٩٨ - ٱلْبَيِّنَة
98 - Al-Bayyina (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولاً في قوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] ثم ذكر ثانياً حال المؤمنين في قوله: {أية : وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البينة: 5] أعاد في آخر هذه السورة ذكر كلا الفريقين، فبدأ أيضاً بحال الكفار، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } واعلم أنه تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما: الخلود في نار جهنم والثاني: أنهم شر الخلق، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم قدم أهل الكتاب على المشركين في الذكر؟ الجواب: من وجوه أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام، كان يقدم حق الله سبحانه على حق نفسه، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته قال: «حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: «حديث : اللهم املأ بطونهم وقبورهم ناراً»تفسير : فكأنه عليه السلام قال: كانت الضربة ثم على وجه الصورة، وفي يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال: كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حق نفسي، فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر. إذا عرفت ذلك فنقول: أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في الله بل في الرسول، وأما المشركون فإنهم كانوا يطعنون في الله، فلما أراد الله تعالى في هذه الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولاً في النكاية بذكر من طعن في محمد عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب، ثم ثانيا بذكر من طعن فيه تعالى وهم المشركون وثانيها: أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم، لأن المشركين رأوه صغيراً ونشأ فيما بينهم، ثم سفه أحلامهم وأبطل أديانهم، وهذا أمر شاق، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته ويقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد. السؤال الثاني: لم ذكر: {كَفَرُواْ } بلفظ الفعل: {وَٱلْمُشْرِكِينَ } باسم الفاعل؟ والجواب: تنبيهاً على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل، ومقرين بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة. السؤال الثالث: أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون القيامة، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان كفر أهل الكتاب أخف من كفر المشركين، وإذا كان كذلك فكيف يجوز التسوية بين الفريقين في العذاب؟ والجواب: يقال: بئر جهنام إذا كان بعيد القعر، فكأنه تعالى يقول تكبروا طلباً للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين، ثم إن الفريقين وإن اشتراكا في ذلك لكنه لا ينافي اشتراكهم في هذا القدر تفاوتهم في مراتب العذاب، واعلم أن الوجه في حسن هذا العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك وإساءة إلى من أحسن إليك، وهذا القسم الثاني هو أقبح القسمين والإحسان أيضاً على قسمين إحسان إلى من أحسن إليك، وإحسان إلى من أساء إليك، وهذا أحسن القسمين، فكان إحسان الله إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان وإساءتهم وكفرهم أقبح أنواع الإساءة، ومعلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب الجناية، فبالشتم تعزير وبالقذف حد وبالسرقة قط، وبالزنا رجم، وبالقتل قصاص، بل شتم المماثل يوجب التعزير، والنظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات، لا جرم استحقوا أعظم العقوبات، وهو نار جهنم، فإنها نار في موضع عميق مظلم هائل لا مفر عنه ألبتة، ثم كأنه قال قائل: هب أنه ليس هناك رجاء الفرار، فهل هناك رجاء الإخراج؟ فقال: لا بل يبقون خالدين فيها، ثم كأنه قيل: فهل هناك أحد يرق قلبه عليهم؟ فقال: لا بل يذمونهم، ويلعنونهم لأنهم شر البرية. السؤال الرابع: ما السبب في أنه لم يقل ههنا خالدين فيها أبداً، وقال في صفة أهل الثواب: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } تفسير : [البينة: 8]؟ والجواب: من وجوه أحدها: التنبيه على أن رحمته أزيد من غضبه وثانيها: أن العقوبات والحدود والكفارات تتداخل، أما الثواب فأقسامه لا تتداخل وثالثها: روى حكاية عن الله أنه قال: يا داود حببني إلى خلقي، قال: وكيف أفعل ذلك؟ قال: اذكر لهم سعة رحمتي، فكان هذا من هذا الباب. السؤال الخامس: كيف القراءة في لفظ البرية؟ الجواب: قرأ نافع البريئة بالهمز، وقرأ الباقون بغير همز وهو من برأ الله الخلق، والقياس فيها الهمز إلا أنه ترك همزه، كالنبي والذرية والخابية، والهمزة فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال، كما أن من همز النبي كان كذلك وترك الهمز فيه أجود، وإن كان الهمز هو الأصل، لأن ذلك صار كالشيء المرفوض المتروك. وهمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال: إنه من البرا الذي هو التراب. السؤال السادس: ما الفائدة في قوله: {هم شر البرية}؟ الجواب: أنه يفيد النفي والإثبات أي هم دون غيرهم، واعلم أن شر البرية جملة يطول تفصيلها، شر من السراق، لأنهم سرقوا من كتاب الله، صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، وشر من الجهال الأجلاف، لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح. واعلم أن هذا تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد. السؤال السابع: هذه الآية هل هي مجراة على عمومها؟ الجواب: لا بل هي مخصوصة بصورتين إحداهما: أن من تاب منهم وأسلم خرج عن الوعيد والثانية: قال بعضهم: لا يجوز أن يدخل في الآية من مضى من الكفار، لأن فرعون كان شراً منهم، فأما الآية الثانية وهي الآية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة فيمن تقدم وتأخر، لأنهم أفضل الأمم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} «المشركين»: معطوف على «الَّذين»، أو يكون مجروراً معطوفاً على «أهل». {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} قرأ نافع وابن ذَكوان بالهمز على الأَصل في الموضعين؛ من قولهم: بَرأ الله الخلق، وهو البارىء الخالق، وقال: { أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ } تفسير : [الحديد: 22]. الباقون بغير همز. وشدّ الياء عِوضاً منه. قال الفَرّاء: إن أُخذت البَرِيَّة من البَرَى، وهو التراب، فأصله غير الهمز؛ تقول منه: بَرَاه اللَّهُ يبرُوه بَرْواً؛ أي خلقه. قال القُشَيْرِيّ: ومن قال البَرِية من البَرَى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة. وقيل: البَرِيَّة: مِن بَرَيْت القلمَ، أي قَدَّرته؛ فتدخل فيه الملائكة. ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب منه تخطئة من هَمَز. وقوله: «شَرٌّ البَرِيَّة» أي شر الخليقة. فقيل يحتمل أن يكون على التعميم. وقال قوم: أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: { أية : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] أي على عالَمي زمانكم. ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هُو شر منهم؛ مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. وكذا «خَيْرُ البَرِيَّة»: إمّا على التعميم، أو خير بَرِيةِ عصرهم. وقد استدل بقراءة الهمز من فضّل بني آدم على الملائكة، وقد مضى في سورة «البقرة» القول فيه. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: المؤمنُ أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن مآل الفجار من أهل الكتاب والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة، وأنبياء الله المرسلة: أنهم يوم القيامة في نار جهنم خالدين فيها، أي: ماكثين لا يحولون عنها، ولا يزولون {أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها. ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم، بأنهم خير البرية، وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} ثم قال تعالى: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، {وَرَضُواْ عَنْهُ} فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ} أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله، واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بخير البرية؟» تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله قال: «حديث : رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة، استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «حديث : رجل في ثلة من غنمه، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟» تفسير : قالوا: بلى قال: «حديث : الذي يسأل بالله، ولا يعطي به»تفسير : . آخر تفسير سورة لم يكن، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ } حال مقدّرة أي مقدّراً خلودهم فيها من الله تعالى {أَوْلَٱئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ }.
ابن عطية
تفسير : حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من {أهل الكتاب والمشركين} وهم عبدة الأوثان في النار وبأنهم {شر البريّة}، و {البريّة} جميع الخلق لأن الله تعالى برأهم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج: " البريئة " بالهمز من برأ، وقرأ الباقون والجمهور: "البريّة" بشد الياء بغير همز على التسهيل، والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزه كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين: "البرية" مأخوذ من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغلطاً وهو اشتقاق غير مرضي، و {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} شروط جميع أمة محمد، ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس "خير". وقرأ بعض قراء مكة: "خيار" بالألف، وروي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية: "أولئك هم خير البريئة". ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه "حديث : أنت يا علي وشيعتك من خير البرية"تفسير : ، ذكره الطبري، وفي الحديث: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا خير البرية"، فقال له: ذلك إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى: {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار} فيه حذف مضاف تقديره سكنى {جنات عدن} أو دخول {جنات عدن}، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام فيه، ومنه المعدن لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود: {جنات عدن} بطنان الجنة أي سوطها، وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} قيل ذلك في الدنيا، ورضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار. قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن طاهر: الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟ وقيل ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، وخص الله بالذكر أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن المعاصي الآمرة بالمعروف.