تقريري هو الذي يرجح أنها مدنية إلى جانب الروايات القائلة بهذا. والحقيقة الأولى هي أن بعثة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة}.. والحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهالة ولا عن غموض فيه، إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم وجاءتهم البينة: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}. والحقيقة الثالثة: أن الدين في أصله واحد، وقواعده بسيطة واضحة، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة}. والحقيقة الرابعة: أن الذين كفروا بعد ما جاءتهم البينة هم شر البرية، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية. ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافاً بيناً: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ. أولـئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك هم خير البرية، جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضى الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه}.. وهذه الحقائق الأربع ذات قيمة في إدراك دور العقيدة الإسلامية ودور الرسالة الأخيرة. وفي التصور الإيماني كذلك. نفصلها فيما يلي: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة}. لقد كانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة. كان الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة، ومنهج جديد، وحركة جديدة. وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعاً سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها، أو المشركين في الجزيرة العربية وفي خارجها سواء. وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة فاصلة: {رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة}.. مطهرة من الشرك والكفر {فيها كتب قيمة}.. والكتاب يطلق على الموضوع، كما يقال كتاب الطهارة وكتاب الصلاة، وكتاب القدر، وكتاب القيامة، وهذه الصحف المطهرة ـ وهي هذا القرآن ـ فيها كتب قيمة أي موضوعات وحقائق قيمة.. ومن ثم جاءت هذه الرسالة في إبانها، وجاء هذا الرسول في وقته، وجاءت هذه الصحف وما فيها من كتب وحقائق وموضوعات لتحدث في الأرض كلها حدثاً لا تصلح الأرض إلا به. فأما كيف كانت الأرض في حاجة إلى هذه الرسالة وإلى هذا الرسول فنكتفي في بيانه باقتطاف لمحات كاشفة من الكتاب القيم كتبه الرجل المسلم "السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي" بعنوان: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين".. وهو أوضح وأخصر ما قرأناه في موضوعه: جاء في الفصل الأول من الباب الأول: كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف. فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون. وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها. وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح. وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدها، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب، فضلاً عن البيوت، فضلاً عن البلاد. وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا بالأديرة والكنائس والخلوات فراراً بدينهم من الفتن، وضناً بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكون، فراراً من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة، والروح والمادة؛ ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل.. "أصبحت الديانات العظيمة فريسة العابثين والمتلاعبين؛ ولعبة المجرمين والمنافقين، حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها؛ وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام وعسف الحكام، وشغلت بنفسها لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعاً صافياً من الدين السماوي، ولا نظاماً ثابتاً من الحكم البشري".. هذه اللمحة السريعة تصور في إجمال حالة البشرية والديانات قبيل البعثة المحمدية. وقد أشار القرآن إلى مظاهر الكفر الذي شمل أهل الكتاب والمشركين في مواضع شتى.. من ذلك قوله عن اليهود والنصارى: {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابن الله}.. {أية : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء }.. تفسير : وقوله عن اليهود: {أية : وقالت اليهود: يد الله مغلولة. غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }.. تفسير : وقوله عن النصارى:{أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم} {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة } تفسير : وقوله عن المشركين:{أية : قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم؛ ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين}.. تفسير : وغيرهما كثير.. وكان وراء هذا الكفر ما وراءه من الشر والانحطاط والشقاق والخراب الذي عم أرجاء الأرض.. "وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء". ومن ثم اقتضت رحمة الله بالبشرية إرسال رسول من عنده يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة. وما كان الذين كفروا من المشركين ومن الذين أوتوا الكتاب ليتحولوا عن ذلك الشر والفساد إلا ببعثة هذا الرسول المنقذ الهادي المبين.. ولما قرر هذه الحقيقة في مطلع السورة عاد يقرر أن أهل الكتاب خاصة لم يتفرقوا ويختلفوا في دينهم عن جهل أو عن غموض في الدين أو تعقيد. إنما هم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينة من دينهم على أيدي رسلهم: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة}.. وكان أول التفرق والاختلاف ما وقع بين طوائف اليهود قبل بعثة عيسى ـ عليه السلام ـ فقد انقسموا شعباً وأحزاباً. مع أن رسولهم هو موسى ـ عليه السلام ـ وكتابهم هو التوراة. فكانوا طوائف خمسة رئيسية هي طوائف الصدوقيين، والفريسيين، والآسيين، والغلاة، والسامريين.. ولكل طائفة سمة واتجاه. ثم كان التفرق بين اليهود والنصارى، مع أن المسيح ـ عليه السلام ـ هو أحد أنبياء بني إسرائيل وآخرهم، وقد جاء مصدقاً لما بين يديه من التوراة، ومع هذا فقد بلغ الخلاف والشقاق بين اليهود والمسيحيين حد العداء العنيف والحقد الذميم. وحفظ التاريخ من المجازر بين الفريقين ما تقشعر له الأبدان. "وقد تجدد في أوائل القرن السابع من الحوادث ما بغضهم (أي اليهود) إلى المسيحيين وبغض المسيحيين إليهم، وشوه سمعتهم. ففي السنة الأخيرة من حكم فوكاس (610م) أوقع اليهود بالمسيحيين في أنطاكية، فأرسل الأمبراطور قائده "ابنوسوس" ليقضي على ثورتهم، فذهب وأنفذ عمله بقسوة نادرة، فقتل الناس جميعاً قتلاً بالسيف، وشنقاً، وإغراقاً، وإحراقاً، وتعذيباً، ورمياً للوحوش الكاسرة.. وكان ذلك بين اليهود والنصارى مرة بعد مرة، قال المقريزي في كتاب الخطط: "وفي أيام (فوقا) ملك الروم، بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر فخربوا كنائس القدس، وفلسطين وعامة بلاد الشام، وقتلوا النصارى بأجمعهم، وأتوا إلى مصر في طلبهم، وقتلوا منهم أمة كبيرة، وسبوا منهم سبيا لا يدخل تحت حصر. وساعدهم اليهود في محاربة النصارى وتخريب كنائسهم؛ وأقبلوا نحو الفرس من طبرية، وجبل الجليل، وقرية الناصرة ومدينة صور، وبلاد القدس؛ فنالوا من النصارى كل منال وأعظموا النكاية فيهم، وخربوا لهم كنيستين بالقدس،وأحرقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصليب، وأسروا بطرك القدس وكثيراً من أصحابه. إلى أن قال ـ بعد أن ذكر فتح القدس: "فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور، وأرسلوا بقيتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم، فكانت بينهم حرب، اجتمع فيها من اليهود نحو 20 ألفاً وهدموا كنائس النصارى خارج صور. فقوّس النصارى عليهم وكاثروهم فانهزم اليهود هزيمة قبيحة، وقتل منهم كثير. وكان هرقل قد ملك الروم بقسطنطينية، وغلب الفرس بحيلة دبرها على كسرى حتى رحل عنه، ثم سار من قسطنطينية ليمهد ممالك الشام ومصر، ويجدد ما خربه الفرس، فخرج إليه اليهود من طبرية وغيرها، وقدموا لها الهدايا الجليلة وطلبوا منه أن يؤمنهم منه ويحلف لهم على ذلك، فأمنهم وحلف لهم. ثم دخل القدس، وقد تلقاهم النصارى بالأناجيل والصلبان والبخور والشموع المشعلة، فوجد