Verse. 6189 (AR)

١٠٥ - ٱلْفِيل

105 - Al-Feel (AR)

اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِاَصْحٰبِ الْفِيْلِ۝۱ۭ
Alam tara kayfa faAAala rabbuka biashabi alfeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر» استفهام تعجب، أي اعجب «كيف فعل ربك بأصحاب الفيل» هو محمود وأصحابه أبرهة ملك اليمن وجيشه، بنى بصنعاء كنيسة ليصرف إليها الحجاج عن مكة فأحدث رجل من كنانة فيها ولطخ قبلتها بالعذرة احتقارا بها، فحلف أبره ليهدمنَّ الكعبة، فجاء مكة بجيشه على أفيال اليمن مقدمها محمود، فحين توجهوا لهدم الكعبة أرسل الله عليهم ما قصَّه في قوله:

1

Tafseer

الرازي

تفسير : روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من بني كنانة رجل وتغوط فيها ليلاً فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيماً، وثمانية أخرى، وقيل: إثنا عشر، وقيل: ألف، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه، وقدم الفيل فكانوا كلما وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليهم فيها فعظم في عين أبرهة وكان رجلاً جسيماً وسيماً، وقيل: هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة فلما ذكر حاجته، قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذلك، فقال أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعك عنه، ثم رجع وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول:شعر : لاهم إن المرء يمـ ــنع حله فامنع حلالك وانصر على آل الصليـ ــب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم وكعـ ـبتنا فأمر ما بدالك تفسير : ويقول:شعر : يا رب لا أرجو لهم سواكايا رب فامنع عنهم حماكا تفسير : فالتفت وهو يدعو، فإذا هو بطير من نحو اليمن، فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه فهلكوا في كل طريق ومنهل، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر وخر ميتاً بين يديه، وعن عائشة قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان، ثم في الآية سؤالات. الأول: لم قال: {أَلَمْ تَرَ } مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان طويل؟ الجواب: المراد من الرؤية العلم والتذكير، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر فكان العلم الحاصل به ضرورياً مساوياً في القوة والجلاء للرؤية، ولهذا السبب قال لغيره على سبيل الذم: {أية : أَ لَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ }تفسير : [يس:31] لا يقال: فلم قال: {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }تفسير : [البقرة:106]لأنا نقول: الفرق أن مالا يتصور إدراكه لا يستعمل فيه إلا العلم لكونه قادراً، وأما الذي يتصور إدراكه كفرار الفيل، فإنه يجوز أن يستعمل فيه الرؤية. السؤال الثاني: لم قال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } ولم يقل: ألم تر ما فعل ربك؟ الجواب: لأن الأشياء لها ذوات، ولها كيفيات باعتبارها يدل على مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل، واستحقاق المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا }تفسير : [ق:6] ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة على قدرة الصانع وعلمه وحكمته، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيساً لنبوتهم وإرهاصاً لها، ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، وعند المعتزلة أن ذلك لا يجوز، فلا جرم زعموا أنه لا بد وأن يقال: كان في ذلك الزمان نبي (أو خطيب) كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة، ثم قالوا: ولا يجب أن يشتهر وجودهما، ويبلغ إلى حد التواتر، لاحتمال أنه كان مبعوثاً إلى جمع قليلين، فلا جرم لم يشتهر خبره. واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جداً، لأنهم ذكروا في الزلازل والرياح والصواعق وسائر الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة فلا تجري فيها تلك الأعذار، لأنها ليس في شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة، فتقصد قوماً دون قوم فتقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة، ولو كان النقل ضعيفاً لشافهوه بالتكذيب، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه. السؤال الثالث: لم قال: {فِعْلَ } ولم يقل: جعل ولا خلق ولا عمل؟ الجواب: لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل، وجعل للكيفيات قال تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ }تفسير : [الأنعام:1] وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه، وسألوه أن يحفظ البيت، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة، فلو ذكر الألفاظ الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظاً يشمل الكل. السؤال الرابع: لما قال: {ربك}، ولم يقل: الرب؟ الجواب: من وجوه أحدها: كأنه تعالى قال: إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة الأوثان، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة، فكأنك أنت الذي رأيت ذلك الانتقام، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل، فأقول: ربك، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم وثانيها: كأنه تعالى قال: إنما فعلت بأصحاب الفيل ذلك تعظيماً لك وتشريفاً لمقدمك، فأنا كنت مربياً لك قبل قومك، فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر. السؤال الخامس: قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } مذكور في معرض التعجب وهذه الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة، فما السبب لهذا التعجب؟ الجواب: من وجوه أحدها: أن الكعبة تبع لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن العلم يؤدى بدون المسجد أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو الدر والمسجد هو الصدف، ثم الرسول الذي هو الدر همزه الوليد ولمزه حتى ضاق قلبه، فكأنه تعالى يقول: إن الملك العظيم لما طعن في المسجد هزمته وأفنيته، فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمه! إن هذا لعجيب وثانيها: أن الكعبة قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك، ثم أنا حفظت قبلة عملك عن الأعداء، أفلا تسعى في حفظ قبلة دينك عن الآثام والمعاصي!. السؤال السادس: لم قال: {أَصْحَـٰبُ ٱلْفِيلِ } ولم يقل: أرباب الفيل أو ملاك الفيل؟ الجواب: لأن الصاحب يكون من الجنس، فقوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْفِيلِ } يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل في البهيمية وعدم الفهم والعقل، بل فيه دقيقة، وهي: أنه إذا حصلت المصاحبة بين شخصين، فيقال: للأدون إنه صاحب الأعلى، ولا يقال: للأعلى إنه صاحب الأدون، ولذلك يقال: لمن صحب الرسول عليه السلام: إنهم الصحابة، فقوله: {أَصْحَـٰبُ ٱلْفِيلِ } يدل على أن أولئك الأقوام كانوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : بَلْ هُمْ أَضَلُّ }تفسير : [الأعراف:179] ومما يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى جهة الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه، كأنه كان يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عزمي حميد فلا أتركه وهم ما كانوا يتركون تلك العزيمة الردية فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالاً منهم. السؤال السابع: أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من قديم الدهر،ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة، فلم سلط الله العذاب على من قصد التخريب، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان؟ والجواب: لأن وضع الأوثان فيها تعد على حق الله تعالى، وتخريبها تعد على حق الخلق، ونظيره قاطع الطريق، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون، ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة، وإن كانوا كفاراً، لأنه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق. السؤال الثامن: كيف القول في إعراب هذه الآية؟ الجواب: قال الزجاج: {كيف} في موضع نصب بفعل لا بقوله: {أَلَمْ تَرَ } لأن كيف من حروف الاستفهام واعلم أنه تعالى ذكر.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} أي ألم تُخْبَر. وقيل: أَلَمْ تَعْلَم. وقال ابن عباس: أَلَمْ تسمع؟ واللفظ استفهام، والمعنى تقرير. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكنه عام؛ أي ألم تَرَوْا ما فعلتُ بأَصْحَابِ الفيل؛ أي قد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع مِنَّتِي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟ و{كَيْفَ} في موضع نصب بـ«ـفَعَلَ رَبُّك» لا بـ«ـألم تر كيف» من معنى الاستفهام. الثانية: قوله تعالى: {بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} الفيل معروف، والجمع أفيال: وفُيول، وفِيَلَة. قال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة. والأنثى فِيلة وصاحبه فَيَّال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل فِيل فُعْلاً، فكُسِر من أجل الياء؛ كما قالوا: أبيض وبِيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع. ورجل فِيل الرأي، أي ضعيف الرأي. والجمع أفيال. ورجل فال؛ أي ضعيف الرأي، مخطىء الفِراسة. وقد فال الرأي يَفِيل فُيولة، وفَيَّل رأيه تفِييلاً: أي ضعفه، فهو فَيِّل الرأي. الثالثة: في قصة أصحاب الفيل؛ وذلك أن (أَبرهة) بنى القُلَّيس بصنعاء، وهي كنيسة لم يُرَ مِثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانياً، ثم كتب إلى النجاشيّ: إني قد بنيت لك أيها الملِك كنيسة لم يُبْن مثلها لملِك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرِف إليها حج العرب فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيّ، غضب رجل من النَّسَأة، فخرج حتى أتى الكنيسة، فقعد فيها ـ أي أحدث ـ ثم خرج فلحِق بأرضه فأُخْبِر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمِع قولك: «أَصْرِف إليها حَجَّ العرب» غضب، فجاء فقعد فيها. أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسِيَرنّ إلى البيت حتى يهدِمه، وبعث رجلاً كان عنده إلى بني كِنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة؛ فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل؛ فزاد أبرهةَ ذلك غضباً وحَنَقاً؛ ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل؛ وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفَظِعوا به، ورأوا جهاده حقاً عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه وإخرابه؛ فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزِم ذو نفر وأصحابه، وأخِذ له ذو نفر فأُتِي به أسيراً؛ فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي؛ فتركه من القتل، وحبسه عنده في وَثاق، وكان أبرهة رجلاً حليماً. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعَمَ عرض له نُفَيل بن حبيب الخَثْعَمِيّ في قبيلتي خثعم: شَهران وناهِس، ومن تبعه من قبائل العرب؛ فقاتله فهزمه أبرهة، وأُخِذ له نُفيل أسيراً؛ فأُتِي به، فلما همّ بقتله قال له نُفَيل: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم: شهران وناهِس، بالسمع والطاعة؛ فخلى سبيله. وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب في رجال من ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك؛ سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد ـ يعنون اللات ـ إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يَدُلُّك عليه؛ فتجاوز عنهم. وبعثوا معه أبا رِغال، حتى أنزله المغمِّس فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فَرجَمت قبره العرب؛ فهو القبر الذي يرجُم الناسُ بالمغمس، وفيه يقول الشاعر: شعر : وأرجُمُ قَبرَه في كل عامٍ كرجْم الناس قبر أبي رِغالِ تفسير : فلما نزل أبرهة بالمغمس، بعث رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له، حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذٍ كبير قريش وسيدها؛ فهمَّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله؛ ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك. وبعث أبرهة حُناطة الحِميرِيّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشرِيفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تَعْرضوا لي بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم؛ فإن هو لم يُرِد حربي فأتني به. فلما دخل حُناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها؛ فقيل له: عبد المطلب بن هاشم؛ فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة؛ فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، أو كما قال، فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يحل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حُناطة: فانطلِق إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك؛ فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر؛ فسأل عن ذي نَفْر، وكان صديقاً له، حتى دخل عليه وهو في مَحْبِسه، فقال له: يا ذا نفْر، هل عندك من غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفْر؛ وما غَناء رجل أسير بيدي ملِك، ينتظر أن يقتله غُدُوًّا وعَشِيا! ما عندي غَناء في شيء مما نزل بك، إلا أنّ أُنيْساً سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه، وأوصِيه بك، وأُعْظِم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلِّمَه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قَدَر على ذلك؛ فقال حسبِي. فبعث ذو نَفْر إلى أنَيس، فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عَيْن مكة، ويطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاسْتَأْذنْ له عليه، وانفعه عنده بما استطعت؛ فقال: أَفْعَلُ. فكلم أُنيس أبرهة، فقال له: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عَيْن مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال؛ فأْذَنْ له عليك، فيكلمَك في حاجته. قال: فأذن له أبرهة. وكان عبد المطلب أَوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أَجَلَّه، وأعظمه عن أن يجلسه تحته؛ فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه. ثم قال لتَرجمانه: قل له: حاجَتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنتَ أعجبتَني حين رأيتك، ثم قد زهِدْتُ فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه؟ لا تكلمني فيه!. قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإنّ للبيت رباً سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال أنت وذاك. فردّ عليه إبله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز في شَعَف الجبال والشِّعاب، تخوفاً عليهم مَعرّة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلْقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش، يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: شعر : لا هُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْـ ـنعُ رَحْلَهُ فامنعْ حِلالكْ لا يَغْلِبَن صَلِيبُهُمْ ومِحالُهُمْ عَدْواً مِحالَكْ إنْ يَدْخلوا البلد الحرا مَ فأمرٌ ما بَدَالَكْ تفسير : يقول: أي: شيء ما بدالك، لم تكن تفعله بنا. والحِلال: جمع حِلّ. والمِحال: القوّة. وقيل: إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال: شعر : يا رَبِّ لا أرجُو لَهمْ سِواكا يا ربِّ فامنعْ منهُم حِماكا إنّ عدوَّ البيت مَنْ عاداكا إنهُم لن يقهروا قُواكا تفسير : وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي: شعر : لا هُمَّ أخْزِ الأسودَ بن مقصود الأخِذَ الهَجْمَةَ فيها التَّقْلِيدْ بين حِراءٍ وثَبِيرٍ فالبِيدْ يحبسها وهي أولات التطريدْ فضمها إلى طَماطِمٍ سُودْ قَدْ أَجْمَعُوا أَلاَّ يكون مَعْبُودْ ويهدموا البيتَ الحرامَ المَعْمُودْ والمرْوَتَيْنِ والْمَشَاعرَ السُّود أخفِره يا رب وأنت محمود تفسير : قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال، فتحرّزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وأبرهة مجمع لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نُفَيْل بن حبيب، حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأُذنه فقال له: ابرك محمود، وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نُفَيل ابن حبيب يشتدّ، حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزِين ليقوم فأبى؛ فأدخلوا محاجِن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يُهَروِل، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيراً من البحر، أمثال الخطاطيف والبَلَسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار: حجر في مِنقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحِمَّص والعَدَس، لا تصيب منهم أحداً إلا هلك؛ وليس كلّهم أصابتْ. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاؤوا منها، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: شعر : أَيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطَّالبْ والأَشْرَمُ المغلوبُ ليسَ الغالبْ تفسير : وقال أيضاً: شعر : حمِدتُ الله إذ أبصرتُ طَيْراً وخِفت حِجارَة تُلْقَى علينا فكلُّ القومِ يسأل عن نُفَيلٍ كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشان دَيْنا تفسير : فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلِكون بكل مَهْلِك على كل سَهْل، وأصيب أَبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أَنْمُلَةً أنملة، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مِدّةً تمث قيحاً ودماً؛ حتى قدِموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه؛ فيما يزعمون. وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان ـ يزيد أحدهما وينقص ـ: سبب الفيل ما رُوي أن فِتْية من قريش خرجوا تجاراً إلى أرض النجاشيّ، فنزلوا على ساحل البحر إلى بِيعة للنصارى، تسميها النصارى الهَيْكل، فأوقدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارتحلوا؛ فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البِيعة ناراً، فاحترقت؛ فأتى الصرِيخ إلى النجاشي فأخبره، فاستشاط غضباً. فأتاه أبرهة بن الصَّبَّاح وحُجْر بن شُرَحْبيلَ وأبو يَكْسومَ الكِنْديون؛ وضمنوا له إحراق الكعبة وسَبْي مكة. وكان النجاشيّ هو الملك، وأبرهةُ صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وقيل وزيره، وحُجْر بن شُرَحبيل من قوّاده. وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهة ابن الصباح. فساروا ومعهم الفيل. قال الأكثرون: هو فيل واحد. وقال الضحاك: هي ثمانية فِيَلَة. ونزلوا بذي المَجاز، واستاقوا سَرْح مكة، وفيها إبل عبد المطلب. وأتى الراعي نذيراً، فصعد الصفا، فصاح: واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل. فخرج عبد المطلب، وتوجه إلى أبرهة، وسأله في إبله. واختُلِف في النجاشيّ، هل كان معهم؛ فقال قوم كان معهم. وقال الأكثرون: لم يكن معهم. ونظر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر؛ فقال عبد المطلب: إن هذه الطير غريبة بأرضنا، وما هي بنَجدية ولا تِهامية ولا حجازية» وإنها أشباه اليعاسيب. وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة؛ فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم، حتى هلكوا. قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية؛ فباتت، ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم. وقال الكلبيّ: في مناقيرها حصًى كحصى الخَذْف، أمام كل فرقة طائر يقودها، أحمر المِنقار، أسود الرأس، طويل العنق. فلما جاءت عسكر القوم وتوافت، أهالت ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه المقتول به. وقيل: كان على كل حجر مكتوب: من أطاع الله نجا، ومن عصاه غَوَى. ثم انصاعت راجعة من حيث جاءت. وقال العَوفيّ: سألت عنها أبا سعيد الخدرِي، فقال: حمام مكة منها. وقيل: كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها، ويقع في دِماغه، ويخرق الفيلَ والدابة. ويغيب الحجر في الأرض من شدّة وقعه. وكان أصحاب الفيل ستين ألفاً، لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم، رجع ومعه شِرذمة لطيفة. فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. وقال الواقديّ: أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبرهة هو الأشرم، سمي بذلك لأنه تفاتن مع أرياط، حتى تزاحفا، ثم اتفقا على أن يلتقيا بشخصيهما، فمن غَلَب فله الأمر. فتبارزا ـ وكان أَرْياطُ جسيماً عظيماً، في يده حربة، وأبرهة قصيراً حادِراً، حليماً ذا دين في النصرانية، ومع أبرهة وزير له يقال له عِتْوَدَة ـ فلما دنوا ضرب أرياط بحربته رأس أبرهة، فوقعت على جبينه، فشرمت عينه وأنفه وجبِينه وشفته؛ فلذلك سُمِّي الأشرم. وحمل عِتْودة على أرياط فقتله. فاجتمعت الحبشة لأبرهة؛ فغضب النجاشيّ، وحلف ليَجُزَّنَّ ناصية أبرهة، ويطأن بلاده. فجز أبرهة ناصيته وملأ مِزوداً من تراب أرضه، وبعث بهما إلى النجاشيّ، وقال: إنما كان عبدَك، وأنا عبدُك، وأنا أقْوَمُ بأمر الحبشة، وقد جززت ناصيتي، وبعثت إليك بتراب أرضي، لتطأه وتبرّ في يمينك؛ فرضي عنه النجاشيّ. ثم بنى أبرهة كنيسة بصنعاء، ليصرف إليها حج العرب؛ على ما تقدّم. الرابعة: قال مقاتل: كان عام الفيل قبل مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة. وقال الكلبي وعُبيد بن عمير: كان قبل مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة. والصحيح ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:« حديث : ولدت عام الفِيل »تفسير : . وروي عنه أنه قال: « حديث : يومَ الفيل » تفسير : . حكاه الماوردِيّ في التفسير له. وقال في كتاب أعلام النبوّة: ولِد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأوّل، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً. ووافق من شهور الروم العشرين من أسباط، في السنة الثانية عشرة من ملك هُرْمُز بن أنوشِروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبريّ أن مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم كان لاثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقد قيل: إنه عليه السلام حملت به أمه آمنة في يوم عاشوراء من المحرّم، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان؛ فكانت مدّة حمله ثمانية أشهر كَمَلاً ويومين من التاسع. وقيل: إنه ولد يوم عاشوراء من شهر المحرم؛ حكاه ابن شاهين أبو حفص، في فضائل يوم عاشوراء له. ابن العربيّ: «قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وقال قيس بن مَخْرمة: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وقد روى الناس عن مالك أنه قال: من مروءة الرجل ألاَّ يُخْبِر بسنه؛ لأنه إن كان صغيراً استحقروه وإن كان كبيراً استهرموه. وهذا قول ضعيف؛ لأن مالكاً لا يخبر بسنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكتم سِنه؛ وهو من أعظم العلماء قدوةً به. فلا بأس بأن يخبر الرجل بسنه كان كبيراً أو صغيراً». وقال عبد الملك بن مروان لعتاب بن أَسِيد: أنت أكبر أم النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: النبيّ صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أسنّ منه؛ ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مُقْعدين يستطعمان الناس، وقيل لبعض القضاة: كم سنك؟ قال: سنّ عَتَّاب بن أَسِيد حين ولاه النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة؛ وكان سنه يومئذٍ دون العشرين. الخامسة: قال علماؤنا: كانت قصة الفِيل فيما بعدُ من معجزات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن كانت قبله وقبل التحدّي؛ لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه. ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة، كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة؛ ولهذا قال: «ألم تر». ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها مع حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس. وقال أبو صالح: رأيت في بيت أمّ هانىء بنت أبي طالب نحواً من قفيزين من تلك الحجارة، سوداً مخططة بحمرة.

