٩٨ - ٱلْبَيِّنَة
98 - Al-Bayyina (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي من اليهود والنصارى. خصّ أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهمْ مظنون بهم عِلم؛ فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} أي أتتهم البينة الواضحة. والمعنِيّ به محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي القرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته. وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوّته؛ فلما بعِث جحدوا نبوّته وتفرّقوا، فمنهم من كفر: بغياً وحسداً، ومنهم من آمن؛ كقوله تعالى: { أية : وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } تفسير : [الشورى: 14]. وقيل: «البينة»: البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. قال العلماء: مِن أوّل السورة إلى قوله «قَيِّمَةٌ»: حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. وقوله: «وما تفرق»: حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ } في الإِيمان به صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ } أي هو صلى الله عليه وسلم أو القرآن الجائي به معجزة له، وقبل مجيئه صلى الله عليه وسلم كانوا مجتمعين على الإِيمان به إذا جاء فحسده من كفر به منهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا تَفَرَّقَ} اليهود والنصارى إلا من بعد ما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم أو القرآن.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. أي: من اليهود والنصارى، خصَّ أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم، وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم، فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب لهم أدخل في هذا الوصف. قوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}. أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم، أي القرآن موافقاً لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر، بغياً وحسداً، ومنهم من آمن، كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} تفسير : [الشورى: 14] وقيل: البينة البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل. قال العلماء: من أول السورة، إلى قوله: "قَيِّمة" حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين، وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ} حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحُججِ. قوله: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ}. يعني هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ}, أي: يوحدوه، واللام في {لِيَعْبُدُواْ} بمعنى "أنْ" كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26]، أي: أن يبين، و {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8]. قوله: {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. العامة: على كسر اللام، اسم فاعل، وانتصب به الدين. والحسن: بفتحها، على أنهم يخلصون هم أنفسهم في شأنهم. وانتصب "الدِّينَ" على أحد وجهين: إما إسقاط الخافض، أي: "في الدين"، وإما على المصدر من معنى "ليعبدوا"، وكأنه قيل: ليدينوا الدين، أو ليعبدوا العبادة. [فالتجوز إما في الفعل، وإما في المصدر، وانتصاب مخلصين على الحال من فاعل "يعبدون"]. قوله: "حنفاء" حال ثانية، أو حال من الحال قبلها، أي: من الضمير المستكن فيها. [قوله: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ} أي: وما أمروا بما أمروا به إلا لكذا، وقرأ عبد الله: وما أمروا إلا أن يعبدوا، أي بأن يعبدوا، وتقديم تحرير مثله عند قوله تعالى: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : في سورة الأنعام: [آية: 71]]. فصل في معنى الآية قال المفسرون: المعنى، وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ}، أي: ليوحدوه، واللام بمعنى "أنْ" كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26]، ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [الزمر: 11] أي: العبادة، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله لا غيره، وقوله تعالى: {حُنَفَآءَ}، أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم عليه السَّلام. وقيل: الحنيف: من اختتن وحجّ، قاله سعيد بن جبير. وقال أهل اللغة: وأصله أنه تحنف إلى الإسلام، أي: مال إليه. قوله: {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}، أي يصلُّوها في أوقاتها {وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ}، أي: يعطوها عند محلها، وقوله: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} أي: ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي: الدين المستقيم، وقال الزجاج أي: ذلك دين الملة المستقيمة، و "القَيِّمَةِ" نعت لموصوف محذوف، وقيل: "ذلك" إشارة إلى الدين، أي ذلك الدين الذي أمروا به أي الدين المستقيم أي ذلك دين الأمة القيمة. وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: الكتب القيمة، لأنها قد تقدمت في الذكر، قال تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} فلما أعادها مع "أل" العهدية، كقوله تعالى: {أية : فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [المزمل: 16]، وهو حسن. وقرأ الحسن، وعبد الله: "وذلك الدين القيمة"، والتأنيث حينئذٍ، إما على تأويل الدين بالملة، كقوله: [البسيط] شعر : 5264- ………........................ سَائِلْ بَنِي أسدٍ مَا هَذهِ الصَّوتُ تفسير : وقال الخليل: القيمة جمع القيم، والقيم والقيمة واحد بتأويل: الصيحة، وإما على أنها تاء المبالغة: كـ "علامة". وقال الفراء: أضاف الدين إلى "القيمة" وهو نعته، لاختلاف اللفظين، وعنه أيضاً: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما تفرق الذين اوتوا الكتاب} عما كانوا عليه من الوعد وافراد اهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم وانهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك اولى فخصوا بالذكر لأن جحود العالم اقبح واشنع من انكار الجاهل {الا من بعد جاءتهم البينة} استثناء مفرغ من اعم الاوقات اى وما تفرقوا فى وقت من الاوقات الا من ما جاءتهم الحجة الواضحة الدالة على أن رسول الله عليهم السلام هو الموعود فى كتابهم لدلالة جليلة لا ريب فيها.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} فيما ذكر سابقاً {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ} يعنى لم يكونوا منفكّين عن دينهم او اجتماعهم او تصديق محمّدٍ (ص) وما تفرّقوا الاّ بعد الرّسول (ص) بان صدّق بعضهم وكذّب بعضهم وبقى بعضهم على دينه وترك بعضهم دينه.