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى: {فِي نَارِ} هذا هو الخبر، و {خَالِدِينَ} حال من الضمير المستكن في الخبر. قوله: {أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}. وقرأ نافع وابن ذكوان: "البريئة" بالهمز في الحرفين، والباقون: بياء مشددة. واختلف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} تفسير : [الحديد: 22]، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب. وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها: النبي، والجاثية، والذرية. قال القرطبي: "وتشديد الياء عوض من الهمزة". وقيل: "البريَّة" دون همز مشتقة من "البرى" وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال: "وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض" انتهى. يعني أنه إذا قيل: إنها مشتقة من "البرى" وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى. قال شهاب الدين: "هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من "برأ"، أي: خلق، وهذه من "البرى" لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً". قال القشيريُّ: "ومن قال: البرية من البرى، وهو التراب، قال: لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة". وقيل: البرية: من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز. وقوله: {هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}، أي: شر الخليقة، فقيل: يحتمل أن يكون على التعميم. وقال قوم: أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {أية : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 47]، أي: على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل: فرعون، وعاقر ناقة صالح، وكذا قوله: {خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} إما على التعميم، أو خير برية عصرهم، وقد استدل بقراءة الهمزة من فضل بني آدم على الملائكة. وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: المؤمن أكرم على الله - عزَّ وجلَّ - من بعض الملائكة الذين عنده. وقرأ العامة: {خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} مقابلاً لـ "شرّ". وقرأ عامر بن عبد الواحد: "خِيارُ البريَّةِ" وهو جمع "خير" نحو: جِيَاد، وطِيَاب، في جمع جيد وطيب؛ قاله الزمخشريُّ. قال ابن الخطيب: وقدم الوعيد على الوعد، لأنه كالداء، والوعد: كالغذاء والدَّواء، فإذا بقي البدن استعمل الغذاء، فينتفع به البدن، لأن الإنسان إذا وقع في شدة رجع إلى الله تعالى، فإذا نال الدنيا أعرض. قوله: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}. أي: ثوابهم عند خالقهم ومالكهم {جَنَّاتُ عَدْنٍ}. قال ابن الخطيب: قال بعض الفقهاء: من قال: لا شيء لي على فلان انتفى الدين، وله أن يدعي الوديعة، وإن قال: لا شيء لي عنده انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولإن قال: لا شيء لي قبلهُ انصرف إليهماً معاً، فقوله تعالى: {عِندَ رَبِّهِمْ} يفيد أنها أعيان مودعة عنده، والعين أشرف من الدين، والضمان إنما يرغب فيه خوف الهلاك، وهو محال في حقه تعالى. وتقدم الكلام على نظيره. قوله: {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، الجنات: البساتين، والعدن: الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدناً وعدوناً، أي: أقام. ومعدن الشيء: مركزه ومستقره، وقيل: "عدن": بطنان الجنة ووسطها. قوله: {خَالِدِينَ فِيهَآ}، حال عامله محذوف، تقديره: ادخلوها خالدين، أو أعطوها، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في "جزَاؤهُم" لئلا يلزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي، على أنَّ بعضهم: أجازه من "هم" واعتذر هنا بأن المصدر غير مقدر بحرف مصدري. قال أبو البقاء: وهو بعيد، وأما "عِند ربِّهِمْ" فيجوز أن يكون حالاً من "جَزاؤهُمْ"، وأن يكون ظرفاً له، و "أبَداً" ظرف مكان منصُوب بـ "خالدِيْنَ". أي لا يظعنون ولا يموتون. قوله: {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ}، يجوز أن يكون دعاء مستأنفاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً ثانياً بإضمار "قَد" عند من يلزم ذلك. قال ابن عباس: "رضي اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنه" أي: رضوا بثواب الله تعالى. قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي: ذلك المذكور من استقرار الجنة مع الخلود. أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي. روى أنس - رضي الله عنه - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبيِّ بن كعب: إن الله تَعالَى أمَرنِي أنْ أقْرَأ عليْكَ: {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، قال: وسمَّاني لك؟ قال - عليه الصَّلاة والسلام -: "نَعم" فبكىتفسير : . خرجه البخاري ومسلم. قال القرطبيُّ: "من الفقه قراءة العالم على المتعلم". قال بعضهم: إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبيٍّ، ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه من المنزلة. وقيل: إن أبياً كان أسرع آخذاً لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم غيره، فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه صلى الله عليه وسلم، وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ رضي الله عنه وعن بقية الصحابة أجمعين إذ أمر صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} بـيانٌ لحالِ الفريقينِ في الآخرةِ بعد بـيانِ حالِهم في الدُّنيا، وذَكَرَ المشركينَ لئلاَّ يتوهَم اختصاصُ الحكمِ بأهلِ الكتابِ حسبَ اختصاصِ مشاهدةِ شواهدِ النبوةِ في الكتابِ بهم ومَعْنى كونِهم فيها أنَّهم بصيرونَ إليها يومَ القيامةِ، وإيرادُ الجملةِ الاسميةِ للإيذان بتحقق مضمونِها لا محالةَ أو أنَّهم فيها الآنَ إما على تنزيل ملابستِهم لما يوجبُها منزلَة ملابستِهم لها وإنَّا عَلى أنَّ ما هُم فيهِ من الكفرِ والمَعاصي عينُ النارِ إلا أنَّها ظهرتْ في هذِه النشأةِ بصورةٍ عَرَضيةٍ وستخلعُها في النشأة الآخرةِ وتظهرُ بصورتِها الحقيقيةِ كَما في قولِه تعالى: { أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [سورة التوبة، الآية 49 وسورة العنكبوت، الآية 54]في سورة الأعرافِ. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ من المستكنِّ في الخبرِ، واشتراكُ الفريقينِ في دخولِ دارِ العذابِ بطريقِ الخُلودِ لا يُنافِي تفاوتَ عذابِهم في الكيفيةِ فإنَّ جهنَم دركاتٌ وعذابَها ألوانٌ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتَّصافِهم بما هُم فيه من القبائحِ المذكورةِ وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ بغايةِ بُعدِ منزلتِهم في الشرِّ أي أولئكَ البعداءُ المذكورونَ {هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} شرُّ الخليقةِ أي أعمالاً وهو الموافقُ لما سيأتِي في حقِّ المؤمنينَ فيكونُ في حيزِ التعليلِ لخلودِهم في النارِ، أو شرُّهم مقاماً ومصيراً فيكونَ تأكيداً لفظاعةِ حالِهم، وقُرِىءَ بالهمز على الأصل. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} بـيانٌ لمحاسن أحوالِ المؤمنينَ إثرَ بـيانِ سوءِ حالِ الكفرةِ جرياً على السنةِ القرآنيةِ من شفعِ الترهيبِ بالترغيبِ {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتونَ بَما هُو في الغايةِ القاصيةِ من الشرفِ والفضيلةِ من الإيمان والطاعة.{هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} وقُرِىءَ خيارُ البريةِ وهو جمعُ خيِّر، نحوٌ جيدٌ وجيادٌ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ}. {خَالِدِينَ فِيهَآ}: مقيمين: {ٱلْبَرِيَّةِ}: الخليقة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}. أي: خير الخَلْق، وهذا يدل عَلَى أنهم أفضلُ من الملائكة. قوله جلّ ذكره: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}. {جَزَآؤُهُمْ}: أي ثوابهم في الآخرة عَلَى طاعاتهم. {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}: أي: من تحت أَشجارها الأنهار. {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. فلم تَبْقَ لهم مطالبةٌ إلاَّ حَقَّقَها لهم. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. أي: خافَهُ في الدنيا. والرضا سرورُ القلب بمرِّ القضَا. ويقال: هو سكونُ القلبِ تحت جَرَيان الحُكْم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم} بيان لحالهم الاخروى بعد بيان حالهم الدنيوى وذكر المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم بأهل الكتاب حسب اختصاص مشاهدة شواهد النبوة فى الكتاب بهم ومعنى كونهم فيها انهم يصيرون اليها يوم القيامة وايراد الجملة الاسمية للايذان بتحقق مضمونها لا محالة او انهم فيها الآن اما على تنزيل ملابستهم لما يوجبها منزلة ملابستهم لها واما على أن ما هم فيه من الكفر والمعاصى عين النار الا أنها ظهرت فى هذه النشاة بصورة عرضية وستخلعها فى النشأة الآخرة وتظهر بصورتها الحقيقية {خالدين فيها} حال من المستكن فى الخبر واشتراك الفريقين فى دخول دار العذاب بطريق الخلود لاجل كفرهم لا ينافى تفاوت عذابهم فى الكيفية فان جهنم دركات وعذابها الوان فالمشركون كانوا ينكرون الصانع والنبوة والقيامة واهل الكتاب نبوة محمد عليه السلام فقط فكان كفرهم اخف من كفر المشركين لكنهم اشتركوا فى اعظم الجنايات التى هى الكفر فاستحقوا اعظم العقوبات وهو الخلود ولما كفروا طلبا للرفعة صاروا الى اسفل السافلين فان جهنم نار فى موضع عميق مظلم هائر يقال بئر جهنام اذا كانت بعيدة القعر واشتراكهم فى هذا الجنس من العذاب لا يوجب اشتراكهم فى نوعه {اولئك} البعدآء المذكورون {هم شر البرية} البرية جمع الخلق لأن الله برأهم اى اوجدهم بعد العدم والمعنى شر الخليقة اى اعمالا وهو الموافق لما سيأتى فى حق المؤمنين فيكون فى حيز التعليل لخلودهم فى النار او شرهم مقاما ومصيرا فيكون تأكيدا لفظاعة حالهم وتوسيط ضمير الفصل لأفادة الحصر اى هم شر البرية دون غيرهم كيف لاوهم شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله نعوت محمد عليه السلام وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا الدين الحق على الخلق وشر من الجهال الاجلاف لأن الكفر مع العلم يكون كفر عناد فيكون اقبح من كفر الجهال وظهر منه أن وعيد العلماء السوء اعظم من وعيد كل احد ومن تاب منهم واسلم خرج من الوعيد وقيل لا يجوزان يدخل فى الآية ما مضى من الكفار لأن فرعون كان شرا منهم واما الآية الثانية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة فيمن تقدم وتأخر لأنهم افضل الامم والبرية مخففة من المهموز من برا بمعنى خلق فهو البارئ اى الموجد والمخترع من العدم الى الوجود وقد قرأ نافع وابن ذكوان على الاصل.