١٠٣ - ٱلْعَصْر
103 - Al-Asr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ }. اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مراراً، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال: العمل غير داخل في مسمى الإيمان، بأن الله تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان، ولو كان عمل الصالحات داخلاً في مسمى الإيمان لكان ذلك تكريراً ولا يمكن أن يقال: هذا التكرير واقع في القرآن، كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب:7] وقوله:{ أية : وَمَلَـئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البفرة:98] أنا نقول هناك: إنما حسن، لأن إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور المسماة بالإيمان، فبطل هذا التأويل. قال الحليمي: هذا التكرير واقع لا محالة، لأن الإيمان وإن لم يشتمل على عمل الصالحات، لكن قوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } يشتمل على الإيمان، فيكون قوله: {وعملواا لصالحات} مغنياً عن ذكر قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وأيضاً فقوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } يشتمل على قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } فوجب أن يكون ذلك تكراراً، أجاب الأولون وقالوا: إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل التأكيد، لكن الأصل عدمه، وهذا القدر يكفي في الاستدلال. المسألة الثانية: احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية، قالوا: الآية دلت على أن الإنسان في الخسارة مطلقاً، ثم استثنى: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } والمعلق على الشرطين مفقود عند فقد أحدهما، فعلمنا أن من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة، لا بد وأن يكون في الخسار في الدنيا وفي الآخرة، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين في غاية القلة، وكان الخسار لازماً لمن لم يكن مستجمعاً لهما كان الناجي أقل من الهالك، ثم لو كان الناجي أكثر كان الخوف عظيماً حتى لا تكون أنت من القليل، كيف والناجي أقل؟ أفلا ينبغي أن يكون الخوف أشد!. المسألة الثالثة: أن هذا الاستثناء فيه أمور ثلاثة أحدها: أنه تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه وثانيها: أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد وثالثها: قالت المعتزلة: تسمية الأعمال بالصالحات تنبيه على أن وجه حسنها ليس هو الأمر على ما يقوله الأشعرية، لكن الأمر إنما ورد لكونها في أنفسها مشتملة على وجوه الصلاح، وأجابت الأشعرية بأن الله تعالى وصفها بكونها صالحة، ولم يبين أنها صالحة بسبب وجوه عائدة إليها أو بسبب الأمر. المسألة الرابعة: لسائل أن يسأل، فيقول: إنه في جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر السبب وفي جانب الربح ذكر السبب، وهو الإيمان والعمل الصالح، ولم يذكر الحكم فما الفرق قلنا: إنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر كما يحصل بالفعل، وهو الإقدام على المعصية يحصل بالترك،وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل، وفيه وجه آخر، وهو أنه تعالى في جانب الخسر أبهم ولم يفصل، وفي جانب الربح فصل وبين، وهذا هو اللائق بالكرم. أما قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }. فاعلم أنه تعالى لما بين في أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح خرجوا عن أن يكونوا في خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث إنهم تمسكوا بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضاً سبباً لطاعات الغير كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين وعلى هذا الوجه قال تعالى: { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً }تفسير : [التحريم:6] فالتواصي بالحق يدخل فيه سائر الدين من علم وعمل، والتواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب، وفي اجتنابهم ما يحرم إذ الإقدام على