الهواري
تفسير : قال عز وجل: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} أي: إلا من بعد ما جاءهم البيان من الله. قال عز وجل: {وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ} والحنيف في تفسير الحسن: المخلص. وتفسير الكلبي: الحنيف: المسلم. قال عز وجل: {وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي: دين الملة المستقيمة بأمر الله. رجع إلى قوله: {لِيَعْبُدُواْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ}. قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} يعني من كفر بما جاء به محمد عليه السلام من أهل الكتاب والمشركين {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} أي: شرّ الخلق. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أي: خير الخلق. [يحيى عن حماد عن أبي الزبير عن أبي هريرة قال: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده] {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: لا يموتون ولا يخرجون منها {رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} أي: بأعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي: ورضوا ثوابه {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.
اطفيش
تفسير : {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ} أعطاهم الله *{الْكِتَابَ} حقيقة فشمل التوراة والإنجيل ولم يذكر المشركين هنا لأنه إذا تفرق أهل الكتاب مع أنهم على علم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم فالمشركون الذين لا كتاب لهم أولى بالتفريق ونفرق أهل الكتاب تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه أو كأنهم فرقا مؤمن وكافر قائل ليس محمد بالموصوف في الكتاب الذي بين أيدينا وعارف معاندا وما تفرقوا عن الوعد بالإصرار على الكفر. *{إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم أو البينة في كتبهم أنه نبي مرسل أي تفرقوا وقد رأوه في كتبهم، قيل لم يزل أهل الكتاب مجتمعين على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله فمؤمن ومكذب وما مر من أول السورة إلى هذا الموضع من مشكل القرآن فقيل تأنى بمعنى أنت أي لم يتركوا كفرهم حتى جاءتهم البينه وهو النبي أو القرآن زاد هما الله شرفا فآمنوا وتركوا الكفر لأنه صلى الله عليه وسلم قد بين لهم ولا شك أن الذين آمنوا بعضهم بقرينة الحال المشاهدة وبقرينة الفرق في أهل الكتاب صريحا وفي غيرهم ضمنا فحاصل ذلك أن بعضا آمن وبعضا كفر وهذا تفرق وقد اجتمعوا من قبله على التصديق وأنهم لا يتركون دينهم حتى يأتيهم هذا الرسول الموصوف في التوراة والإنجيل فلا مناقضة بين قوله {أية : حتى تأتيهم البينة} تفسير : وقوله {وَمَا تفَرَّقَ} الخ ويجوز أن يكون قوله {لَم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} الخ حكاية لما قالوه أو المراد لم يكونوا منفكين كاعتقادهم لاغي أو تلغي كلمة في أي اعتقدوا أن ينفكوا حتى الخ وقوله {وَمَا تفَرَّقَ الَّذِينَ} الخ اخبارا عن الواقع والمعنى انهم وعدوا بالايمان والانفاق عليه عند مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاء كفر بعض وامن بعض وما وقع هذا الا متبرق الا بعد مجيئه وقد كانوا من قبل متفقين على الايمان اذا جاء او المراد انهم انفكوا عن الايمان اذا جاء ثم ما فرقهم عن لاحق ولا اقرهم الا مجيئه وزاد والكفر بمجيئه ونظيره ان بقول الفقير الفاسق لمن يعظه لا انفك حتى يرزقني الله الغنى ولما اغناه فسقا فيقول واعظه ففسقت الا اليوم يريد أن فسقه اشتد وقوي بالغنى وعلى الوجه الذي قيل هذا فكان الواعظ قال له لم تكن منفكا عن الفسق حتى يغنيك الله فما غمست رأسك في الفسق الا بعد ان اغناه يذكره ما كان يقول قبل الإغناء توبيخا وإلزاما للحجة أو المراد لم يكونوا منفكين عن الإجتماع على التصديق حتى تأتيهم ولما أتتهم تفرقوا. وعن الفراء لم يكونوا منفكين عن معرفة صحة نبوة محمد والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة فتفرقوا أو المراد لا ينتهون حتى أفعل فيهم موجب الإنتهاء وهو بعث الرسول أي لا أتركهم سدى وهذا كما تقول لعبدك الخائن لا تنفك عن الخيانة حتى يجعل لك رقيبا أو حتى يعافيك بكذا تريد أن لا بد لك من الجعل أو العقاب قال الرازي أو المراد أنهم لا ينفكون وإن جاءتهم البينة إلا أن تفسير حتى بذلك ليس من اللغة في شيء.