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} المتقدمين في أول السورة، {في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شَرُّ البريَّةِ} أي: الخليقة؛ لأنّ الله بَراهم، أي: أوجدهم. قُرىء بالهمزة، وهو الأصل, ويعدمه مع الإدغام، وهو الأكثر. {إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خيرُ البريَّةِ} لا غيرهم، {جزاؤُهم عند ربهم جناتُ عدنٍ} إقامة، {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورَضُوا عنه} حيث بلغوا من الأماني قاصيها, وملكوا من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {ذلك لِمَنْ خَشِيَ ربَّه}، فإنَّ الخشية التي هي مِن خصائص العلماء به مناطاة بجميع الكمالات العلمية والعملية، المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية. والتعرُّض لعنوان الربوبية، المعربة عن المالكية والتربية؛ للإشعار بعلو الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. قاله ابو السعود. وقوله: {خير البرية} يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة. وفيه تفصيل تقدّم ذكره في النساء. قال القشيري: قوله تعالى: {خير البرية} يدل على أنهم أفضل من الملائكة. هـ. قال في الحاشية: أي: في الجملة، ثم ذكر حكاية الرجل الذي أحياه الله بعد موته بدعوة عيسى، فقال: إنه كان في الجنة، وأنه مرّ بملأ من الملائكة، وهم يقولون: إنَّ من بني آدم لَمَنْ هو أكرم على الله من الملائكة. ثم ذكر عن نوادر الأصول: أنَّ المؤمن أكرم على الله من الملائكة المقربين، فانظره. وقال بعضهم: الملائكة عقل بلا شهوة، والبهائم شهوة بلا عقل، والآدمي فيه عقل وشهوة، فمَن غلب عقلُه على شهوته كان كالملائكة أو أفضل، ومَن غلبت شهوتُه على عقله كان كالبهائم أو أضلّ. هـ. الإشارة: مَن كفر بأهل الخصوصية مِن أهل العلم وغيرهم لهم نار الحجاب والقطيعة، ومَن آمن بهم، ودخل تحت تربيتهم, له جنات المعارف خالداً فيها، رضي الله عنهم حيث قرَّبهم إليه، ورَضُوا عنه حيث سلّموا الأمر إليه، وخشوا بعُده وطرده. قال الإمام الفخر: اعلم أنَّ العبد مُركَّب من جسد وروح، فجَنّة الجسد هي الموصوفة في القرآن، وجنة الروح هي رضا الرب. والأُولى مبدأ أمره، والثانية منتهى أمره. وقال الورتجبي: عن الواسطي: الرضا والسخط نعتان قديمان، يجريان على الأبد بما جرى في الأزل، يظهران الوسْم على المقبولين والمطرودين. فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم، كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها عليهم. ثم قال عن سهل: الخشية سر والخشوع ظاهر. هـ. فالخشية محلها البواطن، والخشوع ظهور أثر الخشية في الظاهر. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالرّسول (ص) او بكتابه او بأمر الله تعالى فى رسوله (ص) او بالولاية والجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال المختلفين {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} عطف على الّذين كفروا او على اهل الكتاب {فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من اهل الكتاب والمشركين او من اىّ فرقةٍ كانوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} ومقام الرّضا آخر مقامات النّفس الانسانيّة كما انّ جنّة الرّضوان آخر الجنان {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} قد مضى مكرّراً انّ الخشية حالة حاصلة من امتزاج الخوف والحبّ ولا تكون الاّ بعد العلم بالمخشىّ منه الّذى كان له محبوبيّة ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر: 28] انّما يخشى الله من عباده العلماء يعنى من لم يعلم بالله لم يخشه لعدم حصول المحبّة له.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ} حال من ضمير الاستقرار في قوله في نار وهي مقدرة *{فِيهَآ} وذلك وعبد لهم وقدم اهل الكتاب لان جنايتهم اعظم لانهم علموا بأمر الله وقد كانوا يستفتحون برسول الله صلى الله عليه وسلم قيل بعثه ويعترفون برسالته فلما بعث انكروه حسدا وارادوا الرفعة في الدنيا بانكاره فأذلهم الله في الدنيا وجعلهم اسفل دركة من الذين انكروا الله والانبياء لان انكار نبي واحد انكار لجميع الانبياء وكفر بالله وقيل دركة للمشركين اسفل وقال في نار جهنم لانهم كانهم فيها الان للتحقق دخولهم اياها او لملابستهم ما يوجب دخولها او يقدر الخبر مضارعا او وصفا مستقبلا اي يثبتون فيها يوم القيامة. *{أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} ولذلك دخلوا جهنم والبرية فعيلة بمعنى مفعوله اي مبروءة اي مخلوقة وذلك قراءة نافع وابن ذكوان وقرأ الباقون البرية بتشديد الياء قلبا للهمزة وادغاما للياء فيها والوزن والمعنى مثل ما مر وكذا في الذي بعد.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أشركوا. {مِنْ أهلِ الْكِتابِ وِالْمُشْرِكِينَ} الذين ليسوا بأهل كتاب. {فِى نَارِ جَهَنَّمَ} أى يثبتون فى نار جهنم بمضارع الاستقبال أو ثابتون باسم الفاعل الذى للاستقبال أو ثبتوا بالماضى أو ثابتون باسم الفاعل الذى للماضى أو للحال لتحقق الوقوع فكأَنهم فيها الآن أو نار جهنم مجاز مرسل عن أعمالهم المحرمة واعتقادهم المحرم إِذ كان ذلك سبباً وملزوماً لجهنم التى هى مسبب ولازم أو شبهت أعمالهم بجهنم لجامع القبح والنفار الشرعى فهو استعارة تصريحية. {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من ضمير الاستقرار ودركة المشركين تحت دركة أهل الكتاب المشركين لأَن شركهم أشد وكون شرك أهل الكتاب أشد لعلمهم بصفاته - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته - صلى الله عليه وسلم - وردتهم عنها بعد الإقرار بها لا يوجب أن يكون عذابهم أشد ولا مساوياً لأن إنكار الله سبحانه وتعالى أو عبادة الأصنام وإنكار الكتب والرسل كلها أشد وإشراك أهل الكتاب يشبه التأويل الذى لا يجوز فى الأُصول وأهل الكتاب الذين ليسوا بمشركين لكن