١٠٤ - ٱلْهُمَزَة
104 - Al-Humaza (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: الويل لفظة الذم والسخط، وهي كلمة كل مكروب يتولون فيدعو بالويل وأصله وي لفلان ثم كثرت في كلامهم فوصلت باللام، وروي أنه جبل في جهنم إن قيل: لم قال: ههنا: {وَيْلٌ } وفي موضع آخر: {أية : وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ }تفسير : [الأنبياء:18]؟ قلنان: لأن ثمة قالوا: {أية : يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء:14] فقال: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ } وههنا نكر لأنه لا يعلم كنهه إلا الله، وقيل: في ويل إنها كلمة تقبيح، وويس استصغار وويح ترحم، فنبه بهذا على قبح هذا الفعل، واختلفوا في الوعيد الذي في هذه السورة هل يتناول كل من يتمسك بهذه الطريقة في الأفعال الرديئة أو هو مخصوص بأقوام معينين، أما المحققون فقالوا: إنه عام لكل من يفعل هذا الفعل كائناً من كان وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وقال آخرون: إنه مختص بأناس معينين، ثم قال عطاء والكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه، وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف، قال الفراء: وكون اللفظ عاماً لا ينافي أن يكون المراد منه شخصاً معيناً، كما أن إنساناً لو قال لك لا أزورك أبداً فتقول: أنت كل من لم يزرني لا أزوره وأنت إنما تريده بهذه الجملة العامة وهذا هو المسمى في أصول الفقه بتخصيص العام بقرينة العرف. المسألة الثانية: الهمز الكسر قال تعالى: {أية : هَمَّازٍ مَّشَّاء } تفسير : [القلم:11] واللمز الطعن والمراد الكسر من أعراض الناس والغض منهم والطعن فيهم، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [الحجرات:11] وبناء فعله يدل على أن ذلك عادة منه قد ضري بها ونحوهما اللعنة والضحكة، وقرىء: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } بسكون الميم وهي المسخرة التي تأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم وللمفسرين ألفاظاً أحدها: قال ابن عباس: الهمزة المغتاب، واللمزة العياب وثانيها: قال أبو زيد: الهمزة باليد واللمزة باللسان وثالثها: قال أبو العالية: الهمزة بالمواجهة واللمزة بظهر الغيب ورابعها: الهمزة جهراً واللمزة سراً بالحاجب والعين وخامسها: الهمزة واللمزة الذي يلقب الناس بما يكرهون وكان الوليد بن المغيرة يفعل ذلك، لكنه لا يليق بمنصب الرياسة إنما ذلك من عادة السقاط ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا. وقد حكى الحكم بن العاص مشية النبي صلى الله عليه وسلم فنفاه عن المدينة ولعنه وسادسها: قال الحسن: الهمزة الذي يهمز جليسه يكسر عليه عينه واللمزة الذي يذكر أخاه بالسوء ويعيبه وسابعها: عن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } من هؤلاء الذين يذمهم الله بالويل فقال: هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الناعتون للناس بالعيب. واعلم أن جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب، ثم هذا على قسمين فإنه إما أن يكون بالجد كما يكون عند الحسد والحقد، وإما أن يكون بالهزل كما يكون عند السخرية والإضحاك، وكل واحد من القسمين، إما أن يكون في أمر يتعلق بالدين، وهو ما يتعلق بالصورة أو المشي، أو الجلوس وأنواعه كثيرة وهي غير مضبوطة، ثم إظهار العيب في هذه الأقسام الأربعة قد يكون لحاضر، وقد يكون لغائب، وعلى التقديرين فقد يكون باللفظ، وقد يكون بإشارة الرأس والعين وغيرهما، وكل ذلك داخل تحت النهي والزجر، إنما البحث في أن اللفظ بحسب اللغة موضوع لماذا، فما كان اللفظ موضوعاً له كان منهياً بحسب اللفظ، ومالم يكن اللفظ موضوعاً له كان داخلاً تحت النهي بحسب القياس الجلي، ولما كان الرسول أعظم الناس منصباً في الدين كان الطعن فيه عظيماً عند الله، فلا جرم قال: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }.
القرطبي
تفسير : قد تقدّم القول في «الويل» في غير موضع، ومعناه الخِزي والعذاب والهَلَكة. وقيل: وادٍ في جهنم. {لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} قال ابن عباس: هم المشّاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب؛ فعلى هذا هما بمعنى. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : شِرار عبادِ الله تعالى المَشَّاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب » تفسير : . وعن ابن عباس أن الهُمَزَة: القَتّات، واللُّمزة: العياب. وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رَباح: الهمزة: الذي يغتاب ويَطْعُن في وجه الرجل، واللمزة: الذي يغتابه مِن خلفه إذا غاب؛ ومنه قول حسان: شعر : هَمَزْتُكَ فاخْتَضَعْتَ بذُل نفسٍ بِقافِيةٍ تَأَجَّجُ كالشُّوَاظِ تفسير : واختار هذا القول النحاس، قال: ومنه قوله تعالى: { أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ } تفسير : [التوبة: 58]. وقال مُقاتل ضدّ هذا الكلام: إن الهُمَزَة: الذي يَغتابُ بالغَيبة، واللُّمَزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة ومجاهد: الهُمَزة: الطَّعَّان في الناس، واللُّمَزة: الطَّعَّان في أنسابهم. وقال ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللُّمَزة: الذي يَلْمِزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثورِيّ: يهمِز بلسانه، ويلمِز بعينيه. وقال ابن كيسان: الهُمَزَة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه. وقال مرة: هما سواء؛ وهو القَتَّات الطَّعَّان للمرء إذا غاب. وقال زياد الأعجم: شعر : تُدْلِي بِوُدِّي إِذا لاقيتَنِي كَذِباً وإِنْ أُغَيَّبْ فانت الهامزُ اللُّمَزهْ تفسير : وقال آخر: شعر : إذا لقِيتكَ عن سُخْطٍ تُكاشِرُنِي وإِن تَغَيَّبتُ كنتُ الهامِزَ اللُمَزَهْ تفسير : الشحط: البعد. والهُمَزة: اسم وضِع للمبالغة في هذا المعنى؛ كما يقال: سُخَرَةٌ وضُحكَة: للذي يَسخَر ويَضْحك بالناس. وقرأ أبو جعفر محمد بن عليّ والأعرج «هُمْزَة لُمْزَة» بسكون الميم فيهما. فإن صح ذلك عنهما، فهي في معنى المفعول، وهو الذي يتعرّض للناس حتى يَهْمِزوه ويضحكوا منه، ويحملهم على الاغتياب. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبو وائل والنخَعيّ والأعمش: «ويْلٌ لِلْهُمَزَةِ اللُّمَزَةِ». وأصل الهمز: الكسر، والعَضّ على الشيء بعنف؛ ومنه همز الحرف. ويقال: همزت رأسه. وهمزت الجوز بكفي كسرته. وقيل لأعرابيّ: أتهمزون (الفارة)؟ فقال: إنما تهمزها الهِرّة. الذي في الصحاح: وقيل لأعرابي أتهمز الفارة؟ فقال السنور يهمزها. والأوّل قاله الثعلبي، وهو يدل على أن الهِرّ يسمى الهمزة. قال العجاج: شعر : ومَـنْ هَـمَـزْنَـا رأسَـهُ تَـهَـشَّـمـا تفسير : وقيل: أصل الهمز واللمز: الدفع والضرب. لَمَزَهُ يَلْمِزه لَمْزاً: إذا ضربه ودفعه. وكذلك هَمَزَهُ: أي دفعه وضربه. قال الراجز: شعر : ومَنْ هَمَزْنَا عِزَّهُ تَبَرْكَعا على ٱسْتِهِ زَوْبَعَةً أو زَوْبَعَا تفسير : البركعة: القيام على أربع. وبركعهُ فتبركع؛ أي صرعه فوقع على استه؛ قاله في الصحاح. والآية نزلت في الأخنس بن شَريق، فيما رَوى الضحاك عن ابن عباس. وكان يَلْمز الناس ويعيبهم: مقبلين ومدبرين. وقال ابن جُرَيج: في الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: نزلت في أُبَيّ بن خَلَف. وقيل: في جميل بن عامر الثقفيّ. وقيل: إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص؛ وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفرّاء: يجوز أن يذكر الشيء العام ويقصد به الخاصّ، قصدَ الواحد إذا قال: لا أزورك أبداً. فتقول: من لم يزرني فلست بزائره؛ يعني ذلك القائل.
البيضاوي
تفسير : مكية، وآيها تسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } الهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن كاللهز فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وبناء فعله يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود، وقرىء «همزة لمزة» بالسكون على بناء المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم. ونزولها في الأخنس بن شريق فإنه كان مغياباً، أو في الوليد بن المغيرة واغتيابه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً} بدل من كل أو ذم منصوب أو مرفوع، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد للتكثير {وَعَدَّدَهُ} وجعله عدة للنوازل أو عدة مرة بعد أخرى، ويؤيده أنه قرىء «وَعَدَّدَهُ» على فك الإِدغام. {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} تركه خالداً في الدنيا فأحبه كما يحب الخلود، أو حب المال أغفله عن الموت أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد فعمل عمل من لا يظن الموت، وفيه تعريض بأن المخلد هو السعي للآخرة. {كَلاَّ } ردع له عن حسبانه. {لَيُنبَذَنَّ} ليطرحن. {فِى ٱلْحُطَمَةِ } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} ما [هذه] النار التي لها هذه الخاصية. {نَارُ ٱللَّهِ } تفسير لها. {ٱلْمُوقَدَةُ } التي أوقدها الله وما أوقده لا يقدر غيره أن يطفئه. {ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها، وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده ألماً، أو لأنه محل العقائد الزائفة ومنشأ الأعمال القبيحة. {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته، قال:شعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي وَمَنْ دُونِهَا أبواب صنعاء مُوصَدَة تفسير : وقرأ حفص وأبو عمرو وحمزة بالهمزة. {فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } أي موثقين في أعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص وقرأ الكوفيون غير حفص بضمتين، وقرىء «عُمْدٍ» بسكون الميم مع ضم العين. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه»تفسير : رضوان الله عليهم أجمعين.
ابن كثير
تفسير : الهماز بالقول، واللماز بالفعل، يعني: يزدري الناس، وينتقص بهم، وقد تقدم بيان ذلك في قوله تعالى: {أية : هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} تفسير : [القلم: 11] قال ابن عباس: همزة لمزة: طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهمزة يهمزه في وجهه، واللمزة من خلفه. وقال قتادة: الهمزة واللمزة لسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعن عليهم. وقال مجاهد: الهمزة باليدين والعين، واللمزة باللسان. وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك عن زيد بن أسلم: همزة لحوم الناس، ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق، وقيل غيره. وقال مجاهد: هي عامة. وقوله تعالى: { ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده؛ كقوله تعالى: { أية : وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} تفسير : [المعارج: 18] قاله السدي وابن جرير، وقال محمد بن كعب في قوله: {جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ}: ألهاه ماله بالنهار هذا إلى هذا، فإذا كان الليل، نام كأنه جيفة منتنة. وقوله تعالى: { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي: يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار {كَلاَّ} أي: ليس الأمر كما زعم، ولا كما حسب. ثم قال تعالى: {لَيُنبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ} أي: ليلقين هذا الذي جمع مالاً فعدده في الحطمة، وهي اسم صفة من أسماء النار؛ لأنها تحطم من فيها، ولهذا قال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ } قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي، قال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه، ترجع على جسده. وقوله تعالى: { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة؛ كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} قال: «حديث : مطبقة» تفسير : وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن أسيد عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح قوله، ولم يرفعه. وقوله تعالى: { فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} قال عطية العوفي: عمد من حديد، وقال السدي: من نار،وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: { فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} يعني: الأبواب هي الممددة، وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: (إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة) وقال العوفي عن ابن عباس: أدخلهم في عمد ممددة عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، فسدت بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار، واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح: { فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} يعني القيود الثقال. آخر تفسير سورة ويل لكل همزة لمزة، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيْلٌ } كلمة عذاب، أو واد في جهنم {لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } أي كثير الهمز واللمز، أي الغيبة. نزلت فيمن كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كأمية بن خلف والوليد بن المغيرة وغيرهما.