اطفيش
تفسير : المذكورة اتفقوا على الكفر قبل مجيئها واختلفوا بعد مجيئها عاب الله عليهم ازدياد الكفر بأَنواعه بعد مجئيها الموجب لزوال الكفر وكان مقتضى شأنهم أن يتفرقوا قبلها فى غير شأنها لا أن يتفرقوا فى شأنها بعد مجيئها وهم ما تفرقوا إلاَّ بعد مجيئها مع أنها نور واضح وذكر غير واحد أن ذلك حكاية لقولهم لا نزال على ما نحن فيه من الدين مجتمعين عليه غير منفكين عنه حتى يجىءَ النبى الموعود به فى التوراة والانجيل فنجتمع على ما جاءَ به وقال تعالى ثم ما فرقهم عن الحق وأقرهم على الكفر إلاَّ مجيئه وقيل لم يكونوا منفكين عن الوعد بالإيمان بالرسول المبعوث آخر الزمان إلى أن أتاهم ما جعلوه ميقاتاً للاجتماع فجعلوه ميعاداً بالانفكاك وكانوا يدعون الله تعالى بالنبى المبعوث اخر الزمان أن ينصرهم على المشركين ويقولون ظل زمان يبعثه الله تعالى بتصديق ما عندنا نقتلكم معه قتل عاد وإرم ولكن أى دليل على قصد ذلك من الآية وما ذكرته هو الحق إن شاءَ الله تعالى، وقيل لم يكونوا منفكين عن ذكر الرسول بالحق إلى أن أتاهم فتفرقوا فيه بأقوال الذم زوراً ولا دليل فى الآية على أن الانفكاك عن ذكره بالحق، وقيل المعنى داموا على الكفر إلى أتى فآمن بعض وكفر بعض وفيه أن ظاهر قوله وما تفرق ذمهم لا ذم بعض ومن آمن لم يذم.
الالوسي
تفسير : فإنه ظاهر في أن كفرهم قد زاد عند ذلك فقال جار الله ((كان الكفار من الفريقين يقولون قبل المبعث لا ننفك عما نحن فيه من ديننا حتى يبعث الله تعالى النبـي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال سبحانه: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول ثم ما فرقهم عن الحق وأقرهم على الكفر إلا مجيئه ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله تعالى الغنى فيرزقه الله عز وجل ذلك فيزداد فسقاً فيقول واعظه لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً)) وحاصله أن الأول من باب الحكاية لزعمهم. وقوله سبحانه: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ إلزام عليهم حكى الله تعالى كلامهم على سبيل التوبيخ والتعيير فقال هذا هو الثمرة وظاهره أنه أراد بتفرقهم تفرقهم عن الحق وحمل على الثبات على الكفر والباطل لاستلزامه إياه، وعدم التعرض للمشركين في قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ لعلم حالهم من حال الذين أوتوا الكتاب بالأولى وقيل - وهو قريب من ذاك من وجه - وفيه إيضاح له من وجه أي لم يكونوا منفكين عما كانوا عليه من الوعد باتباع الحق والإيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان إلى أن أتاهم ما جعلوه ميقاتاً للاجتماع والاتفاق فاجعلوه ميقاتاً للانفكاك والافتراق كما قال سبحانه: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ وفي التعبير بمنفكين إشارة إلى وكادة وعدهم وهو من أهل الكتاب مشهور حتى أنهم كانوا يستفتحون ويقولون اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبـي المبعوث في آخر الزمان ويقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبـي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، ومن المشركين لعله وقع من متأخريهم بعد ما شاع من أهل الكتاب واعتقدوا صحته مما شاهدوا مثلاً من بعض من يوثق به بينهم من قومهم كزيد بن عمرو بن نفيل فقد كان يتطلب نبياً من العرب ويقول قد أظل زمانه وإنه من قريش بل من بني هاشم بل من بني عبد المطلب ويشهد لذلك أنهم قبيل بعثته عليه الصلاة والسلام سمى منهم غير واحد ولده بمحمد رجاء أن يكون النبـي المبعوث {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124] والتعبير عن إتيانه بصيغة المضارع باعتبار حال المحكي لا باعتبار حال الحكاية كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ }تفسير : [البقرة: 102] أي تلت. وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ ((كلام مسوق لمزيد التشنيع على أهل الكتاب خاصة ببيان أن ما نسب إليهم من الانفكاك لم يكن لاشتباه في الأمر بل بعد وضوح الحق وتبين الحال وانقطاع الأعذار بالكلية وهو السر في وصفهم بإيتاء الكتاب المنبـىء عن كمال تمكنهم من مطالعته والإحاطة بما في تضاعيفه من الأحكام والأخبار التي من جملتها ما يتعلق بالنبـي عليه الصلاة والسلام وصحة بعثته بعد ذكرهم فيما سبق بما هو جار مجرى اسم الجنس للطائفتين ولما كان هؤلاء والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي المذكور في حكم فريق واحد عبر عما صدر منهم عقيب الاتفاق عند الإخبار بوقوعه بالانفكاك وعند بيان كيفية وقوعه بالتفرق اعتباراً لاستقلال كل من / فريقي أهل الكتاب وإيذاناً بأن انفكاكهم عن الرأي المذكور ليس بطريق الاتفاق على رأي آخر بل بطريق الاختلاف القديم)) وتعقب التقريران بأنه ليس في الكلام ما يدل على أنه حكاية ولا على إرادة منفكين عن الوعد باتباع الحق. وقال القاضي عبد الجبار المعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة وتعقبه الإمام بأن تفسير لفظ {حَتَّىٰ} بما ذكر ليس من اللغة في شيء ولعله أراد أن المراد استمرار النفي وإن في الكلام حذفاً أي لم يكونوا منفكين عن كفرهم في وقت من الأوقات حتى وقت أن تأتيهم البينة إلا أنه عبر بما ذكر لأنه أخصر وفيه أيضاً ما لا يخفى. وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمناقب والفضائل إلى أن أتاهم فحينئذٍ تفرقوا فيه وقال كل منهم فيه عليه الصلاة والسلام قولاً زوراً وتعقب بأنه لا دلالة على إرادة ما قدر متعلق الانفكاك. وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجىء الرسول صلى الله عليه وسلم فلما جاءهم تفرقوا فمنهم من آمن ومنهم من أصر على كفره ويكفي ذلك في العمل بموجب حتى وتعقب بأن ظاهر {وَمَا تَفَرَّقَ} الخ ذم لجميعهم وتشنيع عليهم ويؤيده قوله سبحانه بعد: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [البينة: 6] الخ ويبعد ذلك على حمل التفرق على إيمان بعض وإصرار بعض. وقيل المعنى لم يكونوا منفكين عن كفرهم بأن يترددوا فيه بل كانوا جازمين به معتقدين حقيته إلى أن أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعند ذلك اضطربت خواطرهم وأفكارهم وتشكك كل في دينه ومقالته وفيه ما لا يخفى. وقيل معنى {مُنفَكِّينَ} هالكين من قولهم انفك صلا المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل فلا يلتئم والمعنى لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وقريب منه معنى ما قيل لم يكونوا منفكين عن الحياة بأن يموتوا ويهلكوا حتى تأتيهم البينة وهو كما ترى وقيل المراد أنهم لم ينفكوا عن دينهم حقيقة إلى مجىء الرسول التالي للصحف المبينة نسخة وبطلانه ولما جاء وتبين ذلك انفكوا عنه حقيقة وإن بقوا عليه صورة وفيه ما فيه. وقال أبو حيان ((الظاهر أن المعنى لم يكونوا منفكين أي منفصلاً بعضهم عن بعض بل كان كل منهم مقراً الآخر على ما هو عليه مما اختاره لنفسه، هذا من اعتقاده بشريعته وهذا من اعتقاده بأصنامه وحاصله أنه اتصلت مودتهم واجتمعت كلمتهم إلى أن أتتهم البينة {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ} أي من المشركين وانفصل بعضهم من بعض فقال كل ما يدل عنده على صحة قوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ} وكان يقتضي عند مجيئها أن يجتمعوا على اتباعها)) ولا يخفى أن قوله: بل كان كل منهم الخ في حيز المنع وأيضاً حمل {وَمَا تَفَرَّقَ} على ما حمله عليه غير ظاهر. وقال ابن عطية ((هٰهنا وجه بارع المعنى وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره سبحانه حتى يبعث عز وجل إليهم رسولاً منذراً يقيم تعالى عليهم به الحجة ويتم على من آمن به النعمة فكأنه قال ما كانوا ليتركوا سدى ولهذا نظائر في كتاب الله جل جلاله)) هذا ما ظفرنا به سؤالاً وجواباً وجرحاً وتعديلاً. ثم إني أقول: ما تقدم في تقرير الإشكال مبني على مذهب القائلين بمفهوم الغاية وهم أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين كالقاضي أبـي بكر والقاضي عبد الجبار وأبـي الحسين البصري وغيرهم دون مذهب الغير القائلين به وهم أصحاب الإمام أبـي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين واختاره الآمدي واستدل عليه بما استدل ورد ما يعارضه من أدلة المخالف، وعليه يمكن أن يقال إنه سبحانه وتعالى بين أولاً حال الذين كفروا من الفريقين إلى وقت إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله عز وجل: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ }تفسير : [البينة: 1] أي عما هم عليه من الدين حسب اعتقادهم فيه إلى أن يأتيهم الرسول ولما لم يتعرض في ذلك على ذلك المذهب لحالهم بعد إتيان الرسول عليه الصلاة والسلام بينه سبحانه بقوله / جل وعلا: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } الخ أي وما تفرقوا فعرف بعض منهم الحق وآمن وعرفه بعض آخر منهم وعاند فلم يؤمن في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم البينة وطوى سبحانه ذكر حال المشركين لعلمه بالأَوْلى من حالهم ثم إنه تعالى ذكر بعد حال كل من الفريقين المؤمن والكافر وماله في الآخرة بقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [البينة: 6] الخ وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [البينة: 7] الخ. والذي أميل إليه مما تقدم كون الانفكاك عن الوعد باتباع الحق ولعل القرينة على اعتباره حالية ويحتمل نحواً آخر من التوجيه وذلك بأن يجعل الكلام من باب الإعمال فيقال إن {مُنفَكّينَ} يقتضي متعلقاً هو المنفك عنه و{تَأْتِيَهُمُ} يقتضي فاعلاً وليس في الكلام سوى (البينة) فكل منهما يقتضيه فأعمل فيه {تَأْتِيَهُمُ} وحذف معمول {مُنفَكّينَ} لدلالته عليه فكأنه قيل لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكين عن البينة حتى تأتيهم البينة وحيث كان المراد بالبينة الرسول كان الكلام في قوة لم يكونوا منفكين عن الرسول حتى يأتيهم ويراد بعدم الانفكاك عن الرسول حيث لم يكن موجوداً إذ ذاك عدم الانفكاك عن ذكره والوعد باتباعه ويكون باقي الكلام في الآية على نحو ما سبق على تقدير إرادة منفكين عما كانوا عليه من الوعد باتباع الحق، وإن شئت قلت في قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ } الخ إنه على معنى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب عن الرسول ما انفكوا عنه بالإصرار على الكفر إلا من بعد ما جاءهم فتأمل جميع ما أتيناك به والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ابن عاشور
تفسير : ارتقاء في الإِبطال وهو إبطال ثان لدعواهم بطريق النقض الجدلي المسمى بالمعارضة وهو تسليم الدليل والاستدلالُ لما ينافي ثبوت المدلول، وهذا إبطال خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى، ولذلك أظهر فاعل {تفرق} ولم يقل: وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة، إذ لو أضمر لتوُهِّمَت إرادة المشركين من جملة معاد الضمير، بعد أن أبطل زعمهم بقوله: { أية : رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة } تفسير : [البينة: 2] ارتقى إلى إبطال مزاعمهم إبطالاً مشوباً بالتكذيب وبشهادة ما حصل في الأزمان الماضية. فيجوز أن تكون الواو للعطف عاطفة إبطالاً على إبطال، ويجوز أن تكون واو الحال. والمعنى: كيف