ماتوا على كبيرة مثل فساق هذه الأُمة فى الطبقة سواءَ وإنما قدم أهل الكتاب مع أن شركهم ومع أنه كالتأويل ومع أنه لم يعم الأَنبياءَ بخلاف المشركين لأَن جنايتهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم عليه لأَنهم آمنوا به قبل ولما عين لهم جحدوه وذلك كردة والمرتد أشد جرماً ولا كتابى بعد البعثة إلاَّ مشرك إذ لم يؤمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم. {أُولَئِكَ} البعداء فى الشر. {هُمْ شَرٌّ الْبَرِيَّةِ} الخليقة أعمالاً كأنه قيل لماذا يخلدون أو قالوا هل إلى خروج من سبيل لماذا نخلد فقال الله تعالى بطريق الغيبة أولئك هم شر البرية أى لأنهم شر البرية أى شرها أعمالاً فهم شر الخليقة جزاء يترتب شر جزائهم على شر أعمالهم والاعتقاد عمل وقيل شر البرية ودركة والأَول أولى لموافقة قوله أولئك هم خير البريئة والبريئة بالهمز، مقابل للبريئة بعد بالهمز ولا بأس بتكرير الفاصلة لأَن القرآن نزل بموافقة الفواصل لشأَن القوافى وبمخالفتها شأن القوافى تلويحاً إلى أن بلاغته ظاهرة لا تتقيد بمثل السجع والمراد بالمشركين ما يشمل إبليس وجنوده والمنافق بإضمار الشرك فكلهم أسفل من غيرهم ولو تفاوتت منازلهم فإن الأسفل على الإطلاق إبليس ثم جنوده من الجن ثم المنافق بإضمار الشرك، والمراد بالبرية الأَشقياء الذين ليسوا مشركين والمشركون فقال ان المشركين منهم أشد سوءا.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } قيل بيان لحال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا وذكر المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم بأهل الكتاب حسب اختصاص مشاهدة شواهد النبوة في الكتاب بهم فالمراد بهؤلاء الذين كفروا هم المتقدمون في صدر السورة وفي ذلك احتمال أشرنا إليه فلا تغفل. ومعنى كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة لكن لتحقق ذلك لم يصرح به وجيء بالجملة اسمية أو يقدر متعلق الجار بمعنى المستقبل أو أنهم فيها الآن على إطلاق نار جهنم على ما يوجبها من الكفر مجازاً مرسلاً بإطلاق اسم المسبب على السبب وجوزت الاستعارة وقيل إن ما هم فيه من الكفر والمعاصي عين النار إلا أنها ظهرت في هذه النشأة بصورة عرضية وستخلعها في النشأة الآخرة وتظهر بصورتها الحقيقية وقد مر نظيره غير مرة. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من المستكن في الخبر واشتراك الفريقين في دخول النار بطريق الخلود لا ينافي تفاوت عذابهما في الكيفية فإن جهنم والعياذ بالله تعالى دركات وعذابها ألوان فيعذب أهل الكتاب في درك منها نوعاً من العذاب والمشركون في درك أسفل منه بعذاب أشد لأن كفرهم أشد من كفر أهل الكتاب وكون أهل الكتاب كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم مع علمهم بنعوته الشريفة وصحة رسالته من كتابهم ولم يكن للمشركين علم بذلك كعلمهم لا يوجب كون عذابهم أشد من عذاب المشركين ولا مساوياً له فإن الشرك ظلم عظيم وقد انضم إليه من أنواع الكفر في المشركين مما ليس عند أهل الكتاب. وقد استدل بالآية على خلود الكفار مطلقاً في النار. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما هم فيه من القبائح المذكورة وما فيه من معنى البعد لبعد منزلتهم في الشر أي أولئك البعداء المذكورون {هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ } أي الخليقة وقيل أي البشر والمراد قيل هم شر البرية أعمالاً فتكون الجملة في حيز التعليل لخلودهم في النار وقيل شرها مقاماً ومصيراً فتكون تأكيداً لفظاعة حالهم، ورجح الأول بأنه الموافق لما سيأتي إن شاء الله تعالى في حق المؤمنين. وأياً ما كان فالعموم على ما قيل مشكل فإن إبليس وجنوده شر منهم أعمالاً ومقاماً وكذا المشركون المنافقون حيث ضموا إلى الشرك النفاق وقد قال سبحانه {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء: 145] وقال بعض لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر منهم كفرعون وعاقر الناقة وأجاب بأن المراد بالبرية المعاصرون لهم، ولا يخفى أنه يبقى معه الإشكال بإبليس ونحوه وأجيب بأن ذلك إذا كان الحصر حقيقياً وأما إذا كان إضافياً بالنسبة إلى المؤمنين بحسب زعمهم فلا إشكال إذ يكون المعنى أولئك هم شر البرية لا غيرهم من المؤمنين كما يزعمون قالاً أو حالاً. وقيل يراد بالبرية البشر ويراد بشريتهم شريتهم بحسب الأعمال ولا يبعد أن يكونوا بحسب ذلك هم شر جميع البرية لما أن كفرهم مع العلم بصحة رسالته عليه الصلاة والسلام ومشاهدة معجزاته الذاتية والخارجية ووعد الإيمان به عليه الصلاة والسلام ومع إدخالهم به الشبهة في قلوب من يأتي بعدهم وتسببهم به ضلال كثير من الناس إلى غير ذلك مما تضمنه واستلزمه من القبائح شر كفر وأقبحه لا يتسنى مثله لأحد من البشر إلى يوم القيامة وكذا سائر أعمالهم من تحريف الكلم عن مواضعه وصد الناس عنه صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم إياه عليه الصلاة والسلام. وكون كفر فرعون وعاقر الناقة وفعلهما بتلك المثابة غير مسلم ويلتزم دخول المنافقين في عموم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أو كون كفرهم وأعمالهم دون كفر وأعمال / المذكورين وفيه شيء لا يخفى فتأمل. وقيل ليس المراد بأولئك الذين كفروا أقواماً مخصوصين وهم المحدث عنهم أولاً بل الأعم الشامل لهم ولغيرهم من سالف الدهر إلى آخره وهو على ما فيه لا يتم بدون حمل البرية على البشر فلا تغفل. وقرأ الأعرج وابن عامر ونافع (البريئة) هنا وفيما بعد بالهمزة فقيل هو الأصل من برأهم الله تعالى بمعنى ابتدأهم