Verse. 6177 (AR)

١٠٣ - ٱلْعَصْر

103 - Al-Asr (AR)

وَالْعَصْرِ۝۱ۙ
WaalAAasri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والعصر» الدهر أو ما بعد الزوال إلى الغروب أو صلاة العصر.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {وَٱلْعَصْرِ } اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالاً. الأول: أنه الدهر، واحتج هذا القائل بوجوه أحدها: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر، وكان عليه السلام يقرأ: والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول: هذا مفسد للصلاة، فلا نقول: إنه قرأه قرآناً بل تفسيراً، ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ومن ذلك ذكره في: {أية : هَلْ أَتَىٰ }تفسير : [الإنسان: 1] رداً على فساد قولهم: بالطبع والدهر وثانيها: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم، فإنه مجزأ مقسم بالسنة، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضياً ومستقبلاً، فكيف يكون معدوماً؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟ وثالثها: أن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبث في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }تفسير : [الفرقان: 62] ورابعها: وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام [12]: {أية : قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ قُلِ ٱللَّهُ }تفسير : إشارة إلى المكان والمكانيات، ثم قال: {أية : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [13] وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته وخامسها: أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان وسادسها: أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران، ولذلك قال: {لَفِى خُسْرٍ } ومنه قول القائل: شعر : إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل تفسير : فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر والقول الثاني: وهو قول أبي مسلم: المراد بالعصر أحد طرفي النهار، والسبب فيه وجوه أحدها: أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسراً فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر وثانيها: قال الحسن رحمه الله: إنما أقسم بهذا الوقت تنبيهاً على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة والكسب فيها، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين، فكذا نقول: والعصر أي عصر الدنيا قد دنت القيامة و(أنت) بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غداً عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك فإذا أنت خاسر، ونظيره: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ }تفسير : [الأنبياء: 1]، وثالثها: أن هذا الوقت معظم، والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : من حلف بعد العصر كاذباً لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة»تفسير : فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وههنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار، ثم كأنه يقول بعض النهار: باق فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة، وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة من بائع الثلج كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت: هذا معنى: {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر. القول الثالث: وهو قول مقاتل: أراد صلاة العصر، وذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنه تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله: {أية : والصلاة الوسطى } تفسير : [البقرة: 238] صلاة العصر في مصحف حفصة وقيل في قوله: {أية : تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 106] إنها صلاة العصر وثانيها: قوله عليه السلام: «حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»تفسير : وثالثها: أن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم ورابعها: روي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة وتقول: دلوني على النبي صلى الله عليه وسلم فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : فسألها ماذا حدث؟ قالت: يا رسول الله إن زوجي غاب عني فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في دن من الخل حتى مات، ثم بعنا ذلك الخل فهل لي من توبة؟ فقال عليه السلام: أما الزنا فعليك الرجم، أما قتل الولد فجزاؤه جهنم، وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيراً، لكن ظننت أنك تركت صلاة صلاة العصر» تفسير : ففي هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة وخامسها: أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة تفخيماً لشأنها، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحاً، كما قال: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [الشعراء: 227] وسادسها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم ولا يزكيهم ـ (عد) منهم ـ رجل حلف بعد العصر كاذباً» تفسير : فإن قيل صلاة العصر فعلنا، فكيف يجوز أن يقال: أقسم الله تعالى به؟ والجواب: أنه ليس قسماً من حيث إنها فعلنا، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا الله تعالى بها. القول الرابع: أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام: «حديث : إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيراً، فقال: من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى المغرب بقراطين، فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً! فقال الله: وهل نقصت من أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فهذا فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً» تفسير : فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته، فلا جرم أقسم الله به، فقوله: {وَٱلْعَصْرِ } أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله: {أية : وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }تفسير : [ البلد: 2] وبعمره في قوله: {أية : لَعَمْرُكَ } تفسير : [الحجر: 72] فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف، ثم وجه القسم، كأنه تعالى يقول: أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ } أي الدهر؛ قاله ابن عباس وغيره. فالعصر مِثل الدهر؛ ومنه قول الشاعر: شعر : سَبيلُ الهَوَى وَعْرٌ وبحرُ الهَوَى غَمْرُ ويَوْمُ الهَوَى شَهْر وشهْرُ الهَوى دَهْرُ تفسير : أيّ عصرٍ أقسم الله به عز وجلّ؛ لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدّلها، وما فيها من الدلالة على الصانع. وقيل: العصر: الليل والنهار. قال حُميد بن ثور:شعر : ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ: يَومٌ وَليلةٌ إذا طَلبا أَنْ يُدرِكا ما تَيَمَّمَا تفسير : والعصران أيضاً: الغداة والعشيّ. قال:شعر : وأَمْطُلَه العَصْرين حتى يَمَلّني ويرضى بِنِصفِ الدَّينِ والأنْفُ راغِمُ تفسير : يقول: إذا جاءني أوّل النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشيّ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها؛ قاله الحسن وقتادة. ومنه قول الشاعر: شعر : تَرَوَّحْ بِنا يا عمرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحةِ الأُولى الغنيمة والأَجْرُ تفسير : وعن قتادة أيضاً: هو آخر ساعة من ساعات النهار. وقيل: هو قَسَم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات؛ قاله مقاتل. يقال: أُذِّن للعصر؛ أي لصلاة العصر. وصُلِّيت العصر؛ أي صلاة العصر. وفي الخبر الصحيح: « حديث : الصلاةُ الوسْطَى: صلاة العصر » تفسير : . وقد مضى في سورة «البقرة» بيانه. وقيل: هو قسم بعصر النبيّ صلى الله عليه وسلم، لفضله بتجديد النبوّة فيه. وقيل: معناه ورب العصر. الثانية: قال مالك: من حلَف ألاّ يكلم رجلاً عَصْراً: لم يكلمه سنة. قال ابن العربيّ: «إنما حمل مالك يمينَ الحالف ألا يكلم امرأ عصراً على السنة؛ لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان. وقال الشافعيّ: يَبَرُّ بساعة، إلا أن تكون له نية، وبه أقول؛ إلا أن يكون الحالف عربياً، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قُبِل منه، إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. والله أعلم».

البيضاوي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْعَصْرِ } أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها، أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والتعريض بنفي ما يضاف إليه من الخسران. {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } إن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم، والتعريف للجنس والتنكير للتعظيم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ } الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } عن المعاصي أو على الحق، أو ما يبلو الله به عباده. وهذا من عطف الخاص على العام للمبالغة إلا أن يخص العمل بما يكون مقصوراً على كماله، ولعله سبحانه وتعالى إنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود، وإشعاراً بأن ما عد إما عد يؤدي إلى خسر ونقص حظ، أو تكرماً فإن الإبهام في جانب الخسر كرم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».

ابن كثير

تفسير : العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو العشي، والمشهور الأول. فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر، أي: في خسارة وهلاك {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} أي: على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. آخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : 1 والْعَصْرِ} الدهر، أو ما بعد الزوال إلى الغروب، أو صلاة العصر.

الشوكاني

تفسير : أقسم سبحانه بالعصر، وهو الدهر، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار، وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع عزّ وجلّ، وعلى توحيده، ويقال لليل عصر، وللنهار عصر، ومنه قول حميد بن ثور:شعر : ولم ينته العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا تفسير : ويقال للغداة والعشيّ: عصران، ومنه قول الشاعر:شعر : وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم تفسير : وقال قتادة والحسن: المراد به في الآية العشيّ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، ومنه قول الشاعر:شعر : يروح بنا عمرو وقد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر تفسير : وروي عن قتادة أيضاً: أنه آخر ساعة من ساعات النهار. وقال مقاتل: إن المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها. وقيل: هو قسماً بعصر النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال الزجاج: قال بعضهم: معناه، ورب العصر. والأوّل أولى. {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } هذا جواب القسم. الخسر، والخسران: النقصان، وذهاب رأس المال، والمعنى: أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص، وضلال عن الحق حتى يموت. وقيل: المراد بالإنسان الكافر. وقيل: جماعة من الكفار: وهم: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأوّل أولى لما في لفظ الإنسان من العموم، ولدلالة الاستثناء عليه. قال الأخفش: {فِى خُسْرٍ } في هلكة. وقال الفراء: عقوبة. وقال ابن زيد: لفي شرّ. قرأ الجمهور: {والعصر} بسكون الصاد. وقرءوا أيضاً: {خسر} بضم الخاء، وسكون السين. وقرأ يحيى بن سلام: (والعصر) بكسر الصاد. وقرأ الأعرج، وطلحة، وعيسى: (خسر) بضم الخاء والسين، ورويت هذه القراءة عن عاصم. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي: جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح، فإنهم في ربح لا في خسر؛ لأنهم عملوا للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، والاستثناء متصل، ومن قال: إن المراد بالإنسان الكافر فقط، فيكون منقطعاً، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل: من أن المراد الصحابة أو بعضهم، فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان، والعمل الصالح {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ } أي: وصى بعضهم بعضاً بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله، والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه. قال قتادة: {بالحق}، أي: بالقرآن، وقيل: بالتوحيد، والحمل على العموم أولى. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } أي: بالصبر عن معاصي الله سبحانه، والصبر على فرائضه. وفي جعل التواصي بالصبر قريناً للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره، وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [الأنفال: 46] وأيضاً التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر، وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْعَصْرِ } قال: الدهر. وأخرج ابن جرير عنه قال: هو ساعة من ساعات النهار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: هو ما قبل مغيب الشمس من العشيّ. وأخرج الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ بن أبي طالب أنه كان يقرأ: (والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر). وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: (والعصر إن الإنسان لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر الدهر).