البيضاوي

تفسير : مكية، وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ } الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو وإن لم يشهد تلك الوقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها، وإنما قال {كَيْفَ } ولم يقل ما لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله عليه الصلاة والسلام فإنها من الإِرهاصات. إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قصتها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ـ ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي ـ بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف الحاج إليها، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً فأغضبه ذلك، فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود، وفيلة أخرى فلما تهيأ للدخول وعبى جيشه قدم الفيل، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا رجعوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله تعالى طيراً مع كل واحد في منقاره حجر وفي رجليه حجران، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فترميهم فيقع الحجر في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعاً. وقرىء {أَلَمْ تَرَ } جداً في إظهار أثر الجازم، وكيف نصب بفعل لأبتر لما فيه من معنى الاستفهام. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ } في تعطيل الكعبة وتخريبها. {فِى تَضْلِيلٍ } في تضييع وإبطال بأن دمرهم وعظم شأنها. {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } جماعات جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. وقيل لا واحد لها كعبابيد وشماطيط. {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ } وقرىء بالياء على تذكير الطير لأنه اسم جمع، أو إسناده إلى ضمير ربك. {مِّن سِجّيلٍ } من طين متحجر معرب سنككل وقيل من السجل وهو الدلو الكبير، أو الاسجال وهو الارسال، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } كورق زرع وقع فيه، والآكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفراً منه، أو كتين أكلته الدواب وراثته. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ».

