Verse. 6163 (AR)

١٠١ - ٱلْقَارِعَة

101 - Al-Qaria (AR)

فَاَمَّا مَنْ ثَــقُلَتْ مَوَازِيْنُہٗ۝۶ۙ
Faamma man thaqulat mawazeenuhu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأما من ثقلت موازينه» بأن رجحت حسناته على سيئاته.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لماوصف يوم القيامة قسم الناس فيه إلى قسمين فقال: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } واعلم أن في الموازين قولين: أحدهما: أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، وهذا قول الفراء قال: ونظيره يقال: عندي درهم بميزان درهمك ووزن درهمك وداري بميزان دارك ووزن دارك أي بحذائها والثاني: أنه جمع ميزان، قال ابن عباس: الميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة، فإذا رجح فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف وزنه فيدخل النار. وقال الحسن: في الميزان له كفتان ولا يوصف، قال المتكلمون: إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما، خصوصاً وقد نقضيا، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن، أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة السيئات، أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة القبيحة فيظهر بذلك الثقل والخفة، وتكون الفائدة في ذلك ظهور حال صاحب الحسنات في الجمع العظيم فيزداد سروراً، وظهور حال صاحب السيئات فيكون ذلك كالفضيحة له عند الخلائق.

