Verse. 6137 (AR)

٩٨ - ٱلْبَيِّنَة

98 - Al-Bayyina (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ۝۰ۙ اُولٰۗىِٕكَ ہُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّۃِ۝۷ۭ
Inna allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati olaika hum khayru albariyyati

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية» الخليقة.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه أحدها: أن الوعيد كالدواء، والوعد كالغذاء، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقياً انتفع بالغذاء، فإن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً، هكذا قاله بقراط في كتاب "الفصول" وثانيها: أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحاً للمدارس والخف، أما قبله فلا، ولذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى الله، فإذا نال الدنيا أعرض، على ما قال: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } تفسير : [العنكبوت: 65] وثالثها: أن فيه بشارة، كأنه تعالى يقول: لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير، ألست كنت نجساً في مكان نجس، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهراً، أفلا أخرجك إلى الجنة طاهراً!. المسألة الثانية: احتج من قال: إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. المسألة الثالثة: قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ولم يقل: إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده، وبذلوا الأموال والمهج لأجله، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال: {أية : لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } تفسير : [الحديد: 10] ولفظة: {ءامَنُواْ } أي فعلوا الإيمان مرة. واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية، وذلك لأنها تدل على أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب، والذي يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك. المسألة الرابعة: قوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } من مقابلة الجمع بالجمع، فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء، وحظ الفقير الأخذ. المسألة الخامسة: احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك، قالوا: روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: «حديث : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى! والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك، واقرؤا إن شئتم: {أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية}»تفسير : . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: أحدها: ما روى عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة وثانيها: أن قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } غير مختص بالبشر بل يدخل فيه الملك وثالثها: أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل، قالوا: وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك من حمأ مسنون، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي مسكن الشياطين، وايضاً فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في يد البعض، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب، ومن ذلك فإن الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ } تفسير : [الأنبياء: 29] أي لو أقدموا على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية، وأنت أبداً عبد البطن والفرج، وأما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي بإحياء ثلثي الليل وقال فيهم: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20] ومرة: {أية : لاَ يَسْـئَمُونَ } تفسير : [قصلت: 38] وتمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٱئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } الخليقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يفهم من مقابلة الجمع بالجمع انه لا يكلف الواحد بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ فحظ الغنى الاعطاء وحظ الفقير الاخذ والصبر والقناعة {اولئك} المنعوتون بما هو فى الغاية القاصية من الشرف والفضيلة من الايمان والطاعة {هم خير البرية} استدل بالآية على ان البشر أفضل من الملك لظهور أن المراد بقوله ان الذين آمنوا هو البشر والبرية يشمل الملك والجن سئل الحسن رحمه الله عن قوله اولئك هم خير البرية أهم خير من الملائكة قال ويلك وانى تعادل الملائكة الذين آمنوا وعملوا الصالحات شعر : ملائك راجه سود از حسن طاعت جو فيض عشق برآدم فرو ريخت