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {والعَصْرِ} وهذا قَسَمٌ، فيه قولان: أحدهما: أن العصر الدهر، قاله ابن عباس وزيد بن أسلم. الثاني: أنه العشي ما بين زوال الشمس وغروبها، قاله الحسن وقتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : تَرَوّحْ بنا يا عمرُو قد قصر العَصْرُ وفي الرَّوْحةِ الأُولى الغنيمةُ والأَجْرُ تفسير : وخصه بالقسم لأن فيه خواتيم الأعمال. ويحتمل ثالثاً: أن يريد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم لفضله بتجديد النبوة فيه. وفيه رابع: أنه أراد صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. {إنّ الإنسانَ لَفي خُسْر} يعني بالإنسان جنس الناس. وفي الخسر أربعة أوجه: أحدها: لفي هلاك، قاله السدي. الثاني: لفي شر، قاله زيد بن أسلم. الثالث: لفي نقص، قاله ابن شجرة. الرابع: لفي عقوبة، ومنه قوله تعالى: {وكان عاقبة أمْرِها خُسْراً} وكان عليّ رضي الله عنه يقرؤها: والعصر ونوائب الدهر إنّ الإنسان لفي خُسْرِ وإنه فيه إلى آخر الدهر. {إلا الذين آمنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ وتَواصَوْا بالحَقِّ} في الحق ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه التوحيد، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه القرآن، قاله قتادة. الثالث: أنه الله، قاله السدي. ويحتمل رابعاً: أن يوصي مُخَلَّفيه عند حضور المنية ألا يمُوتنَّ إلا وهم مسلمون. {وتَوَاصوا بالصَّبْر} فيه وجهان: أحدهما: على طاعة الله، قاله قتادة. الثاني: على ما افترض الله، قاله هشام بن حسان. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: بالصبر عن المحارم واتباع الشهوات.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس: {العصر}: الدهر، يقال فيه عصر وعصر بضم العين والصاد، وقال امرؤ القيس: شعر : وهل يعمن من كان في العصر الخالي تفسير : وقال قتادة: {العصر} العشي، وحديث : قال ابي بن كعب: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: "أقسم ربكم بآخر النهار" تفسير : ، وقال بعض العلماء: وذكره أبو علي {العصر}: اليوم، {والعصر} الليلة ومنه قول حميد: [الطويل] شعر : ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما تفسير : وقال بعض العلماء: {العصر}: بكرة والعصر: عشية وهما الأبردان، وقال مقاتل: {العصر} هي الصلاة الوسطى أقسم بها، و {الإنسان} اسم الجنس، و "الخسر": النقصان وسوء الحال، وذلك بين غاية البيان في الكافر لأنه خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر دنياه في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التواصي بالحق والصبر والعمل بحسب الوصاة فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي بن أبي طالب: "والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان"، وفي مصحف عبد الله: "والعصر لقد خلقنا الإنسان في خسر"، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ "إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر إلا الذين"، وقرأ عاصم والأعرج: "لفي خسُر" بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر: " والعصِر" بكسر الصاد "وبالصبِر" بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وروي عن أبي عمرو: "بالصبِر" بكسر الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يكون إلا في الوقف. نجز تفسير سورة {العصر}.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْعَصْرِ} الدهر أو العشي ما بين الزوال إلى الغروب أو صلاة العصر.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْعَصْرِ } أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى: {أية : وَٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] صلاة العصر في مصحف حفصة، ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم، أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة، أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب، وجواب القسم {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } أي جنس الإنسان لفي خسران من تجاراتهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ } بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله {وَتَوَاصَوْاْ بٰلصَّبْرِ} عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده، { وَتَوَاصَوْاْ } في الموضعين فعل ماضٍ معطوف على ماض قبله والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {والعصر} قال ابن عباس: هو الدّهر قيل أقسم الله به لما فيه من العبر، والعجائب للنّاظر وقد ورد في الحديث "حديث : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" تفسير : وذلك لأنهم كانوا يضيفون النّوائب والنّوازل إلى الدهر، فأقسم به تنبيهاً على شرفه وأن الله هو المؤثر فيه فما حصل فيه من النّوائب والنّوازل كان بقضاء الله وقدره، وقيل تقديره ورب العصر، وقيل أراد بالعصر اللّيل والنّهار لأنهما يقال لهما العصران، فنبه على شرف الليل والنهار لأنهما خزانتان لأعمال العباد، وقيل أراد بالعصر آخر طرفي النهار أقسم بالعشى كما أقسم بالضّحى، وقيل أراد صلاة العصر أقسم بها لشرفها ولأنها الصّلاة الوسطى في قول بدليل قوله تعالى: {أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}تفسير : [البقرة: 238] لما قيل هي صلاة العصر والذي في مصحف عائشة رضي الله عنها وحفصة والصّلاة الوسطى صلاة العصر وفي الصحيحين "حديث : شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"تفسير : ، وقيل أراد بالعصر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسم بزمانه كما أقسم بمكانه في قوله {أية : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد} تفسير : [البلد: 1-2] نبه بذلك على أنه زمانه أفضل الأزمان وأشرفها، وجواب القسم قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} أي لفي خسران ونقصان قيل أراد بالإنسان جنس الإنسان بدليل قولهم كثر الدرهم في أيدي الناس أي الدرهم وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران، لأن الخسران هو تضييع عمره وذلك لأن كل ساعة تمر من عمر الإنسان إما أن تكون تلك السّاعة في طاعة أو معصية، فإن كانت في معصية فهو الخسران المبين الظاهر وإن كانت في طاعة، فلعل غيرها أفضل وهو قادر على الإتيان بها فكان فعل غير الأفضل تضييعاً وخسراناً، فبان بذلك أنه لا ينفك أحد من خسران، وقيل إن سعادة الإنسان في طلب الآخرة وحبها والإعراض عن الدّنيا ثم إن الأسباب الداعية إلى حب الآخرة خفية، والأسباب الدّاعية إلى حب الدّنيا ظاهرة، فلهذا السبب كان أكثر الناس مشتغلين بحب الدّنيا مستغرقين في طلبها، فكانوا في خسار وبوار قد أهلكوا أنفسهم بتضييع أعمارهم، وقيل أراد بالإنسان الكافر بدليل أنه استثنى المؤمنين فقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات} يعني فإنهم ليسوا في خسر، والمعنى أن كل ما مر من عمر الإنسان في طاعة الله تعالى فهو في صلاح وخير وما كان بضده فهو في خسر وفساد وهلاك. {وتواصوا} أي أوصى بعض المؤمنين بعضاً {بالحق} يعني بالقرآن والعمل بما فيه، وقيل بالإيمان والتّوحيد {وتواصوا بالصبر} أي على أداء الفرائض وإقامة أمر الله وحدوده، وقيل أراد أن الإنسان إذا عمر في الدّنيا وهرم لفي نقص وتراجع إلا الذين آمنوا، وعملوا الصّالحات فإنهم تكتب أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم وهي مثل قوله {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم أجر غير ممنون} تفسير : [التين: 4-6] والله سبحانه وتعالى أعلم.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف {والعصر} ه لا {لفي خسر} ه لا {بالصبر} ه. التفسير: لما بين في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان والأعمال الصالحات وهو حظ الآدمي من جهة الكمال ومن التواصي بالخيرات وكف النفس عن المناهي، وهو حظه من حيث الإكمال وأكد ما أراد بقوله {والعصر} وللمفسرين فيه أقوال: الأول أنه الدهر لوجوه منها ما جاء في القراءة الشاذة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ " حديث : والعصر ونوائب الدهر" تفسير : وحمله العلماء إن صح على التفسير لا على أنه من القرآن لهذا لا يجوز قراءته في الصلاة. ومنها أن الدهر يشتمل على الأعاجيب الدالة على كمال قدرة خالقها من تغاير الملل والدول وسائر الأحوال الكلية والجزئية، بل نفس الدهر من أعجب الأشياء لأنه موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهي الساكن. شعر : وأرى الزمان سفينة تجري بنا نحو المنون ولا ترى حركاته تفسير : ومنها أن عمر الإنسان كبعض منه قال: شعر : إذا ما مر يوم مر بعضي ولا شيء أنفس من العمر تفسير : وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيق المكاره والنوائب إليه ويحيل شقاءه وخسرانه عليه فإقسام الله تعالى به دليل على شرفه وأن الشقاء والخسران إنما لزم الإنسان لعيب فيه لا في الدهر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " تفسير : القول الثاني وهو قول مقاتل وأبي مسلم إن العصر هو آخر النهار أقسم الله به كما أقسم الفجر والضحى لأن آخر النهار يشبه تخريب العالم وإماتة الأحياء كام أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم، فعند ذلك إقامة الأسواق ونصب الموازين ووضع المعاملات، وفيه إشارة إلى أن عمر الدنيا ما بقي إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا يمكن تدارك ما فات. وقال قتادة: إنه صلاة العصر لشرفها وفضلها ولهذا فسر بها الصلاة الوسطى عند كثير وقد مر في " البقرة " وقيل: أقسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم أو بزمانه الذي هو عصر نهار الدنيا كا جاء في حديث طويل، وقد أقسم بمكانه في قوله {أية : لا أقسم بهذا البلد}تفسير : [البلد: 1] وبحياته في قوله {أية : لعمرك} تفسير : [الحجر: 72] وكل ذلك تشريف له وتوبيخ لمن لم يوقره حق أما اللام في الإنسان فإما المعهود معين كما روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب. وعن مقاتل أنه أبو لهب. وفي خبر مرفوع أنه أبو جهل كانوا يقولون: إن محمداً لفي خسار فأقسم الله تعالى إن الأمر بالضد مما توهموه، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً. والأكثرون على أن اللام للجنس، ثم إن كان المراد بالخسر أي الخسران كالكفر والكفران هو الهلاك كان المراد جنس الإنسان على الإطلاق، وإن كان المعنى بالخسر الضلال والكفر كان المراد جنس الكافر هكذا قال بعضهم، ولقائل أن يمنع لفرق، ولا يخفى ما في " إن " ولام التأكيد وكلمة " في " وتنكير خسر من المبالغات فكأنه أثبت له جهات الخسر كلها والأعظم حرمانه عن جناب ربه. قال بعضهم: إن الإنسان لا ينفك من خسر لأن عمره رأس ماله، فإفناء العمر فيما يمكن أن يكون خيراً منه عبارة عن الخسران. ووجهه أنه إن أفنى عمره في المعصية فخسره وحسرته ظاهران، وإن كان مشغولاً بالمباحات فكذلك لأنه يمكنه أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره ولذته دائماً، وإن كان مشغولاً بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخضوع والعبادة غير متناهية كما أن جلال الله وجماله ليس لهما نهاية. والتحقيق فيه أن الإنسان لا يكلف إلا ما هو وسعه وطوقه لا بالنسبة إلى نوعه بل بالنسبة إلى شخصه، فإذا اجتنب المعاصي بقدر الإمكان واستعمل المباح بمقدار الضرورة والحاجة وأتى بالطاعة على حسب إمكانه لم يسم خاسراً ولكنه يكون أكمل الأشخاص البشرية فلهذا استثناه الله تعالى بقوله {إلا الذين آمنوا} إلى آخره. وعن بعضهم أنه قال في " التين " {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين}تفسير : [التين: 4] فابتدأ من الكمال النقصان وقال ههنا {لفي خسر إلا الذين آمنوا} فعكس القضية لأن ذلك مذكور في أحوال البدن وهذا مذكور في أحوال النفس. قلت: يمكن أن يقال: إن كلتا الآيتين في شأن النفس إلا أنه أراد في " التين " ذكراستعداده الفطري وهو كرأس المال، وههنا أراد حكاية معاملته بعدما أعطى رأس المال. ولا ريب أن أكثرهم منهمكون في طلب اللذات العاجلة المضيعة للاستعداد الأصلي إلا الموفقين الموصوفين بالكمال والإكمال، وفي إجمال الخسر وتسريحه إلى بقعة الإبهام، ثم في تفصيل الربح بأنه منوط بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق وبالصبر دليل على غاية الستر والكرم وأن رحمته سبقت غضبه، وفي لفظ التواصي دون الدعاء أو النصيحة تأكيد بليغ كأنه أمر مهتم به كالوصية، وفيه أنهم من الذين ماتوا بالإرادة عن الشهوات الفانية فيكون أمرهم ونصيحتهم بمنزلة قول من أشرف على الوفاة، والحق خلاف الباطل، ويشتمل جميع الخيرات وما يحق فعله. وقوله {والصبر} يشتمل على جميع المناهي فهم بالحقيقة آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، وفي لفظ المضي إشارة إلى تحقيق وقوعه منهم والله أعلم وبالله التوفيق.