المدينة وكنائسها خراباً، فساءه ذلك، وتوجع لهم، وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنهم كانوا أشد نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياماً كبيراً في قتلهم عن آخرهم، وحثوا هرقل على الوقيعة بهم، وحسنوا له ذلك. فاحتج عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطارقتهم وقسيسوهم بأنه لا حرج عليه في قتلهم، فإنهم عملوا عليه حيلة حتى أمنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنهم يقومون عنه بكفارة يمينه بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كل سنة عنه على مر الزمان والدهور! فمال إلى قولهم وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في مماليك الروم والشام إلا من فر واختفى.. "وبهذه الروايات يعلم ما وصل إليه الفريقان: اليهود والنصارى، من القسوة والضراوة بالدم الإنساني، وتحين الفرص للنكاية في العدو، وعدم مراعاة الحدود في ذلك". ثم كان التفرق والاختلاف بين النصارى أنفسهم، مع أن كتابهم واحد ونبيهم واحد. تفرقوا واختلفوا أولاً في العقيدة. ثم تفرقوا واختلفوا طوائف متعادية متنافرة متقابلة. وقد دارت الخلافات حول طبيعة المسيح ـ عليه السلام ـ وعما إذا كانت لاهوتية أو ناسوتية. وطبيعة أمه مريم. وطبيعة الثالوث الذي يتألف منه "الله"ـ في زعمهم ـ وحكى القرآن قولين منها أو ثلاثة في قوله: {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم }.. {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة} {أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ }. تفسير : "وكان أشد مظاهر هذا الخلاف الديني ما كان بين نصارى الشام والدولة الرومية، وبين نصارى مصر. أو بين "الملكانية"، "المنوفوسية" بلفظ أصح. فكان شعار الملكانية عقيدة ازدواج طبيعة المسيح،وكان المنوفوسيون يعتقدون أن للسيد المسيح طبيعة واحدة هي الإلاهية. التي تلاشت فيها طبيعة المسيح البشرية كقطرة من الخل تقع في بحر عميق لا قرار له. وقد اشتد هذا الخلاف بين الحزبين في القرنين السادس والسابع، حتى صار كأنه حرب عوان بين دينين متنافسين، أو كأنه خلاف بين اليهود والنصارى.. كل طائفة تقول للأخرى: إنها ليست على شيء. "وحاول الإمبراطور هرقل (610 ـ 641) بعد انتصاره على الفرس (سنة 638) جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم بأن يشهدوا بأن الله له إرادة واحدة أو قضاء واحد. وفي صدر عام 631 حصل وفاق على ذلك، وصار المذهب المنوثيلي مذهباً رسمياً للدولة، ومن تضمهم من أتباع الكنيسة المسيحية. وصمم هرقل على إظهار المذهب الجديد على ما عداه من المذاهب المخالفة، متوسلاً إلى ذلك بكل الوسائل. ولكن القبط نابذوه العداء، وتبرأوا من هذه البدعة والتحريف! وصمدوا له واستماتوا في سبيل عقيدتهم القديمة. وحاول الإمبراطور مرة أخرى توحيد المذاهب وحسم الخلاف فاقتنع بأن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة. وأما المسألة الأخرى وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل فأرجأ القول فيه، ومنع الناس أن يخوضوا في مناظراته. وجعل ذلك رسالة رسمية، ذهب بها إلى جميع جهات العالم الشرقي. ولكن الرسالة لم تهدئ العاصفة في مصر، ووقع اضطهاد فظيع على يد قيصر في مصر استمر عشر سنين، ووقع في خلالها ما تقشعر منه الجلود، فرجال كانوا يعذبون ثم يقتلون غرقاً، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض ويوضع السجين في كيس مملوء بالرمل ويرمى في البحر. إلى غير ذلك من الفظائع". وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعاً {من بعد ما جاءتهم البينة}.. فلم يكن ينقصهم العلم والبيان؛ إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف. على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق: عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة: {وذلك دين القيمة}.. عقيدة خالصة في الضمير، وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة.. فمن حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على الإطلاق. دين واحد. وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات، ويتوافى عليها الرسل.. دين لا غموض فيه ولا تعقيد. وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف، وهي بهذه النصاعة، وبهذه البساطة، وبهذا التيسير. فأين هذا من تلك التصورات المعقدة، وذلك الجدل الكثير؟ فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم؛ ثم جاءتهم البينة، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة؛ ويقدم لهم عقيدة، واضحة بسيطة ميسرة، فقد تبين الطريق. ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولـئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولـئك هم خير البرية. جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا. رضى الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه}.. إن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الرسول الأخير؛ وإن الإسلام الذي جاء به هو الرسالة الأخيرة. وقد كانت الرسل تتوالى كلما فسدت الأرض لترد الناس إلى الصلاح. وكانت هناك فرصة بعد فرصة ومهلة بعد مهلة، لمن ينحرفون عن الطريق فأما وقد شاء الله أن يختم الرسالات إلى الأرض بهذه الرسالة الأخيرة الجامعة الشاملة الكاملة، فقد تحددت الفرصة الأخيرة، فإما إيمان فنجاة، وإما كفر فهلاك. ذلك أن الكفر حينئذ دلالة على الشر الذي لا حد له، وأن الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده. {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها. أولئك هم شر البرية} حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال. مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان، بهذه الرسالة الأخيرة، وبهذا الرسول الأخير. لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر مظاهر الصلاح، المقطوعة الاتصال بمنهج الله الثابت القويم. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية}. حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال. ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال. إنه الإيمان. لا مجرد مولد في أرض تدعى الإسلام، أو في بيت يقول: إنه من المسلمين. ولا بمجرد كلمات يتشدق بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة: {وعملوا الصالحات}. وليس هو الكلام الذي لا يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله. فمن كانوا كذلك فهم خير البرية. {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً}.. جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن من الفناء والفوات. والطمأنينة من القلق الذي يعكر وينغص كل طيبات الأرض.. كما يمثله جريان الأنهار من تحتها، وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال! ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم المقيم: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.. هذا الرضا من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم.. وهذا الرضا في نفوسهم عن ربهم. الرضا عن قدره فيهم. والرضا عن إنعامه عليهم. والرضا بهذه الصلة بينه وبينهم. الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص العميق.. إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته.. {رضي الله عنهم ورضوا عنه} حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال! {ذلك لمن خشي ربه}. وذلك هو التوكيد الأخير. التوكيد على أن هذا كله متوقف على صلة القلب بالله، ونوع هذه الصلة، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح، وتنهى عن انحراف.. الشعور الذي يزيح الحواجز، ويرفع الأستار، ويقف القلب عارياً أمام الواحد القهار. والذي يخلص العبادة ويخلص العمل من شوائب الرياء والشرك في كل صورة من صوره. فالذي يخشى ربه حقاً لا يملك أن يُخطر في قلبه ظلاً لغيره من خلقه. وهو يعلم أن الله يرد كل عمل ينظر فيه العبد إلى غيره معه، فهو أغنى الشركاء عن الشرك. فإما عمل خالص له، وإلا لم يقبله. تلك الحقائق الأربعة الكبيرة هي مقررات هذه السورة الصغيرة، يعرضها القرآن بأسلوبه الخاص، الذي يتجلى بصفة خاصة في هذه السور القصار..