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}. فِي عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَشِيْعَتِهِ. مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم: (حَدَّثَنَا سَعيد بن عُثْمان، عن عَمْرو بن شِمْر، عن جابر). عن أَبي جَعْفر: أَنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآلِهِ وَسَلَّم قالَ: يا عليُّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}. أَنْتَ وشِيْعَتُكَ، تَرِدُ عَلَيَّ أَنْتَ وَشِيْعَتُكَ رَاضِيْنَ مَرْضِيِّيْنَ.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} لاجتنابهم الشرك ولاعمالهم الصالحة وقرئ خيار البرية جمع خير بتشديد الياء كجيد وجياد وطيب وطياب بالغ في المؤمنين بمدحهم اولا وبذكر الجزاء المشعر بان ما اعطاهم الله في مقابلة ايمانهم وعملهم اذ قال.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} العالون درجة بإيمانهم وأعمالهم {أولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أفضل الخليقة وخير اسم تفضيل فمن هم الفاضلون الذين يكون المؤمنون العاملون أفضل منهم فيقال الملائكة ففى أثر أن المؤمن أفضل عند الله من جميع الملائكة واستثنى بعضهم خواص الملائكة كجبريل والكروبيين وكفر بعضهم من فضل المؤمنين على خواص الملائكة وليس كذلك وحكم الجن والإنس واحد ولكن لا أظن أن الجنى أفضل من الملائكة ومالهم من الجنة إلاَّ صحاريها وفى الأَثر المؤمن من بنى آدم أفضل من الملائكة، وفى حديث أفضل من الملك وال للجنس أو للاستغراق وهو أولى ليوافق حديث أفضل من جميع الملائكة قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله من أكرم الخلق على الله تعالى قال يا عائشة أما تقرئين إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، وعن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : أتعجبون من منزلة الملائكة عند الله تعالى والذي نفسي بيده لمنزلة المؤمن عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من منزلة الملك اقرأوا إنْ شئتم {إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أُولئك هم خير البرية} تفسير : وذلك أن المؤمن يتلقى الموانع من الطاعات الداعيات إلى المعاصى من النفس والهوى والشياطين من الجن والإنس ويصعب عليه الوفاء بخلاف الملائكة فإن العبادة منهم كالتنفس كأَنهم طبعوا ولكن لهم اختيار، واختار أصحابنا أن الملائكة أفضل من المؤمنين.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } بيان لمحاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة جرياً على السنة القرآنية من شفع الترهيب بالترغيب أو هو على ما أشرنا إليه سابقاً وقال عصام الدين إن قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البينة: 6] الخ كالتأكيد لقوله تعالى {أية : وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}تفسير : [البينة: 5] إذ لا تحقيق لكونها الملة القيمة فوق أن يكون جزاء المعرض هذا وجزاء الممتثل ذلك إلا أن ذلك اقتضى قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الخ وكأنه فصل لتخييل عدم المناسبة بين الجملتين لا في المسند إليه ولا في المسند. {أُوْلَـٰئِكَ } أي المنعوتون بما هو الغاية القاصية من الشرف والفضيلة من الإيمان والطاعة {هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } وقرأ حميد وعامر بن عبد الواحد (هم خيار البرية) وهو جمع خير كجياد وجيد.