الثعالبي

تفسير : قال ابن عباس: {وَٱلْعَصْرِ} الدهرُ، وقال مقاتل: العَصْرُ هي صلاةُ العَصْرِ، وهي الوُسْطَى، أقْسَم اللَّهُ بها، وقال أُبَيُّ بن كعب: حديث : سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَن {وَٱلْعَصْرِ} فَقَالَ: «أقْسَمَ رَبُّكُمْ بآخِر النَّهَارِ»تفسير : ، و{ٱلإِنسَـٰنَ} هنا اسْمُ جنسٍ والخُسْرُ: النُّقْصَانُ وَسُوءُ الحالِ، وَمَنْ كَانَ مِنَ المؤمنينَ في مُدَّةِ عمره في التَّواصِي بالحقِّ، والصَّبْرِ، والعَمَلِ؛ بِحَسَبِ الوَصَاةِ فَلاَ خُسْرَ مَعَه وَقَدْ جَمَعَ الخيرَ كلَّه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ}. قرأ العامة: بسكون الصاد، وسلام: "والعَصِر" بكسرها، و "الصَّبْرِ" بكسر الباء. قال ابن عطية: "وهذا لا يجوز، إلا في الوقف على نقل الحركة". وروي عن أبي عمرو: "بالصبْر" بسكون الباء إشماماً، وهذا أيضاً لا يجوز إلا في الوقف انتهى. ونقل هذه القراءة جماعة كالهذلي، وأبي الفضل الرازي، وابن خالويه. قال الهذلي: "والعصر، والصبر، والفجر، والوتر، بكسر ما قبل الساكن في هذه كلها: هارون، وابن موسى عن أبي عمرو، والباقون: بالإسكان، كالجماعة" انتهى. فهذا إطلاق منه لهذه القراءة في حالتي الوقف والوصل. قال ابن خالويه: "وتواصوا بالصبر" بنقل الحركة عن أبي عمرو. قال ابن خالويه [وقال صاحب "اللوامح": وعيسى البصرة:] "بالصبر" بنقل حركة الراء إلى الباء، لئلا يحتاج، أن يأتي ببعض الحركة في الوقف، ولا إلى أن يسكن، فيجمع بين ساكنين، وذلك لغة شائعة، وليست بشاذة بل مستفيضة، وذلك دلالة على الإعراب، وانفصال عن التقاء الساكنين، وتأدية حق الموقوف عليه من السكون انتهى، فهذا يؤذن بما ذكر ابن عطية، أنه كان ينبغي ذلك. وأنشدوا على ذلك: [الرجز] شعر : 5296- واعْـتــقَــالاً بـــالــرِّجِـــــلْ تفسير : يريد: بالرِّجْلِ. وقال آخر: [الرجز] شعر : 5297- أنَا جَريرٌ كُنيَتِي أبُو عَمِرْ أضْرِبُ بالسَّيْفِ وسعْدٌ بالقَصِرْ تفسير : والنقل جائز في الضم كقوله شعر: شعر : إذ جـــــــــــــــد النَّــقُــــــــــرْ تفسير : وله شروط: "والعقد" الليلة واليوم قال: [الطويل] شعر : 5298- ولَنْ يَلْبثِ العقْدانِ: يَومٌ ولَيْلةٌ إذَا طَلَبَا أنْ يُدْرِكَا تَيَمَّمَا تفسير : قال ابن عباس وغيره: "والعصر" أي: الدهر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : 5299- سَيْلُ الهَوَى وعْرٌ وبَحْرُ الهَوَى غَمْرٌ ويَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ تفسير : أقسم الله - تعالى - بالعصرِ لما فيه من الاعتبار للناظر بتصرف الأحوال وبتبدلها وما فيها من الأدلة على الصانع، والعصران أيضاً الغداة والعشي قال: [الطويل] شعر : 5300- وأمْطُلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَملَّنِي ويَرْضَى بنِصْفِ الدِّيْن والأنْفُ رَاغِمُ تفسير : يقول: إذا جاءني أول النهار وعدته آخره. وقيل: إنه العشي، وهو ما بين الزوال والغروب. قاله الحسن وقتادة. [وقال الشاعر]: شعر : 5301- تَروَّحْ بِنَا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصرُ وفي الرَّوحةِ الأولَى الغَنِيمةُ والأَجْرُ تفسير : وعن قتادة: هو آخر ساعة من النهار، فأقسم سبحانه بأحد طرفي النهار كما أقسم بالضحى، وهو أحد طرفي النَّهارِ، قاله أبو مسلم. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات، قاله مقاتل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصَّلاةُ الوُسْطَى، صلاةُ العَصْرِ ". تفسير : وقيل: أقسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم لفضله بتجديد النبوة فيه. وقيل: معناه وربِّ العصر. فصل قال مالك - رضي الله عنه - من حلف ألاَّ يكلم رجلاً عصراً، لم يكلمه سنة. قال ابن العربي: [إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرءاً عصراً على السنة، لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ] المعنى في الإيمان. وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نيّة، وبه أقول، إلا أن يكون الحالف عربياً، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. قوله: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}، هذا جواب القسم، والمراد به العموم بدليل الاستثناء منه، وهو من جملة أدلة العموم. وقال ابن عباس في رواية ابي صالح: المراد به الكافر. وقال في رواية الضحاك: يريد جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث. وقوله تعالى: {لَفِى خُسْرٍ} أي: لفي غبنٍ. وقال الأخفش: لفي هلكة. وقال الفراء: لفي عقوبة، ومنه قوله: {أية : وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً} تفسير : [الطلاق: 9]، وقال الفراء: لفي شرّ. وقيل: لفي نقص، والمعنى متقارب. وقرأ العامة: "لفي خُسرٍ" بسكون السين، وزيد بن علي، وابن هرمز، وعاصم في رواية أبي بكر، وزاد القرطبيُّ: الأعرج، وطلحة، وعيسى الثقفي: بضمها. وهي كالعسر واليسر، وقد تقدم في البقرة، والوجه فيها الإتباع، ويقال: خسْر وخسُر مثل عسْر وعسُر. وقرأ علي بن أبي طالب: "والعصر": ونوائب الدهر، {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}؛ وإنه فيه إلى آخر الدهر. قال إبراهيم: إن الإنسان إذا عُمِّرَ في الدنيا وهرم لفي نقص، وضعف، وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 4، 5]. قال: وقراءتنا: "والعصر إنّ الإنسان لفي خُسْر فإنه في آخر الدهر". والصحيح ما عليه الأمّة والمصاحف. [وقيل: المعنى أن الإنسان لا ينفك عن تضييع عمره؛ لأن كل ساعة تمر بالإنسان، فإن كان في المعصية، فالخسر ظاهر، وكذلك إن مرت في مباح، وإن مرت في طاعة فكان يمكن أن يأتي بها على وجه أكمل أي من الخشوع، والإخلاص، وترك الأعلى، والإتيان بالأدنى نوع خسران، والخسر والخسران مصدران، وتنكير الخسران إما للتعظيم، وإما للتحقير بالنسبة إلى خسر الشياطين، والأول أظهر، وأفرد الخسر مع كثرة أنواعه؛ لأن الخسر الحقيقي هو حرمان عن خدمة ربه سبحانه، وما عدا ذلك فالكعدم، وفيه مبالغات، ودخول "إن، و اللام"، وإحاطة الخسر به، أي: هو في طريق خسر وسبب خسر]. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. استثناء من الإنسان؛ إذ المراد به الجنس على الصحيح {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، أي: أدوا الفرائض المفترضة عليهم، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حديث : قال أبي بن كعب: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم "والعَصْرِ" ثم قلتُ: ما تفسيرها يا نبي الله؟. قال: "والعَصْرِ: أقسم ربكم بآخر النهار، {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}؛ أبو جهل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أبو بكر، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} عمر، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}: عثمان، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}: عليّ"" تفسير : رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر، موقوفاً عليه. ومعنى تواصوا أي تحاثوا أوصى بعضهم بعضاً وحث بعضهم بعضاً بالحق أي بالتوحيد وكذا روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة بالحق أي بالقرآن وقال السدي الحق هنا الله تعالى وتواصوا بالصبر على طاعة الله والصبر عن المعاصي. روى الثعلبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورةَ {وَٱلْعَصْرِ} خَتمَ اللهُ لَهُ بالصَّبْرِ، وكَانَ مَعَ أصْحابِ رسول اللهِ يَوْمَ القِيَامَةٍ"تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع، وكان الإنسان مسؤولاً بما شهد به، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعداً برؤية الجحيم، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر، فكان نعيمه في غاية الكدر، قال دالاًّ على ذلك بأن أكثر الناس هالك، مؤكداً بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال: {والعصر *} أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر من النهار أو بعضه، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيهاً له على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقاً من الحشر، أو وقت الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار، وبما دل عليه من طول الساعة وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار، والدال على البعث، أو جميع الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله تعالى من العز والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه: {إن الإنسان} أي هذا النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة الزمان، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء {لفي خسر *} أي نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر قليلاً أو جليلاً بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس، فمن كان كافراً كان في كفران، ومن كان مؤمناً عاصياً كان في خسران إن كان بالغاً في المعصية وإلا كان في مطلق الخسر، وهو مدلول المصدر المجرد، وفي هذا إشارة إلى العلم بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات والعبادات إيماناً وإسلاماً وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه من أصحاب الشمال. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى: {ألهٰكم التكاثر} وتضمن ذلك الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل الذي فيه فوزه وفلاحه، وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع {أية : إنه كان ظلوماً جهولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال {والعصر إن الإنسان لفي خسر} فالقصور شأنه، والظلم طبعه، والجهل جبلته، فيحق أن يلهيه التكاثر، ولا يدخل الله عليه روح الإيمان {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، فهؤلاء الذين{أية : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}تفسير : [النور: 37] انتهى. ولما كان الحكم على الجنس حكماً على الكل لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك، وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى مما طبع عليه الإنسان بجعله في أحسن تقويم، وحفظه عن الميل مع ما فيه من النقائص، استثناهم سبحانه وتعالى لأنهم قليل جداً بالنسبة إلى أهل الخسر فقال دالاًّ بالاستثناء على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة واللهو، فالمخلص واحد من ألف كما في الحديث الصحيح {إلا الذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به من توحيده سبحانه وتعالى والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولعل حكمة التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى الدرجات، والبشارة لمن فعل ذلك بشرطه بالنجاة من الخسر. ولما كان الإنسان حيواناً ناطقاً، وكان كمال حيوانيته في القوة العملية للحركة بالإرادة لا بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى: {وعملوا} أي تصديقاً بما أقروا به من الإيمان {الصالحات} أي هذا الجنس، وهو اتباع الأوامر واجتناب النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا مسلمين بعد أن كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر. ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر - إلا بتكميل غيره، وحينئذ يكون وارثاً لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا للتكميل، وكان الدين لا يقوم، وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الناشىء عن نور القلب، ولا يتأتى ذلك إلا بالاجتماع، قال مخصصاً لما دخل في الأعمال الصالحة تنبيهاً على عظمه: {وتواصوا} أي أوصى بعضهم بعضاً بلسان الحال أو المقال: {بالحق} أي الأمر الثابت، وهو كل ما حكم الشرع بصحته فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ترك، فكانوا محسنين، والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور. ولما كان الإنسان ميالاً إلى النقصان، فكان فاعل ذلك الإحسان معرضاً للشنآن من أهل العدوان، وهم الأغلب في كل زمان، قال تعالى: {وتواصوا} لأن الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ {بالصبر} أي الناشىء عن زكاة النفس على العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له والمحق وعلى ما يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي هو سبب موصل إلى دار السلام، فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما قبلها من العلمية، وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية والفائدة المقصودة منه، وهي هنا أمران: خارج عن العامل وهو الجنة، وداخل قائم به وهو النور المقرب من الحق سبحانه وتعالى، واختير التعبير بالوصية إشارة إلى الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعمال اللين بغاية الجهد، والصبر هو خلاصة الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته، الذي لا يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على لزوم السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة، فقد عانق آخرها أولها، وواصل مفصلها موصلها، وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في السنة الرابعة عشرة من النبوة يكون الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر بالمعروف بالفعل لإظهار الحق وهي سنة الهجرة التي تم فيها بدره، وعم نوره وقدره، وجم عزه ونصره، فإذا ضممت إليها أربع كلمات البسملة كانت موازية في العدد لسنة خمس من الهجرة، وكان فيها غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب، وقد وقع فيهما أتم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ممن وافقه من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لإظهار الحق والصواب، فإنهم في بدر خذلوا من ركب عبد القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة المنافقين وخوفوا حتى كاد يعمهم الرعب والفشل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد"تفسير : وأنزل الله فيها {أية : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا}تفسير : [آل عمران: 173] الآيات، "حديث : وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأسفرت عاقبة الصبر فيها عما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذهابهم: الآن نغزوهم ولا يغزوننا"تفسير : فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة أشارت إلى سنة تسع، وقد كانت فيها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة لما كان فيها من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها عن إقبال الوفود، بفخامة العز والجدود وتواتر السعود، بلطف الرحيم الودود، وبذلك كان نور الوجود، وتواتر الفضل والجود من الإله المعبود - وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار الوجود.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت سورة ‏ {‏والعصر‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مليكة الدارمي وكانت له صحبة قال‏:‏ كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ‏ {‏والعصر إن الإِنسان لفي خسر‏}‏ إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر‏.‏ وأخرج ابن سعد عن ميمون قال‏:‏ شهدت عمر حين طعن فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن بالعصر و ‏{أية : ‏إذا جاء نصر الله‏}تفسير : ‏ ‏[النصر: 1‏]‏ في الفجر‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ‏"‏والعصر ونوائب الدهر إن الإِنسان لفي خسر وانه لفيه إلى آخر الدهر‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن إسماعيل بن عبد الملك قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير يقرأ قراءة ابن مسعود‏:‏ ‏"‏والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال‏:‏ قرأنا‏:‏ ‏"‏والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏"‏‏.‏ ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن حوشب قال‏:‏ أرسل بشر بن مروان إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال‏:‏ كيف كان ابن مسعود يقرأ ‏ {‏والعصر‏} ‏ فقال‏:‏ ‏"‏والعصر إن الإِنسان لفي خسر وهو فيه إلى آخر الدهر‏"‏ فقال له بشر‏:‏ هو يكفر به‏.‏ فقال عبد الله لكني أومن به‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏والعصر‏}‏ قال‏:‏ ساعة من ساعات النهار‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏والعصر‏} ‏ قال‏:‏ هو ما قبل مغيب الشمس من العشي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏والعصر‏} ‏ قال‏:‏ ساعة من ساعات النهار، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وتواصوا بالحق‏}‏ قال‏:‏ كتاب الله ‏{‏وتواصوا بالصبر‏} ‏ قال‏:‏ طاعة الله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ‏{‏والعصر‏} ‏ قال‏:‏ قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى {‏إن الإِنسان لفي خسر‏} ‏ قال‏:‏ الناس كلهم، ثم استثنى فقال‏:‏ ‏{‏إلا الذين آمنوا‏}‏ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال‏:‏ ‏ {‏وعملوا الصالحات‏}‏ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال‏:‏ ‏{‏وتواصوا بالحق‏} ‏ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال‏:‏ ‏{‏وتواصوا بالصبر‏} ‏ يشترط عليهم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والعصر إن الإِنسان لفي خسر‏} ‏ يعني أبا جهل بن هشام ‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏} ‏ ذكر عليّاً وسلمان‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها ثلاث {وَٱلْعَصْرِ} أقسمَ سبحانَهُ بصلاةِ العصرِ لفضلِها الباهرِ أوْ بالعَشي الذَّيِ هُوَ ما بـينَ الزوالِ والغروبِ كما أقسمَ بالضُّحى أو بعصرِ النبوةِ لظهورِ فضلِه عَلى سائرِ الأعصارِ أو بالدهرِ لانطوائِه عَلى تعاجيبِ الأمورِ القارةِ والمارةِ {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ} أيْ خُسرانٌ في متاجرِهم ومساعيهم وصرفِ أعمارِهم في مباغيِهم والتعريفُ للجنسِ والتنكيرُ للتعظيمِ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} فإنهمُ في تجارةٍ لنْ تبورَ حيثُ باعُوا الفانيَ الخسيسَ واشترَوا الباقيَ النفيسَ واستبدلُوا الباقياتِ الصالحاتِ بالعادياتِ الرائحاتِ فيا لهَا منْ صفقةٍ ما أربَحها وَهَذا بـيانٌ لتكميلِهم لأنفسِهم وقولُه تعالَى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ} الخ بـيانُ لتكميلِهم لغيرِهم أيْ وَصَّى بعضُهم بعضاً بالأمرِ الثابتِ الذي لا سبـيلَ إلى إنكارِه ولا زوالَ في الدارينِ لمحاسنِ آثارِه وهُو الخيرُ كُلُّه منَ الإيمانِ بالله عزَّ وجَلَّ واتباعِ كتبهِ ورسلِه في كُلِّ عقدٍ وعملٍ {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} أيْ عنِ المعاصِي التي تشتاقُ إليها النفسُ بحكمِ الجِبلّةِ البشريةِ وعَلى الطاعاتِ التي يشقُّ عليَها أداؤُها أوْ عَلى ما يبلُو الله عَزَّ وجلَّ بهِ عبادَهُ وتخصيص هَذا التواصِي بالذكرِ مع اندراجِه تحتَ التواصِي بالحقِّ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بهِ أو لأنَّ الأولَ عبارةٌ عن رتبةِ العبادةِ التي هيَ فعلُ ما يَرضى بهِ الله تعالَى والثانِي عن رتبةِ العبوديةِ التي هي الرِّضا بما فعلَ الله تعالَى فإنَّ المرادَ بالصبرِ ليسَ مجردَ حبسِ النفسِ عما تتشوقُ إليهِ من فعلٍ وتركٍ بلْ هُو تلقي ما وردَ منْه تعالَى بالجميلِ والرِّضا بهِ ظاهراً وباطناً. عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ والعصرِ غفرَ الله تَعَالَى لَهُ وكانَ ممنْ تواصَى بالحقِّ وتواصَى بالصبر".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ}[1] قيل: أي ورب الدهر. وقيل: أراد به والعصر.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: إذا لم يراع حقوق الله عليه، واتبع الشهوات ولم يخش الله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}. {وَٱلْعَصْرِ}: الدهر - أقسم به. ويقال: أراد به صلاة َ العصر. ويقال: هو العَشِيّ. {ٱلإِنسَانَ}: أراد به جنْسَ الإنسان. "والخُسْر": الخسران. والمعنى: إن الإنسان لفي عقوبةٍ من ذنوبه. ثم استثنى المؤمنين فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}. الذين أخلصوا في العبادة وتواصوا بما هو حقُّ، وتواصوا بما هو حَسَنٌ وجميلٌ، وتواصوا بالصبر. وفي بعض التفاسير: قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني أبا بكر، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: يعني عمر. و {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} يعني عثمان، و{وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} يعني عليًّا - رضي الله عنهم أجمعين. والخسرانُ الذي يلحق الإنسان على قسمين: في الأعمال ويتبيَّن ذلك في المآل، وفي الأحوال ويتبيَّن ذلك في الوقت والحال؛ وهو القبضُ بعد البسط، والحجبةُ بعد القربة، والرجوعُ إلى الرُّخَصِ بعد إيثار الأَشَقِّ والأَوْلَى. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}: وهو الإيثارُ مع الخَلْق، والصدقُ مع الحقِّ. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}: على العافية... فلا صبرَ أَتَمُّ منه. ويقال: بالصبر مع الله.. وهو أشدُّ أقسام الصبر.