ابن كثير

تفسير : هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم أنوفهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام ولد، على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه، ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه، خاتم الأنبياء. وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب: قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس، وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركاً، وهو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريباً من عشرين ألفاً، فلم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام، وكان نصرانياً، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط، وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم، في جيش كثيف، فدخلوا اليمن، فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقاً في البحر، واستقل الحبشة بملك اليمن، وعليهم هذان الأميران: أرياط، وأبرهة، فاختلفا في أمرهما، وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن ابرز إلي، وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك، فأجابه إلى ذلك، فتبارزا، وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة، فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه، وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط، فقتله، ورجع أبرهة جريحاً، فداوى جرحه فبرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده، ويحلف ليطأن بلاده، ويجزن ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترفق له، ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيه من تراب اليمن، وجز ناصيته، فأرسلها معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله، وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب: القليس؛ لارتفاعها؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضباً شديداً، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلاً، فأحدث فيها، وكرَّ راجعاً، فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضباً لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجراً حجراً. وذكر مقاتل بن سليمان: أن فتية من قريش دخلوها، فأججوا فيها ناراً، وكان يوماً فيه هواء شديد، فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فتأهب أبرهة لذلك، وسار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلاً عظيماً كبير الجثة لم يرَ مثله، يقال له: محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال: كان معه أيضاً ثمانية أفيال، وقيل: اثنا عشر فيلاً غيره، فالله أعلم، يعني: ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عنق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، فلما سمعت العرب بمسيره، أعظموا ذلك جداً، ورأوا أن حقاً عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريده من هدمه وخرابه، فأجابوه، وقاتلوا أبرهة فهزمهم؛ لما يريده الله عز وجل من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر ذو نفر، فاستصحبه معه، ثم مضى لوجهه، حتى إذا كان بأرض خثعم، اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب فأراد قتله، ثم عفا عنه واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف، وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه: اللات، فأكرمهم، وبعثوا معه أبا رغال دليلاً، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس، وهو قريب من مكة، نزل به. وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه، وكان في السرح مئتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: الأسود بن مفصود، فهجاه بعض العرب فيما ذكره ابن إسحاق، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجىء لقتالكم، إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة، فدل على عبد المطلب بن هاشم، وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة؛ فاذهب معي إليه، فذهب معه. فلما رآه أبرهة، أَجَلَّه، وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مئتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك. ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رؤوس الجبال؛ تخوفاً عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:شعر : لا هُمَّ إِنَّ المَرْءَ يَمْـ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكْ لا يَغْلِبَنَّ صَليبُهُمْ ومِحالُهُمْ أبداً مِحالَكْ تفسير : قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال، وذكر مقاتل بن سليمان: أنهم تركوا عند البيت مئة بدنة مقلدة؛ لعل بعض الجيش ينال منها شيئاً بغير حق، فينتقم الله منهم، فلما أصبح أبرهة، تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وكان اسمه محموداً، وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة، أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فنزعوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، ولا يصيب منهم أحداً إلا هلك. وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:شعر : أَيْنَ المَفَرُّ والإلٰهُ الطالِبُ والأشرمُ المَغْلوبُ ليسَ الغالِبُ تفسير : قال ابن اسحاق: وقال نفيل في ذلك أيضاً:شعر : أَلا حُيِّيْتِ عَنّايا رُدَيْنا نَعِمْناكُمْ معَ الإصباح عَيْنا رُدَيْنَةُ لَوْ رأيْتِ ولا تُرَيْهِ لدى جَنْبِ المُحَصَّبِ ما رأينا إذاً لعَذَرْتِني وَحَمَدْتِ أَمْري ولم تَأْسَيْ على ما فاتَ بَيْنا حَمِدْتِ اللّهَ إِذْ أبصرتِ طيْراً وخِفْت حِجارةً تُلْقى عَلَينا فكلُّ القَوْم تسألُ عن نُفَيْل كأنَّ عَلَيَّ للحُبْشانِ دَيْنا تفسير : وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبؤوا لدخول الحرم، وهيؤوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل، وينهره ويضربه ليقهر الفيل على دخول الحرم، وطال الفصل في ذلك، هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، فيهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، ومسعود بن عمرو الثقفي، على حراء، ينظرون ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل، وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم طيراً أبابيل، أي: قطعاً قطعاً صفراً دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا. وقال محمد بن كعب: جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فتشجع فحصب. وقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة، فأما محمود، وهو فيل الملك، فربض؛ ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع فحصب، فهربت بقية الفيلة. وقال عطاء بن يسار وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعاً، ومنهم من جعل يتساقط عضواً عضواً وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضواً عضواً، حتى مات ببلاد خثعم. وقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. وذكر مقاتل بن سليمان: أن قريشاً أصابوا مالاً جزيلاً من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. قال ابن اسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة: أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي به مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام، وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، كان فيما يعد به على قريش؛ من نعمته عليهم، وفضله، مارد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } أي: لئلا يغير شيئاً من حالهم التي كانوا عليها؛ لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه. قال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحده. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة: أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين، أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهماالعرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل، يعني بالسنج: الحجر، والجل: الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصف: ورق الزرع الذي لم يقضب، واحدته عصفة، انتهى ما ذكره، وقد قال حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: {طَيْراً أَبَابِيلَ} قال: الفرق، وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل: يتبع بعضها بعضاً. وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة تأتي من ههنا ومن ههنا، أتتهم من كل مكان، وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل. وقال ابن جرير: حدثني عبد الأعلى، حدثني داود عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أنه قال في قوله تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} هي الأقاطيع؛ كالإبل المؤبلة. وحدثنا أبو كريب: حدثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين عن ابن عباس: { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلب. وحدثنا يعقوب بن إبراهيم: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله تعالى: {طَيْراً أَبَابِيلَ} قال: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. وحدثنا ابن بشار: حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير: {طَيْراً أَبَابِيلَ} قال: هي طيور سود بحرية، في مناقيرها وأظافرها الحجارة، وهذه أسانيد صحيحة. وقال سعيد بن جبير: كانت طيراً خضراً لها مناقير صفر تختلف عليهم. وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها: عنقاء مغرب. ورواه عنهم ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثناأبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزعة: حجرين في رجليه، وحجراً في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديدة، فضربت الحجارة، فزادتها شدة، فأهلكوا جميعاً، وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس: حجارة من سجيل، قال: طين في حجارة سنك وكل، وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} قال سعيد بن جبير: يعني: التبن الذي تسميه العامة: هبور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة، وعنه أيضاً: العصف: التبن، والمأكول: القصيل يجز للدواب، وكذلك قال الحسن البصري. وعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة؛ كالغلاف على الحنطة. وقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار دريناً. والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم ودمرهم بكيدهم وغيظهم، لم ينالوا خيراً، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح؛ كما جرى لملكهم أبرهة؛ فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم، ثم مات، فملك بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى، فاستعانه على الحبشة، فأنفذ معه من جيوشه، فقاتلوا معه، فرد الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب بالتهنئة. وقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. ورواه الواقدي عن عائشه مثله، ورواه أيضاً عن أسماء بنت أبي بكر: أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس عند أساف ونائلة حيث يذبح المشركون ذبائحهم. (قلت): كان اسم قائد الفيل أنيساً. وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث على الجيش رجلاً يقال له: شمر بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفاً، وذكر أن الطير طرقتهم ليلاً، فأصبحوا صرعى، وهذا السياق غريب جداً، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره، والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة؛ كما دل على ذلك السياقات والأشعار، وهكذا روي عن ابن لهيعة عن الأسود عن عروة: أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مفصود كان على مقدمة الجيش، والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق شيئاً من أشعار العرب فيما كان من قصة أصحاب الفيل، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعري:شعر : تَنَكَّلُوا عنْ بَطْنِ مَكَّةَ إِنهَّا كانَتْ قَديماً لا يُرام حَريمُها لم تُخْلَقِ الشِّعْرى لياليَ حُرِّمَتْ إِذْ لا عزيزٌ في الأنام يَرومُها سائِلْ أميرَ الجيش عنها ما رأى فلسوفَ يُنْبِي الجاهلينَ عليمُها سِتُّون ألفاً لم يَؤوبُوا أرضَهُمْ بلْ لمْ يَعِشْ بعدَ الإيابِ سقيمُها كانَتْ بها عادٌ وجرهُمُ قبلَهُم واللّهُ من فوقِ العِبادِ يُقيمُها تفسير : وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري:شعر : ومنْ صُنعِه يومَ فيلِ الحُبو شِ إذْ كُلُّ ما بَعَّثوهُ رزَمْ محاجِنُهُمْ تحتَ أقرابِهِ وَقَدْ شَرَّمُوا أنْفَهُ فانْخَرَمْ وقدْ جَعلوا سوطَهُ مِغْوَلاً إذا يَمَّمُوهُ قَفاهُ كلَمْ فولّى وأدبَرَ أدراجَهُ وقد باءَ بالظُّلْمِ مَنْ كانَ ثَمّ فأرسلَ من فوقِهِمْ حاصِباً يلفُّهُمُ مِثْلَ لفَ القزَمْ يَحُضُّ على الصبرِ أحبارُهُمْ وقد ثَأَجُوا كَثُؤاجِ الغَنَمْ تفسير : وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:شعر : إِنَّ آياتِ رِّبنا باقياتٌ ما يُماري فيهِنَّ إلا الكَفورُ خلقَ الليلَ والنهارَ فَكُلٌّ مُسْتبينٌ حسابُهُ مَقْدورُ ثم يجلو النَّهارَ رَبٌّ رحيمٌ بمَهاةٍ شعاعُها مَنْشورْ حبسَ الفيلَ بالمُغَمَّسِ حتَّى صارَ يحْبو كأنَّهُ مَعْقورُ لازماً حلقه الجران كما قطر من ظهرِ كَبْكَبٍ محذورُ حولَهُ من مُلوكِ كندةَ أبطالٌ ملاويثُ في الحروب صُقورُ خَلَّفوهُ ثمَّ ابْذَعَرُّوا جميعاً كلُّهُمْ عظمُ ساقِه مكسورُ كلُّ دينٍ يومَ القيامةِ عندَ اللّهِ إلا دينَ الحَنِيفَةِ بُورُ تفسير : وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، أي: حرنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ــــ ثم قال ــــ والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أجبتهم إليها» تفسير : ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري. وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «حديث : إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب»تفسير : آخر تفسير سورة الفيل، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ } استفهام تعجب أي اعجب {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ ٱلْفِيلِ } هو (محمود)، وأصحابه: أبرهة ملك اليمن وجيشه، بنى بصنعاء كنيسة ليصرف إليها الحاج عن مكة، فأحدث رجل من كنانة فيها ولطخ قبلتها بالعذرة احتقاراً لها فحلف أبرهة ليهدمنّ الكعبة، فجاء مكة بجيشه على أفيال مقدمها (محمود) فحين توجهوا لهدم الكعبة أرسل الله تعالى عليهم ما قصّه في قوله:

الشوكاني

تفسير : الاستفهام في قوله: {أَلَمْ تَرَ } لتقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم بإنكار عدمها. قال الفراء: المعنى ألم تخبر. وقال الزجاج: ألم تعلم. وهو تعجيب له صلى الله عليه وسلم بما فعله الله {بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ } الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوبة بالفعل الذي بعدها، ومعلقة لفعل الرؤية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون لكلّ من يصلح له. والمعنى: قد علمت يا محمد، أو علم الناس الموجودون في عصرك، ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل، وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون؟ والفيل هو الحيوان المعروف، وجمعه أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيال، وسيأتي ذكر قصة أصحاب الفيل إن شاء الله. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ } أي: ألم يجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة أهلها في تضليل عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوه بكيدهم، والهمزة للتقرير كأنه قيل: قد جعل كيدهم في تضليل، والكيد: هو إرادة المضرّة بالغير؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل والسبي، ويكيدوا البيت الحرام بالتخريب والهدم. {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } أي: أقاطيع يتبع بعضها بعضاً كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة: {أبابيل} جماعات في تفرقة، يقال جاءت الخيل أبابيل، أي: جماعات من هٰهنا وهٰهنا. قال النحاس: وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال فلان، توبل على فلان أي: تعظم عليه، وتكبر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحده أبول مثل عجول. وقال بعضهم: أبيل، قال الواحدي: ولم نر أحداً يجعل لها واحداً. قال الفراء: لا واحد له من لفظه. وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها: أبالة مشدّداً. وحكى الفرّاء أيضاً: أبالة بالتخفيف. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السماء لم ير قبلها ولا بعدها. قال قتادة: هي: طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجاً مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب شيئًا إلاّ هشمه. وقيل: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع. وقيل: كان لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكف الكلاب. وقيل: في صفتها غير ذلك، والعرب تستعمل الأبابيل في الطير، كما في قول الشاعر:شعر : تراهم إلى الداعي سرعاً كأنهم أبابيل طير تحت دجن مسجن تفسير : وتستعملها في غير الطير كقول الآخر:شعر : كادت تهدّ من الأصوات راحلتي أن سالت الأرض بالجرد الأبابيل تفسير : {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ } الجملة في محلّ نصب صفة لطير. قرأ الجمهور: {ترميهم} بالفوقية. وقرأ أبو حنيفة، وأبو معمر، وعيسى، وطلحة بالتحتية، واسم الجمع يذكر ويؤنث. وقيل: الضمير في القراءة الثانية لله عزّ وجلّ. قال الزجاج: {مّن سِجّيلٍ } أي: مما كتب عليهم العذاب به، مشتقاً من السجل. قال في الصحاح قالوا: هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم. قال عبد الرحمٰن بن أبزى: {مّن سِجّيلٍ } من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم التي هي سجين، ثم أبدلت النون لاماً، ومنه قول ابن مقبل:شعر : ضرباً تواصت به الأبطال سجيلا تفسير : وإنما هو سجيناً. قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجحدري، وكان الحجر كالحمصة، وفوق العدسة، وقد قدّمنا الكلام في سجيل في سورة هود. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } أي: جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدّواب فرمت به من أسفل، شبه تقطع أوصالهم بتفرّق أجزائه. وقيل المعنى: أنهم صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدّواب وبقي منه بقايا، أو أكلت حبه، فبقي بدون حبه. والعصف جمع عصفة، وعصافة، وعصيفة، وقد قدّمنا الكلام في العصف في سورة الرحمٰن، فارجع إليه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال: إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحداً، قالوا: لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدّمون فيلهم إلاّ تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلاّ أخذته الحكة، فكان لا يحكّ الإنسان منهم جلده إلاّ تساقط لحمه. وأخرج ابن المنذر، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي عنه قال: أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثت، فنأتيك بكل شيء؟ فقال: أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلاّ أمن، فجئت أخيف أهله، فقال: إنا نأتيك بكل شيء تريد، فارجع، فأبى إلاّ أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال الله: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ } فجعل الفيل يعجّ عجاً {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ }. وقصة أصحاب الفيل مبسوطة مطوّلة في كتب التاريخ والسير، فلا نطوّل بذكرها. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ } قال: حجارة مثل البندق، وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء، ثم أرسلت عليهم تلك الحجارة، فلم تعد عسكرهم. وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء، والضحاك عنه أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل بريد مجتمعة، لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها، وحصاتين في رجليها، ترسل واحدة على رأس الرجل، فيسيل لحمه ودمه ويبقى عظاماً خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } يقول: كالتبن. وأخرج ابن إسحاق في السيرة، والواقديّ، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل، وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. وأخرج الواقديّ نحوه عن أسماء بنت أبي بكر. وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وأخرج ابن إسحاق، وأبو نعيم، والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ألمْ تَرَ كيفَ فَعَلَ ربُّكَ بأصْحابِ الفِيل} فيه وجهان: أحدهما: ألم تخبر فتعلم كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. الثاني: ألم ترَ آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل. واختلف في مولده عليه السلام من عام الفيل على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن مولده بعد أربعين سنة من عام الفيل، قاله مقاتل: الثاني: بعد ثلاث وعشرين سنة منه، قاله الكلبي وعبيد بن عمير. الثالث: أنه عام الفيل، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عنه أنه قال: ولدت يوم الفيل. واختلف في سبب الفيل على قولين: أحدهما: ماحكاه ابن عباس: أن أبرهة بن الصباح بنى بيعة بيضاء يقال لها القليس، وكتب إلى النجاشي إني لست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع ذلك رجل من كنانة، فخرج إلى القليس ودخلها ليلاً فأحدث فيها، فبلغ ذلك أبرهة فحلف بالله ليسيرن إلى الكعبة فيهدمها، فجمع الأحابيش وجنّد الأجناد، وسار، ودليله أبو رغال، حتى نزل بالمغمّس، وجعل على مقدمته الأسود بن مقصود حتى سبى سرح مكة وفيه مائتا بعير لعبد المطلب قد قلّد بعضها، وفيه يقول عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف: شعر : لأهمّ أخْزِ الأسود بن مقصودِ الآخذ الهجمة فيها التقليدْ بين حراء، وثبير فالبيد يحبسها وفي أُولات التطريدْ فضمّها إلى طماطم سُودْ قد أجْمعوا ألا يكون معبودْ. ويهْدموا البيت الحرام المعمود والمروتين والمشاعر السودْ اخْفره يا ربِّ وأنت محمودْ تفسير : وتوجه عبد المطلب وكان وسيماً جسيماً لا تأخذه العين إلى أبرهة، وسأله في إبله التي أخذت، فقال أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك وقد زهدت الآن فيك، قال: ولم؟ قال: جئت لأهدم بيتاً هو دينك ودين آبائك فلم تكلمني فيه، وكلمتني في مائتي بعير لك، فقال عبد المطلب: الإبل أنا ربها، وللبيت رب سيمنعه، فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني، فقال عبد المطلب: لقد طلبته تبّع وسيف بن ذي يزن وكسرى فلم يقدروا عليه، وأنت ذاك فرد عليه إبله، وخرج عبد المطلب وعاد إلى مكة، فأخبر قريشاً بالتحرز في الجبال، وأتى البيت وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: شعر : لاهمّ إنّ العْبدَ يَمْ نَعُ رحْلَهُ فامْنَع حَلالَكْ. لا يَغْلبنّ صَليبُهم ومحالُهم غَدْواً مِحالكْ. إنْ كنتَ تاركَهم وقبـ ـلَتَنا فأمْرٌ ما بدا لَكَ. تفسير : المحال: القوة. الثاني: ما حكاه الكلبي ومقاتل يزيد أحدهما وينقص أن فتية من قريش خرجوا إلى أرض الحبشة تجاراً، فنزلوا على ساحل البحر على بيعة النصارى في حقف من أحقافها، قال الكلبي تسمى البيعة ما سرجيان، وقال مقاتل: تسمى الهيكل، فأوقدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارتحلوا فهبت ريح عاصف فاضطرمت البيعة ناراً فاحترقت، فأتى الصريخ إلى النجاشي فأخبره، فاستشاط غضباً، وأتاه أبرهة بن الصبّاح وحجر بن شراحبيل وأبو يكسوم الكِنْديون، وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة، وكان النجاشي هو الملك، وأبرهة صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك وقيل وزيره، وحجر بن شراحبيل من قواده، وقال مجاهد: أبو يكسوم هو أبرهة بن الصبّاح، فساروا بالجيش ومعهم الفيل، قال الأكثرون: هو فيل واحد، وقال الضحاك: كانت ثمانية فيلة، ونزلوا بذي المجاز، واستاقوا سرح مكة، وفيها إبل عبد المطلب، وأتى الراعي نذيراً فصعد الصفا وصاح: واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل، فخرج عبد المطلب وتوجه إلى أبرهة وسأله في إبله، فردّها مستهزئاً ليعود لأخذها إذا دخل مكة. واختلف في النجاشي هل كان معهم أم لا، فقال قوم: كان معهم، وقال الآخرون: لم يكن معهم. وتوجه الجيش إلى مكة لإحراق الكعبة، فلما ولى عبد المطلب بإبله احترزها في جبال مكة، وتوجه إلى مكة من طريق منى، وكان الفيل إذا بعث إلى الحرم أحجم، وإذا عدل به عنه أقدم، قال محمد بن إسحاق: كان اسم الفيل محمود، وقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين مقعدين يستطعمان أهل مكة. ووقفوا بالمغمّس فقال عبد الله بن مخزوم: شعر : أنت الجليل ربنا لم تدنس أنت حبست الفيل بالمغمّس حبسته في هيئة المكركس وما لهم من فرجٍ ومنفسِ. تفسير : المكركس: المطروح المنكوس. وبصر أهل مكة بالطير قد أقبلت من ناحية البحر، فقال عبد المطلب: إن هذه لطير غريبة بأرضنا، ما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية، وإنها أشباه اليعاسيب، وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة، فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا، قال عطاء بن أبي رباح: جاءت الطير عشية فبانت، ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم، وقال عطية العوفي: سألت عنها أبا سعيد الخدري: فقال: حمام مكة منها. وأفلت من القوم أبرهة ورجع إلى اليمن فهلك في الطريق. وقال الواقدي: أبرهة هو جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أيقنوا بهلاك القوم، قال الشاعر: شعر : أين المفر والإله الطالبْ والأَشرمُ المغلوبُ ليس الغالبْ تفسير : يعني بالأشرم أبرهة، سمي بذلك لأن أرياط ضربه بحربة فشرم أنفة وجبينه، أي وقع بعضه على بعض. وقال أبو الصلت بن مسعود، وقيل بل قاله عبد المطلب: شعر : إنّ آياتِ ربِّنا ناطِقاتٌ لا يُماري بهنّ إلا الكَفُور. حَبَسَ الفيلَ بالمغّمس حتى مَرَّ يعْوي كأنه مَعْقورُ. تفسير : {ألمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْليل} لأنهم أرادوا كيد قريش بالقتل والسبي، وكيد البيت بالتخريب والهدم. يحكى عن عبد المطلب بعد ما حكيناه عنه أنه أخذ بحلقة الباب وقال: شعر : يا رب لا نرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا. إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا. تفسير : ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس له سريع، ينظر ما لقوا فإذا القوم مشدخون، فرجع يركض كاشفاً عن فخده، فلما رأى ذلك أبوه قال: إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً. فلما دنا من ناديهم بحيث يُسمعهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً، فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم، فكانت أموال بني عبد المطلب، وبها كانت رياسة عبد المطلب لأنه احتمل ما شاء من صفراء وبيضاء، ثم خرج أهل مكة بعده فنهبوا، فقال عبد المطلب: شعر : أنتَ مَنعْتَ الحُبْشَ والأَفْيالا وقد رَعَوا بمكةَ الأَجيالا وقد خَشِينا منهم القتالا وكَلَّ أمرٍ لهمن مِعضالا وشكراً وحْمداً لك ذا الجلالا. تفسير : ويحتمل تضليل كيدهم وجهين: أحدهما: أن كيدهم أضلهم حتى هلكوا. الثاني: أن هلاكهم أضل كيدهم حتى بطل. {وأرْسَلَ عليهم طَيْراً أَبابِيلَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من طير السماء، قاله سعيد بن جبير: لم ير قبلها ولا بعدها مثلها ويروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إنها طير بين السماء والأرض تعشعش وتفرخ . تفسير : القول الثاني: أنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال، قاله عكرمة. الثالث: أنها من طير الأرض، أرسلها الله تعالى من ناحية البحر، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره، قاله الكلبي، وكانت سوداً، خضر المناقير طوال الأعناق، وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، وقالت عائشة: كن أشباه الخطاطيف. واختلف في " أبابيل" على خمسة أقاويل: أحدها: أنها الكثيرة، قاله الحسن وطاوس. الثاني: المتتابعة التي يتبع بعضها بعضاً، قاله ابن عباس ومجاهد. الثالث: أنها المتفرقة من ها هنا وها هنا، قاله ابن مسعود والأخفش، ومنه قول الشاعر: شعر : إن سلولاً عداك الموت عارفة لولا سلول مشينا أبابيلا تفسير : أي متفرقين. الرابع: أن الأبابيل المختلفة الألوان، قاله زيد بن أسلم. الخامس: أن تكون جمعاً بعد جمع، قاله أبو صالح وعطاء، ومنه قول الشاعر: شعر : وأبابيل من خيول عليها كأسود الأداء تحت العوالي. تفسير : وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث: الأبابيل مأخوذ من الإبل المؤبلة، وهي الأقاطيع. واختلف النحويون هل للأبابيل واحد من جنسه، فذهب أبو عبيدة والفراء وثعلب إلى أنه لا واحد له كالعباديد والسماطيط، وذهب آخرون إلى أن له واحد، واختلفوا في واحده، فذهب أبو جعفر الرؤاسي إلى أن واحدة إبّالة مشددة، وقال الكسائي: واحدها إبول، وقال ابن كيسان واحدة إبيّل. {تَرْميهم بحجارةٍ مِن سِجّيلٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن السجيل كلمة فارسية هي سنك وكل، أولها حجر، وآخرها: طين، قال ابن عباس. الثاني: أن السجيل هو الشديد، قاله أبو عبيدة، ومنه قول ابن مقبل: شعر : ورجْلةٍ يضْرِبون البَيْضَ عن عَرَضٍ ضَرْباً تواصى به الأَبطالُ سِجِّيلاً تفسير : الثالث: أن السجيل اسم السماء الدنيا، فنسبت الحجارة إليها لنزولها منها، قاله ابن زيد. الرابع: أنه اسم بحر من الهواء، منه جاءت الحجارة فنسبت إليه، قاله عكرمة وفي مقدار الحجر قولان: أحدهما: أنه حصى الخذف، قاله مقاتل. الثاني: كان الحجر فوق العدسة ودون الحمصة، قاله أبو صالح: رأيت في دار أم هانىء نحو قفيز من الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل مخططة بحمرة كأنها الجزع، وقال ابن مسعود: ولما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحها فزادتها شدة، وكانت لا تقع على أحد إلا هلك ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة، فقال: شعر : فإنكِ لو رأيْتِ ولم تريهِ لدى جِنْبِ المغَمِّسِ ما لَقينا خَشيتُ الله إذ قدْبَثَّ طَيْراً وظِلَّ سَحابةٍ مرَّتْ علينا وباتت كلُّها تدْعو بحقٍّ كأنَّ لها على الحُبْشانِ دَيْنا تفسير : {فجعَلَهم كعَصْفٍ مأكولٍ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن العصف ورق الزَّرع، والمأكول الذي قد أكله الدود، قاله ابن عباس. الثاني: أن العصف المأكول هو الطعام، وهذا قول حسين بن ثابت. الثالث: أنه قشر الحنطة إذا أكل ما فيه، رواه عطاء بن السائب. الرابع: أنه ورق البقل إذا أكلته البهائم فراثته، قاله ابن زيد. الخامس: أن العصف التين والمأكول القصيل للدواب، قاله سعيد بن جبير والحسن، واختلف فيما فعله الله بهم، فقال قوم: كان ذلك معجزة لنبيّ كان في ذلك الزمان، وقيل إنه كان خالد بن سنان. وقال آخرون: بل كان تمهيداً وتوطيداً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ولد في عامه وقيل في يومه.

