Verse. 6135 (AR)

٩٨ - ٱلْبَيِّنَة

98 - Al-Bayyina (AR)

وَمَاۗ اُمِرُوْۗا اِلَّا لِــيَعْبُدُوا اللہَ مُخْلِصِيْنَ لَہُ الدِّيْنَ۝۰ۥۙ حُنَفَاۗءَ وَيُقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَيُؤْتُوا الزَّكٰوۃَ وَذٰلِكَ دِيْنُ الْقَيِّمَۃِ۝۵ۭ
Wama omiroo illa liyaAAbudoo Allaha mukhliseena lahu alddeena hunafaa wayuqeemoo alssalata wayutoo alzzakata wathalika deenu alqayyimati

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أمروا» في كتابهم التوراة والإنجيل «إلا ليعبدوا الله» أي أن يعبدوه فحذفت أن وزيدت اللام «مخلصين له الدين» من الشرك «حنفاء» مستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد إذا جاء فكيف كفروا به «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين» الملة «القيِّمة» المستقيمة.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: وما أمروا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد: {وَمَا أُمِرُواْ } في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعاً في حقهم فهو مشروع في حقنا وثانيها: أن يكون المراد: وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بهذه الأشياء، وهذا أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعاً جديداً وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى وثانيها: وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله: {أية : حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 1] وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم وثالثها: أنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية ديناً قيماً فوجب أن يكون شرعاً في حقنا سواء قلنا: بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بياناً لشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا قول مقاتل. المسألة الثانية: في قوله: {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلاً لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله فعلاً لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بالغير وهو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثاً افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، وإن كان قادراً عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثاً، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل. ثم قال الفراء: العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيراً، من ذلك قوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26] {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } تفسير : [الصف: 8] وقال في الأمر: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } تفسير : [الأنعام: 71] وهي في قراءة عبد الله: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ أن يعبدوا ٱللَّهِ } فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوباً، ثم قالت الشافعية: الوضوء مأمور به في قوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } تفسير : [المائدة: 6] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منوياً، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منوياً، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضاً قوي، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء، وهذا أيضاً يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات. فإن قيل: النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه. لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه. قلنا: هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة. المسألة الثالثة: قوله: {أُمِرُواْ } مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] قالوا: فيه وجوه أحدها: كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54]، {أية : كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملاً يقول له أولاً: ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحاً، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته، فههنا أيضاً لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد وثانيها: أنا على القول بالحسن والقبح العقليين، نقول: كأنه تعالى يقول: لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضاً يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك (أن) نهاية الإنعام واجبة في العقول. المسألة الرابعة: اللام في قوله: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب ألبتة، ثم أمرك بالعبادة. وجبت لمحض العبودية، وفيها أيضاً إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة، ونعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال: بالثاني ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول. المسألة الخامسة: العبادة هي التذلل، ومنه طريق معبد أي مذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسماً لكل طاعة الله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحداً في ذاته وصفاته الذاتية، والفعلية، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم، ثم نقول: لا بد في كون الفعل عبادة من شيئين أحدهما: غاية التعظيم، ولذلك قلنا: إن صلاة الصبي ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة الله، فلا يكون فعله في غاية التعظيم والثاني: أن يكون مأموراً به، ففعل اليهودي ليس بعبادة، وإن تضمن نهاية التعظيم، لأنه غير مأمور به، والنكتة الوعظية فيه، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم؟. المسألة السادسة: الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصاً لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل، والنكت الوعظية فيه من وجوه أحدها: كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك، بل بذلت لك البعض، فأطلب منك البعض نصفاً من العشرين، وشاة من الأربعين، لكن القدر الذي فعلته لم أرد بفعله سواك، فلا ترد بطاعتك سواي، فلا تستثن من طاعتك لنفسك فضلاً من أن تستثنيه لغيرك، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة كالحكة والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص، وأما الإلتفات المكروه فذا حظ الشيطان وثانيها: كأنه تعالى قال: يا عقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك ألبتة، فإذاً لا تريد إلا ما أريد ولا أريد إلا ما تريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا البدن، فكأنه تعالى بفضله قال: الملك لا يخدم الملك لكن (لكي) نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم ما فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] فاجعل أنت أيضاً جميع ما تفعله لأجلي: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [البينة: 5]. واعلم أن قوله: {مُخْلِصِينَ } نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل لوجهه مخلصاً لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضاً آخر، بل قالوا: لا يجعل طلب الجنة مقصوداً ولا النجاة عن النار مطلوباً وإن كان لا بد من ذلك، وفي التوراة: ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل. وقالوا من الإخلاص أن لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت إثنتين واحدة لله وواحدة للأمير لم يجز لأنه شرك، وإن زدت في الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة أخرى، فكيف ولو خلطت بها محظوراً مثل أن تتقدم على إمامك، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص؟ وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: {مُخْلِصِينَ } قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، وقال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً } تفسير : [التوبة: 21]. أما قوله تعالى: {حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } ففيه أقوال: الأول: قال مجاهد: متبعين دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [النحل: 123] وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضاً بالكلية، فلا جرم ذكر قوماً أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم، وهو إبراهيم ومن معه، فقال: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } تفسير : [الممتحنة: 4] فكأنه تعالى قال: إن كنت تقلد أحداً في دينك، فكن مقلداً إبراهيم، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران، ومن ماحين بذله للضيفان، ومن ولده حين بذله للقربان، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه، ولم ير شخصاً فاستعاده، فقال: أما بغير أجر فلا، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام، وقال: حق لك حيث سماك خليلاً فخذ مالك، فإن القائل: كنت أنا، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال: أما إليك فلا، فالحق سبحانه كأنه يقول: إن كنت عابداً فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصبي، كيف إنقاد لحكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤيا، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الإثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث، والرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف، لا يكلمها ولا يعطف عليها، قالت آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق. والقول الثاني: المراد من قوله: {حُنَفَاء } أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل، كقولنا: للأعمى بصير وللمهلكة