القرطبي

تفسير : قد تقدم القول في المِيزان في «الأعراف والكهف والأنبياء». وأن له كِفَّةً ولساناً توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل يزِن أعمال بني آدم، فعبَّر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين، كما قال: شعر : فلِكلِّ حادِثةٍ لَهَا مِيزانُ تفسير : وقد ذكرناه فيما تقدم. وذكرناه أيضاً في كتاب «التذكِرة» وقيل: إن الموازين الحُجَج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيـى، واستشهد بقول الشاعر: شعر : قَد كُنتُ قبلَ لقائكم ذا مِرَّةٍ عِندِي لكُلِّ مخاصِمٍ مِيزانُهُ تفسير : ومعنى {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي عيش مَرْضيّ، يرضاه صاحبه. وقيل: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} أي فاعلة للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها. فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النِّعَم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، كالفُرُش المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولِي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضاً من الارتفاع، فإذا اشتهى ولِيُّ الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولِيّ الله قاعداً وقائماً، وذلك قوله تعالى: { أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، عُلُوًّا وسُفْلاً، وذلك قوله تعالى: { أية : يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً } تفسير : [الإنسان: 6]. فيروى في الخبر «إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه». فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها، فهي فاعلة للرضا، وهي انذلت وانقادت بذْلاً وسماحة. ومعنى {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} يعني جَهَنَّم. وسماها أُمًّا، لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت: شعر : فالأرضُ مَعْقِلنا وكانتْ أُمَّنا فيها مَقابرُنا وفيها نُولَدُ تفسير : وسميت النار هاوية، لأنه يهوِي فيها مع بعدِ قعرها. ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال قتادة: معنى «فأمه هاوِية» فمصيره إلى النار. عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. الأخفش: «أمه»: مستقرّه، والمعنى متقارب. وقال الشاعر: شعر : يا عمرُو لو نالتك أرماحُنا كنتَ كمن تهوِي به الهاوِيَهْ تفسير : والهاوية: المَهْوَاة. وتقول: هَوَتْ أمّه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال كعب بن سعد الغَنَوِيّ: شعر : هَوَتْ أُمُّه ما يبعثُ الصبحُ غاديا وماذا يؤدِّي الليلُ حين يَأُوبُ تفسير : والمَهْوَى والْمَهْواة: ما بين الجبلين، ونحو ذلك. وتهاوى القوم في المَهْواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } الأصل «ماهي» فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن مُحيصِن «ماهِيَ نارٌ» بغير هاء في الوصل، ووقفوا بها. وقد مضى في سورة «الحاقة» بيانه. {نَارٌ حَامِيَةٌ } أي شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : نارُكم هذه التي يُوقِد ابنُ آدم جزء من سبعين جزءاً من حرّ جهنم» قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلها مثل حرّها» » تفسير : . وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه، لأنه وضع فيه الحق، وحُقَّ لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلاً. وإنما خف ميزان من خف ميزانه، لأَنَّه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفاً. وفي الخبر عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : أن الموتى يَسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات قبلي، أما مرَّ بكم؟ فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون! ذُهِب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأمّ، وبئست المُرَبية » تفسير : . وقد ذكرناه بكماله في كتاب «التذكرة»، والحمد لله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } بأن رجحت حسناته على سيئاته.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَوَازِينُهُ} ميزان ذو كفتين توزن به الحسنات والسيئات أو الحساب أو الحجج والدلائل، والموازين: جمع ميزان أو موزون.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}. في الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء، ونظيره قولك: له عندي درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك، ويقولون: داري بميزان ووزن دارك، أي: حذاؤها. والثاني: قال ابن عباس: جمع ميزان لها لسان وكتفان يوزن فيه الأعمال. [وقد تقدم القول في الميزان في سورة "الأعراف" و "الكهف" و "الأنبياء"، وأنه له كفة ولسان يوزن فيها الصحف المكتوب فيها الحسنات، والسيئات. ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان]. وقيل: الموازين: الحجج والدلائل، قاله عبد العزيز بن يحيى. واستشهد بقول الشاعر: [الكامل] شعر : 5292- قَـدْ كُنْـتُ قَبْـلَ لِقَـائِكُـمْ ذَا مِــرَّةٍ عِنْــدِي لكُــلّ مُخَاصِـم مِيزانــهُ تفسير : ومعنى {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}، أي: عيش مرضي، يرضاه صاحبه. وقيل: {عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}، أي: فاعله للرضا، وهو اللين والانقياد لأهلها، فالفعل للعيشة؛ لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد. فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا كالفرس المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع، وكذلك فروع الشجرة تتدلى لارتفاعها للولي، فإذا تناول من ثمرها ترتفع، كقوله تعالى: {أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 23] وحيثما مشى من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء. قوله: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}، أي: رجحت سيئاته على حسناته، قال مقاتل وابن حيان: إنما رجحت الحسناتُ؛ لأن الحق ثقيلٌ، والباطل خفيفٌ. قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}، أي: هالكة، وهذا مثل يقولونه لمن هلك، تقول: هوت أمه لأنه إذا هلك سقطت أمه ثكلاً وحزناً، وعليه قوله فهي هاوية، أي: ثاكلة، قال: [الطويل] شعر : 5293- هَوَتْ أمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً ومَاذَا يُؤدِّي اللَّيلُ حينُ يَثُوبُ تفسير : فكأنه قال تعالى: من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: الهاوية من أسماء النار، كأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها والمعنى: فمأواهم النار. وقيل للمأوى: أم، على سبيل التشبيه بالأم، كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] شعر : 5294- فــالأرْضُ مَعْقِلُنَــا وكَانَـتْ أمَّنَـا فِيهَــا مَقـابِـرُنَــا وفِيهَـا نُولَــــدُ تفسير : ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار. وقال عكرمة: لأنه يهوي فيها على أم رأسه. وذكر الأخفش والكلبي وقتادة: المهوى والمهواة ما بين الجبلين، ونحو ذلك، وتهاوى القوم في المهواة إذا سقط بعضهم في أثر بعض. وقرأ طلحة: "فإمّه" بكسر الهمزة، نقل ابن خالوية عن ابن دريد، أنها لغة النحويين لا يجيزون ذلك إلا إذا تقدمها كسرة أو ياء. وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة "النساء". قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}، الأصل: "مَا هِيَ" فدخلت الهاء للسكت. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وابن محيصن: "مَا هِيَ" بغير هاء في الوصل ووقفوا بها، وقد تقدم في سورة "الحَاقَّة". و "مَا هِيَ" مبتدأ وخبر، سادَّان مسد المفعولين لـ "أدْرَاكَ"، وهو من التعليق، وهي ضمير الهاويةِ، إن كانت الهاوية - كما قيل - اسماً لدركه من دركات النَّار، وإلا عادت إلى الداهية المفهومة من الهاوية. قوله: {نَارٌ حَامِيَةٌ}. "نارٌ" خبر مبتدأ مضمر، أي: هي نار شديدة الحر. روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جزءٌ من سبعينَ جُزْءاً من حرِّ جَهَنَّم"، قالوا: إنها لكافية يا رسول الله، قال - عليه الصلاة والسلام - "فإنَّها فُضِّلت عَليْهَا بِتِسْعَةٍ وستِّين جُزءاً كُلُّهَا مِثلُ حرِّهَا" ". تفسير : روى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ {ٱلْقَارِعَةُ} ثقل اللهُ مَوَازِينَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" تفسير : والله أعلم.

