Verse. 6139 (AR)

٩٩ - ٱلزَّلْزَلَة

99 - Az-Zalzala (AR)

اِذَا زُلْزِلَتِ الْاَرْضُ زِلْزَالَہَا۝۱ۙ
Itha zulzilati alardu zilzalaha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا زُلزلت الأرض» حركت لقيام الساعة «زلزالها» تحريكها الشديد المناسب لعظمتها.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } ههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجوهاً أحدها: أنه تعالى لما قال: {أية : جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ }تفسير : [البينه:8] فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك يا رب فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } فالعالمون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمناً فيه، كما قال: {أية : وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ }تفسير : [النمل:89] وثانيها: أنه تعالى لما ذكر في السورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه حين يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزل، نظير قوله: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } تفسير : [آل عمران:106] ثم ذكر الطائفتين فقال: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران: 106] {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران:107] ثم جمع بينهم في آخر السورة فذكر الذرة من الخير والشر. المسألة الثانية: في قوله: {إِذَا } بحثان أحدهما: أن لقائل أن يقول: {إِذَا } للوقت فكيف وجه البداية بها في أول السورة؟ وجوابه: من وجوه الأول: كانوا يسألونه متى الساعة؟ فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ } كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكني أعينه بحسب علاماته، الثاني: أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد فكأنه قيل: متى يكون ذلك؟ فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ }. البحث الثاني: قالوا كلمة: {إن } في المجوز، وإذا في المقطوع به، تقول: إن دخلت الدار فأنت طالق لأن الدخول يجوز، أما إذا أردت التعليق بما يوجد قطعاً لا تقول: إن بل تقول: إذا (نحو إذا) جاء غد فأنت طالق لأنه يوجد لا محالة. هذا هو الأصل، فإن استعمل على خلافه فمجاز، فلما كان الزلزال مقطوعاً به قال: {إِذَا زُلْزِلَتِ }. المسألة الثالثة: قال الفراء: الزلزال بالكسر المصدر والزلزال بالفتح الاسم، وقد قرىء بهما، وكذلك الوسواس هم الاسم أي اسم الشيطان الذي يوسوس إليك، والوسواس بالكسر المصدر، والمعنى: حركت حركة شديدة، كما قال: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً }تفسير : [الواقعة:4] وقال قوم: ليس المراد من زلزلت حركت، بل المراد: تحركت واضطربت، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول: إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه: {أية : لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }تفسير : [الحشر:21] واعلم أن زل للحركة المعتادة، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة، لما فيه من معنى التكرير، وهو كالصرصر في الريح، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى بالعظم فقال: {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ }تفسير : [الحج: 1]. المسألة الرابعة: قال مجاهد: المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ }تفسير : [النازعات:6] أي تزلزل في النفخة الأولى، ثم تزلزل ثانياً فتخرج موتاها وهي الأثقال، وقال آخرون: هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية. المسألة الخامسة: في قوله: {زِلْزَالَهَا } بالإضافة وجوه أحدها: القدر اللائق بها في الحكمة، كقولك: أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني: أن يكون المعنى زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه، والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل والثالث: زلزالها الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي، تقريره ماروى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي.

القرطبي

تفسير : أي حرّكت من أصلها. كذا رَوى عِكرْمة عن ابن عباس، وكان يقول: في النفخة الأولى يزلزلها ـ وقاله مجاهد ـ؛ لقوله تعالى: { أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } تفسير : [النازعات: 6 ـ 7] ثم تزلزل ثانية، فتُخرج موتاها وهي الأثقال. وذُكِر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض؛ كقولك: لأُعطينَّك عطِيتك؛ أي عطيتي لك. وحسن ذلك لموافقة رؤوس الآي بعدها. وقراءة العامة بكسر الزاي من الزلزال. وقرأ الجحدرِيّ وعيسى بن عمر بفتحها، وهو مصدر أيضاً، كالوَسواس والقلقال والجَرْجار. وقيل: الكسر المصدر. والفتح الاسم.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها. وآيها ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } اضطرابها المقدر لها عند النفخة الأولى، أو الثانية أو الممكن لها أو اللائق بها في الحكمة، وقرىء بالفتح وهو اسم الحركة وليس في الأبنية فعلال إلا في المضاعف. {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } ما في جوفها من الدفائن أو الأموات جمع ثقل وهو متاع البيت. {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا } لما يبهرهم من الأمر الفظيع، وقيل المراد بـ {ٱلإِنسَـٰنَ } الكافر فإن المؤمن يعلم ما لها. {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ } تحدث الخلق بلسان الحال. {أَخْبَارَهَا } ما لأجله زلزالها وإخراجها. وقيل ينطقها الله سبحانه وتعالى فتخبر بما عمل عليها، و {يَوْمَئِذٍ } بدل من {إِذَا } وناصبهما {تُحَدّثُ }، أو أصل و {إِذَا } منتصب بمضمر. {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } أي تحدث بسبب إيحاء ربك لها بأن أحدث فيها ما دلت على الأخبار، أو أَنطقها بها ويجوز أن يكون بدلاً من إخبارها إذ يقال: حدثته كذا وبكذا، واللام بمعنى إلى أو على أصلها إذ لها في ذلك تشف من العصاة. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ } من مخارجهم من القبور إلى الموقف. {أَشْتَاتاً } متفرقين بحسب مراتبهم. {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } جزاء أعمالهم، وقرىء بفتح الياء. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفصيل {لّيُرَوْاْ } ولذلك قرىء « يُرَهُ» بالضم، وقرأ هشام بإسكان الهاء ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب. وقيل الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة، أو من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء لقوله {أَشْتَاتاً }، والـ {ذَرَّةٍ } النملة الصغيرة أو الهباء. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة إذا زلزلت الأرض أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله».

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس: { إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي: تحركت من أسفلها، { وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} يعني: ألقت ما فيها من الموتى، قاله غير واحد من السلف، وهذه كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج: 1] وكقوله: {أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 3 ــــ 4] وقال مسلم في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» تفسير : وقوله عز وجل: { وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا}؟ أي: استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها، أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذٍ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا لله الواحد القهار. وقوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك. وقال الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي، واللفظ له: حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله، هو ابن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: «حديث : أتدرون ما أخبارها؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها؛ أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب، وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة: حدثني الحارث بن يزيد سمع ربيعة الجرشي: أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تحفظوا من الأرض؛ فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة.»تفسير : وقوله تعالى: { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} قال البخاري: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، واحد، وكذا قال ابن عباس: أوحى لها: أي: أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى: أذن لها. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: قال لها ربها: قولي، فقالت، وقال مجاهد: أوحى لها، أي: أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم، وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} أي: يرجعون عن موقف الحساب أشتاتاً، أي: أنواعاً وأصنافاً، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار، قال ابن جريج: يتصدعون أشتاتاً، فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي: أشتاتاً: فرقاً. وقوله تعالى: {لِّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي: ليعلموا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }. قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال طيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها، فاستنت شرفاً أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه، ولم يرد أن تسقى به، كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر» تفسير : فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: «حديث : ما أنزل الله فيها شيئاً، إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }» تفسير : ورواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} قال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن محمد بن يونس المؤدب عن أبيه، عن جرير بن حازم عن الحسن البصري قال: حدثنا صعصعة عم الفرزدق، فذكره. وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعاً: «حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة» تفسير : وله أيضاً في الصحيح: «حديث : لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» تفسير : وفي الصحيح أيضاً: «حديث : يا معشر نساء المؤمنات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» تفسير : يعني: ظلفها، وفي الحديث الآخر: «حديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق". تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة؛ فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفسير : تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة، وقالت: كم فيها من مثقال ذرة وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل: أن عائشة أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالباً» تفسير : ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به. وقال ابن جرير: حدثني أبو الخطاب الحساني، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا سماك بن عطية، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: «حديث : يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» تفسير : ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي الخطاب به، ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب قال: في كتاب أبي قلابة عن أبي إدريس: إن أبا بكر كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره، ورواه أيضاً عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن قلابة: أن أبا بكر، وذكره. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه قال: لما نزلت: { إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد، فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يبكيك يا أبا بكر؟» تفسير : قال: يبكيني هذه السورة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم»تفسير : (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، وعلي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المعروف بعلان المصري قالا: حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: لما أنزلت: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قلت: يا رسول الله إني لراء عملي؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قلت: تلك الكبار الكبار؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قلت: الصغار الصغار؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قلت: واثكل أمي قال: «حديث : أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشرة أمثالها ــــ يعني: إلى سبعمئة ضعف ــــ ويضاعف الله لمن يشاء، والسيئة بمثلها، أو يعفو الله، ولن ينجو أحد منكم بعمله» تفسير : قلت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «حديث : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» تفسير : قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } وذلك لما نزلت هذه الآية: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} تفسير : [الإنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك، فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء، إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة، وأشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر، فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر؛ فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} يعني: وزن أصغر النمل {خَيْراً يَرَهُ} يعني: في كتابه، ويسره ذلك، قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة، ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضاً بكل واحدة عشراً، ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فإذا زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة. وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران عن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهنّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» تفسير : وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب لهنّ مثلاَ كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً، وأنضجوا ما قذفوا فيها. آخر تفسير سورة الزلزلة، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ } حرّكت لقيام الساعة {زِلْزَالَهَا } تحريكها الشديد المناسب لعظمتها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأرْضُ زِلْزَالَهَا } أي: إذا حركت حركة شديدة. وجواب الشرط: {تحدث}، والمراد: تحركها عند قيام الساعة، فإنها تضطرب حتى يتكسر كلّ شيء عليها. قال مجاهد: وهي النفخة الأولى لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ }تفسير : [النازعات: 6، 7] وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضافه إلى الأرض، فهو مصدر مضاف إلى فاعله، والمعنى: زلزالها المخصوص الذي يستحقه، ويقتضيه جرمها وعظمها. قرأ الجمهور: {زلزالها} بكسر الزاي، وقرأ الجحدري، وعيسى بفتحها، وهما مصدران بمعنى. وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم. قال القرطبي: والزلزال بالفتح مصدر كالوسواس، والقلقال {وَأَخْرَجَتِ ٱلأرْضُ أَثْقَالَهَا } أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، والأثقال جمع ثقل، قال أبو عبيدة، والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها. قال مجاهد: أثقالها موتاها تخرجهم في النفخة الثانية. وقد قيل: للإنس والجنّ الثقلان، وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير. {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا } أي: قال كل فرد من أفراد الإنسان ما لها زلزلت؟ لما يدهمه من أمرها، ويبهره من خطبها. وقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقوله: {ما لها} مبتدأ وخبر، وفيه معنى التعجيب، أي: أيّ شيء لها، أو لأيّ شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ وقوله: {يَوْمَئِذٍ } بدل من "إذا"، والعامل فيهما قوله: {تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفاً، والعامل في يومئذ تحدّث، والمعنى: يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر بأخبارها، وتحدّثهم بما عمل عليها من خير وشرّ، وذلك إما بلسان الحال حيث يدلّ على ذلك دلالة ظاهرة، أو بلسان المقال، بأن ينطقها الله سبحانه. وقيل هذا متصل بقوله: {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا } أي: قال ما لها {تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } متعجباً من ذلك، وقال يحيـى بن سلام: تحدّث أخبارها بما أخرجت من أثقالها. وقيل: تحدّث بقيام الساعة، وأنها قد أتت، وأن الدنيا قد انقضت. قال ابن جرير: تبين أخبارها بالرجفة والزلزلة، وإخراج الموتى، ومفعول تحدّث الأوّل محذوف، والثاني هو أخبارها، أي: تحدّث الخلق أخبارها. {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } متعلق بـ {تحدّث}، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها. وقيل: الباء زائدة، وأنّ وما في حيزها بدل من {أخبارها}، وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها. قال الفرّاء: تحدّث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، واللام في {أوحى لها} بمعنى إلى وإنما أثرت على "إلى" لموافقة الفواصل، والعرب تضع لام الصفة موضع إلى. كذا قال أبو عبيدة. وقيل: إن {أوحى} يتعدّى باللام تارة، وبإلى أخرى. وقيل: إن اللام على بابها من كونها للعلة. والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، والتقدير: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها. والأوّل أولى. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً } الظرف إما بدل من {يومئذ} الذي قبله، وإما منصوب بمقدّر هو "اذكر"، وإما منصوب بما بعده، والمعنى: يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتاً، أي: متفرّقين، والصدر: الرجوع وهو ضدّ الورود. وقيل: يصدرون من موضع الحساب إلى الجنة أو النار، وانتصاب {أشتاتاً} على الحال والمعنى: أن بعضهم آمن، وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة، وهو البياض، وبعضهم بلون أهل النار وهو السواد، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين، وبعضهم إلى جهة الشمال، مع تفرّقهم في الأديان، واختلافهم في الأعمال. {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } متعلق بـ {يصدر}، وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: تحدّث أخبارها بأن ربك أوحى لها؛ ليروا أعمالهم {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً }. قرأ الجمهور: {ليروا} مبنياً للمفعول. وهو من رؤية البصر، أي: ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة، وحماد بن سلمة، ونصر بن عاصم، وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل، ورويت هذه القراءة عن نافع، والمعنى: ليروا جزاء أعمالهم. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } أي: وزن نملة. وهي أصغر ما يكون من النمل. قال مقاتل: فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرّة خيراً يره يوم القيامة في كتابه، فيفرح به. وكذلك {ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ } في الدنيا {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } يوم القيامة فيسوؤه. ومثل هذه الآية قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40]. وقال بعض أهل اللغة: إن الذرّة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علق من التراب، فهو الذرّة. وقيل: الذرّ ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، والأوّل أولى. ومنه قول امرىء القيس:شعر : من القاصرات الطرف لو دبّ محول من الذرّ فوق الإتب منها لأثرا تفسير : و«من» الأولى عبارة عن السعداء، و «من» الثانية عبارة عن الأشقياء. وقال محمد بن كعب: فمن يعمل مثقال ذرّة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا، وفي نفسه، وماله، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله خير، ومن يعمل مثقال ذرّة من شرّ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله، ونفسه، وأهله، وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شرّ، والأوّل أولى. قال مقاتل: نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل، فيستقلّ أن يعطيه التمرة والكسرة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكافرين. قرأ الجمهور: {يره} في الموضعين بضم الهاء وصلاً، وسكونها وقفاً، وقرأ هشام بسكونها وصلاً ووقفاً. ونقل أبو حيان عن هشام، وأبي بكر سكونها، وعن أبي عمرو ضمها مشبعة، وباقي السبعة بإشباع الأولى، وسكون الثانية، وفي هذا الثقل نظر، والصواب ما ذكرنا. وقرأ الجمهور: {يره} مبنياً للفاعل في الموضعين. وقرأ ابن عباس، وابن عمر، والحسن والحسين ابنا عليّ، وزيد بن عليّ، وأبو حيوة، وعاصم، والكسائي في رواية عنهما، والجحدري، والسلمي، وعيسى على البناء للمفعول فيهما، أي: يريه الله إياه. وقرأ عكرمة: {يراه} على توهم أن من موصولة، أو على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدّرة في الفعل. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأرْضُ زِلْزَالَهَا } قال: تحرّكت من أسفلها {وَأَخْرَجَتِ ٱلأرْضُ أَثْقَالَهَا } قال: الموتى. {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا لَهَا } قال: الكافر يقول ما لها. {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } قال: قال لها ربك قولي. {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } قال: أوحى لها: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً } قال: من كل من هٰهنا، وهٰهنا. وأخرج ابن المنذر عنه {وَأَخْرَجَتِ ٱلأرْضُ أَثْقَالَهَا } قال: الكنوز والموتى. وأخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا»تفسير : وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا } قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:«حديث : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا، وكذا، فهذا أخبارها»تفسير : وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الأرض لتجيء يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها»تفسير : وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأرْضُ زِلْزَالَهَا } حتى بلغ {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا }. وأخرج الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً، أو شرّاً إلاّ وهي مخبرة»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في تاريخه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: «بينما أبو بكر الصدّيق يأكل مع النبيّ إذ نزلت عليه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }. فرفع أبو بكر يده، وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرّة من شرّ. فقال: «حديث : يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره، فبمثاقيل ذرّ الشرّ، ويدخر لك مثاقيل ذرّ الخير حتى توفاه يوم القيامة»تفسير : وأخرج إسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، والحاكم، وابن مردويه عن أبي أسماء قال: بينا أبو بكر يتغدّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } فأمسك أبو بكر وقال: يا رسول الله ما عملنا من شرّ رأيناه، فقال:«حديث : ما ترون مما تكرهون، فذاك مما تجزون، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة»تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أنزلت {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأرْضُ زِلْزَالَهَا }، وأبو بكر الصديق قاعد، فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:« حديث : ما يبكيك يا أبا بكر؟تفسير : قال: يبكيني هذه السورة، فقال:حديث : لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر لكم لخلق الله قوماً يخطئون ويذنبون، فيغفر لهم»تفسير : .وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر...»تفسير : الحديث. وقال: وسئل عن الحمر فقال: «حديث : ما أنزل عليّ فيها إلاّ هذه الآية الجامعة الفاذة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ }».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {إذا زُلزِلت الأرض زِلزالها} أي حركت الأرض حركتها، والزلزلة شدة الحركة، فيكون من زل يزل. وفي قوله {زِلزالها} وجهان: أحدهما: لأنها غاية زلازلها المتوقعة. الثاني: لأنها عامة في جميع الأرض، بخلاف الزلازل المعهودة في بعض الأرض. وهذا الخطاب لمن لا يؤمن بالبعث وعيد وتهديد، ولمن يؤمن به إنذار وتحذير، واختلف في هذه الزلزلة على قولين: أحدهما: أنها في الدنيا من أشراط الساعة، وهو قول الأكثرين. الثاني: أنها الزلزلة يوم القيامة، قاله خارجة بن زيد وطائفة. {وأَخْرَجَتِ الأرضُ أَثْقَالَها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها:............ الثاني: ما عليها من جميع الأثقال، وهذا قول عكرمة. ويحتمل قول الفريقين. ويحتمل رابعاً: أخرجت أسرارها التي استودعتها، قال أبو عبيدة: إذا كان الثقل في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. {وقالَ الإنسانُ ما لَها} يحتمل وجهين: أحدهما: ما لها زلزلت زلزالها. الثاني: ما لها أخرجت أثقالها. وفي المراد بهذا " الإنسان" قولان: أحدهما: أن المراد جميع الناس من مؤمن وكافر، وهذا قول من جعله في الدنيا من أشراط الساعة لأنهم لا يعلمون جميعأً أنها من أشراط الساعة في ابتداء أمرها حتى يتحققوا عمومها، فلذلك سأل بعضهم بعضاً عنها. الثاني: أنهم الكفار خاصة، وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة، لأن المؤمن يعترف بها فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها فلذلك يسأل عنها. {يومئذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة ورواه مرفوعاً، وهذا قول من زعم أنها زلزلة القيامة. الثالث: تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان ما لها، قال ابن مسعود: فتخبر بأن أمر الدنيا قد انقضى، وأن أمر الآخرة قد أتى، فيكون ذلك منها جواباً عند سؤالهم، وعيداً للكافر وإنذاراً للمؤمن. وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً فتتكلم بذلك. الثاني: أن الله تعالى يُحدث الكلام فيها. الثالث: يكون الكلام منها بياناً يقوم مقام الكلام. {بأنَّ ربّك أوْحَى لَهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أوحى إليها بأن ألهمها فأطاعت، كما قال العجاج: شعر : أَوْحى لها القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ وشَدَّها بالراسياتِ الثُّبّتِ تفسير : الثاني: يعني قال لها، قاله السدي. الثالث: أمرها، قاله مجاهد. وفيما أوحى لها وجهان: أحدهما: أوحى لها بأن تحدث أخبارها. الثاني: بأن تخرج أثقالها. ويحتمل ثالثاً: أوحى لها بأن تزلزل زلزالها. {يومئذٍ يَصْدُرُ الناسُ أَشْتاتاً} فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة يصدرون من بين يدي الله تعالى فرقاً فرقاً مختلفين في قدرهم وأعمالهم، فبعضهم إلى الجنة وهم أصحاب الحسنات، وبعضهم إلى النار وهم أصحاب السيئات، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنهم في الدنيا عند غلبة الأهواء يصدرون فرقاً، فبعضهم مؤمن، وبعضهم كافر، وبعضهم محسن، وبعضهم مسيء، وبعضهم محق، وبعضهم مبطل. {ليُرَوْا أَعْمالَهم} يعني ثواب أعمالهم يوم القيامة. ويحتمل ثالثاً: أنهم عند النشور يصدرون أشتاتاً من القبور على اختلافهم في الأمم والمعتقد بحسب ما كانوا عليه في الدنيا من اتفاق أو اختلاف ليروا أعمالهم في موقف العرض من خير أو شر فيجازون عليها بثواب أو عقاب، والشتات: التفرق والاختلاف، قال لبيد: شعر : إنْ كُنْتِ تهْوينَ الفِراقَ ففارقي لا خيرَ في أمْر الشتات تفسير : {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه} في هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معنى يَرَه أي يعرفْهُ. الثاني: أنه يرى صحيفة عمله. الثالث: أن يرى خير عمله ويلقاه. وفي ذلك قولان: أحدهما: يلقى ذلك في الآخرة، مؤمناً كان أو كافراً، لأن الآخرة هي دار الجزاء. الثاني: أنه إن كان مؤمناً رأى جزاء سيئاته في الدنيا، وجزاء حسناته في الآخرة حتى يصير إليها وليس عليه سيئة. وإن كان كافراً رأى جزاء حسناته في الدنيا، وجزاء سيئاته في الآخرة حتى يصير إليها وليس له حسنة، قاله طاووس. ويحتمل ثالثاً: أنه جزاء ما يستحقه من ثواب وعقاب عند المعاينة في الدنيا ليوفاه في الآخرة. ويحتمل المراد بهذه الآية وجهين: أحدهما: إعلامهم أنه لا يخفى عليه صغير ولا كبير. الثاني: إعلامهم أنه يجازي بكل قليل وكثير. وحكى مقاتل بن سليمان أنها نزلت في ناس بالمدينة كانوا لا يتورعون من الذنب الصغير من نظرة أو غمزة أو غيبة أو لمسة، ويقولون إنما وعد الله على الكبائر، وفي ناس يستقلون الكسرة والجوزة والثمرة ولا يعطونها، ويقولون إنما نجزى على ما تعطيه ونحن نحبه، فنزل هذا فيهم. وروي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية، فقال صعصعة: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة خيراً رأيته، وإن عملت مثقال ذرة شراً رأيته. وروى أبو أيوب الأنصاري: قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يتغذيان إذا نزلت هذه السورة، فقاما وأمسكا.