الشوكاني
تفسير : الويل: هو مرتفع على الابتداء، وسوّغ الابتداء به مع كونه نكرة كونه دعاء عليهم، وخبره: {لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } والمعنى: خزي، أو عذاب، أو هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة. قال أبو عبيدة، والزجاج: الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة: الذي يغتابه من خلفه. وقال قتادة عكس هذا. وروي عن قتادة، ومجاهد أيضاً أن الهمزة: الذي يغتاب الناس في أنسابهم. وروي عن مجاهد أيضاً أن الهمزة: الذي يهمز الناس بيده. واللمزة الذي يلمزهم بلسانه. وقال سفيان الثوري: يهمزهم بلسانه، ويلمزهم بعينه. وقال ابن كيسان الهمزة: الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه، والأوّل أولى، ومنه قول زياد الأعجم:شعر : تدلي بودّي إذا لاقيتني كذبا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه تفسير : وقول الآخر: شعر : إذا لقيتك عن سخط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه تفسير : وأصل الهمز: الكسر. يقال: همز رأسه كسره، ومنه قول العجاج:شعر : ومن همزنا رأسه تهشما تفسير : وقيل: أصل الهمز واللمز: الضرب والدفع. يقال: همزه يهمزه همزاً، ولمزه يلمزه لمزاً: إذا دفعه وضربه، ومنه قول الشاعر؛شعر : ومن همزنا عزه تبركعا على أسته زوبعة أو زوبعا تفسير : البركعة: القيام على أربع. يقال بركعه، فتبركع، أي: صرعه، فوقع على أسته. كذا في الصحاح، وبناء فعلة يدلّ على الكثرة، ففيه دلالة على أنه يفعل ذلك كثيراً، وأنه قد صار ذلك عادة له، ومثله ضحكة ولعنة. قرأ الجمهور: {همزة لمزة} بضم أوّلهما، وفتح الميم فيهما. وقرأ الباقر، والأعرج بسكون الميم فيهما. وقرأ أبو وائل، والنخعي، والأعمش: (ويل للهمزة اللمزة) والآية تعمّ كلّ من كان متصفاً بذلك، ولا ينافيه نزولها عل سبب خاص، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ } الموصول بدل من كلّ، أو في محل نصب على الذمّ، وهذا أرجح؛ لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف؛ لأنه يجري مجرى السبب، والعلة في الهمز واللمز، وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أنه الفضل، فلأجل ذلك يستقصر غيره. قرأ الجمهور: {جمع} مخففاً. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي بالتشديد. وقرأ الجمهور: {وعدّده} بالتشديد. وقرأ الحسن، والكلبي، ونصر بن عاصم، وأبو العالية بالتخفيف، والتشديد في الكلمتين يدلّ على التكثير وهو جمع الشيء بعد الشيء، وتعديده مرّة بعد أخرى. قال الفراء: معنى: {عدّده} أحصاه. وقال الزجاج: وعدّده لنوائب الدّهور. يقال: أعددت الشيء وعددته: إذا أمسكته. قال السديّ: أحصى عدده. وقال الضحاك: أعدّ ماله لمن يرثه. وقيل: المعنى فاخر بكثرته وعدده، والمقصود ذمه على جمع المال، وإمساكه، وعدم إنفاقه في سبيل الخير. وقيل: المعنى على قراءة التخفيف في "عدّده": أنه جمع عشيرته وأقاربه. قال المهدوي: من خفف "وعدّده"، فهو معطوف على المال، أي: وجمع عدده. وجملة: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } مستأنفة: لتقرير ما قبلها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال، أي: يعمل عمل من يظنّ أن ماله يتركه حياً مخلداً لا يموت. وقال عكرمة: يحسب أن ماله يزيد في عمره، والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ. وقيل: هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية لا المال. وقوله: {كَلاَّ } ردع له عن ذلك الحسبان أي: ليس الأمر على ما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده، واللام في: {لَيُنبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ } جواب قسم محذوف، أي: ليطرحنّ في النار، وليلقينّ فيها. قرأ الجمهور: {لينبذنّ} وقرأ عليّ، والحسن، ومحمد بن كعب، ونصر بن عاصم، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن: (لينبذانّ) بالتثنية، أي: لينبذ هو وماله في النار. وقرأ الحسن أيضاً: {لينبذنّ} أي: لينبذن ماله في النار. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ}؟ هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول، وتبلغه الأفهام. ثم بيّنها سبحانه فقال: {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ } أي: هي نار الله الموقدة بأمر الله سبحانه، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم، وكذلك في وصفها بالإيقاد. وسميت "حطمة"؛ لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه، ومنه:شعر : إنا حطمنا بالقضيب مصعبا يوم كسرنا أنفه ليغضبا تفسير : قيل: هي الطبقة السادسة من طبقات جهنم. وقيل: الطبقة الثانية منها. وقيل: الطبقة الرابعة {ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأفْئِدَةِ } أي: يخلص حرّها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخصّ الأفئدة مع كونها تغشى جميع أبدانهم؛ لأنها محلّ العقائد الزائغة، أو لكون الألم إذا وصل إليها مات صاحبها، أي: إنهم في حال من يموت، وهم لا يموتون. وقيل معنى: {تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأفْئِدَةِ } أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بأمارات عرّفها الله بها. {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } أي: مطبقة مغلقة، كما تقدّم بيانه في سورة البلد، يقال أصدت الباب: إذا أغلقته، ومنه قول قيس بن الرقيات:شعر : إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقاً موصداً عليه الحجاب تفسير : {فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } في محل نصب على الحال من الضمير في {عليهم}، أي: كائنين في عمد ممدّدة موثقين فيها، أو في محلّ رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم في عمد، أو صفة لمؤصدة، أي: مؤصدة بعمد ممدّدة. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم شدّت بأوتادٍ من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح. ومعنى كون العمد ممدّدة: أنها مطوّلة، وهي: أرسخ من القصيرة. وقيل: العمد أغلال في جهنم، وقيل: القيود. قال قتادة: المعنى: هم في عمد يعذّبون بها، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور: {في عمد} بفتح العين، والميم. وقيل: هو اسم جمع لعمود. وقيل: جمع له. قال الفرّاء: هي جمع لعمود كأديم وأدم. وقال أبو عبيدة: هي جمع عماد. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر بضم العين، والميم جمع عمود. قال الفرّاء: هما جمعان صحيحان لعمود. واختار أبو عبيد، وأبو حاتم وقراءة الجمهور. قال الجوهري: العمود عمود البيت، وجمع القلة أعمدة، وجمع الكثرة عمد وعمد، وقرىء بهما. قال أبو عبيدة: العمود كل مستطيل من خشب أو حديد. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } قال: هو المشاء بالنميمة، المفرّق بين الجمع، المغري بين الإخوان. وأخرج ابن جرير عنه: {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ } قال: طعان. {لُّمَزَةٍ } قال: مغتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } قال: مطبقة. {فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } قال: عمد من نار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: هي الأدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأبواب هي الممدّدة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم في أعناقهم، فشدّت بها الأبواب.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {وَيْلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الهمزة المغتاب، واللمزة العيّاب، قاله ابن عباس، ومنه قول زياد الأعجم: شعر : تُدْلي بوُدّي إذا لاقيتني كَذِباً وإن أُغَيّبْ فأنْتَ الهامزُ اللُّمَزة تفسير : الثاني: أن الهمزة الذي يهمز الناس، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه، قاله ابن زيد. الثالث: أن الهمزة الذي يهمز في وجهه إذا أقبل، واللمزة الذي يلمزه من خلفه إذا أدبر، قاله أبو العالية، ومنه قول حسان: شعر : همزتك فاخْتَضَعْتَ بذُلَّ نفْسٍ بقافيةٍ تأَجج كالشُّواظِ تفسير : الرابع: أن الهمزة الذي يعيب جهراً بيد أو لسان، واللمزة الذي يعيبهم سراً بعين أو حاجب، قاله عبد الملك بن هشام. قال رؤبة: شعر : في ظل عَصْرَيْ باطِلي وَلَمزِي .......................... تفسير : واختلفوا فيمن نزلت فيه على خمسة أقاويل: أحدها: في أُبي بن خلف، قاله عمار. الثاني: في جميل بن عامر الجمحي، قاله مجاهد. الثالث: في الأخنس بن شريق الثقفي، قاله السدي. الرابع: في الوليد بن المغيرة، قاله ابن جريج. الخامس: أنها مرسلة على العموم من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. {الذي جَمَعَ مَالاً وعَدَّدَه} فيه اربعة أوجه: أحدها: يعني أحصى عدده، قاله السدي. الثاني: عددّ أنواع ماله، قاله مجاهد. الثالث: لما يكفيه من الشين، قاله عكرمة. الرابع: اتخذ ماله لمن يرثه من أولاده. ويحتمل خامساً: أنه فاخر بعدده وكثرته. {يَحْسَبُ أَنّ مالَه أَخْلَدَهُ} فيه وجهان: أحدهما: يزيد في عمره، قال عكرمة. الثاني: يمنعه من الموت، قال السدي. ويحتمل ثالثاً: ينفعه بعد موته. {كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ في الحُطَمَةِ} وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه اسم باب من أبواب جهنم، قاله ابن واقد، وقال الكلبي هو الباب السادس. الثاني: أنه اسم درك من أدراك جهنم، وهو الدرك الرابع، قاله الضحاك. الثالث: أنه اسم من أسماء جهنم، قاله ابن زيد. وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها تحطم ما أُلقي فيها، أي تكسره وتهده، ومنه قول الراجز: شعر : إنا حَطْمنا بالقضيب مُصْعَبا يومَ كَسَرنا أَنْفَه ليَغْضَبا تفسير : {التي تَطّلِعُ على الأَفئدةِ} روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تأكل أهلها حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله {نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة} ويحتمل اطلاعها على الأفئدة وجهين: أحدهما: لتحس بألم العذاب مع بقاء الحياة ببقائها. الثاني: استدل بما في قلوبهم من آثار المعاصي وعقاب على قدر استحقاقهم لألم العذاب، وذلك بما استبقاه الله تعالى من الإمارات الدالة عليه. {إنَّها عليهم مْؤْصَدَةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مطبقة، قاله الحسن والضحاك. الثاني: مغلقة بلغة قريش، يقولون آصد الباب إذا أغلقه، قاله مجاهد ومنه قول عبيد الله بن قيس الرقيات: شعر : إن في القَصْر لو دَخَلنْا غَزالاً مُصْفقاً مُوصَداً عليه الحجابُ تفسير : الثالث: مسدودة الجوانب لا ينفتح منها جانب، قاله سعيد بن المسيب، وقال مقاتل بن سليمان: لا يدخلها روْح ولا يخرج منها غم. {في عَمَدٍ مُمَدَّدةٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أنها موصدة بعمد ممددة، قاله ابن مسعود، وهي في قراءته " بعَمَدٍ ممدّدة". الثاني: أنهم معذبون فيها بعُمد محددة، قاله قتادة. الثالث: أن العُمد الممدة الأغلال في أعناقهم، قاله ابن عباس. الرابع: أنها قيود في أرجلهم، قاله أبو صالح. الخامس: معناه في دهر ممدود، قاله أبو فاطمة.
ابن عطية
تفسير : {ويل} لفظ يجمع الشر والحزن، وقيل {ويل}: واد في جهنم، و " الهمزة " الذي يهمز الناس بلسانه أي يعيبهم، ويغتابهم، وقال ابن عباس: هو المشاء بالنميم. قال القاضي أبو محمد: ليس به لكنهما صفتان تتلازم، قال الله تعالى: {أية : هماز مشاء بنميم} تفسير : [القلم: 11]، وقال مجاهد: "الهمزة" الذي يأكل لحوم الناس، وقيل لأعرابي: أتهمز إسرائيل فقال: إني إذاً لرجل سوء، حسب أنه يقال له أتقع في سبه، و "اللمزة" قريب من المعنى في الهمزة، قال الله تعالى: {أية : ولا تلمزوا أنفسكم} تفسير : [الحجرات: 11]، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن: " ويل الهمزة اللمزة"، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه، قال أبو العالية والحسن: الهمز بالحضور واللمز بالمغيب، وقال مقاتل ضد هذا، وقال مرة: هما سواء، وقال ابن أبي نجيح: الهمز باليد والعين: واللمز باللسان، وقال تعالى: {أية : ومنهم من يلمزك في الصدقات} تفسير : [التوبة: 58] وقيل نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر: "جمّع" بشدة الميم، والباقون بالتخفيف، وقوله {وعدده} معناه: أحصاه وحافظ على عدده وأن لا ينتقص، فمنعه من الخيرات ونفقة البر، وقال مقاتل: المعنى استعده وذخره وقرأ الحسن: "وعدَدَه" بتخفيف الدالين، فقيل المعنى جمع مالاً وعدداً من عشرة، وقيل أراد عدداً مشدداً فحل التضعيف، وهذا قلق، وقوله: {يحسب أن ماله أخلده} معناه: يحسب أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه، ثم رد على هذه الحسبة وأخبر إخباراً مؤكداً أنه ينبذ {في الحطمة} أي التي تحطم ما فيها وتلتهبه، وقرأ: "يحسَب" بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه: "لينبذان" بنون مكسورة مشددة قبلها ألف، يعني هو ماله، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده، أو يريد جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها {نار الله الموقدة} التي يبلغ إحراقها القلوب ولا يخمد، والفؤاد القلب، ويحتمل أن يكون المعنى أنها لا يتجاوزها أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القلوب باطلاع الله تعالى إياها، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة، قال علي بن أبي طالب: أبواب النار بعضها فوق بعض، وقوله تعالى: {في عمد} هو جمع عمود كأديم وأدم، وهي عند سبيويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل، وقرأ ابن مسعود: " موصدة بعمد ممدّدة "، وقال ابن زيد: المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار، وقال أبو صالح: هذه النار هي في قبورهم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: "عُمُد" بضم العين والميم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بفتحهما، وقرأ الجمهور: "ممددةٍ" بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم: "ممددة" بالرفع على اتباع {موصدة}. نجز تفسيرها بحمد الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {هُمَزَةٍ} المغتاب واللُّمزة العيَّاب أو الهمزة الذي همز الناس بيده واللمزة الذي يلمزهم بلسانه أو الهمزة الذي يهمز الذي يلمز في وجهه إذا أقبل واللمزة الذي يلمز في خلفه إذا أدبر أو الهمزة الذي يعيب الناس جهراً بيد أو لسان واللمزة الذي يعيبهم سراً بعين أو حاجب نزلت في أبي بن خلف أو جميل بن عامر أو الأخنس بن شريق أو الوليد بن المغيرة أو عامة عند الأكثرين.