السلمي

تفسير : قيل للواسطى رحمه الله: هل يجوز أن تثقل الموازين بأعمالنا فإن لو جاز ذلك لا من كل من كثرت أعماله وضعت بل الله تعالى يثقل موازين من شاء ويخفف موازين من شاء ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الميزان بيد الله يخفض أقوامًا ويرفع آخرين رفعهم فى أزليته ووضع آخرين فى أزليته قبل كون كل كون ".

البقلي

تفسير : فمن ثقلت موازين قلبه بمعرفة الله وتوفيقه الازلى فهو فى عيش مشاهدته الابدية قيل قال الواسطى هل يجوز ان يثقل الموازين باعمالنا قال لو جاز ذلك لامن كل من كثرة اعماله وصفت بل الله يثقل موازين من شاء ويخفف من شاء الا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول حديث : الميزان بيد الله يخفضوا قواما ويرفع أخرين تفسير : رفعم فى ازليته ووضع أخرين فى ازليته قبل كون كل كون قال سهل فمن ثقلت موازينه بالاخلاص فهو فى عيشة راضية فى رضى الله ينقلب فى جواره ومن خفت موازينه بالرياء السمعة فامه هاوية فانه ينقلب فى سخط الله وماواه النار.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاما من ثقلت موازينه} جمع الموزون وهو العمل الذى له وزن وخطر عند الله او جمع ميزان وثقلها رجحانها لان الحق ثقيل والباطل خفيف والجمع للتعظيم او لان الكل مكلف ميزانا او لاختلاف الموزونات وكثرتها قال ابن عباس رضى الله عنهما انه ميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه الا الاعمال ليبين الله امر العباد بما عهدوه فيما بينهم قالوا توضع فيه صحف الاعمال اظهارا للمعدلة وقطعا للمعذرة او تبرز الاعمال العرضية بصور جوهرية مناسبة لها فى الحسن والقبح يعنى يؤتى بالاعمال الصالحة على صور حسنة وبالاعمال السيئة على صور سيئة فتوضع فى الميزان اى فمن ترجحت مقادير حسناته.

الجنابذي

تفسير : {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} اى ذات رضا، او الوصف بحال المتعلّق اى فى عيشةٍ راضٍ صاحبها بها.

اطفيش

تفسير : {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ترجحت حسناته والموازين جمع موزون وهو العمل الذي له خطر وشرف عند الله أو جمع ميزان مجازا عن التمييز بين الضعيف والقوي والمردود والمقبول لا ميزان عمود وكفة وما هذا إلا كما تقول زن كلامك وزن البيت أوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا وحق الميزان لا يضع الله فيه إلا الحسنات أن يثقل وإنما خفت موازين من خفت موازينهم باتباع الباطل وخفتها في الدنيا وحق الميزان لا يضع فيه إلا السيئات أن يخف ولا توزن أعمال المشرك وقال قومنا تتجسم الأعمال فتوزن في ميزان كفتين وعمود ولسان، ومن رجحت سيئاته من الموحدين أدخل النار وعذب بقدر رجحانها فيخرج وإن شاء الله لم يدخلها وتقدم الكلام في ذلك.