ابن عطية

تفسير : العامل في: {إذا} على قول جمهور النحاة, وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر يقتضيه المعنى وتقديره: تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه {زلزلت} لأن {إذا} مضافة إلى {زلزلت}، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين: يجوز أن يعمل فيها {زلزلت}، لأن معنى الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في غير سورة، و {زلزلت} معناه: حركت بعنف، ومنه الزلزال، وقوله تعالى: {زلزالها} أبلغ من قوله: زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على كل قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما يستحقه ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول: أكرمت زيداً كرامة فذلك يقع على كل كرامة وإن قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ الجمهور: "زِلزالها" بكسر الزاي الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضاً مصدر كالوسواس وغيره. و "الأثقال": الموتى الذين في بطنها قاله ابن عباس، وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج والنقاش: أخرجت موتاها وكنوزها. قال القاضي أبو محمد: وليست القيامة موطناً لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال، و " قول الإنسان ما لها" هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور المفسرين: {الإنسان} هنا يراد به الكافر، هذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في المؤمن والكافر، فالكافر على ما قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الخبر كالمعاينة" تفسير : و "أخبار الأرض" قال ابن مسعود والثوري وغيره: هو شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى: {تحدث أخبارها} أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز، والمعنى أن ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها، ويؤيد القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة" تفسير : ،وقرأ عبد الله بن مسعود: "تنبىء أخبارها"، وقرأ سعيد بن جبير: "تبين" وقوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى: {أوحى لها}، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحياً برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثبت تفسير : والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفياً، وقال بعض المتأولين: {أوحى لها} معناه: {أوحى} إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى: {لها} بمعنى: من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها، وقوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} بمعنى: يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات: شت، فقال جمهور الناس: الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر: هو القيام للبعث، و {أشتاتاً}: معناه: قوم مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال النقاش: الورد هو ورد المحشر، والصدر {أشتاتاً}: هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله تعالى: {ليروا أعمالهم} إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب، وإما أن يكون قوله تعالى: {ليروا أعمالهم} متعلقاً بقوله: {بإن ربك أوحى لها}، ويكون قوله: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} اعتراضاً بين أثناء الكلام، وقرأ جمهور الناس: "ليُروا"، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة: "ليَروا" بفتح الياء على بنائه للفاعل، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملاً رآه قليلاً كان أو كثيراً، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد، ومنه قوله تعالى: {أية : فلا تقل لهما أف} تفسير : [الإسراء: 23]، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين: رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا يرى في الآخرة خيراً، لأن خيره قد عجل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضاً تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين {مثقال ذرة} من خير أو شر رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيراً في الآخرة، ومنه حديثحديث : عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله من البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، ألَهُ في ذلك أجر؟ قال: "لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث، وأعطى سعد بن أبي وقاص سائلاً ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد: ما هذا؟ إن الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال: انتهت الموعظة، فقال الحسن: فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: "يره"، بسكون الهاء في الأولى والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ونافع فيما روى عنه ورش والحلواني عن قالون عنه في الأولى "ير هو" وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي على لغة من يخفف أمثال هذا ومنه قول الشاعر: شعر : ونضواي مشتاقان له أرقان تفسير : وهذه على لغة لم يحكها سيبويه، لكن حكاها الأخفش، وقرأ أبو عمرو: " يرهُ " بضم الهاء فيهما مشبعتان، وقرأ أبان عن عاصم وابن عباس وأبو حيوة وحميد بن الربيع عن الكسائي: "يُره" بضم الياء، وهي رؤية بصره بمعنى: يجعل يدركه ببصره، والمعنى: يرى جزاءه وثوابه، لأن الأعمال الماضية لا ترى بعين أبداً، وهذا الفعل كله هو من رأيت بمعنى أدركت ببصري، فتعديه إنما هو إلى مفعول واحد، وقرأ عكرمة: "خيراً يراه" و "شراً يراه "، وقال النقاش: ليست برؤية بصر، وإنما المعنى يصيبه ويناله، ويروىحديث : أن هذه السورة نزلت وأبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فترك أبو بكر الأكل وبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك،" فقال: يا رسول الله: أوأسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر: ما رأيت في الدنيا مما تكره، فمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة،" تفسير : و "الذرة" نملة صغيرة حمراء رقيقة لا يرجح لها ميزان، ويقال إنها تجري إذا مضى لها حول، وقد تؤول ذلك في قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا تفسير : وحكى النقاش أنهم قالوا: كان بالمدينة رجلان، أحدهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان الآخر يريد أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من الصدقة، فنزلت الآية فيهما، كأنه يقال لأحدهما: تصدق باليسير، فإن مثقال ذرة الخير ترى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر فإن مقادير ذر الشر ترى. نجز تفسيرها والحمد لله كثيراً.

ابن عبد السلام

تفسير : {زُلْزِلَتِ} حركت الزلزلة: شدة الحركة مكرر من زل يزل {زِلْزَالَهَا} لأنها غاية زلزالها المتوقعة أو لأنها عامة في جميع الأرض بخلاف الزلازل المعهودة وهي زلزلة في الدنيا من أشراط الساعة عند الأكثر أو زلزلة يوم القيامة.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي ثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي إذا حركت زلزالها الشديد الذي ليس بعده زلزال. وقرىء بفتح الزاء فالمكسور مصدر والمفتوح اسم {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } أي كنوزها وموتاها جمع ثقل وهو متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ } زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع كما يقولون {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا }تفسير : [يس: 52] وقيل: هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ }تفسير : [يس: 52] {يَوْمَئِذٍ } بدل من «إذا» وناصبها {تُحَدّثُ } أي تحدث الخلق {أَخْبَارَهَا } فحذف أول المفعولين لأن المقصود ذكر تحديثها الإخبار لا ذكر الخلق. قيل: ينطقها الله وتخبر بما عمل عليها من خير وشر. وفي الحديث: «حديث : تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها»تفسير : {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } أي تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها أي إليها وأمره إياها بالتحديث {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ } يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف {أَشْتَاتاً } بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقا الجنة والنار {لّيُرَوْاْ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي جزاء أعمالهم {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } نملة صغيرة {خَيْرًا } تمييز {يَرَهُ } أي ير جزاءه {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } قيل: هذا في الكفار والأول في المؤمنين. ويروى أن أعرابياً أخر خيراً يره فقيل له: قدمت وأخرت فقال: شعر : خذا بطن هرشي أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشي لهن طريق تفسير : وروي أن جد الفرزدق أتاه عليه السلام ليستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال: حسبي حسبي، وهي أحكم آية وسميت الجامعة والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} أي تحركت حركة شديدة، واضطربت، وذلك عند قيام الساعة، وقيل تزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما عليها من شدة الزّلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، وشجر، وبناء وفي وقت هذه الزّلزلة قولان أحدهما: وهو قول الأكثرين، أنها في الدّنيا، وهي من أشراط السّاعة والثاني أنها زلزلت يوم القيامة. {وأخرجت الأرض أثقالها} فمن قال إن الزّلزلة تكون في الدّنيا قال أثقالها كنوزها، وما في بطنها من الدّفائن، والأموال فتلقيها على ظهرها يدل على صحة هذا القول، ما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب، والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع، فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السّارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً" تفسير : أخرجه مسلم والأفلاذ جمع فلذة وهي القطعة المستطيلة شبه ما يخرج من باطنها بأقطاع كبدها، لأن الكبد مستور في الجوف، وإنما خص الكبد لأنها من أطيب ما يشوى عند العرب من الجزور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن الزّلزلة تكون يوم القيامة، قال أثقالها الموتى فتخرجهم إلى ظهرها قيل إن الميت إذا كان في بطن الأرض، فهو ثقل لها وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها، ومنه سميت الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم أحياء وأمواتاً. {وقال الإنسان ما لها} يعني ما لها تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها وفي الإنسان وجهان. أحدهما أنه اسم جنس يعم المؤمن والكافر، وهذا على قول من جعل الزّلزلة من أشراط السّاعة، والمعنى أنها حين وقعت لم يعلم الكل أنها من أشراط السّاعة، فيسأل بعضهم بعضاً عن ذلك، والثاني أنه اسم للكافر خاصة وهذا على قول من جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت سأل عنها، وقيل مجاز الآية {يومئذ تحدث أخبارها} فيقول الإنسان ما لها، والمعنى أن الأرض تحدث بكل ما عمل على ظهرها من خير أو شر، فتشكوا العاصي، وتشهد عليه وتشكر الطّائع وتشهد له عن أبي هريرة قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يومئذ تحدث أخبارها} قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عمل يوم كذا كذا وكذا فهذه أخبارها" تفسير : أخرجه التّرمذي، وقال حديث حسن صحيح {بأن ربك أوحى لها} أي أمرها بالكلام وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها قال ابن عباس: أوحى إليها قيل إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق حتى تخبر بما أمر الله به وهذا مذهب أهل السنة. قوله تعالى: {يومئذ يصدر النّاس} أي عن موقف الحساب بعد العرض {أشتاتاً} أي متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار {ليروا أعمالهم} قال ابن عباس ليروا جزاء أعمالهم، وقيل معناه ليروا صحائف أعمالهم التي فيها الخير والشّر وهو قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة...}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراآت {يره} ساكنة الهاء في الحرفين: الحلواني عن هشام. الوقوف: {زلزالها} ه لا {أثقالها} لا {مالها} ه لا لاحتمال حذف عامل " إذا" أي أذا كانت هذه الأمور ترى ما ترى واحتمال أن يكون العامل {تحدث} و {يومئط} بدلاً من " إذا " {أخبارها} ه لا {لها} ه ط {أعمالهم} ه ط {يره} ه ط {يره} ه. التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالوعيد والوعد أتبعه بذكر وقت الجزاء وعدد من إماراته الزلزلة الشديدة التي تستأهلها الأرض وهي معنى إضافة الزلزال إلى ضمير الأرض. قال أهل المعاني: هو كقولك " أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته " يريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. وقريب منه قول من قال: أراد بزلزالها كل الزلزال وجميع ما هو ممكن منه أي يوجد الزلزلة كل ما يحتمل المحل. وقيل: زلزالها الموعود والمكتوب عليها لما أنها قدرت تقدير الحي. يروى أنها تتزلزل من شدة صوت إسرافيل عليه السلام. ومن امارات الساعة إخراج الأرض أثقالها أي ما في جوفها من الدفائن والأموات قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها وإذا كان فوقها فو ثقل عليها وسمي الإنس والجن بالثقلين لذلك. يروى أنها تخرج كنوزها فيملأ ظهر الأرض ذهباً ولا أحد يلتفت إليه، وكأن الذهب بصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي؟ ويمكن أن تكون الفائدة في إخراجها أن يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها الجباه والجنوب والظهور قالوا: إناه عند النفخة الأول تتزلزل فتلفظ بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية ترجف فتخرج الأموات أحياء كالأم تلد حياً. وقيل: تلفظهم أمواتاً ثم يحييهم الله تعالى. وقيل: أثقالها أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ولذلك قال {يومئذ تحدث أخبارها} أي تشهد لك وعليك {وقال الإنسان ما لها} تعجباً من حالها. وقيل: والكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فيقول {أية : من بعثنا من مرقِدنا} تفسير : [يس: 52] وأما المؤمن فيقول {أية : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}تفسير : [يس: 52] والباء في قوله {بأن ربك} إما أن تتعلق بـ {تحدث} والإيحاء بمعنى الأمر أي تحدث بسبب أن ربك أمرها بالتحديث ومفعول {تحدث} محذوف أي تحدث الناس، أو متروك لأن المقصود تحديثها لا من تحدثه. وقيل: تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها كما تقول " نصحتني كل النصيحة بأن نصحتني في الدين". وقيل: بدل من {أخبارها} لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا. وأوحى لها بمعنى أوحى إليها وهو مجاز عند صاحب الكشاف. وأبي مسلم كأنها بلسان الحال تبين لكل أحد جزاء عمله، أو تحدث أن الدنيا قد انقضت والآخرة قد أقبلت. والجمهور على أنه تعالى يجعل الأرض ذات فهم ونطق ويعرفها جميع ما عمل عليها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى. وكان علي رضي الله عنه إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: إشهدي أني ملأتك بحق وفرغتك بحق. وقيل: لفظ التحديث يفيد الاستئناس، فعل الأرض تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته، وقالت المعتزلة: إن الله تعالى يخلق في الأرض وهي جماد أصواتاً مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على أن التقدير هو الله. قوله {يصدر} الصدر ضد الورود فالوارد الجائي والصادر المنصرف، {أشتاتاً} أي متفرقين جمع شت أو شتيت أي يذهبون من مخارج قبورهم إلى الموقف. فبعضهم إثر بعض راكبين مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وينادي مناد بين يديه هذا ولي الله، وبعضهم مشاة عراة حفاة سود الوجوه مقيدين بالسلاسل والأغلال والمنادي ينادي هذا عدو الله. وقيل: أشتاتاً أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني وقيل: من كل قطر من أقطار الأرض ليروا صحائف أعمالهم أو جزاء أعمالهم وهو الجنة أو النار وما يناسب كلاً منهما. والذرة أصغر النمل أو هي الهباءة، وعن ابن عباس إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق بها من التراب مثقال ذرة، فليس من عبد عمل خيراً أو شراً، قليلاً كان أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل {أية : ويطعمون الطعام على حبه}تفسير : [الدهر: 8] كان أحدهما يأتيه السائل فيسأم أن يعطيه الثمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا بشيء وإنما يؤجر على ما نعطي وكان أحدهما يتهاون بالذنب الصغير ويقول: لا شيء علي من هذا فرغب الله تعالى في القليل من الخير لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير فإنه يوشك أن يعظم، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة "تفسير : والتحقيق أن المقصود النية فإن كان العمل قليلاً والنية خالصة حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية فاسدة فالمقصود فائت، ولهذا قال كعب الأحبار: لا تحقروا شيئاً من المعروف فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة. وعن عائشة أنه كان بين يديها عنب قدمته إلى نسوة بحضرتها فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك، فضحك بعض من كان عندها فقالت: إن فيما ترون مثاقيل وتلت هذه الآية. قال جار الله: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن مكفرة باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء لمثاقيل الذر من الخير والشر؟ وأجاب على مذهبه بأن المعنى فمن يعمل من فريق السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من فريق الأشقياء مثقال ذرة شراً. يره. وذلك أن الحكم جاء بعد قوله {يصدر الناس أشتاتاً} والأولى في جوابه ما روي عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله تعالى إياه. فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثاب بحسناته وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته. وقل: إن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفرة لكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر. وعن محمد بن كعب القرظي: معناه فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن فإنه يرى عقوبة ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها شر، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة. فإن قيل: إن كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟ قلت: هذا هو الكرم لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف والكريم لا يحتمله، والطاعة تعظيم وإن قلت فالكريم لا يضيعه. قال أهل العرفان: كأنه تعالى يقول: ابن آدم أنك مع ضعفك وعجزك لم تضيع ذرة من مخلوقاتي بل نظرت فيها واعتبرت بها واستدللت بوجودها على وجود الصانع، فأنا مع كمال قدرتي وكرمي كيف أضيع ذرتك والله الكريم.