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. قوبل حال الكفرة من أهل الكتاب وحالُ المشركين بحال الذين آمنوا بعد أن أشِير إليهم بقوله: { أية : وذلك دين القيمة } تفسير : [البينة: 5]، استيعاباً لأحوال الفِرق في الدنيا والآخرة وجرياً على عادة القرآن في تعقيب نذارة المنذَرين ببشارة المطمئنين وما ترتب على ذلك من الثناء عليهم، وقدم الثناء عليهم على بشارتهم على عكس نظم الكلام المتقدم في ضدهم ليكون ذكر وعدهم كالشكر لهم على إيمانهم وأعمالهم فإن الله شكور. والجملة استئناف بياني ناشىء عن تكرر ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فإن ذلك يثير في نفوس الذين آمنوا من أهل الكتاب والمشركين تساؤلاً عن حالهم لعل تأخر إيمانهم إلى ما بعد نزول الآيات في التنديد عليهم يَجعلهم في انحطاط درجةٍ، فجاءت هذه الآية مبينة أن من آمن منهم هو معدود في خير البريئة. والقول في اسم الإِشارة، وضمير الفصل والقصر وهمز البريئة كالقول في نظيره المتقدم. واسم الإِشارة والجملة المخبر بها عنه جميعها خبر عن اسم {إن}. وجملة: {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} إلى آخرها مبيِّنة لجملة: {أولئك هم خير البريئة}. و{عند ربهم} ظرف وقع اعتراضاً بين {جزاؤهم} وبين {جنات عدن} للتنويه بعِظَم الجزاء بأنه مدَّخر لهم عند ربهم تكرمةً لهم لما في {عند} من الإِيماء إلى الحظوة والعناية، وما في لفظ ربهم من الإِيماء إلى إجزال الجزاء بما يناسب عظم المضاف إليه {عندَ}، وما يناسب شأن من يَرُب أن يبلغ بمربوبه عظيم الإحسان. وإضافة: {جنات} إلى {عدن} لإِفادة أنها مسكنهم لأن العَدْن الإِقامة، أي ليس جزاؤهم تنزهاً في الجنات بل أقوى من ذلك بالإِقامة فيها. وقوله: {خالدين فيها أبداً} بشارة بأنها مسكنهم الخالد. ووصف الجنات بــــ {تجري من تحتها الأنهار} لبيان منتهى حسنها. وجَرْيُ النهر مستعار لانتقال السيْل تشبيهاً لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي. والنهر: أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع الأخدود ومائه. وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام لأن الذي يجري هو ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر. وجعل جزاء الجماعة جمعَ الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع، أي لكل واحد جنة كقوله تعالى: { أية : يجعلون أصابعهم في آذانهم } تفسير : [البقرة: 19] وقولك: ركب القوم دوابَّهم، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ينحصر قال تعالى: { أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان } تفسير : [الرحمٰن: 46]. وجملة: {رضي الله عنهم} حال من ضمير {خالدين}، أي خالدين خلوداً مقارناً لرضى الله عنهم، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى الله عنهم، وذلك أعظم مراتب الكرامة قال تعالى: { أية : ورضوانٌ من اللَّه أكبر } تفسير : [التوبة: 72] ورِضَى الله تعلق إحسانه وإكرامه لعبده. وأما الرضى في قوله: {ورضُوا عنه} فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان الله ما لا مطلب لهم فوقه كقول أبي بكر في حديث الغار: «فشَرب حتى رضيتَ»، وقول مخرمة حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قَباءً: «رَضِيَ مخرمة». وزاده حُسْن وقع هنا ما فيه من المشاكلة. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بُيّن به سبب العطاء وسبب الحرمان وهو خشية الله تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها. والإِشارة إلى الجزاء المذكور في قوله: {جزاؤهم عند ربهم} يعني أن السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم الله فإنهم لما خشوا الله توقعوا غضبه إذا لم يصغوا إلى من يقول لهم: إني رسول الله إليكم، فأقبلوا على النظر في دلائل صدق الرسول فاهتدوا وآمنوا، وأما الذين آثروا حظوظ الدنيا فأعرضوا عن دعوة رسول من عند الله ولم يتوقعوا غضب مرسله فبقوا في ضلالهم. فما صدْقُ: «من خشي ربه» هم المؤمنون، واللام للملك، أي ذلك الجزاء للمؤمنين الذين خشوا ربهم فإذا كان ذلك ملكاً لهم لم يكن شيء منه ملكاً لغيرهم فأفاد حرمان الكفرة المتقدم ذكرهم وتم التذييل. وفي ذكر الرب هنا دون أن يقال: ذلك لمن خشي الله، تعريض بأن الكفار لم يرعوا حق الربوبية إذ لم يخشوا ربهم فهم عبيد سوء.

الشنقيطي