اطفيش

تفسير : {فََأَمَّا مَن ثَقُلَتْ} فى جواب شرط محذوف أى إن قيل ما الشأن بعد. {مَوَازِينُهُ} جمع موزون أى أعماله الموزونة الحسنة أى التى عوملت فى تدقيق عددها وحالها ومقابلتها بجزائها معاملة الشىءِ بالوزن هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والفراءِ ومجاهد والضحاك والأَعمش أو جمع ميزان مجازا عن ذلك التدقيق تسمية للشىءِ باسم آلته والمعنى ما مر ولا وزن تحقيقاً بآلة خلافاً لقومنا فإنهم قالوا تجسم الأعمال وبعضهم قالوا يخلق الله أجساماً على مقاديرها، وعلى كلا القولين الحسنات أجسام منورة والسيئات أجسام مظلمة.

الالوسي

تفسير : إلى آخره بيان إجمالي لتحزب الناس حزبين وتنبيه على كيفية الأحوال الخاصة بكل منهما إثر بيان الأحوال الشاملة للكل وهذا إشارة إلى وزن الأعمال - وهو مما يجب الإيمان به حقيقة ولا يكفر منكره ويكون بعد تطاير الصحف وأخذها بالأيمان والشمائل وبعد السؤال والحساب كما ذكره الواحدي وغيره وجزم به صاحب «كنز الأسرار» - بميزان له لسان وكفتان كأطباق السمٰوات والأرض والله تعالى أعلم بماهيته وقد روى القول به عن ابن عباس والحسن البصري وعزاه في «شرح المقاصد» لكثير من المفسرين ومكانه بين الجنة والنار كما في «نوادر الأصول» وذكر يتقبل به العرش يأخذ جبريل عليه السلام بعموده ناظراً إلى لسانه وميكائيل عليه السلام أمين عليه والأشهر الأصح أنه ميزان واحد كما ذكرنا لجميع الأمم ولجميع الأعمال فقوله تعالى {مَوَازِينُهُ} - وهو جمع ميزان وأصله موزان بالواو لكن قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها - قيل للتعظيم كالجمع في قوله تعالى:{أية : كذبتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الشعراء: 123] في وجه أو باعتبار أجزائه نحو شابت مفارقة أو باعتبار تعدد الأفراد للتغاير الاعتباري كما قيل في قوله: شعر : لمعان برق أو شعاع شموس تفسير : وزعم الرازي على ما نقل عنه أن فيه حديثاً مرفوعاً وقال آخرون يوزن نفس الأعمال فتصور الصالحة بصور حسنة نوارنية ثم تطرح في كفة النور وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل الله تعالى وتصور الأعمال السيئة بصور قبيحة ظلمانية ثم تطرح في كفة الظلمة وهي الشمال فتخف بعدل الله تعالى وامتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات ممنوع أو مقيد ببقاء آثار الحقيقة الأولى وقد ذهب بعضهم إلى أن الله تعالى يخلق أجساماً على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها وادعى أن فيه أثراً والظاهر أن الثقل والخفة مثلهما في الدنيا فما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرتفع إلى عليين وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين وبه صرح القرطبـي وقال بعض المتأخرين هما على خلاف ما في الدنيا وإن عمل المؤمن إذا رجح صعد وثقلت سيآته وإن الكافر تثقل كفته لخلو الأخرى من الحسنات ثم تلا {أية : وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10] وفي كونه دليلاً نظر وذكر بعضهم أن صفة الوزن أن يجعل جميع أعمال العباد في الميزان مرة واحدة الحسنات في كفة النور عن يمين العرش جهة الجنة والسيآت في كفة الظلمة جهة النار ويخلق الله تعالى لكل إنسان علماً ضرورياً يدرك به خفة أعماله وثقلها وقيل نحوه إلا أن علامة الرجحان عمود من نور يثور من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيآت وعلامة الخفة عمود ظلمة يثور من كفة السيآت حتى يكسو كفة الحسنات فالكيفيات أربع وستظهر حقيقة الحال بالعيان وهو قال القرطبـي لا يكون في حق كل أحد لما في الحديث الصحيح حديث : فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمنتفسير : الحديث وأحرى الأنبياء عليهم السلام وقوله سبحانه: {أية : يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ }تفسير : [الرحمن: 41] وإنما يبقى الوزن لمن شاء الله تعالى من الفريقين وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي أن أهل الصبر لا توزن أعمالهم وإنما يصب لهم / الأجر صباً والظاهر أنه يدرج المنافق في الكافر والحق أن أعمالهم مطلقاً توزن لظواهر الآيات والأحاديث الكثيرة والمراد في الآية وزناً نافعاً والصحيح أن الجن مؤمنهم وكافرهم كالإنس في هذا الشأن كما قرر في محله والتقسيم فيما نحن فيه على ما سمعت عن القرطبـي بالنسبة إلى من توزن أعماله لا بالنسبة إلى الناس مطلقاً وأنكر المعتزلة الوزن حقيقة وجماعة من أهل السنة والجماعة منهم مجاهد والضحاك والأعمش قالوا إن الأعمال أعراض إن أمكن بقاؤها لا يمكن وزنها فالوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل وجوزوا فيما هنا أن تكون الموازين جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى وأن معنى ثقلها رجحانها وروي هذا عن الفراء أي فمن ترجحت مقادير حسناته ورتبها.