الثعالبي

تفسير : [قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ}] قد تقدَّم معنى الزلزلةِ، والأثْقَالُ: الموتَى؛ قاله ابن عباس، وقيل أخْرَجَتْ موتَاها، وكنوزَها، وقول الإنسان: {مَا لَهَا} هو عَلَى مَعْنَى التعجُّبِ مِنْ هولِ ما يَرَى، قال الجمهور: الإنسانُ هنا الكافِرُ، وقيلَ عامٌّ في المؤمِنِ والكافِرِ، وإخْبَارُ الأَرْضِ قَالَ ابن مسعودٍ وغيره: هي شَهَادَتُها بِما عُمِلَ عليها مِنْ عَمَلٍ صالحٍ وفَاسدٍ ويؤيدُ هذَا التأويلَ قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَإنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَىٰ صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ وَلاَ جِنٌّ وَلاَ شَيْءٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».تفسير : ت *: وخرَّج الترمذيُّ في «جامعِه» عن أبي هريرةَ قال: «حديث : قرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه الآيةُ: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: أتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؛ قَالَ: فَإنَّ أَخْبَارَهَا: أَنْ تَشْهَدَ عَلَىٰ كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلَ عَلَيَّ يَوْمَ كَذَا ـــ كَذَا؛ فَهٰذِهِ أَخْبَارُها» تفسير : قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ انتهى، وكَذَا رواه أبو بكر بن الخطيبِ، وفيه: عَمِلَ عَلَيَّ في يَوْمِ كَذَا وَكَذَا وَفِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا}. "إذّا" شرط، وجوابه "تُحدِّثُ"، وهو النَّاصب لها عند الجمهور. وجوَّز أبو البقاء أن يكون العامل فيها مصدراً. وغيره يجعل العامل فيها ما بعدها، وإن كان معمولاً لها بالإضافة تقديراً، واختاره مكي، وجعل ذلك نظير "من وما"، يعني أنهما يعملان فيما بعدهما الجزم، وما بعدهما يعمل فيهما النصب، ولو مثل بـ "أي" لكان أوضح. وقيل: العامل فيها مقدر، أي: يحشرون. وقيل: اذكر، وحينئذ يخرج عن الظرفية والشرط. فصل في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة المتقدمة وجه المناسبة بين أول هذه السُّورة وآخر السورة المتقدمة، أنه تعالى لما قال: {جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} فكأن المكلف قال: ومتى يكون ذلك؟. فقيل له: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ} فالعاملون كلهم يكونون في الخوف، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك، وتكون آمناً، لقوله تعالى: {أية : وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ} تفسير : [النمل: 89]. وقيل: لما ذكر في السُّورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر، فقال: أجازيه، حتى يقول الكافر السابق ذكره: ما للأرض تزلزلت، نظيره {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} تفسير : [آل عمران: 106]، فذكر سبحانه الطائفتين، وذكر ما لكل طائفةٍ، ثم جمع بينهما في آخر السورة بذكر الذرة من الخير، فإن قيل: "إذَا" للوقت، فكيف وجه البداية بها في السورة؟ الجواب: أنهم كانوا يسألونه عن الساعة، فقال تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} فإنه تعالى يقول: لا سبيل إلى تعيينها بحسب وقتها، ولكن أعينه بحسب علاماته، أو أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تتحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد، فكأنه لما قيل: متى يكون ذلك؟ قال تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ}. فصل في معنى الزلزلة روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: النفخة الأولى تزلزلها، وهو قول مجاهد، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} تفسير : [النازعات: 6، 7]، ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها، وهي الأثقال، وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض، كقولك: لأعطينَّكَ عطيتك، أي: عطيتي لك، وحسن ذلك لموافقة رءوس الآي بعدها. وهو مصدر مضاف لفاعله، والمعنى زلزالها الذي تستحق ويقتضيه عظمها. قال الزمخشري: "ونحوه قولك: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته". قرأ الجمهور: "زِلْزالهَا" بكسر الزاي، والجحدري وعيسى: بفتحها. قيل: هما مصدران بمعنى. وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم، قاله الزمخشري. وليس في الأبنية "فعلال" يعني غالباً، وإلا فقد ورد: ناقة جزعال. قال القرطبيُّ: "والزَّلزال - بالفتح - مصدر، كالوسواس، والقلقال والجرْجَار". قوله: {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}. قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها، فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ومجاهد: "أثْقَالهَا" موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية. ومنه قيل للجن والإنس: الثقلان، وقيل: "أثْقالهَا": كنوزها، ومنه الحديث: "حديث : تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الإسطوان من الذهب والفضة ". تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ}، أي ابن آدم، الكافر. وقال ابن عباس: هو الأسود بن عبد الأسد. وقيل: أراد كلَّ إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى من مؤمن وكافر، وقوله: {مَا لَهَا} ابتداء وخبر، وهذا يرد قول من قال: إن الحال في نحو قوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49] لازمة لئلا يصير الكلام غير مفيد، فإنه لا حال هنا، ومعنى: {مَا لَهَا} أي: ما لها زلزلت، وقيل: ما لها أخرجت أثقالها! وهي كلمة تعجب، أي: لأي شيء زلزلت؟! ويجوز أن يُحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض، فتخرج الموتى، وقد رأوا الزلزلة، وانشقاق الأرض عن الموتى فيقولون من الهول: ما لها، [كأنهم يخاطبون أنفسهم تعجباً]. قوله: {يَوْمَئِذٍ}، أي: يوم إذا زلزلت، والعامل في "يَومَئذٍ": "تُحدِّثُ" إن جعلت "إذَا" منصوبة بما بعدها، [أو بمحذوف، وإن جعلت العامل فيها "تحدّث" كان "يومئذ" بدلاً منها فالعامل فيه] العامل فيها، أو شيء آخر، لأنه على تكرير العاملِ، وهو خلاف مشهور. فصل في معنى الآية معنى "تحدث أخبارها"، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير، أو شر يومئذ. ثم قيل: هو من قول الله تعالى. وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان "مَا لَهَا"، "تُحدِّثُ أخْبارهَا" متعجباً. روى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - حديث : قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: أتدْرُونَ ما أخْبارُهَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ أخبارها أن تشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرهَا تقُول: عملَ يَوْمَ كَذَا، كَذَا وكَذَا، قال: "فهَذهِ أخْبارُهَا" ". تفسير : قال الماورديُّ: قوله تعالى: {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها، قاله أبو هريرة - رضي الله عنه - ورواه مرفوعاً، وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة. الثاني: قال يحيى بن سلام: {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} بما أخرجت من أثقالها، وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة. الثالث: قال ابن مسعود: أنها تحدث بقيام الساعة، إذا قال الإنسان: ما لها؟ فتحبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرةِ قد أتى، فيكونُ ذلك منها جواباً لهم عند سؤالهم، ووعيداً للكافر، وإنذاراً للمؤمن. وفي حديثها بأخبارها ثلاثةُ أقاويل: أحدها: أن الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً، فتتكلم بذلك. الثاني: أن الله يحدث فيها الكلام. الثالث: أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام. قال الطبريُّ: تبين أخبارها بالرَّجَّة، والزلزلة، وإخراج الموتى. قوله: {بِأَنَّ رَبَّكَ} متعلق بـ "تُحدِّثُ"، أي: تحدث الأرض بما أوحى إليها ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها. وقيل: الباء زائدة و "أنَّ" وما في حيزها بدل من أخبارها. وقيل: الباء سببية، أي: بسبب إيحاء الله إليها. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: أين مفعولاً "تُحدِّثُ"؟. قلت: حذف أولهما، والثاني: أخبارها، أي: تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم. فإن قلت: بم تعلقت الباء، في قوله "بأنَّ ربَّك"؟. قلتُ: بـ "تحدث" ومعناه: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى: يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين". قال أبو حيان: وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه. قال شهاب الدين: وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً وحاشاه. ثم قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون "بأنَّ ربَّك" بدلاً من "أخبارها" كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا". قال أبو حيَّان: "وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز: "استغفرتُ الذنب العظيم" بنصب "الذنب" وجر "العظيم" لجواز أنك تقول: "من الذنب"، ولا "اخترتُ زيداً الرجال الكرام" بنصب "الرجال" وخفض "الكرام", وكذلك لا يجوز: "استغفرتُ من الذنب العظيم" بجر "الذنب" ونصب "العظيم", وكذلك في "اخترتُ" فلو كان حرف الجر زائداً جاز الإتباع على موضع الاسم، بشروطه المحررة في علم النحو، تقول: ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن "من" زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب "رجل" وجر "عاقل" على مراعاة جواز دخول "من" وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر". انتهى. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول: إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً، لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال: "لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا"، وأما كونه يمتنع أن يقول: "استغفرتُ الذنب العظيم" بنصب "الذنب" وجرّ "العظيمِ" إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب "استغفر" ان تقول: استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك "من شتمي" بدل من "الذنب"، وهذا جائزٌ لا محالة. قوله {أَوْحَىٰ لَهَا}. في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى "إلى"، وإنما أوثرت على "إلى" لمراعاة الفواصل، والمعنى: أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع "إلى"، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض: [الرجز] شعر : 5265- أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ تفسير : قاله أبو عبيدة. الثاني: على أصلها، "أوحَى" يتعدى باللام تارة، وبـ "إلى" أخرى، ومنه البيت. الثالث: اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي: لأجل ما يفعلون فيها. قال الثوريُّ: تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان على ظهرها من خير وشر.