المكروه، والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد، وههنا مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتياً بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف والثاني النهي عن المنكر، ومنه قوله: {أية : وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ }تفسير : [لقمان:17] وقال عمر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. المسألة الثانية: دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي. المسألة الثالثة: إنما قال: {وَتَوَاصَوْاْ } ولم يقل: ويتواصون لئلا يقع أمراً بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل. المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو: {بِٱلصَّبْرِ } بشم الباء شيئاً من الحرف، لا يشبع قال أبو علي: وهذا مما يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وهذا لا يكاد يكون في القراءة، وعلى هذا ما يروى عن سلام بن المنذر أنه قرأ، والعصر بكسر الصاد ولعله وقف لانقطاع نفس أو لعارض منعه من إدراج القراءة، وعلى هذا يحمل لا على إجراء الوصل مجرى الوقف، والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} استثناء من الإنسان؛ إذ هو بمعنى الناس على الصحيح. قوله تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي أدَّوا الفرائض المفترضة عليهم؛ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبيّ بن كعب: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم «والعصر» ثم قلت: ما تفسيرها يا نبي الله؟ قال: «حديث : «والعَصْر» قَسَم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ }: أبو جهل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: أبو بكر، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} عمر. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} عثمان {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} عليّ"تفسير : رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفاً عليه. ومعنى {وَتَوَاصَوْاْ} أي تحابُّوا؛ أوصى بعضهم بعضاً، وحث بعضهم بعضاً. {بِٱلْحَقِّ} أي بالتوحيد؛ كذا روى الضحاك عن ابن عباس. قال قتادة: «بِالحقِّ» أي بالقرآن. وقال السدّي؛ الحق هنا هو الله عز وجل. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} على طاعة الله عز وجل، والصبر عن معاصيه. وقد تقدم. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } فليسوا في خسران {وَتَوَاصَوْاْ } أوصى بعضهم بعضاً {بِٱلْحَقِّ } أي الإِيمان {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } على الطاعة وعن المعصية.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَقِّ} بالله أو بالتوحيد أو القرآن {بِالصَّبْرِ} على طاعة الله تعالى أو فرائضه.
التستري
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}[3] يعني أدوا الفرائض كما فرضت عليهم. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}[3] أي بالله عزَّ وجلَّ. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}[3] على أمره. قيل: وما الصبر؟ قال: لا عمل أفضل من الصبر، ولا ثواب أكبر من ثواب الصبر ولا زاد إلا التقوى، ولا تقوى إلا بالصبر، ولا معين على الصبر لله إلا الله عزَّ وجلَّ. قيل: الصبر من الأعمال؟ قال: نعم الصبر من العمل بمنزلة الرأس من الجسد، لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه. قيل: ما أجل الصبر؟ قال: أجله انتظار الفرج من الحق. قيل: فما أصل الصبر؟ قال: مجاهدة النفس على إقامة الطاعات وأدائها بأحكامها وحدودها ومكابدتها على اجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها. قيل: والناس في الصبر كيف هم؟ قال: الناس في الصبر صنفان: فصنف يصبرون للدنيا حتى ينالوا منها ما تشتهي أنفسهم، فهو الصبر المذموم، وصنف يصبرون للآخرة طلباً لثواب الآخرة وخوفاً من عذابها. قيل: فالصبر للآخرة هو على نوع واحد أو على أنواع؟ قال: الصبر للآخرة له أربع مقامات: فثلاث منها فرض، والرابع فضيلة: صبر على طاعة الله عزَّ وجلَّ وصبر على معصيته وصبر على المصائب من عنده. أو قال: صبر على أمر الله عزَّ وجلَّ، وصبر على نهيه، وصبر على أفعال الله عزَّ وجلَّ، فهذه ثلاث مقامات منه، وهي فرض، والمقام الرابع فضيلة وهو الصبر على أفعال المخلوقين. قال الله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل:126] الآية، كم بالمثل وفضل الصبر، ثم قال: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل:127] ولا يعين عليه إلا هو. ولقد لحق رجل بأويس القرني رحمه الله فسمعه يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدن عاري، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس شيء من الدنيا إلا ما على ظهري. قال: وعلى ظهره خريقة قد تردى بها. قال: وأتاه رجل فقال له: يا أويس كيف أصبحت؟ أو قال: وكيف أمسيت؟ قال: أحمد الله على كل حال، وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظن أنه لا يمسي، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن حق الله عزَّ وجلَّ في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهباً، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع لمؤمن صديقاً، نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعواناً، حتى والله لقد قذفوني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه، ثم أخذ الطريق. فهذا أويس قد بلغ هذا المقام في الصبر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الآية: 3]. قال بعضهم: إلا الذين أدوا الحقوق التى لزمتهم فى جميع العبادات. قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} [الآية: 3]. قال بعضهم: التواصى بالحق هو المقام مع الحق والقيام بأوامره على حدود الاستقامة. وقال بعضهم: التواصى بالصبر هو أن لا تشهد البلاء بحال وأنشد: شعر : صبرت ولم أطلع هواك على صبرى وأخفيت ما بى منك عن موضع الصبر مخافـة أن يشكو ضميرى صبابتى إلى دمعتى سـرًا فتجـرى ولا أدرى
اسماعيل حقي
تفسير : {الا الذين آمنوا} بالله الايمان العلمى اليقينى وعرفوا أن لا مؤثر بالحقيقة الا الله وبرزوا عن احجاب الدهر {وعملوا الصالحات} اى اكتسبو الفضائل والخيرات الباقية فربحوا بزيادة النور الكمال على النور الاستعدادى الذى هو رأس مالهم فانهم فى تجارة لن تبور حيث باعوا الفانى الخسيس واشتروا الباقى النفيس واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما اربحها وهذا بيان لتكميلهم لانفسهم واستدل بعض الطوآئف بالآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد لأنه لم يستثن من الخسران الا الذين آمنوا الخ والتقصى منه ان غير المستثنى فى خسر لا محالة اما بالخلود ان مات كافرا واما بالدخول فى النار ان مات عاصيا لم يغفر له واما بفوات الدرجات العالية ان غفر {وتواصوا بالحق} الخ بيان لتكميلهم لغيرهم اى وصى بعضهم بعضا بالامر الثابت الذى لا سبيل الى انكاره ولا زوال فى الدارين لمحاسن آثاره وهو الخير كله من الايمان بالله واتباع كتبه ورسله فى كل عقد وعمل {وتواصوا بالصبر} اى عن المعاصى التى تشتاق اليها النفس بحكم الجبلة البشرية وعلى الطاعات التى يشق عليها ادآؤها وعلى ما يبلوا الله به عباده وتخصيص هذا التواصى بالذكر مع اندراجه تحت التواصى بالحق لابراز كمال الاعتناء به او لأن الاول عبارة عن رتبة العبادة التى هى فعل ما يرضى به الله تعالى والثانى عن رتبة العبودية التى هى الرضى بما فعل الله فان المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما تشوق اليه من فعل او ترك بل هو تلقى ما ورد منه تعالى بالجميل والرضى به ظاهرا وباطنا ولعله سبحانه انما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود فان المقصود بيان ما فيه الفوز بالحياة الابدية والسعادة السرمدية واشعارا بان ما عدا ما عد يؤدى الى خسر ونقص حظ او تكرما فان الابهام فى جانب الخسر كرم لأنه ترك تعداد مثالهم والاعراض عن مواجهتهم به وروى عنه عليه السلام انه قال حديث : اقسم ربكم بآخر النهار أن ابا جهل لفى خسرتفسير : {الا الذين آمنوا} اى ابا بكر رضى الله عنه {وعملوا الصالحات} اى عمر رضى الله عنه {وتواصوا بالحق} اى عثمان رضى الله عنه {وتواصوا بالصبر} اى عليا رضى الله عنه فسرها بذلك على بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم على المنبر فيكون تكرير وتواصوا لاختلاف الفاعلين واما على الاول فلاختلاف المفعولين وهما قوله بالحق وبالصبر روى عن الشافعى رحمه الله أنها سورة لو لم ينزل الى الناس الا هى لكفتهم وهو معنى قول غيره انها شملت جميع علوم القرءان. تمت سورة العصر فى خامس جمادى الاولى من سنة سبع عشرة ومائة وألف.