مفازة، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30] {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الفاتحة: 6]. والقول الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجاً، وذلك لأنه ذكر العباد أولاً ثم قال: {حُنَفَاء } وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال الرابع: قال أبو قلابة الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحداً منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفاً الخامس: حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين، قال عليه السلام: «حديث : بعثن بالحنيفية السهلة السمحة»تفسير : السادس: قال قتادة: هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم والمحارم، فقوله: {حُنَفَاء } إشارة إلى النفي، ثم أردفه بالإثبات، وهو قوله: {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } السابع: قال أبو مسلم: أصله من الحنف في الرجل، وهو إدبار إبهامها عن أخواتها حتى يقبل على إبهام الأخرى، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان كلها إلى الإسلام الثامن: قال الربيع بن أنس: الحنيف الذي يستقبل القبلة بصلاته، وإنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وأما الكلام في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر مراراً كثيرة، ثم قال: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المبرد والزجاج: ذلك دين الملة القيمة، فالقيمة نعت لموصوف محذوف، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة، وقد ذكرنا هذين القولين في قوله: {كُتُبٌ قَيّمَةٌ } وقال الفراء: هذا من إضافة النعت إلى المنعوت، كقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة: 95] والهاء للمبالغة كما في قوله: {كُتُبٌ قَيّمَةٌ }. المسألة الثانية: في هذه الآية لطائف إحداها: أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معاً، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول، وهم اليهود والنصارى والمجوس، فإنهم ربما أتعبوا أنفسهم في الطاعات، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع، وهم المرجئة الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان، والله تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية، وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله: {مُخْلِصِينَ } ومن العمل في قوله: {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } ثم قال: {وذلك} المجموع كله هو {دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي البينة المستقيمة المعتدلة، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هو المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول: القائم بتحصيل مصالحك عاجلاً وآجلاً هو هذا المجموع، ونظيره قوله تعالى: {أية : دِينًا قِيَمًا } تفسير : [الأنعام: 161] وقوله في القرآن: {أية : قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } تفسير : [الكهف: 2] لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق، ويؤيده قوله عليه السلام: «حديث : من كان في عمل الله كان الله في عمله»تفسير : وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «يا دنيا من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه»، وثانيها: أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى عبيده والملائكة، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح، لخالقهم فالإحسان من الله لا من الملائكة، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول الله مباهياً بهم: ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا وتصدقوا، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين؛ أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين، فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة، فلهذا قال: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ } تفسير : [الرعد: 23، 24] أفلا يكون هذا الدين قيماً وثالثها: أن الدين كالنفس فحياة الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز، والقادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للدين كالعلم والزكاة كالقدرة، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة ورابعها: وهو فائدة الترتيب أن الحكيم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شيء، وهو القول والاعتقاد فقال: {مُخْلِصِينَ } ثم لما أجابوه زاده، فسألهم الصلاة التي بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت، ثم لما أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم أنها تشق عليهم قال: «لا زكاة في مال يحول عليه الحول» ثم لما ذكر الكل قال: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ }. المسألة الثالثة: احتج من قال: الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل بهذه الآية، فقال: مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فإذاً مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة. ثم قال: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا: إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى: {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران: 19] وإنما قلنا: إن الإسلام هو الإيمان لوجهين الأول: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولاً عند الله تعالى لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } تفسير : [آل عمران: 85] لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند الله، فهو إذاً عين الإسلام والثاني: قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الذاريات: 35، 36] فاستثناء المسلم من المؤمن، يدل على أن الإسلام يصدق عليه، وإذا ثبتت هذه المقدمات، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل والعمل هو الإيمان، وحينئذ يبطل قول من قال: الإيمان اسم لمجرد المعرفة، أو لمجرد الإقرار أولهما معاً والجواب: لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله: {وَذَلِكَ } إلى الإخلاص فقط؟ والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار، فتقولون: المراد وذلك المذكور، ولا شك أن عدم الإضمار أولى، سلمنا أن قوله: {وَذَلِكَ } إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم، فلم قلتم: إن ذلك المجموع هو الدين، وذلك لأن الدين غير، والدين القيم، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلاً، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضاً، وهي الصلاة والزكاة، وإذا لم يوجد هذا المجموع، لم يكن الدين القيم حاصلاً، لكن لم قلتم: إن أصل الدين لا يكون حاصلاً والنزاع ما وقع إلا فيه؟ والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ} أي وما أمِر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي ليوحدوه. واللام في «لِيعبدوا» بمعنى «أن»؛ كقوله: { أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } تفسير : [النساء: 26] أي أن يبين. و { أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } تفسير : [الصف: 8]. و { أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 71]. وفي حرف عبد الله: «وما أُمِروا إلاَّ أَنْ يَعبدوا الله». {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي العبادة؛ ومنه قوله تعالى: { أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ } تفسير : [الزمر: 11]. وفي هذا دليل على وجُوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص مِن عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره. الثانية: قوله تعالى: {حُنَفَآءَ} أي مائلين عن الأديان كلها، إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حُنفاء: على دِين إبراهيم عليه السلام. وقيل: الحَنِيف: من اختتن وحج؛ قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تَحَنَّفَ إلى الإسلام؛ أي مال إليه. الثالثة: قوله تعالى: {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي بحدودها في أوقاتها. {وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي يُعطوها عند محلها. {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} أي ذلك الدين الذي أُمِروا به دين القَيِّمة؛ أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دِين المِلَّة المستقيمة. و«القَيِّمة»: نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دِين الأمة القَيِّمة بالحق؛ أي القائمة بالحقّ. وفي حرف عبد الله «وذلك الدين القَيِّم». قال الخليل: «القَيِّمة» جمع القيم، والقيم والقائم: واحد. وقال الفراء: أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين. وعنه أيضاً: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. وقيل: الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث الطالقانِي: «القَيِّمة» هاهنا: الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أُمِرُواْ } في كتابيهم التوراة والإِنجيل {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } أي يعبدوه فحذفت أن وزيدت اللام {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } من الشرك {حُنَفآءَ } مستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد إذا جاء فكيف كفروا به ؟{وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ } الملة {ٱلقَيِّمَةِ } المستقيمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُخْلِصِينَ} مقرين له بالعبادة أو ينوون بعبادتهم وجهه أو إذا قال لا إله إلا الله قال على أثرها الحمد لله {حُنَفَآءَ} متبعين أو مستقيمين أو مخلصين أو مسلمين أو حجاجاً "ع" وقال عطية إذا اجتمع الحنيف والمسلم فالحنيف الحاج وإذا انفرد الحنيف فهو المسلم وقال سعيد بن جبير ولا تسمي العرب الحنيف إلا لمن حج واختتن أو المؤمنون بالرسل كلهم. {دِينُ الْقَيِّمَةِ} الأمة المستقيمة أو القضاء القيم "ع" أو الحساب البيّن.