تفسير : الحكم هنا بالعموم، كالحكم هناك. ولكنه هنا بالخيرية والتفضيل. أما من حيث الجنس فلا إشكال، لأن الإنسان أفضل الأجناس {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} تفسير : [الإسراء: 70]. وأما من حيث العموم، فقال بعض العلماء فيها ما يدل على صالح المؤمنين أفضل من الملائكة. ولعل مما يقوي هذا الاستدلال، هو أن بعض أفراد جنس الإنسان أفضل من عموم أفراد جنس الملائكة، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا فضل بعض أفراد الجنس لا يمنع في البعض الآخر ولكن هل بعض أفراد الأمة بعده أفضل من عموم أو بعض أفراد الملائكة؟ هذا هو محل الخلاف. وللقرطبي مبحث في ذلك: مبناه على أصل المادة وورود النصوص من جهة أصل المادة إن كانت البرية مأخوذة من البري وهو التراب. فلا تدخل الملائكة تحت هذا التفضيل وإلا فتدخل. وأما من جهة النصوص، فقال في سورة البقرة عند قوله: {أية : قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 33]، قال المسألة الثالثة: اختلف العلماء في هذا الباب أيهما أفضل، الملائكة أو بنو آدم؟ على قولين، فذهب قول إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل، واحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقوله: {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام: 50]. وبما في البخاري يقول الله: "من ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منه" وهذا نص على أن الملأ الأعلى خير من ملا الأرض. واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} [البينة: 7]، بالهمز من بَرأَ اللهُ الْخَلقُ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم" تفسير : أخرجه أبو داود. وبأن الله يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الملائكة خير منهم، لأن طريق ذلك خبر الله، وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة. وليس ها هنا شيء من ذلك خلافاً للقدرية والقاضي أبي بكر، حيث قالوا: الملائكة أفضل. قال: وأنا من قال من أصحابنا والشيعة: إن الأنبياء أفضل، لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، إلى آخره. ثم رد هذا الاستدلال. وقد سقنا هذا البحث لبيان الخلاف في هذه المسألة المشتمل عليها لفظ البرية، وأعتقد أن المفاضلة جزئية لا كلية، وذلك أن جنس البشر خلاف جنس الملائكة، والملائكة فيهم النص بأنهم {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26]، والبشر فيهم النص {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} تفسير : [الإسراء: 70]، والفرق بينهما، كالفرق بين الاسم والفعل في الدلالة. ففي الملائكة بالاسم: مكرمون، وهو يدل على الدوام والثبوت، وفي بني آدم كرمنا، وهو يدل على التجدد والحدوث. وهذا هو الواقع، فالتكريم ثابت ولازم ودائم للملائكة بخلافه في بني آدم إذ فيهم وفيهم، ولا يبعد أن يقال: إن التفضيل في الأعمال من حيث صدورها من بني آدم ومن الملائكة، إذ الملائكة تصدر عنها أعمال الخير جبلة أو بدون نوازع شر، بخلاف بني آدم، وإن أعمال الخير تصدر عنها بمجهود مزدوج، حيث ركبت فيه النفس اللوامة والأمارة بالسوء. ونحو ذلك من الجانب الحيواني. وازدواجية المجهود، هو أنه ينازع عوامل الشر حتى يتغلب عليها، ويبذل الجهد في فعل الخير، فهو يجاهد للتخليص من نوازع ثم الشر، هو يجاهد للقيام بفعل الخير، وهذا مجهود يقتضي التفضيل على المجهود من جانب واحد. وقد جاء في السنة ما يشهد لذلك، لما ذكر صلى الله عليه وسلم أصحابه "أن يأتي بعدهم من أن العامل منهم له أجر خمسين، فقالوا: خمسين منا أو منهم يا رسول الله قال: حديث : بل خمسين منكم، لأنكم تجدون أعواناً على الخير وهم لا يجدون ". تفسير : وحديث "حديث : سبق درهم مائة ألف درهم" تفسير : وبين صلى الله عليه وسلم، أن الدرهم سبق الأضعاف المضاعفة، لأنه ثاني اثنين فقط، والمائة ألف جزء من مجموع كثير. فالنفس التي تجود بنصف ما تملك، ولا يتبقى لها إلا درهم، خير بكثير ممن تنفق جزءاً ضئيلاً مما تملك ويتبقى لها المال الكثير، فكانت عوامل التصدق ودوافعه مختلفة منزلة في النفس متضادة. فالدرهم في ذاته وماهيته من جنس الدراهم الأخرى، لم تتفاوت الماهية ولا الجنس، ولكن تفاوتت الدوافع والعوامل لإنفاقه، ولعل المفاضلة المقصودة تكون من هذا القبيل أولى. والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} (7) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَاهْتَدَوا بِهُدَاهُ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، فَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ، وَبَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ والبِرِّ، وَأَحْسَنُوا مُعَامَلَةَ خَلْقِ اللهِ. فَأُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ لأَِنَّهُمْ أَدَّوا حَقَّ العَقْلِ الذِي شَرَّفَهُمُ اللهُ بِهِ، فَاتَّبَعُوا الهُدَى، وَحَفِظُوا الفَضِيلَةَ بِعَمَلِهِم الصَّالِحِ.