البقاعي

تفسير : لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه في مواطن الفناء، ذكر في هذه أول مبادىء تلك الدار وأوائل غاياتها، وذكر في القارعة ثواني مبادئها وآخر غاياتها، وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ما يكون عليه الجزاء، فقال معبراً بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من كونه: {إذا}. ولما كان المخوف الزلزلة ولو لم يعلم فاعلها، وكان البناء للمفعول يدل على سهولة الفعل ويسره جداً، بنى للمفعول قوله: {زلزلت الأرض} أي حركت واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة الثانية بحيث يعمها ذلك لا كما كان يتفق قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك، وعظم هذا الزلزال وهوّله بإبهامه لتذهب النفس فيه كل مذهب، فقال كاسراً الزاء لأنه مصدر، ولو فتحها لكان اسماً للحركة، قال البيضاوي: وليس إلا في المضاعف. {زلزالها *} أي تحركها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته لعظمة جرم الأرض وعظمة ذلك اليوم، ولو شرح بما يليق به لطال الشرح، وذلك كما تقول: أكرم التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة، أي على حسب ما يليق به. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وردت عقب سورة البرية ليبين بها حصول جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} - إلى قوله: {أولٰئك هم شر البرية} وقوله: {إن الذين آمنوا} - إلى آخر السورة. ولما كان حاصل ذلك افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف بتباين أحوالهم، أعقب ذلك بمآل الصنفين واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ذكرهم فقال تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم} إلى آخر السورة - انتهى. ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال: {وأخرجت} وأظهر ولم يضمر تحقيقاً للعموم فقال: {الأرض} أي كلها {أثقالها} أي مما هو مدفون فيها كالأموات والكنوز التي كان أمرها ثقيلاً على الناس، وهو جمع ثقل بالكسر، وذلك حين يكون البعث والقيام متأثراً ذلك الإخراج عن ذلك الزلزال، كما يتأثر عن زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه وغضونه من وسخ وتراب وغيره، وما كان على ظهرها فهو ثقل عليها لأنها يعطيها الله قوة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاول والحديد، ويشق النواة مع ما لها من الصلابة التي تستعصي بها على الحديد فينفلق نصفين وينبت منها ما يريده سبحانه وتعالى، ويفلق قشر الجوز واللوز ونوى الخوخ وغيره مما هو في غاية الصلابة كما نشاهده، ويخرج منه الشجر بشق الأرض على ضعفه ولينه وصلابتها وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ شيء وأشده، وكذا الحب سواء، فالذي قدر على ذلك هو سبحانه وتعالى قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار، ثم يخرج من البطن، فكذا إخراج الموتى من غير فرق، كل عليه هين - سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك سببه لأنه أمر عظيم فظيع يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه، عبر عنه بقوله: {وقال الإنسان} أي هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما تأكد عنده من أمر البعث بما له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه، على سبيل التعجب والدهش أو الحيرة، ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول:{أية : من بعثنا من مرقدنا}تفسير : [يس: 52] فيقول له المؤمن:{أية : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}تفسير : [يس: 52] {ما لها *} أي أيّ شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد مثله. ولما طال الكلام وأريد التهويل، أبدل من "إذا" قوله معرفاً للإنسان ما سأل عنه: {يومئذ} أي إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله: {تحدث} أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت، وأن الإنذار بذلك كان حقاً، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تحدث بلسان المقال. {أخبارها *} أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها، وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول: عمل فلان كذا وكذا - تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ويابس. ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى، وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال: {بأن} أي تحدث بسبب أن {ربك} أي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك {أوحى} وعدل عن حرف النهاية إيذاناً بالإسراع في الإيحاد فقال: {لها *} أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال. ولما أخبر تعالى بإخراج الأثقال التي منها الأموات، اشتد التشوف إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه، فقال مكرراً ذكر اليوم زيادة في التهويل: {يومئذ} أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور {يصدر} أي يرجع رجوعاً هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا يغلط أحد منهم فيه ولا يضل عنه {الناس} من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم {أشتاتاً *} أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. ولما ذكر ذلك، أتبعه علته فقال بانياً للمفعول على طريقة كلام القادرين: {ليروا} أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم {أعمالهم *} فيعلموا جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلاً الجملة التي قبله: {فمن يعمل} من محسن أو مسيء مسلم أو كافر {مثقال} أي مقدار وزن {ذرة خيراً} أي من جهة الخير {يره *} أي حاضراً لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علماً وقدرة، فالكافر يوقف على أنه جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه، والمؤمن يراه ليشتد سروره به. ولما ذكر الخير، أتبعه ضده فقال: {ومن يعمل} أي كائناً من كان {مثقال ذرة شراً} أي من جهة الشر {يره} فما فوقه، فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ليشتد فرحه، والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه، والذرة النملة الصغيرة أو الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة، وقد رجع آخرها على أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار، وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنها أحكم آية في القرآن، وكان رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم يسميها الفاذة الجامعة، ومن فقه ذلك لم يحقر ذنباً وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله فيصير كبيراً كما قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:"حديث : إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً"تفسير : وروي كما ذكرته في كتابي "مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور" في حديث"حديث : إنها تعدل نصف القرآن"تفسير : وفي حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن، ولا تعارض، فالأول نظر إليها من جهة أن الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، وهذه السورة اشتملت على أحكام الآخرة إجمالاً، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل أحد يرى كل ما عمل، والثاني نظر إليه باعتبار ما تضمنه الحديث الذي رواه الترمذي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" تفسير : فاقتضى هذا الحديث أن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل الذي دل عليه القرآن، وأيضاً فأمر الدين أربعة أجزاء: أمر المعبود، وأمر العبيد، وأمر العبادة، وأمر الجزاء، فهذه السورة تكفلت بأمر الجزاء، وسورة الكافرون ربع لأنها في أمر العبادة على وجه الخصوص والخفاء وإن كانت على وجه التمام والوفاء، وسورة النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء - والله الهادي للصواب وإليه المآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏إذا زلزلت‏} ‏ بالمدينة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن قتادة قال‏:‏ نزلت بالمدينة ‏{‏إذا زلزلت‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ ‏"‏حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اقرئني يا رسول الله قال له‏: اقرأ ثلاثاً من ذوات الراء فقال له الرجل‏:‏ كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني‏.‏ قال‏:‏ اقرأ ثلاثاً من ذوات حم‏. فقال مثل مقالته الأولى، فقال‏: اقرأ ثلاثاً من المسبحات‏. فقال مثل مقالته، ولكن اقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏} حتى فرغ منها‏.‏ قال الرجل‏:‏ والذين بعثك بالحق لا أزيد عليها، ثم أدبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أفلح الرويجل أفلح الرويجل ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ حديث : من قرأ ‏{‏إذا زلزلت‏} عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ ‏{‏قل هو الله أحد‏} ‏[الإِخلاص‏]‏ عدلت له بثلث القرآن، ومن قرأ {‏قل يا أيها الكافرون‏} [الكافرون‏: 1]‏ عدلت له بربع القرآن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ ‏{‏إذا زلزلت‏}‏ تعدل نصف القرآن و ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ تعدل ثلث القرآن و ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ تعدل ربع القرآن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏من قرأ في ليلة ‏{‏إذا زلزلت‏}‏ كان له عدل نصف القرآن ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن رجل من بني جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح {‏إذا زلزلت الأرض‏} ‏ في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الفجر فقرأ بهم في الركعة الأولى ‏ {‏إذا زلزلت الأرض‏} ‏ ثم أعادها في الثانية‏.‏ وأخرج أحمد ومحمد بن نصر والطبراني والبيهقي في سننه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ‏ {‏إذا زلزلت‏}‏ و ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس يقرأ في الركعة الأولى بأم الكتاب ‏{‏وإذا زلزلت‏}‏ وفي الثانية ‏{قل يا أيها الكافرون‏}.‏ وأخرج الخطيب في تاريخه عن الشعبي قال‏:‏ من قرأ ‏ {‏إذا زلزلت‏}‏ فإنها تعدل سدس القرآن‏.‏ وأخرج ابن الضريس عن عاصم قال‏:‏ كان يقال‏:‏ ‏{‏قل هو الله أحد}‏ ثلث القرآن ‏{‏وإذا زلزلت الأرض‏} ‏ نصف القرآن و ‏{قل يا أيها الكافرون‏}‏ ربع القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏ تحركت من أسفلها ‏{‏وأخرجت الأرض أثقالها‏}‏ قال‏:‏ الموتى ‏ {‏وقال الإِنسان ما لها‏}‏ قال‏:‏ يقول الكافر ما لها ‏ {‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ قالها ربك قولي فقالت‏:‏ ‏{‏بأن ربك أوحى لها‏}‏ قال‏:‏ أوحى إليها ‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتا‏ً}‏ قال‏:‏ من كل من ههنا وههنا‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وأخرجت الأرض أثقالها‏}‏ قال‏:‏ من في القبور ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ قال‏:‏ تخبر الناس بما عملوا عليها ‏ {‏بأن ربك أوحى لها‏} ‏ قال‏:‏ أمرها وألقت ما فيها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ‏{‏وأخرجت الأرض أثقالها‏} قال‏:‏ ما فيها من الكنوز والموتى‏.‏ وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال‏:‏‏‏حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏} ‏ قال‏:‏ "أتدرون ما أخبارها‏؟قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول‏:‏ عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها"‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل ما عمل على ظهرها، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ {‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏ حتى بلغ ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ قال‏:‏ أتدرون ما أخبارها جاءني جبريل قال‏:‏ خبرها إذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عمل على ظهرها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة به‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحكم رضي الله عنه قال‏:‏ رأيت أبا أمية صلى في المسجد الحرام المكتوبة، ثم تقدم فجعل يصلي ههنا وههنا، فلما فرغ قلت له‏:‏ ما هذا الذي رأيتك تصنع‏؟‏ قال‏:‏ قرأت هذه الآية ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏يومئذ تحدث أخبارها‏} ‏ فأردت أن تشهد لي يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن إسماعيل بن عبد الله قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير يقرأ بقراءة ابن مسعود هذه الآية‏:‏ ‏"‏يومئذ تنبىء أخبارها‏"‏ وقرأ مرة ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏يومئذ يصدر الناس أشتاتا‏ً} ‏ قال‏:‏ فرقاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ‏{‏يومئذ يصدر الناس‏}‏ قال‏:‏ يتصدعون ‏{‏أشتاتا‏ً} ‏ فلا يجتمعون بعد ذلك آخر ما عليهم، وكان يقال إن هذه السورة الفاذة الجامعة‏.‏ أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ ‏حديث : بينما أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذ نزلت عليه ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏}‏ فرفع أبو بكر رضي الله عنه يده وقال‏:‏ يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال‏: "‏يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر بشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة" ‏‏‏. تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه وعبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أسماء قالت‏:‏حديث : بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ فأمسك أبو بكر رضي الله عنه وقال‏:‏ يا رسول الله أكل ما عملناه من سوء رأيناه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏‏"ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به ويدخر الخير لأهله في الآخرة" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال‏:‏‏حديث : أنزلت ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏} ‏ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد، فبكى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"ما يبكيك يا أبا بكر‏؟‏‏" قال‏:‏ تبكيني هذه السورة‏.‏ فقال‏: "لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال‏:‏ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق إذ نزلت عليه هذه الآية ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الطعام ثم قال‏:‏ ‏"‏حديث : من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة، ومن عمل منكم شراً يراه في الدنيا مصيبات وأمراضاً، ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال‏:‏حديث : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه هذه الآية ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏}‏ فأمسك أبو بكر يده وقال‏:‏ يا رسول الله إنا لراؤون ما عملنا من خير أو شر؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا أبا بكر أرأيت ما رأيت مما تكره فهو من مثاقيل الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يوم القيامة، وتصديق ذلك في كتاب الله {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير‏}‏ ‏[الشورى: 30‏]"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"‏حديث : لما أنزلت هذه الآية ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إني لراء عملي‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ قلت‏:‏ تلك الكبار الكبار‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ الصغار الصغار‏.‏ قال‏:‏ نعم‏. قلت‏:‏ واثكل أمي‏.‏ قال‏: أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشر أمثالها يعني إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفو الله، ولن ينجو أحد منك بعمله‏. قلت‏:‏ ولا أنت يا نبي الله‏؟‏ قال‏: ولا أنا الا أن يتغمدني الله منه بالرحمة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ الآية قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏ويطعمون الطعام على حبه‏}‏ تفسير : ‏[الإِنسان: 8‏] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء السائل إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة فيردونه، ويقولون‏:‏ ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير كالكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، ويقولون‏:‏ إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في الخير القليل أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة‏}‏ يعني وزن أصغر النمل ‏{‏خيراً يره‏}‏ يعني في كتابه ويسره ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة‏}‏ الآية قال‏:‏ ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أره الله إياه، فأما لمؤمن فيريه الله حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه على حسناته، وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال‏:‏ من يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابها في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عنده خير ‏ {‏ومن يعمل مثقال ذرة شرا‏ً} ‏ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه شيء‏.‏ وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ فقال‏:‏ حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله بن حنطب‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعلم مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ فقال الأعرابي‏:‏ يا رسول الله أمثقال ذرة‏؟‏ قال‏: نعم‏.‏ فقال الأعرابي‏:‏ واسوأتاه‏.‏ ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"لقد دخل قلب الأعرابي الإِيمان" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏} ‏ الآية فقام رجل فجعل يضع يده على رأسه وهو يقول‏:‏ واسوأتاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"أما الرجل فقد آمن‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم رضي الله عنهحديث : أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله ليس أحد يعمل مثقال ذرة خيراً إلا رآه ولم يعمل مثقال ذرة شراً إلا رآه‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏. فانطلق الرجل وهو يقول‏:‏ واسوأتاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏آمن الرجل‏" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنهحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع رجلاً إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏} ‏ فقال الرجل‏:‏ حسبي فقال الرجل‏:‏ يا رسول الله أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أعلمه لما بلغ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ فقال حسبي‏:‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دعه فقد فقه" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏‏حديث : ذكر لنا أن رجلاً ذهب مرة يستقرىء فلما سمع هذه الآية ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏} ‏ إلى آخرها فقال‏:‏ حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير رأيته، وإن عملت مثقال ذرة من شر رأيته‏.‏ قال‏:‏ وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ "‏هي الجامعة الفاذة‏"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق عن الحسن قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ الآية قال رجل من المسلمين‏:‏ حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير أو شر رأيته انتهت الموعظة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحارث بن سويد أنه قرأ ‏{‏إذا زلزلت‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏} ‏ قال‏:‏ إن هذا الإِحصاء شديد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال‏:‏ هو الكافر يعطي كتابه يوم القيامة فينظر فيه فيرى فيه كل حسنة عملها في الدنيا، فترد عليه حسناته، وذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا‏ً}تفسير : ‏ ‏[الفرقان: 23‏] فابلس واسود وجهه، وأما المؤمن فإنه يعطى كتابه بيمنيه يوم القيامة فيرى فيها كل خطيئة عملها في دار الدنيا ثم يغفر له ذلك وذلك قول الله‏:‏ ‏{أية : ‏فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏}‏تفسير : ‏[الفرقان: 70‏] فابيض وجهه واشتد سروره‏.‏ ‏وأخرج ابن جرير عن سليمان بن عامر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفي بالذمة ويكرم الضيف‏.‏ قال‏:‏ مات قبل الإِسلام‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: لن ينفعه ذلك، ولكنها تكون في عقبه فلن تخزوا أبداً، ولن تذلوا أبداً، ولن تفتقروا أبدا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار أقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمام التقوى أن يتقي الله تعالى العبد حتى يتقيه في مثقال ذرة حتى أن يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حاجزاً بينه وبين الحرام، إن الله قد بين للناس الذي هو يصيرهم إليه قال‏:‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} ‏ فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه ولا شيئاً من الشر أن تفعله‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : اعلموا أن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏اتقو النار ولو بشق تمرة‏"‏تفسير : ‏.‏ ثم قرأت ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل‏:‏ يا أم المؤمنين إنكم لتصدقون بالتمرة‏؟‏ قالت‏:‏ نعم. والله إن الخلق كثير، ولا يشبعه إلا الله أو ليس فيها مثاقيل ذر كثيرة‏؟‏‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة أن سائلاً جاءها فقالت لجاريتها‏:‏ أطعميه، فوجدت تمرة فقالت‏:‏ أعطيه إياها فإن فيها مثاقيل ذر إن تقبلت‏.‏ وأخرج مالك وابن سعد وعبد بن حميد من طريق عائشة رضي الله عنها أن سائلا أتاها وعندها سلة من عنب فأخذت حبة من عنب فأعطته فقيل لها في ذلك، فقالت‏:‏ هذه أثقل من ذر كثير، ثم قرأت ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال‏:‏ بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال‏:‏ فيه مثاقيل ذر كثيرة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلاً سأل عبد الرحمن بن عوف وبين يديه طبق وعليه عنب فناوله حبة، فكأنهم أنكروا ذلك عليه، فقال‏:‏ في هذه مثاقيل ذر كثير‏.‏ وأخرج سعد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل وبين يديه طبق عليه تمر فأعطاه تمرة، فقبض السائل يده‏.‏ فقال سعد‏:‏ ويحك تقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة وكم في هذه من مثاقيل الذر‏؟‏‏.‏ وأخرج ابن سعد عن شداد بن أوس أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ يا أيها الناس ألا إن الدنيا أجل حاضر يأكل منها البار والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا واعلموا أنه ‏ {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏}‏ ‏. وأخرج الزجاجي في أماليه عن أنس بن مالك ‏ ‏حديث : أن سائلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة فقال السائل‏:‏ نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏أما علمت أن فيها مثاقيل ذر كثير"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج هناد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏مثقال ذرة‏} ‏ إنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها وقال‏:‏ كل من هؤلاء مثقال ذرة‏.‏ وأخرج الحسين بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:حديث : ‏ أيها الناس إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل أيها الناس كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها‏.‏ اعملوا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وأنكم ملاقو الله لا بد منه {‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} "‏‏. تفسير : وأخرج مالك والبخاري وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الخيل لثلاثة‏:‏ لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر‏"تفسير : ‏ الحديث‏.‏ قال‏:‏ وسئل عن الحمر فقال‏:حديث : ‏ ما نزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره‏} "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها ثمان {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ} أَيْ حُرِّكتْ تحريكاً عنيفاً مُتكرراً متداركاً {زِلْزَالَهَا} أي الزلزالُ المخصوصُ بَها عَلَى مُقْتصى المشيئةِ الإلهيةِ المبنيةِ على الحكمِ البالغةِ وهُو الزلزالُ الشديدُ الذي لا غايةَ وراءَهُ أو زلزالُها العجيبُ الذي لا يُقَادرُ قدرُهُ أو زلزالُها الداخلُ في حيزِ الإمكانِ وقُرِىءَ بفتحِ الزَّاي وهو اسمٌ وليسَ في الأبنيةِ فعلالٌ بالفتحِ إلا في المضاعفِ وقولُهم خَزْعَالٌ نادرٌ وقَدْ قيلَ: الزلزالُ بالفتحِ أيضاً مصدرٌ كالوَسواسِ والجرَجارِ والقَلقالِ وذلكَ عندَ النفخةِ الثانيةِ لقولِه عزَّ وجلَّ {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي ما في جَوْفها من الأمواتِ والدفائنِ جمعُ ثَقَلٍ وهُو متاعُ البـيتِ وإظهارُ الأرضِ في موقعِ الإضمارِ لزيادةِ التقريرِ أوْ للإيماءِ إلى تبدلِ الأرضِ غيرَ الأرضِ أو لأنَّ إخراجَ الأثقالِ حالُ بعضِ أجزائِها {وَقَالَ ٱلإِنسَـٰنُ} أيْ كُلُّ فردٍ من أفرادِه لما يَدهمُهْم منَ الطامَّةِ التامَّةِ ويبهرهُم مِنَ الدَّاهيةِ العامَّةِ {مَا لَهَا} زُلزلتْ هذهِ المرتبةَ الشديدةَ منَ الزلزالِ وأخرجتْ ما فيَها منَ الأثقالِ استعظاماً لما شاهدُوه منَ الأمرِ الهائلِ وقد سيرتِ الجبالُ في الجَوِّ وصيرتْ هباءً وقيلَ: هُو قولُ الكافرِ إذْ لمْ يكُنْ مؤمناً بالبعثِ والأظهرُ هُو الأولُ عَلى أنَّ المؤمنَ يقولُه بطريقِ الاستعظامُ والكافرُ بطريق التعجبِ {يَوْمَئِذٍ} بدلٌ منْ إِذا وقولُه تعالَى: {تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا} عَامِلٌ فيهمَا ويجوزُ أن يكونَ إذَا منتصباً بمضمرٍ أيْ يومُ إذْ زلزلتْ الأرضُ تحدثُ الخلقَ أخبارِها إمَّا بلسانِ الحالِ حيثُ تدلُّ دلالةً ظاهرةً على ما لأجلِه زلزالُها وإخراجُ أثقالِها وإما بلسانِ المقالِ حيثُ ينطقُها الله تعالَى فتخبرُ بما عُمِلَ عليَها منْ خيرٍ وشر ورُوِيَ عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنها تشهدُ على كُلِّ أحدٍ بما عَمِلَ عَلى ظَهرِهَا » تفسير : وقُرِىءَ تنبىءُ أخبارَها وقُرِىءَ تنبىءُ منَ الإنباءِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}. أي: أمواتهَا، وما فيها من الكنوز والدفائن. {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا}. يعني الكافرُ الذي لا يُؤْمِنُ بها أي بالبعث. {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}. يومئذٍ تُخَبِّر الأرضُ: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}. أي: إنما تفعَل ذلك بأمر الله. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ}. {أَشْتَاتاً}: متفرِّقين. {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} ليُحَاسَبوا. قوله جلّ ذكره: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. فيُقَاسي عناءَه.