ابن عاشور

تفسير : استصعب في كلام المفسرين تحصيل المعنى المستفاد من هذه الآيات الأربع من أول هذه السورة تحصيلاً ينتزع من لفظها ونظمها، فذكر الفخر عن الواحدي في «التفسير البسيط» له أنه قال: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الفخر: «ثم إنه لم يلخص كيفية الإِشكال فيها. وأنا أقول: وجه الإِشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذا لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر والشرك اللذيْن كانوا عليهما فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إن كلمة {حتى} لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال بعد ذلك: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } تفسير : [البينة: 4] وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم فحينئذ حصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر» اهــــ كلام الفخر. يريد أن الظاهر أن قوله: {رسول من الله} بدل من {البينة} وأن متعلِّق {منفكين} حُذف لدلالة الكلام عليه لأنهم لما أجريت عليهم صلة الذين كفروا دل ذلك على أن المراد لم يكونوا منفكين على كفرهم، وأن حرف الغاية يقتضي أن إتيان البينة المفسِّرة بــــ {رسول من اللَّه} هي نهاية انعدام انفكاكهم عن كفرهم، أي فعند إتيان البينة يكونون منفكين عن كفرهم فكيف مع أن الله يقول: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } تفسير : [البينة: 4] فإن تفرقهم راجع إلى تفرقهم عن الإِسلام وهو ازدياد في الكفر إذ به تكثر شبه الضلال التي تبعث على التفرق في دينهم مع اتفاقهم في أصل الكفر، وهذا الأخير بناء على اعتبار قوله تعالى: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البينة: 4] الخ كلاماً متصلاً بإعراضهم عن الإِسلام وذلك الذي درج عليه المفسرون ولنا في ذلك كلام سيأتي. ومما لم يذكره الفخر من وجه الإِشكال: أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن مَّا، وأن نصب المضارع بعد {حتى} ينادي على أنه منصوب بــــ (أنْ) مضمرة بعد {حتى} فيقتضي أنّ إتيان البينة مستقبل وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت بــــ {رسول من اللَّه} وإتيانْ الرسول وقع قبل نزول هذه الآيات بسنين وهم مستمرون على ما هم عليه: هؤلاء على كفرهم، وهؤلاء على شركهم. وإذ قد تقرر وجه الإِشكال وكان مظنوناً أنه ملحوظ للمفسرين إجمالاً أو تفصيلاً فقد تعين أن هذا الكلام ليس وارداً على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه، فوجب صرفه عن ظاهره، إما بصرف تركيب الخَبر عن ظاهر الإِخبار وهو إفادة المخاطَب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب، بأن يُصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب. وإمّا بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجازٍ أو كناية. فمن المفسرين من سلك طريقة صرف الخبر عن ظاهره. ومنهم من أبقوا الخبر على ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء منهم من تأول لفظ {منفكين} ومنهم من تأول معنى {حتى} ومنهم من تأول {رسول}، وبعضهم جوز في {البينة} وجهين. وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعَة عشر قولاً ذكر الآلوسي أكثرها وذكر القرطبي مُعظمها غيرَ معزُو، وتداخل بعض ما ذكره الآلوسي وزاد أحدهما ما لم يذكره الآخر. ومراجع تأويل الآية تَؤُول إلى خمسة: الأول: تأويل الجملة بأسرها بأن يُؤوَّل الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب، وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري. الثاني: تأويل معنى {منفكين} بمعنى الخروج عن إمهال الله إياهم ومصيرهم إلى مؤاخذتهم، وهو لابن عطية. الثالث: تأويل متعلِّق {منفكين} بأنه عن الكفر وهو لعبد الجَبَّار، أو عن الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيّان. أو منفكين عن الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمٰن الملقب بالأصم، أو منفكين عن الحياة، أي هالكين، وعُزي إلى بعض اللغويين. الرابع: تأويل {حتى} أنها بمعنى (إنْ) الاتصالية. والتقدير: وإن جاءتهم البينة. الخامس: تأويل {رسول} بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفاً من عند الله فهو في معنى قوله تعالى: { أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } تفسير : [النساء: 153] وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر إلى التهكم. هذا والمراد بــــ {الذين كفروا من أهل الكتاب} أنهم كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما في قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } تفسير : [الحشر: 11]. وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد فلا نحتاج إلى التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت، فبنا أن نهتم بتفسير الآية على الوجه البين. إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب وعلى المشركين بأنهم متنصلون من الحق متعللون للإِصرار على الكفر عناداً، فلنسلك بالخَبر مسلك مورد الحجة لا مسلك إفادة النسبَةِ الخبرية فتعين علينا أن نصرف التركيب عن استعمال ظاهره إلى استعمال مجازي على طريقة المجاز المرسل المركب من قَبيل استعمال الخبر في الإِنشاء والاستفهامِ في التوبيخ ونحو ذلك الذي قال فيه التفتزاني في «المطول»: إن بيان أنه من أيّ أنواع المجاز هُو مما لم يَحُم أحد حوله. والذي تَصدَّى السيد الشريف لبيانه بما لا يُبقي فيه شبهة. فهذا الكلام مسوق مساق نقل الأقوال المستغربة المضطربة الدالة على عدم ثبات آراء أصحابها، فهو من الحكاية لِما كانوا يَعِدُون به فهو حكاية بالمعنى كأنه قيل: كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة، وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإِخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشِكايةِ من صَلَفِ المُخبر عنه، وهو استعمال عزيز بديع وقريب منه قوله تعالى: { أية : يحذر المنافقون أن تُنَزَّل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن اللَّه مخرج ما تحذرون } تفسير : [التوبة: 64] إذ عَبَّر بصيغة يَحْذَر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقاً ولذلك قال الله تعالى: {قل استهزئوا}. فالخبر موجَّه لكل سامع، ومضمومه قول: «كان صدر من أهل الكتاب واشتهر عنهم وعرفوا به وتقرَّر تعلُّل المشركين به لأهل الكتاب حتى يدعونهم إلى اتباع اليهودية أو النصرانية فيقولوا: لم يأتنا رسول كما أتاكم قال تعالى: { أية : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } تفسير : [الأنعام: 156، 157]. وتقرر تعلل أهل الكتاب به حين يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم للإِسلام، قال تعالى: { أية : الذين قالوا إن اللَّه عهد إلينا ألاَّ نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } تفسير : [آل عمران: 183] الآية. وشيوعه عن الفريقين قرينة على أن المراد من سياقه دمغهم بالحجة وبذلك كان التعبير بالمضارع المستقبل في قوله: {حتى تأتيهم البينة} مصادفاً المحزّ فإنهم كانوا يقولون ذلك قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم. وقريب منه قوله تعالى في أهل الكتاب: { أية : ولما جاءهم كتاب من عند اللَّه مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } تفسير : [البقرة: 89]. وحاصل المعنى: أنكم كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه من الدين حتى تأتينا البينة، أي العلامة التي وُعدنا بها. وقد جعل ذلك تمهيداً وتوطئة لقوله بعده: {رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة} الخ. وإذ اتضح موقع هذه الآية وانقشع إشكالها فلننتقل إلى تفسير ألفاظ الآية. فالانفكاك: الإِقلاع، وهو مطاوع فكَّه إذا فصَله وفرقه ويستعار لمعنى أقلع عنه ومتعلق {منفكين} محذوف دل عليه وصف المتحدث عنهم بصلة {الذين كفروا} والتقدير: منفكين عن كفرهم وتاركين له، سواء كان كفرهم إشراكاً بالله مثل كفر المشركين أو كان كفراً بالرسول صلى الله عليه وسلم فهذا القول صادر من اليهود الذين في المدينة والقرى التي حولها ويتلقفه المشركون بمكة الذين لم ينقطعوا عن الاتصال بأهل الكتاب منذ ظهرت دَعوة الإِسلام يستفتونهم في ابتكار مخلص يتسللون به عن ملام من يلومهم على الإِعراض عن الإِسلام. وكذلك المشركون الذين حول المدينة من الأعراب مثل جُهَينة وغَطَفان، ومن أفراد المتنصرين بمكة أو بالمدينة. وقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا: { أية : إن الله عهد إلينا ألا نؤمنَ لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار } تفسير : [آل عمران: 183]، وقال عنهم: { أية : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } تفسير : [البقرة: 89]، وحكى عن النصارى بقوله تعالى حكاية عن عيسى: { أية : ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } تفسير : [الصف: 6]. وقال عن الفريقين: { أية : ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } تفسير : [البقرة: 109]، وحكى عن المشركين بقوله: { أية : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } تفسير : [القصص: 48] وقولهم: { أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } تفسير : [الأنبياء: 5]. ولم يختلف أهل الكتابين في أنهم أخذ عليهم العهد بانتظار نبيء ينصر الدين الحق وجعلت علاماته دلائلَ تظهر من دعوته كقول التوراة في سفر التثنية: «أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مِثلَك وأجعل كلامي في فمه». ثم قولها