الخازن

تفسير : {وما أمروا} يعني هؤلاء الكفار {إلا ليعبدوا الله} أي وما أمروا إلا أن يعبدوا الله قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة، والإنجيل، إلا بإخلاص العبادة لله موحدين له {مخلصين له الدين} الإخلاص عبارة عن النّية الخالصة، وتجريدها عن شوائب الرّياء، وهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه والواجب لوجوبه والنّية الخالصة لما كانت معتبرة. كانت النية معتبرة فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوياً فلا بد من اعتبار النية في جميع المأمورات، قال أصحاب الشّافعي: الوضوء مأمور به ودلت هذه الآية على أن كل مأمور به يجب أن يكون منوياً، فتجب النية في الوضوء، وقيل الإخلاص محله القلب وهو أن يأتي بالفعل لوجه الله تعالى مخلصاً له، ولا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا غرضاً آخر حتى قالوا في ذلك لا يجعل طلب الجنة مقصوداً ولا النجاة من النار مطلوباً، وإن كان لا بد من ذلك بل يجعل العبد عبادته لمحض العبودية واعترافاً لربه عزّ وجلّ بالرّبوبية، وقيل في معنى مخلصين له الدّين مقرين له بالعبودية، وقيل قاصدين بقلوبهم رضا الله تعالى بالعبادة (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم" تفسير : {حنفاء} أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقيل متبعين ملة إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام، وقيل حنفاء أي حجاجاً وإنما قدمه على الصّلاة والزّكاة لأن فيه صلاة وإنفاق مال، وقيل حنفاء أي مختونين محرمين لنكاح المحارم، وقيل الحنيف الذي آمن بجميع الأنبياء والرّسل، ولا يفرق بين أحد منهم فمن لم يؤمن بأشرف الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم فليس بحنيف {ويقيموا الصلاة} أي المكتوبة في أوقاتها {ويؤتوا الزكاة} أي المفروضة عند محلها {وذلك} أي الذي أمروا به {دين القيمة} أي الملة المستقيمة والشّريعة المتبوعة، وإنما أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين وأنث القيمة رداً إلى الملة، وقيل الهاء في القيمة للمبالغة كعلامة، وقيل القيمة الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين أصحاب الكتب القيمة، وقيل القيمة جمع القيم، والقيم، والقائم واحد والمعنى وذلك دين القائمين لله بالتوحيد واستدل بهذه الآية من يقول إن الإيمان قول وعمل لأن الله تعالى ذكر الاعتقاد أولاً وأتبعه بالعمل ثانياً ثم قال وذلك دين القيمة والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان بدليل قوله {أية : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} تفسير : [الذاريات: 35-36] ثم ذكر ما للفريقين فقال تعالى {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} فإن قلت لم قدم أهل الكتاب على المشركين. قلت لأن جنايتهم أعظم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم كانوا يستفتحون به قبل بعثته ويقرون بنبوته، فلما بعث أنكروه وكذبوه وصدوه مع العلم به فكانت جنايتهم أعظم من المشركين فلهذا قدمهم عليهم. فإن قلت إن المشركين أعظم جناية من أهل الكتاب لأن المشركين أنكروا الصانع والنّبوة، والقيامة وأهل الكتاب اعترفوا بذلك غير أنهم أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك كان كفرهم أخف فلم سوى بين الفريقين في العذاب. قلت لما أراد أهل الكتاب الرّفعة في الدّنيا بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أذلهم الله في الدّنيا، وأدخلهم أسفل سافلين في الآخرة ولا يمنع من دخولهم النّار مع المشركين أن تتفاوت مراتبهم في العذاب. {في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} أي هم شر الخلق والمعنى أنهم لما استحقوا النار بسبب كفرهم قالوا: فهل إلى خروج من سبيل فقال بل تبقون خالدين فيها، فكأنهم قالوا لم ذلك قال لأنكم شر البرية. {إن الذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك هم خير البرية} يعني أنهم بسبب أعمالهم الصّالحة واجتنابهم الشرك استحقوا هذا الاسم {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه} قيل الرّضا ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا عنه، فالرضا به أن يكون ربا ومدبراً، والرّضا عنه فيما يقضي ويدبر قال السري: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك، وقيل: رضي الله أعمالهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من الخير والكرامة {ذلك} أي هذا الجزاء والرضا {لمن خشي ربه} أي لمن خاف ربه في الدّنيا وانتهى عن المعاصي (ق) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب "إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} قال وسماني قال نعم فبكى"" تفسير : وفي رواية البخاري "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال الله سماني لك، قال نعم قال وقد ذكرت عند رب العالمين قال نعم قيل فذرفت عيناه ": تفسير : (شرح غريب الحديث) أما بكاء أبي فإنه بكى سروراً، واستصغاراً لنفسه عن تأهله لهذه النّعمة العظيمة وإعطائه تلك المنزلة الكريمة، والنعمة عليه فيها من وجهين أحدهما: كونه منصوصاً عليه بعينه والثاني قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها منقبة عظيمة لم يشاركه فيها أحد من الصّحابة، وقيل إنما بكى خوفاً من تقصيره في شكره هذه النعمة. وأما تخصيص هذه السّورة بالقراءة، فإنها مع وجازتها جامعة لأصول وقواعد ومهمات عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، وأما الحكمة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة على أبي فهي أن يتعلم أبي القراءة من ألفاظه صلى الله عليه وسلم، وضبط أسلوب الوزن المشروع وقدره بخلاف ما سواه من النّعم المستعملة في غيره فكانت قراءته على أبي ليتعلم أبي منه لا ليتعلم هو من أبي وقيل إنما قرأ على أبي ليتعلم غيره التواضع والأدب وأن لا يستنكف الشريف وصاحب الرتبة العالية أن يتعلم القرآن ممن هو دونه، وفيه تنبيه على فضيلة أبي والحث عن الأخذ عنه وتقديمه في ذلك فكان كذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم رأساً وإما ما في القراءة وغيرها، وكان أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.

البقاعي

تفسير : ولما كان حال من ضل على علم أشنع، زاد في فضيحتهم فقال: {وما} أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما. ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع، لا تعيين الآمر، قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانياً للمفعول: {أمروا} أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا إليه، في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له {إلا ليعبدوا} أي لأجل أن يعبدوا {الله} أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت، والعبادة امتثال أمر الله تعالى كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه آمر، مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم، وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته، حال كونهم {مخلصين} أي ثابتاً غاية الثبات إخلاصهم {له الدين} بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا خفي بأن يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع، ويكون ذلك على الصواب، فإن كثيراً من العاملين يكون مخلصاً، ويكون بناؤه بغير أساس صالح، فلا ينفعه بل يكون وبالاً عليه، فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم والمستدرج، وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة النفس برؤية العبد نفسه عبداً مأموراً لا يريد ثواباً، جاعلاً كل شيء وسيلة إلى الله، وعلامته عدم رؤية العمل، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى طلب الثواب، وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي كما قال تعالى:{أية : يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}تفسير : [المؤمنون: 60] قال القشيري: ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل، وقال الرازي: الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة، والعمل ينقطع، والعمل يحتاج إلى النية، والنية لا تحتاج إلى العمل، ولأجل ما أفهمه التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله: {حنفاء} أي في غاية الميل مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلاً، بل مهما حصل أدنى زيغ عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح فصاروا في غاية الاستقامة، وتلك هي العبادة الإحسانية، وأصل الحنف في اللغة: الميل، قال الملوي: وخصه العرف بالميل إلى الخير، ولذا سمي الأحنف بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء، وسموا الميل إلى الشر إلحاداً، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئاً عن أصول الملل الخمس: اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات الحقة، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني، وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق، فالإخلاص لمقام المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة، والخوف لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما يرضيه. ولما ذكر أصل