البقلي

تفسير : {وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} اقسم الله بازاله وأباده التى هى اعصار الاولية والأخرية التى قصر منها الدهر الدوار عن تعدادها وايضا اقسم بزمان العارفين حين تابوا بجماله وفرحوا بلقائه ان الانسان لفى خسر اذا احتجب بنفسه عن نفسه وانه لا يبلغ الى وصله ثم استثنى اهل الشهود القدم الذين تركوا اوصاف الحدوثية على باب الازلية واتصفوا باوصاف الربوبية بقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تواصوا بالصبر بالله فى الله وتواصوا بالحق بالاقبال على الحق قال بعضهم التواصى بالصبر هو ان لا يشهد البلاء بحال قال بعضهم التواصى بالحق وهو مقام مع الحق والقيام باوامره على حدود الاستقامة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والعصر} اقسم سبحانه بصلاة العصر فانه كثيرا ما يطلق العصر ويراد صلاته وذلك لفضلها الباهر لكونها وسطى لتوسطها بين الشفع الذى هو صلاة الظهر وبين الوتر النهارى الذى هو صلاة المغرب فانها لما توسطت بين الطرفين اتصفت بالوصفين وظهرت بالحكمين وتحققت بالكمالين كما هو حكم البرازخ فحصل لها من القدر ما لم يكن لكل واحد من الطرفين وايضا ان اوقات اوآئل الصلوات الاربع محدودة الا العصر يعنى أن اول صلاة العصر غير محدود بالحد المحقق ففيه سر التنزيه عن التقييد بالحدود ولذا شرع التكبير فى الصلاة لأن الله تعالى منزه عن التقييد باوضاع الصلاة وحركات المصلى قال بعض الكبار صلاة العصر بركعاتها الاربع اشارة الى التعينات الاربعة الذاتية والاسمائية والصفاتية والافعالية فى مرتبة الجمال الكونى بالفعل كا ان الظهر اشارة اليها فى مرتبة الجمال الالهى ولا شك أن الانسان كون جامع ففى العصر اشارة اليه وفى الحديث حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ومالهتفسير : اى نقص اى ليكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب اهله وماله وسر الوعيد أن التكليف فى ادآء صلاة العصر اشق لتهافت الناس فى تجارتهم ومكاسبهم واشتغالهم بمعايشهم آخر النهار لبرد الهوآء حينئذ لا سيما فى ارض الحجاز فالكسب الحاصل فى ذلك الوقت مع السهو عن الصلاة فى حكم الخسران وسبب للخذلان (حكى) أن امرأة كانت تصيح فى سكك المدينة وتقول دلونى على النبى عليه السلام فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها حديث : ماذا حدثتفسير : قالت يا رسول الله ان زوجى غاب عنى فزنيت فجاءنى ولد من الزنى فألقيت الولد فى دن من الخل حتى مات ثم بعنا ذلك الخل فهل لى من توبة فقال عليه السلام حديث : اما الزنى فعليك الرجم بسببه واما القتل فجزاؤه جهنم واما بيع الخل فقد ارتكبت به كبيرة لكن ظننت انك تركت صلاة العصرتفسير : ويقال ان الله تعالى اقسم بوقت العصر نفسه كما اقسم بالفجر فقد خلق فيه اصل البشر آدم عليه السلام فكان له شرف زآئد على غيره ويقال اقسم بالعشى الذى هو ما بين الزوال والغروب كما اقسم بالضحى لما فيها جميعا من دلائل القدرة ويقال اقسم بعصر النبوة الذى مقداره فيما مضى من الزمان مقدار وقت العصر من النهار وهو زمان بعثته الى انقراض امته فى آخر الزمان وهو ألف سنة كما قال عليه السلام حديث : ان استقامت امتى فلها يوم وان لم تستقم فلها نصف يومتفسير : وفضل هذا العصر على سائر الاعصار ظاهر لأنه عصر خير الانبياء والمرسلين وعصر خير الامم وخير الكتب الاهلية وفيه ظهر تمام الكمالات تفصيلا ويقال اقسم بالدهر لانطوآئه على اعاجيب الامور القارةوالمارة وللتعريض بنفى ما يضاف اليه من الخسران فان الانسان يضيف المكاره والنوائب اليه ويحيل شقاوته وخسرانه عليه والاقسام بالشئ اعظام له وما يضاف اليه الخسران لا يعظم عادة وقد قال عليه السلام حديث : لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر تفسير : فاقسم الله بالدهر لأنه بالنسبة الى الفهم العام محل شهود الآيات الالهية كالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وغيرها وبالسنبة الى الفهم الخاص مظهر التجليات الالهية لظهوره تعالى بصفاته وافعاله فى مظهره فلما كان العصر جامعا لجميع الآيات التى اقسم الله بها فى القرءآن كقوله تعالى {أية : والفجر وليال عشر}تفسير : وقوله تعالى {أية : والشمس وضحاها والقمر اذا تلاها}تفسير : وقوله تعالى {أية : والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى}تفسير : وقوله تعالى {أية : والضحى والليل اذا سجا}تفسير : ختم الله بقسم العصر اقسام جميع القسم وفى التأويلات النجمية اقسم الله بكمال دوام الزمان واستمراره لاشتماله على ولاية النبى عليه السلام ونبوته ورسالته وخلافته لقوله حديث : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين تفسير : اى بين ماء العلم وطين المعلوم ولقوله حديث : نحن الآخرون السابقون تفسير : ولقوله حكاية عن الله سبحانه حديث : لولاك لما خلقت الافلاك تفسير : ولقوله حديث : انا من الله والمؤمنون منى تفسير : ويقوى هذه الاحاديث قوله تعالى {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين}تفسير : اى من عالمى زمانه وما كان بعده وما كان قبله لأن العالمين جمع محلى بالالف واللام فيدل على العموم والشمول كما فى قوله تعالى {أية : الحمد لله رب العالمين}.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والعَصْرِ} أقسم تعالى بصلاة العصر لفضلها الباهر، إذ قيل: هِي الصلاة الوسطى، أو: بالعشيِّ الذي هو مابين الزوال والغروب، كما أقسم بالضُحى، أو بعصر النبوة، لظهور فضله على سائر الأعصار، أو بالدهر مطلقاً؛ لانطوائه على تعاجيب الأمور النافعة والضارة، وجوابه: {إِنَّ الإِنسانَ لفي خُسْرٍ}؛ لفي خسران في متاجرهم ومساعيهم، وصرف أعمارهم في حظوظهم وأمانيهم. {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، أو: فإنهم في تجارةٍ لن تبور، حيث باعوا الفاني الخسيس، وآثروا الباقي النفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالعاديات الرائحات, فيا لها من صفقة ما أربحها!. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم، وقوله تعالى: {وتواصَوْا بالحق} بيان لتكميلهم لغيرهم، أي: وصَّى بعضُهم بعضاً بالأمر الثابت، الذي لا سبيل إلى إنكاره, ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره، وهو الخير كله، من الإيمان بالله عزّ وجل، واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل، {وتواصَوْا بالصبرِ} عن المعاصي التي تُساق إليها النفس الأمّارة، وعلى الطاعة التي يشق عليها أداؤها، وعلى البلية التي تتوجه إليه من جهة قهريته تعالى، وعلى النعمة بالقيام بتمام شكرها، وتخصيص هذا التواصي بالذكر، مع اندراجه تحت التواصي بالحق؛ لإبراز كمال الاعتناء به، أو: لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة، التي هي فعل ما يُرضي الله عزّ وجل، والثاني عن العبودية التي هي الرضا بما فعل اللهُ تعالى، فإنَّ المراد ليس مجرد حبس النفس عمّا تتوق إليه من فعلٍ وترك، بل هو تلقي ما يَرِد منه تعالى بالجميل والرضا ظاهراً وباطناً. قاله أبو السعود. الإشارة: والعصر، أي: عصر الذاكرين، إنَّ الإنسان لفي خُسر، حيث احتجب عن ربه بنفسه وبرؤيته وجوده، إلاّ الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص، وهو خرق العوائد واكتساب الفوائد، حتى وصلوا إلى كشف الحجاب، فلم يروا مع الله غيره، غابوا عن أنفسهم، وعن وجودهم ووجود غيرهم, في شهود محبوبهم, فلمّا تكملوا اشتغلوا بتكميل غيرهم، كما قال تعالى: {وتواصَوْا بالحق} أي: بفعل الحق، وهو ما يثقل على النفس, حتى لا يثقل عليها شيء، أو بالإقبال على الحق، وتواصَوْا على مشاق السير، ثم على عكوف الهم في حضرة الحق. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلّم.

الطوسي

تفسير : هذا قسم من الله تعالى بالعصر. قال ابن عباس: المراد بالعصر - ها هنا - الدهر. وهو قول الكلبي. وقال الحسن وقتادة: هو العشي، وكلاهما فيه العبرة من جهة مرور الليل والنهار. وأصل العصر عصر الثواب ونحوه، وهو فتله لاخراج مائه، فمنه عصر الدهر، لانه الوقت الذي يمكن فتل الامور كفتل الثوب. قال العجاج: شعر : عصراً وحضناً عيشة المعذلجا تفسير : أي الناعم، وقال في العشي: شعر : يروح بنا عمر وقد قصر العصر وفي الروحة الاولى الغنيمة والاجر تفسير : وبه سميت العصر، لانها تعصر بالتأخير، والعصارة ما يعتصر من العنب وغيره، و "المعصرات" السحائب التي تنعصر بالمطر. والاعصار غبار كالعمود يصعد إلى السماء. والعصر الالتجاء إلى الملجأ. والعصر الجارية التي قد دنا بلوغها لأنه عصر شبابها، وانعصار ماء الشباب منها. والاعتصار استخراج المال من الانسان، لانه ينحلب كما ينحلب ما يعصر. والعصران الغداة والعشي، والعصران الليل والنهار. قال الشاعر: شعر : ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا ان يدركا ما تيمما تفسير : وقوله {إن الإنسان لفي خسر} جواب القسم. وفيه اخبار من الله أن الانسان يعنى الكافر {لفي خسر} أي لفي نقصان بارتكاب المعاصي وكفره بالله والخسر هلاك رأس المال للانسان وبارتكاب المعاصي في هلاك نفسه خسران، وهو اكبر من رأس ماله. وقوله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} استثناء من جملة الناس المؤمنين المصدقين بتوحيد الله باخلاص عبادته العاملين بالطاعات {وتواصوا بالحق} أي تواصي بعضهم بعضاً بأتباع الحق وإجتناب الباطل {وتواصوا بالصبر} تواصي بعضهم بعضاً بالصبر على تحمل المشاق في طاعة الله. وقال الحسن وقتادة: الصبر على طاعة الله. والصبر حبس النفس عما تنازع اليه من الأمر حتى يكون الداعي إلى الفعل. وقد أمر الله تعالى بالصبر والتواضع. والحق ما دعا اليه العقل.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْعَصْرِ} المراد بالعصر وقت صلاة العصر، اقسم به كما اقسم بالضّحى، او المراد به الدّهر مطلقا، او عصر النّبىّ (ص) على ان يكون اللاّم لتعريف العهد، او صلاة العصر، او الملكوت فانّها بعدها يختفى شمس الحقيقة فى عالم الطّبع وانّها بمثالها الصّاعد معصورة عالم الطّبع كما انّها بمثالها الهابط معصورة الجبروت، او المراد بالعصر مطلق عالم الطّبع لكونه عصير الملكوت.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات معنعناً: عن أبي عبد الله [الصادق. أ] عليه السلام في قوله [ر: قول الله] تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} قال: استثنى الله تعالى أهل صفوته من خلقه حيث قال: {إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أدوا الفرائض {وتواصوا بالحق} الولاية وأوصوا ذراريهم ومن خلفوا بالولاية وبالصبر عليها.

الأعقم

تفسير : قال جار الله أقسم الله بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله: {والصلاة الوسطى} صلاة العصر في مصحف حفصة، والانسان للجنس، والذي ذكره في الحاكم قيل: أقسم بالعصر، وقيل: برب العصر، والعصر الدهر لما فيه من مرور الليل والنهار {إن الإنسان لفي خسر} جواب القسم أي في هلاك أما لا خسران أعظم من استحقاق العذاب الدائم، وقيل: خسروا أهليهم ومنازلهم في الجنة، والانسان عام {إلاّ الذين آمنوا} بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} فانهم ليسوا في خسران {وتواصوا بالحق} عن المعاصي وعلى الطاعات وصّى بعضهم بعضاً.

الهواري

تفسير : تفسير سورة والعصر، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} أي: عصر النهار، وهو ما بين زوال الشمس إلى الليل. وهو قسم. {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أي: من الجنة. وقال بعضهم: لفي ضلال. ثم استثنى من الناس فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ} أي: بالتوحيد {وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ} أي: على الفرائض. وبعضهم يقول: {بِالْحَقِّ} أي: بالله {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} فإنهم ليسوا في خسر من الجنة، وهم أهل الجنة. ذكروا أن رجلين من أصحاب النبي عليه السلام إذا التقيا فأراد أن يفترقا أخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ثم قرأ كل واحد منهما سورة والعصر إلى آخرها.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالعَصْرِ} قال ابن عباس الدهر لما يخلق الله فيه من العبر والعجائب وقيل المراد الليل والنهار لأنه يقال لهما العصران أقسم بهما لأنهما خزانتان للأعمال وال للحقيقة فعمت الإثنين وعلى الال للإستغراق ويجوز أن تكون على الثاني كذلك وقيل عصر النبوة بما فيه من الأعاجيب كعصر نبينا وعصر سيدنا موسى عليهما الصلاة والسلام فقد قيل أن عصاه بلغت ألف معجزة وقال مقاتل العصر صلاة العصر عظمها بالقسم كما عظمها بالتخصيص بالذكر لقوله والصلاة الوسطى عند بعض. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وثر أهله وماله" تفسير : ولأنها أشق لتهافت الناس في تجارتهم آخر النهار وإشتغالهم بمعائشهم والأمور العظام واجتماعهم لها في ذلك الوقت، "حديث : وقال أبي بن كعب سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال أقسم ربكم بآخر النهار وهذا كما أقسم بالضحى" تفسير : وقيل عصر نبينا صلى الله عليه وسلم إيذانا بأنه أشرف الأعصار كما أقسم ببلده وكما يقال وحياتك ولعمرك وعليه قال للحضور {إِنَّ الإِنْسَانَ}.

اطفيش

تفسير : أقسم بوقت العصر لعظمه بوقوع صلاة العصر فيه وهى عظيمة الشأن كما أنها الصلاة الوسطى المخصوصة بالذكر لمزيتها بعد العموم عند الجمهور وفى مصحف ابن مسعود وعائشة وحفصة والصلاة الوسطى صلاة العصر، وعنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما أوتر ماله وأهله"تفسير : ، وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -"حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأَ الله بيوتهم ناراً "تفسير : وقيل العصر صلاة العصر تسمية للمظروف باسم ظرفه، وقيل هو على حذف مضاف وخصت بالفضل لأنها وقت تهافت الناس فى أشغالهم وتجارتهم وكسبهم فيعظم الأجر لمن صلاها مطمئناً فيها وقيل أقسم بذلك الوقت لخلق آدم فيها من يوم الجمعة وهو أبو البشر، وعن قتادة أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة وهما أول النهار وآخره وليس فى هذا أنه أقسم به لخلق آدم فيه وقد قيل يطلق العصر على البكرة وعلى العشية، وعن الزجاج يطلق على اليوم وعلى اليلة فيحتمل أنه أقسم بالبكرة أو بالعشية أو باليوم أو بالليلة وقيل المراد عصر النبوة أقسم بزمانه كما أقسم بمكانه فى قوله تعالى: {أية : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد} تفسير : [البلد: 1 - 2] وذلك من حيث بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى أن مات وهو أفضل الأعصار، وقيل من حين ولد إلى يوم القيامة لأن ذلك زمانه وزمان أًُمته خير أُمة ووقت جريان شرعه ومقداره من الزمان من لدن خلق آدم مقدار وقت العصر من اليوم ففى البخارى عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول حديث : إنما بقاءكم فيمن سلف قبلكم من الأُمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس تفسير : فتح الله تعالى النبوة بآدم الذى دخل الجنة وأكل منها ولم يكن فى بطن ولم يخرج من فرج وختمها بأَفضل الأًنبياءِ كنور الشجر وثماره المؤخرة عن أوراقها وأغصانها والمقصود بالذات من الشجرة ثمارها ونورها، وعن ابن عباس العصر الدهر أقسم الله تعالى به لاشتماله على العجائب وللتنبيه على نعمه ونقمه فيستعد العاقل لمجانبة الخسران قيل وللرد على من يضيف الحوادث إلى الزمان وفيه أنه لا دلالة فى السورة ولا فى العصر على ذلك وقيل التقدير ورب العصر.