ابن عاشور

تفسير : تفصيل لما في قوله: { أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } تفسير : [القارعة: 4] من إجمال حال الناس حينئذ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء فلذلك كان تفصيله بحالين: حال حَسَن وحال فظيع. وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضى من الله تعالى لكثرة حسناته، لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوهِ، وبضد ذلك يقولون: فلان لا يقام له وزن، قال تعالى: { أية : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً } تفسير : [الكهف: 105]، وقال النابغة: شعر : وميزانه في سُورة المجد مَاتِع تفسير : أي راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يُثقل الموازين لظهور أنه العمل الصالح. وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيراً في القرآن، قال ابن العربي في «العواصم»: لم يرد حديث صحيح في الميزان. والمقصودُ عدم فوات شيء من الأعمال، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل الملائكة أو نحو ذلك. والعيشة: اسم مصدر العَيش كالخِيفة اسم للخوف. أي في حياة. ووصف الحياة بــــ {راضية} مجاز عقلي لأن الراضي صاحبها راض بها فوصفت به العيشة لأنها سبب الرضى أو زمان الرضى. وقوله: {فأمُّه هاوية} إخبار عنه بالشقاء وسوء الحال، فالأم هنا يجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها. وهاوية: هالكة، والكلام تمثيل لحال من خفّت موازينه يومئذ بحال الهالك في الدنيا لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير والشر لشدة محبتها ابنها فهي أشد سروراً بسروره وأشد حزناً بما يحزنه. صلّى أعرابي وراءَ إمام فقرأ الإِمام: { أية : واتخذ اللَّه إبراهيم خليلاً } تفسير : [النساء: 125] فقال الأعرابي: «لقد قَرَّت عينُ أمِّ إبراهيم» ومنه قول ابن زيابة حين تهدده الحارث بن همَّام الشيباني: شعر : يا لهفَ زيّابة للحارث الصا بح فالغَانم فالآيب تفسير : ويقولون في الشر: هَوتْ أمه، أي أصابه ما تَهلك به أمه، وهذا كقولهم: ثكلته أمه، في الدعاء، ومنه ما يستعمل في التعجب وأصله الدعاء كقول كعب بن سعد الغَنوي في رثاء أخيه أبي المِغوار: شعر : هَوَتْ أمُّه ما يَبعث الصبحُ غادياً وماذا يَرُدُّ الليلُ حينَ يؤوب تفسير : أي ماذا يبعث الصبحُ منه غادياً وما يردُّ الليلُ حينَ يؤوب غانماً، وحذف منه في الموضعين اعتماداً على قرينة رفع الصبح والليل وذِكر: غادياً ويؤوب و(مِن) المقدَّرة تجريدية فالكلام على التجريد مثل: لقيت منه أسداً. فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحالة المشبهة بحال الهلاك، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب، كما تضرب الأمثال السائرة. ويجوز أن يكون «أمه» مستعاراً لمقره ومآله لأنه يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه. و{هَاوية} المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك، يقال: سقط في الهاوية. وأريد بها جهنم، وقيل: هي اسم لجهنم، أي فمأواه جهنم. ويجوز أن يكون «أمه» على حذف مضاف، أي أم رأسه، وهي أعلى الدماغ، و{هاوية} ساقطة من قولهم سقط على أم رأسه، أي هلك. {وما أدراك ما هيه}: تهويل كما تقدم آنفاً. وضمير {هِيه} عائد إلى {هاوية}، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام، إذ معاد الضمير وصف هالكة، والمرادُ منه اسم جهنم كما في قول معاوية بن مالك الملقَّب معوِّذَ الحُكماء: شعر : إذا نزل السماءُ بأرض قوم رَعْينَاه وإنْ كانوا غضاباً تفسير : وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى {هاوية} وفسرت بأنها قعر جهنم. وعلى الوجه الثالث يكون في {هِيه} استخدام أيضاً كالوجه الأول. والهاء التي لحقت ياء (هِي) هاءُ السكت، وهي هاء تُجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوماً، وبعضه حسن، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل: هو، وهي، وكيف، وثم، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كِتابيه } تفسير : في سورة الحاقة (19). وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل. وجملة: {نار حامية} بيان لجملة: {وما أدراك ما هيه}، والمعنى: هي نار حامية. وهذا من حذف المسند إليه الذي اتُّبع في حذفه استعمال أهل اللغة. ووصف {نار} بــــ {حامية} من قبيل التوكيد اللفظي لأن النار لا تخلو عن الحَمْي فوصفها به وصف بما هوَ من معنى لفظ {نار} فكانَ كذكر المرادف كقوله تعالى: { أية : نارُ اللَّه الموقدة } تفسير : [الهمزة: 6].