الدين، أتبعه الفروع، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرد عن العوائق فقال: {ويقيموا} أي يعدلوا من غير اعوجاج ما، بجميع الشرائط والأركان والحدود {الصلاة} لتصير بذلك أهلاً لأن تقوم بنفسها، وهي التعظيم لأمر الله تعالى. ولما ذكر صلة الخالق، أتبعها وصلة الخلائق فقال: {ويؤتوا الزكاة} أي بأن يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين، ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك - كما هو واضح من قوله تعالى:{أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : [البقرة: 3 - والأنفال: - 3]. ولما كان هذا ديناً حسناً بيناً فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة، زاد في توبيخهم بمدحه فقال: {وذلك} أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور الذي هو في غاية العلو والخير {دين القيمة *} أي الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج فيها، وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعن الخليل أنه قال: هو جمع قيم، والقيم والقائم واحد، والمعنى دين القائمين لله تعالى بالتوحيد، ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما مضى في قوله مؤكداً لأجل إنكارهم: {إن الذين كفروا} أي وقع منهم الستر لمرائي عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم يكونوا عريقين فيه {من أهل الكتاب} أي اليهود والنصارى {والمشركين} أي العريقين في الشرك، ودل بالإتيان بالوصف هنا والفعل في أولئك - والله أعلم - على أن المشرك يرجع عن شركه ويؤمن إن لم يكن عريقاً في الشرك بخلاف أهل الكتاب متى تلبس أحد منهم بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف الوجوه، وكذا كل من ينسب إلى علم ولا سيما إن كان بليداً متى عرضت له شبهة بعد رجوعه عنها، فلذلك جمع بينهم في قوله: {في نار جهنم} أي النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة تكون عذاباً لأجسامهم {خالدين فيها} أي يوم القيامة أو في الحال لسعيهم في موجباتها، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته. ولما كان معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود والانفكاك عن الكفر، لم يذكر التأبيد بلفظه، بل اكتفى بما دل عليه وقال في نتيجة ما مضى: {أولٰئك} أي البعداء البغضاء {هم} أي خاصة بما لضمائرهم من الخبث {شر البرية *} أي الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم، وفرطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا نار لأرواحهم حين ينادى عليهم به. ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم، لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك المعروف، أتبعه الأولياء فقال مؤكداً لما للكفار من الإنكار: {إن الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، قدمه على نعيم البدن إبلاغاً في مدحهم فقال: {أولٰئك} أي العالو الدرجات {هم} أي خاصة {خير البرية *}. ولما خصصهم بالخيرية، ذكر ثوابهم، فقال ذاكراً جنة أبدانهم معظماً لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه مقابلة ما وصفوا به: {جزاؤهم} أي على طاعاتهم، وعظمه بقوله: {عند ربهم} إليهم المربي لهم وأي المحسن {جنات عدن} أي إقامة لا تحول عنها {تجري} أي جرياً دائماً لا انقطاع له. ولما كان عموم الماء مانعاً من تمام اللذة، قرب وبعض بقوله: {من تحتها} أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها {الأنهار}. ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: {خالدين فيها} ولما كان النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثاً على اتباع الدليل المعروف، والمفارقة للحال المألوف، أكد معنى الخلود تعظيماً لجزائهم بقوله: {أبداً}. ولما كان هذا كله ثمرة الرضا، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة الروح، قال مستأنفاً أو معللاً: {رضي الله} أي بما له من نعوت الجلال والجمال {عنهم} أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان الرضا إذا كان من الجانبين، كان أتم وأعلى لهم قال: {ورضوا عنه} لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدره أحد حق قدره، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم، وأعظم نعمه عليهم ما منّ عليهم به من متابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كان سبباً لكل خير. ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص، قال معمماً له ومنبهاً على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم: {ذلك} أي الأمر العالي الذي جوزوا به {لمن خشي ربه *} أي خاف المحسن إليه خوفاً يليق به، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرمات بل كان ممن يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفاً فيزيده شكراً، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير، وهي للعارفين، قال الملوي ما معناه: إن الإنسان إذا استشعر عقاباً يأتيه أو خسراً، لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه واضطرابه لتوقع مكروه، فإن اشتد سمي وجلاً لجولانه في نفسه، فإذا اشتد سمي رهباً لأدائه إلى الهرب، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن غلب عليه الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود الجلاليات صار في الإجلال، ووراء هذا الخشية{أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه سبحانه، ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها، وما فارق الخوف قلباً إلا خرب، فكان جديراً بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة، وقد رجع آخر السورة على أولها بذلك، وبتصنيف الناس صنفين: صنف انفك عن هوى نفسه فأنجاها، وصنف استمر في أسرها فأرداها، وقد ذكرت في "مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور" سر تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لأبيّ رضي الله عنه بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها، وحاصله أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة رضي الله عنهم قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما، قال: فسقط في نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فضرب صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت عرقاً، وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، ثم قص عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن الله يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم يوم البعث شهيداً، وأنه نزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا، وأن اليهود اختلفوا في السبت، وسورة {لم يكن} على قصرها حاوية إجمالاً لكل ما في النحل على طولها بزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد، فيكون شر البرية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليه رضي الله عنه تذكيراً له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصوراً فيكون أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت وأراد له الثبات، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى سبحات القدس وشهود تلك الحضرة الشماء، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة رضي الله عنهم مراقبة لتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم بما يتذكر من الأمر الشريف بتخصيصه بذلك، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائباً عن تلاوة نفسه مصغياً بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة. ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أقرؤكم أبيّ"تفسير : رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه وهو صحيح ورواه بعضهم مرسلاً، ومما فيه ولم أذكره في المصاعد سنة التواضع حتى لا يمنع أحداً ما يراه من علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ما منع أكثر أهل الكتاب من الإسلام إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب الله وسنن الرسل عليهم الصلاة والسلام وجهل العرب بذلك، فنظروا إلى ما كان ولم ينظروا إلى الحالة الراهنة الآن، فحلق الحسد أديانهم وسلبهم إيمانهم، وصاروا أشقى الناس - كما نبه عليه أول السورة - نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة - آمين.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}[5] قال: العلم كله في الحركات حتى يصير إلى الإخلاص، فإذا بلغ إلى الإخلاص صار طمأنينة، فمن كان علمه يقيناً وعمله إخلاصاً أذهب الله عنه ثلاثة أشياء، الجزع والجهل والعمل، وأعطاه بدل الجزع الصبر، وبدل الجهل العلم، وبدل العلم ترك الاختيار، ولا يكون هذا إلا للمتقين. قيل: وما الإخلاص؟ قال: الإجابة، فمن لم تكن له الإجابة فلا إخلاص له. وقال: الإخلاص على ثلاث معان: إخلاص العبادة لله، وإخلاص العمل له، وإخلاص القلب له.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} [الآية: 5]. قال سهل: الإخلاص هو الإجابة فمن لم يكن له إجابة فلا إخلاص له، وقال: لا يكمل للعبد شىء حتى يوصل عمله بالخشية وفعله بالورع، وورعه بالإخلاص، وإخلاصه بالمشاهدة، والمشاهدة بالتبرى عما سواه قال: نظر الأكياس فى الإخلاص فلم يجدوا شيئًا غير هذا أن تكون حركاته وسكونه فى سره وعلانيته لله، وحده لا شريك له لا يمازجه شىء ولا نفس، والإخلاص على ثلاثة معانٍ: اخلاص العبادة لله، وإخلاص العمل لله، وإخلاص القلب لله. وقال القاسم فى قوله: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ...} الآية قال: هو أن لا ترجع مما لله إلى حظ نفسك إلا على حسب القوام. وقال ابن منصور: الإخلاص تصفية العمل من شوائب الكدر. وقال بعضهم: الإخلاص باطن والخشوع ظاهر. وقال بعضهم: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله ولا ترى نفسك فيه، وتعلم أن المنة لله عليك فى ذلك حيث أهَّلك لعبادته، ووفقك لها ولا تطلب من الله ثوابًا. وقال ذو النون: الإخلاص لا يتم إلاَّ بالصدق، والصبر عليه والصدق لا يتم إلاَّ بالإخلاص فيه، والمداومة عليه. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا عثمان الآدمى يقول: سمعت أبا القاسم يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: النفس صنم والروح شريكه فمن عبد النفس فهو يعبد الصنم ومن عبد الله بالإخلاص فهو الذى قهر نفسه. سمعت أبا الفضل نصر بن محمد يقول: أخبرنى جعفر بن محمد قال: سألت الجنيد عن الصدق، والإخلاص أهما أو بينهما فرق؟ قال: فرق وحال. قلت: ما الفرق وما الحال؟ قال: الصدق أصل هو الأول والإخلاص فرع وهو تابع، والصدق أصل كل شىء والإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول فى الأمان ثم قال: ها هنا حال إخلاص ومخالصة فى الإخلاص وخالصه. كأسه فى المخالصة، قيل له: فالصدق ما هو؟ قال: هو تجرى مع موافقة الله فى كل موطن فالصدق غير مفارق للعبد، والإخلاص فإنما يكون فى فعل وذلك قوله: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}. إنما هو العقل. سمعت عبد الله يقول: سمعت العباس بن يوسف الشبلى يقول: سمعت ابن العزجى يقول: الإخلاص فيه ثلاثة أقوال: أولها: صدق القلب فى طلب الثواب للأعمال والهرب منها من العقاب، والثانى: الإرادة للأعمال بالخروج من كل شبهة، والثالث: لا يحب حمد المخلوقين ولا ذمهم، ولا ما فى أيديهم. وقال أبو يعقوب السوسى: الإخلاص إفراد الله بالأعمال الصالحة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ} الاخلاص فى العبودية تجريد السر عما سوى الله والحنيفة من جنف عن غير الله من النفس والدنيا قال بعضهم الاخلاص من ان لا يطلع على علمك الا الله ولا ترى نفسك فيه ويعلم ان المنت لله عليك فى ذلك حيث اهلك لعبادته ووفقك لها ولا يطلب من الله ثوابا وقال رويم الاخلاص افراد الله بالعمل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما امروا الا ليعبدوا الله} جملة حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا اى والحال انهم ما امروا بما امروا فى كتابهم لشئ من الامور الا لأجل أن يعدبوا الله وهذه اللام فى الحقيقة لام الحكمة والمصلحة يعنى أن فعله تعالى وان لم يكن معللا بالغرض الا أنه مغيا بالحكم والمصالح وكثيرا ما تستعمل لام الغرض فى الحكمة المرتبة على الفعل تشبيها لها بها فى ترتبها على الفعل بحسب الوجود وفى حصر علة كونهم مأمورين بما فى كتبهم من عبادة الله بالاخلاص حيث قيل وما امروا بما امروا الا لأجل ان يتذللوا له ويعظموه غاية التذلل والتعظيم ولا يطلبوا فى امتثال ما كلفوا به شيأ آخر سوى التذلل لربهم ومالكهم كثواب الجنة والخلاص من النار دليل على ما ذهب اليه اهل السنة من أن العبادة ماوجبت لكونها مفضية الى ثواب الجنة او الى البعد والنجاة من عذاب النار بل لأجل انك عبد وهو رب ولو لم يحصل فى الدين ثواب ولا عقاب البتة ثم امرك بالعبادة وجبت لمحض العبودية ومقتضى الربوبية والمالكية وفيه ايضا اشارة الى أن من عبد الله للثواب والعقاب فالمعبود فى الحقيقة هو الثواب والعقاب والحق واسطة فالمقصود الاصلى من العبادة هو المعبود وكذا الغاية من العرفان المعروف فعليك بالعبادة للمعبود وبالعرفان للمعروف واياك وان تلاحظ شيأ غير الله تعالى شعر : عاشقانرا شادمانى وعم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست تفسير : وقال بعضهم الاظهر أن تجعل لام ليعبدوا الله زآئدة كما تزاد فى صلة الارادة فيقال اردت لتقوم لتنزيل الامر منزلة الارادة فيكون المأمور به هذه الامور من العبادة ونحوها كما هو الظاهر ثم ان العبادة هى التذلل ومنه طريق معبد اى مذلل ومن زعم أنها الطاعة فقد اخطأ لان جماعة عبدوا الملائكة والمسبح والاصنام وما اطاعوهم ولكن فى الشرع صارت اسما لكل طاعة لله اديت له على وجه التذلل والنهاية فى التعظيم والعبادة بهذا المعنى لا يستحقها الا من يكون واحدا فى صفاته الذاتية والفعلية فان كان له مثل لم يمكن ان يصرف اليه نهاية التعظيم فثبت بما قلنا أنه لا بد فى كون الفعل عبادة من شيئين احدهما غاية التعظيم وفى حكمه الجاهل الغافل وثانيهما ان يكون مأمورا به ففعل اليهود ليس بعبادة وان تضمن نهاية التعظيم لأنه غير مأمور به فاذا لم يكن فعل الصبى عبادة لفقد التعظيم ولا فعل اليهود لفقد الامر فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة والحال أنه لا امر به ولا تعظيم فيه {مخلصين له الدين} حال من الفاعل فى ليعبدوا اى جاعلين انفسهم خالصة لله تعالى فى الدين يعنى از شرك والحاد باكيزه باشند واز اغراض نفسانيه وقضاى شهوات صافى وبى غش. والاخلاص ان يأتى بالفعل خالصا لداعية واحدة ولا يكون لغيرها من الدواعى تأثير فى الدعاء الى ذلك الفعل فالعبادة لجلب المنفعة او لدفع المضرة ليست من قبيل الاخلاص وكذا الاشتغال بالمباح فى الصلاة مثل التنحنح وغيره من الحظوظ النفسانية وزيادة الخشوع فى الصلاة لأجل الغير رياء ودفع الزكاة الى الوالدين والمولدين وعبيده وامائه ينافى القربة ولذا نهى عنه فالاخلاص فى العبودية تجرد السر عما سوى الله تعالى وقال بعضهم الاخلاص ان لا يطلع على عملك الا الله ولا ترى نفسك فيه وتعلم أن المنة لله عليك فى ذلك حيث اهلك لعبادته ووفقك لها ولا تطلب من الله اجرا وعوضا {حنفاء} حال اخرى على قول من جوز حالين من ذى حال واحد ومن المنوى فى مخلصين على قول من لم يجوز ذلك اى مائلين عن جميع العقائد الزآئغة الى الاسلام وهو فى المعنى تأكيد للاخلاص اذ هو الميل عن الاعتقاد الفاسد واكبره اعتقاد الشركة واصل الحنف الميل وانقلاب ظهر القدم حتى يصير بطنا فالاحنف هو الذى يمشى على ظهر قدميه فى شقها الذى يلى خنصرها ويجيئ الحنف بمعنى الاستقامة فمعنى حنفاء مستقيمين فعلى هذا انما سمى مائل القدم احنف على سبيل التفاؤل كقولك للاعمى بصيرو للحبشى كافور وللطاعون مبارك وللمهلكة مفازة قال ابن جبير لا يسمى احد حنيفا حتى يحج ويختن لأن الله وصف ابراهيم عليه السلام بكونه حنيفا وكان من شأنه انه حج وختن نفسه {ويقيموا الصلاة} التى هى العمدة فى باب العبادات البدنية {ويؤتوا الزكاة} التى هى الاساس فى العبادات المالية قال فى الارشاد ان اريد بها ما فى شريعتهم من الصلاة والزكاة فالامر ظاهر وان اريد ما فى شريعتنا فمعنى امرهم بهما فىالكتابين ان امرهم باتباع شريعتنا امر لهم بجميع احكامها التى هما من جملتها {وذلك} اى ما ذكر من عبادة الله بالاخلاص واقامة الصلاة وايتاء الزكاة {دين القيمة} اى دين الملة القيمة قدر الموصوف لئلا يلزم اضافة الشئ الى صفته فانها اضافة الشئ الى صفته وصحة اضافة الدين الى الملة باعتبار التغاير الاعتبارى بينهما فان الشريعة المبلغة الى الامة بتبليغ الرسول اياها من قبل الله تسمى ملة باعتبار أنها تكتب وتملى ودينا باعتبار أنها تطاع فان الدين الطاعة يقال دان له اى اطاعه وقال بعضهم اضافة الدين الى القيمة اضافة العام الى الخاص كشجر الاراك ولا حاجة الى تقدير الملة فان القيمة عبارة عن الملة كما يشهد له قرآءة ابى رضى الله عنه وذلك الدين القيم انتهى (وقال الكاشفى) دين القيمة يعنى دين وملت درست است وبابنده. يعنى اضافة الدين الى القيمة وهى نعته لاختلاف اللفظين والعرب تضيف الشئ الى نعته كثيرا ونجد هذا فى القرآن فى مواضع منها قوله ولدار الآخرة وقال فى موضع وللدار الآخرة لأن الدار هى الآخرة وقال عذاب الحريق اى المحرق كالاليم بمعنى المؤلم وتقول دخلت مسجدا لجامع ومسجد الحرام وادخلك الله جنة الفردوس هذا وامثاله وانث القيمة لأن الآيات هائية فرد الدين الى الملة كما فى كشف الاسرار والقيمة بمعنى المستقيمة التى لا عوج فيها وقال الراغب القيمة هنا اسم الامة القائمة بالقسط المشار اليهم بقوله كنتم خيرا امة قال ابن الشيخ بعض اهل الاديان لما بلغوا فى باب الاعمال من غير احكام الاصول وهم اليهود والنصارى والمجوس فانهم ربما اتعبوا انفسهم فى الطاعات ولكنهم ما حلصوا الدين الحق بتحصيل الاعتقاد بالمطابق وبعضهم حصلوا الاصول واهملوا الفروع وهم المرجئة الذين يقولون لا تضر المعصية مع الايمان فالله تعالى خطأ الفريقين فى هذه الآية وبين أنه لا بد من العلم والاخلاص فى قوله مخلصين ومن العمل فى قوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قال وذلك المجموع كله هو دين الملة المستقيمة المعتدلة فكما أن مجموع الاعضاء بدن واحد كذلك هذا المجموع دين واحد.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أُمِرُوۤاْ} اى والحال انّهم ما امروا بشيءٍ {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ} الحنيف الصّحيح الميل الى الاسلام الثّابت عليه وكلّ من حجّ او كان على دين ابراهيم {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ} قد مضى فى اوّل البقرة بيان لاقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة يعنى انّ اهل الكتاب ما امروا على لسان انبيائهم (ع) وفى كتبهم الاّ بتوحيد العبادة المستلزم لتوحيد الواحب والمبدء، وباقامة الصّلاة الّتى هى عماد الدّين وجالب الخصائل، وايتاء الزّكاة الّذى هو تطهير من كلّ رذيلةٍ، وما تأمرهم انت ايضاً الاّ بذلك، فما لهم اختلفوا فى تصديقك وتكذيبك؟! {وَذَلِكَ} اى توحيد العبادة وتوحيد المبدء واقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة {دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} اى دين الكتب القيّمة، وقيل: القيّمة جمع القائم اى دين القوم القائمين بأمر الله.

