٩٨ - ٱلْبَيِّنَة
98 - Al-Bayyina (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن التفسير ظاهر ونحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقاً من المحن والآفات، فصاغه من أنجس شيء في أضيق مكان إلى أن خرج باكياً لا للفراق ولكن مشتكياً من وحشة الحبس ليرحم، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم، ثم لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدوداً في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ألقوا في المهد وشدوه بالقماط، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه في المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم، ثم بعد ذلك شد بمسامير العقل والتكليف، ثم إن المكلف يصير كالمتحير، يقول: من الذي يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية! فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل، فوجده عالماً لا يشبه العالمين، وقادراً لا يشبه القادرين، وعرف أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة، لكن حقيقته محض الكرم والرحمة، فترك الشكاية وأقبل على الشكر، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة له والطاعة، فجعل قلبه مسكناً لسطان عرفانه، فكأن الحق قال: عبدي أنزل معرفتي في قلبك حتى لا يخرجها منه شيء أو يسبقها هناك فيقول العبد: يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته، وكذا حب الأب والأم، وحب الدنيا وشهواتها وأخرجت الكل. أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار، والذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح، فيقول الله: عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة فجنة بجنة، فلهذا قال: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ * تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } بل كأن الكريم الرحيم يقول: عبدي أعطاني كل ما ملكه، وأنا أعطيته بعض ما في ملكي، وأنا أولى منه بالكرم والجود، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوباً دائماً مخلداً، حتى يكون دوامه وخلوده جابراً لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية. المسألة الثانية: الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، ومنه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب عن الماء، فهذا يفيد معنيين أحدهما: أنه يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص والثاني: أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية، فلا يبقى في نفسه شيء إلا والمطلوب يكون حاصلاً، على ما قال: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } تفسير : [فصلت: 31]. المسألة الثانية: قال: {جَزَآؤُهُمْ } فأضاف الجزاء إليهم، والإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله: {أية : ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 35] والجواب: أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لو قال الملك الكريم: من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي، فقوله: {جَزَآؤُهُمْ } يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا: في قوله تعالى: {ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } إن كلمة من لابتداء الغاية، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة. فإن قيل: فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام؟ قلنا: أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف؟ أو عن إنعامه في غد القيامة؟ فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول: أنا منزه عن الانتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه، كما روى: «الخلق عيال الله» وأما اليومي فالنعمان يوجب الإتمام بعد الشروع. فالرحمن أولى. وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك. المسألة الرابعة: في قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } لطائف: أحدها: قال بعض الفقهاء: لو قال: لا شيء لي على فلان، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة، ولو قال: لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولو قال: لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معاً، إذا عرفت هذا فقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } يفيد أنه وديعة والوديعة عين، ولو قال: لفلان علي فهو إقرار بالدين، والعين أشرف من الدين فقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد، فإن قيل: الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون، قلنا: المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال، فلا جرم قلنا: الوديعة هناك خير من المضمون. وثانيها: إذا وقعت الفتنة في البلدة، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتاباً يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة. وثالثها: أنه قال: {عِندَ رَبّهِمْ } وفيه بشارة عظيمة، كأنه تعالى يقول: أنا الذي ربيتك أولاً حين كنت معدوماً صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقاً أعطيتك هذه الأشياء، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئاً وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها، كلا إن هذا مما لا يكون. المسألة