ابن عطية

تفسير : {كيف} نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد، وقال الضحاك: ثمانية، فهو اسم الجنس وقوله مردود، وحكى النقاش: ثلاثة عشر، وهذه السورة تنبيه على الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ليهدمها، وكان صاحب فيل يركبه، وقصته مشروحة في السير الطويلة، واختصاره أنه بنى في اليمن بيتاً وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب أعرابي فأحدث في البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة، وغلب من تعرضه في طريقه من قبائل العرب، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش إلى الجبال والشعاب، وأسلموا له البلد وغلب طغيانه، ولم يكن للبيت من البشر من يعصمه ويقوم دونه، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر، فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان إذا وجهوه إلى غيرها هرول، فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله {عليهم طيراً} جماعات جماعات سوداً من البحر وقيل خضراً، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقارة ورجليه وكل حجر فوق العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة، فكان الحجر منها يقتل المرمي وتتهرى لحومهم جذرياً، وأسقاماً، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله بيته المرفع، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن الأمر كله لله، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن الأصنام شيئاً فـ {أصحاب الفيل}: أبرهة الملك ورجاله، وقرأ أبو عبد الرحمن: "ألم ترْ" بسكون الراء، و"التضليل" الخسار والتلف، و "الأبابيل": جماعات تجيء شيئاً بعد شيء، قال أبوعبيدة: لا واحد له من لفظه وهذا هو الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال [معبد بن أبي معبد الخزاعي]: [البسيط] شعر : كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سارت الأرض بالجرد الأبابيل تفسير : وقد تقدم تفسير "حجارة السجيل" غير مرة، وهي من سنج وكل أي ماء وطين، كأنها الآجر ونحوه مما طبخ، وهي المسومة عند الله تعالى للكفرة الظالمين، و "العصف": ورق الحنطة وتبنه ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] شعر : تسقى مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتيّ الماء مطموم تفسير : والمعنى صاروا طيناً ذاهباً كورق حنطة أكلته الدواب وراثته فجمع المهانة والخسة وأتلف، وقرأ أبو الخليج الهذلي " فتركتهم كعصف"، قال أبو حاتم، وقرأ بعضهم: "فجعلتهم" يعنون الطير بفتح اللام وتاء ساكنة، وقال عكرمة: العصف حب البر إذا أكل فصار أجوف، وقال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يسنبل، وهذه السورة متصلة في مصحف أبي بن كعب بسورة {لإيلاف قريش} لا فصل بينهما، وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام يقرأ بهما متصلة سورة واحدة.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} ألم تخبر أو ألم تر آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل لأنه ما رأه وولد بعده بأربعين سنة أو ثلاث وعشرين سنة أو ولد عام الفيل أو يوم الفيل وسبب قصدهم لمكة أن أبرهة بن الصباح بنى بصنعاء كنيسة وأراد صرف حج العرب إليها فسمع بذلك رجل من كنانة فخرج فأتاها ليلاً فأحدث فيها فبلغ أبرهة فحلف بالله تعالى ليهدمن الكعبة فسار إليها بالفيل. أو خرج فتية من قريش تجاراً إلى الحبشة فنزلوا على ساحل البحر على بيعة للنصارى فأوقدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارتحلوا فهبت ريح فأحرقت البيعة فبلغ النجاشي فاستشاط غضباً فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شراحيل وأبو يكسوم الكنديون وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة وكان أبرهة صاحب جيش النجاشي وأبو يكسوم نديم أو وزير وحجر بن شراحيل من قواده فساروا بالجيش ومعهم فيل واحد عند الأكثر أو كانت ثمانية فيلة فأهلكهم الله عز وجل فرجع منهم أبرهة إلى اليمن فهلك في الطريق.