اطفيش

تفسير : {وَمَآ أُمِرُواْ} أي ما أمر الله أهل الكتاب الكفار في التوراة والإنجيل *{إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ} اللام زائدة وأن الناصبة وباء الجر محذوفتان أي إلا بأن يعبدوا وقرأ ابن مسعود إلا أن يعبدوا *{اللهَ} أو اللام غير زائدة بل تعليلية أي وما أمروا بما في الكتابين إلا أن يعبدوا الله بإخلاص العبادة له كما قال *{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ولكنهم بدلوا وحرفوا أي يجردوا الدين عن الشرك وقيل الدين العبادة وعنه صلى الله عليه وسلم نصر الله هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وصلاتهم، وقال إن الله جل وعلا يقول الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي وقال لمعاذ من أخلص العمل لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وكتب بعضهم إلى أخ له أخلص النية في أعمالك يكفيك القليل منها وقال بعض في إخلاص ساعة نجاة الأبد ولكنه عزيز فالعلم نور والعمل زرع وماؤه الاخلاص وهو مراد الله من العمل وقال الحسن ان لله عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا فلما عقلوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص الى أبواب البر اجمع وقال بعضهم الأمر كله يرجع الى أصلين فعل من الله لك وفعل منك له فارض بما فعل وأخلص فيما تفعل فاذا فعلت بهذين فزت في الدارين والاخلاص تصفيه العمل عن مفسداته كالرياء والسمعة وغيرهما من الكبائر جميعا وقيل ان يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وقيل أن لا يطلع على العمل شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه وقيل اخراج الخلق عن معاملة الخالق سبحانه وتعالى وقيل هو دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وروي انه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال ان تقول ربي الله ثم تستقيم كما امرت اي لا تعبد هواك ولا تعبد الا ربك وتستقيم في عبادته كما امرت واجمعوا ان النجاة في اجتماع ثلاث الاسلام الخالص عن بدعة وهوى والصدق لله في العمل وطيب المطعم قال بعضهم الاخلاص ان يريد الله بطاعته لا سواه فاما ان يريد الخلاص من العقاب او الفوز بالثواب او اياهما او حياء من الله او حبا له من ملاحظة ثوب او عقاب او تعظيما له وفي الاية دليل على وجوب النية بالطاعة ولا ثواب لها الا بالنية فلا يصح الوضوء الا بالنية لرفع الحدث واداء ما وجب هذا مذهبنا معشر الاباضية ومذهب الشافعية وعن بعضهم الاخلاص ان لا يطلب بعمله الجنة والا النجاة من النار بل يعمل اعترافا بالعبودية لنفسه والربوبية لله سبحانه. *{حُنَفَآءَ} مائلين عن الاديان كلها الى دين الاسلام وقيل متبعين ملة ابراهيم عليه السلام حججا وقدمه على الصلاة والزكاة لان فيه صلاة وانفاق مال وقيل مختونين وقيل مؤمنين بجميع الانبياء. *{وَيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} يؤدوا صلا الفرض بشروطها وما تتم به *{وَيُؤْتُواْ} اهل الزكاة *{الزَّكَاةَ} واهل الزكاة من ذكر في سورة التوبة وقيل ذكر الزكاة مع ذكر بني اسرائيل يقوي القول ان السورة مدنية لان الزكاة انما فرقت بالمدنية وانما دفع صلى الله عليه وسلم الى مناقضة اهل الكتاب بالمدينة. *{وَذَلِكَ} الذي امروا به *{دِينُ الْقَيِّمَةِ} الملة المستقيمة او الكتب المستقيمة او الجماعة المستقيمة او الامة المستقيمة وزعم بعض ان التاء للمبالغة فاما ان يجعل القيم هو الله فلا لان تاء المبالغة لا تلحق صفات الله لا يقال مكانها علامة ولا سماعة واما ان يجعل صفة للنبي صلى الله عليه وسلم فجائز، وقيل القيامة جمع قائم اي دين القائمين بالله بالتوحيد وهو ضعيف. وقرأ ابن مسعود الدين القيمة بتعريف الدين ونعته بالقيمة وتاءه للمبالغة لا للتأنيث او هي للتأنيث على تأويل الدين بالملة او الشريعة والاحكام وفي الاية دليل على ان الايمان قول وعمل اذ ذكر الاعتقاد اولا والعمل ثانيا ثم قال وذلك دين القيمة والدين هو الاسلام والاسلام هو الايمان بدليل فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين كذا قيل والظاهر ان الايمان اعتقادا وإنما يشترط القول اعلاما للناس أو اعتقادا وقول واما العمل فشرط للثواب والنجاة ودليل على قوة الايمان وضعفه.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ} ما أمرهم الله بما فى كتبهم من الشريعة إلاَّ ليعبدوا الله تعالى واللام للتعليل، وقال الفراء اللام مصدرية فى مثل هذا بمعنى أن المصدرية على تقدير الباءَ أى وما أُمروا إلاَّ بأَن يعبدوا الله ويرده أنه لا تدخل الباءِ على اللام. {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} العبادة وهو مفعول به لمخلصين يجودون العبادة ولا يراءُون بعبادتهم ولا يسمعون بها ولا يأخذون بها عرضاً من الدنيا ولا يخلطونها بما ينقصها ويفسدها ويظهر لى أن يقول المكلف أعوذ بالله من الإهمال ومن الإبطال للأَعمال وأسألك اللهم أن تعاملنا بالإفضال فوق المعاملة على قدر الأفعال ولعل الله يجبر إهماله فيكون كمن نوى ولم يهمل النية ويكون كمن لم يبطل عمله برياء أو سمعة، وقال بعض الإخلاص الإتيان بالعبادة لله تعالى كما يجب وبأَن يعملها إجلالاً لله تعالى لا طلباً للجنة بها أو هروباً من النار بها قلت لا يلزم هذا ولا يقدر عليه كل أحد والآيات والأَحاديث لا توجبه بل يجب رجاء الجنة والخوف من النار، وقد يقال المراد أنه يرجو ويطمع ولكن يعبد إجلالاً، وفى مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن الله تعالى لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ". تفسير : {حُنَفَآءَ} مائلين عما يخالف التوحيد والعمل الصالح وفسره بعض بحاجين وبعض بمختتنين وبعض بمختوتين محرمين لنكاح المحارم وبعض بمستقبلين الكعبة وما ذلك إلاَّ أن أصل الحج والاختتان والاستقبال لإبراهيم وعلى التفسير بحاجين فإنما قدم الحج على الصلاة والزكاة لأَن فيه الصلاة وإنفاق المال والحق ما ذكرته من العموم وفسره بعض بجامعين كل الدين وفسره مجاهد بمتبعين دين ابراهيم وهذا كالذى قبله متابعة لقوله تعالى إبراهيم حنيفا، وعن أبى قلابة بمؤمنين بجميع الرسل والأَنبياء لا يفرقون بين أحد منهم. {وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ} الصلاة والزكاة اللتين فى شرعهم، ويجوز أن يراد من كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمراد صلاتنا وزكاتنا معشر هذه الأُمة ومعنى أمرهم بهما فى التوراة والإنجيل أمرهم بالإيمان به - صلى الله عليه وسلم - واتباعه فيهما. {وَذَلِكَ} المذكور العالى الشأن من عبادة الله تعالى وإخلاصها وإقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة. {دِينُ الْقِيمَةِ} دين الملة القيمة كذا قيل وفيه أن الدين هو الملة القيمة فذلك من إضافة الشىء إلى نفسه فنحتاج أن نقول الإضافة للبيان أى دين هو الملة القيمة ويضعف ما قيل إن التاء للمبالغة والإضافة للبيان أى دين هو القيم لمخالفة الأصل من جهتين والشرع دين من حيث أنه يجازى به أو يعتاد وملة من حيث أنه يمل حفظاً وكتابة يقال أمللت الكتاب بمعنى أسمعته من يحفظه أو يكتبه أو دين الكتب القيمة المذكورة آنفاً أو دين الأُمة القيمة أى المستقيمة أو القيمة جمع قائم أو قيم أى دين القائمين لله بالقول والعمل أو دين الحجج القيمة، وفى الآية أن الإيمان قول وعمل.