فيه: «وأما النبي الذي يطغى فيتكلم كلاماً لم أوصه أن يتكلم به فيموت ذلك النبي وإن قلتَ في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب (الإصحاح الثامن عشر). وقول الإنجيل: «وأنَا أطلب من الأب فيعطيكم معزِّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد (أي شريعته لأن ذات النبي لا تمكث إلى الأبد) روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه (يوحنا الإِصحاح الرابع عشر الفقرة 6) «وأما المعزي الروح القُدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم (يوحنا الإِصحاح الرابع عشر فقرة 26). وقوله: ويقوم أنبياء كَذَبةٌ كثيرون، (أي بعد عيسى) ويُضلون كثيرين ولكن الذي يَصْبر إلى المنتهى (أي يبقى إلى انقراض الدنيا وهو مؤول ببقاء دينه إذ لا يبقى أحد حياً إلى انقراض الدنيا) فهذا يخلِّص ويكرر ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى»، أي نهاية الدنيا (متّى الإصحاح الرابع والعشرون)، أي فهو خاتم الرسل كما هو بين. وكان أحبارُهم قد أساءوا التأويل للبشارات الواردة في كتبهم بالرسول المقفِّي وأدْخَلوا علامات يعرفون بها الرسول صلى الله عليه وسلم الموعود به هي من المخترعات الموهومة فبقي مَنْ خَلْفَهم ينتظرون تلك المخترعات فإذا لم يجدوها كذَّبوا المبعوث إليهم. و{البينة}: الحجة الواضحة والعلامة على الصدق وهو اسم منقول من الوصف جرى على التأنيث لأنه مؤول بالشهادة أو الآية. ولعل إيثار التعبير بها هنا لأنها أحسن ما تترجَم به العبارةُ الواقعة في كتب أهل الكتاب مما يحوم حول معنى الشهادة الواضحة لكل متبصر كما وقع في إنجيل متّى لفظ «شهادة لجميع الأمم»، (ولعل التزام هذه الكلمة هنا مرتين كان لهذه الخصوصية) وقد ذُكرت مع ذكر الصحف الأولى في قوله: { أية : وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لمْ تأتهم بينةُ ما في الصُّحف الأولى } تفسير : [طه: 133]. والظاهر أن التعريف في {البينة} تعريف العهد الذهني، وهو أن يراد معهود بنوعه لا بشخصه كقولهم: ادخُل السوق، لا يريدون سوقاً معينة بل ما يوجد فيه ماهية سوق، ومنه قول زهير: شعر : وما الحَرْب إلاّ ما عَلِمْتُم وذُقْتُم تفسير : ولذلك قال علماء البلاغة: إن المعرَّف بهذه اللام هو في المعنى نكرة فكأنه قيل حتى تأتيهم بينةٌ. ويجوز أن يكون التعريف لمعهود عند المخبَر عنهم، أي البينة التي هي وصايا أنبيائهم فهي معهودة عند كل فريق منهم وإن اختلفوا في تخيلها وابتعدوا في توهمها بما تمليه عليه تخيلاتهم واختلاقهم. وأوثرت كلمة {البينة} لأنها تعبر عن المعنى الوارد في كلامهم ولذلك نرى مادَّتها متكررة في آيات كثيرة من القرآن في هذا الغرض كما في قوله: { أية : أوَلَمْ تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } تفسير : [طه: 133] وقوله: { أية : فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } تفسير : [الصف: 6] وقوله: { أية : مِن بَعد ما تبيَّن لهم الحق } تفسير : [البقرة: 109] وقال عن القرآن: { أية : هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } تفسير : [البقرة: 185]. و{مِن} في قوله: {من أهل الكتاب} بيانية بيان للذين كفروا. وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر أهل الكتاب لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثّوا بين المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم فأيدوا المشركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أتقن من تُرَّهات المشركين إذ كان المشركون أميين لا يعلمون شيئاً من أحوال الرسل والشرائع، فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردُّون به تلك الدعوة وخاصة بعد ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فالمقصود بالإِبطال ابتداءً هو دعوى أهل الكتاب، وأما المشركون فتبع لهم. واعلم أنه يجوز أن يكون الكلام انتهى عند قوله: {حتى تأتيهم البينةُ}، فيكون الوقف هناك ويكون قوله: {رسول من اللَّه} إلى آخرها جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وهو قول الفراء، أي هي رسول من الله، يعني لأن ما في البينة من الإِبهام يثير سؤال سائل عن صفة هذه البينة، وهي جملة معترضة بين جملة {لم يكن الذين كفروا... منفكين} إلى آخرها وبين جملة: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البينة: 4]. ويجوز أن يكون {رسول} بدلاً من {البينة} فيقتضي أن يكون من تمام لفظ «بينة» فيكون من حكاية ما زعموه. أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم بأن البينة التي ينتظرونها قد حلّت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا يفقهون، قال تعالى: { أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } تفسير : [البقرة: 89]. وتنكير {رسول} للنوعية المرادِ منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى: { أية : أياماً معدودات } تفسير : [البقرة: 184] وقول: { أية : المص كتابٌ أنزل إليك } تفسير : [الأعراف: 1، 2]. وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل: فقد جاءتكم البينة، على حد قوله تعالى: { أية : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } تفسير : [المائدة: 19]، وهو يفيد أن البينة هي الرسول وذلك مثل قوله تعالى: { أية : قد أنزل اللَّه إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات اللَّه } تفسير : [الطلاق: 10، 11]. فأسلوب هذا الردّ مثل أسلوب قوله تعالى: { أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللَّه والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث اللَّه بشراً رسولاً } تفسير : [الإسراء: 90 ـــ 94]. وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب مصدق لما بين يديه وذلك مما يندرج في قولة التوراة: «وأجْعَلُ كلامي في فمه». وقول الإنجيل: «ويُذَكِّرُكم بكل ما قلتُه لكم» كما تقدم آنفاً، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: { أية : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مُصدقاً لما بين يديه من الكتاب } تفسير : [المائدة: 48] لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبي الموعود به إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة، وأنه يبلغ عن الله وينطلق بوحيه، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفاً. قال حجة الإِسلام في كتاب «المنقذ من الضلال»: «إن مجموع الأخلاق الفاضلة كان بالغاً في نبينا إلى حد الإِعجاز وأن معجزاته كانت غاية في الظهور والكثرة». و{من اللَّه} متعلق بــــ {رسول} ولم يُسلَك طريق الإِضافة ليتأتى تنوين {رسول} فيشعر بتعظيم هذا الرسول. وجملة {يتلوا صحفاً} الخ صفة ثانية أو حال، وهي إدماج بالثناء على القرآن إذ الظاهر أن الرسول الموعود به في كتبهم لم يوصف بأنه يتلو صحفاً مطهرة. والتلاوة: إعادة الكلام دون زيادة عليه ولا نقص منه سواء كان كلاماً مكتوباً أو محفوظاً عن ظهر قلب، ففعل {يتلو} مؤذن بأنه يقرأ عليهم كلاماً لا تُبَدَّل ألفاظه وهو الوحي المنزل عليه. والصحف: الأوراق والقراطيس التي تُجعل لأن يكتب فيها، وتكون من رَق أو جلد، أو من خِرَق. وتسمية ما يتلوه الرسول {صحفاً} مجاز بعلاقة الأيلولة لأنه مأمور بكتابته فهو عند تلاوته سيكون صُحفاً، فهذا المجاز كقوله: { أية : إنِّي أراني أعصر خمراً } تفسير : [يوسف: 36]. وهذا إشارة إلى أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن في الصحف وما يشبه الصحف من أكتافِ الشاء والخِرَق والحجارة، وأن الوحي المنزل على الرسول سمي كتاباً في قوله تعالى: { أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } تفسير : [العنكبوت: 51] لأجل هذا المعنى. وتعدية فعل {يتلو} إلى {صحفاً} مجاز مرسل مشهور ساوى الحقيقة قال تعالى: { أية : وما كنت تتلو من قبله من كتاب } تفسير : [العنكبوت: 48]، وهو باعتبار كون المتلو مكتوباً، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم القرآن عن ظهر قلب ولا يقرأه من صحف فمعنى {يتلو صحفاً} يتلو ما هو مكتوب في صحف والقرينة ظاهرة وهي اشتهار كونه صلى الله عليه وسلم أمِّيّاً. ووصف الصحف بــــ {مطهرة} وهو وصف مشتق من الطهارة المجازية، أي كون معانيه لا لبس فيها ولا تشتمل على ما فيه تضليل، وهذا تعريض ببعض ما في أيدي أهل الكتاب من التحريف والأوهام. ووصف الصحف التي يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فيها كتباً، والكتب: جمع كتاب، وهو فِعال اسم بمعنى المكتوب، فمعنى كون الكتب كائنة في الصحف أن الصحف التي يكتب فيها القرآن تشتمل على القرآن وهو يشتمل على ما تضمنته كتب الرسل السابقين مما هو خالص من التحريف والباطل، وهذا كما قال تعالى: { أية : مصدق لما بين يديه } تفسير : [البقرة: 97] وقال: { أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } تفسير : [الأعلى: 18، 19]، فالقرآن زُبدة ما في الكتب الأولى ومجمع ثمرتها، فأطلق على ثمرة الكتب اسم كتب على وجه مجاز الجزئية. والمراد بالكتب أجزاء القرآن أو سوره فهي بمثابة الكتب. والقيِّمة: المستقيمة، أي شديدة القيام الذي هو هنا مجاز في الكمال والصواب وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيهاً بالقائم لاستعداده للعمل النافع، وضده العِوَج قال تعالى: { أية : الحمد للَّه الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوجاً قيماً } تفسير : [الكهف: 1، 2]، أي لم يجعل فيه نقص الباطل والخطأ، فالقيّمة مبالغة في القائم مثل السيد للسائد والميت للمائت. وتأنيث الوصف لاعتبار كونه وصفاً لجمع.