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالبيعة الخاصّة او الاّ الّذين آمنوا بالبيعة الخاصّة وعملوا الصّالحات بالوفاء بشروط البيعة {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ} التّواصى اعمّ من ان يكون بالقال او بالحال او بالفعال او بالدّعاء والالتماس من الله فى الحضور او بظهر الغيب، فانّه قد مرّ فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [البقرة:221] بيان انّ المؤمن بوجوده يدعو الى الجنّة وان لم يكن له دعوة قالاً، والمراد بالحقّ الولاية فانّها حقة بحقيقة الحقّيّة، وان كان المراد به الحقّ المطلق كان المراد منه ايضاً الولاية لانّ ظهور الحقّ المطلق لا يكون الاّ بالحقّ المضاف الّذى هو الولاية ويراد كلّ امر ثابت وكلّ امر غير باطل بارادة الولاية فانّ الكلّ من شعب الولاية {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} على الحقّ او بالصّبر مطلقا فانّ جميع انواع الصّبر الّتى امّهاتها ثلاث؛ الصّبر على المصائب، والصّبر عن المعاصى، والصّبر على الطّاعات، راجعة الى الصّبر على الحقّ فانّ المنظور من الصّبر على المصائب ان لا يجزع عند المصيبة لانّ الجزع لا يكون الاّ بالغفلة عن الولاية، والمنظور من الصّبر عن المعاصى عدم خروج النّفس عن انقياد العقل فى ادامة الحقّ، والخروج عن الانقياد لا يكون الاّ بالغفلة عن الولاية، والصّبر على الطّاعة ليس الاّ الصّبر على الولاية الّتى هى روح كلّ طاعةٍ، ولا شكّ انّ المؤمنين اذا التقيا حَصَل لكلٍّ بملاقاة الآخر صبر وزيادة توجّهٍ واشتداد ترقّبٍ لوجهته الولويّة، وليجد المؤمن ذلك من وجوده.
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا *{وَتَوَاصَوْا} أوصى بعضهم بعضا *{بِالحَقِّ} وهو الإيمان وما يتفرع عليه والحق ما ثبت ولم يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل وقيل الحق لله وقيل القرآن. *{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} على الطاعة والمصائب وعن المعاصي عطف خاص لشرفه على عام وقيل المراد بالخسران الهرم وانقطاع الثواب إلا هؤلاء المستثنين فلا ينقطع ثوابهم ولو تركوا عمل الشباب والمشهور ما مر غير هذا ومما ورد في صفة التواصي أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذل التقيا وأرادا التفرق أخذ كل بيد صاحبه ثم قرأ كل منهما والعصر إلى آخره وليس ذلك عطف خاص على عام إذا أريد بالعمل العمل الكامل كذا قيل والظاهر أن العطف في هذا الوجه عطف خاص أيضا فإن الصبر من الأعمال الكاملة وكذا التواصي وذكر سبب الربح وهو الإيمان وإصلاح العمل والتواصي دون سبب الخسر اكتفاءا ببيان المكصود وإيذانا بأن ما عدا سبب الربح يؤدي الى الخسران قيل أو نقص حظا وتكرما فإن الإبهام في جانب الخسر كرم قيل وهل شيء أفضل من الصبر فقيل لا عمل أفضل منه ولا ثواب أكبر من ثوابه ولا زاد إلا التقوى إلا بالصبر ولا معين على الصبر إلا الله وهو من العمل بمنزلة الرأس من الجسد لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه وأجله انتظار الفرج وأفضل الصبر مجاهدة النفس على الطاعة واجتناب المعاصي وهو إما صبر على الدنيا حتى ينال ما تشتهي النفس وهو مذموم وإما صبر على الآخرة وهو ممدوح وهذا إما صبر على الطاعة أو عن المعصية أو على المصائب أو على ما جرى منها على يد مخلوق وهذا فضيلة من حيث عدم المعاقبة، ولحق رجل بأويس رضي الله عنه فسمعه يقول اللّهم اني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدل عار فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني وليس لي من الدنيا إلا ما على ظهري وكانت عليه خرق وقال له رجل كيف أصبحت أو قال كيف أمسيت قال أصبحت أحمد الله وما تسأل عن حال رجل إذا أصبح ظن أنه لا يمسي وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح ألا إن ذكر الموت لم يدع للمؤمن فرحا وحق الله ما في مال مسلم يدع له ذهبا ولا فضة وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع لمؤمن صديقا فوالله لأمرن بعرف وأنهي عن نكر ولو شتموا أعراضنا ووجدوا على ذلك أعوانا ولو قدفوني بالعظائم لا أدع أن أقوم لله فيهم واعلم أنك اليوم أحوج لآخر كلامه بكل احتياج من حيث أن الدين أشرف على الفوت وكان على رمق لكثرة المنافقين والنصارى ويتم ذلك بأول كلامنا وهو الصبر وقد ذكره أيضا في آخر كلامه وقد ذكره في كتابه في نيف وسبعين موضعا مثل {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} {أية : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} تفسير : الخ {أية : ولنبلوكم بشيء} تفسير : الخ {أية : والموفون بعهدهم}تفسير : الخ {أية : والله يحب الصابرين} {أية : وإن تصبروا وتتقوا} {أية : يا أيها الذين آمنوا اصبروا} تفسير : الخ{أية : وإن تصبروا خير لكم} تفسير : الخ{ {أية : واصبروا إن الله مع الصابرين} تفسير : الخ{أية : إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} {أية : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا} {أية : واصبر فإن الله لا يضيع} تفسير : الخ {أية : والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} {أية : سلام عليكم بما صبرتم} {أية : الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} {أية : ليجزي الذين آمنوا} {أية : ثم إن ربك للذين هاجروا} تفسير : الخ {أية : وإن عاقبتم} تفسير : الخ {أية : وبشر المخبتين} تفسير : الخ {أية : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} {أية : وجعلناهم أئمة يهدون} تفسير : الخ {أية : إنما يوفى الصابرون}تفسير : الخ {أية : ولمن صبر}تفسير : الخ {أية : ليبلونكم} تفسير : الخ {أية : وجزاهم بما صبروا} تفسير : الخ وغير ذلك. وتقدم فضل العبر وعن أبي عمرو بن العلاء هربنا من الحجاج فدخلنا البادية فأقمنا فيها مدة مديدة من حي إلى حي فبينما أنا خارج متوزع الخاطب مبهم القلب ضيق الصدر إذ سمعت شيخا من الأعراب مجتازا يقول: شعر : صبر النفس ينجلي كل هم إن في الصبر حلية المحتال ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال لا تضيقن بالأمور فقد تكشف غماءها بغير احتيال تفسير : ولم يستتم الشيخ انشاد الأبيات حتى رأينا فارسا من بعيد قد مات الحجاج فسألت الشيخ عن الفرجة فقال بضم الفاء في الحائط والعود ونحوهما وبفتحها في الأمر من الشدة والنوائب. قال أبو عمرو فلم أدر بأيهما كنت أشد سرورا أبموت الحجاج أم بهذه الفائدة وكنت أشد بها فرحا من موته كذا وجد فلعل قوله وكنت بها الخ نقض لقوله لم أدر أو بيان له لأن مثل قوله فلم أدر الخ قد يستعمل في الجزم بتفضيل أحد الشقين ولعل الواقع كنت زشد اهتماما بمعرفة هذه المسألة من اهتمامي بخوف الحجاج وإثبات ياء ينجلى ضرورة أو للإستئناف أو لغة أو إشباع. اللهم يا رب ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وببركة السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} واجتنبوا الذنوب وإذا أذنبوا تابوا وتفسير ابن عباس بعلى وسلمان تمثيل لا حصر وإشارة إلى أن الجنة للمطيع عربياً أو عجمياً فهى عامة لمن اتصف بعنوان الإيمان والعمل الصالح فى شأن إصلاح نفسه كما رأيت وبعنوان إصلاح غيره كما قال. {وَتَواصَوْا} الخ أوصى بعض بعضاً. {بِالْحَقِّ} بالأمر الصواب الثابت وهو دين الله اعتقاداً وقولاً وفعلاً. {وَتَوَاصَوْا} كرره للتاكيد لشدة الصبر حتى كأَنه شىء آخر لم يشمله لفظ الحق. {بالصَّبْرِ} على مشاق الطاعات ومشاق تحمل النفس للمصائب ومشاق كفها عن الشهوات ولأَن الأَول فى رتبة العبادة التى هى فعل ما يرضى الله تعالى والثانى