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } جملة حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا. والمراد بالأمر مطلق التكليف ومتعلقه محذوف واللام للتعليل والكلام في تعليل أفعاله تعالى شهير. والاستثناء مفرغ من أعم العلل، أي والحال أنهم ما كلفوا في كتابهم بما كلفوا به لشيء من الأشياء إلا لأجل عبادة الله تعالى وقال الفراء العرب تجعل اللام موضع أن في الأمر: كـ {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ}تفسير : [الأنعام: 71] وكذا في الإرادة:{أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}تفسير : [النساء: 26] فهي هنا بمعنى أن أي إلا بأن يعبدوا الله وأيد بقراءة عبد الله (إلا أن يعبدوا) فيكون عبادة الله تعالى هي المأمور بها والأمر على ظاهره والأول هو الأظهر وعليه قال علم الهدى أبو منصور الماتريدي هذه الآية علم منها معنى قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] أي إلا لأمرهم بالعبادة فيعلم المطيع من العاصي وهو كما قال الشهاب كلام حسن دقيق. {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي جاعلين دينهم خالصاً له تعالى فلا يشركون به عز وجل فالدين مفعول لمخلصين وجوز أن يكون نصباً على إسقاط الخافض ومفعول {مُخْلِصِينَ} محذوف أي جاعلين أنفسهم خالصة له تعالى في الدين وقرأ الحسن (مخلَصين) بفتح اللام وحينئذٍ يتعين هذا الوجه في (الدين) ولا يتسنى الأول. نعم جوز أن يكون نصباً على المصدر والعامل {لِيَعْبُدُواْ} أي ليدينوا الله تعالى بالعبادة الدين. {حُنَفَاء } أي مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام وفيه من تأكيد الإخلاص ما فيه فالحنف الميل إلى الاستقامة وسمي مائل الرجل إلى الاعوجاج أحنف للتفاؤل أو مجاز مرسل بمرتبتين. وعن ابن عباس تفسير حنفاء هنا بحجاجاً وعن قتادة بمختتنين محرمين لنكاح الأم والمحارم وعن أبـي قلابة بمؤمنين بجميع الرسل عليهم السلام وعن مجاهد بمتبعين دين إبراهيم عليه السلام وعن الربيع بن أنس بمستقبلين القبلة بالصلاة وعن بعض بجامعين كل الدين وحال الأقوال لا يخفى. {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ } إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة فالأمر بهما ظاهر وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في كتابهم أن أمرهم باتباع شريعتنا أمر لهم بجميع أحكامها التي هما من جملتها. {وَذَلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من عباد الله تعالى بالإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وما فيه من البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته في الشرف {دِينُ ٱلقَيّمَةِ } أي الكتب القيمة / فأل للعهد إشارة إلى ما تقدم في قوله تعالى: {أية : فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ }تفسير : [البينة: 3] وإليه ذهب محمد بن الأشعث الطالقاني وقال الزجاج أي الأمة القيمة أي المستقيمة وقال غير واحد أي الملة القيمة والتغاير الاعتباري بين الدين والملة يصحح الإضافة وبعضهم لم يقدر موصوفاً ويجعل القيمة بمعنى الملة وقيل أي الحجج القيمة. وقرأ عبد الله رضي الله تعالى عنه (الدين القيمة) فقيل التأنيث على تأويل الدين بالملة وقيل الهاء للمبالغة.

ابن عاشور

تفسير : هذا إبطال ثالث لتنصلهم من متابعة الإِسلام بعلة أنهم لا يتركون ما هم عليه حتى تأتيهم البينة وزعمهم أن البينة لم تأتهم. وهو إبطال بطريق القول بالموجَب في الجدل، أي إذا سلمنا أنكم مُوصَوْن بالتمسك بما أنتم عليه لا تنفكون عنه حتى تأتيكم البينة، فليس في الإِسلام ما ينافي ما جاء به كتابكم لأن كتابكم يأمر بما أمر به القرآن، وهو عبادة الله وحده دون إشراك، وذلك هو الحنيفية وهي دين إبراهيم الذي أخذ عليهم العهد به، فذلك دين الإِسلام وذلك ما أمرتم به في دينكم. فلك أن تجعل الواو عاطفة على جملة: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البينة: 4] الخ. ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالاً من الضمير في قوله: { أية : حتى تأتيهم البينة } تفسير : [البينة: 1]. والمعنى والحال أن البينة قد أتتهم إذ جاء الإِسلام بما صدَّق قول الله تعالى لموسى عليه السلام: «أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم وأجعل كلامي في فمه»، وقول عيسى عليه السلام: «فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم». والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين، أي ما أمروا في كتابهم إلا بما جاء به الإِسلام. فالمعنى: وما أمروا في التوراة والإِنجيل إلا أن يعبدوا الله مخلصين إلى آخره. فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة الأصنام، وأمرت بالصلاة، وأمرت بالزكاة أمراً مؤكداً مكرراً. وتلك هي أصول دين الإِسلام قبل أن يفرض صَوم رمضان والحج، والإِنجيل لم يخالف التوراة أو المعنى وما أمروا في الإِسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم، فلا معذرة لهم في الإِعراض عن الإِسلام على كلا التقديرين. ونائب فاعل {أمروا} محذوف للعموم، أي ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا الله. واللام في قوله: {ليعبدوا اللَّه} هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل الإِرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى: { أية : يريد اللَّه ليبين لكم } تفسير : في سورة النساء (26) وقوله: { أية : وأمرنا لنُسْلِم لرب العالمين } تفسير : في سورة الأنعام (71)، وسماها بعض النحاة لام (أنْ). والإخلاص: التصفية والإِنقاء، أي غير مشاركين في عبادته معه غيره. والدين: الطاعة قال تعالى: { أية : قل اللَّه أعبد مخلصاً له ديني } تفسير : [الزمر: 14]. وحنفاء: جمع حنيف، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك قال تعالى: { أية : قُل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } تفسير : [الأنعام: 161]. وهذا الوصف تأكيد لمعنى: {مخلصين له الدين} مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هديه. وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كلَّ صباح ومساء. وإيتاء الزكاة: مفروض في التوراة فرضاً مؤكداً. واسم الإِشارة في قوله: {وذلك دين القيمة} متوجِّهٌ إلى ما بعد حرف الاستثناء فإنه مقترن باللام المسماة (لام أنْ) المصدرية فهو في تأويل مفرد، أي إلا بعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أي والمذكورُ دين القيمة. و{دين القيمة} يجوز أن تكون إضافته على بابها فتكون {القيمة} مراداً به غير المراد بدين مما هو مؤنث اللفظ مما يضاف إليه دين أي دين الأمة القيّمة أو دين الكُتُب القَيمة. ويرجّح هذا التقدير أن دليل المقدَّر موجود في اللفظ قبله. وهذا إلزام لهم بأحقية الإِسلام وأنه الدين القيم قال تعالى: { أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة } تفسير : [الروم: 30 ـــ 31]. ويجوز أن تكون الإِضافة صورية من إضافة الموصوف إلى الصفة وهي كثيرة الاستعمال، وأصله الدين القيم، فأنث الوصف على تأويل دين بملة أو شريعة، أو على أن التاء للمبالغة في الوصف مثل تاء علاّمة والمآل واحد، وعلى كلا التقديرين فالمراد بدين القيمة دين الإِسلام. والقيمة: الشديدة الاستقامة وقد تقدم آنفاً. فالمعنى: وذلك المذكور هو دين أهل الحق من الأنبياء وصالحي الأمم وهو عين ما جاء به الإِسلام قال تعالى في إبراهيم: { أية : ولكن كان حنيفاً مسلماً } تفسير : [آل عمران: 67] وقال عنه وعن إسماعيل: { أية : ربنا واجعلنا مُسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمة لك } تفسير : [البقرة: 128]. وحكى عنه وعن يعقوب قولهما: { أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } تفسير : [البقرة: 132] وقال سليمان: { أية : وكنا مسلمين } تفسير : [النمل: 42]. وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى: { أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } تفسير : في سورة البقرة (132). والإِشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي مجموع ما ذكر هو دين الإِسلام، أي هو الذي دعاهم إليه الإِسلام فحسبوه نقضاً لدينهم، فيكون مهيع الآية مثل قوله تعالى: { أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أَلاَّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخِذَ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } تفسير : [آل عمران: 64] وقوله: { أية : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا باللَّه وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل } تفسير : [المائدة: 59]. والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعاً لهم بأنهم أعرضوا عما هم يتطلبونه فإنهم جميعاً مقِرّون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت عليه الموسوية والعيسوية، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ويأخذون بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية، فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ويتمسكون بما وجدوا آباءهم متمسكين به وقلّ منهم من تهودوا أو تنصروا، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وأميَّة بن أبي الصَّلْت. وخصّ الضمير بـــ «أهل الكتاب» لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإِسلام قال تعالى: { أية : لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك } تفسير : [القصص: 46].