النسفي
تفسير : مكية وهي تسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ } مبتدأ خبره {لّكُلّ هُمَزَةٍ } أي الذي يعيب الناس من خلفهم {لُّمَزَةٍ } أي من يعيبهم مواجهة. وبناء «فعلة» يدل على أن ذلك عادة منه. قيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل: في أمية بن خلف. وقيل: في الوليد. ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً ليتناول كل من باشر ذلك القبيح {ٱلَّذِى } بدل من كل أو نصب على الذم {جَمَعَ مَالاً } {جَمَعَ } شامي وحمزة وعلي مبالغة جمع وهو مطابق لقوله {وَعَدَّدَهُ } أي جعله عدة لحوادث الدهر {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } أي تركه خالداً في الدنيا لا يموت أو هو تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما أخلد أحداً فيه {كَلاَّ } ردع له عن حسبانه {لَيُنبَذَنَّ } أي الذي جمع {فِى ٱلْحُطَمَةِ } في النار التي شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها {وَمَا أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ } تعجيب وتعظيم {نَارُ ٱللَّهِ } خبر مبتدأ محذوف أي هي نار الله {ٱلْمُوقَدَةُ } نعتها {ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلاْفْئِدَةِ } يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تألماً منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه؟ وقيل: خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها {إِنَّهَا عَلَيْهِم } أي النار أو الحطمة {مُّؤْصَدَةُ } مطبقة {فِى عَمَدٍ } {بضمتين} كوفي حفص، الباقون { فِى عَمَدٍ } وهما لغتان في جمع عماد كإهاب وأهب وحمار وحمر {مُّمَدَّدَةِ } أي تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق. في الحديث: «حديث : المؤمن كيس فطن وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب الليل لا يبالي من أين اكتسب وفيم أنفق»تفسير : والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ويل} أي قبح، وقيل اسم واد في جهنم {لكل همزة لمزة} قال ابن عباس هم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب وقيل معناهما واحد وهو العياب المغتاب للناس في بعضهم قال الشاعر: شعر : إذا لقيتك من كره تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزا تفسير : وقيل بل يختلف معناهما فقيل الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللّمزة الذي يعيبك في الوجه، وقيل هو على ضده، وقيل الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللّمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم، وقيل هو الذي يهمز بلسانه ويلمز بعينه، وقيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يرمق بعينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه، وقيل الهمزة المغتاب للناس واللمزة الطعان في أنسابهم وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد، وهو الطعن وإظهار العيب وأصل الهمز الكسر والقبض على الشيء بالعنف، والمراد منه هنا الكسر من أعراض الناس والغض منهم، والطعن فيهم، ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم، وأفعالهم، وأصواتهم ليضحكوا منه، وهما نعتان للفاعل على نحو سخره وضحكة للذي يسخر ويضحك من الناس، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقيل نزلت في الأخنس بن شريق بن وهب. كان يقع في الناس ويغتابهم وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه، وقيل نزلت في العاص بن وائل السّهمي، وقيل هي عامة في كل شخص هذه صفته كائناً من كان، وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ والحكم، ومن قال إنها في أناس معينين قال أن يكون اللّفظ عاماً لا ينافي أن يكون المراد منه شخصاً معيناً وهو تخصيص العام بقرينة العرف والأولى أن تحمل على العموم في كل من هذه صفته ثم وصفه فقال تعالى: {الذي جمع مالاً...}.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {جمع} بالتشديد: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف {عمد} بضمتين جمع عماد: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: بفتحتين جمعاً أو واحداً في معناه. الوقوف: {لمزة} ه لا بناءً على أن {الذي} وصف ولو كان منصوباً على الذم أو مرفوعاً على الذم فالوقف {وعدده} ه لا {أخلده} ج ه إن وصل وقف على " كلا " {الحطمة} ه ز {الحطمة} ه ط {الموقدة} ه لا {الأفئدة} ه ج {مؤصدة} ه لا {ممددة} ه. التفسير: لما ذكر حكم جنس الإنسان في خسرهم عقبه بمثال واحد. قال عطاء والكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق كان يكسر من أعراض الناس ويكثر الطعن فيهم. والتركيب يدل على الكسر ومنه الهمز ومثله اللمز وهو العيب قال تعالى {أية : ولا تلمزوا أنفسكم}تفسير : [الحجرات: 11] وقال ابن زيد: الهمز باليد واللمز باللسان. وقال أبو العالية: الهمز بالمواجهة واللمز بظهر الغيب وقد يكون كل ذلك سراً بالحاجب أو العين. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كانت عادته الغيبة والوقيعة. وبناء " فعلة " يدل على أن ذلك كان من عادته، وأما " فعلة " بسكون العين فهي للمفعول. وقال محمد بن إسحق: ما زلنا نسمع أن السورة نزلت في أمية بن خلف. والمحققون على أن خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ، ويحتمل أن يكون اللفظ عماً ويدخل فيه شخص معين دخولاً أولياً كما لو قال لك إنسان: لا أزورك أبداً فتقول: كل من لا يزورني لا أزوره تعريضاً به، ومثله يسمى في أصول الفقه تخصيص العام بقرينه العرف. ولا يخفى أن الهمز واللمز من أقبح السير خاصة في حق من هو أجل منصباً وأعلى قدراً من كل المخلوقات وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا جرم أوعده بالويل وهو كلمة جامعة لكل شر ومكروه أو هو واد في جهنم وقد تقدم مراراً. ثم وصفه بقوله {الذي} وكأنه سبب الهمز واللمز لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر والتشديد في جمع للتكثير في المفعول ويؤيده تنكير {مالاً} وكذا التشديد في {عدّده} ولا يبعد أن يكون للتكثير في الفعل، ولا ريب أن عد المال من غير ضرورة وضبطه أزيد من المعتاد يوجب للنفس شغلاً عن السعادات الباقية وحرصاً على الزخارف الدنية وعلى التمتيع بتلك الأسباب ولهذا قال {يحسب} أي طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى أصبح لفرط غفلته يحسب أن ماله يتركه خالداً في الدنيا. وقيل: عدده أي أمسكه وجعله عدة وذخيرة لحوادث الدهر. وقيل: أراد بقوله {يحسب} تشييد البنيان وإحكامه بالجص والآجر غرس الأشجار وعمارة الأراضي عمل من يظن أن ماله أبقاه حياً، أو هو تعريض بالعمل الصالح المخلد لصاحبه الأجر الجزيل والثناء الجميل، وأما المال فبمعزل عن ذلك لأنه للحادث أو للوارث. وقيل: أحب المال حباً شديداً حتى اعتقد أنه إن انتقص مالي أموت فلذلك يحفظه عن النقصان ليبقى حياً وهذا غير بعيد من اعتقاد البخيل {كلاً} ردع له عن حسبانه أي ليس الأمر كما يظن هو أن المال مخلد بل المخلد هو العلم والعمل كما قال علي رضي الله عنه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر. عن الحسن أنه عاد موسراً فقال: ما تقول في ألفو لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟ قال: ولكن لماذا قال لنبوة الزمان وجفوة السلطان ونوائب الدهر ومخافة الفقر؟ قال: إذاً تدعه لمن لا يحمدك وترد على من لا يعذرك. قوله {لينبذن} جواب قسم محذوف أو جواب حقاً لأنه في معنى القسم. والنبذ الطرح وفيه إشعار بإهانته. وفي قوله {في الحطمة} وهي النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر كل ما يلقى فيها إشارة إلى غاية تعذيبه. ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة ووزنها " فعلة " كهمزة ولمزة فكأنه قيل له: كنت همزة لمزة فقابلناك بالحطمة. وأيضاً في الحطم معنى الكسر والهماز اللماز يكسر الناس بالاغتياب والعيب أو يأكل لحمهم كما يأكل الرجل الأكول. ثم كأن قائلاً سأل كيف قوبل الوصفان بوصف واحد؟ فقيل: إنك لا تعرف ذلك الواحد وما أدراك ما هذه الحطمة {نار الله} هي إضافة تعظيم كبيت الله {الموقدة التي تطلع على الأفئدة} أي تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على جنانها وخباياها. ولا شيء في الإنسان ألطف منه ولا أشد تألماً. ويجوز أن يكون في تخصيص الأفئدة إشارة إلى زيادة تعذيب للقلب لأنه محل الكفر والعقائد الفاسدة. وعند أهل التأويل: إذا كانت النار أمراً معنوياً فلا ريب أنه لا يتألم بها إلا الفؤاد الذي هو محل الإدراكات والعقائد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن النار تأكل أهلها حتى إذا طلعت على أفئدتهم ـ أي تعلوها وتغلبها ـ انتهت ثم إن الله تعالى يعيد لحمهم وعظمهم مرة أخرى" تفسير : والمؤصدة المطبقة الأبواب اصدت الباب وأوصدته لغتان. يوصد عليهم الأبواب ويمدد على الأبواب العمد استيثاقاً في استيثاق. وجوز أن يراد أن أبواب النار عليهم مؤصدة حال كونهم مؤثقين في عمد مقطرة، والمقطرة خشبة فيها خروق يدخل فيها أرجل المحبوسين اللهم أجرنا منها. قال المبرد: والعمد بفتحتين جمع عمود على غير واحده وأما الجمع على واحده فالعمد بضمتين مثل زبور وزبر ورسول ورسل. قال الفراء: العماد والعمد كالإهاب والأهب فالتأنيث لأنه اسم جمع أو بتأويل الأسطوانة.
الثعالبي
تفسير : تقدم تفسير: {وَيْلٌ} والـ{هُمَزَةٍ}: الذي يَهْمِزُ الناسَ بلسانهِ، أي: يَعيبُهم ويَغْتَابُهم، والـ{لُّمَزَةٍ}: قريبٌ في المعنَى مِنْ هَذَا، وَقَدْ تَقَدم بيانُه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [الحجرات:11]، وفي قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ }تفسير : [التوبة:79] وغيرهِ، قيل: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في الأَخْنَسِ بن شُرَيْق، وقِيلَ في جميل بن عامر، ثم هِي تتناولُ كلَّ منِ اتَّصَفَ بهذه الصفاتِ. {وَعَدَّدَهُ} معناه: أحْصَاهُ وحافظَ على عَدَدِهِ أنْ لاَ يَنْتَقِصَ، وقَال الداوودي: {وَعَدَّدَهُ}: أي: اسْتَعَدَّه، انتهى، {لَيُنبَذَنَّ}: لَيُطْرَحَنَّ * ص *: {نَارُ ٱللَّهِ}: خَبَرُ مبتدإٍ مَحْذُوفٍ، أي: هي نارُ اللَّهِ، انتهى. و{ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}: أي: الَّتِي يَبْلُغَ إحْرَاقَها وألمهَا القلوبُ. و«موصدة»: أي مُطْبَقَة مُغْلَقَة. {فِى عَمَدٍ} جَمْعِ عَمُودٍ، وقرأ ابن مسعود: «مُؤصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» وقال ابن زيد: المعنى: في عَمَدٍ حديدٍ مَغْلُولينَ بها، والكلُّ في نار، عافانا اللَّه من ذلك.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَة}، "الوَيْل" لفظ الذم والسّخط، وهي كلمة كل مكروب، وقد تقدم الكلام في الويل، ومعناه: الخزي، والعذاب، والهلكة. وقيل: وادٍ في جهنم. {لِّكُلِّ هُمَزَةٍ}، أي: كثير الهمز، وكذلك "اللُّمَزَة"، أي: الكثير اللَّمْز. وتقدم معنى الهمز في سورة "ن" واللمز في سورة "براءة". والعامة: على فتح ميمها، على أن المراد الشخص الذي كثر منه ذلك الفعل. قال زياد الأعجم: [البسيط] شعر : 5302- تُدْلِي بِوُدِّي إذَا لاقَيْتَنِي كَذِباً وإنْ أغَيَّبْ فأنْتَ الهَامِزُ اللُّمَزَه تفسير : وقرأ أبو جعفر والأعرج: بالسكون، وهو الذي يهمز ويلمز أي يأتي بما يلمز به واللمزة كالضحكة [لمن يكثر ضحكه، والضحكة: بما يأتي لمن يضحك منه وهو مطرد، يعني أن "فُعَلَة" بفتح العين، لمن يكثر من الفعل، وبسكونها لمن الفعل بسببه]. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وهم المشَّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شِرارُ عبادِ اللهِ تَعالَى: المشَّاءُونَ بالنَّمِيمَةِ المفسِدُونَ بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغُونَ للبُرَآءِ العَيْبَ ". تفسير : وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن الهمزة: القتَّات، واللُّمزة: المغتاب، والقتَّاتُ: هو النمام، يقال: قتّ الحديث يقتّه: إذا زوره وهيّأه وسواه. [وقيل: النَّمامُ الذي يكون مع القوم يتحدثون لينمّ عليهم، والقتَّات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون، ثم ينم، والقتات الذي يسأل عن الأخبار، ثم ينميها نقله ابن الأثير. وقال أبو العالية، والحسن، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح: الهمزة: الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللُّمزة: الذي يعيب به من خلفه، وهذا اختيار النحاس. قال: ومنه قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة: 58]. وقال مقاتل هنا هذا القول: إن الهمزة: الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة الذي يغتاب في الوجه. وقال قتادة، ومجاهد: الهمزة: الطَّعَّان في أنسابهم، وقال ابن زيد: الهامز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللامز: الذي يلمزهم بلسانه ويلمز بعينه]. وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤدي جلساءه بسوء اللفظ، واللُّمزة: الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه، ورأسه، وبحاجبيه. وقرأ عبد الله بن مسعود، وأبو وائل، والنخعي، والأعمش: "ويلٌ للهمزة اللمزة". وأصل الهمز: الكسر، والعض على الشيء بعنف، ومنه همز الحرف، ويقال: همزت رأسه، وهمزت الجوز بكفي: كسرته. وقيل: أصل الهمزِ، واللمز: الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزاً، إذا ضربه، ودفعه، وكذلك همزه: أي: دفعه، وضربه؛ قال الراجز: [الرجز] شعر : 5303- ومَـنْ هَمَزْنَـا عِـزَّهُ تَبَركَعَـا عَلى اسْتِـهِ زَوْبعَـةً أوْ زَوْبَعَــا تفسير : البركعة: القيام على أربع, وبركعه فتبركع، صرعه، فوقع على استه، قاله في "الصحاح". فصل فيمن نزلت فيه السورة روى الضحاك عن ابن عبَّاس: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس، ويعيبهم مقبلين، ومدبرين. وقال ابن جريج: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقدح فيه في وجهه. وقيل: إنها نزلت في أبي بن خلف. وقيل: في جميل بن عامر الثقفي. وقيل: إنها عامة من غير تخصيص، وهو قول الأكثرين. قال مجاهد: ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته. وقال الفراءُ: يجوز أن يذكر الشيء العام، ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال: أزورك أبداً، فتقول: من لم يزرني فلست بزائره، تعني ذلك القائل. فصل في نظم الآية قال ابن الخطيب: فإن قيل: لم قال: "ويلٌ" منكراً، وفي موضع آخر: "ولَكُمُ الويْلُ"، معرفاً؟. فالجواب: لأن ثمة قالوا: {أية : يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 14، 46]، فقال: "ولكُمُ الويْلُ" وهاهنا نكر، حتى لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قيل: في "ويْلٌ" إنها كلمة تقبيح، و "ويس" استصغار، "ويح" ترحم، فنبه بهذا على قبيح هذا الفعل. قوله: {ٱلَّذِى جَمَعَ} قرأ ابن عامر والأخوان: بتشديد الميم، على المبالغة، والتكثير. والباقون: مخففاً، وهي محتملة للتكثير وعدمه. وقوله تعالى: {وَعَدَّدَهُ}، العامة: على تثقيل الدَّال الأولى، وهي أيضاً للمبالغة. وقرأ الحسن والكلبي: بتخفيفها، وفيه أوجه: أحدها: أن المعنى جمع مالاً، وعدد ذلك المال، أي: وجمع عدده: أي: أحصاه. والثاني: أن المعنى وجمع عدد نفسه من عشيرته، وأقاربه وعدده، وعلى هذين التأويلين اسم معطوف على "مالاً"، أي: وجمع عدد المال، وعدد نفسه. والثالث: أن عدده فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه شذّ في إظهاره كما شذَّ في قوله: [البسيط] شعر : 5293-................................ إنِّ أجُـودُ لأقـوامٍ وإنْ ضَنِنُــوا تفسير : أي: ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف. و "الذي" بدل من كل أو نصب على الذم، وإنما وصفه تعالى بهذا الوصف، لأنه يجري مجرى المسبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فسيتنقص غيره. فصل في معنى جمع المال قال المفسرون: {جَمَعَ مالاً وعدَّدهُ}، أي: أعده لنوائب الدهر، مثل: كرم، وأكرم. وقيل: أحصى عدده. قاله السدي. وقال الضحاكُ: أي: أعد ماله لمن يرثه من أولاده. وقيل: تفاخر بعدده، وكثرته، والمقصود: الذم على إمساك المال على سبيل الطاعة، كقوله: {أية : مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} تفسير : [ق: 25]. قوله: {يَحْسَبُ}، يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل "جَمَعَ"، و "أخْلدهُ" بمعنى: "يُخلِدهُ" وأوقع الماضي موقع المضارع. وقيل: هو على الأصل، أي: أطال عمره. قال السديُّ: "يظن أن ماله أخلده، أي: يبقيه حياً لا يموت". وقال عكرمة: أي: يزيد في عمره وقيل: أحياه فيما مضى. وهو ماض بمعنى المستقبل، وقالوا: هلك والله فلان، ودخل النار. أي: يدخل النار.