واخترع خلقهم فهي فعيلة بمعنى مفعولة لكن عامة العرب إلا أهل مكة التزموا تسهيل الهمزة بالإبدال والإدغام فقالوا البرية كما قالوا الذرية والخابية. وقيل ليس بالأصل وإنما البرية بغير همز من البرى المقصور يعني التراب فهو أصل برأسه والقراءتان مختلفتان أصلاً ومادة ومتفقتان معنى في رأي وهو أن يكون المراد عليهما البشر ومختلفان فيه أيضاً في رأي آخر وهو أن يكون المراد بالمهموز الخليقة الشاملة للملائكة والجن كالبشر وبغير المهموز البشر المخلوقون من التراب فقط وأياً ما كان فليست القراءة بالهمز خطأ كيف وقد نقلت عمن ثبتت عصمته مع أن الهمز لغة قوم من أنزل عليه الكتاب صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن أنحى على أهل الكتاب والمشركين معاً ثم خَصَّ أهل الكتاب بالطعن في تعللاتهم والإِبطال لشبهاتهم التي يتابعهم المشركون عليها. أعقبه بوعيد الفريقين جمعاً بينهما كما ابتدأ الجمع بينهما في أول السورة لأن ما سبق من الموعظة والدلالة كاف في تدليل أنفسهم للموعظة. فالجملة استئناف ابتدائي، وقدم أهل الكتاب على المشركين في الوعيد استتباعاً لتقديمهم عليهم في سببه كما تقدم في أول السورة، ولأن معظم الرد كان موجهاً إلى أحوالهم من قوله: { أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البينة: 4] إلى قوله: { أية : دين القيمة } تفسير : [البينة: 5]، ولأنه لو آمن أهل الكتاب لقامت الحجة على أهل الشرك. و{مِن} بيانية مثل التي في قوله: { أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } تفسير : [البينة: 1]. وتأكيد الخبر بــــ {إنّ} للرد على أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة، فإن الظرفية التي اقتضتها {في} تفيد أنهم غير خارجين منها، وتأكد ذلك بقوله: {خالدين فيها}، وأما المشركون فقد أنكروا الجزاء رأساً. والإِخبارُ عنهم بالكون في نار جهنم إخبار بما يحصل في المستقبل بقرينة مقام الوعيد فإن الوعيد كالوعد يتعلق بالمستقبل وإن كان شأن الجملة الاسمية غير المقيدة بما يعين زمان وقوعها أن تفيد حصول مضمونها في الحال كما تقول: زيد في نعمة. وجملة: {أولئك هم شر البريئة} كالنتيجة لكونهم في نار جهنم خالدين فيها فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها وهو إخبار بسوء عاقبتهم في الآخرة وأريد بالبريئة هنا البريئة المشهورة في الاستعمال وهم البشر، فلا اعتبار للشياطين في هذا الاسم وهذا يشبه الاستغراق العرفي. والبريئة: فعيلة من بَرأ الله الخلق، أي صورهم. ومعنى كونهم {شر البريئة} أنهم أشد الناس شراً، فــــ {شر} هنا أفعل تفضيل أصله أشر مثل خير الذي هو بمعنى أخير، فإضافة {شر} إلى {البريئة} على نية {مِن} التفضيلية. وإنما كانوا كذلك لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى، فأما أهل الكتاب فلأن لديهم كتاباً فيه هدى ونور فعدلوا عنه، وأما المشركون فلأنهم كانوا على الحنيفية فأدخلوا فيها عبادة الأصنام ثم إنهم أصرّوا على دينهم بعدما شاهدوا من دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به القرآن من الإِعجاز والإِنباء بما في كتب أهل الكتاب، وذلك مما لم يشاركهم فيه غيرهم فقد اجتنوا لأنفسهم الشر من حيث كانوا أهلاً لنوال الخير فحسرتهم على أنفسهم يوم القيامة أشد من حسرة من عداهم فكان الفريقان شراً من الوثنيين والزنادقة في استحقاق العقاب لا فيما يرجى منهم من الاقتراب. وأقحم اسم الإِشارة بين اسم {إنَّ} وخبرها للتنبيه على أنهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإِشارة من أجل الأوصاف التي قبل اسم الإِشارة كما في قوله: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5]. وتوسيط ضمير الفصل لإِفادة اختصاصهم بكونهم شر البريئة لا يشاركهم في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر لما علمت آنفاً. ولا يرد أن الشياطين أشد شراً منهم لما علمت أن اسم البريئة اعتبر إطلاقه على البشر. و{البريئة} قرأه نافع وحده وابنُ ذكوان عن ابن عامر بهمز بعد الياء فعيلة من برأ اللَّهُ، إذا خلق. وقرأه بقية العشرة بياء تحتية مشددة دون همز على تسهيل الهمزة بعد الكسرة ياء وإدغام الياء الأولى في الياء الثانية تخفيفاً. وإثبات الهمزة لغة أهل الحجاز، والتخفيف لغة بقية العرب، كما تركوا الهمز في الدَّرِيَّة والنبيّ. قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول: تنبأ مسيلمة بالهمز غير أنهم تركوا الهمز في النبيّ كما تركوه في: الدَّرِيَّة والبَرِيَّة إلا أهل مكة فإنهم يهمزونها ويخالفون العرب في ذلك.
الشنقيطي
تفسير : قرئت البرية بالهمزة وبالياء، فقرأ بالهمز: نافع وابن ذكوان. والباقون بالياء، فاختلف في أخذها. قال القرطبي: قال الفراء: إن أخذت البرية من البراءة بفتح الباء والراء: أي التراب. فأصله غير مهموز بقوله منه: براه الله يبروه برواً، أي خلقه، وقيل: البرية من بريت القلم أي قدرته. وقد تضمنت هذه الآية مسألتين: الأولى منهما: أن أولئك في نار جهنم خالدين فيها، ومبحث خلود الكفار في النار، تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وافياً. والمسألة الثانية أنهم شر البرية، والبرية أصلها البريئة، قلبت الهمزة ياء تسهيلاً، وأدغمت الياء في الباء، والبريئة الخليقة والله تعالى بارئ النسم، هو الخالق البارئ المصور سبحانه. ومن البرية الدواب والطيور، وهنا النص على عمومه، فأفهم أن أولئك شر من الحيوانات والدواب. وقد جاء النص صريحاً في هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنفال: 22]، وقد بين أن المراد بهم الكفار