الخامسة: قوله: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ } فيه قولان: أحدهما: أنه قابل الجمع بالجمع، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، كما لو قال لأمرأتيه أو عبديه: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما داراً على حدة، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين، ودليل القول الأول: {أية : جَعَلُواْ أَصَـٰبِعَهُمْ فِى ءاذٰنِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ }تفسير : [نوح :7] فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روي مرفوعاً، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمُلْكاً كَبِيراً }تفسير : [الإنسان:20 ] ويحتمل أن يراد لكل مكلف جنات، كما روي عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن، لأنه قال: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ }تفسير : [الرحمن:26] ثم قال: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ }تفسير : [الرحمن:62] فذكر أربعاً للواحد، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان إثنان دون الإثنين، فاستحق جنتين دون الجنتين، فحصلت له أربع جنات، لسكبه البكاء من أربعة أجفان، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } وفيه إشارة إلى أنه لا بد من دوام الخوف، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة. المسألة السادسة: قوله: {عَدْنٍ } يفيد الإقامة: {أية : لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا }تفسير : [الجاثيه:45]{أية : وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }تفسير : [الحجر:48] {أية : لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}تفسير : [الكهف:108] يقال: عدن بالمكان أقام، وروي أن جنات عدن وسط الجنة، وقيل: عدن من المعدن أي هي معدن النعيم والأمن والسلامة، قال بعضهم: إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال: إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع. مثل حركة الجن، مع أنها دار إقامة وعدن، وإما من الجنون فهو أن الجنة، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون، لولا أن الله بفضله يثبته، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار، أو من الجنين، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر {أية : لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً }تفسير : [الإنسان:13]. المسألة السابعة: قوله: {تَجْرِى } إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري، يزيد نوراً في البصر بل كأنه تعالى قال: طاعتك كانت جارية ما دمت حياً على ما قال: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }تفسير : [الحجر:99] فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد، ثم قال: {من تحتها} إشارة إلى عدم التنغيص، وذلك لأن التنغيص في البستان، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم، وإما بسبب الغرق والكثرة، فذكر من تحتها، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء، فلا تسمى الساقية نهراً، بل العظيم هو الذي يسمى نهراً بدليل قوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَـٰرَ } تفسير : [إبراهيم:32] فعطف ذلك على البحر. المسألة الثامنة: اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولاً والرضا ثانياً، وروى أنه عليه السلام قال: "حديث : إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة". تفسير : أما الصفة الأولى: وهي الخلود، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل. وأما الصفة الثانية: وهي الرضا، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله، ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله: {وَرَضُواْ عَنْهُ } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث، والمحدث لا يؤثر في الأزلي. المسألة التاسعة: إنما قال: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام، فلو قال: رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة، فقوله: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة. المسألة العاشرة: اختلفوا في قوله: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } فقال بعضهم: معناه رضي أعمالهم، وقال بعضهم: المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم، قال: لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله، وهذا هو الأقرب، وأما قوله: {وَرَضُواْ عَنْهُ } فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب. أما قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }تفسير : [المؤمنون:60] ولعل الخشية أشد من الخوف، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقروناً بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال: {أية : هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ }تفسير : [المؤمنون:57] والكلام في الخوف والخشية مشهور. المسألة الثانية: هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلاً على فضل العلم والعلماء، وذلك لأنه تعالى قال: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء }تفسير : [فاطر:28] فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية، وهذه الآية وهي قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء. المسألة الثالثة: قال بعضهم: هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمناً بأن يعلم أنه من أهل الجنة، وجعل هذه الآية دالة عليه. وهذا المذهب غير قوي، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية لله تعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أعرفكم بالله أخوفكم من الله، وأنا أخوفكم منه»تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ} أي ثوابهم. {عِندَ رَبِّهِمْ} أي خالقهم ومالكهم. {جَنَّاتُ} أي بساتين. {عَدْنٍ} أي إقامة. والمفسرون يقولون: «جَناتُ عَدْنٍ» بُطْنانُ الجَنَّةِ، أي وَسَطُها؛ تقول: عَدَن بالمكان يَعْدِن (عَدْنا وعُدُونا): أقام. ومعدِن الشيء: مَرْكزه ومستقرُّه. قال الأعشى: شعر : وإنْ يُسْتضافوا إلى حُكْمِهِ يُضَافُوا إلى رَاجِح قَدْ عَدَنْ تفسير : {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا يَظْعَنون ولا يموتون. {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي رضِي أعمالهم؛ كذا قال ابن عباس. {وَرَضُواْ عَنْهُ} أي رَضُوا هم بثواب الله عز وجل. {ذَلِكَ} أي الجنة. {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي خاف ربّه، فتناهى عن المعاصي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتُ عَدْنٍ } إقامة {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهآ أَبَداً رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بطاعته {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } خاف عقابه فانتهى عن معصيته تعالى.
ابو السعود
تفسير : {جَزَآؤُهُمْ} بمقابلةِ ما لهُم من الإيمانِ والطاعةِ {عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ * تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} إنْ أُريد بالجنَّاتِ الأشجارُ الملتفةُ الأغصانِ كمَا هو الظاهرُ، فجريانُ الأنهارِ من تحتها ظاهرٌ، وإنْ أُريدَ بها مجموعُ الأرضِ ومَا عليها فهُو باعتبارِ الجزءِ الظاهرِ، وأيّاً ما كانَ فالمرادُ جريانُها بغيرِ أخدودٍ. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} متنعيمنَ بفنونِ النعمِ الجُسمانيةِ والروحانيةِ وفي تقديمِ مدحِهم بخيرية البريةِ وذكرِ الجزاءِ المؤذنِ بكونِ ما مُنحوهُ في مقابلةِ ما وُصفوا بهِ وبـيان كونِه من عندِه تعالَى والتعرضِ لعنوانِ الربوبـيةِ المنبئةِ عن التربـيةِ والتبليغ إلى الكمالِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم وجمعِ الجنَّاتِ وتقيـيدِها بالإضافةِ وبما يزيدُها نعيماً وتأكيداً الخلودِ بالأبودِ من الدلالةِ على غايةِ حُسنِ حالِهم ما لا يَخْفى. {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} استئنافٌ مبـينٌ لما يتفضلُ عليهم زيادةً على ما ذُكرَ من أجزيةِ أعمالِهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} حيثُ بلغُوا من المطالبِ قاصيتَها وملكُوا من المآربِ ناصيتَها وأُتيحَ لهم ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خَطَر على قلبِ بشرٍ {ذٰلِكَ} أيْ ما ذُكرَ من الجزاءِ والرضوانِ {لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ} فإنَّ الخشيةَ التي هيَ من خصائصِ العلماءِ بشؤونِ الله عزَّ وجلَّ مناطٌ لجميعِ الكمالاتِ العلميةِ والعمليةِ المستتبعةِ للسعادةِ الدينيةِ والدنيويةِ. والتعرضُ لعُنوانِ الربوبـيةِ المعربةِ عن المالكيةِ والتربـيةِ للإشعارِ بعلَّةِ الخشيةِ والتحذيرِ من الاغترارِ بالتربـيةِ. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ البـينةِ كانَ يومَ القيامةِ مع خيرِ البريةِ مساءً ومَقيلاً".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}[8] قال: الخشية سر، والخشوع علانية، من خشعت جوارحه لم يقربه الشيطان. قيل: فما الخشوع؟ قال: الوقوف بين يدي الله، والصبر على ذلك. قال: وكمال الخشية ترك الآثام في السر والعلانية. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الآية: 8]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الشبلى وقد سئل عن الأبد؟ فقال: الأبد البقاء الذى لا يزول، وإذا زالت الأسماء والصفات بزوال الخلق فإن الله باق بأسمائه وصفاته. قال الحسين: الأبد إشارة إلى ترك القطع فى العدد ومحو الأوقات فى السرمد. قوله تعالى: {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [الآية: 8]. قال الحسين: الرضا يكون لى قدر قوة العلم، والرسوخ فى المعرفة، فكل قوى علمه كان من الراضين فى معرفته ويكون قويًا فى حاله بقوة علمه، والرضا حال يصحب العبد فى الدنيا والآخرة وهى حالة تصحبهم فى الجنة لأنه منعمون بالرضا ويسألونه الله حتى يقول لهم: برضاى أُحِلُّكم دارى أى: برضاى عنكم أرضيتكم وذلك الذى أحلكم المحل وليس كل الرضا محلّ الخوف والرجاء، والصيد، والإشفاق وسائر الأحوال التى تزول عن العبد فى الآخرة، وحال الرضا والمحبة يصحبان العبد فى الدنيا والآخرة، وهى حالة رقيقة لا يجدها إلا الأنبياء، والصديقون، وأكابر الأولياء من المؤمنين. قال الواسطى رحمه الله: الرضا والسخط نعتان قويمان يجريان على الأبدان بما جريا فى الأزل يظهران الوسمين على المقبولين، والمطرودين فقد بانت شواهد المقبولين بضيائهما عليهم كما بانت شواهد المطرودين بظلمتها لديهم فأنى ينفع، ومع ذلك الألوان المصفرة والأقدام