البقاعي
تفسير : لما بين الناجين من قسمي الإنسان في العصر، وختم بالصبر، حصل تمام التشوف إلى أوصاف الهالكين، فقال مبيناً لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على أذاه في غاية الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر: {ويل} أي هلاك عظيم جداً {لكل همزة} أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا {لمزة *} والهمز الكسر كالهزم، واللمز الطعن - هذا أصلهما، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة: الهمزة الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه عليه ويهمز به، واللمزة الذي يعيب الناس سراً - انتهى. وقال البغوي: وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف، والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما يقال ضحكة للذي يفعل الضحك كثيراً حتى صار عادة له وضرى به، والفعلة بالسكون للمفعول وهو الذي يهمزه الناس ويلمزونه، وقرىء بها وكأنه إشارة إلى من يتعمد أن يأتي بما يهمز به ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه - والله أعلم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال سبحانه وتعالى {إن الإنسان لفي خسر} أتبعه بمثال من ذكر نقصه وقصوره واغتراره، وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره، واعتماده على ما جمعه من المال ظناً أنه يخلده وينجيه، وهذا كله هو عين النقص، الذي هو شأن الإنسان، وهو المذكور في السورة قبل، فقال تعالى {ويل لكل همزة لمزة} فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على همزه ولمزه الذي أتم حسده، والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله، ثم ذكر تعالى ماله ومستقرة بقوله: {لينبذن في الحطمة} أي ليطرحن في النار جزاء له على اغتراره وطعنه - انتهى. ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة تحوجه إليها أقبح حالاً وكان المتمول عندهم هو الرابح، وهم يتفاخرون بالربح ويعدون الفائز به من ذوي المعالي، قال مقيداً لـ"كل" بالوصف مبيناً الخاسر كل الخسارة: {الذي جمع} ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد في فعله لأبي جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي، وخلت تصريحاً بما علم تلويحاً ودلالة على أن المقصود به من جعل الدنيا أكبر همه، والتخفيف لمن عداهم اكتفاء بأصل مدلوله بخلاف عدد، فإن مجرده يكون لما قل، ولهذا أجمعوا على التضعيف فيه: {مالاً} أي عظيماً، وأكد مراد الكثرة بقوله: {وعدده} أي جعله بحيث إذا أريد عدده طال الزمان فيه وكثر التعداد، أو ادخره وأمسكه إعداداً لما ينوبه في هذه الدنيا المنقضية، وزاده قيداً آخر في بيان حاله فقال: {يحسب} لقلة عقله {أن ماله} أي ذلك الذي عدده {أخلده *} أي أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا، فأحب ذلك المال كما يحب الخلود، ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنه عمل - بانهماكه في المعاصي والإعراض عن الله عز وجل والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض الزائلات - عمل من يظن أنه لا يموت، ويجوز أن يكون استئنافاً، وفيه تعريض بأنه لا يفيد الخلد إلا الأعمال الصالحة المسعدة في الدار الآخرة. ولما كان هذا الحسبان لشدة وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على فساده، اكتفى فيه بأداة الردع الجامعة لكل زجر فقال: {كلا} أي لا يكون ما حسبه لأنه لا يكون له ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي مخلوق. ولما كان كأنه قيل: فما الذي يفعل به بعد الموت؟ قال مقسماً دالاًّ باللام الداخلة على الفعل على القسم: {لينبذن} أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هين جداً على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء للمفعول {في الحطمة *} أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة وعنف كل ما طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين، وعبر بها في مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق، قال الأستاد أبو الحسن الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم فيما يكون مواجهة ومن نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد بعدد، ونحو ذلك في سائر أسمائها، وعظم شأنها سبحانه وتعالى بقوله: {وما أدراك} أي وأيّ شيء أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع كونك أعلم الخلق {ما الحطمة} أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم لهذه الخاصية فإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالاً لها، ثم فسرها بقوله: {نار الله} أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون عنه إلى شركائهم، فعظمة هذه النار من عظمته، وانتقامه من نقمته {الموقدة *} أي التي وجد وتحتم إيقادها بإيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده؟ فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتاً. ولما وصف الهامز الهازم، وصف الحاطم فقال تعالى: {التي} ولما كان لا يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علماً قال: {تطلع} اطلاعاً شديداً {على الأفئدة *} جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه، فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالاً بالغاً، سمي بذلك لشدة توقده، وخص بالذكر لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألماً بأدنى شيء من الأذى، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال القبيحة. ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت، وفي الموت راحة من العذاب، أشار إلى خلودهم فيها وأنهم لا يموتون ولا ينقطع عنهم العذاب، فقال مؤكداً لأنهم يكذبون بها: {إنها} وأشار إلى قهرهم وغلبتهم فقال: {عليهم} وآذن بسهولة التصرف في تعذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم بقوله معبراً باسم المفعول: {مؤصدة *} أي مطبقة بغاية الضيق، من أوصدت الباب - إذا أطبقته. ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة عظيمة تسمى المقطرة فيها حلق توثق فيها الرجل، فلا يقدر صاحبها بعد ذلك على حراك، قال مصوراً لعذابهم بحال من ضمير "عليهم": {في} أي حال كونهم موثقين في {عمد} بفتحتين وبضمتين جمع عمود {ممددة *} أي معترضة كأنها موضوعة على الأرض، فهي في غاية المكنة فلا يستطيع الموثق بها على نوع حيلة في أمرها فهو تأكيد ليأسهم من الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد، وهذا أعظم الويل وأشد النكال، فقد رجع آخرها إلى أولها، وكان لمفصلها أشد التحام بموصلها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت {ويل لكل همزة} بمكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له: نزلت هذه الآية في أصحاب محمد {ويل لكل همزة لمزة} قال: ابن عمر: ما عنينا بها ولا عنينا بعشر القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن عثمان بن عمر قال: ما زلنا نسمع أن {ويل لكل همزة} قال: ليست بحاجبة لأحد نزلت في جميل بن عامر زعم الرقاشي. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ويل لكل همزة} في الأخنس بن شريق. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن راشد بن سعد المقدامي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما عرج بي مررت برجال تقطع جلودهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يتزينون. قال: ثم مررت بجب منتن الريح فسمعت فيه أصواتاً شديدة، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: نساءكن يتزين بزينة ويعطين ما لا يحل لهن، ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمازون والهمازات، ذلك بأن الله قال: {ويل لكل همزة لمزة} ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {ويل لكل همزة لمزة} قال: هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الأخوان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قي قوله: {ويل لكل همزة} قال: طعان {لمزة} قال: مغتاب. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في الآية قال: الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {ويل لكل همزة لمزة} قال: يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {ويل لكل همزة لمزة} قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة {ويل لكل همزة} قال: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينيه، ويأكل لحوم الناس ويطعن عليهم. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن جريج قال: الهمز بالعينين والشدق واليد واللمز باللسان. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {جمع مالاً وعدده} قال: أحصاه. وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {يحسب أن ماله أخلده} بكسر السين. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {يحسب أن ماله أخلده} قال: يزيد في عمره. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {كلا لينبذن} قال: ليلقين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسين بن واقد قال: الحطمة باب من أبواب جهنم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: {التي تطلع على الأفئدة} قال: تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده فإذا بلغت فؤاده ابتدىء خلقه. وأخرج ابن عساكر عن محمد بن المنكدر في قوله: {التي تطلع على الأفئدة} قال: تأكله النار حتى تبلغ فؤاده وهو حيّ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {إنها عليهم مؤصدة} قال: مطبقة {في عمد ممددة} قال: عمد من نار. وأخرج عبد بن حميد عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ {في عمد} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ: "بعمد ممددة" قال: وهي الأدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {في عمد} قال: الأبواب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {في عمد ممددة} قال: أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية {في عمد} قال: عمد من حديد في النار. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {في عمد} قال: كنا نحدث أنها عمد يعذبون بها في النار. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح {في عمد ممددة} قال: القيود الطوال. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: من قرأها {في عمد} فهو عمد من نار ومن قرأها {في عمد} فهو حبل ممدود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: في النار رجل في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف عام يا حنان يا منان، فيقول رب العزة لجبريل: أخرج عبدي من النار فيأتيها فيجدها مطبقة فيرجع، فيقول يا رب {إنها عليهم مؤصدة} فيقول يا جبريل: فكها واخرج عبدي من النار فيفكها ويخرج مثل الفحم فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعراً ولحماً ودماً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، ولا يغلون بالأغلال، ولا يقرنون مع الشياطين، ولا يضربون بالمقامع، ولا يطرحون في الأدراك. منهم من يمكث فيها ساعة، ومنهم من يمكث يوماً ثم يخرج، ومنهم من يمكث شهراً ثم يخرج، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مكثاً فيها مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إن الله عز وجل إذا أراد أن يخرج الموحدين منها قذف في قلوب أهل الأديان، فقالوا لهم: كنا نحن وأنتم جميعاً في الدنيا فآمنتم وكفرنا، وصدقتم وكذبنا وأقررتم وجحدنا فما أغنى ذلك عنكم، نحن وأنتم فيها جميعاً سواء تعذبون كما نعذب وتخلدون كما نخلد، فيغضب الله عند ذلك غضباً لم يغضبه من شيء فيما مضى، ولا يغضب من شيء فيما بقي، فيخرج أهل التوحيد منها إلى عين الجنة والصراط يقال لها نهر الحياة، فيرش عليهم من الماء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ما يلي الظل منها أخضر وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة فيكتب في جباههم عتقاء الله من النار إلا رجلاً واحداً فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة، ثم ينادي يا حنان يا منان، فيبعث الله إليه ملكاً ليخرجه فيخوض في النار في طلبه سبعين عاماً لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: يا رب إنك أمرتني أن أخرج عبدك فلاناً من النار، وإني طلبته في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه، فيقول الله عز وجل: انطلق فهو في وادي كذا وكذا تحت صخرة فأخرجه. فيذهب فيخرجه منها فيدخله الجنة، ثم إن الجهنميين يطلبون إلى الله أن يمحى ذلك الإِسم عنهم، فيبعث الله إليهم ملكاً فيمحو عن جباههم، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومن دخلها من الجهنميين اطلعوا إلى أهل النار فيطلعون إليهم فيرى الرجل أباه ويرى أخاه ويرى جاره ويرى صديقه ويرى العبد مولاه، ثم إن الله عز وجل يبعث إليهم ملائكة باطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار فيطبق عليهم بتلك الأطباق وتسمر بتلك المسامير وتمد بتلك العمد، ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم، وينساهم الجبار على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبداً، وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيراً وشهيقاً، فذلك قوله: {إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة} تفسير : يقول: مطبقة والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها تسع {وَيْلٌ} مبتدأٌ خبرُهُ {لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} وساغَ الابتداءُ بِه معَ كونِه نكرةً لأنهُ دعاءٌ عليهم بالهلكةِ أو بشدةِ الشرِّ والهَمْزُ الكسرُ كالهزمِ واللمزِ الطعنُ كاللهزِ شَاعا في الكسرِ مِنْ أعراضِ النَّاسِ والطعن فيهمْ وبناء فُعَلةٍ للدلالةِ عَلى أنَّ ذلكَ منْهُ عَادةٌ مُستمرةٌ قَد ضَرَى بَها وكذلكَ اللُّعَنةُ والضُّحَكَةُ وقُرِىءَ لكُلِّ هُمْزةٍ لُمْزةٍ بسكونِ الميمِ وهُوَ المسخرةُ الذي يأتي بالأضاحيكِ فيضحكُ منْهُ ويُستهزأُ بهِ وقيلَ: نزلتْ في الأخنسِ بْنِ شُرَيقٍ فإنَّهُ كانَ ضارياً بالغِيْبةِ والوقيعةِ، وقيلَ: في أميةَ بنِ خَلَفٍ، وقيلَ: في الوليدِ بْنِ المغيرةِ واغتيابِه لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغضه مِنْ جنابِه الرفيعِ واختصاصُ السببِ لا يستْدِعي خصوصَ الوعيدِ بهمِ بلْ كلُّ منْ اتصفَ بوصفهِم القبـيحْ فلَهُ ذنوبٌ منْهُ مثلُ ذنوبِهم {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً} بدلٌ منْ كُلِّ أوْ منصوبٌ أو مرفوعٌ على الذمِّ وَقُرِىءَ جَمَّعَ بالتشديدِ التكثيرُ وتنكيرُ مالاً للتفخيمِ والتكثيرِ الموافقُ لقولِه تعالَى: {وَعَدَّدَهُ} وقيلَ: مَعْنى عَدَّدَهُ جعلَهُ عدةً لنوائبِ الدَّهرِ وَقُرِىءَ وَعَدَدَهُ أيْ جمعَ المالَ وضبطَ عَدَدَهُ أوْ جمعَ مالَهُ وعددَهُ الذينَ ينصرونَهُ منْ قولِك فلانٌ ذُو عُددٍ وَعَددٍ إذَا كانَ لَهُ عددٌ وافرٌ منَ الأنصارِ والأعوانِ وقيلَ هُو فعلٌ ماضٍ بفكِّ الإدغامِ {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أيْ يعملُ عملَ منْ يظنُّ أنَّ مالَهُ يبقيهِ حياً والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لزيادةِ التقريرِ وقيلَ طَوَّلَ المالُ أَمَلَه وَمَنَّاهُ الأَمَانيِّ البعيدةَ حَتَّى أصبحَ لفرطِ غفلتِه وطولِ أملِه يحسبُ أنَّ المالَ تركَهُ خَالداً في الدُّنيا لا يموتُ وقيلَ هُو تَعريضٌ بالعملِ الصالحِ والزهدِ في الدُّنيا وأنَّه هُوَ الذي أخلدَ صاحبَهُ في الحياةِ الأبديةِ والنعيمِ المقيمِ فأمَّا المالُ فليسَ بخالدٍ لا بمُخَلِّدٍ. ورُوِيَ أنَّ الأخنسَ كانَ لهُ أربعةُ آلافِ دينارٍ وقيلَ: عشرةُ آلافٍ والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ منْ فاعلِ جَمَع {كَلاَّ} ردعٌ لهُ عنْ ذلكَ الحْسبانِ الباطلِ وَقولُه تعالَى: {لَيُنبَذَنَّ} جوابُ قسمٍ مقدرٍ وَالجملةُ استئنافٌ مبـينٌ لعلةِ الردعِ أيْ والله ليطرحنَّ بسببِ تعاطيِه للأفعالِ المذكورةِ {فِى ٱلْحُطَمَةِ} أيْ في النارِ التي شأنُها أنْ تحطمَ وتكسرَ كُلَّ مَا يُلْقَى فيهَا كَما أنَّ شأنَهُ كسرُ أعراضِ النَّاسِ وجمعُ المالِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ}[1] يعني المغتاب إذا غاب الرجل عنه اغتابه. {لُّمَزَةٍ}[1] يعني الطاعن إذا رآه طعن فيه، نزلت في الوليد بن المغيرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}. يقال: رجلٌ هُمَزَةٌ لُمَزة: أي كثيرُ الهَمْزِ واللَّّمزِ للناس وهو العيب والغيبة. ويقال: الهُمَزَة الذي يقول في الوجه، واللُّمزة الذي يقول مِنْ خَلْفِه. ويقال: الهَمْزُ الإشارةُ بالرأس والجَفْنِ وغيره، واللَّمْزُ باللسان. ويقال: الهُمَزة الذي يقول ما في الإنسان، واللُّمَزَة الذي يقول ما ليس فيه. قوله جلّ ذكره: {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ}. "جمَّع" بالتشديد على التكثير، وبالتخفيف. {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}. أي: يُبْقِيه في الدنيا. كلاَّ ليس كذلك: {كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}. ليُطْرَحَنَّ في جهنَّم. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ}؟ على جهة التهويل لها. فهم في نار الله الموقدة التي يبلغ أَلَمُها الفؤاد. {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ}. مُطْبَقة. {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ}. "عَمَد": جمع عماد. وقيل: إنها عُمُدٌ من نارٍ تُمدَّدُ وتُضْرَبُ عليهم؛ كقوله: {أية : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}تفسير : [الكهف: 29]. ويقال: الغِنَى بغيرِ اللَّهِ فَقْرٌ، والأُنْسُ بغيره وَحْشَة، والعِزُّ بغيره ذُلُّ. ويقال: الفقيرُ مَنْ استغنى بمالِه، والحقيرُ: مَنْ استغنى بجاهِه، والمُفْلِسُ: مَنْ استغنى بطاعته، والذليلُ: من استغنى بغير الله، والجليلُ: من استغنى بالله. ويقال: بَيَّنَ أن المعرفة إذا اتَّقَدتْ في قلب المؤمن أحرقت كلَّ سْؤْلٍ وأَرَبٍ فيه، ولذلك تقول جهنّمُ - غداً - للمؤمن: "جُزْ، يا مؤمن.. فإنّ نورَك قد أَطْفَأَ لَهَبي"!