يزعمون أن تمسكهم بما هم عليه من الدين مغيّاً بوقت أن تأتيهم البينة والحال أنهم جاءتهم بينة من قبل ظهور الإِسلام وهي بينة عيسى عليه السلام فتفرقوا في الإِيمان به فنشأ من تفرقهم حدوث مِلتين اليهودية والنصرانية. والمراد بهذه البينة الثانية مجيء عيسى عليه السلام فإن الله أرسله كما وعدهم أنبياؤهم أمثالُ إلياسَ واليسع وأشعياء. وقد أجمع اليهود على النبي الموعود به تجديد الدين الحق وكانوا منتظرين المخلص، فلما جاءهم عيسى كذبوه، أي فلا يطمع في صدقهم فيما زعموا من انتظار البينة بعد عيسى وهم قد كذبوا ببينة عيسى، فتبين أن الجحود والعناد شنشنة فيهم معروفة. والمراد بالتفرق: تفرق بني إسرائيل بين مكذّب لعيسى ومؤمن به وما آمن به إلا نفر قليل من اليهود. وجُعل التفرق كناية عن إنكار البينة لأن تفرقهم كان اختلافاً في تصديق بينة عيسى عليه السلام، فاستعمل التفرق في صريحه وكنايته لقصد إدماج مَذَمتهم بالاختلاف بعد ظهور الحق كقوله: { أية : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } تفسير : [آل عمران: 19]. فالتعريف في {البينة} المذكورة ثانياً يجوز أن يكون للعهد الذهني، أو للمعهود بَيْن المتحدَّث عنهم، وهي بينة أخرى غير الأولى وإعادتُها من إعادة النكرة نكرة مثلها إذ المعرف بلام العهد الذهني بمنزلة النكرة، أو من إعادة المعرفة المعهودة معرفةً مثلها، وعلى كلا الوجهين لا تكون المعادة عين التي قبلها. وقد أطبقت كلمات المفسرين على أن معنى قوله تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} أنهم ما تفرقوا عن اتباع الإِسلام، أي تباعدوا عنه إلا من بعد ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهذا تأويل للفظ التفرق وهو صرف عن ظاهره بعيد فأشكل عليهم وجه تخصيص أهل الكتاب بالذكر مع أن التباعد عن الإِسلام حاصل منهم ومن المشركين، وجعلوا المراد بــــ {البينة} الثانية عين المراد بالأولى وهي بينة محمد صلى الله عليه وسلم سوى أن الفخر ذكر كلمات تنبىء عن مخالفة المفسرين في محمل تفرق الذين أوتوا الكتاب فإنه بعد أن قرر المعنى بما يوافق كلام بقية المفسرين أتى بما يقتضي حمل التفرق على حقيقته، وحمل البينة الثانية على معنى مغاير لمحمل {البينة} الأولى، إذ قال: «المقصود من هذه الآية تسلية محمد صلى الله عليه وسلم أي لا يغمنّك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبب وعبادة العجل إلا بعد ما جاءتهم البينة، فهي عادة قديمة لهم»، وهو معارض لأول كلامه، ولعله بدا له هذا الوجه وشغله عن تحريره شاغل وهذا مما تركه الفخر في المسودة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (4) - وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الكِتَابِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَتَفَرَّقُوا طَرَائِقَ وَمَذَاهِبَ، حَتَّى صَارَ أَهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يُبْطِلُونَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ بَغْياً وَعُدْوَاناً، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ أَنْتَ بِبَيِّنَتِكَ، وَإِذَا كَانُوا قَدْ جَحَدُوا بَيِّنَتَكَ فَهُمْ قَدْ جَحَدُوا بَيِّنَةَ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَأَنْكَرُوا آيَاتِ اللهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَيَقنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ حَالُ أَهْلِ الكِتَابِ فَمَا ظَنُّكَ بِالْمُشْرِكِينَ الذِينَ هُمْ أَعْرَقُ فِي الكُفْرِ وَالجَهَالَةِ؟. وَمَا تَفَرَّقَ - وَمَا اخْتَلَفُوا فِي الرَّسُولِ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَجَاحِدٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):