المنفخة، والأكمام المقصرّة. وقال الصادق عليه السلام فى قوله {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} بما كان سبق لهم من الله العناية والتوفيق {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما مَنَّ عليهم بمتابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به، وإنفاقهم الأموال والمهج بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الواسطى رحمه الله: استعمل الرضا جهدك، ولا تدع الرضا يستعملك فيكون محجوباً بلذته عن حقيقة ما يطالع بعد درجته. قال محمد بن الفضل: الروح والراحة فى الرضا، واليقين والرضا بأن الله الأعظم، ومستراح العابدين. وقال سمَّى الرضا من رياضته العبد نفسه راضياً فانقادت ورضيت ممن استوى عنده المقضى والقضاء، ورأى ذلك ذكراً ذكره به ربه بما تبين أوائل الصبر. وقال محمد بن خفيف: ينقسم قسمين: رضا به، ورضى عنه فالرضا به ربًا، ومدبرًا باستغنائه عن كل ما سواه والرضا عنه فيما يجرى، ويقضى، ويقدر، وهو من أصول التوحيد. وقال بعضهم: الرضا رفع الاختيار. وقال ذو النون: الرضا سرور القلب بمر القضاء. وقال الحارث: الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم. وقال أبو عمرو الدمشقى: الرضا نهاية الصبر. وقال أبو بكر بن طاهر: الرضا خروج الكراهية من القلب حتى لا يكون إلا فرح، وسرور. وقال أبو سليمان الدارانى: الراضى الذى لا يسئل الله جنته، ولا يستعيذ من ناره. وقال ابن زانيار: رضا الخلق عن الله رضا بما يَرِدُ عليهم من أحكامه، ورضاه عنهم ان يوفقهم الرضا عنه. وقال بعضهم: لذكر الله أكبر أى: أقدم حين قال: {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت على بن عبد الحميد يقول: سمعت السرى رحمه الله يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا. قال الواسطى رحمه الله: الرضا هو النظر فى الأشياء بعين الرضا لا يسخطك شىء إلا ما سخط مولاك. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا على القلانسى يقول: الراضون ثلاثة: راضٍ بالقضاء عند نزول القضاء فهو مقتصد، وراضٍ بالقضاء بعد نزول القضاء فهو ظالم. وقال النورى: الرضا استقبال الأحكام بالفرح. وقال ابن عطاء: هو النظر إلى قديم اختيار الله للعبد يختار الأفضل فيترك التسخط عليه. قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [الآية: 8]. قال سهل: الخشية سره، والخشوع ظاهر. وقال عمرو المكى: اشترط على الراضين الخشية فى رضاهم عند ذلك أوجب لهم رضاه عنهم بأن يرضوا عنه ويخشونه فى رضاه عنهم ولا يكون ذلك إلا بالاجتناب للمحارم وعقد موافقتهم لموافقته أن يكرهوا ما كره ويرضوا ما رضى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} رضى الله عنهم فى الازل حين اصطفاهم قبل ايجادهم ورضوا عنه لما عاينوه واثروه على من دون عشقا وشوقا ومعرفة وهذه الدرجة لمن عرف الله واداب فى اجلاله ورؤية عظمته بقوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} واصل الرضا الاتصاف بصفة الرضا من الحق قال الواسطى الرضا والسخط نعتان قديمان يجريان على العبد بما جريا فى الازل يظهر ان الرسم على المقبولين والمطرودين فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم كما بانت -----المطرودين بظلمها نافى بنقع مع ذلك الألوان المصفرة والاقدام المنتفخة والاكمام المقصرة وقال استعمل الرضا جهدك ولا تدع الرضا يستعملك فيكون محجوبا بلذته عن حقيقة ما يطالع بعد درجة قال سهل الخشية سر والخشوع ظاهر وقال عمر والمكى اشترط الراضين بالخشية فى رضاهم عنه لذلك اوجب لهم رضاه عنهم بان يرضوا عنه ويخشونه فى رضاه عنهم ولا يكون ذلك الا باجتناب المحارم وعقد لموافقتهم لموافقنا يكرهوا الكره ويرضوا ما رضى.
اسماعيل حقي
تفسير : {جزآؤهم} بمقابلة مالهم من الايمان والطاعات وهو مبتدأ {عند ربهم} ظرف للجزآء {جنات عدن} اى دخول جنات عدن وهو خبر للمبتدأ والعدن الاقامة والدوام وقال ابن مسعود رضى الله عنه عدن بطنان الجنة اى وسطها {تجرى من تحتها الانهار} ميرود از زير اشجار آن جويهاجه بستان بى آب روان نشايد. وفى الارشاد ان اريد بالجنات الاشجار الملتفة الاغصان كما هو الظاهر فجريان الانهار من تحتها ظاهر وان اريد بها مجموع الارض وما عليها فهو باعتبار الجزء الظاهر وايا ما كان فالمراد جريانها بغير اخدود وجميع جنات يدل على أن للمكلف جنات كما يدل عليه قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان ثم قال ومن دونهما جنتان فذكر للواحد اربع جنات والسبب فيه أنه بكى من خوف الله تعالى وذلك البكاء انما نزل من اربعة اجفان اثنان دون اثنين فاستحق به جنتين دون جنتين فحصل له اربع جنان لبكائه باربعة اجفان وقيل أنه تعالى قابل الجمع بالجمع فى قوله جزآؤهم عند ربهم جنات وهو يقتضى مقابلة الفرد بالفرد فيكون لكل مكلف جنة واحدة لكن ادنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روى مرفوعا ويدل عليه قوله تعالى وملكا كبيرا او الالف واللام فى الانهار للتعريف فتكون منصرفة الى الانهار المذكورة فى القرءآن وهى نهر الماء ونهر اللبن ونهر العسل ونهر الخمر وفى توصيفها بالجرى بعد ما جعل الجنات الموصوفة جزآء اشارة الى مدحهم بالمواظبة على الطاعات كأنه تعالى يقول طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال واعبد ربك حتى يأتيك اليقين فلذلك كانت انهار كرمى جارية الى الابد {خالدين فيها ابدا} متنعمين