الالوسي

تفسير : قال مقاتل أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها لأنها الصلاة الوسطى عند الجمهور لقوله عليه الصلاة والسلام حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصرتفسير : ولما في مصحف / حفصة (والصلاة الوسطى صلاة العصر) وفي الحديث((حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ))تفسير : وروي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة دلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآها عليه الصلاة والسلام فسألها ماذا حدث فقالت يا رسول الله إن زوجي غاب فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في دن خل فمات ثم بعت ذلك الخل فهل لي من توبة فقال عليه الصلاة والسلام أما الزنا فعليك الرجم بسببه وأما القتل فجزاؤه جهنم وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيراً لكن ظننت أنك تركت صلاة العصر ذكر ذلك الإمام وهو لعمري إمام في نقل مثل ذلك مما لا يعول عليه عند أئمة الحديث فإياك والاقتداء به. وخصت بالفضل لأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم. وقيل أقسم عز وجل بوقت تلك الصلاة لفضيلة صلاته أو لخلق آدم أبـي البشر عليه السلام فيه من يوم الجمعة وإلى هذا ذهب قتادة فقد روي عنه أنه قال العصر العشي أقسم سبحانه به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة وقال الزجاج العصر اليوم والعصر الليلة وعليه قول حميد بن ثور:شعر : ولم يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما تفسير : وقيل العصر بكرة والعصر عشية وهما إلابرادان وعليه وعلى ما قبله يكون القسم بواحد من الأمرين غير معين وقيل المراد به عصر النبوة وكأنه عني به وقت حياته عليه الصلاة والسلام فإنه أشرف الأعصار لتشريف النبـي صلى الله عليه وسلم وقيل هو زمان حياته صلى الله عليه وسلم وما بعده إلى يوم القيامة ومقداره فيما مضى من الزمان مقدار وقت العصر من النهار ويؤذن بذلك ما رواه البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع النبـي صلى الله عليه وسلم يقول ((حديث : إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس))تفسير : وشرفه لكونه زمان النبـي صلى الله عليه وسلم وأمته التي هي خير أمة أخرجت للناس ولا يضره تأخيره كما لا يضر السنان تأخره عن أطراف مرانه والنَّوْر تأخره عن أطراف أغصانه. وقال ابن عباس هو الدهر أقسم عز وجل به لاشتماله على أصناف العجائب ولذا قيل له أبو العجب وكأنه تعالى يذكر بالقسم به ما فيه من النعم وأضدادها لتنبيه الإنسان المستعد للخسران والسعادة ويعرض عز وجل لما في الإقسام به من التعظيم بنفي أن يكون له خسران أو دخل فيه كما يزعمه من يضيف الحوادث إليه وفي إضافة الخسران بعد ذلك للإنسان إشعار بأنه صفة له لا للزمان كما قيل: شعر : يعيبون الزمان وليس فيه معايب غير أهل للزمان تفسير : وتعقب بأن استعمال العصر بذلك المعنى غير ظاهر.

سيد قطب

تفسير : في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام. وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة. إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار. وتصف الأمة المسلمة: حقيقتها ووظيفتها. في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة.. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله.. والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه: إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناج. هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه. وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار.. {والعصر، إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. إنه الإيمان. والعمل الصالح. والتواصي بالحق. والتواصي بالصبر.. فما الإيمان؟؟ نحن لا نعرّف الإيمان هنا تعريفه الفقهي؛ ولكننا نتحدث عن طبيعته وقيمته في الحياة. إنه اتصال هذا الكائن الإنساني الفاني الصغير المحدود بالأصل المطلق الأزلي الباقي الذي صدر عنه الوجود. ومن ثم اتصاله بالكون الصادر عن ذات المصدر، وبالنواميس التي تحكم هذا الكون، وبالقوى والطاقات المذخورة فيه. والانطلاق حينئذ من حدود ذاته الصغيرة إلى رحابة الكون الكبير. ومن حدود قوته الهزيلة إلى عظمة الطاقات الكونية المجهولة. ومن حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله. وفضلاً عما يمنحه هذا الاتصال للكائن الإنساني من قوة وامتداد وانطلاق، فإنه يمنحه إلى جانب هذا كله متاعاً بالوجود وما فيه من جمال، ومن مخلوقات تتعاطف أرواحها مع روحه. فإذا الحياة رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان.. وهي سعادة رفيعة، وفرح نفيس، وأنس بالحياة والكون كأنس الحبيب بالحبيب. وهو كسب لا يعدله كسب. وفقدانه خسران لا يعدله خسران.. ثم إن مقومات الإيمان هي بذاتها مقومات الإنسانية الرفيعة الكريمة.. التعبد لإله واحد، يرفع الإنسان عن العبودية لسواه، ويقيم في نفسه المساواة مع جميع العباد، فلا يذل لأحد، ولا يحني رأسه لغير الواحد القهار.. ومن هنا الانطلاق التحرري الحقيقي للإنسان. والانطلاق الذي ينبثق من الضمير ومن تصور الحقيقة الواقعة في الوجود. إنه ليس هناك إلا قوة واحدة وإلا معبود واحد. فالانطلاق التحرري ينبثق من هذا التصور انبثاقاً ذاتياً، لأنه هو الأمر المنطقي الوحيد. والربانية التي تحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان تصوراته وقيمه وموازينه واعتباراته وشرائعه وقوانينه، وكل ما يربطه بالله، أو بالوجود، أو بالناس. فينتفي من الحياة الهوى والمصلحة، وتحل محلهما الشريعة والعدالة. وترفع من شعور المؤمن بقيمة منهجه، وتمده بالاستعلاء على تصورات الجاهلية وقيمها واعتباراتها، وعلى القيم المستمدة من الارتباطات الأرضية الواقعة.. ولو كان فرداً واحداً، لأنه إنما يواجهها بتصورات وقيم واعتبارات مستمدة من الله مباشرة فهي الأعلى والأقوى والأولى بالاتباع والاحترام. ووضوح الصلة بين الخالق والمخلوق، وتبين مقام الألوهية ومقام العبودية على حقيقتها الناصعة، مما يصل هذه الخليقة الفانية بالحقيقة الباقية في غير تعقيد، وبلا وساطة في الطريق. ويودع القلب نوراً، والروح طمأنينة، والنفس أنساً وثقة. وينفي التردد والخوف والقلق والاضطراب كما ينفي الاستكبار في الأرض بغير الحق، والاستعلاء على العباد بالباطل والافتراء! والاستقامة على المنهج الذي يريده الله. فلا يكون الخير فلته عارضة، ولا نزوة طارئة، ولا حادثة منقطعة. إنما ينبعث عن دوافع، ويتجه إلى هدف، ويتعاون عليه الأفراد المرتبطون في الله، فتقوم الجماعة المسلمة ذات الهدف الواحد الواضح، والراية الواحدة المتميزة. كما تتضامن الأَجيال المتعاقبة الموصولة بهذا الحبل المتين. والاعتقاد بكرامة الإنسان على الله، يرفع من اعتباره في نظر نفسه، ويثير في ضميره الحياء من التدني عن المرتبة التي رفعه الله إليها. وهذا أرفع تصور يتصوره الإنسان لنفسه.. أنه كريم عند الله.. وكل مذهب أو تصور يحط من قدر الإنسان في نظر نفسه، ويرده إلى منبت حقير، ويفصل بينه وبين الملأ الأعلى.. هو تصور أو مذهب يدعوه إلى التدني والتسفل ولو لم يقل له ذلك صراحة! ومن هنا كانت إيحاءات الدارونية والفرويدية والماركسية هي أبشع ما تبتلى به الفطرة البشرية والتوجيه الإنساني، فتوحي إلى البشر بأن كل سفالة وكل قذارة وكل حقارة هي أمر طبيعي متوقع، ليس فيه ما يستغرب، ومن ثم ليس فيه ما يخجل.. وهي جناية على البشرية تستحق المقت والازدراء! ونظافة المشاعر تجيء نتيجة مباشرة للشعور بكرامة الإنسان على الله. ثم برقابة الله على الضمائر واطلاعه على السرائر. وإن الإنسان السوي الذي لم تمسخه إيحاءات فرويد وكارل ماركس وأمثالهما، ليستحيي أن يطلع إنسان مثله على شوائب ضميره وخائنة شعوره. والمؤمن يحس وقع نظر الله ـ سبحانه ـ في أطواء حسه إحساساً يرتعش له ويهتز. فأولى أن يطهر حسه هذا وينظفه! والحاسة الأخلاقية ثمرة طبيعية وحتمية للإيمان بإله عادل رحيم عفو كريم ودود حليم، يكره الشر ويحب الخير. ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهناك التبعة المترتبة على حرية الإرادة وشمول الرقابة، وما تثيره في حس المؤمن من يقظة وحساسية، ومن رزانة وتدبر. وهي ليست تبعة فردية فحسب، إنما هي كذلك تبعة جماعية، وتبعة تجاه الخير في ذاته، وإزاء البشرية جميعاً.. أمام الله.. وحين يتحرك المؤمن حركة فهو يحس بهذا كله، فيكبر في عين نفسه، ويقدر نتيجة خطوه قبل أن يمد رجله.. إنه كائن له قيمة في الوجود، وعليه تبعة في نظام هذا الوجود.. والارتفاع عن التكالب على أعراض الحياة الدنيا ـ وهو بعض إيحاءات الإيمان ـ واختيار ما عند الله، وهو خير وأبقى. {أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.. تفسير : والتنافس على ما عند الله يرفع ويطهر وينظف.. يساعد على هذا سعة المجال الذي يتحرك فيه المؤمن.. بين الدنيا والآخرة، والأرض والملأ الأعلى. مما يهدئ في نفسه القلق على النتيجة والعجلة على الثمرة. فهو يفعل الخير لأنه الخير، ولأن الله يريده، ولا عليه ألا يدرّ الخير خيراً على مشهد من عينيه في عمره الفردي المحدود. فالله الذي يفعل الخير ابتغاء وجهه لا يموت ـ سبحانه - ولا ينسى، ولا يغفل شيئاً من عمله. والأرض ليست دار جزاء. والحياة الدنيا ليست نهاية المطاف. ومن ثم يستمد القدرة على مواصلة الخير من هذا الينبوع الذي لا ينضب. وهذا هو الذي يكفل أن يكون الخير منهجاً موصولاً، لا دفعة طارئة، ولا فلتة مقطوعة. وهذا هو الذي يمد المؤمن بهذه القوة الهائلة التي يقف بها في وجه الشر. سواء تمثل في طغيان طاغية، أو في ضغط الاعتبارات الجاهلية، أو في اندفاع نزواته هو وضغطها على إرادته. هذا الضغط الذي ينشأ أول ما ينشأ من شعور الفرد بقصر عمره عن استيعاب لذائذه وتحقيق أطماعه، وقصره كذلك عن رؤية النتائج البعيدة للخير، وشهود انتصار الحق على الباطل! والإيمان يعالج هذا الشعور علاجاً أساسياً كاملاً. إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير، الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير، وتتعلق به كل ثمرة من ثماره، وإلا فهو فرع مقطوع من شجرته، صائر إلى ذبول وجفاف. وإلا فهي ثمرة شيطانية، وليس لها امتداد أو دوام! وهو المحور الذي تشد إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة. وإلا فهي مفلتة لا تمسك بشيء، ذاهبة بدداً مع الأهواء والنزوات.. وهو المنهج الذي يضم شتات الأعمال، ويردها إلى نظام تتناسق معه وتتعاون، وتنسلك في طريق واحد، وفي حركة واحدة، لها دافع معلوم، ولها هدف مرسوم.. ومن ثم يهدر القرآن قيمة كل عمل لا يرجع إلى هذا الأصل، ولا يشد إلى هذا المحور، ولا ينبع من هذا المنهج. والنظرية الإسلامية صريحة في هذا كل الصراحة.. جاء في سورة إبراهيم: {أية : مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. لا يقدرون مما كسبوا على شيء}.. تفسير : وجاء في سورة النور: {أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً}.. تفسير : وهي نصوص صريحة في إهدار قيمة العمل كله، ما لم يستند إلى الإيمان، الذي يجعل له دافعاً موصولاً بمصدر الوجود، وهدفاً متناسقاً مع غاية الوجود. وهذه هي النظرة المنطقية لعقيدة ترد الأمور كلها إلى الله. فمن انقطع عنه فقد انقطع وفقد حقيقة معناه. إن الإيمان دليل على صحة الفطرة وسلامة التكوين الإنساني، وتناسقه مع فطرة الكون كله، ودليل التجاوب بين الإنسان والكون من حوله. فهو يعيش في هذا الكون، وحين يصح كيانه لا بد أن يقع بينه وبين هذا الكون تجاوب. ولا بد أن ينتهي هذا التجاوب إلى الإيمان، بحكم ما في الكون ذاته من دلائل وإيحاءات عن القدرة المطلقة التي أبدعته على هذا النسق. فإذا فقد هذا التجاوب أو تعطل، كان هذا بذاته دليلاً على خلل ونقص في الجهاز الذي يتلقى، وهو هذا الكيان الإنساني. وكان هذا دليل فساد لا يكون معه إلا خسران. ولا يصح معه عمل ولو كان في ظاهره مسحة من الصلاح. وإن عالم المؤمن من السعة والشمول والامتداد والارتفاع والجمال والسعادة بحيث تبدو إلى جانبه عوالم غير المؤمنين صغيرة ضئيلة هابطة هزيلة شائهة شقية.. خاسرة أي خسران! والعمل الصالح وهو الثمرة الطبيعية للإيمان، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب. فالإيمان حقيقة إيجابية متحركة. ما إن تستقر في الضمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح.. هذا هو الإيمان الإسلامي.. لا يمكن أن يظل خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدى في صورة حية خارج ذات المؤمن.. فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت. شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها. فهو ينبعث منها انبعاثاً طبيعياً. وإلا فهو غير موجود! ومن هنا قيمة الإيمان.. إنه حركة عمل وبناء وتعمير.. يتجه إلى الله.. إنه ليس انكماشاً وسلبية وانزواء في مكنونات الضمير. وليس مجرد النوايا الطيبة التي لا تتمثل في حركة وهذه طبيعة الإسلام البارزة التي تجعل منة قوة بناء كبرى في صميم الحياة. وهذا مفهوم ما دام الإيمان هو الارتباط بالمنهج الرباني. وهذا المنهج حركة دائمة متصلة في صميم الوجود. صادرة عن تدبير، متجهة إلى غاية. وقيادة الإيمان للبشرية هي قيادة لتحقيق منهج الحركة التي هي طبيعة الوجود. الحركة الخيرة النظيفة البانية المعمرة اللائقة بمنهج يصدر عن الله. أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فتبرز من خلالها صورة الأمة المسلمة ـ أو الجماعة المسلمة ـ ذات الكيان الخاص، والرابطة المميزة، والوجهة الموحدة. الجماعة التي تشعر بكيانها كما تشعر بواجبها. والتي تعرف حقيقة ما هي مقدمة عليه من الإيمان والعمل الصالح، الذي يشمل فيما يشمل قيادة البشرية في طريق الإيمان والعمل الصالح؛ فتتواصى فيما بينها بما يعينها على النهوض بالأمانة الكبرى. فمن خلال لفظ التواصي ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة ـ أو الجماعة ـ المتضامة المتضامنة. الأمة الخيرة. الواعية. القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير.. وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة.. وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام.. هكذا يريدها أمة خيرة قوية واعية قائمة على حراسة الحق والخير، متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن.. والتواصي بالحق ضرورة. فالنهوض بالحق عسير. والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة. وطغيان الطغاة، وظلم الظلمة، وجور الجائرين.. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة. فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية، إذ تتفاعل معاً فتتضاعف. تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله.. وهذا الدين ـ وهو الحق ـ لا يقوم إلا في حراسة جماعة متواصية متكافلة متضامنة على هذا المثال. والتواصي بالصبر كذلك ضرورة. فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة. ولا بد من الصبر. لا بد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير. والصبر على الأذى والمشقة. والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم، وبعد النهاية! والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، وتساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار.. إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها، ولا تبرز إلا من خلالها.. وإلا فهو الخسران والضياع. وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران، فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء. يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا ـ قبل الآخرة ـ يهولنا أن نرى إعراض البشرية ذلك الإعراض البائس عن الخير الذي أفاضه الله عليها؛ مع فقدان السلطة الخيرة المؤمنة القائمة على الحق في هذه الأرض.. هذا والمسلمون ـ أو أصحاب دعوى الإسلام بتعبير أدق ـ هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير، وأشدهم إعراضاً عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم، وعن الدستور الذي شرعه لأمتهم، وعن الطريق الوحيد الذي رسمه للنجاة من الخسران والضياع. والبقاع الي انبعث منها هذا الخير أول مرة تترك الراية التي رفعها لها الله، راية الإيمان، لتتعلق برايات عنصرية لم تنل تحتها خيراً قط في تاريخها كله. لم يكن لها تحتها ذكر في الأرض ولا في السماء. حتى جاء الإسلام فرفع لها هذه الراية المنتسبة لله، لا شريك له، المسماة باسم الله لا شريك له، الموسومة بميسم الله لا شريك له.. الراية التي انتصر العرب تحتها وسادوا وقادوا البشرية قيادة خيرة قوية واعية ناجية لأول مرة في تاريخهم وفي تاريخ البشرية الطويل.. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟".. عن هذه القيادة الخيرة الفذة في التاريخ كله، وتحت عنوان "عهد القيادة الإسلامية": "الأئمة المسلمون وخصائصهم": "ظهر المسلمون، وتزعموا العالم، وعزلوا الأمم المزيفة من زعامة الإنسانية التي استغلتها وأساءت عملها، وساروا بالإنسانية سيراً حثيثاً متزناً عادلاً، وقد توفرت فيهم الصفات التي تؤهلهم لقيادة الأمم، وتضمن سعادتها وفلاحها في ظلهم وتحت قيادتهم". "أولاً: أنهم أصحاب كتاب منزل وشريعة إلهية، فلا يقننون ولا يشترعون من عند أنفسهم. لأن ذلك منبع الجهل والخطأ والظلم، ولا يخبطون في سلوكهم وسياستهم ومعاملتهم للناس خبط عشواء، وقد جعل الله لهم نوراً يمشون به في الناس، وجعل لهم شريعة يحكمون بها الناس {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟}تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون }. تفسير : ثانياً:ـ أنهم لم يتولوا الحكم والقيادة بغير تربية خلقية وتزكية نفس، بخلاف غالب الأمم والأفراد ورجال الحكومة في الماضي والحاضر، بل مكثوا زمناً طويلاً تحت تربية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإشرافه الدقيق، يزكيهم ويؤدبهم، ويأخذهم بالزهد والورع والعفاف والأمانة والإيثار وخشية الله، وعدم الاستشراف للإمارة والحرص عليها. يقول: "حديث : إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه ". تفسير : ولا يزال يقرع سمعهم: {أية : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}.. تفسير : فكانوا لا يتهافتون على الوظائف والمناصب، فضلاً عن أن يرشحوا أنفسهم للإمارة، ويزكوا أنفسهم، وينشروا دعاية لها، وينفقوا الأموال سعياً وراءها. فإذا تولوا شيئاً من أمور الناس لم يعدوه مغنماً أو طعمة أو ثمناً لما أنفقوا من مال أو جهد؛ بل عدوه أمانة في عنقهم، وامتحاناً من الله؛ ويعلمون أنهم موقوفون عند ربهم، ومسؤولون عن الدقيق والجليل، وتذكروا دائماً قول الله تعالى: {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}..تفسير : وقوله.. {أية : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما آتاكم }.. تفسير : "ثالثاً: إنهم لم يكونوا خدمة جنس، ورسل شعب أو وطن، يسعون لرفاهيته ومصلحته وحده؛ ويؤمنون بفضله وشرفه على جميع الشعوب والأوطان، لم يخلقوا إلا ليكونوا حكاماً، ولم تخلق إلا لتكون محكومة لهم. ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكم أنفسهم! إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده. كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد: الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام". فالأمم عندهم سواء، والناس عندهم سواء الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب. لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى: {أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم }. تفسير : وقد قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عامل مصر ـ وقد ضرب ابنه مصرياً وافتخر بآبائه قائلاً: خذها من ابن الأكرمين. فاقتص منه عمر ـ: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحراراً أمهاتهم؟ فلم يبخل هؤلاء بما عندهم من دين وعلم وتهذيب على أحد، ولم يراعوا في الحكم والإمارة والفضل نسباً ولوناً ووطناً، بل كانوا سحابة انتظمت البلاد وعمت العباد، وغوادي مزنة أثنى عليها السهل والوعر، وانتفعت بها البلاد والعباد على قدر قبولها وصلاحها. في ظل هؤلاء وتحت حكمهم استطاعت الأمم والشعوب ـ حتى المضطهدة منها في القديم ـ أن تنال نصيبها من الدين والعلم والتهذيب والحكومة، وأن تساهم العرب في بناء العالم الجديد، بل إن كثيراً من أفرادها فاقوا العرب في بعض الفضائل، وكان منهم أئمة هم تيجان مفارق العرب وسادة المسلمين من الأئمة والفقهاء والمحدثين.. "رابعاً: إن الإنسان جسم وروح، وهو ذو قلب وعقل وعواطف وجوارح، لا يسعد ولا يفلح ولا يرقى رقياً متزناً عادلاً حتى تنمو فيه هذه القوى كلها نمواً متناسباً لائقاً بها، ويتغذى غذاء صالحاً، ولا يمكن أن توجد المدنية الصالحة ألبتة إلا إذا ساد وسط ديني خلقي عقلي جسدي يمكن فيه للإنسان بسهولة أن يبلغ كماله الإنساني. وقد أثبتت التجربة أنه لا يكون ذلك إلا إذا مكنت قيادة الحياة وإدارة دفة المدنية بين الذين يؤمنون بالروح والمادة، ويكونون أمثلة كاملة في الحياة الدينية والخلقية، وأصحاب عقول سليمة راجحة، وعلوم صحيحة نافعة".. إلى أن يقول تحت عنوان: "دور الخلافة الراشدة مثل المدنية الصالحة": "وكذلك كان، فلم نعرف دوراً من أدوار التاريخ أكمل وأجمل وأزهر في جميع هذه النواحي من هذا الدور ـ دور الخلافة الراشدة ـ فقد تعاونت فيه قوة الروح والأخلاق والدين والعلم والأدوات المادية في تنشئة الإنسان الكامل. وفي ظهور المدنية الصالحة.. كانت حكومة من أكبر حكومات العالم، وقوة سياسية مادية تفوق كل قوة في عصرها، تسود فيها المثل الخلقية العليا، وتحكم معايير الأخلاق الفاضلة في حياة الناس ونظام الحكم، وتزدهر فيها الأخلاق والفضيلة مع التجارة والصناعة، ويساير الرقي الخلقي والروحي اتساع الفتوح واحتفال الحضارة، فتقل الجنايات، وتندر الجرائم بالنسبة إلى مساحة المملكة وعدد سكانها ورغم دواعيها وأسبابها، وتحسن علاقة الفرد بالفرد، والفرد بالجماعة، وعلاقة الجماعة بالفرد. وهو دور كمالي لم يحلم الإنسان بأرقى منه، ولم يفترض المفترضون أزهى منه..". هذه بعض ملامح تلك الحقبة السعيدة التي عاشتها البشرية في ظل الدستور الإسلامي الذي تضع "سورة العصر" قواعده، وتحت تلك الراية الإيمانية التي تحملها جماعة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. فأين منها هذا الضياع الذي تعانيه البشرية اليوم في كل مكان، والخسار الذي تبوء به في معركة الخير والشر، والعماء عن ذلك الخير الكبير الذي حملته الأمة العربية للبشر يوم حملت راية الإسلام فكانت لها القيادة. ثم وضعت هذه الراية فإذا هي في ذيل القافلة. وإذا القافلة كلها تعطو إلى الضياع والخسار. وإذا الرايات كلها بعد ذلك للشيطان ليس فيها راية واحدة لله. وإذا هي كلها للباطل ليس فيها راية واحدة للحق. وإذا هي كلها للعماء والضلال ليس فيها راية واحدة للهدى والنور، وإذا هي كلها للخسار ليس فيها راية واحدة للفلاح! وراية الله ما تزال. وإنها لترتقب اليد التي ترفعها والأمة التي تسير تحتها إلى الخير والهدى والصلاح والفلاح. ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض. وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير. وهناك. هناك الربح الحق والخسر الحق. هناك في الأمد الطويل، وفي الحياة الباقية، وفي عالم الحقيقة.. هناك الربح والخسر: ربح الجنة والرضوان، أو خسر الجنة والرضوان. هناك حيث يبلغ الإنسان أقصى الكمال المقدر له، أو يرتكس فتهدر آدميته، وينتهي إلى أن يكون حجراً في القيمة ودون الحجر في الراحة: {أية : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً }.. تفسير : وهذه السورة حاسمة في تحديد الطريق.. إنه الخسر.. {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.. طريق واحد لا يتعدد. طريق الإيمان والعمل الصالح وقيام الجماعة المسلمة، التي تتواصى بالحق وتتواصى بالصبر. وتقوم متضامنة على حراسة الحق مزودة بزاد الصبر. إنه طريق واحد. ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة "والعصر" ثم يسلم أحدهما على الآخر.. لقد كانا يتعاهدان على هذا الدستور الإلهي، يتعاهدان على الإيمان والصلاح، ويتعاهدان على التواصي بالحق والتواصي بالصبر. ويتعاهدان على أنهما حارسان لهذا الدستور. ويتعاهدان على أنهما من هذه الأمة القائمة على هذا الدستور..