الشنقيطي

تفسير : في قوله: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، دلالة على وقع الوزن لكل إنسان. والموازين: يراد بها الموزون، ويراد بها آلة الوزن، كالمعايير، وهما متلازمان. وتقدم أن المعايير بالذرة وأقل منها. وقد جاء نصوص على وضع الموازين وإقامتها بالعدل والقسط. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47]. وقوله: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}، قالوا: بمعنى مرضية، وراضية أصلها مرضية، كما في قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} تفسير : [الغاشية: 8-9]، إسناد الرضى للعيشة، على أنها هي فاعلة الرضى، لأن كلمة العيشة جامعة لنعيم الجنة وأسباب النعيم، راضية طائعة لينة لأصحاب الجنة، فتفجر لهم الأنهار طواعية، وتدنو الثمار طواعية، كما في قوله: {أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 23]. فالقول الأول: هو المعروف في البلاغة بإطلاق المحل وإرادة الحال، كقوله تعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} تفسير : [العلق: 17]. والنادي: مكان منتدى القوم، أي ينادي بعضهم بعضاً للاجتماع فيه. والمراد: من يحل في هذا النادي، ويكون هنا أطلق المحل وهو محل العيشة، وأراد الحال فيها. وعلى الثاني: فهو إسناد حقيقي من إسناد الرضى لمن وقع منه أو قام به. ومما هو جدير بالذكر أن حمله على الأسلوب البياني ليس متجهاً كالآية الأخرى، لأن العيشة ليست محلاً لغيرها بل هي حالة، والمحل الحقيقي هو الجنة والعيشة حالة فيها، وهي اسم لمعاني النعيم كما تقدم، فيكون حمل الإسناد على الحقيقة أصح. وقد جاءت الأحاديث: أن الجنة تحس بأهلها وتفرح بعمل الخير، كما أنها تتزين وتبتهج في رمضان، وأنها تناظرت مع النار. وكل يدلي بأهله وفرحه بهم، حتى وعد الله كلاً بملئها. ونصوص تلقي الحور والولدان والملائكة في الجنة لأهل الجنة بالرضى والتحية معلومة. وقوله: {أية : لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} تفسير : [يس: 57]، أي لا يتأخر عنهم شيء. وقوله: {أية : وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73]. وقوله: {أية : فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 56]. وقاصرات الطرف عن رضى بأهلهن. ومنه {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ} تفسير : [الرحمن: 72]، أي على أزواجهن. وقوله: {أية : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} تفسير : [الإنسان: 14]، ونحو ذلك، مما يشعر بأنه نعيم الجنة بنفسه راض بأهل الجنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَوَازِينُهُ} (6) - فَأَمَّا الذِي رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، أَيْ ثَقُلَتْ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ، فَهَبَطَتْ كَفَّتُهَا، وَخَفَّتْ أَعْمَالُهُ السَّيِّئَةُ، فَشَالَتْ كَفَّتُهَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} معناه حَسناتُهُ {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} معناه سيئاتُهُ.