بفنون النعم الجسمانية والروحانية وهو حال وذو الحال وعامله كلاهما مضمران يدل عليه جزاؤهم والتقدير يجزون بها خالدين فيها وقوله ابدا ظرف زمان وهو تأكيد للخلود اى لا يموتون فيها ولا يخرجون منها {رضى الله عنهم} استئناف مبين لما يتفضل به عليهم زيادة على ما ذكر من اجزية اعمالهم اى استئناف اخبار كأنه قيل تزاد لهم أو استئناف دعاء من ربهم فلذا فصل وقد يجعل خبرا بعد خبر وحالا بتقدير قد قال ابن الشيخ لما كان المكلف مخلوقا من جسد وروح وانه اجتهد بهما فى طاعة ربه اقتضت الحكمة ان يجزيه بما يتنعم ويستريح به كل واحد منهما فجنة الجسد هى الجنة الموصوفة وجنة الروح هى رضى الرب (مصراع) شعر : جيست جنت روح را رضوان اكبر از خدا تفسير : {ورضوا عنه} حيث بلغوا من المطالب قاصيتها وملكوا من المآرب ناصيتها وابيح لهم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لا سيما انهم اعطوا لقاء الرب الذى هو المقصد الاقصى شعر : دارند هركس ازتو مرادى ومطلبى مقصود مازدنيى وعقبى لقاى تست تفسير : {ذلك} المذكور من الجزآء والرضوان وقال بعضهم الاظهر أنه اشارة الى ما ترتب عليه الجزآء والرضوان من الايمان والعمل الصالح {لمن خشى ربه} براى آنكس كه بترسد از عقوبت بروردكار خود وبموجبات ثواب اشتغال نمايد وذلك الخشية التى هى من خصائص العلماء بشؤون الله تعالى مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية قال تعالى {أية : انما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : والتعرض لعنوان الربوبية المعربة عن المالكية والتربية للاشعار بعلة الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية وعن انس رضى الله عنه قال عليه السلام لابى بن كعب رضى الله عنه حديث : ان الله امرنى أن اقرأ عليك لم يكن الذين كفرواتفسير : الخ قال أو سمانى لك قال حديث : نعمتفسير : قال وقد ذكرت عند رب العالمين قال حديث : نعم تفسير : فذرفت عيناه اى سال دمع عينيه وعن السنة أن يستمع القرءآن فى بعض الاوقات من غيره فانه قال عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه قال لى رسول الله عليه السلام وهو على المنبرحديث : اقرأ علىتفسير : قلت اقرا عليه وعليك انزل قال حديث : انى احب أن أسمعه من غيرىتفسير : فقرأ سورة النساء حتى اتيت هذه الآية {أية : فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}تفسير : قال حديث : حسبك الآنتفسير : فالتفت اليه فاذا عيناه تذرفان اى تقطران وكان عمر رضى الله عنه يقول لأبى موسى الاشعرى رضى الله عنه ذكرنا ربنا فيقرأ حتى يكاد وقت الصلاة يتوسط فيقول يا امير المؤمنين الصلاة الصلاة فيقول انا فى الصلاة وفى الحديث حديث : من استمع آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامةتفسير : فظهر أن استماع القرءآن من الغير فى بعض الاحيان من السنن واما أنه هل يفرض استماعه كلما قرئ بناء على قوله تعالى {أية : واذا قرئ القرءآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون}تفسير : ففى الصلاة نعم واما خارجها فعامة العلماء على استحبابها كما فى شرح شرعة الاسلام للشيخ قورد افندى رحمه الله. تمت سورة القيامة بعون جاعل الانسان منتصب القامة فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر المنتظم فى سلك شهور سنة سبع عشرة ومائة وألف من هجرة من يرى من قدام وخلف
اطفيش
تفسير : {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} وبالغ بجمع جنة وبالإضافة لعدن اي اقامة وبوصف الجنات بما يزداد بها نعيمها من الانهار والخلود اذ قال *{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} حال مقدرة وبأكيد الخلود بقوله *{فِيهَآ أَبَداً} واستأنف ذكر الزيادة على جزائهم بقوله *{رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} بطاعتهم له ولم يسخط عليهم وقيل اعمالهم ولم يرددها عليهم وقيل وفقهم واظهر عليهم اثار رحمته في الدنيا. *{وَرَضُواْ عَنْهُ} بثوابه قنعوا به اذ لم يلتهم من اعمالهم شيئا وتفضل عليهم وبلغهم أقصى امانيهم فيما فعله بهم مرضى لهم موافق لطبائعهم وقيل رضوا بما فعله في الدنيا من القضاء والقدر جميعا وعن بعضهم الرضا به ان يكون عندك ربا مدبرا والرضى عنه قبول قضائه وقدره قال السدي وسري السقطي إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك. *{ذَلِكَ} المذكور من الجزاء والرضى *{لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} خافه فترك المعاصي فان الخشية ملاك الامر والباعث على كل خير، قال صلى الله عليه وسلم لابي حديث : إِن الله أَمرني أَن أَقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا} تفسير : قال وسماني اي ذكرني باسمي قال نعم فبكى. وفي رواية حديث : إِن الله أَمرني أَن أَقرئك القرآن قال الله سماني لك قال نعم تفسير : فبكى وفي رواية وذكرت عند رب العالمين قال نعم فاغرورقت عيناه اي اسرعتا بالدموع وانما بكى سرورا واستصغارا لنفسه عن تأهله لذكره باسمه وقراءته صلى الله عليه وسلم وخوفا من تقصيره في شكر النعمة. وخص هذه السورة لجمعها لاصول وقواعد مهمة مع وجارة وامر بذلك ليتعلم بالقراءة من الفاظه ليتعلم غيره التواضع وفي ذلك تنبيه على فضل ابي وحث على الاخذ عنه وتقديمه وكان بعده صلى الله عليه وسلم رأسا واما في امر القراءة فكأحد الصحابة. اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كثيرا.