ابن عاشور

تفسير : أقسم الله تعالى بالعصر قسماً يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن. والمقسَم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه. وللعصر معانٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية، يتعين إما بإضافته إلى ما يُقدر، أو بالقرينة، أو بالعهد، وأيَّاً ما كان المرادُ منه هنا فإن القسم به باعتبار أنه زمن يذكِّر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصرٍ معين مبارك. وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علَم بالغلبة لوقتٍ ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس. وذلك وقت اصفرار الشمس، والعصر مبدأ العشيّ. ويعقبه الأصيل والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس، قال الحارث بن حِلزة: شعر : آنستْ نبأة وأفزَعها القَنَّــــ ــــاصُ عَصراً وقَدْ دَنَا الإِمساء تفسير : فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار، ويذكر بخلقة الشمس والأرض، ونظام حركة الأرض حول الشمس، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية. وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم، وتجاراتهم في أسواقهم، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظامٍ لابتدائه وانقطاعه. وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم. وهو من النعمة أو من النعيم، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم. وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر. ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العَصر. وهي صلاة معظمة. قيل: هي المراد بالوسطى في قوله تعالى: { أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } تفسير : [البقرة: 238]. وجاء في الحديث: « حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه »تفسير : . وورد في الحديث الصحيح: حديث : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة» فذَكَر « ورجل حلف يميناً فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يُعْطَ» تفسير : وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علَماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العَقَبَة. ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جِيل من الناس، أو مَلِك أو نبيء، أو دين، ويعيَّن بالإِضافة، فيقال: عصر الفِطَحْل، وعصر إبراهيم، وعصر الإِسكندر، وعصر الجاهلية، فيجوز أن يكون مراد هذا الإِطلاق هنا ويكون المعنيّ به عصرَ النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في (اليوم) من قوْلك: فعلت اليوم كذا، فالقسم به كالقسم بحياته في قوله تعالى: { أية : لعمرك } تفسير : [الحجر: 72]. قال الفخر: فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى: { أية : وأنت حل بهذا البلد } تفسير : [البلد: 2] وبعمره في قوله: {لعمرك}. اهــــ. ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله: « حديث : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوماً إلى الليل فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا، واستأجر قوماً أن يعملوا بقيةَ يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فأنتم هُم »تفسير : . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإِسلام في هذه الآية. ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله، قال ابن عطية: حديث : قال أبي بن كعب: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربكم بآخر النهارتفسير : . وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر. ومناسبة القَسَم بالعَصر لغرض السورة على إرادة عصر الإِسلام ظاهرة فإنها بينت حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإِسلام، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإِسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإِسلام من الشرك أو بدين جاء الإِسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال تعالى: { أية : من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } تفسير : في سورة آل عمران (85). وتعريف {الإنسان} تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإِنساني الموجودين في زمن نزول الآية وهو زمن ظهور الإِسلام كما علمت قريباً. ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها. ولما استُثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققاً في غير المؤمنين كما سيأتي... والخُسر: مصدر وهو ضد الربح في التجارة، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب. وقد تقدم في قوله تعالى { أية : فما ربحت تجارتهم } تفسير : في سورة البقرة (16) وتكررت نظائره من القرآن آنفاً وبَعيداً. والظرفية في قوله: {لفي خسر} مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال: إن الإنسان لخاسر. ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرفِ التوكيد في جوابه، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس. وأعقب بالاستثناء بقوله: {إلا الذين آمنوا} الآية فيتقرر الحكم تاماً في نفس السامع مبيناً أن الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق لا يلحقه شيء منه، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئاً من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات. ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها، فمن تحقق فيه وصف الإِيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي، أي حسن عاقبة أمره، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران. وهذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإِيمان بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكونُ مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها. وما حدده الإِسلام لذلك من مراتب الأعمال وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحشَ وهو ما فسر به قوله تعالى: { أية : إن الحسنات يذهبن السيئات } تفسير : [هود: 114]. وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإِنذار والوعيد، أي لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا، قال تعالى: { أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } تفسير : [آل عمران: 196، 197]. وتنكير {خسر} يجوز أن يكون للتنويع، ويجوز أن يكون مفيداً للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم. والمعنى: إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون. والتعريف في قوله: {الصالحات} تعريف الجنس مراد به الاستغراق، أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات. وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات. فأما الإِيمان فهو حقيقة مقُول على جزئياتها بالتواطىء. وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة. وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خُسر على أن سبب كون بقية الإِنسان في خسر هو عدم الإِيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة. وعُلم من الموصول أن الإِيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإِنسان. وعُطف على عَمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات، عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر. والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضاً وإن كان خصوصه خصوصاً من وجهٍ لأن الصبر تحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق. وحقيقة الصبر أنه: منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله (إن كان صعبَ الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوْف ضر ينْشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور) أو لرغبة في حصول نفع منه (كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك). ومن الصبر الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمَرَ بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به أو مِن أذاهم بالقول كمن يقول لآمره: هَلاّ نظرت في أمر نفسك، أو نحو ذلك. وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها. وقد اشتمل قوله تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر. والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها، كما قال عمرو بن العاص: شعر : إذا المرءُ لم يَترُكْ طعاماً يُحبُّه ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيثُ يمَّما فيوشِك أن تُلفَى له الدَّهرَ سُبّةٌ إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تَمْلأ الفَمَا تفسير : وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه. وفي الحديث: « حديث : حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفّت النار بالشهوات »تفسير : . وعن علي بن أبي طالب: «الصبر مطية لا تكبو». وقد مضى الكلام على الصبر مشبعاً عند قوله تعالى: { أية : استعينوا بالصبر والصلاة } تفسير : في سورة البقرة (45). وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائماً على شيوع التآمر بهما ديدناً لهم، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإِسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحداً لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقاً بالملازمة إذ قلّ أن يُقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع، وقد قال الله تعالى توبيخاً لبني إسرائيل: { أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } تفسير : [البقرة: 44]، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى: { أية : ولا تحاضون على طعام المسكين } تفسير : في سورة الفجر (18).