البقلي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} اذا انكشف جمال القدم عيانا تزلزلت ارض قلوب العارفين وصول سطوات العزة اليها تحركت بنعوت المواجيد حيث باشربها انوار العظمة والكبرياء وعاينت ما فى صميمها واخرجت اثقال اسرار معارفها من علومها المجهولة الربانية الى بساط الحضرت وصاحبها يتعجب من تلك الاشكال الحقيقة بقوله {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا} فتشهد الارواح عليها وعرفت مكنون ------فعند ذلك عرف الانسان نفسه حين الهمه الحق بما الهم روحه بقوله {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} قال الحسين تزلزل الارض وتخرج اثقالها للعرض فتقوله ما لها وتحدث اخبارها وتظهر اسرارها فيسالها ما قدمت من -----غيب فبذهت من عظم ما عاينت وشاهدت مذعنه قد خضعت ونكست رؤسها.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا} جون {زلزلت الارض} اى حركت تحريكا عنيفا متكررا متداركا فان تكرر حروف لفظه ينبئ عن تكرر معنى الزلل {زلزالها} اى الزلزال المخصوص بها الذى تستوجبه فى الحكمة ومشيئة الله وهو الزلزال الشديد الذى لا غاية ورآءه وهو معنى زلزالها بالاضافة العهدية يقال زلزله زلزلة وزلزالا مثلثة حركه كما فى القاموس وقال اهل التفسير الزلزال بالكسر مصدر وبالفتح اسم بمعنى المصدر وفعلال بالفتح لا يوجد الا فى المضاعف كالصلصال ونحوه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا زُلزلت الأرضُ} أي: حُركت تحريكاً عنيفاً مكرراً متداركاً، {زِلزالها} أي: الزلزلة المخصوصة بها على مقتضى المشيئة الإلهية، وهو الزلزال الشديد الذي لا غاية وراءه، أو: زلزالها العجيب الذي لا يُقادر قدره. قال ابن عرفة: المراد: الأرض الأولى؛ لأنّ الثانية ليس فيها أموات. ولكن السموات عند المنجِّمين متلاصقة بعضها مع بعض، وكذلك الأرضون، وعندنا يجوز أن يكون بينهما تخلُّل، وهو ظاهر حديث الإسراء. هـ. وذلك عند النفخة الثانية لقوله تعالى: {وأخرجت الأرضُ أثقالها} أي: ما في جوفها من الأموات والدفائن، جمع: ثِقُل، وهو: متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها. وإظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، أو: للإيماء إلى تبدُّل الأرض غير الأرض. {وقال الإنسانُ} أي: كل فرد مِن أفراده، لِما يدهمهم من الطامة التامة، ويبهرهم من الداهية العامة: {ما لها} زُلزلت هذه الزلزلة الشديدة، وأخرجت ما فيها من الأثقال، استعظاماً لِما شهدوه من الأمر الهائل، وقد سُيرت الجبال وفي الجو فصارت هباءً. وهذا قول عام يقوله المؤمن بطريق الاستعظام، والكافر بطريق التعجًّب. {يومئذٍ تُحَدِّثُ أخبارَها} يوم إذا زلزلت الأرض تُحَدِّث الناس أخبارها بما وقع على ظهرها، قيل: يُنطقها اللهُ وتُحدِّث بما وقع عليها خيرٍ وشر، رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: " حديث : أنها تشهد على كل أحدٍ بما عمل على ظهرها "تفسير : {بأنّ ربك أوْحى لها} أي: بسبب أنَّ ربك أوحى لها بأن تُحَدِّث, أي: أَمَرَها بذلك. والحديث يستعمل بالباء وبدونها، يقال: حدثت كذا وبكذا، و"أوحى" يتعدى باللام وبـ"إلى". {يومئذٍ} أي: يوم إذ يقع ما ذكر {يَصْدُر الناسُ} من قبورهم إلى موقف الحساب {أشتاتاً} متفرقين طبقات, منهم بِيض الوجوه آمنين، ومنهم سُود الوجوه فزعين، كما في قوله تعالى: {أية : فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}تفسير : [النبأ:18] وقيل: يصدرون عن الموقف أشتاتاً، ذات اليمين إلى الجنة، وذات الشمال إلى النار، {لِيُرَوا أعمالَهم} أي: جزاء أعمالهم, خيراً أو شراً. {فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يَرَهُ}، والذرة: النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس من البهاء. و"خيراً": تمييز، {ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يَرَهُ} قيل: هذا في الكافر، والأُولى في المؤمنين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس مؤمن ولا كافر، عَمِلَ خيراً ولا شرًّا في الدنيا إلاّ يراه في الآخرة، فأمّا المؤمن فيرى حسناته وسيئاته، فيغفر اللهُ سيئاته ويُثيبه بحسناته، وأمّا الكافر فيَرُدُّ اللهُ حسناته ويُعذبه بسيئاته. وقال محمد بن كعب: الكافر يرى ثوابه في الدنيا، في أهله وماله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، والمؤمن يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وأهله وماله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. وفي الحديث: "حديث : إذا تاب العبدُ عن ذنبه أَنْسَى الله الحفظةَ ذنوبه، وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض، حتى يلقى الله وليس عليه شاهد بذنب ". تفسير : قال ابن جُزي: هو على عمومه في الكافر، وأمّا المؤمنون فلا يُجْزَون بذنوبهم إلاَّ بستة شروط؛ أن تكون ذنوبهم كِبار، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وألاَّ يكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها, وألاّ يُشفع فيهم، وألاّ يكونوا ممن استحق المغفرة بعملٍ، كأهل بدر، وإلاّ يعفو الله عنهم، فإنّ المؤمن العاصي في مشيئة الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له. هـ. الإشارة: إذا زُلزلت أرضُ النفوس زلزالها اللائق بها، وحُركت بالواردات والأحوال, وتحققت الغيبة عنها بالكلية، أشرقت شمس العرفان، فغطّت وجودَ الأكوان، كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه مُنشِداً: شعر : فلوا عاينت عيناك يوم تزلزلت أرض النفوس ودُكت الأجبال لرأيتَ شمس الحق يسطع نورها يوم التزلزل والرجال رجال تفسير : وأخرجت حينئذ ما فيها من العلوم, يومئذ تُحَدِّث أخبارها: أخبار الأسرار الكامنة فيها، بأنّ ربك أوحى لها إلهاماً. يومئذ يَصْدُر الناسُ من الفناء إلى البقاء، أشتاتاً، فمنهم الغالب حقيقته، ومنهم الغالب شريعته، ومنهم المعتدل. أو: فمنهم الغالب عليه القبض والقوة، ومنهم الغالب عليه البسط والليونة، وهذا أعم نفعاً. والله أعلم. وذلك لِيُروا أعمال مجاهدتهم بالتنعُّم في مشاهدتهم، فمَن يعمل مثقال ذرة خيراً ـ بأن ينقص من نفسه عادةً في سيره ـ يرَ جزاء ذلك، ومَن يعمل مثقال ذرة شرًّا ـ بأن يزيد من الحس شيئاً في الظاهر ـ يره، فإنه ينقص من معناه في الباطن، إلاّ إذا تمكّن من الشهود. وبالله التوفيق وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم في رواية أبان عنه {خيراً يره وشرّاً يره} بضم الياء فيهما بمعنى انه يريه غيره. الباقون بفتح الياء بمعنى أنه يراه ويبصره. وقرأ ابن عامر - في رواية هشام - وابن عامر والكسائي عن أبي بكر - بسكون الهاء - في قوله {خيراً يره، وشراً يره} الباقون بالاشباع فيهما. قال ابو علي: الاشباع هو الأصل، وهو الوجه، كما تقول: اكرمهو، وضربهو. وإنما يجوز إسكانها في الشعر. وقد حكى ابو الحسن أنها لغة رديئة فمن سكن فعلى هذه اللغة. وقرأ ابو جعفر من طريق ابن العلاف وروح - بضم الياء - من غير صلة بواو فيهما وقد بينا الوجه فيه. يقول الله تعالى مخوفاً لعباده أهوال يوم القيامة ومنذراً لهم بالآيات الباهرة بأن قال {إذا زلزلت الأرض زالزالها} فالزلزلة شدة الاضطراب بما يهدم البنيان زلزل يزلزل زلزالا، فكأنه مكرر (زل، يزل) للتكثير والتعظيم، والزلزال - بكسر الزاي - المصدر، وبالفتح الاسم. وقال الحسن: زلزلت ورجت ورجفت بمعنى واحد وقوله {وأخرجت الأرض أثقالها} قال ابن عباس ومجاهد: معناه أخرجت موتاها، وأثقال الارض ما فيها مدفون من الموتى وغيرها، فان الأرض تلفظ بكل ما فيها عند انقضاء أمر الدنيا، وتجديد أمر الآخرة. وقوله {وقال الإنسان مالها} معناه يقول الانسان: أي شيء اصارها إلى هذه الحالة التي ترى بها، يقول الانسان ذلك متعجباً من عظم شأنها وأنه لأمر عظيم لفظت بما فيها، وتخلت من جميع الامور التي استودعها. وقوله {يومئذ تحدث أخبارها} قيل معناه يظهر بالدليل الذي يجعله الله فيها ما يقوم مقام اخبارها بأن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى، وانه لا بد من الجزاء وأن الفوز لمن اتقى وأن النار لمن عصى. وقيل: معناه تحدث أخبارها بمن عصا عليها إما بأن يقلبها حيواناً قادراً على الكلام فتتكلم بذلك أو يحدث الله تعالى الكلام فيها، ونسبه اليها مجازاً او يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام فعبر عنه بالكلام، كما قال الشاعر: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملأت بطني تفسير : وقال آخر: شعر : وقالت له العينان سمعاً وطاعة تفسير : ويقولون عيناك تشهد لسهرك، وغير ذلك مما قد مضى نظائره. وقال ابن مسعود: الارض تتكلم يومئذ، فتقول أمرني الله بهذا. وقوله {بأن ربك أوحى لها} معناه إن الارض تحدث بهذا، فتقول: إن ربك يا محمد أوحى اليها. قال العجاج: شعر : وحى لها القرار فاستقرت تفسير : أي أوحى اليها بمعنى القى اليها من جهة تخفى يقال: أوحى ووحى بمعنى واحد، ثم قال تعالى {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم} اخبار من الله تعالى بأن ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتاً أي مختلفين {ليروا أعمالهم} أي ليجازوا على أعمالهم او ليريهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: معنى رؤية الأعمال المعرفة بها عند تلك الحال، وهي رؤية القلب، ويجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى ليروا صحائف أعمالهم يقرؤن ما فيها لقوله {وقالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقيل ليروا جزاء اعمالهم حسب ما قدمناه. وقيل يرى الكافر حسناته فيتحسر عليها، لانها محبطة، ويرى المحسن سيئاته مكفرة وحسناته مثبتة ثم قال تعالى على وجه الوعيد {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} قال ابو عبيدة: مثقال ذرة شراً يره أي يرى ما يستحق عليه من العقاب، ويمكن أن يستدل بذلك على بطلان الاحباط، لان عموم الآية يدل أنه لا يفعل شيئاً من طاعة أو معصية إلا ويجازى عليها وعلى مذهب القائلين بالاحباط بخلاف ذلك، فان ما يقع محبطاً لا يجازى عليه ولا يدل على أنه لا يجوز أن يعفى عن مرتكب كبيرة، لأن الآية مخصوصة بلا خلاف، لأنه ان تاب عفى عنه وقد شرطوا أن لا يكون معصية صغيرة، فاذا شرطوا الامرين جاز أن نخص من يعفو الله عنه.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : كلمة "إذا" يراد بها الوقت، ووقت الآخرة ليس كهذه الأوقات الدنيويّة، كما أنّ يومها وساعتها ليس كأيّام الدنيا وساعاتها المضبوطة بحركات هذا الفلك الأقصى، إذ نسبة يوم الآخرة إلى هذه الأيّام، كنسبة الروح الأعظم إلى هذه الأرواح الجزئيّة، وذلك اليوم الحقّ الذي فيه يمترون. ومن خواصّ ذلك اليوم، أن مقداره بالقياس إلى طائفة خمسون ألف سنة: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج:4] وبالقياس إلى طائفة كلمحة واحدة: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل:77] {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً} تفسير : [المعارج:6 - 7]. فهذا الوقت المدلول عليه بكلمة "إذا" هنا يستوعب سائر الأوقات والأزمنة والساعات، وهو بعينه قد وقع ظرفاً لزلزلة الأرض، والأصل في الظروف الزمانيّة والمكانيّة أن تطابق مظروفاتها ولوازمها من الحركات والأجرام. وقد بيّن في العلوم القرآنيّة والمعالم البرهانيّة، أنّ الأرض وما فيها دائمة الحركة، فقوله: إذَا زُلْزِلَت -، من قبيل قوله: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} تفسير : [الأنبياء:104] فكما أنّ طيّ السماء لا يختصّ وقوعه بزمان الدنيا - بل بيوم القيامة، ولا يمكن لأحد مشاهدة ذلك إلاّ من كان من أهل النشأة الآخرة كما قال سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] فلذلك زلزلة الأرض هذه غير مختصّة الوقوع بزمان معيّن من هذه الأزمنة، بل ظرف تحقّقها يوم الآخرة، وشاهد وجودها أهل الآخرة وأصحاب اليمين، فهي مطويّة بيمين الحقّ بالقياس إلى أصحاب اليمين. وأمّا من كان من أصحاب الشمال وأهل الجحيم والنكال، فليسوا مفتوحي العين ولا حديدي البصر حتّى يقرؤوا الكتب السماويّة وينظروا إلى سجلّ دوراتها وطومار أوقاتها دفعة، إلاّ حرفاً بعد حرف، وكلمة غبّ كلمة، ولا يمكنهم أيضاً مشاهدة آيات الأفلاك والأنفس بالحقيقة إلاّ كمشاهدة الدوابّ والأنعام خلف أغشية حجب العزّة والجلال، وأغطية الظلمة والوبال، والبعد عن عالم النور والجمال، فتتوارد عليهم الأوضاع والتغيّرات وتتحكّم عليهم الأزمنة والاوقات. وأمّا من قوي نظره وحدّ بصره - كما هو عند القيامة - فيطلع على جميع ما في هذا الكتاب الجامع للأكوان دفعة واحدة لا يغادر حرفاً منه، مثل من يطوي عنده السجلّ الجامع للكلمات والحروف، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أُوتيتُ جَوامِع الكَلِم ". تفسير : إنّما قال: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67] لأنّ أصحاب الشمال وسكّان دار الظلمات، لا نصيب لهم من طيِّ السموات، لأنّهم أهل الحجاب - كما مرّ - فهكذا حال هذا الزلزال للأرض ليس ممّا يدركه كلّ أحد، لأنّه غير مختصّ الوقوع بوقت جزئيّ من أوقات الدنيا، فلا يشاهده الإنسان بمشاعر هذا الأدنى، لأنّ هذه الحواسّ التي يشترك فيها الدوابّ والأنعام مع الناس، تختصّ بمشاهدتها بما يحدث هنا من الحوادث الجزئيّة والأكوان الزمانيّة، والقيامة وأحوالها من عظام الأمور الكليّة ليست من جزئيّاتها، {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج:1]. فكما أنّ أرض القيامة غير هذه الأرض بوجه - لأنها يومئذ مبدّلة مقبوضة - وسماؤها غيره هذه السماء بوجه - لأنّها مطويّة كما قال الله سبحانه: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [إبراهيم:48]. وقوله: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر:67]. فكذلك زلزلة الأرض يوم القيامة غير هذه الزلازل الجزئيّة. تنبيه: إنّ أهل الحجاب وأصحاب الارتياب ذاهلون عن كون الأزمنة والحركات منطوية يوم القيامة منشورة ها هنا، ولا يمكن لهم أن يعرفوا بهما جميعا، والعجَب أنّهم كما لم يؤمنوا هنا بطيّ السموات وما فيها يوم القيامة، لاشتغال قلوبهم بأحوال الدنيا، فكذلك إذا بعثوا إلى الآخرة أنكروا زمان مكثهم في الدنيا ونشر الحركات فيها، إذ تشغلهم أهوال يوم القيامة عن ذلك، كما قال جلَّ ذكره: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الروم:55 - 56]. حُجّة كلاميّة: إنّ في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} تفسير : [الحج:2] بعد قوله - {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الحج:1] دليلاً واضحاً على ما ذكر، لدلالة الكليّة على الشمول العمومي لجميع المرضعات وذوات الأحمال، متى كان وأين كان. تنوير قرآني وتذكير برهاني: إنّ نسبة البعث إليه تعالى كنسبة الخلق: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان:28] {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} تفسير : [الأعراف:29] فكما أنّ الله من جهة الخلق أوجد جميع الخلائق - على كثرتها واختلاف أزمنتها - بإيجاد واحد وإفاضة واحدة - وحدة غير زمانيّة -، وهي في أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض، أمور متكثّرة متجدّدة، ومختصّة بأزمنتها وأوقاتها، وله تعالى أيضاً شأن واحد في شؤون كثيرة، إذ كلّ يوم هو في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، فكذلك من جهة البعث، يبعث الخلق كلهم في ساعة واحدة على صعيد واحد كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} تفسير : [النازعات:13 - 14]. فهذه الساعة: {أية : كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل:77]. من جهة. ومن جهة المخلوقات واختلاف قوابلها واستعداداتها: {أية : كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}تفسير : [المعارج:4] وعليها يقاس حكم الحركات والأمكنة فإنّ لها هاتين الجهتين. قال تعالى نظراً إلى الزمان من جهة القرب والوحدة: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} تفسير : [القمر:1]. {أية : وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا}تفسير : [الحج:7] {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً} تفسير : [يونس:45]. ومن جهة البُعد بالقياس إلى أهل الحجاب والظلمة: {أية : هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [المؤمنون:36] {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [يونس:48 - 49]. {أية : وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء:109]. {أية : أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} تفسير : [الجن،:25]. وقال نظراً إلى المكان من جهة القرب: {أية : وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} تفسير : [سبأ:51] {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:54]. {أية : وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} تفسير : [الانفظار:16]. {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} تفسير : [النبأ:40]. ومن جهة البُعد: {أية : وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} تفسير : [سبأ:52]. وقال نظراً إلى الوجهين: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً} تفسير : [المعارج:6 - 7]. فالأوّل: بالقياس إلى المحبوسين في سجن المكان، المقيّدين بقيد الزمان، والثاني: بالقياس إلى المتخلّصين عن رقّ الحدثان، الناظرين إلى حقائق الأشياء بعين العيان. إشارة نوريّة: إنّ إضافة الزلزال إلى الضمير العائد إلى الأرض، الدالّة على الاختصاص، تُشير إلى أنّ هذه نوع حركة معهودة من الأرض، مختصّة بها، واقعة منها على حسب الجِبِلة والغريزة، وأنّها مركوزة في طبيعتها، والأمور الغريزيّة للأشياء غير منسلخة عنها، ولا متراخية إلى حين - إذا خليّت وطبايعها - فهكذا حكم هذا الزلزال. وقد حقّق في المعالِم الإلهيّة بالبراهين النوارنيّة، أنّ الأرض والأرضي كالسماء والسماوي، في أنّ لها حركة ذاتيّة جوهريّة لا تفتر عنها لحظة، وما من طبيعة أو ذي طبيعة إلاّ وهو أبداً في الحركة الاستكماليّة الجوهريّة، وبها يطلب الحقّ الأوّل، ويرجع إليه، كما في قوله سبحانه: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت:11] فالإتيان لله سبحانه: إمَّا من السماء وما فيها، فكان في أوّل الأمر على جهة الطوع لكونها مفطورة على كمالها الأتمّ في أوّل النشأة، مطيعة لله تعالى بحسب فطرتها الأولى، وإمّا من الأرض ومن عليها فكان على جهة القسر أوّلاً، لأنّها ناقصة الفطرة الأولى، وإنّما اكتسبت الكمال والتقرّب إلى الله بحسب فطرة أخرى ونشأة ثانية. فالأرضيّات بعد استكمالها بالنفوس الكاملة الإنسانيّة، صارت مطيعة لله تعالى بلا إكراه كالسماويّات، فاتّفقتا في سلوك طريق الحقّ والسير إلى الله، والإتيان إليه ولهذا قالتا: أتَيْنَا طَائِعينَ. وفي الكشّاف: معنى هذه الإضافة، زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة، وهو مشية الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده، ونحوه قولك: أكرم التقيَّ إكرامه، وأهِن الفاسق إهانته. تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. أو زلزالها كلّه وجميع ما هو ممكن منه. وقد أجرى الله على لسانه من الحقّ ما يمكن أن يراد منه مجموع الانتقالات الأرضيّة الواقعيّة من جملة الأرض وما فيها من ساير المركبات التامّة والناقصة، وبسائطها إذا أخذت دفعة واحدة، وشوهدت شهوداً أخرويا، وما يختصّ بأهل الآخرة وبأهل المعرفة وإن لم يحشروا بعدُ بحسب قالبهم إلى الله، وذلك لأنّهم قد حشروا إلى الله بحسب قلوبهم. وهذه الحركة إذا أخذت هكذا، فهي حركة عقليّة شوقيّة من الله مبدأها، وإلى الله منتهاها، وباسمه مجراها ومرساها، كما قال تعالى {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} تفسير : [النازعات:42 - 44]. وقد بين أيضاً في المعالم الإلهيّة إثبات العقل والإرادة للأرض بالبرهان المنوّر بأنوار القرآن، مثل قوله: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت:11] {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} تفسير : [الزمر:69]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [فصلت:39]. ومن اكتحلت عين بصيرته بنور الحكمة الحقّة، يعلم أنّ كل جرم - غليظاً كان أو لطيفاً - فله حياة ونفس وعقل، إذ ما من جسم إلاّ وله صورة طبيعيّة هي مبدأ حركته القريب، وكلّ جسم من شأنه التفرّق والانقطاع والتكثّر، وعند القطع والتكثير تنعدم ذاته ويزول اتّصاله، وكلّ طبيعة من شأنها الاستحالة والسيلان دائماً - كما حقق في مقامه - فالنفس الروحانيّة هي علّة اتّصال الأجرام ووحدانيّته، فالوحدة والاتّصال مستفادان في كل جرم من النفس، وكذا البقاء والاستمرار له لسيلان طبيعته واستحالتها - لما مرَّ -. والنفس لا يتمّ وجودها إلاّ بالعقل، لأنّها أيضا من حيث الفعل والتدبير طبيعة، ومن حيث الذات والحقيقة عقل، فثبت أنّ الأرض ذات حياة نفسانيّة، ولها كلمة فعّالة روحانيّة. واستدلّ معلّم أسلاف الحكماء، على أنّ الأرض ذات حياة بأنّها تنمو وتنبت الجبال - فإنّها نبات أرضي -، وفي داخل الجبال حيوانات كثيرة ومعادن، وإنّما تتكوّن هذه منها لأجل الكلمة ذات النفس فإنّها هي التي تصوّر في داخل الأرض هذه الصورة. وهذه الكلمة هي صورة الأرض الفاعلة فيها هذه الأفاعيل، ولا يمكن أن تكون ميتة وتفعل هذه الأفاعيل العجيبة العظيمة، فان كانت حيّة فانّها ذات نفس لا محالة. فإن كانت هذه الأرض الحسيّة حيّة - وهي صنم - فبالحريّ أن تكون الأرض العقليّة حيّة - انتهت حكاية كلامه -. وبناؤه على أنّ لكلّ طبيعة جسمانيّة صورة عقليّة في عالَم الأرواح العقليّة - وهي المسمّاة بالمثل النوريّة والصور المفارقة عند شيخه أفلاطون، ومن تقدّمه من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعرجوا بنفوسهم الصافية وقلوبهم الطاهرة إلى عالم القدس، وشاهدوا هذه الصورة الإلهيّة مظاهر أسماء الله تعالى، فهم أهل بيت الحكمة، كما أنّ أئمّتنا أهل بيت النبوة والولاية - سلام الله عليهم أجمعين -. تذكرة: هذه الحركة الأرضيّة، التي قد مرّت الإشارة إلى أنّها إراديّة شوقيّه عقليّة، ليست واقعة في احدى المقولات الأربع العرضيّة، لما مرّ أنّها غير محسوسة، ولا قابلة لأنّ تحسّ بإحدى هذه الحواسّ، بل هي حركة ذاتيّة واقعة في مقولة الجوهر. والمقتصرون على البحث البحت من النظّار وذوي الأفكار، لم يجوّزوا الحركة في مقولة الجوهر، ولم يمكنهم أن يتفطنّوا بدقّة أفكارهم وحِدّة أنظارهم لِهذه الحركة الذاتيّة، لأنّ إدراكها يحتاج إلى تأييد إلهي وإلهام نوري ربّاني، يختصّ بأصحاب المكاشفات للقلوب المنوّرة بنور الإيمان ثمّ العرفان. فهُم قد رأوا بالمشاهدة العيانيّة، أنّ الأعيان الجوهريّة دائمة التوجّه إلى الله تعالى توجُّها معنويّا وحركة ذاتيّة، وما من جوهر عينيّ له صورة وجوديّة إلاّ وله هذا السير الحثيث إلى الحضرة الإلهيّة، وهو أبداً في الانتقال من صورة إلى صورة، ومن طور إلى طور - حركة رجوعيّة وسيراً استكماليّاً - كما قال سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل:88]. فهكذا حكم الإنسان، فإنّه أبداً بحسب غريزته، والتبدّل والميلان من نشأة إلى نشأة، وطور إلى طور، ومن هويّة إلى هويّة، ومن تبدّل هذه الهويّات عليه، تستمرّ له هويّة ثابتة يحكم بها عليه أنّ ذاته هي التي كانت موجودة أوّلاً، فله هويّة ثانية هي التي بعينها متبدّلة، فانظر ماذا ترى. وعلى هذه الحركة الانقلابيّة للإنسان شواهد كثيرة من القرآن، مثل قوله جلّ اسمه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ} تفسير : [الانشقاق:6] وقوله: {أية : وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً} تفسير : [الانشقاق:9]. وقوله: {أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} تفسير : [البقرة:156]. وقوله: {أية : كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} تفسير : [الانبياء:93]. وقوله: {أية : وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [فصلت:21]. وهذه الحركة الجِبليّة إليه تعالى وإلى الدار الآخرة، ولا تنافي الشقاوة والكفر، بل تعمّ السعيد والشقيّ، والمؤمن والكافر، كما بيّن، وكذا لا تنافى الذبول الطبيعي والموت الطبيعي، لأنّ توجّه النفس إلى جهة الآخرة بعد تمام الاستكمال البدني، يوجب انصراف تدبيرها عن البدن شيئاً فشيئاً، حتّى إذا تمّ التوجّه إليها والانصراف عنه بالكليّة عرض له الموت، فلهذا المعنى يكون الذبول طبيعيّا والموت طبيعيّا، لا كما اشتهر فيما بين الناس من أنّ سببهما نقصان القوّة من الأوّل وفناؤها في الثاني. فإذن قد بزغ الحقّ، وانكشف الأمر في أنّ الأرض بما فيها دائمة التحوّل والحركة من جوهر محسوس أدنى إلى جوهر محسوس أعلى، ثمّ تتحرّك بعد طيّ مراتب المحسوسات الجوهريّة إلى الجواهر الغير المحسوسة، فيتحرّك من الأخسّ منها وجوداً والأقل آثاراً إلى الأشرف منها وجوداً والأكثر آثاراً، وهكذا تتدرجّ في الاستكمال وتسير في الأطوار السلوكيّة والأحوال من صورة إلى صورة حتّى تنتهي نوبة الانتقال والإرتحال من الجواهر النفسانيّة إلى الجواهر العقلانيّة، فإذا وصلت إلى الحضرة الإلهيّة وعالم الأسماء بعد عالم الأرض والسماء، فيحشر إلى اسم من أسمائه - {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم:48]. تذكرة: هذه الحركة المعنويّة للأرض، التي تعود بجملة ما فيها ومعها إلى الدار الآخرة، وترجع بها إلى الله تعالى، قد وقعت الإشارة إليها في آيات كثيرة من الكتاب الإلهي، مثل قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [الحج:5] إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الحج:6 - 7]. وقوله: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} تفسير : [الزمر:71] إلى قوله: {أية : قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ * وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً} تفسير : [الزمر:72 - 73] إلى قوله: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر:73].