اطفيش
تفسير : {جزَاؤُهُم} على الإيمان والعمل الصالح. {عِندَ رَبِهِّمْ} متعلق بجزاءِ لأن المعنى مجزيهم أى الذين يجزون به عند ربهم وذكر لفظ الرب تأكيد بإضافته إليهم لأَن مدلوله التربية والإنعام، {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أى إقامة والجنات كلهن جنات إقامة والجملة خبر ثان لأُولئك أو لأَن. {تَجْرِي مِن تْحِتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} حال من جاءَ جزاؤهم وهو حال مقدرة. {فِيْهَا أبَداً} موحد للخلود وفى ذلك زيادة تحسين. {رَّضِيَ اللهُ عَنهُمْ} خبر آخر بالمدح زيادة على ثواب أعمالهم وهو أفضل من ثوابهم وإن كانت الجملة دعائية على التجوز عن القبول كانت مستأنفة لكن يضعف الدعاء بقوله: {وَرَضُوا عَنهُ} فإن إِخبار لا إنشاء والرضا فى الموضعين فى الدنيا إلاَّ أن رضى الله أزلى مستمر على الدنيا وما بعدها ورضاهم العمل بما أمرهم به، ويجوز أن يكون الاستئناف بيانياً والجملة إخبار كأَنه قيل مالهم بعد هذا الجزاء لأَن العامل فى الدنيا للناس قد يعطى أجرته فقط وقد يؤتى أجرته مع رفع درجة واتصال بعيد وإن كان رضاهم فى الآخرة فمعناه قناعتهم بما أعطاهم واعتقادهم أنه لا شىءَ فوق ذلك مما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر والرضا بالله أن ترضى به رباً ومدبراً وبما أمر أو نهى والرضا عنه أن تعمل وقيل الرضا عنه أن ترضى بما قضى ودبر، قال السرى السقطى إذا لم ترض عن الله فكيف تطمع أن يرضى عنك. {ذَلِكَ} العالى الرتبة من الجزاء والرضوان. {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. خائفاً له خوف إجلال أو خوف عقاب أو كليهما، قال أبو خيثمة البدرى لما نزلت لم يكن الذين كفروا.. الخ قال جبريل يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرأها أبياً فأخبره - صلى الله عليه وسلم - تعالى عليه وسلم فقال أبى أو ذكرت ثم يا رسول الله قال نعم فبكى فقرأها - صلى الله عليه وسلم - وقرأ فيها لو أن ابن آدم سأَل وادياً من مال فأُعطيه لسأل ثانيا ولو سأل ثانياً فأُعطيه سأَل ثالثاً لا يملأُ جوف ابن آدم إلاَّ التراب ويتوب الله على من تاب وإن الدين عند الله الحنيفية غير الشرك ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفره قال أبن بن كعب كنا نرى هذا من القرآن لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب ثم يتوب الله على من تاب، حتى نزلت ألهاكم التكاثر وبكاؤه رضى الله عنه استصغار لنفسه وسرور بهذه النعمة وهى تخصيصه بالقراءَة عن الصحابة مع أنه ذكر باسمه وقيل خوف التقصير فى شكر هذه النعمة أو بكاؤه لذلك كله ويدل لفرحه بذكر اسمه قوله فى رواية هل ذكرنى الله تعالى باسمى قال نعم فبكى وخصت السورة لأنها مع وجازتها جامعة لقواعد مهمة، وحكمة الأَمر بالقراءَة تعليم التواضع للناس أن لا يتكبر أحد أن يقرأ عمن دونه وأيضاً أبى أسرع أخذا وحفظاً وضبطاً وتعليماً لغيره كما سمع فيؤدى مواضع الوقف والنغم وأيضاً يسن عرض القرآن على العالم الأَعلم ولو كان القراءَة هنا من الأَعلم وفى ذلك تفضيله فى الأداء كما فضل زيدا فى علم الإرث ولفظ البخارى أن ربى أمرنى أن أقرئك القرآن والله المستعان وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وشفعه فينا.