الشنقيطي

تفسير : ذكر هنا الذين كفروا، ثم جاءت من، وجاء بعدها أهل الكتاب والمشركين، مما يشعر بأن وصف الكفر يشمل كلاً من أهل الكتاب والمشركين، كما يشعر مرة أخرى أن المشركين ليسوا من أهل الكتاب لوجود العطف، وأن أهل الكتاب ليسوا من المشركين. وهذا المبحث معروف عند المتكلمين وعلماء التفسير، واتفقوا على: أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وأن المشركين هم عبدة الأوثان، والكفر بجميع القسمين. وأهل الكتاب مختص باليهود والنصارى، ولكن الخلاف هل الشرك يجمعهما أيضاً أم لا؟ فبين الفريقين عموم وخصوص، عموم في الكفر وخصوص في أهل الكتاب لليهود والنصارى، وخصوص في المشركين لعبدة الأوثان. ولكن جاءت آيات تدل على أن مسمى الشرك يشمل أهل الكتاب أيضاً: كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 30-31]. فجعل مقالة كل من اليهود والنصارى إشراكاً. وجاء عن عبد الله بن عمر منع نكاح الكتابية وقال: "وهل كبر إشراكاً من قولها: {أية : ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [البقرة: 116]، فهو وإن كان مخالفاً للجمهور في منع الزواج من الكتابيات، إلا أنه اعتبرهن مشركات. ولهذا الخلاف والاحتمال وقع النزاع فى مسمى الشرك، هل يشمل أهل الكتاب أم لا؟ مع أننا وجدنا فرقاً في الشرع في معاملة أهل الكتاب ومعاملة المشركين، فأحل ذبائح أهل الكتاب ولم يحلها من المشركين، وأحل نكاح الكتابيات ولم يحله من المشركات، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221]. وقوله: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10]. وقال: {أية : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} تفسير : [الممتحنة، 10]، بين ما في حق الكتابيات قال: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [المائدة: 5]، فكان بينهما مغايرة في الحكم. وقد جمع والدنا الشيخ محمد الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه بين تلك النصوص في دفع إيهام الاضطراب عند قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]، المتقدم. ذكرها جمعاً مفصلاً مفاده أن الشرك الأكبر المخرج من الملة أنواع، وأهل الكتاب متصفون ببعض دون بعض، إلى آخر ما أورده رحمه الله تعالى علينا وعليه. ولعل في نفس آية {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}، فيها إشارة إلى ما ذكره رحمة الله تعالى علينا وعليه من وجهين: الأول: قوله تعالى: {أية : يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [التوبة: 30]، أي يشابهونهم في مقالتهم، وهذا القدر اتصف به المشركون من انواع الشرك. الثاني: تذييل الآية بصيغة المضارع عما يشركون بين ما وصف عبدة الأوثان في سورة البينة بالاسم والمشركين. ومعلوم أن صيغة الفعل تدل على التجدد والحدوث، وصيغة الاسم تدل على الدوام والثبوت، فمشركو مكة وغيرهم دائمون على الإشراك وعبادة الأصنام، وأهل الكتاب يقع منهم حيناً وحيناً. وقد أخذ بعض العلماء: أن الكفر ملة واحدة، فورث الجميع من بعض، ومنع الآخرون على أساس المغايرة والعلم عند الله تعالى. تنبيه بقي المجوس وجاءت السنة أنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب لحديث: "حديث : سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". تفسير : وقوله تعالى: {مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}، اختلف في منفكين اختلافاً كثيراً عند جميع المفسرين، حتى قال الفخر الرازي عند أول هذه السورة ما نصه: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. ثم إنه رحمه الله لم يلخص كيفية الإشكال فيها. وأنا أقول وجه الإشكال: أن تقدير الآية: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}، التي هي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لم يذكر منفكون عماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه. فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم قال بعد ذلك {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذٍ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية تناقض في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن. اهـ. حرفياً. وقد سقت كلامه لبيان مدى الإشكال في الآيتين، وهو مبني على أن منفكين بمعنى تاركين: وعليه جميع المفسرين. والذي جاء عن الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: أن منفكين أي مرتدعين عن الكفر والضلال، حتى تأتيهم البينة، أي أتتهم. ولكن في منفكين، وجه يرفع هذا الإشكال، وهو أن تكون منفكين بمعنى متروكين لا بمعنى تاركين، أي لم يكونوا جميعاً متروكين على ما هم عليه من الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة على معنى قوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} تفسير : [القيامة: 36]، وقوله: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 1-2]، أي لن يتركوا وقريب منه قوله تعالى: {أية : قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} تفسير : [هود: 53]. وقد حكى أبو حيان قولاً عن ابن عطية قوله، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم، حتى يبعث الله تعالى إليهم رسولاً منذراً، تقوم به الحجة، ويتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى، ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى اهـ. فقول ابن عطية يتفق مع ما ذكرناه، ويزيل الإشكال الكبير عن المفسرين، كما أسلفنا. ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول في ذلك نسوقه لشموله، وهو ضمن كلامه على هذه السورة في المجموع مجلد 16 ص 495 قال: وفي معنى قوله تعالى: لم يكن هؤلاء وهؤلاء منفكين. ثلاثة أقوال ذكرها غير واحد من المفسرين. هل المراد: لم يكونوا منفكين عن الكفر؟ أو هل لم يكونوا مكذبين بمحمد حتى بعث، فلم يكونوا منفكين من محمد والتصديق بنبوته حتى بعث. أو المراد: أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول. وناقش تلك الأقوال وردها كلها ثم قال: فقوله: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ}، أي لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم، كما أن المنفك لا حجر عليه، وهو لم يقل مفكوكين، بل قال: منفكين، وهذا أحسن، إلى أن قال: والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ولا ترسل إليهم رسل. والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث اليهم رسولاً، وهذا كقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} تفسير : [القيامة: 36]، لا يؤمر، ولا ينهى، أي: أيظن أن هذا يكون؟ هذا ما لا يكون ألبتة، بل لا بد أن يؤمر وينهى. وقريب من ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} تفسير : [الزخرف: 3-5]. وهذا استفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل. تبين من ذلك كله أن الأصح في "منفكين" معنى "متروكين" وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى، وبالله تعالى التوفيق. قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً}. أجمل البينة ثم فصلها فيما بعدها {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً}. وفي هذا قيل: إن البينة هي نفس الرسول في شخصه، لما كانوا يعرفونه قبل مجيئه، كما في قوله: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} تفسير : [الصف: 6]، وقوله: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} تفسير : [البقرة: 146]. فكأن وجوده صلى الله عليه وسلم بذاته بينة لهم. ولذا جاء في الآثار الصحيحة أنهم عرفوا يوم مولده بظهور نجم نبي الختان إلى آخر أخباره صلى الله عليه وسلم، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وكذلك المشركون كانوا يعرفونه عن طريق أهل الكتاب، وبما كان متصفا به صلى الله عليه وسلم، ومن جميل الصفات كما قالت له خديجة عند بدء الوحي له وفزعه منه: "كلا والله لن يحزيك الله، والله إنك لتحمل الكلّ وتعين على نوائب الدهر" إلى آخره. وقول عمه أبي طالب: "والله ما رأيته لعب مع الصبيان ولا علمت عليه كذبة" إلخ. وقد لقبوه بالأمين. وحادثة شق الصدر في رضاعه، بل وقبل ذلك في قصة أبيه عبد الله، لما تعرضت له المرأة تريده لنفسها، فأبى. ولما تزوج ودخل بآمنة أم النبيِّ صلى الله عليه وسلم لقيها بعد ذلك، فقالت له: لا حاجة لي بك، فقال: وكيف كنت تتعرضين لي؟ فقالت: رأيت نوراً في وجهك، فأحببت أن يكون بي، فلما تزوجت وضعته في آمنة ولم أره فيك الآن، فلا حاجة لي فيك. فكلها دلائل على أنه صلى الله عليه وسلم كان في شخصه بينة لهم، ثم أكرمه الله بالرسالة، فكان رسولاً يتلو صحفاً مظهرة، من الأباطيل والزيغ وما لا يليق بالقرآن. ومما استدل به لذلك قوله تعالى عنه: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} تفسير : [الأحزاب: 46] فعليه يكون رسول من الله بدل من البينة مرفوع على البدلية، أو أن البينة ما يأتيهم به الرسول مما يتلوه عليهم من الصحف المطهرة فيها كتب قيمة. فالتشريع الذي فيها والإخبار الذي أعلنه تكون البينة. وعلى كل، فإن البينة تصدق على الجميع، كما تصدق على المجموع، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، فلا رسول إلا برسالة تتلى، ولا رسالة تتلى إلاَّ برسول يتلوها. وقد عرف لفظ البينة، للإشارة إلى وجود علم عنها مسبق عليها. فكأنه قيل: حتى تأتيهم البينة الموصوفة لهم في كتبهم، ويشير إليها ما قدمنا في أخبار عيسى عليه السلام عنه، وآخر سورة الفتح {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} تفسير : [الفتح: 29] الآية. قوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ}. جمع كتاب، وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: كتب: بمعنى مكتوبات. وقال ابن جرير: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة. يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. وحكاه ابن كثير واقتصر عليه. وقال القرطبي: إن الكتب بمعنى الأحكام، مستدلاً بمثل قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183] وقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21]. وقيل: الكتب القيمة: هي القرآن، فجعله كتباً، لأنه يشتمل على أبواب من البيان. وذكر الفخر الرازي: أنه يحتمل في كتب أي الآيات المكتوبة في المصحف، وهو قريب من قول الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه. وقال الشوكاني: المراد: الآيات والأحكام المكتوبة فيها، وهذه المعاني وإن كانت صحيحة، إلا أن ظاهر اللفظ أدل على تضمن معنى كتب منه على معنى كتابة أحكام. والذي يظهر أن مدلول كتب على ظاهرها، وهو تضمن تلك الصحف المطهرة لكتب سابقة قيمة، كما ينص عليه قوله تعالى: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 16-17]، ثم قال: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 18-19]، وكقوله في عموم الكتب الأولى: {أية : قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ} تفسير : [الأحقاف: 30]، وقوله: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ} تفسير : [آل عمران: 3-4]. ولذا قال: {أية : وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ } تفسير : [الأنعام: 114]، أي بما فيه من كتبهم القيمة المتقدم إنزالها، كما في قوله: {أية : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [النور: 34]. وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} تفسير : [النمل: 76]. وقال: {أية : وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 92]، ونحو ذلك من الآيات، مما يدل على أن آي القرآن متضمنة كتباً قيمة مما أنزلت من قبل، وقد جاء عملياً في آية الرحمن وقوله: {أية : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} تفسير : [المائدة: 45] أي في التوراة {أية : أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ} تفسير : [المائدة: 45]، فهذه من الكتب القيمة التي تضمنها القرآن الكريم، كما قال: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} تفسير : [البقرة: 179]. ولعل هذا بين وجه المعنى فيما رواه المفسرون عن الإمام أحمد، حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب "أُمرت أن أقرأ عليك سورة البينة، فقال: أو ذكرت، ثم" . تفسير : وبكى رضي الله عنه، لأن فيها زيادة طمأنينة له على إيمانه بأنه آمن بكتاب تضمن الكتب القيمة المتقدمة، والتي يعرفها عبد الله بن سلام أن الرجم في التوراة لما غطاها الآتي بها، كما هو معروف في القصة. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. يلاحظ أن السورة في أولها عن الكفار عموماً من أهل الكتاب والمشركين معاص، وهنا الحديث عن أهل الكتاب فقط، وذلك مما يخصهم في هذا المقام دون المشركين، وهو أنهم لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم به صلى الله عليه وسلم، وبما سيأتي به، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وكقوله صراحة: {أية : وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} تفسير : [الشورى: 14]، فلمعرفتهم به قبل مجيئه، واختلافهم فيه بعد مجيئه، وخصهم هنا بالذكر في قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. تنبيه مما يدل على ما ذكرنا من معنى كتب قيمة، أمران من كتاب الله. الأول منهما: اختصاص أهل الكتاب هنا بعد عموم الحديث عن الذين كفروا، وما قدمنا عن نصوص. الثاني: أن القرآن لما ذكر الرسول يتلو على المشركين قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} تفسير : [الجمعة: 2]، فهذا نفس الأسلوب، ولكن قال: آياته، لأنهم لم يكن لهم علم بالكتب الأخرى، فاقتصر على الآيات.