الجنابذي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} المعهود وهو زلزال القيامة الصّغرى او الكبرى او الزّلزال اللاّئق بحالها وهو الزّلزال المحيط بها وهو الزّلزال العامّ الّذى ليس الاّ فى القيامة، فانّ ارض البدن عند الاحتضار يتزلزل تزلزلاً عظيماً.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان العلوي الحسني [قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي] معنعناً: عن عمرو ذي مرة قال: بينا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إذا [ب: إذ] تحركت الأرض فجعل يضربها بيده ثم قال: مالك؟ فلم تجبه. ثم قال: مالك فلم تجبه ثم قال: أما والله لو كانت هيه لحدثتني وإني لأنا الذي تحدث الأرض أخبارها أو رجل مني.

الأعقم

تفسير : وقوله: {إذا زلزلت الأرض} حركت حركة شديدة واضطربت، وقيل: تزلزلت ووجفت، والزلزلة شدة الاضطراب، وكانوا يسألون عن القيامة فذكر الله أشراطها وأعلامها، وقيل: {زلزالها} انما يكون عند تفرطها {وأخرجت الأرض أثقالها} قيل: الموتى المدفونون فيها يخرجون أحياء للجزاء والثقل الحمل، وقيل: كنوزها ومعادنها فتلقيها على ظهرها لأهل الموقف، والفائدة فيه وجوه: منها أن العاصي والظالم يتحسر بالنظر اليها إذا عصى الله فيها ثم رآها لا يغني عنه شيئاً، ومنها أنه تكوى بها جباههم وظهورهم ومنها أن الله يعيرهم بها فيقول لهم: بهذا عصيتموني ولي ميراثها {وقال الانسان مالها} {يومئذ تحدث أخبارها} قيل: فيه تقديم وتأخير أي تحدث أخبارها فيقول الانسان: مالها؟ وقيل: يقول الانسان: ما لها حين تخبر بأحوالها، وقوله: {مالها} أي ما للأرض تزلزلت متعجباً، أي ما لها حدثت فيها ما لم يعرف، وقيل: ما لها تشهد قالها كناية عن الأرض {يومئذ تحدث أخبارها} أي أخبار الأرض وما كان عليها ومن عصى، وقيل: بما عملوا الناس عليها من خير وشر فتقول: المؤمن وحَّد وصام، وتقول: الكافر أشر وعصى، وتشهد كما شهد الملائكة والجوارح، ومتى قيل: وما الفائدة في ذلك؟ قلنا: وجوه: خزي الكافر وسرور المؤمن، ومنها إيلاء العذر ككلام الجوارح ليُعلم أنه أتى من قبل نفسِه وان الله ليس بظلام للعبيد، ومنها أنه لطف للمكلف اذا تصور تلك الحالة صرفه عن العصيان، ومتى قيل: تكلم الأرض؟ قلنا: فيه وجهان: اما أن يخلق فيها الكلام فكيون الله مجوبه واضافة الى الأرض مجاز وهو في باب القرآن واسع، والثاني أن يصورها حيواناً تكلم وتكون حجة على الخلق، ذكر الوجهين أبو علي، ورواه الحاكم، وعن ابن مسعود: انما تكلم يومئذٍ فتقول: الله أمرني بهذا، وهذا أقرب الى الظاهر.

الهواري

تفسير : تفسير سورة إذا زلزلت، وهي مدينة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي: تحركت من نوحيها كلها، وذلك يوم القيامة. قال تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي: ألقت ما فيها من الأموات. كقوله عز وجل: (أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ)تفسير : [الانشقاق:4] أي: تخلت منهم إلى الله. قال عز وجل: {وَقَالَ الإِنسَانُ} والإِنسان ها هنا المشرك. {مَا لَهَا} أي: ما لها تحركت. قال الله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي بما ألقت مما كان في بطنها من الأموات. قال عز وجل: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} أي: أمرها في تفسير مجاهد. أي أوحى لها أن تلقي ما في بطنها. وقال بعضهم: سألها. قال عز وجل: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً} أي: من بين يدي الله مختلفين، بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار. {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي: وزن ذرة {خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي وزن ذرة {شَرَّاً يَرَهُ} اي يراه في ميزانه فيسوءه ذلك.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} تحركت تحركها الموعود الثابت لها أو المناسب لعظمها وهو تحرك شديد وذلك عند قيام الساعة، وقيل تزلزلت من شدة صوت اسرافيل وينكسر كل من عليها لشدة تحركها ولا تسكن حتى تلقي ما عليها من بناء وجبل وشجر وذلك في الدنيا وهو من علامات الساعة وقيل ذلك زلزلة يوم القيامة وعبارة بعضهم وذلك عند النفخة الأولى أو الثانية وهي زلزلة البعث والمراد واحد، قيل نزلت السورة وأبو بكر رضي الله عنه قاعد فبكى بكاء شديدا حتى "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا أبا بكر قال أبكتني هذه السورة فقال عليه الصلاة والسلام لو أنكم لا تخطئون ولا تذنبون لذهب بكم، وأتى بقوم يخطئون ويذنبون فيغفر لهم" تفسير : وفي رواية "حديث : لو لم تذنبوا لخلق الله أمة بعدكم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله" تفسير : والزلزال مصدر زلزل كدحرج، وقرئ بفتح الزاي على أنه اسم الحركة لا مصدر بمعنى التحرك وليس في الأبنية فعلال بفتح الفاء إلا في المضاعف، وأجاز ابن هشام أن يعني بالمفتوح المصدر فيكون الفتح تخفيفا من الكسر لثقل التضعيف، وقال ابن مالك الفتح نادر قال السيوطي وأجازه الزمخشري وقياسا ورد بأن النادر لا يقاس عليه انتهى.

اطفيش

تفسير : {إذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ} حركت تحريكاً عنيفاً متتابعاً متجدداً وتكسر ما عليها. {زِلْزَالَهَا} أى زلزالها المعهود لها عندنا بالقضاءِ أو زلزالها العجيب المخصوص بها الذى كل زلزال بالنسبة إليه كلا زلزال وهو تحركها بعنف مراراً من أسفل إلى أعلاها.

الالوسي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ } أي حركت تحريكاً عنيفاً متداركاً متكرراً {زِلْزَالَهَا } أي الزلزال المخصوص بها الذي تقتضيه بحسب المشيئة الإلٰهية المبنية على الحكم البالغة وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده زلزال فكأن ما سواه ليس زلزالاً بالنسبة إليه أو زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره فالإضافة على الوجهين للعهد ويجوز أن يراد الاستغراق لأن زلزالاً مصدر مضاف فيعم أي زلزالها كله وهو استغراق عرفي قصد به المبالغة وهو مراد من قال أي زلزالها الداخل في حيز الإمكان أو عنى بذلك العهد أيضاً. وقرأ الجحدري وعيسى (زَلزالها) بفتح الزاي وهو عند ابن عطية مصدر كالزلزال بالكسر وقال الزمخشري المكسور مصدر والمفتوح / اسم للحركة المعروفة وانتصب هٰهنا على المصدر تجوزاً لسده مسد المصدر وقال أيضاً ليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف وذكروا أنه يجوز في ذلك الفتح والكسر إلا أن الأغلب فيه إذا فتح أن يكون بمعنى اسم الفاعل كصلصال بمعنى مصلصل وقضقاض بمعنى مقضقض ووسواس بمعنى موسوس وليس مصدراً عند ابن مالك، وأما في غير المضاعف فلم يسمع إلا نادراً سواء كان صفة أو اسماً جامداً وبهرام وبسطام معربان إن قيل بصحة الفتح فيهما، ومن النادر خزعال بمعجمتين وهو الناقة التي بها ظلع، ولم يثبت بعضهم غيره وزاد ثعلب قهقاراً وهو الحجر الصّلب وقيل هو جمع وقيل هو لغة ضعيفة والفصيحة قهقرُّ بتشديد الراء وزاد آخر قسطالاً وهو الغبار. وهذا الزلزال على ما ذهب إليه جمع عند النفخة الثانية لقوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة مدنية في المصحف وفي بعض الروايات؛ ومكية في بعض الروايات الأخرى. ونحن نرجح الروايات التي تقول بأنها مكية. وأسلوبها التعبيري وموضوعها يؤيدان هذا. إنها هزة عنيفة للقلوب الغافلة. هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي. وصيحة قوية مزلزلة للأرض ومن عليها؛ فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بضع فقرات قصار! وهذا هو طابع الجزء كله، يتمثل في هذه السورة تمثلاً قوياً.. {إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها؟ يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها}. إنه يوم القيامة حيث ترتجف الأرض الثابتة ارتجافاً، وتزلزل زلزالا، وتنفض ما في جوفها نفضاً، وتخرج ما يثقلها من أجساد ومعادن وغيرها مما حملته طويلاً. وكأنها تتخفف من هذه الأثقال، التي حملتها طويلاً! وهو مشهد يهز تحت أقدام المستمعين لهذه السورة كل شيء ثابت؛ ويخيل إليهم أنهم يترنحون ويتأرجحون، والأرض من تحتهم تهتز وتمور! مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض، وتحسبه ثابتاً باقياً؛ وهو الإيحاء الأول لمثل هذه المشاهد التي يصورها القرآن، ويودع فيها حركة تكاد تنتقل إلى أعصاب السامع بمجرد سماع العبارة القرآنية الفريدة! ويزيد هذا الأثر وضوحاً بتصوير "الإنسان" حيال المشهد المعروض، ورسم انفعالاته وهو يشهده: {وقال الإنسان: ما لها؟}.. وهو سؤال المشدوه المبهوت المفجوء، الذي يرى ما لم يعهد، ويواجه ما لا يدرك، ويشهد ما لا يملك الصبر أمامه والسكوت. مالها؟ ما الذي يزلزلها هكذا ويرجها رجا؟ مالها؟ وكأنه يتمايل على ظهرها ويترنح معها؛ ويحاول أن يمسك بأي شيء يسنده ويثبته، وكل ما حوله يمور موراً شديداً! "والإنسان" قد شهد الزلازل والبراكين من قبل. وكان يصاب منها بالهلع والذعر، والهلاك والدمار، ولكنه حين يرى زلزال يوم القيامة لا يجد أن هناك شبهاً بينه وبين ما كان يقع من الزلازل والبراكين في الحياة الدنيا. فهذا أمر جديد لا عهد للإنسان به. أمر لا يعرف له سراً، ولا يذكر له نظيراً. أمر هائل يقع للمرة الأولى! {يومئذ}.. يوم يقع هذا الزلزال، ويُشدَه أمامه الإنسان {تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها}.. يومئذ تحدث هذه الأرض أخبارها، وتصف حالها وما جرى لها.. لقد كان ما كان لها {بأن ربك أوحى لها}.. وأمرها أن تمور موراً، وأن تزلزل زلزالها، وأن تخرج أثقالها! فأطاعت أمر ربها {أية : وأذنت لربها وحقت}.. تفسير : تحدث أخبارها. فهذا الحال حديث واضح عما وراءه من أمر الله ووحيه إليها.. وهنا و {الإنسان} مشدوه مأخوذ، والإيقاع يلهث فزعاً ورعباً، ودهشة وعجبا، واضطراباً وموراً.. هنا و {الإنسان} لا يكاد يلتقط أنفاسه وهو يتساءل: مالها مالها؟ هنا يواجه بمشهد الحشر والحساب والوزن والجزاء: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}. وفي لمحة نرى مشهد القيام من القبور: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً}.. نرى مشهدهم شتيتاً منبعثاً من أرجاء الأرض {كأنهم جراد منتشر}.. وهو مشهد لا عهد للأنسان به كذلك من قبل. مشهد الخلائق في أجيالها جميعاً تنبعث من هنا ومن هناك: {أية : يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً}.. تفسير : وحيثما امتد البصر رأى شبحاً ينبعث ثم ينطلق مسرعاً! لا يلوي على شيء، ولا ينظر وراءه ولا حواليه: {أية : مهطعين إلى الداع} تفسير : ممدودة رقابهم، شاخصة أبصارهم. {أية : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه }. تفسير : إنه مشهد لا تعبر عن صفته لغة البشر. هائل مروّع. مفزع. مرعب. مذهل.. كل أولئك وسائر ما في المعجم من أمثالها لا تبلغ من وصف هذا المشهد شيئاً مما يبلغه إرسال الخيال قليلاً يتملاه بقدر ما يملك وفي حدود ما يطيق! {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً}.. {ليروا أعمالهم}.. وهذه أشد وأدهى.. إنهم ذاهبون إلى حيث تعرض عليهم أعمالهم، ليواجهوها، ويواجهوا جزاءها. ومواجهة الإنسان لعمله قد تكون أحياناً أقسى من كل جزاء. وإن من عمله ما يهرب من مواجهته بينه وبين نفسه، ويشيح بوجهه عنه لبشاعته حين يتمثل له في نوبة من نوبات الندم ولذع الضمير. فكيف به وهو يواجه بعمله على رؤوس الأشهاد، في حضرة الجليل العظيم الجبار المتكبر؟! إنها عقوبة هائلة رهيبة.. مجرد أن يُروا أعمالهم، وأن يواجهوا بما كان منهم! ووراء رؤيتها الحساب الدقيق الذي لا يدع ذرة من خير أو من شر لا يزنها ولا يجازي عليها. {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}.. ذرة.. كان المفسرون القدامى يقولون: إنها البعوضة. وكانوا يقولون: إنها الهباءة التي ترى في ضوء الشمس.. فقد كان ذلك أصغر ما يتصورون من لفظ الذرة... فنحن الآن نعلم أن الذرة شيء محدد يحمل هذا الاسم، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة التي ترى في ضوء الشمس، فالهباءة ترى بالعين المجردة. أما الذرة فلا ترى أبداً حتى بأعظم المجاهر في المعامل. إنما هي "رؤيا" في ضمير العلماء! لم يسبق لواحد منهم أن رآها بعينه ولا بمجهره. وكل ما رآه هو آثارها! فهذه أو ما يشبهها من ثقل، من خير أو شر، تحضر ويراها صاحبها ويجد جزاءها!.. عندئذ لا يحقر "الإنسان" شيئاً من عمله. خيراً كان أو شراً. ولا يقول: هذه صغيرة لا حساب لها ولا وزن. إنما يرتعش وجدانه أمام كل عمل من أعماله ارتعاشه ذلك الميزان الدقيق الذي ترجح به الذرة أو تشيل! إن هذا الميزان لم يوجد له نظير أو شبيه بعد في الأرض.. إلا في القلب المؤمن.. القلب الذي يرتعش لمثقال ذرة من خير أو شر.. وفي الأرض قلوب لا تتحرك للجبل من الذنوب والمعاصي والجرائر.. ولا تتأثر وهي تسحق رواسي من الخير دونها رواسي الجبال.. إنها قلوب عتلة في الأرض، مسحوقة تحت أثقالها تلك في يوم الحساب!!