الشنقيطي

تفسير : العصر: اسم للزمن كله أو جزء منه. ولذا اختلف في المراد منه، حيث لم يبين هنا. فقيل: هو الدهر كله، أقسم الله به لما فيه من العجائب، أمة تذهب وأمة تأتي، وقدر ينفذ، وآية تظهر، وهو لا يتغير، ليل يعقبه نهار، ونهار يطرده ليل، فهو في نفسه عجب. كما قيل: موجود شبيه المعدوم، ومتحرك يضاهي الساكن. كما قيل: شعر : وأرى الزمان سفينة تجري بنا نحو المنون ولا نرى حركاته تفسير : فهو في نفسه آية، سواء في ماضيه لا يعلم متى كان، أو في حاضره لا يعلم كيف ينقضي، أو في مستقبله. واستدل لهذا القول بما جاء موقوفاً على علي رضي الله عنه، ومرفوعاً من قراءة شاذة: والعصر ونوائب الدهر. وحمل على التفسير إذ لم يصح قرآناً، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس. وعليه قول الشاعر: شعر : سبيل الهوى وعر، وبحر الهوى غمر ويوم الهوى شهر، وشهر الهوى دهر تفسير : وقيل العصر: الليل والنهار. قال حميد بن ثور: شعر : ولم يلبث العصران يوم ليلة إذا طلبا أن يدركا ما يتمما تفسير : والعصران: أيضاً الغداة العشي. كما قيل: شعر : وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم تفسير : والمطل: التسويف وتأخير الدين. كما قيل: شعر : قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها تفسير : وقيل: إن العشي ما بعد زوال الشمس إلى غروبها، وهو قول الحسن وقتادة. ومنه قول الشاعر: شعر : تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر تفسير : وعن قتادة أيضاً: هو آخر ساعة من ساعات النهار، لتعظيم اليمين فيه، وللقسم بالفجر والضحى. وقيل: هو صلاة العصر لكونها الوسطى. وقيل: عصر النَّبي صلى الله عليه وسلم أو زمن أمته، لأنه يشبه عصر عمر الدنيا. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن أقرب هذه الأقوال كلها قولان: إما العموم بمعنى الدهر للقراءة الشاذة، إذ أقل درجاتها التفسير، ولأنه يشمل بعمومه بقية الأقوال. وإما عصر الإنسان أي عمره ومدة حياته الذي هو محل الكسب والخسران لإشعار السياق، ولأنه يخص العبد في نفسه موعظة وانتفاعاً. ويرجع لهذا المعنى ما يكتنف هذه السورة من سور التكاثر قبلها، والهمزة بعدها، إذ الأولى تذم هذا التلهي والتكاثر بالمال والولد، حتى زيارة المقابر بالموت، ومحل ذلك هو حياة الإنسان. وسورة الهمزة في نفس المعنى تقريباً، في الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده. فجمع المال وتعداده في حياة الإنسان وحياته محدودة، وليس مخلداً في الدنيا، كما أن الإيمان وعمل الصالحات مرتبط بحياة الإنسان. وعليه، فإما أن يكون المراد بالعصر في هذه السورة العموم لشموله الجميع وللقراءة الشاذة، وهذا أقواها. وإما حياة الإنسان، لأنه ألزم له في عمله، وتكون كل الإطلاقات الأخرى من إطلاق الكل، وإرادة البعض، والله تعالى أعلم. وقوله: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}. لفظ الإنسان وإن كان منفرداً، فإن أل فيه جعلته للجنس. وقد بينه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، وتقدم التنبيه عليه مراراً، فهو شامل للمسلم والكافر، إلا من استثنى الله تعالى. وقيل: خاص بالكافر، والأول أرجح للعموم. وإن الإنسان لفي خسر، جواب القسم، والخسر: قيل: هو الغبن، وقيل: النقص: وقيل، العقوبة، وقيل: الهلكة، والكل متقارب. وأصل الخسر والخسران كالكفر والكفران، النقص من رأس المال، ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء، بل أطلق ليعم، وجاء بحرف الظرفية، ليشعر أن الإنسان مستغرق في الخسران، وهو محيط به من كل جهة. ولو نظرنا إلى أمرين وهما المستثنى والسورة التي قبلها، لا تضّح هذا العموم، لأن مفهوم المستثنى يشمل أربعة أمور: عدم الإيمان وهو الكفر، وعدم العمل الصالح وهو العمل الفاسد، وعدم التواصي بالحق وهو انعدام التواصي كلية أو التواصي بالباطل، وعدم التواصي بالصبر، وهو إما انعدام التواصي كلية أو الهلع والجزع. والسورة التي قبلها تلهي الإنسان بالتكاثر في المال والولد، بغية الغنى والتكثر فيه، وضده ضياع المال والولد وهو الخسران. فعليه يكون الخسران في الدين من حيث الإيمان بسبب الكفر، وفي الإسلام وهو ترك العمل، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل وترك الحق، وفي الهلع والفزع. ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه، وكل ذلك جاء في القرآن ما يدل عليه نجمله كالآتي: أما الخسران بالكفر. فكما في قوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65]. وقوله: {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 31]، أي لأنهم لم يعملوا لهذا اللقاء، وقصروا أمرهم في الحياة الدنيا فضيعوا أنفسهم، وحظهم في الآخرة. وأما الخسران بترك العمل، فكما في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم} تفسير : [الأعراف: 9]، لأن الموازين هي معايير الأعمال كما تقدم {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7]. ومثله: {أية : وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 119]، لأنه سيكون من حزب الشيطان {أية : أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} تفسير : [المجادلة: 19]، أي بطاعتهم إياه في معصية الله. وأما الخسران بترك التواصي بالحق فليس بعد الحق إلا بالضلال، والحق هو الإسلام بكامله، وقد نال تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85]. وأما الخسران بترك التواصي بالصبر والوقوع في الهلع والفزع، فكما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآُخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [الحج: 11]. تحقيق المناط في حقيقة خسران الإنسان اتفقوا على أن رأس مال الإنسان في حياته هو عمره. كلف بإعماله في فترة وجوده في الدنيا، فهي له كالسوق. فإن أعمله في خير ربح، وإن أعمله في شر خسر. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111]. وقوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} تفسير : [الصف: 10-11] الآية. وفي الحديث عند مسلم: "حديث : الطهور شطر الإيمان ". تفسير : وفي آخره "حديث : كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" تفسير : مما يؤكد أن رأس مال الإنسان عمره. ولأهمية هذا العمر جاء قسيم الرسالة والنذارة في قوله: {أية : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ} تفسير : [فاطر: 37]. وعلى هذا قالوا: إن الله تعالى أرسل رسوله بالهدى. وهدى كل إنسان النجدين، وجعل لكل إنسان منزلة في الجنة ومنزلة في النار. فمن آمن وعمل صالحاً كان مآله إلى منزلة الجنة، وسلم من منزلة النار، ومن كفر كان مآله إلى منزلة النار، وترك منزلته في الجنة. كما جاء في حديث القبر "حديث : أول ما يدخل في قبره إن كان مؤمناً يفتح له باب إلى النار، ويقال له: ذاك مقعدك من النار لو لم تؤمن ثم يقفل عنه، ويفتح له باب إلى الجنة ويقال له: هذا منزلك يوم تقوم الساعة، فيقول: رب، أقم الساعة ". تفسير : وإن كان كافراً كان على العكس تماماً، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيأخذ كل منزلته فيها، وتبقى منازل أهل النار في الجنة خالية فيتوارثها أهل الجنة، وتبقى منازل أهل الجنة في النار خالية، فتوزع على أهل النار، وهنا يظهر الخسران المبين، لأنه من ترك منزلة في الجنة وذهب إلى منزلة في النار، فهو بلا شك خاسر، وإذا ترك منزلته في الجنة لغيره وأخذ هو بدلاً منها منزلة غيره في النار، كان هو الخسران المبين، عياذاً بالله. أما في غير الكافر وفي عموم المسلمين، فإن الخسران في التفريط بحيث لو دخل الجنة ولم ينل أعلى الدرجات يُحسّ بالخسران في القوت الذي فرط فيه، ولم يناقش في فعل الخير، لينال أعلى الدرجات. فهذه السورة فعلاً دافع لكل فرد إلى الجد والعمل المربح، ودرجات الجنة رفيعة ومنازلها عالية مهما بذل العبد من جهد، فإن أمامه مجال للكسب والربح، نسأل الله التوفيق والفلاح. وقد قالوا: لا يخرج إنسان من الدنيا إلا حزيناً، فإن كان مسيئاً فعلى إساءته، وإن كان محسناً فلتقصيره، وقد يشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30]. فالخوف من المستقبل أمامهم، والحزن على الماضي خلفهم، والله تعالى أعلم. ويبين خطر هذه المسألة: أن الإنسان إذا كان في آخر عمره، وشعر بأيامه المعدودة وساعاته المحدودة، وأراد زيادة يوم فيها، يتزوّد منها أو ساعة وجيزة يستدرك بعضاً مما فاته، لم يستطع لذلك سبيلاً، فيشعر بالأسى والحزن على الأيام والليالي والشهور والسنين التي ضاعت عليه في غير ما كسب ولا فائدة، كان من الممكن أن تكون مربحة له، وفي الحديث الصحيح: "حديث : نعمتان مغبون فيهما الإنسان: الصحة والفراغ ". تفسير : أي أنهما يمضيان لا يستغلهما في أوجه الكسب المكتملة، فيفوتان عليه بدون عوض يذكر ثم يندم، ولات حين مندم. كما قيل في ذلك: شعر : بدلت جمة برأس أزعرا وبالثنايا البيض الدر دررا كما اشترى المسلم إذ تنصرا تفسير : تنبيه في سورة التكاثر تقبيح التلهي بالتكاثر بالمال والولد ونحوه، ثم الإشعار بأنه سببه الجهل، لأنهم لو كانوا يعلمون علم اليقين لما ألهاهم ذلك حتى باغتهم الموت. وهنا إشعار أيضاً بأن سبب هذا الخسران الذي يقع فيه الإنسان، هو الجهل الذي يجر إلى الكفر والتمادي في الباطل، ويساعد على هذا قسوة القلب، وطول الأمد. كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 16]. تنبيه آخر قوله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}، نص على الإنسان على ما تقدم وقد جاءت آية أخرى تدل على أن الجن كالإنس في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} تفسير : [الأحقاف: 18]. وتقدم بيان تكليف الجن بالدعوة واستجابتهم لها. والدعوة إليها.

الواحدي

تفسير : {والعصر} هو الدَّهر، أَقسم الله به. {إنَّ الإِنسان} يعني: الكافر العامل لغير طاعة الله {لفي خسر} خسرانٍ، يعني: إنَّه يخسر أهله ومحله ومنزلته في الجنَّة. {إلاَّ الذين آمنوا} فإنَّهم ليسوا في خسرٍ. {وتواصوا بالحق} وصَّى بعضهم بالإِقامة على التَّوحيد والإِيمان {وتواصوا بالصَّبر} على طاعة الله والجهاد في سبيله. ويروى [مرفوعاً]: {إن الإنسان لفي خسرٍ} يعني: أبا جهلٍ، {إلاَّ الذين آمنوا} يعني: أبا بكر {وعملوا الصالحات} يعني: عمر بن الخطاب. {وتواصوا بالحقِّ} يعني: عثمان. {وتواصوا بالصَّبر} يعني: علياً. رضي الله عنهم أجمعين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بالزمان لكثرة ما انطوى عليه من عجائب وعبر. 2- إن كل إنسان لفى نوع من الخسران. لما يغلب عليه من الأهواء والشهوات. 3- إلا الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات، وأقاموا على الطاعات، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق اعتقادا وقولاً وعملاً، وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على المشاق التى تعترض مَن يعتصم بالدين، فهؤلاء ناجون من الخسران. مُفلحون فى الدنيا والآخرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والعصر: أي الدهر كله. إن الإِنسان: أي جنس الإِنسان كله. لفي خسر: أي في نقصان وخسران إذ حياته هي رأس ماله فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحاً خسر كل الخسران. وتواصوا بالحق: أي أوصى بعضهم بعضا باعتقاد الحق وقوله والعمل به. وتواصوا بالصبر: أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على اعتقاد الحق وقوله والعمل به. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلْعَصْرِ} الآيات الثلاث تضمنت هذه الآيات حكما ومحكوما عليه ومحكوما به فالحكم هو ما حكم به تعالى على الإِنسان كل الإِنسان من النقصان والخسران والمحكوم عليه هو الإِنسان ابن آدم والمحكوم به هو الخسران لمن لم يؤمن ويعمل صالحا والربح والنجاة من الخسران لمن آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فقوله تعالى {وَٱلْعَصْرِ} هو قسم أقسم الله به والعصر هو الدهر كله ليله ونهاره وصبحه ومساؤه وجواب القسم قوله تعالى {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} أي نقصان وهلكة وخسران إذ يعيش في كَبَدٍ ويموت إلى جهنم فيخسر كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فهؤلاء استثناهم الله تعالى من الخسر فهم رابحون غير خاسرين وذلك بدخولهم الجنة دار السعادة والمراد من الإِيمان الإِيمان بالله ورسوله وما جاء به رسوله من الهدى ودين الحق والمراد من العمل الصالح الفرائض والسنن والنوافل، وقوله {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} أي باعتقاده وقوله والعمل به وذلك باتباع الكتاب والسنة، وقوله {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} أي أوصى بعضهم بعضا بالحق اعتقادا وقولا وعملا وبالصبر على ذلك حتى يموت أحدهم وهو يعتقد الحق ويقول به ويعمل بما جاء فيه فالإِسلام حق والكتاب حق والرسول حق فهم بذلك يؤمنون ويعملون ويتواصون بالثبات على ذلك حتى الموت. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة سورة العصر لاشتمالها على طريق النجاة في ثلاث آيات حتى قال الإِمام الشافعي لو ما أنزل الله تعالى على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم. 2- بيان مصير الإِنسان الكافر وأنه الخسران التام. 3- بيان فوز أهل الإِيمان والعمل الصالح المجتنبين للشرك والمعاصي. 4- وجوب التواصي بالحق والتواصي بالصبر بين المسلمين.