الجيلاني

تفسير : وبالجملة: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ} يومئذ {مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] أي: رُجحت مقادير حسناته على مقادير سيئاته {فَهُوَ} يومئذ {فِي عِيشَةٍ} هنيئة مريئة {رَّاضِيَةٍ} [القارعة: 7] صاحبها عنها. {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ} يومئذ {مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] أي: خفت حسناته وثقلت سيئاته {فَأُمُّهُ} أي: مستقرة ومأواه، وما يأوي إلكيه {هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] هي من أسماء جهنم. ثمَّ أبهمها سبحانه، تهويلاً وتفظيعاً، فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] أي: الهاوية. ثمَّ فسرها؛ ليكون أدخل في التهويل، فقال: {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 11] أي: ماهية الهاوية وحقيقتها: نار ذات حمى وحرارة، بحيث قد انتهت في الحرارة والسخونة غايتها. أعاذنا الله وعموم عباده منها. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لترجيح الحسنات على السيئات أن ترغب في سرك ونجوال عن مستلذات الدنيا ومشتهياتها، وتركن إلى اللذات الروحانية من الأحوال والمواجيد الأخروية المستلزمة للدرجات العلية والمقامات السنية عند الله. وإياك إياك الأماني وطول الأمل، فإنها توقعك في فتنة عظيمة وبلية شديدة، لا نجاة لك منها. خلصنا الله وعموم عباده من غوائل الدنيا وما فيها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 6] في ذلك الموقف بثقيل الأعمال الصالحة التي صدرت من القوى القالبية {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [القارعة: 7] بها من التنعم بما تشتهي نفسه، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: 8] عن الأعمال الصالحة {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9]؛ يعني: هو ولد الهاوية؛ لصدور الأعمال المتولدة من الهوى المدخرة لهذه البلوى، والهاوية ربها في حجر القلب {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [القارعة: 10] أيها المسكين، أما تفطن إشارة الحق بقوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 9] لكي تشتغل بدفع هذه الأم، وتتبع الأب الذي هو يهديك إلى النعيم الأبدي، وهو القوة الروحانية النورانية، وأمك هي القوى القالبية الظلمانية، تدسك في شراب الطبيعة وتأمرك بتربية القالب الذي هو في الحقيقة أنتن من الجيفة، والله تعالى أعطاك قشر القالب يسلم لبك فيه، ويأمن من كدورات عالم الحدث، اللب قشر القشر ليكون حجاباً بينك وبين الغيب، ليتمتع باللذات الخسيسة الشهادية، ولا ينقص عليك ذكر الغيب عيش عاجلك حتى تقرع القارعة بمقرعتها قشرك، فيرى لبك الباطل المبطل حقوقه باستيفاء القشر عنه حظاً ظلمانياً صرفاً، فتتحسر على تضييع لبك الحقيقي الباقي معك غير الويل الدائم على نفسك.