البقلي
تفسير : ويل الحجاب لمن لا يرى الاشياء بعين المقادير السابقة حتى يكون وقيعه فى الخلق بالحسد وهو مقبل الى الدنيا بالجمع والمنع.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويل} بالفارسية بمعنى واى. وهو مبتدأ وساغ الابتدآء به مع كونه نكرة لأنه دعاء عليهم بالهلكة او بشدة الشر خبره قوله {لكل همزة لمزة} الهمز الكسر واللمز الطعن شاعا فى الكسر من اعراض الناس والطعن فيهم وفى القاموس الهامز والهمزة الغماز واللمزة العياب للناس او الذى يعيبك فى وجهك والهمزة من يعيبك فى الغيب انتهى وبناء فعله يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة الا للمكثير المتعود وفى ادب الكاتب لابن قتيبة فعلة بسكون العين من صفات المفعول وفعلة بفتح العين من صفات الفاعل يقال رجل هزءة للذى يهزأ به وهزأة لمن يهزأ بالناس وعلى هذا القياس لعنة ولعنة ولمزة ولمزة وغيرها ونزولها فى الاخنس بن شريف او فى الوليد بن المغيرة فان كلا منهما كان يغتاب رسول الله عليه السلام والاصح العموم لقوله تعالى لكل ولم يقل للهمزة واللمزة كما قرأ عبد الله كما فى عين المعانى وفى الحديث "حديث : المؤمن كيس فطن حذر وقاف متثبت لا يعجل عالم ورع والمنافق همزة لمزة حطمة كحاطب ليل لا يدرى من اين اكتسب وفيم انفق"تفسير : قال القاشانى الهمز واللمز رذيلتان مركبتان من الجهل والغضب والكبر لانهما يتضمنان الاذية وطلب الترفع على الناس وصاحبهما يريد أن يتفضل على الناس ولا يجد فى نفسه فضيلة يترفع بها فينسب العيب والرذيلة اليهم ليظهر فضله عليهم ولا يشعر أن ذلك عين الرذيلة وان عدم الرذيلة ليس بفضيلة فهو مخدوع من نفسه وشيطانه موصوف برذيلتى القوة النطقية والغضبية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويلٌ لكل هُمَزَةٍ لُمزةٍ}، "ويل": مبتدأ، و"لكل": خبره، والمُسوِّغ: الدعاء عليهم بالهلاك، أو بشدة الشر، والهَمْز: الكسر، واللمز: الطعن، أي: ويل للذي يحط الناس ويُصغِّرهم، ويشتغل بالطعن فيهم. قال ابن جزي: هو على الجملة: الذي يعيب الناسَ ويأكل أعراضَهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعْلَة للمبالغة، واختلف في الفرق بين الكلمتين، فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل العكس، وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان. وقيل: هما سواء. ونزلت السورة في الأخنس بن شريق، لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل: في آميّة بن خلف، وقيل: في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك يعم كل مَن اتصف بهذه الصفة. هـ. وبناء "فُعَلة" يدل أن ذلك عادة منه مستمرة. وقوله: {الذي جَمَعَ مالاً}: بدل من "كل"، أو: نصب على الذم، وقرأ حمزة والشامي والكسائي "جَمَّعَ" بالتشديد للتكثير، وهو الموافق لقوله: {عدَّده} أي: جعله عُدَّةً لحوادث الدهر، {يَحْسَبُ أنَّ مالَه أخلده} أي: يتركه خالداً في الدنيا لا يموت، وهو تعريض بالعمل الصالح, فإنه أخلد صاحبه في النعيم المقيم، فأمَّا المال فما أخلد أحداً، إنما يخلد العلم والعمل، ومنه قول علِيّ كرّم الله وجه: (مات خُزّان المال وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر) فالحسبان إمّا حسبان الخلود في الدنيا أو في الآخرة، كما قال القائل: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي... }تفسير : [الكهف:36] الآية. {كلاَّ} ردع له عن حسبانه. {لَيُنْبَذَنَّ} ليطرحن {في الحُطَمَة} في النار التي من شأنها أن تحطم كلَّ ما يُلقى فيها، {وما أدراك ما الحُطَمَة} تهويل لشأنها، {نارٌ الله الموقدة} أي: هي نار الله التي تتقد بأمر الله وسلطانه، {التي تَطَّلِعُ على الأفئدة} يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من فؤاده, ولا أشد تألُّماً منه بأدنى أذى يمسّه، فكيف إذا طلعت عليه نار جهنم، واستولت عليه؟ وقيل: خصّ الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الزائغة، ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تشتمل عليها وتعمها. {إِنها عليهم} أي: النار، أو الحُطَمَة، {مُّؤْصَدَةٌ} مُطبقة {في عَمَدٍ} جمع عماد. وفيه لغتان "عُمُد" بضمتين، و "عَمَد" بفتحتين، {مُمَدَّدة} أي: تؤصد عليهم الأبواب وتُمدّد على الأبواب العمد، استيثاقاً في استيثاق، والجار صفة لمؤصدة. وفي الحديث: " حديث : المؤمن كَيِّسٌ فَطنٌ، وقّاف متثبّت، لا يعجل، عالم، ورع، والمنافق هُمزة، لُمزة، حُطَمَة, كحاطب الليل، لا يُبالي من أين اكتسب وفيم أنفق ". تفسير : الإشارة: ويل لمَن اشتغل بعيب الناس عن عيوب نفسه، قال الورتجبي: ويل الحجاب لمَن لا يرى الأشياء بعين المقادير السابقة، حتى يشتغل بالوقيعة في الخلق بالحسد، وهو مقبل على الدنيا بالجمع والمنع. هـ. وقوله تعالى: {الذي جَمَعَ مالاً وعدَّدَه} ذّمٌّ لمَن يجمع المال ويُعدده، كائناً مَن كان، والعجب من صُلحاء زماننا، يجمعون القناطير المقنطرة، ويترامون على المقام الكبير من الخصوصية، وما هذا إلاَّ غلط فاحش, فأين يوجد القلب مع نجاسة الدنيا؟! وكيف يطهُر وتُشرق فيه الأنوار، وصور الأكوان منطبعة في مرآته؟! وقد قال بعض العارفين: عبادة الأغنياء كالصلاة على المزابل, وعبادة الفقراء في مساجد الحضرة. هـ. {يحسب أنَّ ماله أخلدهُ}، أي: يبقيه بالله، كلا. قال الورتجبي: وَصَفَ الحقُّ تعالى الجاهلَ بالله بأنَّ ماله يُصله إلى الحق، لا والله، لا يصل إلى الحق إلاّ بالحق. وقال أبو بكر بن طاهر: يظن أنَّ مالَه يُوصله إلى مقام الخلد. هـ. كلاَّ، ليُنبذن في الحُطمة التي تحطم كل ما تُصادمه، وهي حب الدنيا، تحطم كل ما يُلقى في القلب من حلاوة المعاملة أو المعرفة، فلا يبقى معها نور قط، وهي نار الله الموقدة، التي تَطَّلع على الأفئدة، فتُفسد ما فيها من الإيمان والعرفان، إنها عليه مؤصدة، يعني أنَّ الدنيا مُطْبقة عليهم، حتى صارت أكبر همومهم، ومبلغ علمهم. قال الورتجبي: لله نيران، نار القهر ونار اللطف، نار قهره: إبعاد قلوب المنكرين عن ساحة جلاله، ونار لطفه نيران محبته في قلوب أوليائه من المحبين والعارفين. ثم قال: عن جعفر: ونيران المحبة إذا اتقدت في قلب المؤمن تحرق كل همّة غير الله، وكل ذِكْرٍ سوى ذكره. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن عامر وابو جعفر وروح {جمع} بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف، لأنه يقع على القليل والكثير. ومن شدد أراد جمعه من وجوه شتى شيئاً بعد شيء {وعدده} أي جعله عدة. ومن قرأ مخففاً أراد جمع مالا وعدداً أي وقوماً ذوي عدد أنصاراً. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصاً {عمد} بضمتين جعلوه جمع عمود وعمد، مثل قدوم وقدم، وزبون وزبن. الباقون بفتح العين والميم، لأنهم قد قالوا فى جمع عمود عمد، كما قالوا فى جمع أديم أدم. وفى جمع أهاب أهب. هذا وعيد من الله تعالى وتهديد {لكل همزة لمزة} فالهمزة الكثير الطعن على غيره بغير حق، العائب له بما ليس فيه عيب لجهله وسفهه وشدة إقدامه على مكاره غيره، يقال: همز الناس يهمزهم همزاً، وهو همزة. ومثله ضحكة أي كثير الضحك وعيبة أي كثير العيب. فكذلك همزة كثير الهمز بالطعن. ومنه الهمزة فى الكلام لانها تخرج كالطعنة بقوة اعتماد. وقال ابن عباس: الهمزة الطعّان. واللمزة المغتاب وقال زياد الاعجم: شعر : تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا وإن تغيبت فانت الهامز اللمز تفسير : وقال ابن عباس: الهمزة اللمزة المشاء بالنميمة، المفرق بين الاحبة الباغي المبرئ العيب بالمكابرة. وقيل: نزلت فى مشرك بعينه كان يعيب الناس ويلمزهم - ذكره ابن عبا س - وقال قوم: نزلت فى الوليد بن المغيرة. وقال السدي: نزلت هذه السورة فى الاخنس ابن شريق، وكان يهمز النبي صلى الله عليه وآله ويلمزه. وقيل: نزلت فى جميل بن عامر الجهني. وقال مجاهد وورقاء وابن عباس: ليست خاصة لاحد بل هي عامة. وقوله {الذي جمع مالا وعدده} نعت للهمزة الذي تقدم ذكره فى أنه يجمع المال ويحبه، ولا يخرج حق الله منه. وقوله {يحسب أن ماله أخلده} معناه يظن هذا الذي جمع المال، ولا يخرج حق الله منه أنه سيخلده. وقوله {أخلده} يخلده، كما قيل أهلك إذا حدث به سبب الهلاك من غير أن يقع هلاكه بعد. وإنما ذلك بمعنى أوجب إخلاده وهلاكه وقيل: ليس المراد أنه يظن أنه لا يموت، ولكن يجب أنه يبقى من ماله إلى أن يموت. وقيل: معناه إنه يعمل عمل من يحسب أن ماله أخلده. وقال الحسن: معناه يحسب أن ماله أخلده حتى يفنيه. وقوله {كلا لينبذن في الحطمة} معناه ليقذفن وليطرحن من وصفناه بجمع المال ومنع حق الله في الحطمة. ثم قال {وما أدراك ما الحطمة} تفخيماً لها. ثم فسرها فقال {نار الله الموقدة} أي هي نار الله الموقدة. والحطمة الكثيرة الحطم أي الاكل، ورجل حطمة، وحطم الشيء إذا كسره وأذهبه، وتحطم إذا تكسر وأصله الكسر المهلك. وقوله {التي تطلع على الأفئدة} معناه يبلغ ألمها ووجعها الأفئدة، تقول: اطّلعت على أرض كذا إذا بلغتها، وقوله {إنها} يعني النار {عليهم} يعني الكفار {مؤصدة} أي مطبقة، يقال اصدت الباب أوصده إذا اطبقته، وأوصدته إيصاداً لغتان. ومنه قوله {أية : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد}تفسير : وابو عمرو يهمز {مؤصدة} إذا لين الهمز، لئلا يخرج من لغة إلى لغة أخرى. وقوله {في عمد ممددة} فالعمد جمع عمود، وقيل: جمع عماد، كقولك: أهاب وأهب، ويجوز عمد، والعمود عمود مستدير مستطيل قوي على شدة الاعتماد. وقال ابن مسعود: معناه إن النار مطبقة بعمد ممددة. وقال ابن عباس: فى عمد مغللبن بها. وقال قتادة: فى عمد يعذبون بها. وقيل: الاطباق بالعمد الممددة ليتأكد يأسهم من الخروج منها.
الجنابذي
تفسير : {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} الهمز الغمز، والضّغط والنّخس والدّفع والضّرب والعضّ والكسر، والكلّ من باب نصر وضرب، واللّمز العيب والاشارة بالعين ونحوها، والضّرب والدّفع والفعل من البابين، قيل: المراد بالهمزة الطّعّان، وباللّمزة المغتاب، وقيل: العكس، وقيل: الهمزة الّذى يطعن فى وجهك واللّمزة الّذى يطعن فى غيابك، والصّيغتان تستعملان فيما صار عادة وسجيّةً، والرّذيلتان حاصلتان فى تركيب الشّيطنة والسّبعيّة والبهيميّة فانّ صاحبهما بشيطنته يتكبّر على النّاس ويحقّرهم وبغضبه يدفع فضل من يتفضّل عليه، وبشهوته يريد ان يكون ممدوحاً فى النّاس، ذا فضيلة عندهم محبوباً لهم، واذا اجتمع هذه الخصال يغتاب ويغمز ويطعن فى النّاس لرؤية نفسه واستكباره على الخلق وتحقيرهم، وارادة كونه محبوباً فيهم بظهور النّقص فيهم وعدم ظهوره فيه، فهما اخسّ الرّذائل.