النسفي

تفسير : مكية وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } {كَيْفَ } في موضع نصب بـ {فِعْلَ } لا بـ {أَلَمْ تَرَ } لما في {كَيْفَ } من معنى الاستفهام، والجملة سدت مسد مفعولي {تَرَ }وفي {أَلَمْ تَرَ } تعجيب أي عجّب الله نبيه من كفر العرب وقد شاهدت هذه العظمة من آيات الله، والمعنى إنك رأيت آثار صنع الله بالحبشة وسمعت الأخبار به متواتراً فقامت لك مقام المشاهدة {بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ } روي أن أبرهة ابن الصباح ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي، بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبه، فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيماً واثنا عشر فيلاً غيره، فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى، وعبى جيشه وقدم الفيل، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن هرول، وأرسل الله طيراً مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففروا وهلكوا، وما مات أبرهة حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتاً بين يديه. وروي أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه فيها فعظم في عينه وكان رجلاً جسيماً وسيماً. وقيل: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وشرفكم في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود أخذلك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ } في تضييع وإبطال. يقال: ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً. وقيل لامرىء القيس: الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه يعني أنهم كادوا البيت أوّلاً ببناء القليس ليصرفوا وجوه الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه، وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } حزائق الواحدة إبالة. قال الزجاج: جماعات من ههنا وجماعات من ههنا {تَرْمِيهِم } وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه {يرميهم} أي الله أو الطير لأنه اسم جمع مذكر وإنما يؤنث على المعنى { بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ } هو معرب من سنككل وعليه الجمهور أي الآجر {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } زرع أكله الدود.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} كانت قصة أصحاب الفيل على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس، وذكره الواقدي أن النجاشي ملك الحبشة كان بعث أرياط إلى اليمن، فغلب عليها فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة بن الصّباح بن يكسوم، فساخط أرياط في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين، فكان طائفة مع أرياط، وطائفة مع أبرهة، فتزاحفا فقتل أبرهة أرياط، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على اليمن، وأقره النّجاشي على عمله، ثم إن أبرهة رأى النّاس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله عزّ وجلّ، فبنى كنيسة بصنعاء، وكتب إلى النّجاشي إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب فسمع بذلك مالك بن كنانة فخرج لها ليلاً، فدخل وتغوط فيها ولطّخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ عليّ، فقيل صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلاً لم ير مثله عظماً، وجسماً، وقوة، فبعث به إليه، فخرج أبرهة في الحبشة سائراً إلى مكة، وخرج معهم الفيل، فسمعت العرب بذلك، فعظموه ورأوا جهاده حقاً عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتلوه فهزمه أبرهة، وأخذ ذا نفر فقال يا أيها الملك استبقني فإن بقائي خير لك من قتلي فاستحياه وأوثقه وكان أبرهة رجلاً حليماً، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم، وأخذ نفيلاً فقال نفيل أيها الملك إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطّاعة، فاستبقاه وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال: أيّها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مسعود على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع الأسود أموال أصحاب الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل بحناطة الحميري إلى أهل مكة، وقال له: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال له إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال، إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إنا سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت إبراهيم خليله عليه الصّلاة والسّلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة قال فانطلق معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض بنيه حتى قدم على العسكر، وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب، فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ قال فما غناء رجل أسير لا يأمن من أن يقتل بكرة أو عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير، ويعظم خطرك، ومنزلتك عنده قال فأرسل إلى أنيس، فأتاه فقال، له إن هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة يطعم النّاس في السّهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه عنده، فانفعه فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش، وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السّهل، والوحوش في رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له، فيكلمك فقد جاء غير ناصب، ولا مخالف عليك، فأذن له وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً، وسيماً فلما رآه أبرهة عظمه، وأكرمه، وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه، فأجلسه معه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك إلى الملك فقال الترجمان: ذلك له فقال له عبد المطلب حاجتي إلى الملك أن يرد عليّ مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك قال لم قال جئت إلى بيت هو دينك، ودين آبائك، وهو شرفكم، وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال ما كان ليمنعه مني قال فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه، فلما ردت الإبل على عبد المطلب خرج، فأخبر قريشاً الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشّعاب ويتحرزوا في رؤوس الجبال تخوفاً عليهم من معرة الحبش، ففعلوا وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ حلقة الباب وجعل يقول: شعر : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا امنعهم أن يخربوا قراكا تفسير : وقال أيضاً: شعر : لا هم إن العبد يمــ ــنع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصليــ ــب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلاً وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعــ ــبتنا فأمر ما بدا لك تفسير : ثم ترك عبد المطلب الحلقة، وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمس، وقد تهيأ للدخول، وهيأ جيشه، وهيأ فيله، وكان فيلاً لم ير مثله في العظم والقوة، ويقال كان معه اثنا عشر فيلاً، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم، ثم أخذ بإذنه، وقال له أبرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك ببلد الله الحرام، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه، ومرافقه، ففزعوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك فصرفوه إلى الحرم، فبرك وأبى أن يقوم، وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل الله عزّ وجلّ طيراً من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحمص، والعدس، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك، وليس كل قوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاؤوا منه ويتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض الجبال وفي ذلك يقول نفيل: شعر : فإنك ما رأيت ولن تراه لدى حين المحصب ما رأينا حمدت الله إذ أبصرت طيراً وحصب حجارة تلقى علينا وكلهم يسائل عن نفيل كأن عليَّ للحبشان دينا تفسير : وخرج القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق، ويهلكون في كل منهل، وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله كلما سقطت أنملة تبعتها مدة من قيح، ودم، فانتهى إلى صنعاء، وهو مثل فرخ الطّير، فيمن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، ثم هلك قال الواقدي: وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم، والفيل الآخر شجعوا، فحصبوا أي رموا بالحصباء، وقال بعضهم أنفلت أبو يكسوم وزير أبرهة، وتبعه طير، فحلّق فوق رأسه حتى بلغ النّجاشي فقص عليه القصة، فلما أنهاها وقع عليه حجر من ذلك الطير، فخر ميتاً بين يدي النجاشي قال أمية بن أبي الصلت: شعر : إن آيات ربنا ساطعات ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يعوي كأنه معقور تفسير : وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة يستطعمان الناس، وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل، أن فئة من قريش أججوا ناراً حين خرجوا تجاراً إلى أرض النّجاشي، فدنوا من ساحل البحر، وثم بيعة للنَّصارى تسميها قريش الهيكل، فنزلوا فأججوا النّار واشتووا، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فهاجت الريح، فاضطرم الهيكل ناراً فانطلق الصّريخ إلى النّجاشي فأسف غضباً للبيعة، فبعث أبرهة لهدم الكعبة، وكان في مكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة، وكان رجلاً نبيهاً نبيلاً تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلاً لعبد المطلب فقال له عبد المطلب: ماذا عندك فهذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك؟ فقال أبو مسعود اصعد بنا إلى حراء، فصعد الجبل فقال أبو مسعود لعبد المطلب اعمد إليّ مائة من الإبل، فاجعلها لله وقلدها نعلاً، واجعلها لله ثم أبثثها في الحرم، فلعل بعض السودان يعقر منها شيئاً، فيغضب رب هذا البيت، فيأخذهم ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل، فحملوا عليها، وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو فقال أبو مسعود إن لهذا البيت رباً يمنعه فقد نزل تبع ملك اليمن صحن هذا البيت، وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزوراً، فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيراً بيضاء نشأت من شاطئ البحر فقال ارمقها ببصرك أين قرارها قال أراها قد دارت على رؤوسنا، قال: هل تعرفها؟ قال والله ما أعرفها ما هي بنجدية، ولا بتهامية، ولا عربية، ولا شامية، قال: ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب في مناقيرها حصى، كأنها حصى الخذف قد أقبلت كالليل يتبع بعضها بعضاً أمام كل رفقة طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم، فلما توافت الرجال كلهم أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب على كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها رجعت من حيث جاءت فلما أصبحا انحطا من ذورة الجبل، فمشيا حتى صعدا ربوة، فلم يؤنسا أحداً ثم دنوا فلم يسمعا حساً فقال بات القوم سامرين، فأصبحوا نياماً فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى تقع في دماغه، وتخرق الفيل والدّابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطلب، فأخذ فأساً من فؤوسهم، فحفر حتى أعمق في الأرض، فملأه من الذهب الأحمر، والجواهر، وحفر لصاحبه مثله فملاه ثم قال لأبي مسعود اختر إن شئت حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معاً فقال أبو مسعود فاختر لي على نفسك، فقال عبد المطلب إني أرى أجود المتاع في حفرتي فهي لك وجلس كل واحد منهما على حفرته ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا، وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به، وساد عبد المطلب بذلك قريشاً، وأعطته القادة فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال، ودفع الله عزّ وجلّ عن كعبته، واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقيل كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وقيل بثلاث وعشرين سنة، والأصح الذي عليه الأكثرون من علماء السير، والتواريخ، وأهل التفسير أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يقولون ولد عام الفيل، وجعلوه تاريخاً لمولده صلى الله عليه وسلم وأما التّفسير فقوله عزّ وجلّ {ألم تر} أي ألم تعلم، وذلك لأن هذه الواقعة ك انت قبل مبعثه بزمان طويل إلا أن العلم بها كان حاصلاً عنده لأن الخبر بها كان مستفيضاً معروفاً بمكة وإذا كان كذلك فكأنه صلى الله عليه وسلم علمه وشاهده يقيناً، فلهذا قال تعالى {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، قيل كان معهم فيل واحد، وقيل كانوا فيلة ثمانية، وقيل اثني عشر وإنما وحده لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي كان يقال له محمود، وقيل وإنما وحده لو فاق الآي، وفي قصة أصحاب الفيل دلالة عظيمة على قدرة الله تعالى وعلمه، وحكمته إذ يستحيل في العقل أن طيراً تأتي من قبل البحر تحمل حجارة ترمي بها ناساً مخصوصين، وفيها دلالة عظيمة على شرف محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزة ظاهرة له وذلك أن الله تعالى إنما فعل ذلك لنصر من ارتضاه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الدّاعي إلى توحيده، وإهلاك من سخط عليه، وليس ذلك لنصرة قريش، فإنهم كانوا كفاراً لا كتاب لهم، والحبشة لهم كتاب فلا يخفى على عاقل، أن المراد بذلك نصر محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال أنا الذي فعلت ما فعلت بأصحاب الفيل تعظيماً لك، وتشريفاً لقدومك، وإذ قد نصرتك قبل قدومك فكيف أتركك قبل ظهورك.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف {الفيل} ه ط {تضليل} ه لا {أبابيل} ه لا {سجيل} ه لا {مأكول} ه. التفسير: روي أن أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بني كنيسة بصنعاء وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من كنانة فتغوط فيها ليلاً فأغضبه ذلك. وقيل: أججت رفقة من العرب ناراً فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قوياً عظيماً. وقيل: كان معه اثنا عشر فيلاً غيره. وقيل: ألف فيل، فلما بلغ قريباً من مكة خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبى جيشه وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله تعالى عليهم طيراً سوداً أو خضراً أو بيضاً أو بلقاً كالخطاطيف على اختلاف الأقاويل مع كل طير حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. قال ابن عباس: إني رأيت منها عند أم هانىء نحو قفيز مخططة محمرة كالجزع الظفاري، وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومرض أبرهة فتساقطت أناملة وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتاً بين يديه. وعن عائشة رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان. قال أهل التاريخ: كان أبرهة جد النجاشي الذي عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيف وأربعون سنة، وكان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة وقد بلغت حد التواتر حينئذ فما ذاك إلا إرهاص للرسول صلى الله عليه وسلم. وزعمت المعتزلة أنها كانت معجزة لنبي قبله كخالد بن سنان أو قس ابن ساعدة. ويروى أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه يطلبها وقل لأبرهة: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال. وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً فعظم في عين أبرهة، فلما ذكر حاجته قال: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم من قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذ لك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: شعر : لا هم أن المرء يمـ ـنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً ومحالك تفسير : الحلال جمع حل وهو الموضع الذي يحل فيه الناس والمحال المماكرة كقوله {أية : وهو شديد المحال}تفسير : [الرعد: 13] ثم قال: شعر : إن كنت تاركهم وكعـ ـبتنا فأمر ما بدا لك تفسير : وقال أيضاً: شعر : يا رب فامنع منهم حماكا يا رب لا أرجو لهم سواكا تفسير : فالتفت فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، فأهلكتهم كما ذكرنا. ثم إن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب منها ما صار سبب يساره. وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير فقال: حمام مكة منها. وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى. وعن عكرمة: من أصابته أصابه جدري وهو أول جدري ظهر في الأرض. ولنرجع إلى تفسير الألفاظ. وإنما لم يقل " ألم تعلم " إما لأن الخطاب لكل راء، أو لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم علماً كالمشاهد المرئي لتواتره ولقرب عهده به. قال النحويون: قوله {كيف} مفعول فعل لأن الاستفهام يقتضي صدر الكلام فيقدم على فعله بالضرورة. ثم إن قوله {ألم تر} وقع على مجموع تلك الجملة. وقال في الكشاف {كيف} في موضع نصب بـ {فعل ربك} لا {بألم تر} لما في {كيف} من معنى الاستفهام. قلت: أما قول صاحب الكشاف في غاية الإجمال لأن المنصوبات بالفعل أنواع شتى. وأما قول غيره فقريب من الإجمال لأن المفاعيل خمسة، والقول المبين فيه أنه مفعول مطلق والمعنى فعل أي فعل يعني فعلاً ذا عبرة لأولي الأبصار. وتقدير الكلام: ألم تر ربك أو إلى ربك كيف فعل بأصحاب الفيل فعلاً كاملاً في باب الاعتبار لأنه خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كان عليه، واستجاب دعاء أهل الشرك تعظيماً لبيته، وإن أريد بالفعل المفعول لم يبعد أن يكون مفعولاً به كقولك " يفعل ما يشاء ". وفي قوله {ربك} إشارة إلى أني ربيتك وحفظت البيت لشرف قومك وهم كفرة فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك وإسلام أكثر قومك؟ وفي القصة إشارة إلى أني حفظت البيت وهو موضع العلم للعالم أفلا أحفظ العالم وهو من المسجد كالدر من الصدف؟ فمن أراد تخريب البيت وهدمه وكسره دمرته فالذي همزه ولمزه في العالم وهو المقصود من البيت أفلا أدمره؟ وههنا تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة المتقدمة وهذه القصة تجري مجرى مثال آخر لخسران الإنسان. قال بعضهم: إنما قال {أصحاب الفيل} ولم يقل أرباب الفيل أو ملاك الفيل لأن الصاحب يكون من جنس القوم فكأنه أشار إلى أنهم من جنس البهائم بل هم أضل لأن الفيل كان لا يقصد البيت ويقول بلسان الحال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأنهم لم يفهموا رمزه سؤال، أليس أن كفار مكة ملؤا البيت من الأوثان؟ ألم يكن أفحش من تخريب الجدران؟ ثم إنه تعالى لم يسلط عليهم الطير؟ الجواب قال بعضهم: وضع الأوثان في البيت إضاعة حق الله وتخريب الجدران تعدٍ على الخلق وإنه تعالى يقدم حق العباد على حق نفسه ولهذا أمر بقتل قاطع الطريق والقاتل وإن كانا مسلمين، ولا يأمر بقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة وإن كانوا كفاراً لأنهم لا يتعدى ضررهم إلى الخلق. وأقول: لا نسلم أنه تعالى لم يسلط على كفار مكة عذابه لأنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم، ثم فصل الفعل المذكور المتعجب منه بقوله {ألم يجعل كيدهم في تضليل} أي في تضييع وإبطال يقال: ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً ومنه قولهم لا مرىء القيس" الملك الضليل " لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه. كادوا البيت أولاً ببناء الكنيسة وصرف وجوه الحاج إليها فضلل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيه. وكادوه ثانياً بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم. ومعنى أبابيل طرائق أي جماعات متفرقة الواحدة إبالة وفي أمثالهم " ضغث على إبالة " شبهت الطير في اجتماعها بالإبالة وهي الحزمة الكبيرة، قال أبوعبيدة: وقيل أبابيل مثل عباديد لا واحد لها، والعباديد الفرق الذاهبون في كل وجه قاله الأخفش والفراء. وقال الكسائي: سمعت بعضهم يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل. والتنكير في {طيراً} إما للتفخيم لأنها كانت طيراً أعاجيب أو للتحقير لأنها كانت صغار الجثة وهذا أدل على كمال القدرة. وذكروا في وصفها عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنها كانت لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كاكف الكلاب. وفي {سجيل} أقوال أحدها: أن اللام مبدلة من النون وأصله سجين وقد مر أنه علم لديوان الشر كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون. وجوز في الكشاف أن يكون اشتقاقه من الإسجال والإرسال لأن العذاب موصوف بذلك. وعن ابن عباس أنه معرب سنك كل وقيل: هو طين مطبوخ والعصف ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد تفتته الرياح وتأكله المواشي. وقال أبو مسلم: هو التبن كقوله {أية : والحب ذو العصف والريحان}تفسير : [الرحمن: 12] وقال الفراء: هو أطراف الزرع. وقيل: هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره، والمأكول الذي وقع فيه الأكال أي الدود ونحوه أي الذي أكلته الدواب وراثته إلا أنه جاء على آداب القرآن كقوله {أية : كانا يأكلان الطعام} تفسير : [المائدة: 75] قاله مقاتل وقتادة وعطاء عن ابن عباس. وقيل: مأكول حبه كما مر. وتشبيههم بورق الزرع المذكور إشارة إلى تدميرهم وتصييرهم أيادي سبا. قالوا: إن الحجاج خرب البيت ولم يحدث شيء من ذلك. وأجيب بأن قصده لم يكن تخريب الكعبة وإنما كان شيئاً آخر. وأيضاً كان إرسال الطير عليهم، إرهاصاً للنبي صلى الله عليه آله وبعد تقرير نبوته لم يكن افتقار إلى الإرهاص والله تعالى عالم بحقائق أحكامه وبه التوفيق وعليه التكلان.