الالوسي
تفسير : {جَزَآؤُهُمْ } بمقابلة ما لهم من الإيمان والطاعات {عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } تقدمت نظائره. وفي تقديم مدحهم بخير البرية وذكر الجزاء المؤذن بكون ما منح في مقابلة ما وصفوا به وبيان كونه من عنده تعالى والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم وجمع الجنات وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها نعيماً وتأكيد الخلود بالأبود من الدلالة على غاية حسن حالهم ما لا لا يخفى. والظاهر أن جملة {أية : هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 7] خبر اسم الإشارة وكذا ما بعد وزعم بعض الأجلة أن الأنسب بالعديل السابق أن تجعل معترضة ويكون الخبر ما بعدها وفيه نظر. وقوله تعالى: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } استئناف نحوي وإخبار عما تفضل عز وجل به زيادة على ما ذكر من أجزية أعمالهم ويجوز أن يكون بيانياً جواباً لمن يقول ألهم فوق ذلك أمر آخر؟ وجوز أن يكون خبراً بعد خبر أو حالاً بتقدير قد أو بدونه وجوز أن يكون دعاء لهم من ربهم وهو مجاز عن الإيجاد مع زيادة التكريم وهو خلاف الظاهر ويبعده عطف قوله تعالى: {وَرَضُواْ عَنْهُ } عليه وعلل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتها ومن المآرب ناصيتها وأتيح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من الجزاء والرضوان {لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية والفوز بالمراتب العلية إذ لولاها لم تترك المناهي والمعاصي ولا استعد ليوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواصي. وفيه إشارة إلى أن مجرد الإيمان والعمل الصالح ليس موصلاً إلى أقصى المراتب {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة: 72] بل الموصل له خشية الله تعالى و{أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28] ولذا قال الجنيد قدس سره الرضا على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة وقال عصام الدين الأظهر أن ذلك إشارة إلى ما يترتب عليه الجزاء والرضوان من الإيمان والعمل الصالح وتعقب بأن فيه غفلة عما ذكر وعن أنه لا يكون حينئذ / لقوله تعالى {ذٰلِكَ} الخ كبير فائدة والتعرض لعنوان الربوبية المعربة عن المالكية والتربية للإشعار بعلة الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية. واستدل بقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}تفسير : [البينة: 7] الخ على أن البشر أفضل من المَلَك لظهور أن المراد بالذين آمنوا المؤمنون من البشر وفي الآثار ما يدل على ذلك أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة مرفوعاً حديث : أتعجبون لمنزلة الملائكة من الله تعالى والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله تعالى يوم القيامة أعظم من منزلة الملك واقرؤا إن شئتم {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة حديث : قالت قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله تعالى؟ قال يا عائشة أما تقرئين {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : وأنت تعلم أن هذا ظاهر في أن المراد بالبرية الخليقة مطلقاً ليتم الاستدلال. ثم إنه يحتاج أيضاً إلى إدخال الأنبياء عليهم السلام في عموم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بأن لا يراد بهم قوم بخصوصهم إذ لو لم يدخلوا لزم تفضيل عوام البشر - أي الذين ليسوا بأنبياء منهم - على خواص الملائكة أعني رسلهم عليهم السلام - وذلك مما لم يذهب إليه أحد من أهل السنة بل هم يكفرون من يقول به فليتفطن، والإمام قد ضعف الاستدلال في «تفسيره» بما لا يخلو عن بحث. ولعل الأبعد عن القيل والقال جعل الحصر إضافياً بالنسبة إلى ما يزعمه أهل الكتاب والمشركون قالاً أو حالاً من أنهم هم خير البرية وكذا يجعل الحصر السابق بالنسبة إلى ما يزعمونه من أن المؤمنين هم شر البرية وصحة ما سبق من الآثار في حيز المنع. ثم الظاهر أن المراد بالذين آمنوا الخ مقابل {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البينة: 6] لا قوم من الذين أنصفوا بما في حيز الصلة بخصوصهم وزعم بعض أنهم مخصوصون فقد أخرج ابن مردويه حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تسمع قول الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب يدعون غراً محجلينتفسير : وروى نحوه الإمامية عن يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب الأمير كرم الله تعالى وجهه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك له عند الوفاة ورأسه الشريف على صدره رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}تفسير : [البينة: 7] الخ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيينتفسير : وذلك ظاهر في التخصيص وكذا ما ذكره الطبرسي الإمامي في «مجمع البيان» عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال في الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وأهل بيته. وهذا إن سلمت صحته لا محذور فيه إذ لا يستدعي التخصيص بل الدخول في العموم وهم بلا شبهة داخلون فيه دخولاً أولياً وأما ما تقدم فلا تسلم صحته فإنه يلزم عليه علي كرم الله تعالى وجهه خيراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم والإمامية وإن قالوا إنه رضي الله تعالى عنه خير من الأنبياء حتى أولي العزم عليهم السلام ومن الملائكة حتى المقربين عليهم السلام لا يقولون بخيريته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قالوا بأن البرية على ذلك مخصوصة بمن عداه عليه الصلاة والسلام للدليل الدال على أنه صلى الله عليه وسلم خير منه كرم الله تعالى وجهه قيل إنها مخصوصة أيضاً بمن عدا الأنبياء والملائكة ومن قال أهل السنة بخيريته للدليل الدال على خيريتهم وبالجملة لا ينبغي أن يرتاب في عدم تخصيص {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالأمير كرم الله تعالى وجهه وشيعته ولا به رضي الله تعالى عنه وأهل بيته وان دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد والله تعالى أعلم. ثم إن الروايات في أن هذه السورة قد نسخ منها كثير كثيرة منها ما أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((حديث : إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك / القرآن فقرأ عليه الصلاة والسلام {لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البينة: 1] فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيَه يسأل ثانياً ولو سأل ثانياً فأعطيَه يسأل ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وإن الدين عند الله الحنيفية غير الشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل ذلك فلن يكفرهتفسير : . وفي بعض الآثار أن النبـي صلى الله عليه وسلم أقرأه هكذا حديث : (ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة إن أقوم الدين لحنيفية مسلمة غير مشركة ولا يهودية ولا نصرانية ومن يعمل صالحاً فلن يكفره وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه))تفسير : أخرج ذلك ابن مردويه عن أبـي رضي الله تعالى عنه وهو مخالف لما صح عنه فلا يعول عليه كما لا يخفى على العارف بعلم الحديث.