الواحدي

تفسير : {لم يكن الذين كفروا} بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {من أهل الكتاب} أي: اليهود والنَّصارى {والمشركين} يعني: كفَّار العرب {منفكين} مُنتهين زائلين عن كفرهم {حتى تأتيهم البينة} يعني: أتتهم البينة، أَي: البيان والبصيرة، وهو محمد عليه السَّلام والقرآن. يقول: لم يتركوا كفرهم حتى بُعث إليهم محمَّدٌ عليه السَّلام، وهذا فيمَنْ آمن من الفريقين، ثمَّ فسَّر البيِّنة فقال: {رسول من الله يتلو صحفاً} كتباً {مطهرة} من الباطل. {فيها كتب} أحكامٌ {قيِّمة} مستقيمةٌ عادلةٌ، ثمَّ ذكر كفَّار أهل الكتاب، فقال: {وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب} أي: ما اختلفوا في كون محمَّدٍ عليه السَّلام حقاً لما يجدون من نعته في كتابهم {إلاَّ مِنْ بعد ما جاءتهم البينة} إلاَّ من بعد ما بيَّنوا أنَّه النبيُّ الذي وُعدوا به في التَّوراة والإِنجيل، يريد: أنَّهم كانوا مجتمعين على صحَّة نبوَّته، فلمَّا بُعث جحدوا نبوَّته وتفرَّقوا، فمنهم مَنْ كفر بغياً وحسداً، ومنهم مَنْ آمن، وهذا كقوله تعالى: {أية : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم...} تفسير : الآية. {وما أمروا} يعني: كفَّار الذين أُوتوا الكتاب {إلاَّ ليعبدوا الله} إلاَّ أنْ يعبدوا الله {مخلصين له الدين} الطَّاعة، أَيْ: مُوحِّدين له لا يعبدون معه غيره. {حنفاء} على دين إبراهيم عليه السَّلام ودين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وذلك دين القيمة} أي: دين الملَّة القيِّمة، وهي المستقيمة، وباقي الآية ظاهرٌ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- لم يكن الذين كفروا بالله وبرسوله من اليهود والنصارى، ومن المشركين منصرفين عن غفلتهم وجهلهم بالحق حتى تأتيهم الحُجة القاطعة. 2، 3- رسول مبعوث من عند الله يقرأ عليهم صحفاً مُنزَّهة عن الباطل، فيها أحكام مستقيمة ناطقة بالحق والصواب. 4- وما تفرق الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى. إلا من بعد ما جاءتهم الحُجة الواضحة الدالة على أن محمداً هو رسول الله الموعود به فى كتبهم. 5- وما كُلِّفوا بما كُلِّفوا به إلا لتكون عبادتهم لله مخلصين له الدين، مائلين عن الباطل مستقيمين على الحق، وأن يحافظوا على الصلاة ويؤدوا الزكاة، وذلك دين الملة المستقيمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من أهل الكتاب: أي اليهود والنصارى. والمشركين: أي عبدة الأصنام. منفكين: أي زائلين عما هم عليه منتهين عنه. حتى تأتيهم البينة: أي الحجة الواضحة وهي محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الكريم. رسول من الله: أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحفا مطهرة: أي من الباطل. فيها كتب قيمة: أي في تلك الصحف المطهرة كتب من الله مستقيمة. إلا من بعد ما جاءتهم البينة: أي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الكريم. وما أمروا: أي في كتبهم التوراة والإِنجيل. حنفاء: أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام. دين القيمة: أي دين الملة القيمة أي المستقيمة. معنى الآيات: قوله تعالى {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} وهم اليهود والنصارى والمشركون هم عباد الأصنام لم يكونوا منفصلين عما هم عليه من الديانه تاركين لها إلى غاية مجيء البيّنة لهم فلما جاءتهم البينة. وهي محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه انفكوا أي انقسموا فمنهم من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه والدين الإِسلامي ومنهم من كفر فلم يؤمن. وقوله تعالى {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله {يَتْلُواْ صُحُفاً} أي يقرأ على ظهر قلب ما تضمنته تلك الصحف المطهرة من الباطل والمشتملة على كتب من عند الله قيمة أي مستقيمة لا انحراف فيها عن الحق ولا بعد عن الهدى والمراد من الصحف المطهرة القرآن الكريم. وقوله تعالى {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي اليهود والنصارى {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} وهي محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه إذ كانوا قبل البعثة المحمدية متفقين على انتظار نبيّ آخر الزمان وأنه النبي الخاتم للنبوات فلما جاءهم تفرقوا فآمن بعض وكفر بعض في حين أنهم ما أمروا في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم. وكذا في القرآن وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإِسلام ويقيموا الصلاة بأن يؤدوها في أوقاتها بشروطها وأركانها وآدابها ويؤتوا الزكاة التي أوجب الله في الأموال لصالح الفقراء والمساكين. وذلك دين القيمة أي وهذا هو دين الملة القيمة المستقيمة الموصلة للعبد إلى رضا الرب وجنات الخلد بعد إنجائه من العذاب والغضب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الديانات السابقة للإِسلام والتي عاصرته كانت منحرفة اختلط فيها الحق بالباطل ولم تصبح صالحة للإِسلام والهداية البشرية ولا فرق بين اليهودية والنصرانية والمجوسية. 2- إن أهل الكتاب بصورة خاصة كانوا منتظرين البعثة المحمدية بفارغ الصبر لعلمهم بما أصاب دينهم من فساد، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءتهم البينة على صدقه وصحة ما جاء به تفرقوا فآمن البعض وكفر البعض. 3- مما يؤخذ على اليهود والنصارى أنهم في كتبهم مأمورون بعبادة الله تعالى وحده والكفر بالشرك مائلين عن كل دين إلى دين الإِسلام ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فما بالهم لما جاءهم الإِسلام بمثل ما أمروا به كفروا به وعادوه. والجواب أنهم لما انحرفوا عز عليهم أن يستقيموا لما ألفوا من الشرك والضلالة والباطل. 4- بيان أن الملَّة القيمة والدين المنجي من العذاب المحقق للاسعاد والكمال ما قام على أساس عبادة الله وحده وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة والميل عن كل دين إلى هذا الدين الإِسلامي.

القطان

تفسير : أهل الكتاب: اليهود والنصارى. المشركون: عَبَدَة الأصنام من العرب وغيرهم. منفكّين: منتهين عما هم عليه، منصرفين عن غفلتهم. البيّنة: الحجة الواضحة، والمراد بها هنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. صحفا مطهّرة: القرآن الكريم. قيّمة: مستقيمة. من بعد ما جاءتهم البينة: الدليل الثابت. حنفاء: مفردها حنيف، وهو المائل عن الشِرك المؤمنُ الخالص الايمان. البريّة: الخليقة. {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} كان العالَم قبل مبعث النبيّ عليه الصلاة والسلام مضطرباً وفي حالة سيئة من الفساد الذي عَمّ أرجاءَه، والظلم والاستبداد الطاغيينِ. وكان أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى والمشركون الوثنيّون يقولون قبل مبعث الرسول الكريم: لا ننفَكّ مما نحن عليه من دِيننا ولا نتركه حتى يُبعثَ النبيُّ الموعود الذي هو مكتوبٌ في التوراة والإنجيل. وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى هذه الآيات الكريمة. لم يكن الذين كفروا باللهِ ورسولِه من اليهودِ والنصارى ومن المشركين منتَهِين عما هم علَيه من الكُفر والجحود حتى تأتيَهم البيّنة، والتي هي رسولٌ مبعوثٌ من عند الله يقرأُ عليهم القرآنَ الكريم في صُحُفٍ مطهَّرة منزَّهَةٍ عن الباطل، وتحتوي كتباً تشتمل على أحكامٍ مستقيمة ناطقةٍ بالحقّ والصواب. {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} لم يختلف اليهودُ والنصارى في شأن محمد عليه الصلاة والسلام إلا من بعدِ ما جاءتهم الحجَّةُ الواضحة، والدالّةُ على أنه الرسولُ الموعود به في كتُبهم. وقد خُصّ أهلُ الكتاب هنا بالذِكر لأنهم يعلمون صحّةَ نبوّته بما يجدون في كتبهم. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} لماذا لم يُؤمنوا بهذا النبيّ الكريم الذي يَعرفونه حقَّ المعرفة، مع أنه ما أَمَرَهُم إلا بعبادة الله وحدَه مخلِصين له الدينَ حُنفاء مستقيمين على الحق، وأن يُحافِظوا على الصلاة، ويؤدوا الزكاة.. وهذه الأوامر السامية هي دينُ الاسلام، دينُ الملّة المستقيمة!؟ {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} إن كلَّ مَنْ كفر من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان مصيرُه جهنَّم خالداً فيها. وأمثالُه هم شرُّ الخليقة على الإطلاق. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. وأما المؤمنون الذين آمنوا وعمِلوا صالحاً فإنهم خيرُ الخليقة، وثوابُهم في الآخرة جنّاتُ اقامة دائمة تجري من تحتها الأنهارُ ماكثين فيها أبدا. فلقد قبلَ اللهُ أعمالَهم فرضيَ عنهم، كما شكَروا إحسانَه إليهم. هذا هو الجزاءُ الطيّبُ لمن خاف عقاب ربه. قراءات قرأ نافع وابن ذكوان: البريئة بالهمزة. والباقون: البريّة بدون همز.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابِ} (1) - لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَبِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى - أَهْلِ الكِتَابِ - وَمِنَ المُشْرِكِينَ، بِمُفَارِقِينَ كُفْرَهُمْ، وَمَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، وَلاَ مُتَخَلِّينَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ الحَقِّ، حَتَّى تَأْتِيَهُمْ بِيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. مُنْفَكِّينَ - مُزَايِلينَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ. البَيِّنَةُ - الحُجَّةُ الوَاضِحَةُ وَهِيَ الرَّسُولُ.