ابن عاشور

تفسير : افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى متعلَّق الظَّرْف إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتاً ليُرَوا أعمالهم بل الإِخبارَ عن وقوع ذلك وهو البعث، ثم الجزاء، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطِهِ فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت. ومعنى {زُلزلت}: حُركت تحريكاً شديداً حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها لأن فعل زلزل مأخوذ من الزّلل وهو زَلَق الرِّجلين، فلما عَنَوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل كما قالوا: كَبْكَبه، أي كَبَّه ولَمْلَم بالمكان من اللّمّ. والزلزال: بكسر الزاي الأولى مصدر زَلزل، وأما الزَّلزال بفتح الزاي فهو اسم مصدر كالوسَواس والقَلْقَال، وتقدم الكلام على الزلزال في سورة الحج. وإنما بُني فعل {زلزلت} بصيغة النائب عن الفاعل لأنه معلوم فاعله وهو الله تعالى. وانتصب {زلزالها} على المفعول المطلق المؤكِّد لفعله إشارة إلى هول ذلك الزلزال فالمعنى: إذا زلزلت الأرض زلزالاً. وأضيف {زلزالها} إلى ضمير الأرض لإفادة تمكّنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها كقول النابغة: شعر : أسائِلَتي سَفَاهَتَها وجَهْلاً على الهجران أختُ بني شهاب تفسير : أي سفاهة لها، أي هي معروفة بها، وقول أبي خالد القَناني: شعر : والله أسماكَ سُمًى مباركاً آثرَك الله به إيثَاركا تفسير : يريد إيثاراً عُرفْتَ به واختصـصتَ به. وفي كتب السيرة أن من كلام خَطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رُجِم «بَلْبَلَه بَلْبَالُه» أي بلبال متمكن منه. وإعادة لفظ الأرض في قوله: {وأخرجت الأرض أثقالها} إظهار في مقام الإِضمار لقصد التهويل. والأثقال: جمع ثِقْل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل، ويطلق على المتاع النفيس. وإخراج الأرض أثقالها ناشىء عن انشقاق سطحها فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر. وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس. والتعريف في {الإنسان} تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي وقال الناس ما لها، أي الناس الذين هم أحياء ففزعوا وقال بعضهم لبعض، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجَبان والشجاع، والطائش والحكيم، لأنه زلزال تجاوز الحدّ الذي يصبر على مثله الصَّبور. وقول: {ما لها} استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها لأن اللام تفيد الاختصاص، أي ما للأرض في هذا الزلزال، أو ما لها زُلزلت هذا الزلزال، أي ماذا ستكون عاقبته. نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله حيث لم يتبين غرضه منه، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالباً مردفاً بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال: ما لَه يفعل كَذا، أو ما له في فعل كذا، أو ما له وفلاناً، أي معه، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدَّر، أي ما لها زلزلت، أو ما لها في هذا الزلزال، أو ما لها وإخراج أثقالها. وجملة: {يومئذ تحدث أخبارها} الخ جواب {إذا} باعتبار ما أبدل منها من قوله: {يومئذ يصدر الناس} فيومئذ بدل من {يومئذ تحدث أخبارها}. واليوم يطلق على النهار مع ليلهِ فيكون الزلزال نهاراً وتتبَعه حوادث في الليل مع انكدار النجوم وانتثارها وقد يراد باليوم مطلق الزمان. و{تحدث أخبارها} هو العامل في {يومئذ} وفي البدل، والتقدير يوم إذْ تزلْزلُ الأرض وتُخرج أثقالها ويقول الناس: ما لَهَا تحدّث أخبارها الخ. و{أخبارها} مفعول ثانٍ لفعل {تُحدِّث} لأنه مما ألحق بظن لإِفادة الخَبَر عِلماً، وحذف مفعوله الأول لظهوره، أي تحدث الإِنسان لأن الغرض من الكلام هو إخبارها لما فيه من التهويل. وضمير {تحدث} عائد إلى {الأرض}. والتحديث حقيقته: أن يصدر كلام بخبر عن حَدث. وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال: « حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يومئذ تحدث أخبارها} قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عَمل كذا وكذا فهذه أخبارها » تفسير : اهــــ. وجُمع {أخبارها} باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين {ما لها} وإنما هو خبر واحد وهو المبيَّن بقوله: {بأن ربك أوحى لها}. وانتصب {أخبارَها} على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل {تحدث}. وقوله: {بأن ربك أوحى لها} يجوز أن يتعلق بفعل {تحدِّث} والباء للسببيَّة، أي تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها. ويجوز أن يكون بدلاً من {أخبارها} وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية فعل {تحدِّث} إليه، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث السابق. وأطلق الوحي على أمر التكوين، أي أوجَدَ فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه أسرَّ إليها بكلام كقوله تعالى: { أية : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً } تفسير : [النحل: 68] الآيات. وعُدي فعل {أوحى} باللام لتضمين {أوحى} معنى قال كقوله تعالى: { أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً } تفسير : [فصلت: 11]، وإلا فإن حق {أوحى} أن يتعدى بحرف (إلى). والقول المضمَّن هو قول التكوين قال تعالى: { أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } تفسير : [النحل: 40]. وإنما عُدل عن فعل: قال لها إلى فعل {أوحى لها} لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي. وقوله: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} بدل من جملة: {يومئذ تحدث أخبارها} والجواب هو فعل {يصدر الناس} وقوله: {يومئذ} يتعلق به، وقُدم على متعلقه للاهتمام. وهذا الجواب هو المقصود من الكلام لأن الكلام مسوق لإِثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذاراً بهذا الحشر. وحقيقة {يصدر الناس} الخروج من محل اجتماعهم، يقال: صدر عن المكان، إذا تركه وخرج منه صُدوراً وصَدَراً بالتحريك. ومنه الصَدَر عن الماء بعد الورد، فأطلق هنا فعل {يصدر} على خروج الناس إلى الحشر جماعات، أو انصرافهم من المحشر إلى مآويهم من الجنة أو النار، تشبيهاً بانصراف الناس عن الماء بعد الورد. وأشتات: جمع شَتّ بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق، والمراد: يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عُيّن لهم من منازلهم. وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله: {ليُروا أعمالهم}، أي يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا فيقال لكل جماعة: انظروا أعمالكم، أو انظروا مآلكم. وبُني فعل {لِيُروا} إلى النائب لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيينُ مَن يريهم إياها. وقد أجمع القراء على ضم التحتية. فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال فإن الأعمال لا تُرى ولكن يظهر لأهلها جزاؤها.

الشنقيطي

تفسير : الزلزلة: الحركة الشديدة بسرعة، ويدل لذلك فقه اللغة من وجهين: الأول: تكرار الحروف، أو ما يقال تكرار المقطع الواحد، مثل صلصل وقلقل وزقزق، فهذا التكرار يدل على الحركة. والثاني: وزن فعَّل بالتضعيف كغلّق وكسّر وفتح، فقد اجتمع في هذه الكلمة تكرار المقطع وتضعيف الوزن. ولذا، فإن الزلزال أشد ما شهد العالم من حركة، وقد شوهدت حركات زلزال في أقل من ربع الثانية، فدمر مدناً وحطم قصوراً. ولذا فقد جاء وصف هذا الزلزال بكونه شيئاً عظيماً في قوله تعالى: {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ تفسير : [الحج: 1]، ويدل على هذه الشدة تكرار الكلمة في زلزلت وفي زلزلها، كما تشعر به هذه الإضافة. وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، إيراد النصوص المبينة لذلك في أول سورة الحج كقوله تعالى: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14]، وقوله: {أية : إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} [الواقعة: 4-5]، وقوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} تفسير : [النازعات: 6-7]، وساق قوله: {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2]. واختلف في الأثقال ما هي على ثلاثة أقوال: فقيل: موتاها. وقيل: كنوزها، وقيل: التحدث بما عمل عليها الإنسان. ولعل الأول أرجح هذه الثلاثة، لأن إخراج كنوزها سيكون قبل النفخة، والتحدث بالأعمال منصوص عليه بذاته، فليْس هو الأثقال. ورجحوا القول الأول لقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً} تفسير : [المرسلات: 25- 26]. وقالوا: الإنس والجن ثقلان على ظهرها، فهما ثقل عليها، وفي بطنها فهم ثقل فيها، ولذا سميا بالثقلين. قال الفخر الرازي وابن جرير. وروي عن ابن عباس: أنه موتاها. وشبيه بذلك قوله: {أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 3-4]، ولا يبعد أن يكون الجميع إذا راعينا صيغة الجمع أثقالها، ولم يقل ثقلها وإرادة الجمع مروية أيضاً عن ابن عباس. ذكره الألوسي، وابن جرير عنه وعن مجاهد. وحكى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه القولين في إملائه: أي موتاها، وقيل: كنوزها وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا}، لفظ الإنسان هنا عام وظاهره أن كل إنسان يقول ذلك، ولكن جاء ما يدل على أن الذي يقول ذلك هو الكافر. أما المؤمن فيقول: {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 52] في قوله: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 51-52]. فالكافر يدعو بالويل والمؤمن يطمئن للوعد، ومما يدل على أن الجواب من المؤمنين، لا من الملائكة، كما يقول بعض الناس، ما جاء في آخر السياق قوله: {أية : فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ} تفسير : [يس: 53] - أي كلا الفريقين - {أية : لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس: 53]. وقوله: {مَا لَهَا} سؤال استيضاح، وذهول من هول ما يشاهد. وقوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}، التحديث هنا صريح في الحديث وهو على حقيقته، لأن في ذلك اليوم تتغير أوضاع كل شيء وتظهر حقائق كل شيء، وكما أنطق الله الجلود ينطق الأرض، فتحدث بأخبارها، {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [فصلت: 21]، وتقدم تفصيل ذلك عند أول سورة الحشر، لأن الله أودع في الجمادات القدرة على الإدراك والنطق، والمراد بإخبارها أنها تخبر عن أعمال كل إنسان عليها في حال حياته. ومما يشهد لهذا المعنى حديث المؤذن "حديث : لا يسمع صوته حجر ولا مدر إلا وشهد له يوم القيامة"تفسير : ، وذكر ابن جرير وجهاً آخر، وهو أن إخبارها هو ما أخرجته من أثقالها بوحي الله لها والأول أظهر لأنه يثبت معنى جديداً. ويشهد له الحديث الصحيح.

الواحدي

تفسير : {إذا زلزلت الأرض زلزالها} أي: حُرِّكت حركةً شديدةً لقيام السَّاعة. {وأخرجت الأرض أثقالها} كنوزها وموتاها، فألقتها على ظهرها. {وقال الإِنسان} يعني: الكافر الذي لا يؤمن بالبعث {ما لها} إنكاراً لتلك الحالة. {يومئذ تحدّث أخبارها} أَيْ: تُخبر بما عُمل عليها من خيرٍ وشرٍّ. {بأنَّ ربك أوحى لها} أي: أمرها بالكلام وأذن لها فيه. {يومئذ يصدر الناس} ينصرف النَّاس {أشتاتاً} متفرِّقين عن موقف الحساب، فآخذٌ ذات اليمين، وآخذٌ ذات الشِّمال {ليروا أعمالهم} أَيْ: ثوابها. {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} يرى المؤمن ثوابه في الآخرة، والكافر في الدُّنيا يراه في نفسه وأهله وماله. {ومَنْ يعمل مثقال ذرة شراً يره} جزاء المؤمن في الدُّنيا بالأحزان والمصائب، والكافر في الآخرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- إذا حُرِّكت الأرض حركة شديدة، واضطربت أقوى ما يكون من التحريك والاضطراب الذى تطيقه وتحتمله. 2- وأخرجت الأرض ما فى بطنها من الكنوز والموتى. 3- وقال الإنسان فى دهشة وخوف: ما للأرض تتزلزل، وتخرج ما فى بطنها. جاءت الساعة؟! 4، 5- يومئذٍ تُحَدِّث الأرض الإنسان أخبارها التى أفزعته بأن ربه وخالقه أوحى لها: أن تتزلزل وتضطرب، فسارعت إلى امتثال أمره. 6- يومئذٍ يخرج الناس من قبورهم سراعاً متفرقين، ليتبيَّنوا حسابهم وجزاءهم الذى وعدهم الله به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا زلزلت الأرض: أي حركت لقيام الساعة. وأخرجت الأرض أثقالها: أي كنوزها وموتاها فألقتها وتخلت. ما لها: أي وقال الكافر ما لها أي أي شيء جعلها تتحرك هذه الحركة. تحدث أخبارها: أي تخبر بما وقع عليها من خير وشر وتشهد به لأهله. أوحى لها: أي بأن تحدث أخبارها فحدثت. يصدر الناس أشتاتا: أي من موقف الحساب. ليروا أعمالهم: أي جزاء أعمالهم إما إلى الجنة وإما إلى النار. مثقال ذرة: زنة نملة صغيرة. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي تحركت حركتها الشديدة لقيام الساعة وأخرجت الأرض أثقالها من كنوز وذلك في النفخة الأولى، وأموات وذلك في النفخة الثانية ففي الإِخبار اجمال إذ المقصود تقرير البعث والجزاء ليعمل الناس بما ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة. وقوله {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا}؟ لا شك أن هذا الإِنسان السائل كان كافرا بالساعة ولذا تساءل أما المؤمن فهو يعلم ذلك لأنه جزء من عقيدته. وقوله تعالى {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي تخبر بما جرى عليها من خير وشر بلسان القال أو الحال. وهي في هذا الإِخبار مأمورة لقوله تعالى {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} أي بذلك وقوله {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} أي يوم تزلزل الأرض وتهتز للنفخة الثانية نفخة يصدر الناس فيها أشتاتاً أي يصدرون من ساحة فصل القضاء فمن آخذ ذات اليمين ومن آخذ ذات الشمال ليروا أعمالهم أي جزاء أعمالهم في الدنيا من حسنة وسيئة فالحسنة تورث الجنة والسيئة تورث النار. وقوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} أي وزن ذرة من خير في الدنيا يثب عليه في الآخرة ومن يعمل مثقال ذرة أي وزن ذرة من شر في الدنيا يجز به في الآخرة إلا أن يعفو الجبار عز وجل وبما أن الكفر مانع من دخول الجنة فإِن الكافر إذا عمل حسنة في الدنيا يرى جزاءها في الدنيا، وليس له في الآخرة شيء منها وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها إذ سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان هل ينفعه في الآخرة ما كان يفعله في الدنيا من إطعام الحجيج وكسوتهم فقال لها. لا إنه لم يقل يوما من الدهر ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين. كما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يأكل مع الرسول صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الآية فرفع أبو بكر يده من الطعام وقال إني لراء ما عملت من خير وشر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ما ترى مما تكره فهو من مثاقيل ذرّ شرَّ كثير، ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة وتصديق ذلك في كتاب الله {أية : وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- الإِعلام بالانقلاب الكوني الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات. 3- تكلم الجمادات من آيات الله تعالى الدالة على قدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات ألوهيته بعبادته وحده دون سواه. 3- تقرير حديث الصحيح حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة . تفسير : 5- الكافر عمله الخيري ينفعه في الدنيا دون الآخرة. 6- المؤمن يجزي بالسيئة في الدنيا ويدخر له صالح عمله للآخرة.