الأعقم
تفسير : {ويل} وعيدٌ، وقيل: واد في جهنم {لِكلِ همزة لمزة} قيل: هما واحد ومعناهما الغيبة، وقيل: هو الطعن بالغيب من غير ايضاح، وقيل: الهمزة الذين يطعن في الوجه واللمزة الذي يغتاب، وقيل: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضرهم واللمزة الذي يلمزهم بلسانه، وقيل: الهمز باللسان واللمز بالعين {الذي جمع مالاً وعدّده}، قيل: أعدّه ذخراً للنوائب ولكثرته استخف بالمسلمين، وقيل: عدد كثرة، وروي انه كان للأخنس أربعة آلاف دينار، وقيل: عشرة آلف {يحسب} يظن {أن ماله أخلده}، قيل: يبقيه فلا يموت ولا يفنى، وقيل: يعمل عمل من يحسب أن ماله أخلده {كلا} ردع وزجر أي ليس الأمر كما ظن أي {لينبذنّ في الحطمة} أي ليطرحن في جهنم بعد الموت {وما أدراك ما الحطمة} يعني لا يمكنك معرفة عظمها، وسميت حطمة لأنها تحطم كل شيء أي تكسره {نار الله الموقدة} قيل: هي نار الله توقد، منذ خلق الله السموات والأرض، فان صح ذلك على بعده فهو لطف للملائكة (عليهم السلام) والخبر عنه لطف لنا {التي تطلع على الأفئدة} قيل: تدخل على أجوافهم حتى تصل الى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب ولا شيء في بدن الانسان ألطف من الفؤاد ولا أشد تألماً مِنه يتأذى بأدنى ألم يمسه، فكيف إذا اطلعت عليهم نار جهنم - أعوذ بالله منها - واستولت عليه، ويجوز أن تخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تعلوها وتغليها وتشتمل، وقيل: يعمل لشدتها تنفذ كل شيء حتى يصل الى القلب {انها عليهم مؤصدة} أي مطبقة، وقيل: تطبق وتغلق أبوابها لينقاد أهلها آمنين من الخروج {في عمد ممددة} قيل: هو العمود الطويل، وقيل: عمد من نار، وقيل: تطرح الأبواب إذا غلقت وعد عليهم، وقيل: العمد السرادق ممدود وهي من نفس العمد، وقيل: يكونون فيها مومس مسددين في السلاسل والقيود.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الهمزة، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} وهو الذي يطعن على الناس. بلغنا أنها نزلت في الأخنس بن شَريق. وقد نهى عن ذلك المؤمنون. ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في حديث ليلة أسري به قال: حديث : مررت بأقوام تقطع لحومهم بدمائهم ويضفرونها ولهم جؤار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء الهمازون اللمازون؛ تفسير : ثم تلا هذه الآية: (أية : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) تفسير : [الحجرات:12]. قال عز وجل: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي: وأحصى عدده. وهي تقرأ على وجهين بالتقيل والتخفيف. فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول أحصى عدده، ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول: أعدّه. {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي: يحسب أنه يخلد فيه حياتَه. كقول أحد الرجلين الكافر منهما لصاحبه في سورة الكهف: (أية : مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً) تفسير : [الكهف: 35] أي: أخلد فيها حتى الموت. والكافر يقر بالموت ويجحد البعث.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ} هلاك أو واد في جهنم وقد مر *{لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} كثير الهمز واللمز، قال ابن عباس الهمز النميمة واللمز التفريق بين الأحبة وقيل معناهما واحد الذي يعيب الناس ويغتابهم وقيل الهمز في الغيب واللمز في الحضور وقيل بالعكس وقيل الهمز باليد واللمز باللسان وقيل الهمز باللسان بدون نطق واللمز بالعين وقيل الهمز ضرر الجليس باللسان واللمز الرمز بالعين أو بالحاجب أو الإشارة بالرأس وقيل الهمز الطعن في الناس أو اللمز الطعن في أنسابهم قال الشيخ عبد العزيز رحمه الله ذم اللمز والهمز والغمز، فاللمز باللسان إظهار فعل لمن جهله على إرادة التنقيص وإن يجهل بنسبة فاعله لرياء ويحاذر من همز بيد وغمز بعين ورمز برأس أو حاجب وإن في مباح ولا عصيان به انتهى أي لا عصيان في المباح وشدد من استهلكه ولو في مباح وأصل الهمز الكسر كالهمز واللمز الطعن بالجارحة أو نحوها كالهمز فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم. ووزن همزة ولمزة فعله بضم الفاء وفتح العين ويختص هذا الوزن لمن كثر منه الفعل وصار عادة له وقرئ ويل للهمزة اللمزة بالتعريف بال الإستغراقية، وقرئ همزة لمزة بإسكان الميم بوزن فعلة بضم الفاء وإسكان العين وهو وزن يختص بمن كثر فعل الناس به شيئا فهو بمعنى اسم مفعول بخلاف الأول فالمراد على هذه القراءة الذي يأتي بالأضاحيك والهزل فيضحك منه الناس ويشتمونه وقد نص أصحابنا على أن من يتكلم بكلام ليضحك به الناس منافق فاعل لكبيرة أخذا من هذه القراءة لكن بقيد أن يكون كاذبا كما ورد في الحديث فهو كالكذب الذي هو نفاق جزما وهو الذي فيه ضر الناس أو الذي هو كذب على الله أو رسوله، وأما سائر الكذب فمختلف فيه هل هو كبير قيل نزلت في الأخنس بن شريق بن وهب الثقفي وكانت عادته الغيبة والوقيعة في الناس، وقيل أمية بن خلف الجمحي، وقيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه في وجهه، وقيل في العاصي وائل السهمي وقيل في جميل بن عامر والعبرة بعموم اللفظ ولو كان النزول فيمن ذكر فالآية تعم من فعل ذلك مطلقا وقيل نزلت عامة وفيها تعريض بمن ذكر فإن هذا أضر له ويدخل في الذم لمن يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأمواتهم ليضحك منه وبين همزة ولمزة الجناس اللاحق وهو أن يتوافق حروف كلمتين إلا في حرف في واحدة وآخر في أخرى فمختلفان وغير متقاربي المخرج.
اطفيش
تفسير : مبتدأ وخبره ولمزة نعت لهمزة أو لمنعوته أى هلاك لكل إنسان همزة لمزة نزلت عند ابن اسحاق صاحب السير فى أبى بن خلف الجمحى وعند السدسى فى أبى بن عمر الثقفى المعروف بالأَخنس بن شريق بن وهب وكان كثير الوقيعة فى الناس على أنه مات كافراً وهو المشهور وصحح ابن حجر أنه أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم وليس كونه من المؤلفة ما يمنع الوعيد فإن كثيراً من المؤلفة مات مشركاً إلاَّ أن الباقر من آل البيت قرأ بإسكان الميمين فى همزة ولمرة ومعناهما فى الإسكان الذى يأتى بالأَضاحيك فيضحك الناس منه ويهينونه بالهمز واللَّمز وليس الأَخنس يهان ولكن لا مانع من أن يكون كذلك ثم ترك أو دام ويلاعبه الناس بالهمز واللمز ونزلت فى أُمية بن خلف من بنى جمح عند السدى وكان يهمز النبى - صلى الله عليه وسلم - ويعيبه وفى جميل بن عامر عند مجاهد وفى الوليد بن المغيرة عند بعض وكان يغتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - من ورائه وينقصه فى وجهه وفى العاصى بن وائل عند بعض ولعلها نزلت فى هؤلاءِ كلهم فلعل هؤلاءِ القائلين أرادوا التمثيل لا الحصر ولا يقال لم عاب هؤلاء بالهمز والغمز والشرك أعظم منهما لأَنا نقول ذلك أظهر كالشمس ولكن نبهنا الله عز وجل عن هذين الفعلين زيادة عليه وفيهما إشراك إذ لا يهمز النبى - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ من كفر به - صلى الله عليه وسلم - وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم إلاَّ أنه قيل نزلت الآية عامة وهؤلاءِ سببها، وقيل نزلت فى هؤلاءِ خصوصاً وهم المرادون ولكن يلحق بهم غيرهم فى الحكم والهمز الكسر واللمز الطعن فى الأجسام حقيقة استعملا فى الأغراض بمعنى الغيبة والذم على الاستعارة ثم صارا حقيقة عرفية خاصة والمراد فى الآية من يعتاد ذلك كما هو شأن ما كان على وزن فعله بضم الفاءِ وفتح العين أو بضم الفاءِ وإسكان العين وفسر ابن عباس الهمزة بالمشاءِ بالنميمة المفرق بين الناس عموماً واللمزة فى المغزى بين الأخوان خصوصاً وعن مجاهد الهمزة الطعان فى الناس واللمزة الطعان فى الأنساب وعن ابى العالية الهمزة فى الحضرة والهمزة فى الغيبة، وعن ابن جريج الهمز بالعين أو الشدق أو باليد أو بالشفتين أو بالحاجب أو بالرأس والغمز باللسان وقيل الهمز أن يعيبك فى الغيب واللمز أن يعيبك فى الوجه، وقيل بالعكس وقيل الهمز باليد واللمز باللسان وهو ظاهر حسن، وقيل الهمز باللسان واللمز بالعين، وقيل الهمز إيذاء الجليس باللسان واللمز بالعين أو الرأس أو الحاجب.
الالوسي
تفسير : تقدم الكلام على إعراب مثل هذه الجملة. والهمز والكسر كالهزم، واللمز الطعن كاللهز شاعا في الكسر من أعراض الناس والغض منهم واغتيابهم والطعن فيهم وأصل ذلك كان استعارة لأنه لا يتصور الكسر والطعن الحقيقيان [إلا] في الأجسام فصار حقيقة عرفية [في] ذلك، وبناء فُعَلَة يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود قال زياد الأعجم: شعر : إذا لقيتكَ عن شَحْطٍ تكاشرني وإن تغيبتُ كنت الهامز اللمزه تفسير : / وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال هو المشاء بالنميمة المفرق بين الجمع المغري بين الإخوان وأخرج ابن أبـي حاتم وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد الهمزة الطعان في الناس واللمزة الطعان في الأنساب وأخرج عبد بن حميد عن أبـي العالية الهمز في الوجه واللمز في الخلف وأخرج البيهقي في «الشعب» عن ابن جريج الهمز بالعين والشِّدْق واليد واللمز باللسان وقيل غير ذلك وما تقدم أجمع. وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه (لكل هُمْزَة لُمْزَة) بسكون الميم فيهما على البناء الشائع في معنى المفعول، وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم ويهمز ويلمز. ونزل ذلك على ما أخرج بن أبـي حاتم من طريق ابن إسحٰق عن عثمان بن عمر في أبـي بن خلف وعلى ما أخرج عن السدي في أبـي بن عمرو الثقفي الشهير بالأخنس بن شريق فإنه كان متغتاباً كثير الوقيعة وعلى ما قال ابن إسحٰق في أمية بن خلف الجمحي وكان يهمز النبـي صلى الله عليه وسلم ويعيبه وعلى ما أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد في جميل بن عامر وعلى ما قيل في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه وعلى قول في العاص بن وائل ويجوز أن يكون نازلاً في جميع من ذكر لكن استشكل نزولها في الأخنس بأنه على ما صححه ابن حجر في «الإصابة» أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم فلا يتأتى الوعيد الآتي في حقه فإما أن لا يصح ذلك أو لا يصح إسلامه وأيضاً استشكلت قراءة الباقر رضي الله تعالى عنه بناء على ما سمعت في معناها وكون الآية نازلة في الوليد بن المغيرة ونحوه من عظماء قريش وبه اندفع ما في «التأويلات» من أنه كيف عيب الكافر بهذين الفعلين مع أن فيه حالاً أقبح منهما وهو الكفر وأما ما أجاب به من أن الكفر غير قبيح لنفسه بخلافهما فلا يخفى ضعفه لأن فوت الاعتقاد الصحيح أقبح من كل شيء قبيح.
سيد قطب
تفسير : تعكس هذه السورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول. وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة.. صورة اللئيم الصغير النفس، الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به، حتى ما يطيق نفسه! ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة. القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار: أقدار الناس. وأقدار المعاني. وأقدار الحقائق. وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب! كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء؛ لا يعجز عن فعل شيء! حتى دفع الموت وتخليد الحياة. ودفع قضاء الله وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء! ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده؛ وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم. ولمزهم وهمزهم.. يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاته. سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم، أو بتحقير صفاتهم وسماتهم.. بالقول والإشارة. بالغمز واللمز. باللفتة الساخرة والحركة الهازئة! وهي صورة لئيمة حقيرة من صور النفوس البشرية حين تخلو من المروءة وتعرى من الإيمان. والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة من صور النفوس بحكم ترفعه الأخلاقي. وقد نهى عن السخرية واللمز والعيب في مواضع شتى. إلا أن ذكرها هنا بهذا التشنيع والتقبيح مع الوعيد والتهديد، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتجاه المؤمنين.. فجاء الرد عليها في صورة الردع الشديد، والتهديد الرعيب. وقد وردت روايات بتعيين بعض الشخصيات. ولكنها ليست وثيقة. فنكتفي نحن بما قررناه عنها.. والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة يمثل صورة للعذاب مادية ونفسية، وصورة للنار حسية ومعنوية. وقد لوحظ فيها التقابل بين الجرم وطريقة الجزاء وجو العقاب. فصورة الهمزة اللمزة، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم، وهو يجمع المال فيظنه كفيلاً بالخلود! صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال، تقابلها صورة "المنبوذ" المهمل المتردي في {الحطمة} التي تحطم كل ما يلقى إليها، فتحطم كيانه وكبرياءه. وهي {نار الله الموقدة} وإضافتها لله وتخصيصها هكذا يوحي بأنها نار فذة، غير معهودة، ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة. وهي {تطلع} على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز، وتكمن فيه السخرية والكبرياء والغرور.. وتكملة لصورة المحطم المنبوذ المهمل.. هذه النار مغلقة عليه، لا ينقذه منها أحد، ولا يسأل عنه فيها أحد! وهو موثق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام! وفي جرس الألفاظ تشديد: {عدّده. كلا. لينبذن. تطلع. ممدّدة} وفي معاني العبارات توكيد بشتى أساليب التوكيد: {لينبذن في الحطمة. وما أدراك ما الحطمة؟ نار الله الموقدة..} فهذا الإجمال والإبهام. ثم سؤال الاستهوال. ثم الاجابة والبيان.. كلها من أساليب التوكيد والتضخيم.. وفي التعبير تهديد {ويل. لينبذن. الحطمة.. نار الله الموقدة. التي تطلع على الأفئدة. إنها عليهم مؤصدة. في عمد ممددة}.. وفي ذلك كله لون من التناسق التصويري والشعوري يتفق مع فعلة {الهمزة اللمزة}! لقد كان القرآن يتابع أحداث الدعوة ويقودها في الوقت ذاته. وكان هو السلاح البتار الصاعق الذي يدمر كيد الكائدين، ويزلزل قلوب الأعداء، ويثبت أرواح المؤمنين. وإنا لنرى في عناية الله سبحانه بالرد على هذه الصورة معنيين كبيرين: الأول: تقبيح الهبوط الأخلاقي وتبشيع هذه الصورة الهابطة من النفوس. والثاني: المنافحة عن المؤمنين وحفظ نفوسهم من أن تتسرب إليها مهانة الإهانة، وإشعارهم بأن الله يرى ما يقع لهم، ويكرهه، ويعاقب عليه.. وفي هذا كفاية لرفع أرواحهم واستعلائها على الكيد اللئيم..