الثعلبي

تفسير : {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} وهم اليهود والنصارى، والمشركون وهم عبدة الأوثان، {مُنفَكِّينَ} منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة: زائلين، يقول: العرب: ما انفكّ فلان يفعل كذا، أي ما زال، وأصل الفكّ الفتح، ومنه فكّ الكتاب، وفكّ الخلخال، وفكّ البيالم وهي خورنق العطر، قال طرفة: شعر : وآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين منهد تفسير : {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} الحجّة الواضحة وهي محمد (عليه السلام) أتاهم بالقرآن فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، وهداهم إلى الإيمان، وقال ابن كيسان معناه لم يكن هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد (عليه السلام) حتى بعث، فلمّا بعث تفرّقوا فيه. ثم فسّر البيّنة فقال: {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ}. فأبدل النكرة من المعرفة كقوله: {أية : ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 15-16]. {يَتْلُواْ} يقرأ {صُحُفاً} كتباً {مُّطَهَّرَةً} من الباطل {فِيهَا كُتُبٌ} من اللّه {قَيِّمَةٌ} مستقيمة عادلة {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} في أمر محمد (عليه السلام) فكذّبوه {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} البيان في كتبهم أنه نبيٌّ مرسل. قال العلماء: من أول السورة إلى قوله: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} حكمها في من آمن من أهل الكتاب والمشركين، {وَمَا تَفَرَّقَ} حكمه في من لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج عليها. قال بعض أئمّة أهل اللغة قوله: {مُنفَكِّينَ} أي هالكين من قوله انفك صلا المرأة عند الولادة وهو أن تنفصل ولا يلتئم فهلك، ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين أي معذّبين إلاّ بعد قيام الحجّة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتب. وقرأ الأعمش (والمشركون) رفعاً، وفي مصحف عبد اللّه (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكّين) وفي حرف أُبيّ (ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة رسولا من اللّه) بالنصب على القطع والحال. {وَمَآ أُمِرُوۤاْ} يعني هؤلاء الكفار { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ} يعني إلاّ أن يعبدوا اللّه مخلصين له الدين التوحيد والطاعة {حُنَفَآءَ} مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقال ابن عباس: حجاجاً، وقال قتادة: الحنيفية هي الختان وتحريم الأُمّهات والبنات والأخوات والعمّات والخالات، وإقامة المناسك. وقال سعيد بن حمزة: لا تسمي العرب حنيفاً إلاّ من حجّ واختتن {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ} الذي ذكرت {دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} المستقيّمة فأضاف الدين إلى القيّمة وهو أمر فيه اختلاف اللفظين وأنّث القيّمة لأنّه رجع بها إلى الملّة والشريعة، وقيل: الهاء فيه للمبالغة. سمعت أبا القاسم الحنبلي يقول: سمعت أبا سهل محمد بن محمد بن الأشعث الطالقاني يقول: إن القيّمة هاهنا الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها على معنى: وذلك دين الكتب القيّمة فيما يدعو إليه ويأمر به، نظيرها قوله سبحانه: {أية : وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 213]. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله سبحانه: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} فقال: القيّمة جمع القيّم، والقيّم [والقائم] واحد ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لك بالتوحيد. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} الخليقة، قرأ نافع البرئة بالهمزة في الحرفين ومثله روى ابن ذكوان عن أهل الشام على الأصل لأنه من قولهم: برأ اللّه الخلق يبرأهم برءاً، قال اللّه سبحانه: {أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} تفسير : [الحديد: 22]، وقرأ الآخرون بالتشديد من غير همزة، ولها وجهان: أحدهما أنه ترك الهمزة وأدخل الشبه به عوضاً منه. والآخر أن يكون (فعيلة) من البراء وهو التراب، تقول العرب: بفيك البراء فمجازه: المخلوقون من التراب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. قال الصادق رضي الله عنه: بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق، ورضوا عنه بما منَّ عليهم بمتابعتهم لرسوله، وقبولهم ما جاءهم به، أي أن بيان رضا الخلق عن اللّه رضاهم بما يرد عليهم من أحكامه ورضاه عنهم أن يوفّقهم للرضا عنه". محمد بن الفضيل: الرَّوح والراحة في الرضا واليقين، والرضا باب اللّه الأعظم ومستراح العابدين. محمد بن حقيق: الرضا ينقسم قسمين: رضاً به ورضاً عنه، فالرضا به ربّاً ومدبّراً، والرضا عنه فيما يقضي ويقدّر. وقيل: الرضا رفع الاختيار. ذي النون: الرضا: سرور القلب لمرِّ القضاء. حارث: الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم. أبو عمرو الدمشقي: الرضا نهاية الصبر. أبو بكر بن طاهر: الرضا خروج الكراهية من القلب حتى لا يكون إلاّ فرح وسرور. الواسطي: هو النظر إلى الأشياء يعني الرضا حتى لا يسخطك شيء إلاّ ما يسخِط مولاك. ابن عطاء: هو النظر إلى قديم إحسان اللّه للعبد فيترك السخط عليه. سمعت محمد بن الحسين بن محمد يقول: سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت علي بن عبد الحميد يقول: سمعت السهمي يقول: إذا كنت لا ترضى عن اللّه فكيف تسأله الرضا عنك؟.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: [ثنا] ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مُنفَكِّينَ} [الآية: 1]. يعني: منتهين. يقول: لم يكونوا ليؤمنوا، حتى يتبين لهم الحق.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {مُنفَكِّينَ} منتهين زائلين، وأصلُ الفك: الفتحُ ومنه فكُّ الكتاب، وفكُّ الخلخال {ٱلْبَيِّنَةُ} الحجة الواضحة، والدلالة القاطعة {مُّطَهَّرَةً} منزهة عن الباطل والشبهات {قَيِّمَةٌ} مستقيمة عادلة {حُنَفَآءَ} مائلين عن الباطل إِلى الدين الحق، وأصل الحنف: الميلُ {ٱلْبَرِيَّةِ} الخلق من قولهم: برأ اللهُ الخلق، ومنه البارىء أي الخالق. التفسِير: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لم يكن أهل الكفر والجحود، الذين كفروا بالله وبرسوله، ثم بيَّنهم بقوله {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} أي من اليهود والنصارى أهل الكتاب، ومن المشركين عبدة الأوثان والأصنام {مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} أي منفصلين ومنتهين عما هم عليه من الكفر، حتى تأتيهم الحجة الواضحة، وهي بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا فسَّرها بقوله {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي هذه البيّنة هي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم المرسل من عند الله تعالى {يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} أي يقرأ عليهم صحفاً منزَّهة عن الباطل عن ظهر قلب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أميٌ لا يقرأ ولا يكتب قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب، لأنه عليه السلام كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ قال ابن عباس: {مُّطَهَّرَةً} من الزور، والشك والنفاق، والضلالة وقال قتادة: مطهَّرة عن الباطل {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} أي فيها أحكام قيمة لا عوج فيها، تبيّن الحق من الباطل قال الصاوي: المراد بالصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب الأحكام المكتوبة فيها، وإِنما قال {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} لأن القرآن جمع ثمرة كتب الله المتقدمة.. ثم ذكر تعالى من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} أي وما اختلف اليهود والنصارى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، إِلا من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم قال أبو السعود: والآية مسوقةٌ لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان أن تفرقهم لم يكن إِلا بعد وضوح الحق، وتبيّن الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ}تفسير : [آل عمران: 19] وقال في التسهيل: أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إِلا من بعد ما علموا أنه حق، وإِنما خصَّ أهل الكتاب هنا بالذكر، لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي والحال أنهم ما أُمروا في التوراة والإِنجيل إِلا بأن يعبدوا الله وحده، مخلصين العبادة لله جلّ وعلا، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا، فعبدوا أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً}تفسير : [التوبة: 31] {حُنَفَآءَ} أي مائلين عن الأديان كلها إِلى دين الإِسلام، مستقيمين على دين إِبراهيم، دين الحنيفية السمحة، الذي جاء به خاتم المرسلين {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي وأُمروا بأن يؤدوا الصلاة على الوجه الأكمل، في أوقاتها بشروطها وخشوعها وآدابها، ويعطوا الزكاة لمستحقيها عن طيب نفس قال الصاوي: وخصَّ الصلاة والزكاة لشرفهما {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} أي وذلك المذكور من العبادة والإِخلاص، وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة، هو دين الملة المستقيمة - دين الإِسلام - فلماذا لا يدخلون فيه؟ ثم ذكر تعالى مآل كل من الأبرار والأشرار، في دار الجزاء والقرار فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ} أي إِنَّ الذين كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد عليه السلام، من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، هؤلاء جميعهم يوم القيامة في نار جهنم، ماكثين فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون {أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} أي أولئك هم شر الخلق على الإِطلاق قال الامام الفخر: فإِن قيل: لم ذكر {كَفَرُواْ} بلفظ الفعل، {وَٱلْمُشْرِكِينَ} باسم الفاعل؟ فالجواب تنبيهاً على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر، لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإِنجيل، ومقرين بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ثم إِنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام، بخلاف المشركين فإِنهم ولدوا على عبادة الأوثان، وإِنكار الحشر والقيامة، وقوله {أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} لإِفادة الحصر أي شرٌ من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد صلى الله عليه وسلم وشرٌّ من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، ولما ذكر مقر الأشقياء، ذكر بعده مقر السعداء فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي إِن المؤمنين الذين جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال {أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} أي هم خير الخليقة التي خلقها الله وبرأها {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ثوابهم في الآخرة على ما قدموا من الإِيمان والأعمال الصالحة {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي جنات إِقامة تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي ماكثين فيها أبداً، لا يموتون ولا يخرجون منها، وهم في نعيم دائم لا ينقطع {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} أي رضي الله عنهم بما قدموا في الدنيا من الطاعات وفعل الصالحات، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخيرات والكرامات {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي ذلك الجزاء والثواب الحسن لمن خاف الله واتقاه، وانتهى عن معصية مولاه. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الإِجمال ثم التفصيل {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} ثم فصلها بقوله {رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً}. 2- الطباق بين {خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} و{شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}. 3- الاستعارة التصريحية {يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} لفظة مطهرة فيها استعارة حيث شبه تنزه الصحف عن الباطل بطهارتها عن الانجاس. 4- المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجار {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ..} الآية وبين {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية. 5- توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية مثل {ٱلْبَيِّنَةُ}، {القَيِّمَةٌ}، {خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}، {شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} ونحو ذلك. تنبيه: الإِخلاص هو لبُّ العبادة وقد جاء في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه"تفسير : وقد قسم العلماء الأعمال الى ثلاثة أقسام: "مأمورات، ومنهيات، ومباحات" فأما المأمورات فالإِخلاص فيها بأن يقصد بعمله وجه الله، وإِن كانت النية لغير وجه الله، فالعمل رياء محض مردود، وأما المنهيات فإِن تركها بدون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها، وإِن تركها ابتغاء وجه الله كان مأجوراً على تركها، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك، فإِن فعلها بغير نية لم يكن بها أجر، وإِن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإِن كل مباح يمكن أن يصير قربة إِذا قصد به وجه الله، مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفُّف عن الحرام.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {مُنفَكِّينَ} معناه زائلونَ عما هُم عَليهِ مُنتهونَ عَنهُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية هذه السورة مكية ولما ذكر إنزال القرآن في ليلة القدر في السورة التي قبلها: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ}تفسير : [العلق: 1] ذكر هنا أن الكفار لم يكونوا منفكين عن ما هم عليه حتى جاءهم الرسول عليه السلام يتلوا عليهم ما أنزل عليه من الصحف المطهرة التي أمر بقراءتها وقسم الكافرين هنا إلى أهل كتاب وأهل إشراك وأهل الكتاب: اليهود، والنصارى والمشركون، عبدة الأوثان من العرب. {مُنفَكِّينَ} إسم فاعل من انفك وهي التامة وليست الداخلة على المبتدأ والخبر. {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي من المشركين وانفصل بعضهم من بعض فقال كل ما يدل عنده على صحة قوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} وكان يقتضي مجيء البينة أن يجمعوا على اتباعها. {حُنَفَآءَ} أي مستقيمي الطريقة مائلين عن طرق الضلال إلى طريق الهداية. {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} أي الأمة المستقيمة وذكر تعالى مقر الأشقياء وجزاء السعداء والبرية جميع الخلق وحكم على الكفار من الفريقين بأمرين بالخلود في النار وبكونهم شر البرية وبدأ بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته وجنايتهم أعظم لأنهم أنكروه مع العلم به وشر البرية ظاهره العموم.