القطان

تفسير : العصر: الدهر، والزمان يُنسَب الى دولة او ملك.. يقال العصر العباسي وعصر الملك فلان، والعصر الجيولوجي الخ، والوقت في آخر النهار الى احمرار الشمس. الخُسر والخسران: الضلال، والهلاك، وذهاب ما يملكه الانسان. الحق: خلاف الباطل، والعدل، وما يجب للفرد والجماعة، وحقوق الله: ما يجب علينا نحوه. الصبر: تحمُّل المكروه دون جزع، واحتمالُ المشقّة في سبيل الله، والغير، والعملِ الطيب. {وَٱلْعَصْرِ} لقد اقسم اللهُ تعالى بالعصْرِ لما فيه من عجائبَ وعبَرٍ تدلّ على قدرة الله وحكمته. وما فيه من سرّاء وضَرّاء، وصحة وسُقْم، وراحة وتعب، وحزنٍ وفزع.. الى غير ذلك. وقال بعض المفسّرين: أقسَم بآخرِ النهار، كما أقسَم بالضحى... {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} إن الانسانَ في ضلال وهلاكٍ ما دام يفضّل العاجلةَ على الآجلة، وتَغْلِبُ عليه الأهواءُ والشهوات. ثم بيّن الله تعالى بوضوح أن الانسانَ المعتدِلَ الذي يقوم بما عليه من الواجباتِ ليس من الخَاسِرين، فاستثناه بقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} إن الناس في ضلال وهلاكٍ إلا الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمالَ الصالحة في سبيل الله ومجتمعهم، وصدقوا في إيمانهم، وأوصى بعضُهم بعضاً بالتمسّك بالحق والصبرِ على المشاق. هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الفضائل الأربع: الايمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر - يعملون الخير ويدعون الى العمل به. والصبرُ فضيلة ليس لها مثيل. وقد ذُكر الصبر في القرآن الكريم أكثر من ستين مرة. {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [الزمر: 10]، الى آياتٍ لا حصر لها... اللهم اجعلنا في زمرة الصابرين العاملين الّذين تواصَوا بالحق وتواصَوا بالصبر.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالدَّهْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَحْدَاثٍ وَعِبَرٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلْعَصْرِ} قال ابن عباس: والدهر. ابن كيسان: الليل والنهار ويقال لهما: العصران وللغداة والعشي أيضاً: عصران. قال حميد بن ثور: شعر : ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يُدركا ما تيمما تفسير : الحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها. قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار. مقاتل: صلاة العصر وهي الوسطى. {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فانّهم ليسوا في خُسر. {وَتَوَاصَوْاْ} وتحاثّوا وأوصى بعضهم بعضاً. {بِٱلْحَقِّ} بالقرآن عن الحسن وقتادة. مقاتل: بالإيمان والتوحيد. وقيل: على العمل بالحق. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} على أداء الفرائض وإقامة أمر اللّه، وروى ابن عون عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلاّ المؤمنين فإنّهم يكتب لهم أجورهم والمحاسن التي كانوا يعملونها في حال شبابهم وقوّتهم وصحّتهم، وهي مثل قوله سبحانه: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : الآية [التين: 4-6] قال: [كان علي رضي الله عنه يقرأ ذلك]: إِنَّ الاْنسَانَ لَفِي خُسْر وإنه فيه إلى آخر الدهر، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود، وكان علي يقرأها: والعصر، ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنّه فيه إلى آخر الدهر. والقراءة الصحيحة ما عليه العامّة والمصاحف. أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن حمدان الخطيب قراءة عليه في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن دُلان قال: أخبرنا القاضي منصور بن محمد قال: حدّثنا محمد بن أحمد البزاز قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن داود بن سليمان الدينوري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسن بن علقمة قال: حدّثنا سباط بن محمد عن القاسم بن رفيعة عن أبي أُمامة عن أُبيّ بن كعب قال: حديث : قرأت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والعصر فقلت: بأبي وأُمّي يا رسول اللّه وما تفسيرها؟ فقال: "{وَٱلْعَصْرِ} قسمٌ من اللّه أقسم لكم بآخر النهار" {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} قال: "أبو جهل بن هشام" {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} "أبو بكر الصديق" {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} "عمر بن الخطّاب" {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} "عثمان بن عفّان" {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} "علي بن أبي طالب ". تفسير : وأخبرنا عبد الخالق [بن علي] قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف بن حاتم بن نضر قال: حدّثنا الحسن بن عثمان قال: حدّثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة قال: حدّثنا عمّي علي بن رفاعة عن أبيه رفاعة قال: حججت فوافيت علي بن عبد اللّه بن عباس يخطب على منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقرأ: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} أبو جهل ابن هشام {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أبو بكر الصديق {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} عمر بن الخطّاب {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} عثمان بن عفّان {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} علي بن أبي طالب.

الصابوني

تفسير : التفسِير: {وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} أي أُقسمُ بالدهر والزمان لما فيه من أصناف الغرائب والعجائب، والعبر والعظات، على أن الإِنسان في خسران، لأنه يفضِّل العاجلة على الآجلة وتغلب عليه الأهواء والشهوات قال ابن عباس: العصر هو الدهر أقسم تعالى به لاشتماله على أصناف العجائب وقال قتادة: العصرُ هو آخر ساعات النهار، أقسم به كما أقسم بالضحى لما فيهما من دلائل القدرة الباهرة، والعظة البالغة.. وإِنما أقسم تعالى بالزمان لأنه رأس عمر الإِنسان، فكل لحظةٍ تمضي فإِنها من عمرك ونقص من أجلك، كما قال القائل: شعر : إِنا لنفرحُ بالأيام نقطعها وكلُّ يومٍ مضى نقصٌ من الأجل تفسير : قال القرطبي: أقسم الله عز وجل بالعصر - وهو الدهر - لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع، وقيل: هو قسمٌ بصلاة العصر لأنها أفضل الصلوات {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال، فهؤلاء هم الفائزون لأنهم باعوا الخسيس بالنفيس، واستبدلوا الباقيات الصالحات عوضاً عن الشهوات العاجلات {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} أي أوصى بعضهم بعضاً بالحق، وهو الخير كله، من الإِيمان، والتصديق، وعبادة الرحمن {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} أي وتواصوا بالصبر على الشدائد والمصائب، وعلى فعل الطاعات، وترك المحرمات.. حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إِلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإِيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فإِن نجاة الإِنسان لا تكون إِلا إِذا كمَّل الإِنسان نفسه بالإِيمان والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالنصح والإِرشاد، فيكون قد جمع بين حق الله، وحق العباد، وهذا هو السرُّ في تخصيص هذه الأمور الأربعة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- إِطلاق البعض وإِرادة الكل {إِنَّ ٱلإِنسَانَ} أي الناس بدليل الاستثناء. 2- التنكير للتعظيم {لَفِى خُسْرٍ} أي في خسرٍ عظيم ودمار شديد. 3- الإِطناب بتكرار الفعل {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} لإِبراز كمال العناية به. 4- ذكر الخاص بعد العام {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} بعد قوله {بِٱلْحَقِّ} فإِن الصبر داخل في عموم الحق، إِلا أنه أفرده بالذكر إِشادة بفضيلة الصبر. 5- السجع غير المتكلف مثل {ٱلْعَصْرِ}، {ٱلصَّبْرِ}، {خُسْرٍ} وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: أخرج البيهقي في الشعب عن "أبي حذيفة" - وكانت له صحبة - قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة {وَٱلْعَصْرِ} ثم يسلم أحدهما على الآخر.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن الإِمام زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} فالعَصرُ: الدَّهرُ. والعَصرانُ: الغَداةُ والعِشيُّ. والإِنسانُ: في مَعنى الجَمع. والخُسُرُ: النُقصُانُ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} هذه السورة مكية لما قال فيما قبلها: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ}تفسير : [التكاثر: 1] ووقع التهديد بتكرار كلا سوف تعلمون بين حال المؤمن والكافر {وَٱلْعَصْرِ} قال ابن عباس: هو الدهر، يقال: عصر وعصر وعصر أقسم به تعالى لما في مروره من أصناف العجائب والإِنسان إسم جنس والظاهر العموم ولذلك صح الاستثناء منه والخسر الخسران كالكفر والكفران وأي خسران أعظم ممن خسر الدنيا والآخرة. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} أي بالأمر الثابت من الذين عملوا به وتواصوا به. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} على طاعة الله تعالى وعن المعاصي.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلْعَصْرِ} [العصر: 1] أقسم سبحانه بالعصر والدهر الذي هو عبارة عن بقاء الوجود الأزلي الأبدي ودوامه السرمدي. {إِنَّ ٱلإِنسَانَ} المجبول على فطرة المعرفة والإيمان حسب حصته اللاهوتية {لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] عظيم، وخيبة بيِّنة؛ بسبب اشتغاله بما لا يعنيه من لوازم بشريته المتعلقة بحصة الناسوت. {إِلاَّ} الموقنين {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق، وتفطنوا باستقلاله في التصرفات الجارية في ملكه وملكوته {وَ} مع الإيمان والإذعان {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الدالة على إخلاصهم ويقينهم ونياتهم {وَ} مع ذلك {تَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} أي: أوصى بعضهم بعضاً لسلوك طريق الحق وتوحيده وَتَوَاصَوْاْ} أيضاً {بِٱلصَّبْرِ} [العصر: 3] على مشاق الطاعات ومتاعب الرياضات الطارئة عليهم، من قطع المألوفات الإماكنية، وترك اللذات البهيمية اللازمة للقوى البشرية. وفقنا الله على قلعها وقطعها. خاتمة السورة عليكم أيها المحمدي القاص لقطع العلائق الإمكانية أن تتصبر على عموم البلوى العارضة لك في نشأتك الأولى، وتسترجع إلى الله في جميعها، وتسنده إليه سبحانه أولاً وبالذات بلا رؤية الوسائل في البين، وتوطن قلبك مع ربك في جميع حالاتك، وترضى عن الله في عموم ما جرى عليك في مقتضيات قضائه، وبالجملة: كن فانياً في الله تفز بخير الدارين وفلاح النشأتين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا طالب الأوقات المشرقة والساعات المثمرة، إن أشرف ساعة من الساعات هي ساعة فرضت فيها طاعة من الطاعات، وأشرف تلك الساعات الساعة التي صدرت محلاً لقسم الله تعالى؛ وهي العصر كما يقول الله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 1-2] إن رءوس مال الإنسان عمره، وكل لحظة تمضي عليه [تذهب] برءوس ماله مطلقاً. {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2]؛ أي: ربحوا في سوق الدنيا باستعداد عمره وحصلوا نعيم الدار الآخرة الباقية، وفائدة خصوصية ساعة العصر ذكرها في ضيعة من "بدائع الصنائع" و"الشرح والبسط" فاطلبه منها. وأما الحكمة التي بها قال تعالى بعد القسم: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2] اسمع بسمع حديد وقلب شهيد أن الله تعالى خلق الإنسان {أية : فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] بإدراجه جميع المفردات العلوية والسفلية فيه، فلذلك جمع الله تعالى لأمة محمد خواص جميع الساعات في الصلاة الوسطى؛ وهي صلاة العصر، إذا أدى الإنسان حق الطاعة في تلك الساعة صيرت الفوائد المدرجة في جميع الساعات لها، وأشار إلى هذه المعنى حبيب الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله فرض على أمة موسى عليه السلام أن يعملوا يوماً ليأخذوا أجورهم، فعملوا من الصبح إلى الظهر وملوا وتركوا العمل والأجر، فعين الله تعالى لأمة عيسى عليه السلام من الظهر إلى العصر، وعملوا وتركوا العمل والأجر، ثم فرض الله تعالى على أمتي بقية اليوم أن يعملوا ويأخذوا أجر اليوم كله فقبلوا وعملوا، وأخذوا الأجر الكثير بالعمل القليل ". تفسير : فيقول الله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 2]، ملَّ وترك العمل وحرم نفسه على الأجر الكثير الباقي باشتغاله عدد بملازمته في أيام معدودة فانية، وهذا الحديث رويته بالمعنى، لأن لفظه ما كان بخاطري في الحال. ثم يقول الله تعالى مستثنياً: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [العصر: 3] بالنبي وهو لطيفتك الخفية، وبما أوحى الله إليها على لسان سرها، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [العصر: 3]؛ أي: الأعمال التي أمروا بها في الساعة المخصوصة، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} [العصر: 3] في طلب الحق وترك الباطل، {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} [العصر: 3] على ترك الهوى ومشتهيات الأنفس في الأزمان الفانية في دار الدنيا ليدخر لها السعادات الباقية في دار البقاء. فينبغي أن يعرف أن عصر عالم الأنفس في الأيام الروحانية قائم مقام ليلة القدر في الليالي الجسمانية، والعصر يتعلق بضوء نور الجلال الذي أودعه الله في النهار، ولولاه ما اشتغل الناس في النهار بالكسب، والقدر يتعلق بضوء نور الجمال الذي أودعه في الليل، ولولاه ما اشتغل أحد باستراحة في الليل، وفيه حكمة التدبير مما يتعلق بحد القرآن، ولست مأذنوناً بإفشائه. فاجتهد أن تكون من الموجهين إلى قبلة الأحدية في جميع الأوقات في الأيام الروحانية خاصة إذا غربت شمس الروح إلى مغرب الروحانية؛ لأنك لا تدري بعد غروبها أتطلع من مشرقها أو من مغربها؟ فإذا طلعت من مغربها لا ينفعك طاعة إن غفلت عن التوجه في تلك الساعة، فالسالك يفطن للإشارة التي أشرت إليها ولا ينتفع بتقرير هذه القدسيات إلا السالك، وشرحت ساعة القدر في سورة القدر. اللهم ارفع قدرنا، واشرح صدرنا، وآمن من المحاق بدرنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح. والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم. وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به. والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح [العظيم].

همام الصنعاني

تفسير : 3696- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ}: [الآية: 1]، قال: هي العشي. قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: ساعة من ساعات النَّهار. 3697- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر؛ قال قتادة عن الحسن قال: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}: [الآية: 3]، قال: الحق كتاب الله، والصبر طاعة الله. 3698- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله تعالى: {وَٱلْعَصْرِ}: [الآية: 1]، قَسَمٌ أَقْسَمَ به رَبُّنا تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}: [الآية: 2]، قال: الناس كلهم، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: [الآية: 3]، ثم لم يدعهم وذَلِكَ حَتَّى قال: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: [الآية: 3]، ثم لم يدعهم وذَلِكَ حتى قال: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}: [الآية: 3]، ثم لم يدعهم، وذلك حتَّى قال: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}: [الآية: 3]، شروطاً اشْتَرَط عَلَيْهِم.