فى رتبة العبودية التى هى الرضا بما فعل الله تعالى ظاهراً وباطناً وفى البيهقى والطبرانى عن أبى حذيفة وكانت له صحبة كان الرجلان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة والعصر ثم يسلم أحدهما على الآخر وفى الحديث حديث : ليس سلام الملاقاة أوكد من سلام المفارقةتفسير : . وعن الشافعى لو لم ينزل إلاَّ هذه السورة لكفت الناس أى فى الزجر والترغيب والترهيب لأَنها شملت جميع علوم القرآن أى من النوع المذكور وفيها أيضاً إلى الأمر بالمعروف ولو ندباً والنهى عما ينكر شرعاً ولو مكروهاً غير محرم وأن يحب لأَخيه ما يحب لنفسه والتواصى كما مر آكد من التآمر والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } فإنهم في تجارة لن تبور حيث باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها ومنفعة جامعة للخير ما أوضحها والمراد بالموصول كل من اتصف بعنوان الصلة لا علي كرم الله تعالى وجهه وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقط كما يتوهم من اقتصار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذكر عليهما بل هما داخلان في ذلك دخولاً أولياً ومثل ذلك اقتصاره في الإنسان الخاسر على أبـي جهل وهو ظاهر. وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم وقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ } الخ بيان لتكميلهم / لغيرهم أي وصى بعضهم بعضاً بالأمر الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره وهو الخير كله من الإيمان بالله عز وجل واتباع كتبه ورسله عليهم السلام في كل عقد وعمل. {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة البشرية وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها وعلى ما يبتلي الله تعالى به عباده من المصائب. والصبر المذكور داخل في (الحق) وذكر بعده مع إعادة الجار والفعل المتعلق هو به لإبراز كمال العناية به ويجوز أن يكون الأول عبارة رتبة العبادة التي هي فعل ما يرضي الله تعالى والثاني عبارة عن رتبة العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى فإن المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل أو ترك بل هو تلقي ما ورد منه عز وجل بالجميل والرضا به باطناً وظاهراً. وقرأ سلام وهٰرون وابن موسى عن أبـي عمرو (والعصر) بكسر الصاد و(الصبر) بكسر الباء قال ابن عطية وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة وروي عن أبـي عمرو (بالصبر) بكسر الباء إشماماً وهذا كما قال لا يكون أيضاً إلا في الوقف وقال صاحب «اللوامح» قرأ عيسى البصرة (بالصبر) بنقل حركة الراء إلى الباء لئلا يحتاج إلى أن يؤتى ببعض الحركة في الوقف ولا إلى أن يسكن فيجمع بين ساكنين وذلك لغة شائعة وليست بشاذة بل مستفيضة وذلك دلالة على الإعراب وانفصال من التقاء الساكنين وتأدية حق الموقوف عليه من السكون انتهى ومن هذا كما في «البحر» قوله: شعر : أنا جرير كنيتي أبو عمرو اضرب بالسيف وسعد في العصر تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقرأ (والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر) وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي داود في «المصاحف» عن ميمون بن مهران أنه قرأ (والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا) الخ وذكر أنها قراءة ابن مسعود. هذا واستدل بعض المعتزلة بما في هذه السورة على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لأنه لم يستثن فيها عن الخسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الخ وأجيب عنه بأنه لا دلالة في ذلك على أكثر من كون غير المستثنى في خسر وأما على كونه مخلداً في النار فلا كيف والخسر عام فهو إما بالخلود إن مات كافراً وإما بالدخول في النار إن مات عاصياً ولم يغفر وإما بفوت الدرجات العاليات إن غفر وهو جواب حسن وللشيخ الماتريدي رحمه الله تعالى في التفصي عن ذلك تكلفات مذكورة في «التأويلات» فلا تغفل. وفي السورة من الندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه ما لا يخفى.