الجيلاني

تفسير : {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني: اليهود والنصارى {وَٱلْمُشْرِكِينَ} أي: عبدة الأوثان {مُنفَكِّينَ} أي: لم يكونوا زائلين منفصلين في حين من الأحيان عن الإيمان والاعتقاد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ أهل الكتاب آمنوا بنبوته بمقتضى ما وجدوا في كتبهم، والمشركون سمعوا من أسلافهم وصفه ونبوته واعتقدوا بعثته، فآمنوا له، ولم يزالوا على هذا الاعتقاد {حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} [البينة: 1] على مقتضى سنة الله، فظهرت الحجة الواضحة والبينة الموضحة. وتلك البينة والبرهان {رَسُولٌ} مرسل {مِّنَ ٱللَّهِ} مؤيد من لدنه بالآيات الواضحة والبينات الإلهية {يَتْلُواْ صُحُفاً} أسفاراً محفوظة، مصورة، معجزة {مُّطَهَّرَةً} [البينة: 2] عن مطلق الزذائل، بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزل منزَّل من حكيم عليم. {فِيهَا} أي: خلالها ومطاويها {كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3] أي: مكتوبات صادقة حقه من الأوامر والنواهي الحكام المتعلقة لدين الإسلام، صادقة مستقيمة، لا عوج لها ولا انحراف، ناطقة بالحق الصريح. وبالجملة: {وَمَا تَفَرَّقَ} واختلف في الإنكار والاعتقاد، والإيمان والكفر {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} [البينة: 4] يعني: ما تفرقت تلك الأمم عما هم عليه من تصديق النبي الموعود إلاَّ من بعد ما ظهر الرسول الموعود، ولاحت البيِّنة الواضحة، الدالة على صدقه في نبوته ودعوته، ألاَ وهو القرآن المعجز المبيِّن لشعائر الإسلام. وبالجملة: اختلفوا في نشأته صلى الله عليه وسلم وبعد بعثته، فمنهم من آمن له على مقتضى ما وجده في كتابه، ومنهم من كفر وأنكر عليه عناداً ومكابرةً؛ ولهذا حرَّف أوصافه المذكورة في الكتب السالفة مع أنهم لم يجدوا في دينه وكتابه ما يخالف أحكام كتبهم وأديانهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها التالي سطور كلام الكتاب العالي، وظلمة الليالي لدرك المكارم والمعالي، واعلم أن القوى الكافرة القالبية والمشركة النفسية غير منفكين عن كفرهم وشركهم، حتى جاءتهم بينة الوارد الغيبي هو رسول من الله مالك الملك، ليقول في كتابه الحميد وكلامه المجيد: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً} [البينة: 1-2]؛ وهي صحف السر والقلب المطهر من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق. {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3]؛ يعني: في صحف السر والقلب كتب قيمة غير معوجة لاستقامة السلام عند إقامة المرآة محازاة الوجه، ولو لم يكن السالك مستقيماً تكون الكتب معوجة على صحف قلبه، والسرة وإن كانت مطهرة وهذه حالة شهودية لا يطلع على حقيقة هذا البيان إلا أهل المشاهدة. {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]؛ لأنهم كانوا ثابتين على عادتهم في عبادتهم بحيث صارت العبادة عادة لهم، فإذا جاءتهم البينة الواردة وأمرتهم بترك العبادات العادية، وبالإخلاص في التوجه، وبالصلاة في العبادة وبالزكاة في الطهارة، وتفرقت القوى الكافرة {وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ} [البينة: 1] عن الحق مجتمعين في حظوظهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } أي: [من] اليهود والنصارى { وَالْمُشْرِكِينَ } من سائر أصناف الأمم. { مُنْفَكِّينَ } عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي: لا يزالون في غيهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين إلا كفرًا. { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } الواضحة، والبرهان الساطع، ثم فسر تلك البينة فقال: { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ } أي: أرسله الله، يدعو الناس إلى الحق، وأنزل عليه كتابًا يتلوه، ليعلم الناس الحكمة ويزكيهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ولهذا قال: { يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً } أي: محفوظة عن قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون، لأنها في أعلى ما يكون من الكلام. ولهذا قال عنها: { فِيهَا } أي: في تلك الصحف { كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } أي: أخبار صادقة، وأوامر عادلة تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فإذا جاءتهم هذه البينة، فحينئذ يتبين طالب الحق ممن ليس له مقصد في طلبه، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول وينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابًا { إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم، لم يزدهم الهدى إلا ضلالا ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد، ودين واحد فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا { اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، { حُنَفَاءَ } أي: معرضين [مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله { لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ } لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين. { وَذَلِكَ } أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو { دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم. ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البينة، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } قد أحاط بهم عذابها، واشتد عليهم عقابها، { خَالِدِينَ فِيهَا } لا يفتر عنهم العذاب، وهم فيها مبلسون، { أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وخسروا الدنيا والآخرة. { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة . { جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها ولا رحيل، ولا طلب لغاية فوقها، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } فرضي عنهم بما قاموا به من مراضيه، ورضوا عنه، بما أعد لهم من أنواع الكرامات وجزيل المثوبات { ذَلِكَ } الجزاء الحسن { لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } أي: لمن خاف الله، فأحجم عن معاصيه، وقام بواجباته. [تمت والحمد لله]

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى {لَمْ يَكُنِ} 711- أنا إبراهيم بن الحسن، نا حجَّاج، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُبيِّ بن كعب حين نزلت {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: "حديث : إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: وسمَّاني لك؟ قال: "نعم"، فبكى . تفسير : 712- أنا علي بن حُجر، أنا علي بن مسهر، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وأنا زياد بن أيوب ومحمد بن العلاء والحسن بن إسماعيل قالوا: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت المُختار بن فُلْفُل يذكر قال: سمعت أنسا قال: حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البريَّة، قال: "ذاك إبراهيم"تفسير : وقال أبو كريب والحسن: "لرسول الله صلى الله عليه وسلم". وقال زياد: "يذكر عن أنس" .

همام الصنعاني

تفسير : 3672- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُنفَكِّينَ}: [الآية: 1]، قال: منتهين عما هم فيه.