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه إلى مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} منهم بوحدة الحق وصدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقبلوا دعوته ودينه حسب ما وجدوا في كتبهم، وسمعوا وصفه من أسلافهم بلا تحريف ولا تغيير {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى الله والمرضية عنده سبحانه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] وأحسن الخليقة. {جَزَآؤُهُمْ} الذي استحقوها بإيمانهم وأعمالهم {عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} منتزهات علم وعين وحق {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: جداول المعارف والحقائق المتجددة، المرشحة من بحر الحقيقة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} دائمين فيها سرمداً، وبالجملة: {رِّضِىَ ٱللَّهُ} المفضل المنعم العليم الحكيم {عَنْهُمْ} وعن أعمالهم ونياتهم وأخلاقهم فيها {وَرَضُواْ} أيضاً {عَنْهُ} سبحانه بما قسَّم الله لهم، وأفاض عليهم بمقتضى استعداداتهم وقابلياتهم، وبالجملة: {ذَلِكَ} الأجر الجزيل والرضا الجميل {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] وخاف من سخطه وغضبه، فامتثل بأوامره واجتنب عن نواهيه، واتصف بالتقوى عن مطلق محارمه ومحظوراته. جعلنا الله من زمرتهم. خاتمة السورة عليك أيها الراجي لقبول الحق والرضاء أن تصفي سرك عن مطلق الرعونات المنافية للرضا عما جرى عليه القضاء، وتخلي ضميرك عن الميل إلى مطلق البدع والأهواء المبعدة عن التقرب نحو المولى، فلك التسليم والرضا، والتبتل نحو الحق في السراء والضراء، والتوكل عليه في الخصب والرخاء، فإنه لا تحرك في ملكه إلاَّ ما يشاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [البينة: 7]؛ يعني: أن القوى التي آمنت باللطيفة الخفية، وعملت الصالحات من الإخلاص في الطاعات وترك العادات في العبادات، ومخالفة الآباء والأمهات بأمر خالق الأرض والسماوات؛ لأنهم اتبعوا خير اللطائف وصاروا {أية : خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [البينة: 8]؛ يعني: يجزيهم الله في دار الجزاء بما كسبوا طارت معدنهم في دار الكسب {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [البينة: 8] في قلوبهم، {تَجْرِى} [البينة: 8] من تلك الجنة أنهار المعرفة الخالدة أبد الآباد، آمنة عن الانقطاع والنفاد، {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} [البينة: 8] لتركهم تقليد آبائهم ودخولهم في {أية : دِينُ ٱلقَيِّمَةِ}تفسير : [البينة: 5]، وانقيادهم أمر اللطيفة الخفية المعلمة لهم أمر التقويم والتصقيل والتوجه في صورة الصلاة والزكاة ومعنى الإخلاص، {وَرَضُواْ عَنْهُ} [البينة: 8] بما يحكم عليهم؛ لإيقانهم بأنه رءوف رحيم حكيم عليم، {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8]؛ يعني: رضاك عن الله من ثمرة الخشية من الله، فإذا خشيت من ربك وتركت ما يسخط به عليك ربك رضي الله عنك، وإذا رضي عنك ربك يجعلك من أهل الرضا وباب الله الأعظم، فإذا وقفت بالباب بالحرمة وراعيت شرائط حسب الأدب، ورضيت في جميع الحالات من رب الأرباب، وقطعت النظر عن الأسباب يدخلك في دار الصفاء، ويجلسك على سرير أصحاب الصمت، ويسقيك من شراب المعرفة الذاتية، ويسكرك عن رؤية وجودك حتى لا تسمع إلا من الله، ولا تكون إلا بالله، ولا تعمل إلا لله، ولا تسافر إلا في الله، ولا تنظر إلا إلى الله، ولا [ترى] إلا لله، فحينئذ يكون سكران كلّ اللسان. فأما شراب المعرفة الصفاتية فيثمر طول طور اللسان، ويجعل الرجل صاحب البيان منبسط الجنان في الجنان، وهذه مراتب تحصل للسالك في مقام الخشية؛ ولأجل هذا جاء في القرآن: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28]، وقال الله تعالى {أية : أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [البقرة: 145] درجات، وقال الله تعالى أيضاً: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}تفسير : [الزخرف: 32]، وقال سيد السادات عليه أفضل الصلاة والسلام وأزكى التحيات: "حديث : أنا أعلمكم بالله وأخشاكم من الله"،تفسير : وكل من كان خشي من الله كان أعلم بالله، وكل من كان أعلم بالله كان أرفع درجة عند الله، وكل من كان أقرب إلى الله كان أكثر خشية إلى الله كما قيل بالفارسية: بيت تزديكا نرابيش بور حيراني كيشان دانندسيات سلطاني. اللهم اجعلني من أهل الرضا، وأدخلني في زمرة أهل الصفاء.