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} فيه أربع مسائل: ثلاثة مجملة جاء بيانها في القرآن. والرابعة مفصّلة ولها شواهد. أما الثلاثة المجملة فأولها قوله: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}، إذ الجزاء في مقابل شيء يستوجبه، وعند ربهم تشعر بأنه تفضل منه، وإلا لقال: جزاؤهم على ربهم. وقد بين ذلك صريح قوله تعالى: {أية : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً} تفسير : [النبأ: 31-36]، فنص على أن هذا الجزاء كله من ربهم عطاء لهم من عنده. الثانية والثالثة قوله: {أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [طه: 76]، فأجمل ما في الجنات، ونص على أنها تجري من تحتها الأنهار، مع إجمال تلك الأنهار، وقد فصلت آية {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} ما أعد لهم في الجنة من حدائق وأعناب وكواعب وشراب وطمأنينة، وعدم سماع اللغو إلى آخره. كما جاء تفصيل الأنهار في سورة القتال، في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [محمد: 15]، والخلود في هذا النعيم هو تمام النعيم. قوله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. يعتبر هذا الإخبار من حيث رضوان الله تعالى على العباد في الجنة، من باب العام بعد الخاص. وقد تقدم في وسورة الليل في قوله تعالى: {أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى ٱلَّذِى يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ} تفسير : [الليل: 17-18] - إلى قوله - {أية : وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ} تفسير : [الليل: 21]، واتفقوا على أنها في الصديق رضي الله عنه كما تقدم، وجاء في التي بعدها سورة والضحى قوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5]، أي للرسول صلى الله عليه وسلم. وهنا في عموم {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البينة: 7]، فهي عامة في جميع المؤمنين الذين هذه صفاتهم، ثم قال رضي الله عنهم، وقد جاء ما بين سبب رضوان الله تعالى عليهم وهو بسبب أعمالهم، كما في قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [الفتح: 18]، فكانت المبايعة سبباً للرضوان. وفي هذه الآية الإخبار بأن الله رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولم يبين زمن هذا الرضوان أهو سابق في الدنيا أم حاصل في الجنة، وقد جاءت آية تبين أنه سابق في الدنيا، وهي قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 100]، فقوله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}، ثم يأتي بعدها {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}. فهو في قوة الوعد في المستقبل، فيكون الإخبار بالرضى مسبقاً عليه. وكذلك آية سورة الفتح في البيعة تحت الشجرة إذ فيها {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 18]، وهو إخبار بصيغة الماضي، وقد سميت "بيعة الرضوان". تنبيه في هذا الأسلوب الكريم سؤال، وهو أن العبد حقاً في حاجة إلى أن يعلم رضوان الله تعالى عليه، لأنه غاية أمانيه، كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 100]. أما الإخبار عن رضى العبد عن الله، فهل من حق العبد أن يسأل عما إذا كان هو راضياً عن الله أم لا؟ إنه ليس من حقه ذلك فعلاً، فيكون الإخبار عن ذلك بلازم الفائدة، وهي أنهم في غاية من السعادة والرضى فيما هم فيه من النعيم إلى الحد الذي رضوا وتجاوزوا رضاهم حد النعيم إلى الرضى عن المنعم. كما يشير إلى شيء من ذلك آخر آية النبأ {أية : عَطَآءً حِسَاباً} تفسير : [النبأ: 36]، إنهم يعطون حتى يقولوا: حسبنا حسبنا، أي كافينا. قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}. اسم الإشارة منصب على مجموع الجزاء المتقدم، وقد تقدم أنه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهنا يقول: إنه لمن خشي ربه، مما يفيد أن تلك الأعمال تصدر منهم عن رغبة ورهبة. رغبة فيما عند الله، ورهبة من الله، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]، وقوله: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40- 41]. والواقع أن صفة الخوف من الله تعالى، هي أجمع صفات الخير في الإنسان، لأنها صفة الملائكة المقربين. كما قال تعالى عنهم: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [النحل: 50]. وقد عم الحكم في ذلك بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الملك: 12]. وفي هذه الآية السر الأعظم، وهو كون الخشية في الغيبة عن الناس، وهذا أعلى مراتب المراقبة لله، والخشية أشد الخوف.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتُ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (8) - وَيُجَازِي اللهُ فِي الآخِرَةِ الذِينَ آمَنُو وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِإِدْخَالِهِمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي فِيهَا الأَنْهَارُ يُقِيمُونَ فِيهَا أَبَداً، وَذَلِكَ لأَِنَّهُمْ حَازُوا رِضَا اللهِ بِالتِزَامِ حُدُودِ شَرِيعَتِهِ، وَنَالُوا مَا يُرْضِيهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ، وَهَذَا الجَزَاءُ الحَسَنُ إِنَمَا يَكُونُ لِمَنْ مَلأَتْ قُلُوبَهُمْ خَشْيَةُ اللهِ وَالخَوْفُ مِنْهُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} معناه خَافَ رَبَّهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):