القطان

تفسير : الزلزلة: الحركة الشديدة. أثقالَها: ما في جوف الأرض من الموتى، جمعُ ثِقل، وهو الشيء الثقيل.. كأن الأرضَ امرأةٌ حاملٌ أثقلت بما في بطنها فأخرجتْ ما فيه. كما جاء في سورة الاعراف {أية : حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} تفسير : [الأعراف: 189]. أوحى لها: ألهمها. يصدُر الناس: يخرجون من قبورهم. أشتاتا: متفرقين كل واحد مشغول بنفسه. الذَرَّة: شيء صغير جدا لا يُرى بالعين المجردة، ولا بأحدثِ الآلات. إذا اهتزّت الأرضُ واضطربت اضطراباً عظيما حتى لم يبقَ فوقَها أثرٌ بارز، كما أخرجَتْ ما في جَوفها من أثقالٍ من الموتى والكنوز والدفائن، وخرج الناسُ مشدوهين حَيارى لا يَدْرون أين يتوجهون.. {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ} لا يَسأل أحدٌ إلا عن نفسِه. عند ذلك يتساءل الإنسان بخوفٍ وهلَع: ماذا حصَل للأرض، ما لها؟ {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} في ذلك اليوم العصيب تحكي الأرض ما جَرَى لها بأمرِ الله، فهو الذي أرادها أن تهتزّ وتضطرِب وتدمِّر كل شيء، وهي منقادةٌ لأمره. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} في ذلك اليوم الرهيب يخرج الناسُ من قبورهم سِراعاً متفرّقين لتُعْرَضَ عليهم أعمالُهم في صُحُفٍ دقيقة، وليحاسَبوا حساباً شديدا. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. وتنشَر الصحف التي لا تغادرُ صغيرةً ولا كبيرة.. {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47]. وهنا يُجزى أو يجازى من يعمل مثقالَ ذرة واحدة، خيراً أو شراً. والذرة شيء صغيرٌ جدا لا يُرى بالعين المجردة ولا بأحدث الآلات. نسأل الله السلامة.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - كَانَ الكُفَّارُ كَثِيراً مَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَاعَةِ وَالحِسَابِ، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالى فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلاَمَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ. إِذَا زُلْزِلَت الأَرْضُ وَاضْطَرَبَتْ، وَتَحَرَّكَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا حَرَكَةً شَدِيدَةً.

الثعلبي

تفسير : {إِذَا زُلْزِلَتِ} حُرّكت الأرض حركة شديدة لقيام الساعة {زِلْزَالَهَا} تحركها وقراءة العامّة بكسر الزاي. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا [الباقرجي] قال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن ياسين البغدادي قال: حدّثنا جميل بن الحسن قال: حدّثنا أحمد بن موسى صاحب اللؤلؤ قال: سمعت عاصم الجحدري يقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} الزاي مفتوحة وهو مصدر أيضاً كالوسواس والقلقال والجرجار، وقيل: الكسر المصدر والفتح الاسم. {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} موتاها وكنوزها فيقلبها على ظهرها {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا} وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} فيقول الإنسان: ما لها. قال المفسّرون: تُخْبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شرّ فتقول للمؤمن يوم القيامة: جدّ عليَّ وصام وصلّى واجتهد وأطاع ربّه، فيفرح المؤمن بذلك، وتقول للكافر: شرك عليَّ وزنى [وسرق] وشرب الخمر فيوبّخ بالمشهد، وتشهد عليه الجوارح والملائكة مع علم اللّه سبحانه به حتى يودُّ أنه سيق إلى النار مما يرى من الفضوح. حدّثنا أبو بكر محمد بن عبدوس المزكى إملاءً قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل المروزي قال: حدّثنا عبد اللّه بن حمّاد الآملي قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدّثنا رشد بن سعد قال: حدّثنا يحيى بن أبي سلمى عن أبي حازم عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عُمِلَ على ظهرها" قال: وتلا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} " حتى بلغ " {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} " قال: "أتدرون ما أخبارها؟ إذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عُمِلَ على ظهرها ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن الحسن بن مطرف الجراحي قال: حدّثنا أبو عيسى عبد الرحمن بن عبد اللّه الأنباري قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا خالد بن يزيد العمري قال: حدّثنا شعبة عن يحيى بن سليم أبي بلج عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة أن النبي (عليه السلام) ذكر هذه الآية: "حديث : {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} " فقال: "تدري ما أخبارها؟" قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأَمة بما عمل على ظهرها من شيء، تقول: عمل على ظهري كذا وكذا، أو حملتُ على ظهري كذا وكذا يوم كذا لكذا وكذا، فهذه أخبارها ". تفسير : وفي حرف ابن مسعود يومئذ تنبيُ أخبارها. أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا المطرفي قال: حدّثنا بشر بن مطر قال: حدّثنا سفيان عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه وكان أبوه يتيماً في حجر أبي سعيد الخدري قال: قال لي يعني أبا سعيد: يا بُنيَّ إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان فإني سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يسمعه جنّ ولا إنس ولا حجر إلاّ يشهد له ". تفسير : أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال: حدّثنا محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا ابن الحسين قال: حدّثنا علي بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال: رأيت أبا أُميّة صلّى في المسجد الحرام المكتوبة، ثم تقدم فجعل يصلي هاهنا وهاهنا، فلمّا فرغ قلت: يا أبا أُميّة ما هذا الذي رأيتك تصنع؟ قال قرأت هذه الآية: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} فاردت أن تشهد لي يوم القيامة. {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} أي أمرها بالكلام واذن لها فيه، قال [العجاج يصف الأرض]: شعر : أوحى لها القرار فاستقرّت وشدّها بالراسيات الثُبَّت تفسير : أي أمرها بالقرار. وقال ابن عباس والقرظي وابن زيد: أوحى إليها. ومجاز الآية: يوحي اللّه إليها. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} عن موقفِ الحساب، أشتاتاً: متفرقين فآخذٌ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير تقديرها {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} وقراءة العامّة ليُروا بضم الياء، وقرأ الحسن والأعرج بفتح الياء وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الصابوني

تفسير : اللغَة: {زُلْزِلَتِ} حركت تحريكاً عنيفاً {أَثْقَالَهَا} الموتى الذين في جوفها، جمع ثقل وهو الشيء الثقيل ومنه {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ}تفسير : [النحل: 7] قال الأخفش: إِذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإِن كان فوقها فهو ثقل عليها {يَصْدُرُ} ينصرف ويخرج، والصدور ضد الورود، فالوارد الآتي، والصادر المنصرف {أَشْتَاتاً} متفرقين جمع شت يقال: ذهبوا أشتاتاً أي متفرقين. التفسِير: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} أي إِذا حركت الأرض تحريكاً عنيفاً، واضطربت اضطراباً شديداً، واهتزت بمن عليها اهتزازاً يقطع القلوب ويُفزع الألباب كقوله تعالى {أية : ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الحج: 1] قال المفسرون: إِنما أضاف الزلزلة إِليها {زِلْزَالَهَا} تهويلاً كأنه يقول: الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها، وذلك عند قيام الساعة تتزلزل وتتحرك تحريكاً متتابعاً، وتضطرب بمن عليها، ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل وشجر وبناءٍ وقلاع {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} أي وأخرجت الأرض ما في بطنها من الكنوز والموتى قال ابن عباس: أخرجت موتاها وقال منذر ابن سعيد: أخرجت كنوزها وموتاها وفي الحديث "تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلتُ، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعتُ رحمي، ويجيء السارقُ فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً" {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا}؟ أي وقال الإِنسان: ما للأرض تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! يقول ذلك دهشة وتعجباً من تلك الحالة الفظيعة {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} أي في ذلك اليوم العصيب - يوم القيامة - تتحدث الأرض وتخبر بما عُمل عليها من خير أو شر، وتشهد على كل إِنسان بما صنع على ظهرها، عن أبي هريرة قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} فقال: "أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلم، قال: فإِن أخبارها أن تشهد على كل عبدٍ أو أمةٍ بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا، كذا وكذا، فهذه أخبارها"تفسير : وفي الحديث "حديث : تحفَّظوا من الأرض فإِنها أمكم، وإِنه ليس من أحدٍ عاملٍ عليها خيراً أو شراً إِلا وهي مخبرة به"تفسير : {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} أي ذلك الإِخبار بسبب أن الله جلت عظمته أمرها بذلك، وأذن لها أن تنطق بكل ما حدث وجرى عليها، فهي تشكو العاصي وتشهد عليه، وتشكر المطيع وتثني عليه، والله على كل شيء قدير {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} أي في ذلك اليوم يرجع الخلائق من موقف الحساب، وينصرفون متفرقين فرقاً فرقاً، فآخذٌ ذات اليمين إِلى الجنة، وآخذٌ ذات الشمال إِلى النار {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} أي لينالوا جزاء أعمالهم من خير أو شر {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} أي فمن يفعل من الخير زنة ذرةٍ من التراب، يجده في صحيفته يوم القيامة ويلق جزاءه عليه قال الكلبي: الذرةُ أصغرُ النمل وقال ابن عباس: إِذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها، فكلُّ واحد مما لصق به من التراب ذرة {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} أي ومن يفعل من الشر زنة ذرةٍ من التراب، يجده كذلك ويلق جزاءه عليه قال القرطبي: وهذا مثل ضربه الله تعالى في أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}تفسير : [النساء: 40]. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِضافة للتهويل والتفظيع {زِلْزَالَهَا}. 2- الإِظهار في مقام الإِضمار {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ} لزيادة التقرير والتوكيد. 3- الاستفهام للتعجب والاستغراب {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا}؟ 4- جناس الاشتقاق {زُلْزِلَتِ.. زِلْزَالَهَا}. 5- المقابلة بين {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً..} وبين {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً..}. 6- السجع المرصَّع كأنه الذهب السبيك أو الدر والياقوت مثل {زِلْزَالَهَا}، {أَثْقَالَهَا}، {أَوْحَىٰ لَهَا}، {أَخْبَارَهَا}، {مَا لَهَا} وهو من المحسنات البديعية. فَائِدَة: سمَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ..} الجامعة الفاذَّة حين سئل عن زكاة الحُمر فقال: حديث : ما أنزل الله فيها شيئاً إِلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : أخرجه البخاري.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها كون الكفار يكونون في النار وجزاء المؤمنين فكأن قائلاً قال متى ذلك فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} قيل والعامل فيها مضمر تدل عليه الجمل الآتية تقديره تحشرون وأضيف الزلزال إلى الأرض إذ المعنى زلزالها الذي تستحقه يقتضيه جرمها وعظمها. {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} جعل ما في بطنها أثقالا. {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا} على معنى التعجب لما يرى من الأهوال والظاهر عموم الإِنسان. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذا زلزلت وأخرجت. {تُحَدِّثُ} والظاهر أنه حديث حقيقة وقيل مجاز عن احداث الله فيها من الأهوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، وفي سنن ابن ماجة حديث في آخره تقول الأرض يوم القيامة يا رب هذا ما استودعتني وعن ابن مسعود تحدث بقيام الساعة إذا قال الإِنسان مالها فتخبر بأن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى فيكون ذلك جواباً لهم عن سؤالهم. {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} أي بسبب إيحاء الله تعالى لها فالباء متعلقة بتحدث. {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ} انتصب يومئذٍ بيصدر والصدر يكون عن ورد فقال الجمهور هو كونهم في الأرض مدفونين. والصدر قيامهم للبعث وأشتاتاً جمع شت أي فرقاً مؤمن وكافر ومؤمن عاص سائرون إلى العرض. {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} والظاهر تخصيص العامل أي فمن يعمل مثقال ذرة خيراً من السعداء لأن الكافر لا يرى خيراً في الآخرة وتعميم من يعمل مثقال ذرة شراً من الفريقين لأنه تقسيم جاء بعد قوله: {يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ} وقرىء ليروا بضم الياء وفتحها ونبه بقوله: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} على أن ما فوق الذرة يراه قليلاً كان أو كثيراً وهذا يسمى مفهوم الخطاب وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد بل يكون المسكوت عنه بالأولى في ذلك الحكم والظاهر انتصاب خيراً وشراً على التمييز لأن مثقال ذرة مقدار وقيل بدل من مثقال وقرىء يره بالفتح في الياء فيهما أي يرى جزاءه من ثواب وعقاب.

الجيلاني

تفسير : اذكر يا أكمل الرسل لمن كذب بالنشأة الأخرى، وأنكر يوم العرض والجزاء كيف يفعل {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ} أي: هاجت واضطربت بعدما وصل إليها الأمر الإلهي المتضمن للتحريك والتهييج {زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] الذي قدر الله لها عند النفخة الأولى. {وَ} بعدما هاجت وتحركت {أَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] أي: دفائنها ومكنوناتها، وما في جوفها من الأموات. {وَ} بعدما رأى الناس زلزالها وإخراجها {قَالَ ٱلإِنسَانُ} من كمال حيرته وتعجبه: {مَا لَهَا} [الزلزلة: 3] أي: ما عرض على الأرض ولحق بها حتى اضطرتها إلى الحركة والاضطراب مع أنها ساكنة في حد ذاتها جامدة. وبالجملة: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ} الأرض بإلهام الله إياها {أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4] أي: الأعمال التي عمل عليها بنو آدم. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: "حديث : أتدرون ما أخبارها"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل عليّ كذا وكذا يوم كذا، فهذه أخبارها ". تفسير : وذلك {بِأَنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {أَوْحَىٰ لَهَا} [الزلزلة: 5] أي: أمرها سبحانه وأذن لها بالكلام وألهمها، فحينئذٍ تكلمت وتحدثت.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا فزعاً من زلزلة القيامة وأحوالها {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] فما ينفعك الفزع في الساعة من أهوالها، واعلم أن الله ذكر القيامة، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والساعة، والواقعة؛ ليعلمه أن القيامات كثيرة، ولكل قيامة اسم خاص لها، والخلاص من كل قيامة بنوع طاعة مميزة من غيرها، فالواجب عليك عرفان القيامات، ثم عرفان الطاعات المخصوصة بكل قيامة من القيامات، ليمكن الك الاشتغال بها والاستخلاص منها. واعلم أولاً أن القيامة التي يذكرها الله تعالى في هذه السورة؛ هي القيامة القالبية، والطاعة التي تنفع لهذه القيامة الطاعات القالبية المفروضة عليك، كالإقرار باللسان في كلمتي الشهادة، والأذكار اللسانية، والقيام والقعود، والركوع والسجود، والقراءة في الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والصوم، والجهاد، والحدود، والكفارات طاعة تتعلق بالشهادة الآفاقية، فإذا أديت حق الطاعات القالبية تخلصت من أهوال القيامة القالبية إن شاء الله تعالى. واعلم أن أرض قالبك تزلزت عند نزول سلطان الذكر اللساني عليها وأخرجت ما فيها من الخاصيات، كما يقول: {وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] فالواجب على الخير اليقظان ألاَّ يلتفت إليها ولو التفت من دناءة همته إلى تلك الخواص، ويقول: {مَا لَهَا} [الزلزلة: 3]، كما قال تعالى في كتابه الكريم: {وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 3-4] تلك الخواص، {أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]؟؛ أي: ما فيها من الخواص التي يمكن أنها الكتاب الخير والشر وما يحدث تلك الخاصيات بأنفسهن، بل يحدث بوحي الرب، كما قال تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً} [الزلزلة: 5-6]؛ لأنهم التفتوا إليها وتفتشوا عن حالها، وأوحى الله إليها وأنطقها كما أنطق كل شيء ليحدثن بأخبارها، فتشتت وتفرق الناس في مشاهدة خواصها وأعمالهم الصادرة عنهم من الخير والشر، أنها من أي خاصية صدرت؟! {لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 6-7]؛ أي: يره مصدره، من أي خاصة كان؟ {وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 8]؛ أي: مصدره، ففي هذه المقام مناقشة عظيمة في الحساب، وهذا القيامة التي ألجمت الناس يعرف الحسرة والندامة والحياء، وليس من المقامات قيامة أشد من هذا، والواجب عليك أن تموت اليوم الموت الاختياري لتشاهد قيامتك التي نبَّه النبي إليها حيث قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات فقد قامت قيامته"،تفسير : لتحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وتتخلص من أحوالها اليوم لتكون من الفائزين غداً - إن شاء الله تعالى - وأشرح بتوفيق الله تعالى أن أمهلني الله القيامات للآخرين في موقعها بإذن الله تعالى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عما يكون يوم القيامة، وأن الأرض تتزلزل وترجف وترتج، حتى يسقط ما عليها من بناء وعلم. فتندك جبالها، وتسوى تلالها، وتكون قاعًا صفصفًا لا عوج فيه ولا أمت. { وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا } أي: ما في بطنها، من الأموات والكنوز. { وَقَالَ الإنْسَانُ } إذا رأى ما عراها من الأمر العظيم مستعظمًا لذلك: { مَا لَهَا } ؟ أي: أي شيء عرض لها؟. { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ } الأرض { أَخْبَارَهَا } أي: تشهد على العاملين بما عملوا على ظهرها من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود الذين يشهدون على العباد بأعمالهم، ذلك { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } [أي] وأمرها أن تخبر بما عمل عليها، فلا تعصى لأمره. { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ } من موقف القيامة، حين يقضي الله بينهم { أَشْتَاتًا } أي: فرقًا متفاوتين. { لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } أي: ليريهم الله ما عملوا من الحسنات والسيئات، ويريهم جزاءه موفرًا. { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } وهذا شامل عام للخير والشر كله، لأنه إذا رأى مثقال الذرة، التي هي أحقر الأشياء، [وجوزي عليها] فما فوق ذلك من باب أولى وأحرى، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } {أية : وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا }. تفسير : وهذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلا والترهيب من فعل الشر ولو حقيرًا.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا} 713- أنا سويد بن نصر، أنا عبد الله، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، / عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [4] قال: "حديث : أتدرون ما أخبارُها؟" قال: قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن أخبَارَها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها ". تفسير : 714- أنا إبراهيم بن يونس بن محمد، نا أبي، نا جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: نا صعصعة - عم الفرزدق - قال: حديث : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [7] وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[58]} . تفسير : قال: ما أُبالي ألاَّ أسمع غيرها، حسبي حسبي.