ابن عاشور
تفسير : {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ}. كلمة (ويل له) دُعاء على المجرور اسمُه باللام بأن يناله الويل وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة منها قوله تعالى: { أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند اللَّه } تفسير : في سورة البقرة (79). والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب. وكلمة (كُلّ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدناً لهم أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة. وهُمَزَة ولُمزة: بوزن فُعَلَة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه. وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم: ضُحَكَة لكثير الضحك، ولُعَنَة لكثير اللعن، وأصلها: أن صيغة فُعَل بضم ففتح ترد للمبالغة في فَاعل كما صرح به الرضيّ في شرح الكافية يقال: رجل حُطَم إذا كان قليل الرحمة للماشية، أي والدواب. ومنه قولهم: خُتع (بخاء معجمة ومثناة فوقية) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف أُلحق به الهاء كما أُلحقت في: علاّمة ورحَّالة، فيقولون: رجل حُطمة وضُحكة ومنه هُمزة، وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في «الكشاف»، وقد قالوا: إن عُيَبَة مساوٍ لعيابة، فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فُعَل وفُعَلَة نحو حُطم وحطمة بدون هاء وبهاء، ومن الأمثلة ما سمع فيه فُعلة دون فُعل نحو رجل ضُحَكة، ومن الأمثلة ما سمع فيه فُعَل دون فُعَلَة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غُدَر ويا فُسق ويا خُبَث ويا لُكع. قال المرادي في «شرح التسهيل» قال: بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس عليها، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اهــــ. قلت: وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في «المقامة السابعة والثلاثين»: «صَهْ يا عُقَق، يا من هو الشّجَا والشَرَق». وهُمزة: وصف مشتق من الهَمز. وهو أن يعيب أحدٌ أحداً بالإِشارة بالعين أو بالشِّدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه، ويقال: هَامز وهمَّاز، وصيغة فُعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف. ووقع {هُمزة} وصفاً لمحذوف تقديره: ويل لكل شَخْص هُمزة، فلما حذف موصُوفه صار الوصف قائماً مقامه فأضيف إليه (كُلّ). ولمزة: وصف مشتق من اللمز وهو المواجعة بالعيب، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في هُمزة. وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ، ومَن عامَلَ من المسلمين أحداً من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد. فمن اتصف بشيء من هذا الخُلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه فإنها خصلة من خصال أهل الشرك. وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ولم يُعد من الكبائر إلا ضربُ المسلم. وسبُّ الصحابة رضي الله عنهم وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدناً فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر. وأتبع {الذي جمع مالاً وعدده} لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال. وإنما ينشأ ذلك عن بخل النفس والتخوف من الفقر، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عُرفوا بهمز المسلمين ولمزهم الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد. واسم الموصول من قوله: {الذي جمع مالاً} نعت آخر ولم يعطف {الذي} بالواو لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف نحو قوله تعالى: { أية : ولا تطع كل حلاّف مهين هماز مشاء بنميم منَّاع للخير مُعتدٍ أثيم عتل بعد ذلك زنيم } تفسير : [القلم: 10 ـــ 13]. والمال: مكاسب الإِنسان التي تنفعه وتكفي مؤونة حاجته من طعام ولباس وما يتخذ منه ذلك كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة. وقد غلب لفظ المال في كل قوم من العرب على ما هو الكثير من مشمولاتهم فغلب اسم المال بين أهل الخيام على الإِبل قال زهير: شعر : فكُلاّ أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحاتتِ مال طالعات بمخرم تفسير : يريد إبل الدية ولذلك قال: طالعات بمخرم. وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل يقولون خرج فلان إلى مَاله، أي إلى جناته، وفي كلام أبي هريرة: «وإن أخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم» وقال أبو طلحة: «وإن أحب أموالي إليَّ بئرُ حاء». « حديث : وغلب عند أهل مكة على الدراهم لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: «أينَ المال الذي عند أم الفضل» تفسير : . وتقدم في قوله تعالى: { أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } تفسير : سورة آل عمران (92). ومعنى: {عدّدهُ} أكْثر من عدِّه، أي حسابه لشدة ولعه بجمعه فالتضعيف للمبالغة في (عدَّ) ومعاودته. وقرأ الجمهور {جمع مالاً} بتخفيف الميم، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلفٌ بتشديد الميم مزاوجاً لقوله: {عدَّده} وهو مبالغة في {جَمَع}. وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف {عدده} على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه. ويجوز أن يكون {عَدده} بمعنى أكثر إعداده، أي إعداد أنواعه فيكون كقوله تعالى: { أية : والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث } تفسير : [آل عمران: 14]. وجملة: {يحسب أن ماله أخلده} يجوز أن تكون حالاً من هُمَزة فيكون مستعملاً في التَّهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده لأنه لا يُوجد من يَحْسِب أن ماله يُخلده، فيكون الكلام من قبيل التمثيل، أو تكون الحال مراداً بها التشبيه وهو تشبيه بليغ. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملاً في الإِنكار، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملاً في التهكم أو التعجيب. وجيء بصيغة المضي في {أخلده} لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لتحققه عنده، وذلك زيادة في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت. والهَمزة في {أخلده} للتعدية، أي جعله خالداً. وقرأ الجمهور: {يحسِب} بكسر السين. وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين وهما لغتان. ومعنى الآية: أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة. و{كلاّ} إبطال لأن يكون المال مُخلِّداً لهم. وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعاً يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة. {لَيُنبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ * نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}. استئناف بياني ناشىء عن ما تضمنته جملة: {يحسب أن ماله أخلده} من التهكم والإِنكار، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد. والمعنى: ليَهْلِكَنَّ فَليُنْبَذَنَّ في الحُطمة. واللام جواب قسم محذوف. والضمير عائد إلى الهمزة. والنبذ: الإِلقاء والطرح، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره. قال صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: { أية : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليَمّ } تفسير : [القصص: 40] شبههم استحقاراً لهم بحَصَيات أخذَهُن آخذٌ بكفه فطرحهن اهــــ. والحُطمة: صفة بوزن فُعَلَة، مثل ما تقدم في الهُمزة، أي لينبذن في شيء يحطمه، أي يكسره ويدقه. والظاهر أن اللام لتعريف العهد لأنه اعتبر الوصف علماً بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن. وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار. فجملة: {وما أدراك ما الحطمة} في موضع الحال من قوله: {الحطمة} والرابط إعادة لفظ الحطمة، وذلك إظهار في مقام الإِضمار للتهويل كقوله: { أية : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة } تفسير : [الحاقة: 1 ـــ 3] وما فيها من الاستفهام، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة، وقد تقدم {ما أدراك} غير مرة منها عند قوله: { أية : وما أدراك ما يوم الدين } تفسير : في سورة الانفطار (17). وجملة: {نار الله الموقدة} جواب عن جملة {وما أدراك ما الحطمة} مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني، والتقدير هي، أي الحطمة نار الله، فحُذف المبتدأ من الجملة جرياً على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : صُمّ بكمٌ عمي } تفسير : في سورة البقرة (18). وإضافة {نار} إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة. ووصف {نار} بــــ«موقدة»، وهو اسم مفعول من: أوقد النار، إذا أشعلها وألهبَها. والتوقد: ابتداء التهاب النار فإذا صارت جمراً فقد خفّ لهبها، أو زال، فوصف {نار} بــــ «موقدة» يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها. وهذا كما وُصفت نار الأخدود بذات الوَقود (بفتح الواو) في سورة البروج، أي النار التي يُجدد اتقادها بوقود وَهو الحَطب الذي يُلقَى في النار لتتقد فليس الوصف بالموقَدة هنا تأكيداً. ووصفت {نار اللَّه} وصفاً ثانياً بــــ {التي تطّلع على الأفئدة}. والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإِتيان مبالغة في طلع، أي الإِتيان السريع بقوة واستيلاء، فالمعنى: التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد. وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى: { أية : فاطلع فرآه في سواء الجحيم } تفسير : [الصافات: 55] فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالِم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كِفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مُقدِّره.
الشنقيطي
تفسير : اختلف في معنى كلمة ويل. فقيل: هو واد في جهنم. وقيل: هي كلمة عذاب وهلاك. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وذكر هذين المعنيين في سورة الجاثية عند قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الجاثية: 7]، وبين أنها مصدر لا لفظ له من فعله وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك. وقد استظهر رحمه الله تعالى هذا المعنى. ومما يشهد لما استظهره رحمه الله، ما جاء في حق أصحاب الجنة التي أصبحت كالصريم، أنهم قالوا عند رؤيتهم إياها {أية : قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 14]، فهي كلمة تقال عند نزول المصائب، وعند التقبيح. وقال الفخر الرازي: أصل الويل لفظة السخط والدم، وأصلها نوى لفلان، ثم كثرت في كلامهم فوصلت باللام، ويقال: ويح بالحاء للترحم اهـ. ومما يدل لقول الرازي أيضاً قول قارون {أية : وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} تفسير : [القصص: 82]. ومثله للتعجب في قوله: {أية : قَالَتْ يٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} تفسير : [هود: 72]. وقوله: {أية : قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} تفسير : [المائدة: 31]. فالظاهر: أنها كلمة تقال عند الشدة والهلكة، أو شدة التعجب مما يشبه المستبعد. والذي يشهد له القرآن: هو هذا المعنى، وسبب الخلاف قد يرجع لمجيئها تارة مطلقة كقوله: {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 15]، وهنا {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]. ويجيء مع ذكر ما يتوعد به كقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 27]، وقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 65]، فذكر النار والعذاب الأليم. وكذلك قوله: {أية : فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [مريم: 37]، فهي في هذا كله للوعيد الشديد، مما ذكر معها من النار والعذاب الأليم ومشهد يوم عظيم، وليست مقصودة بذاتها دون ما ذكر معها، والعلم عند الله تعالى. وقوله: {هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}، قيل: هما بمعنى واحد، وهو الغيبة. وأنشد ابن جرير قول زياد الأعجم: شعر : تدلى بودي إذ لاقيتني كذباً وإن أغيب فأنت الهامز الهمزة تفسير : وعزا هذا لابن عباس، وهو الذي يصيب الناس ويطعن فيهم. وقد جاء في القرآن استعمال كل من الكلمتين مفردة عن الأخرى، بما يدل على المغايرة. ففي الهمزة قوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} تفسير : [القلم: 10-11]، مما يدل على الكذب والنميمة. وفي الهمزة قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ} تفسير : [الحجرات: 11]. وقوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة: 58]، مما يدل على أنها أقرب للتنقص والعيب في الحضور لا في الغيبة، فتغاير الهمز في المعنى، وفي الصفة، والجمع بينهما جمع بين القبيحين، فكان مستحقاً لهذا الوعيد الشديد بكلمة ويل. وقد قيل: الهمز باليد: وقيل: باللسان في الحضرة، والهمز في الغيبة. وقيل: الهمز باليد، واللمز باللسان، والغمز بالعين، وكلها معان متقاربة تشترك في تنقص الآخرين.
الواحدي
تفسير : {ويلٌ لكلِّ همزة لمزة} يعني: الإنسان الذي يغتاب النَّاس ويعيبهم. نزلت في أُميَّة بن خلف. وقيل: في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. {الذي جمع مالاً وعدده} أعدَّه للدَّهر، وقيل: أكثر عدده. {يحسب أنَّ ماله أخلده} في الدُنيا حتى لا يموت. {كلا} ليس الأمر على ما يحسب. {لينبذنَّ في الحطمة} ليطرحنَّ في النار.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- عذاب شديد وهلاك لمن دأبه أن يعيب الناس بالقول أو بالإشارة أو يتكلم فى أعراضهم. 2- الذى جمع مالاً كثيرا وأحصى عدَّه مرة بعد أخرى حبا له، وتلذذا بإحصائه. دون أن يؤدى فيه حق الله تعالى. 3- يظن أن ماله يخلده فى الدنيا ويدفع عنه ما يكره. 4- ليرتدع عن هذا الظن، والله ليطرحن - لسوء عمله - فى النار التى تحطم كل ما يلقى فيها. 5- وأى شئ أعلمك ما حقيقة هذه النار الحطمة؟ 6- نار الله المسعَّرة بأمره الموقدة دائما. 7- التى تصل القلوب وتُحيط بها. 8، 9- إنها عليهم مغلَّقة الأبواب، وهم موثقون فيها مشدودون إلى عُمُدٍ ممدودة. فلا حركة لهم فيها ولا خلاص لهم منها.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويل لكل همزة لمزة: كلمة يطلب بها العذاب وواد في جهنم الهمزة كثير الهمز واللمزة وكذلك وهم الطعانون المظهرون العيوب للإِفساد. جمع مالا وعدده: أي أحصاه وأعده لحوادث الدهر. يحسب أن ماله أخلده: أي يجعله خالدا في الحياة لا يموت. كلا: أي ليس الأمر كما يزعم ويظن. لينبذن: أي ليطرحن في الحطمة. في الحطمة: أي النار التي تحطم كل ما يلقى فيها. تطلع على الأفئدة: أي تشرف على القلوب فتحرقها. مؤصدة: أي مغلقة مطبقة. في عمد ممددة: أي يعذبون في النار بأعمدة ممدة. معنى الآيات: قوله تعالى {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} يتوعد الربّ تبارك وتعالى بواد في جهنم يسيل بصديد أهل النار وقيوحهم كل همزة لمزة أي كل مغتاب عيّاب ممن يمشون بالنميمة ويبغون للبراء العيب وقوله {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} هذا وصف آخر لتلك الهمزة اللمزة وهو أنه {جَمَعَ مَالاً} كثيرا من حرام وحلال {وَعَدَّدَهُ} أي أحصاه وعرف مقداره وأعده لحوادث الدهر كما يزعم. {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي يظن أنه لا يموت لكثرة أمواله ومتى كان المال ينجي من الموت؟ إنه الغرور في الحياة، لو كان المال يُخلد أحدا لأخلد قارون، وقوله تعالى {كَلاَّ} لا يخلده ماله بل وعزتنا وجلالنا {لَيُنبَذَنَّ} أي يطرحن {فِي ٱلْحُطَمَةِ} النار المستعرة التي تحطم كل ما يلقى فيها وقوله تعالى {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} هذا الاستفهام لتعظيم أمرها وتهويل شأنها، وبيّنها تعالى بقوله {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ} أي المستعرة المتأججة، {ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} أي تشرف على القلوب فتحرقها، وقوله تعالى {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي إن النار على أولئك الهمازين اللمازين مطبقة مغلقة الأبواب وقوله تعالى {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} أي يعذبون في النار بعمد ممدة، والله أعلم كيف يكون تعذيبهم بها إذ لم يطلعنا الله تعالى على كيفيته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- التحذير من الغيبة والنميمة. 3- التنديد بالمغتربين بالأموال المعجبين بها. 4- بيان شدة عذاب النار وفظاعته.
القطان
تفسير : الويل: العذاب، وحلول الشر، لفظٌ يستعمل في الذم. الهُمَزة: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم. اللُّمزة: الذي يَعيب الناس وينال منهم بالإشارة والحركات. جَمَع مالاً وعدّده: الذي همُّه جمعُ المال وكنزه. لَيُنبذنَّ: النبذ الطرح مع الاهانة والتحقير. الحُطَمة: نار جهنم لأنها تحطم كل ما يلقى فيها. مؤصدة: مطبَقة عليهم، مغلقة. {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} الهلاك والعذابُ لمن اعتاد ان يَعيب الناس بالكلام أو بالإشارة، ويحاولَ أن يَسْخَر منهم ويحطَّ من أقدارهم. فهذه الآية الكريمة ترسم صورةً لئيمةً حقيرة من صوَرِ النفوس البشرية حين تخلو من المروءة، وتَعْرَى من الإيمان. ولذلك نهى الإسلامُ عن الهَمْزِ والغمز واللمز والعيب في مواضعَ شتى، لأن من قواعدِ الإسلام تهذيبَ الأخلاق ورفْعَ المستوى الخلُقي في المجتمع الاسلامي. وقد رُوي أن عدداً من زعماء قريش كانوا يَلْمِزون النبيَّ الكريم وأصحابه، منهم الأخنسُ ابنُ شريق، والوليدُ بن المغيرة، وأميّةُ بن خلف وغيرهُم، فنزلت هذه السورة الكريمة لتؤدّبهم وتهذِّبَ الأخلاق. {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} ثم بيّن الله تعالى أن هذا اللئيم الذي جمع المالَ الكثير وأحصاه وعدَّده مرّاتٍ ومرّاتٍ شغفاً به وحبّاً له، ولم ينفقْ منه في سبيل الخير - يظُنّ أن ما جَمَعَ قد حَفِظ له حياتَه التي هو فيها.. فهو لا يفارقُها إلى حياةٍ أخرى يعاقَبُ فيها على ما كسب من الأعمال السيئة. {كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} هنا يأتي التهديدُ الكبير لهؤلاء المجرمين بأن الله تعالى سوف يُلقيهم في جهنم. وهل تعلم يا محمد ما هي الحُطَمة؟ إنها: {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} هي نار جهنم المُسْتعرة الملتهبة، الّتي تطّلع على الأفئدة التي كان ينبعثُ منها الهمز واللمز، وتكمنُ فيها السُّخريةُ والكبرياء والغرور.. فتحرقُها وتحرقُ صاحِبَها. ثم بين الله تعالى ان هذه النارَ مُغْلَقَةٌ عليهم في عَمَدٍ ممدّدة، مطوَّلة مُحْكَمة على أبوابها. وهو تصويرٌ لشدّة الإطباق وإحكامه، وتأكيدٌ لليأسِ من الخَلاص. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وخلف: جمّع بتشديد الميم. والباقون جمع بغير تشديد. وقرأ حفص وابو عمرو وحمزة: مؤصدة بالهمزة. والباقون موصدة بغير همزة. وقرأ حفص: في عَمَد بفتح العين والميم. والباقون في عُمُد بضم العين والميم.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى بِالسَّخَطِ وَالعَذَابِ وَالوَيْلِ مَنْ كَانَ دَأَبَهُ الطَّعْنُ فِي النَّاسِ، يَعِيبُهُمْ، وَيَتَنَقَّصُهُمْ، وَيَأْكُلُ لُحُومَهُمْ بِالغِيبَةِ، بِالقَوْلِ، وَبِالإِشَارَةِ. (وَيُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ فِي الأَخْنَسِ بْنِ شُرَيقٍ، وَقِيلَ: لاَ بَلْ بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَدْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْعَنُ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَيَتَنَقَّصُهُ). الهُمَزَةُ - الطَّعَّانُ المُغْتَابُ. اللُمَزَةُ - العَيَّابُ.