الشنقيطي

تفسير : وهذا لا يستوجب التفرق في أمره صلى الله عليه وسلم. ولكن هنا لم يبين موضع الأمر بعبادة الله مخلصين له الدين، هل هو في كتبهم السابقة، أم في هذا القرآن الذي يتلى عليهم في صحف مطهرة؟ وقد بين القرآن العظيم أن هذا الأمر موجود في كل من كتبهم والقرآن الكريم، فما في كتبهم قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [النحل: 36]. وقوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13]. فإقامة الدين وعدم التفرقة فيه، هو عين عبادة الله مخلصين له الدين. ومما في القرآن قوله تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [البقرة: 40-43]. فقد نص على كامل المسألة هنا، أن الكتب القيمة المنصوص عليها في الصحف المطهرة هي كتب أهل الكتاب، لقوله تعالى: {أية : وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 41]، وأنهم أمروا في هذا القرآن بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع التعليمات المذكورة نفسها، وإقام الصلاة لا يكون إلا عبادة الله بإخلاص. وهذه الأوامر سواء كانت في كتبهم أو في القرآن لا تقتضي التفرق، بل تستوجب الاجتماع والوحدة. قوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}. القيمة: فيعلة من القوامة، وهي غاية الاستقامة. وقد جاء بعد قوله: {أية : فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} تفسير : [البينة: 3]، أي مستقيمة بتعاليمها. وقد نص تعالى على أن القرآن أقومها وأعدلها كما في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9]، وقال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} تفسير : [الكهف: 1-2]، فنفى عنه العوج، وأثبت له الاستقامة. وهذا غاية في القوامة كما قدمنا من قبل، من أن المستقيم قد يكون فيه انحناء كالطريق المعبد المستقيم عن المرتفعات والمنخفضات، لكنه ينحرف تارة يميناً وشمالاً مع استقامته، فهو مع الاستقامة لم يخل من العوج. ولكن ما ينتفي عنه العوج وتثبت له الاستقامة، هو الطريق الذي يمتد في اتجاه واحد بدون أي اعوجاج إلى أي الجانبين، مع استقامته في سطحه. وهكذا هو القرآن، فهو الصراط المستقيم، ولذا قال تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} الملة القيمة، قيمة في ذاتها، وقيمة على غيرها: ومهيمنة عليه، وكقوله: {أية : ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} تفسير : [يوسف: 40]، وقوله: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأنعام: 161- 163]. تنبيه إن في هذه الآية رداً صريحاً على أولئك الذين ينادون بدون علم إلى دعوة لا تخلو من تشكيك، حيث لم تسلم من لبس، وهي دعوة وحدة الأديان، ومحل اللبس فيها أن هذا القول منه حق، ومنه باطل. أما الحق فهو وحدة الأصول، كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البينة: 5]، وأما الباطل فهو الإبهام، بأن هذا ينجر على الفروع مع الجزم عند الجميع، بأن فروع كل دين قد لا تتفق كلها مع فروع الدين الآخر، فلم تتحد الصلاة فلي جميع الأديان ولا الصيام، ونحو ذلك. وقد أجمع المسلمون على أن العبرة بما في القرآن من تفصيل للفروع والسنة، تكمل تفصيل ما أجمل. وهنا النص الصريح بأن ذلك الذي جاء به القرآن هو دين القيمة، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، وهي أفعل تفضيل، فلا يمكن أن يعادل ويساوي مع غيره أبداً مع نصوص القرآن، بأن الله أخذ العهد على جميع الأنبياء لئن أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به، ولينصرنه وليتبعنه، وأخذ عليهم العهد بذلك. وقد أخبر الرسل أممهم بذلك. فلم يبق مجال في هذا الوقت ولا غيره لدعوة الجاهلية بعنوان مجوف وحدة الأديان، بل الدين الإسلامي وحده {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19] {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]، وبالله تعالى التوفيق.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {ٱلزَّكَاةَ} (5) - وَقَدْ تَفَرَّقَ هَؤُلاَءِ وَاخْتَلَفُوا بَغْياً وَعُدْوَاناً، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّفَرُقِ وَالاخْتِلاَفِ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِمَا يُصْلِحُ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَبِمَا يُحَقِّقُ لَهُمُ السَّعَادَةَ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ: مِنْ إِخْلاَصٍ للهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَتَطْهِيرِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِهِ، وَاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ المُنْحَرِفَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَأَدَائِهَا حَقَّ الأَدَاءِ، وَدَفْعِ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ... وَهَذَا هُوَ الدِّينُ الحَقُّ الذِي جَاءَ فِي الكُتُبِ القَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةِ التِي لا عِوَجَ فِيهَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ} معناه مُسلمونَ. ويقال: مُتَّبعون. ويقال: حجاجٌ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} الحال أنهم {مَآ أُمِرُوۤاْ} في كتبهم {إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد الحقيق بالحقيَّة والألوهية {مُخْلِصِينَ} مخصصين {لَهُ ٱلدِّينَ} والانقياد بلا اشتراك وإلحاد {حُنَفَآءَ} مائلين عن مطلق الأديان الباطلة {وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} المكتوبة لهم في أوقاتها الموعودة المحفوظة {وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ} المصفية لأموالهم على وجهها {وَذَلِكَ} الذي أُمروا به في كتبهم هو {دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} [البينة: 5] والملة المستقيمة التي ظهر عليه محمد صلى الله عليه وسلم، بلا تغيير وانحراف فيه واختلاف، وهم بالجملة: ما كفروا وأنكروا نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم إلاَّ عناداً ومكابرةً، بلا مستند صحيح لا عقلي ولا نقلي. وبالجملة: {إِنَّ} الكافرين المعاندين {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَ} من {ٱلْمُشْرِكِينَ} داخلون {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} الطرد والحرمان {خَالِدِينَ فِيهَآ} لا يتحولون عنها أصلاً، إلاَّ إلى عذاب فوق العذاب، وأشد منه، وبالجملة: {أَوْلَـٰئِكَ} الأشقياء، المردودون، المطرودون عن ساحة عز القبول {هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] الخليقة، وأردؤهم، كأنهم مقصورون على الشرارة والرداءة مجسمون منها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} [البينة: 5]؛ يعني: ما أمرهم الوارد إلا بإن يعبدوا الله مخلصين في مقام التوجه، {حُنَفَآءَ} [البينة: 5] عند إقامة المرآة في محازاة الوجه، بأن يقيموا الصلاة في مقام العبادة؛ لأن هذه الصلاة مجموعة العبادات فيها القيام والقعود، والركوع والسجود، والتسبيح والتهليل، والتكبير والتحميد، والقراءة والدعاء، والخشوع والتذلل والافتقار، وبأن يؤتوا الزكاة في مقام الطهارة؛ وهي تزكية النفس عن أوساخ الأوصاف الذميمة، وتصقيل القلب عن كدورات الأخلاق الرذيلة، وتطهير السر عن غبار عالم الحدث، وتلك الملة الخفية القيمة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} [البينة: 6]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية، والمؤمنة باللطيفة المستخلصة عن الكدورات المرسلة إليها من حيث التقليد عادة لا عبادة، والكافرة اللطيفة الخفية {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]؛ لأنهم أشعلوا نيران الحقد والحسد والكبر في جهنم قالبهم بإنكار الوارد الذي يرد على اللطيفة الخفية، وكفرهم بنعمة إرسال اللطيفة الخفية إليهم، وشركهم في عبادة ربهم بأمر أهوائهم.