في قوله: {أية : أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} تفسير : [محمد: 23]، وقال عنهم: {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الزخرف: 40]، فهم لصممهم وعماهم في ضلال مبين. وقد ثبت أن الدواب ليست في ضلال مبين، لأنها تعلم وتؤمن بوحدانية الله، كما جاء في هدهد سليمان، أنكر على بلقيس وقومها سجودهم للشمس والقمر من دون الله. ونص مالك في الموطأ في فضل يوم الجمعة "أنه وما من دابة إلا تصيخ بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس خشية الساعة"، وهذا كله ليس عند الكافر منه شيء، ثم في الآخرة لما يجمع الله جميع الدواب ويقتص للعجماء من القرناء، فيقول لها: كوني تراباً، فيتمنى الكافر لو كان مثلها فلم يحصل له، كما قال: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. وذلك والله تعالى أعلم: أن الدواب لم تعمل خيراً فتبقى لتجازى عليه، ولم تعمل شراً لتعاقب عليه فكانت لا لها ولا عليها إلا ما كان فيما بينها وبين بعضها، فلما اقتص لها من بعضها انتهى أمرها، فكانت نهايتها عودتها إلى منبتها وهو التراب. بخلاف الكافر فإن عليه حساب التكاليف وعقاب المخالفة فيعاقب بالخلود في النار، فكان شر البرية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 6- إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم يصلونها ولا يخرجون منها. أولئك هم شر الخليقة عقيدة وعملاً. 7- إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الأعمال الصالحة، أولئك هم خير الخليقة عقيدة وعملاً. 8- جزاؤهم فى الآخرة على ما قدموا من الإيمان والأعمال الصالحة، جنات إقامة تجرى من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبداً، قَبِلَ الله أعمالهم، وشكروا إحسانه إليهم. ذلك الجزاء لمَن خاف عقاب ربه، فآمن وعمل صالحاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن الذين كفروا من أهل الكتاب: أي بالإِسلام ونبيه وكتابه هم اليهود والنصارى. أولئك هم شر البرية: أي شر الخليقة. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي آمنوا بالإِسلام ونبيه وكتابه وعملوا الصالحات. أولئك هم خير البرية: أي هم خير الخليقة. جنات عدن: أي بساتين إقامة دائمة. رضي الله عنهم: أي بطاعته. ورضوا عنه: أي بثوابه. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ} إنه بعد أن بين الدين الحق المنجي من العذاب والموجب للنعيم وهو الدين الإِسلامي أخبر تعالى أن من كفر به من أهل الكتاب ومن المشركين هم في نار جهنم خالدين فيها هذا حكم الله فيهم لكفرهم بالحق وإعراضهم عنه بعد ما جاءتهم البيّنة وعرفوا الطريق وتنكبوه رضا بالباطل واقتناعا بالكفر والشرك بدل الإِيمان والتوحيد هؤلاء الكفرة الفجرة هم شر الخليقة كلها. وهو معنى قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} كما أخبر تعالى بأن جزاء من آمن بالله ورسوله وعمل بالدين الإِسلامي فأدى الفرائض واجتنب النواهي وسابق في الخيرات والصالحات هؤلاء هم خير البرية إذ قال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} وقوله {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي جزاء أولئك الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى والدين الحق أولئك هم خير الخليقة وقوله {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي يوم يلقونه وذلك بعد الموت {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي بساتين إقامة دائمة خالدين فيها أبدا أي لا يخرجون منها ولا يموتون أبدا وقوله {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} أي رضى الله عنهم بسبب إيمانهم وطاعتهم ورضوا عنه بسبب ما وهبهم وأعطاهم من النعيم المقيم في دار السلام وقوله تعالى {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي ذلك الجزاء المذكور وهو جزاء عظيم إذ جُمع لأهله فيه بين سعادة الروح وسعادة البدن معا هو جزاء عبد خاف ربه فلم يعصه حتى لقيه بعد موته وإن عصاه يوما تاب وإن أخطأ رجع حتى مات وهو على الطاعة لا على المعصية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان جزاء من كفر بالإِسلام من سائر الناس وأنه بئس الجزاء. 2- بيان جزاء من آمن بالإِسلام ودخل فيه وطبق قواعده واستقام على الأمر والنهي فيه وهو نعم الجزاء رضى الله والخلود في دار السلام. 3- فضل الخشية إن حملت صاحبها على طاعة الله ورسوله فأطاعهما بأداء الفرائض وترك المحرمات في الاعتقاد والقول والعمل.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابِ} {خَالِدِينَ} {أَوْلَـٰئِكَ} (6) - وَهَؤُلاَءِ الكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ الذِينَ دَنَّسُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ، وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ وَالمَعَاصِي وَالآثَامِ، وَإِنْكَارِ الحَقِّ الوَاضِحِ بَعْدَمَا عَرَفُوهُ، سَيُجَازِيهِمْ رَبُّهُمْ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ، وَبِمَا أَعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ، وَهَؤُلاَءِ هُم شَرُّ المَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا لأَِنَّهُمْ أَنْكَرُوا الحَقَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. البَرِيَّةِ - الخَلْقِ - البَشَرِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} معناه الخَلقُ الذين بَرأَهُم الله تعالى معناه خَلَقَهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):