الشنقيطي
تفسير : هذا هو المستثنى من الإنسان المتقدم، مما دل على العموم كما قدمنا، والإيمان لغة التصديق وشرعاً الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة، في حديث جبريل عليه السلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان. وعملوا الصالحات: العطف يقتضي المغايرة. ولذا قال بعض الناس: إن الأعمال ليست داخلة في تعريف الإيمان ومقالاتهم معروفة. والجمهور: أن الإيمان اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح. فالعمل داخل فيه ويزيد وينقص، وقد قدمنا: أن العمل شرط أقرب من أن يكون جزءاً، أي أن الإيمان يصدق بالاعتقاد، ولا يتوقف وجوده على العمل، ولكن العمل شرط في الانتفاع بالإيمان، إذا تمكن العبد من العمل، ومما يدل لكون الإيمان يصدق عليه حد الاعتقاد والنطق، ولو لم يتمكن العبد من العمل، قصة الصحابي الذي أسلم عند بدء المعركة، وقاتل، واستشهد ولم يصلّ لله ركعة فدخل الجنة. والجمهور: على أن مجرد الاعتقاد لا ينفع صاحبه، كما كان يعتقد عم النَّبي صلى الله عليه وسلم صحة رسالته، ولكنه لم يقل كلمة يحاج له صلى الله عليه وسلم بها، وكذلك لو اعتقد ونطق بالشهادتين، ولم يعمل كان مناقضاً لقوله. وقد قدمنا هذه المسألة مفصلة. والصالحات: جمع صالحة، وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وتعريفه وشروط كون العمل صالحاً بأدلته من كونه موافقاً لكتاب الله صاحبه خالصاً لوجه الله، وكونه صادراً من مؤمن بالله، إلخ. وقوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}. يعتبر التواصي بالحق، من الخاص بعد العام، لأنه داخل في عمل الصالحات. وقيل: إن التواصي، أن يوصي بعضهم بعضاً بالحق. وقيل: الحق كل ما كان ضد الباطل فيشمل عمل الطاعات، وترك المعاصي. واعتبر هذا أساساً من أسس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقرينة التواصي بالصبر، أي على الأمر والنهي، على ما سيأتي إن شاء الله. وقيل: الحق، هو القرآن، لشموله كل أمر وكل نهي، وكل خير، ويشهد لذلك قوله تعالى في حق القرآن {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} تفسير : [الإسراء: 105]. وقوله: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ} تفسير : [الزمر: 2]. وقد جاءت آيات في القرآن تدل على أن الوصية بالحق تشمل الشريعة كلها، أصولها وفروعها، ماضيها وحاضرها، من ذلك ما وصى الله به الأنبياء وعموماً، من نوح وإبراهيم ومن بعدهم في قوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13]. وإقامة الدين للقيام بكليته، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 132]. ومن بعد إبراهيم يعقوب كما قال تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133]. فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وكذلك بالعبادة من صلاة وزكاة، كما في قوله تعالى عن نبي الله عيسى عليه السلام: {أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} تفسير : [مريم: 31-32]. وكذلك الحالة الاجتماعية ماثلة في الوصية بالوالدين والأولاد، لترابط الأسرة، ففي الوالدين قوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} تفسير : [لقمان: 14-15]. وفي الأبناء قال: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} تفسير : [النساء: 11]. وفي الحقوق العامة أوامر ونواهي، عبادات ومعاملات، جاءت آيات الوصايا العشر التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 151-153]. تلك الوصايا الجامعة أبواب الخير الموصدة أبواب الشر والمذيلة بهذا التبيين والتعريف، وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه لا تتبعوا السبل. ولو أردنا أن نربط بين هذا وبين التواصي بالحق وبينهما وبين فاتحة الكتاب، لكانت النتيجة كالآتي في قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}، إحالة على تلك الوصايا، وهي شاملة جامعة ومعنون لها بأنها صراط الله المستقيم. فكأن قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}، مساوياً لقوله: وتواصوا بالصراط المستقيم. واستقيموا عليه. ثم في سورة الفاتحة: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6]، وهذا صراط الله المستقيم فاتبعوه. فكانت سورة العصر مشتملة على التواصي بالاستقامة على صراط الله المستقيم واتباعه، ويأتي عقبها قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}، بمثابة التثبيت على هذا الصراط المستقيم إذ الصبر لازم على عمل الطاعات، كما هو لازم لترك المنكرات. وتلك الوصايا العشر جمعت أمراً ونهياً فعلاً