الثعلبي
تفسير : {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} قال ابن عباس: هم المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون، البراء: العنت. سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة: الطعّان عليهم. مجاهد: الهمزة: الطعّان في الناس، واللمزة: الطعّان في أنساب الناس. وقال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغيب ويطعن في وجه الرجل إذا أقبل، واللمزة الذي يغتابه من خلفه إذا أدبر وغاب. ضده مقاتل. مرّة: يعني كل طعّان عيّاب مغتاب للمرء إذا غاب، دليله قول زياد بن الأعجم: شعر : إذا لقيتكَ عن شحط تكاشرني وإن تغيّبتُ كنتَ الهامز اللمزة تفسير : ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويغيبهم. سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه. ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه، ويُشير برأسه، ويومض بعينه، ويرمز بحاجبه، وهما لغتان للفاعل نحو سَخَرة وضَحَكة للذي يسخر ويضحك من الناس. وروي عن أبي جعفر والأعرج بسكون الميم فيهما، فإن صحّت القراءة فهي في معنى المفعول، وهو الذي يتعرّض للناس حين يهمزوه ويضحكون منه، ويحملهم على الاغتياب. وقرأ عبد اللّه والأعمش ويلٌ للهمزة اللمزة، وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف، ومنه همز الحرف، ويُحكى أنّ أعرابيّاً قيل له: أتهمز الفارة؟ فقال: الهرّة تهمزها، وقال الحجاج: شعر : ومن همزنا رأسه تهشما تفسير : واختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال قوم: نزلت في جميل بن عامر الجمحي، وإليه ذهب ابن أبي الجمح، وقال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق ووهب بن عمرو الثقفي وكان يقع في الناس ويغتابهم مقبلين ومدبرين. وقال محمد بن إسحاق بن مسار: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أُميّة بن خلف الجمحي. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم ويطعن في وجهه. وقال مجاهد وغيره: ليست بخاصّة لأحد، بل كل من كانت هذه صفته. {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً} قرأ شيبة ونافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو وأيّوب بتخفيف الميم، واختاره أبو حاتم، غيرهم بالتشديد واختاره أبو عبيد، واختلف فيه عن يعقوب. {وَعَدَّدَهُ} أحصاه وقال مقاتل: أستعدّه وذخره وجعله عتاداً له، وقرأ الحسن وعدده بالتخفيف وهو بعيد، وقد جاء مثل ذلك في الشعر لمّا أبرزوا التضعيف خفّفوه، قال الشاعر: شعر : مهلا أعاذل قد جربت من خلقي إني أجود الأقوام وإن ضننوا تفسير : {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} في الدنيا {كَلاَّ} ردٌ عليه. أخبرني بن فتحوية قال: حدّثنا خُنيس قال: حدّثنا أبو الهيثم بن الفضل قال: حدّثنا أبو زرعة قال: حدّثنا ابن السرح قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدّثني حرملة بن عمر أنه سمع عمر ابن عبد اللّه مولى غفرة يقول: إذا سمعت اللّه سبحانه يقول: {كَلاَّ} فإنما يقول: كذبت. {لَيُنبَذَنَّ} ليقذفنّ ويطرحنّ، وقرأ الحسن لينبذان بالألف على التثنية يريد هو وماله {فِي ٱلْحُطَمَةِ} وهي النار سُمّيت بذلك؛ لأنّها تحطم أي تكسر {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ * نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} يعني يبلغ ألمها ووجعها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، وحكي عن بعض العرب سماعاً: متى طلعت أرضنا بمعنى بلغت، ومعنى الآية أنها تأكل شيئاً منه حتى تنتهي إلى فؤاده. قال القرظي والكلبي: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} مطبقة مغلقة {فِي عَمَدٍ}، قرأ أهل الكوفة بضمّتين، غيرهم بالنصب، واختاره أبو حاتم لقوله: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد: 1] وهما جمعان للعمود مثل أديم وأدم، وأفيق وأفق، وقضيم وقضم، قال الفرّاء: وقال أبو عبيد: هو جمع عماد مثل أهاب وأُهُب وأَهَب. {مُّمَدَّدَةٍ} قراءة العامّة بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم الجحدري ممدّدةٌ بالرفع جعلها نعتاً للموصدة. واختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل، فسدّت عليهم بها الأبواب. وقال قتادة: بلغنا أنّها عمد يعذّبون بها في النار، وقيل: هي عمد موتّدة على أبوابها [ليتأكد أياسهم] منها، وقيل: معناه أنّها عليهم مؤصدة بعمد، وكذلك هي في قراءة عبد اللّه: بعمد، بالباء. عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن كيّس فطن حذر وقاف ثبت، لا يعجل، عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة، [لا يقف عند شبهة ولا عند محرم] كحاطب الليل لا يبالي من أين كسب ولا فيما أنفق ".
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن المبارك، عن ابن جريج قال: "الْهُمَزَة" بالعين والشدق واليد، "والُّلمَزَة": باللسان [الآية: 1]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا سليمان بن حبان، قال ثنا موسى بن عبيدة الربذي، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: عز وجل: {ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} [الآية: 7]. يقول: {ٱلْحُطَمَةُ} يقول: تأْكله النار إِلى فؤاده، فإِذا بلغت فؤاده أَنشأَ خلقه.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {هُمَزَةٍ} الهمَّاز: الذي يغتاب الناس ويطعن في أعراضهم، وبناء "فُعلة" يدل على الاعتياد فلا يقال: لُعنة وضُحكة إِلا للمكثر المعتاد {لُّمَزَةٍ} اللماز: الذي يعيب الناس وينال منهم بالحاجب والعين {ٱلْحُطَمَةُ} نار جهنم سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يُلقى فيها وتحطمه وتهشمه {مُّؤْصَدَةٌ} مطبقة مغلقة من أوصد الباب إِذا أغلقه. التفسِير: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} أي عذاب شديد وهلاك ودمار، لكل من يعيب الناس ويغتابهم ويطعن في أعراضهم، أو يلمزهم سراً بعينه أو حاجبه قال المفسرون: نزلت السورة في "الأخنس بن شريق" لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، يلمزهم ويعيبهم مقبلين ومدبرين، والحكم عامٌ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} أي الذي جمع مالاً كثيراً وأحصاه، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات قال الطبري: أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ولم يؤد حقَّ الله فيه ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي يظن هذا الجاهل لفرط غفلته أن ماله سيتركه مخلداً في الدنيا لا يموت {كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ} أي ليرتدع عن هذا الظنّ فواللهِ ليطرحنَّ في النار التي تحطم كل ما يُلقى فيها وتلتهمه {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} تفخيمٌ وتهويلٌ لشأنها أي وما الذي أعلمك ما حقيقة هذه النار العظيمة؟ إِنها الحطمة التي تحطم العظام وتأكل اللحوم، حتى تهجم على القلوب، ثم فسرها بقوله {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ} أي هي نار الله المسعَّرة بأمره تعالى وإِرادته، ليست كسائر النيران فإِنها لا تخمد أبداً، وفي الحديث "حديث : أُوقد على النار ألفُ سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلمة"تفسير : {ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب فتحرقها قال القرطبي: وخصَّ الأفئدة لأن الألم إِذا صار إِلى الفؤاد مات صاحبه، فإِنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال تعالى {أية : لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا}تفسير : [الأعلى: 13] فهم إِذاً أحياء في معنى الأموات {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي إِن جهنم مطبقة مغلقةٌ عليهم، لا يدخل إِليهم روح ولا ريحان {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} أي وهم موثوقون في سلاسل وأغلال، تشدُّ بها أيديهم وأرجلهم، بعد إِطباق أبواب جهنم عليهم، فقد يئسوا من الخروج بإِطباق الأبواب عليهم، وتمدد العمد إِيذاناً بالخلود إِلى غير نهاية.. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- صيغة المبالغة {هُمَزَةٍ} ، و{لُّمَزَةٍ} لأن بناء "فُعلة" يدل على أنها عادة مستمرة. 2- التنكير للتفخيم {جَمَعَ مَالاً} أي مالاً كثيراً لا يكاد يحصى. 3- التفخيم والتهويل {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ}؟ تهويلاً لشأن جهنم. 4- الجناس غير التام بين {هُمَزَةٍ} و{لُّمَزَةٍ} ويسمى الجناس الناقص. 5- توافق الفواصل مثل {عَدَّدَهُ}، {أَخْلَدَهُ}، {ٱلْمُوقَدَةُ}، {مُّمَدَّدَةِ} ويسمى بالسجع.
زيد بن علي
تفسير : قوله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} الوَيلُ: وادٍ في جَهنمَ. والهُمَزةُ: الطَّعانُ. واللُّمَزَةُ: الذي يَأكلُ لحومَ النَّاسِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} هذه السورة مكية ولما قال فيما قبلها ان الإِنسان لفي خسر بين حال الخاسر فقال: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ} ونزلت في الأخنس بن شريق أو العاص بن وائل أو جميل بن معمر ويمكن أن تكون نزلت في الجميع وهي مع ذلك عامة فيمن اتصف بهذه الأوصاف وتقدم الكلام في الهمزة في {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ}تفسير : [القلم: 1] وفي: (اللمز) في براءة وفعله من أبنية المبالغة كتومة وعيبة وسخرة وضحكة. {ٱلَّذِى} بدل معرفة من نكرة. {جَمَعَ} المال وضبط عدده. {أَخْلَدَهُ} أي أبقاه حياً بحسب أن المال تركه خالداً في الدنيا لا يموت. {كَلاَّ} ردع له عن حسبانه. {لَيُنبَذَنَّ} أي ليرمين. {فِي ٱلْحُطَمَةِ} أصله الوصف من قوله رجل حطمة أي أكول. {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} وهي النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى إليها. {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ} أي هي أي الحطمة. {ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ} ذكرت الأفئدة لأنها ألطف ما في البدن وأشده تألماً بأدنى شىء من الأذى وإطلاع النار عليها هو أنها تعلوها وتشمل عليها وهي تعلو الكفار في جميع أبدانها لكن نبه على الأشرف لأنه مقر العقائد. {إِنَّهَا} أي نار الآخرة أو يئسوا من الخروج بإِطباق الأبواب عليهم وتمدد العمد كل ذلك إيذاناً بالخلود إلى غير نهاية.
الجيلاني
تفسير : {ويْلٌ} عظيم وهلاك هائل شديد لكل فرد من أفراد الأقوام {لِّكُلِّ هُمَزَةٍ} يمشي بين الناس بالهمز وكسر الأعراض، وصارت له هذه الديدنة القبيحة عادة راسخة مستمرة، وأيضاً لكل {لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] يطعن في أنساب الأنام، وينسبهم إلى أنواع البغي والآثام افتراءً ومراءً. وما جرَّأه وحمله على هذه الخصلة القبيحة والفعلة الوقحة إلاَّ ثروته وماله وجاهه وسيادته، فإنه {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً} وأمتعة من الزخارف الدنية الدنيوية التي مالت قلوب أبنائها وأصحابها إليها {وَعَدَّدَهُ} [الهمزة: 2]. {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} [الهمزة: 3] أي: أدام وأبقى ماله نفسه وجعله مخلداً في الدنيا، مستمراً فيها أبداً، بحيث لا يطرأ عليه زوال وانتقال. وبالجملة: اغتر بماله وجاهه إلى حيث خيل له الخلود به فيها والدوام عليها بطراً وغروراً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : أيها [الغافل] قول الخليل الذي يأمرك بطاعة ربك وينهاك عن مخالفته، وعن الاشتغال بالشهوات العاجلة الفانية الصارفة لك عن اللذات الآجلة الباقية، أما تسمع ما يقول الله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1]؛ والهمزة هي القوى النفسية الحسودة المرائية التي تعبيك في غيبك، وإذا وجدت خلاً مع الشيطان طففت في معائب القوى القلبية، واللمزة هي القوى النفسية الوقيحة التي تعيبك في وجهك وتقابل خاطرك القلبي بالمكابرة والمجادلة، فاجتهد حتى تشاهد الهمزة واللمزة اللتين هما من قوى نفسك لتشتغل بدفعها، وهما جمعتا الاستعدادات القالبية والقوى الطبيعية وظنا أنهما خالدات معها، وما عرفنا أن تلك الاستعدادات في الحقيقة مثل الحطب لهما عند اشتعال نيران حطمة نفسها بنار الله الموقدة في صدرها المطلعة أفئدتها؛ أي: على حقيقتها، كما يقول تعالى: {ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي ٱلْحُطَمَةِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ} [الهمزة: 2-5]، الحطمة ما جمع الرجل من الحطام وهي مثل الحطب، {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} [الهمزة: 6-8]؛ أي: تلك النار عليهم مطبقة طبقاً فوق طبق {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} [الهمزة: 9]؛ يعني: لإطباقها أوتاد معلقة على صاحبها، ممددة إلى قعر الدركات القالبية. فأشفق على نفسك إيها السالك وادفع شر الهمزة واللمزة عن نفسك اليوم، وأطفئ {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ} [الهمزة: 6] بذكر الله تعالى، ولا تحسب أن {نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ} [الهمزة: 6] مختصة بك لا بل عامة، ولكن من يجمع الحطب الرطب الحظوظي يحرق الحطب ويظلم على صاحب البيت بالدخان الحاصل من رطوبة الحظوظ الهووتية، ومن يجمع العمود اليابس القماري يحرق العود ويتنور البيت بنار المحبة، ويملأ دماغ السالك من روائح المعرفة، فالجامع أنت ووقت الجمع يومك، فانظر ما تجمع. اللهم وفقنا لجمع العود، وهو الطاعة والعبادة، فالمدخرة نار المحبة ورائحة المعرفة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَيْلٌ } أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب { لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. ومن صفة هذا الهماز اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك، { يَحْسَبُ } بجهله { أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } في الدنيا، فلذلك كان كده وسعيه كله في تنمية ماله، الذي يظن أنه ينمي عمره، ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر. { كَلا لَيُنْبَذَنَّ } أي: ليطرحن { فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ } تعظيم لها، وتهويل لشأنها. ثم فسرها بقوله: { نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ } التي وقودها الناس والحجارة { الَّتِي } من شدتها { تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ } أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب. ومع هذه الحرارة البليغة هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها، ولهذا قال: { إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ } أي: مغلقة { فِي عَمَدٍ } من خلف الأبواب { مُمَدَّدَةٍ } لئلا يخرجوا منها {أية : كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا }. تفسير : [نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العفو والعافية].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} 718- أنا نوح بن حبيب، نا عبد الملك بن هشام الذَّماري، نا سفيان، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} [3]/.
همام الصنعاني
تفسير : 3699- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ}: [الآية: 1]، قال: يَهْمِزُهُ ويَلْمِزُهُ بِلِسَانِهِ وعَيْنه، ويأكل لُحُومَ الناسِ، ويطعن عَلَيْهِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):