وتركاً وكذلك فيه الإشارة إلى ما يقوله دعاة الإسلام من أن العمل الصالح والدعوة إلى الحق والتواصي به، فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغالباً من يقوم به يتعرض لأذى الناس، فلزمهم التواصي بالصبر، كما قال لقمان لابنه يوصيه وجامعاً في وصيته وصية سورة العصر إذ قال: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتفصيل عند قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ} تفسير : [المائدة: 105]، في سورة المائدة. فصارت هذه السورة بحق جامعة لأصول الرسالة. كما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لو تأمل الناس هذه السورة لكفتهم. قوله: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ}، جاء الحث على التواصي بالرحمة أيضاً مع الصبر، في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} تفسير : [البلد: 17]. وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، تكتمل مقومات المجتمع المتكامل قوامه الفضائل المثلى، والقيم الفضلى. لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق، والاستقامة على الطريق المستقيم. وبالتواصي بالصبر، يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط، ويتخطون كل عقبات تواجههم. وبالتواصي بالمرحمة: يكونون مرتبطين كالجسد الواحد، وتلك أعطيات لم يعطها إلا القرآن وأعطاها في هذه السورة الموجزة. وبالله التوفيق. تنبيه قال الفخر الرازي: إن الله تعالى لما أخبر عن هؤلاء بالنجاة من الخسران، وفوزهم بالعمل الصالح والإيمان، أخبر عنهم أنهم لم يكتفوا بما يتعلق بهم أنفسهم بل تعدوا إلى غيرهم، فدعوهم إلى ما فازوا به على حد قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حب لأخيك ما تحب لنفسك" تفسير : ا هـ. ملخصاً. ويشهد لهذا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [فصلت: 30] - إلى قوله - {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 33-35]. فقد بين تعالى أن الناس أقسام ثلاثة، إزاء دعوة الرسل. قوم آمنوا وقالوا: ربنا الله، واستقاموا على ذلك بالعمل الصالح. وقوم: ارتفعت همتهم إلى دعوة غيرهم وهم أحسن قولاً بلا شك. وقوم: عادوا الدعاة وأساؤوا إليهم. ثم بين موقف الدعاة من أولئك المسيئين في غضون قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ} أي إساءة المسيئين {بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فيصبحوا أولياء لك وبين أن هذه المنزلة {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} ثم بين أن من ارتفع إليها وسلك مسلكها {أية : إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [القصص: 79]. تنبيه كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، قول للدعاة عدوان: أحدهما: من الإنس. والآخر من الشياطين. وقد أرشدنا الله لكيفية التغلب عليهما واكتفاء شرهما. أما عداوة الإنس فبمقابلة الإساءة بالإحسان، فيصبح ولياً حميماً. وأما عدو الجن فبالاستعاذة منه {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 200]. نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. وقد أشرنا إلى أن الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قدم مبحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 105]. وذكر سورة العصر عندها، وعقد مسائل متعددة في منهج المر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما لا غنى عنه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (3) - قَالَ تَعَالَى: إِنَّ بَنِي الإِنْسَانِ خَاسِرُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ إِلاَّ الذِينَ اعْتَقَدُوا اعْتِقَاداً صَحِيحاً بِوُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيتِهِ، وَبِمَا أَنْزِلَ مِنَ الكُتُبِ عَلَى رُسُلِهِ الكِرَامِ ثُمَّ عَمِلُوا أَعْمَالاً صَالِحَةً تُرْضِي اللهَ، وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِالصَّبْرِ عَنِ المَعَاصِي التِي تَشْتَاقُ إِلَيهَا النُّفُوسُ الضَّعِيفَةُ، وَبِالصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ التِي يَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ القِيَامُ بِهَا.. فَهؤُلاَءِ المُسْتَثْنَوْنَ هُمُ الرَّابِحُونَ الفَائِزُونَ. تَواصَوا - أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِفِعْلِ الخَيْرِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} معناه تَحاثُوا عليهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):