الثعالبي

تفسير : هذه السورةُ تنبيهٌ على العِبرَةِ في أخذِ اللَّهِ تعالى لأَبْرَهَةَ أميرِ الحَبَشَةِ، حينَ قَصَدَ الكعبةَ ليهدمَها، وكانَ صاحبَ فيلٍ يَرْكَبُه، وقصتُه شهيرةٌ في السِّيرَ فِيها تطويلٌ، واختصارها أن أبرهَة بَنَى في اليمنِ بَيْتاً وأرادَ أن يَرِدَ إليه حجُّ العَرَبِ، فذهبَ أعرابي وأحْدَثَ في ذلك البيتِ، فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ واحْتَفَلَ في جُمُوعِه، ورَكِبَ الفيلَ وقَصَدَ مكةَ، فَلمَّا قَرُبَ منها، فَرَّتْ قريشٌ إلى الجبالِ والشِّعَابِ من مَعَرَّةِ الجيْشِ، ثم تَهَيَّأ أبرهةُ لدخولِ مكةَ وَهَيَّأَ الفيلَ، فأخَذَ نُفَيْلُ بنُ حَبِيبٍ بِأُذُنِ الفيلِ وكان اسمه محموداً، فقال له: ابْرُكْ، محمودُ؛ فَإنَّكَ في حَرَمِ اللَّه، وارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جئتَ رَاشِداً، فَبَرَكَ الفِيلُ بِذِي الغَمِيسِ، فَبَعَثُوهُ فَأَبَى فَضَرَبُوا رأسه بالمِعْوَلِ، ورَامَوْهُ بِمَحَاجِنِهِمْ فَأَبَى، فَوَجَّهُوه رَاجِعاً إلى اليمنِ، فَقَام يُهَرْوِلُ، فبعثَ اللَّه عليهم طَيْراً جماعاتٍ جماعاتٍ سُوداً مِنَ البَحْرِ، عِنْدَ كُلِّ طَائرٍ ثَلاَثَةُ أحْجَارٍ؛ في منقارِه، ورِجْلَيْهِ، كلُّ حَجَرٍ فَوْقَ العَدَسَةِ ودون الْحمَّصَةِ، ترميهم بهَا، فَمَاتوا في طريقِهم متفرقينَ وتَقَطَّع أبْرَهَةُ أُنْمَلَةً أُنْمَلَةً حتى مات، وحَمَى اللَّهُ بيتَه، والأبابيلُ: الجماعاتُ تَجِيءُ شيئاً بَعْدَ شيءٍ، قال أبو عبيدةَ: لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لفظهِ، قال الفخر: و{فِى تَضْلِيلٍ} مَعْنَاهُ: في تَضْيِيعٍ وإبْطَالٍ، يقال: ضَلَّلَ كيدَه، إذا جعَلَه ضَالاًّ ضَائِعاً، ونظيرُه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ } تفسير : [غافر:25] انتهى، والعَصْفُ: وَرَقُ الحِنْطَةِ وتِبْنُه، والمعنى صَارُوا طَحِيناً ذَاهِباً كَوَرَقِ حِنْطَةٍ أَكَلَتْهُ الدَّوابُّ، ورَاثَتْهُ، فَجَمَعَ لَهُمْ المهَانَةَ والخِسَّةَ والتَّلَفَ، قال الفخر: وقيل المعنى: كَعَصْفٍ صَالحٍ لِلأَكْلِ، والمعنى جَعَلَهُمْ كَتِبْنٍ تأكُلُه الدَّوَابُّ؛ وهو قولُ عكرمةَ والضحاك، انتهى، ومن كتابِ «وسائل الحاجات وآداب المناجات» للإمام أبي حامد الغزالي ـــ رحمه اللَّه تعالى ـــ قَال: وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصالحينَ وأربابِ القلُوب أنه من قَرأَ في رَكْعَتي الفَجْر؛ في الأُولَى الفاتحةَ و«ألَمْ نَشْرَحْ»، وفي الثانيةِ الفاتحةَ و«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ» قَصُرَتْ يَدُ كُلِّ عَدُوِّ عنه، ولم يُجْعَلْ لهم إليه سبيلٌ، قال الإمام أبو حامد: وهذا صحيح لاَ شَكَّ فِيه، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}، هذه قراءة الجمهور، أعني: فتح الراء وحذف الألف للجزم. وقرأ السلمي: "تَرْ" بسكون الراء، كأنه لم يعتمد بحذف الألف. وقرأ أيضاً: "ترأ" بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و "كَيْفَ" معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها، لان "ألَمْ تَر كَيفَ" من معنى الاستفهام. فصل في معنى الآية المعنى: الم تخبر. وقيل: ألم تعلم. وقال ابن عباس: ألم تسمع؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه عام، أي: ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل؟ أي: قد رايتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون؟. فصل في لفظ "الفيل" الفيل معروف، والجمع: أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ولا يقال: "أفيلة" والأنثى فيلة، وصاحبه: فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل "فيل": "فُعْلاً" فكسر من أجل الياء، كما قالوا: أبيض وبيض. وقال الأخفش: هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي: ضعيف الرأي والجمع: أفيال، ورجل فالٌ: أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً: أي: ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي. فصل في نزول السورة روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك "اليمن" - بنى كنيسة بـ "صنعاء" لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك. وقيل: أجج ناراً فحملتها ريح فاحرقتها، فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من "مكة" خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال "تهامة"، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى "اليمن"، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً وقيل له: هذا أسد قريش، وصاحب عير "مكة"، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب: [مجزوء الكامل] شعر : 5307- لاهُـمَّ إنَّ العَبْـدَ يَمْــ ــنَـعُ رَحْلـهُ فامْنَـعْ حَلالَـكْ لا يَغلِــبَـــنَّ صَـلـيبـهُــــــمْ ومُحَـالهُــــمْ عَــدْواً مُحالَــكْ إن يَدخُلُــوا البَلــدَ الحَــرَا مَ فأمْــرٌ مــا بَــدَا لَـــــــــــكْ تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 5308- يَـا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا يَـا ربِّ فامْنَـعْ مِنهُمُ حِمَاكَـا إنَّ عَــدُوَّ البَيْــتِ مِــنْ عَاداكَــا إنَّهُـمُ لــنْ يَقْهَــرُوا قُــواكَــا تفسير : فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية "اليمن"، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بجندية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. قال الراوي: فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل "مكة"، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار فكان الحجر يقع] على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل. روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري. قال الراوي: وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا. وروي ان أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا "صنعاء" وهو مثل فرخ الطائر. وقيل: قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة فلما تممها وقع علي الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه. فصل في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم حكى الماوردي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ ". تفسير : وقال في كتاب "أعلام النبوةِ": ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان. قال: وحكى أبو جعفر الطبري: أن مولده صلى الله عليه وسلم كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان. وقيل: إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملاً ويومين من التاسع. وقال ابن العربي: قال ابن وهب عن مالكٍ: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل [قال] قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسنّ منه، ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس. فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم قال بعض العلماء: كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت قبله، وقبل التحدي، لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال: "ألَمْ تَرَ" ولم يكن بـ "مكة" أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [يتكففان] الناس. قالت عائشة - رضي الله عنها - مع حداثة سنّها: "لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ لفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ". قوله: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}، أي: في إبطال، وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشاً بالقتل، والسبي، والبيت بالتخريب، والهَدْم. قالت المعتزلة: إضافة الكيد إليهم دليل على أنه - تعالى - لا يرضى بالقبيح، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته. قوله: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ}. قال النحاة: "أبابيل" نعت لـ "طير" لأنه اسم جمع. وأبابيل: قيل: لا واحد له، كأساطير وعناديد. وقيل: واحده: "إبَّول" كـ "عِجَّول". وقيل: "إبَّال"، وقيل: "إبِّيل" مثل سكين. وحكى الرقاشيّ: "أبابيل" جمع "إبَّالة" بالتشديد. وحكى الفرَّاء: "إبالة" مخففة. فصل في لفظ "أبابيل" الأبابيل: الجماعات شيئاً بعد شيء؛ قال: [الطويل] شعر : 5309- طَريــقٌ وجـبَّــارٌ رِوَاءٌ أصُولــهُ عَليْـهِ أبَابيلٌ مـن الطَّيْــرِ تَنعَــبُ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 5310- كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحِلَتِي إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ تفسير : قال أبو عبيدة: أبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الطير أبابيل من هاهنا، وهاهنا. قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السَّماء لم ير مثلها. حديث : وروى الضحاك عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّهَا طَيْرٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ تُعَشِّشُ وتُفرِّخُ ". تفسير : وعن ابن عباس - رضي الله عنه - كان لها خراطيم كخراطيم الفيلة، وأكفّ كأكفّ الكلاب. وقال عكرمة: كانت طيراً خضراً خرجت من البحر، لها رُءُوس كرءوس السِّباع، ولم تر قبل ذلك، ولا بعده. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: هي أشبه شيء بالخطاطيف. [وقيل: إنها أشبه بالوطاويط]. وقيل: إنها العنقاء التي يضرب بها الأمثال. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة المعنى، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي: يعظم عليه ويكثر، وهو مشتقّ من الإبل. قال ابن الخطيب: هذه الآية ردّ على الملحدين جدًّا، لأنهم ذكروا في الزَّلازل، والرياح والصواعق، والخسف، وسائر الأشياء التي عذب الله - تعالى - بها الأمم أعذاراً ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطَّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قوماً دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفاً وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفاً لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطَّعن فيها. قوله: {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ}، "بِحجَارَةِ" صفة لـ "طير"، وقرأ العامة: "تَرْميهِمْ" بالتأنيث. وأبو حنيفة، وابن يعمر، وعيسى، وطلحة: بالياء من أسفل، وهما واضحتان، لأن اسم الجمع يذكر ويؤنث. ومن الثانية قوله: [البسيط] شعر : 5311-.................................. كالطَّيْـرِ يَنْجُـو مِـنَ الشُّؤبُـوبِ ذي البَـردِ تفسير : وقيل: الضمير لربِّك، أي: يرميهم ربك بحجارة، و "مِنْ سِجِّيل" صفة لـ "حِجَارة" والسجيل، قال الجوهري: قالوا حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، لقوله تعالى: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} تفسير : [الذاريات: 33]. وقال عبد الرحمن بن أبزى: "مِنْ سجِّيْلٍ" من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل: من الجحيم، وهي "سِجِّين" ثم أبدلت اللام نُوناً، كما قالوا في أصيلان: أصيلال، قال ابن مقبلٍ: [البسيط] شعر : 5312-.................................. ضَــرْبــاً تَواصَــتْ بِــهِ الأبطـالُ سِجِّنَـــا تفسير : إنما هو "سجيلاً". وقال الزجاج: "مِنْ سجِّيل"، أي: مما كتب عليهم أن يعذبوا به، مشتق من السجل وقد تقدم القول في السجيل في سورة "هود". قال عكرمة: [كانت ترميهم بحجارة معها]، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري. قال يونس وأبو عبيدة: والسجيل عند العرب: الشديد الصلب. قال بعض المفسرين: إنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنهما: سجّ وجيل: فالسجُّ: الحجر، والجيل: الطِّين، أي من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال أبو إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه قال: أول ما دامت الحصبة بأرض العرب ذلك وإنه أول ما رأى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشار ذلك العام. قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}. "كَعصْفٍ" هو المفعول الثاني للجعل، بمعنى التصيير، وفيه مبالغة حسنة، وهو أنه لم يكفهم أم جعلهم أهون شيء من الزَّرع، وهو ما لا يجدي طائلاً، حتى جعلهم رجيعاً. والمعنى: جعل الله تعالى أصحاب الفيل كورق الزروع إذا أكله الدواب، فرمت به من أسفل قاله ابن زيد وغيره، والعصف جمع واحده عصفة وعصافة، وأدخل الكاف في "كعصف" للتشبيه مع مثل قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11] ومعنى مأكول أن المراد به قشر البُرّ يعني الغلاف الذي يكون كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة شبَّه تقطُّع أوصالهم بتفرُّق أجزائه، روي معناه عن ابن زيد، وغيره. قال ابن إسحاق: لما رج الله الحبشة عن "مكة"، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم مئونة عدوهم، فكان ذلك نعمةً من الله عليهم. روى الثَّعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة {ٱلْفِيلِ} عَافاهُ اللهُ تعَالى حياته مِنَ المسْخِ، والعَدُوِّ"تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما أعقبت الوبال، دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب الأكبر الأخفى، محذراً من الوجاهة في الدنيا وعلو الرتبة، مشيراً إلى أنها كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى، ومع كونه شهودياً فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة، فقال مقرراً منكراً على من يخطر له خلاف ذلك: {ألم تر} أي تعلم علماً هو في تحققه كالحاضر المحسوس بالبصر، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يشهد تلك الوقعة فإنه شاهد آثارها، وسمع بالتواتر مع إعلام الله له أخبارها، وخصه صلى الله عليه وسلم إعلاماً بأن ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن وفقه الله الحسن اتباعه، لما للإنسان من علائق النقصان، وعلائق الحظوظ والنسيان، وقرىء "تر" باسكان الراء، قالوا جداً في إظهار أثر الجازم، وكان السر في هذه القراءة الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر، من لم يعتن به ويسارع إلى تعمده لا يدركه حق إدراكه. ولما كان للناظر في الكيفية من التدقيق والوقوف على التحقيق في وجوه الدلالات على كمال علم الله وقدرته وإعزاز نبيه بالإرهاص لنبوته والتمكين لرسالته لتعظيم بلده وتشريف قومه ما ليس للناظر إلى مطلق الفعل قال: {كيف} دون أن يقول: ما {فعل} أي فعل من له أتم داعية إلى ذلك الفعل، وفعل الرؤية معلق عن "كيف" لما فيه من معنى الاستفهام فلا يتقدم عامله عليه، بل ناصبه فعل، وجملة الاستفهام في موضع نصب بالفعل المعلق {ربك *} أي المحسن إليك ومن إحسانه إحسانه إلى قومك بك وبهذه الواقعة الخارقة للعادة إرهاصاً لنبوتك كما - هو معلوم من أخبار الأنبياء المتقدمين فيما يقع بين أيدي نبواتهم من مثل ذلك ليكون مؤيداً لادعائهم النبوة بعد ذلك، وفي تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالخطاب والتعبير بالرب مع التشريف له والإشارة بذكره التعريض بحقارة الأصنام التي سموها أرباباً لهم، يعلم ذلك منهم علم اليقين من آمن، ومن استمر على كفره فسيعلم ذلك حق اليقين عندما يسلط الله عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم بالبلد الحرام، ويحلها له على أعلى حال ومرام {بأصحاب الفيل *} أي الذين قصدوا انتهاك حرمات الله سبحانه وتعالى فيخربوا بيته ويمزقوا جيرانه بما أوصلهم إلى البطر من الأموال والقوة التي منّ عليهم سبحانه وتعالى بها، فحسبوا أنها تخلدهم فبان أنها توردهم المهالك ضد ما حسبوه، وهم الحبشة الذين كانوا غلبوا على بلاد اليمن، بنى أميرهم وهو أبو يكسوم أبرهة بن الصباح الأشرم بيعة بصنعاء وسماها القليس وزن قبيط، وأراد أن يصرف إليها - فيما زعم - حج العرب، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً - يعني تغوط ولطخها به، فأغضب ذلك الأشرم فسأل فقيل له: نرى الفاعل من أهل البيت الذي بمكة - فحلف: ليهدمنَّ الكعبة، ومن عجائب صنع الله أنه ألهمه سبحانه وتعالى تسميتها هذا الاسم الذي هو مشتق من القلس الذي أحد معانيه أنه ماء خرج من الحلق ملء الفم، فهو مبدأ القيء الذي هو أخو الغائط الذي آل أمرها إليه، فكان سبب هلاكها بهلاك بانيها، وذلك أنه غضب من ذلك فخرج بجيشه لهدم بيت الله الكعبة ومعه أفيال كثيرة منها فيل عظيم اسمه محمود، فقاتله بعض العرب فهزمهم وقتل منهم، فلما دوّخهم دانوا له، فلما وصل إلى المغمس خرج إليه عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، وقيل: بل كانت طلائعه أخذت له مائتي بعير فطلبها منه فقال: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، فزهدت فيك حين تكلمني في مائتي بعير، وتترك كلامي في بيت هو دينكم وفي عزكم؟ فقال: أنت وذاك، فرد عليه إبله فساقها ومضى، وأمر قريشاً أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في الجبال، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: شعر : يا رب لا أرجو لهم سواكا فامنعهم أن يقربوا قراكا تفسير : - وقال: شعر : لا هم إن المرء يمـ ــنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك جروا جميع تلادهم في الفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلاً وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعـ ـبتنا فأمر ما بدا لك تفسير : ثم ترك الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى الحرم وعبأ جيشه وقدم الفيل فبرك فعالجوه فلم تفد فيه حيلة، فوجهوه إلى غير الحرم فقام يهرول فوجهوه إلى الحرم فبرك، وكان هذا دأبه في ذلك اليوم فبينما هم كذلك إذا أرسل الله تعالى عليهم طيراً أبابيل، كل طائر منها في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، الحجر منها أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فرمتهم بها، فكان الحجر منها يقع في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعاً، وأهل مكة ومن حضر من العرب في رؤوس الجبال - ينظرون إلى صنع الله تعالى بهم وإحسانه إليهم - أي أهل مكة - وكان ذلك إرهاصاً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كان عام مولده، وقال حمزة الكرماني: وفي رواية: يوم مولده، وكأنه كان سبباً لضعفهم حتى ذهب سيف بن ذي يزن إلى كسرى وأتى منه بجيش فاستأصل بقيتهم - كما هو مشهور في السير، ومأثور في الخبر، ووفدت قريش لتهنئته بالنصرة عليهم، وكان رئيسهم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وبشره سيف بأنه يولد له ولد اسمه محمد فأعلمه بأن ولد وأن أباه توفي، فأخبره سيف بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان، وأن يثرب مهاجره، وأنه لو علم أنه يعيش إلى زمن بعثته لأتى يثرب وجعلها قراره حتى ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بها - ويظهر نبوته. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة الهمزة ذكر اغترار من فتن بماله حتى ظن أنه يخلده وما أعقبه ذلك، أتبع هذا أصحاب الفيل الذين غرهم تكاثرهم، وخدعهم امتدادهم في البلاد واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت المكرم، فتعجلوا النقمة، وجعل الله كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، أي جماعات متفرقة، ترميهم بحجارة من سجيل حتى استأصلتهم وقطعت دابرهم فجعلهم كعصف مأكول، وأثمر لهم ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر المتقدم - انتهى. ولما قرره بالكيفية تنبيهاً على ما فيها من وجوه الدلالة على مقدمات الرسالة، أشار إلى تلك الوجوه مقدماً عليها تقريراً آخر جامعاً لقصتهم ومعلماً بغصتهم فقال: {ألم يجعل} أي بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش {كيدهم} أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى كنيستهم على زعمهم وقد كان كيدهم عظيماً غلبوا به من ناوأهم من العرب {في تضليل *} أي مظروفاً لتضييع عما قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولاً ومن هدمها ثانياً وإبطال وبعد عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفاً لذلك معموراً به لا مخلص له منه، وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات الله كبيت من بيوته أو ولي من أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان مقصراً نوع تقصير وقع في مكره، وعاد عليه وبال شره"حديث : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"تفسير : وإلى أن من جاهر بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر، وإلى أن الله تعالى يأتي من يريد عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن مكره ولو كان الخصم أقل عباده، لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلاً ولا خطر لأحد سواهم أن طيوراً تقتل جيشاً دوّخ الأبطال ودانت له غلب الرجال، يقوده ملك جبار كتيبته في السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب. ولما كان التقدير: فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام فضلاً عن الوصول إلى بلده الرسول صلى الله عليه وسلم، عطف عليه أو على "يجعل" معبراً بالماضي لأنه بمعناه وهو أصرح والتعبير به أقعد قوله؛ {وأرسل} وبين أنه إرسال عذاب بقوله: {عليهم} أي خاصة من بين من كان هناك من كفار العرب، وأشار إلى تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء عظيم لكونهم عظموا أنفسهم وتجبروا على خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال تعالى معلماً بأنه سلط عليهم ما لا يقتل مثله في العادة: {طيراً} وهو اسم جمع يذكر على اللفظ، ويؤنث على المعنى، وقد يقع على الواحد، ولذلك قال مبيناً الكثرة {أبابيل *} أي جماعات كثيرة جداً متفرقة يتبع بعضها بعضاً من نواحي شتى فوجاً فوجاً وزمرة زمرة، أمام كل فرقة منها طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق،قال أبو عبيدة: يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا، وهو جمع إبالة بالكسر والتشديد وهي الحزمة الكبيرة - شبهت بها الجماعة من الطير في تضامّها، وفي أمثالهم: ضغث على إبالة، أي بلية على أخرى. ولما تشوف السامع إلى فعل الطير بهم، قال مستأنفاً: {ترميهم} أي الطير {بحجارة} أي عظيمة في الكثرة والفعل، صغيرة في المقدار والحجم، كان كل واحد - منها في نحو مقدار العدسة، في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل واحد. ولما كان الشيء إذا كان مصنوعاً للعذاب كان أشد فعلاً فيه قال: {من سجيل *} أي طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو كما بين في سورة هود عليه الصلاة والسلام، قال حمزة الكرماني: قال أبو صالح: رأيت تلك الحجارة مخططة بالحمرة. ولما تسبب عن هذا المرمى هلاكهم، وكان ذلك بفعل الله سبحانه وتعالى القادر على ما أراد لأنه الذي خلق الأثر قطعاً لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك، قال: {فجعلهم} أي ربك المحسن إليك بإحسانه إلى قومك لأجلك بذلك {كعصف مأكول *} أي ورق زرع وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود ويجوفه لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيخرق بما له من الحرارة وشدة الوقع كل ما مر به حتى يخرج من الدبر ويصير موضع تجويفه أسود لما له من النارية، أو أكل حبة فبقي صفراً منه أو كتبن أكلته الدواب وراثته، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن كقوله تعالى:{أية : كانا يأكلان الطعام}تفسير : [المائدة: 75] وهذا الإهلاك في إعجابه هو من معاني الاستفهام التقريري في أولها، فقد تعانق طرفاها، والتف أخراها بأولاها - والله أعلم بمراده.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أنزل ‏ {‏ألم تر كيف فعل ربك‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال‏:‏ كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن، وإن ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميريّ خرج حاجاً، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران فغدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحليّ وأخذوا متاع أكسوم، فانصرف إلى جده مغضباً، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له شهر بن معقود على عشرين ألفاً من خولان والاشعريين فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم فتنحت خثعم عن طريقهم، فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف فقالوا‏:‏ ما حاجتك إلى طائفنا، وإنما هي قرية صغيرة، ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد وحرز من لجأ إليه من ملكه تم له ملك العرب، فعليك به ودعنا منك فأتاه حتى إذا بلغ المغمس وجد إبلاً لعبد المطلب مائة ناقة مقلدة فاتهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه، وكان جميلاً، وكان له صديقاً من أهل اليمن يقال له ذو عمرو فسأله أن يرد عليه إبله، فقال‏:‏ إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك فقال عبد المطلب افعل‏.‏ فأدخله عليه فقال له‏:‏ إن لي إليك حاجة‏.‏ قال‏:‏ قضيت كل حاجة تطلبها‏.‏ قال‏:‏ أنا في بلد حرام وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مقلدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتهامة عليها عير أهلها وتخرج إلى تجارتنا وتتحمل من عدوّنا عدا عليها جيشك فأخذوها، وليس مثلك يظلم من جاوره‏.‏ فالتفت إلى ذي عمرو ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجباً فقال‏:‏ لو سألني كل شيء أحوزه أعطيته إياه أما ابلك فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلمني في بنيتكم هذه وبلدكم هذه فقال له عبد المطلب‏:‏ أما بنيتنا هذه وبلدنا هذه فإن لهما رباً إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني إنما أكلمك في مالي فأمر عند ذلك بالرحيل وقال‏:‏ لتهدمن الكعبة ولتنهبن مكة فانصرف عبد المطلب وهو يقول‏:‏ شعر : لا همّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك فإذا فعلت فربما تحمى فأمر ما بدا لك فإذا فعلت فإنه أمر تتم به فعالك وغدوا غداً بجموعهم والفيل كي يسبوا عيالك فإذا تركتهم وكعبتا فوا حرباً هنالك تفسير : فلما توجه شهر وأصحاب الفيل وقد أجمعوا ما أجمعوا طفق كلما وجهوه أناخ وبرك فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل وخرجت عليهم طير من البحر لهم خراطيم كأنها البلس شبيهة بالوطواط حمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه، فلما أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحداً غشيهم فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا فإذا هم مشدخين جميعاً، فرجع يرفع رأسه كاشفاً عن فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال‏:‏ إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيراً أو نذيراً، فلما دنا من ناديهم قالوا‏؟‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ هلكوا جميعا‏ً.‏ فخرج عبد المطلب وأصحابه، فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب شعراً في المعنى‏:‏ شعر : أنت منعت الجيش والأفيالا وقد رعوا بمكة الأفيالا وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر منهم معضالا شكراً وحمداً لك ذا الجلالا تفسير : فانصرف شهر هارباً وحده، فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى، ثم نزل منزلاً آخر فسقطت رجله اليمنى، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر ثم فاضت نفسه وهم ينظرون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معافي الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال‏:‏ إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحد‏.‏ قالوا‏:‏ لا نرجع حتى نهدمه وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليهم الطين، فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منه أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه‏. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب فقال لملكهم‏:‏ ما جاء بك إلينا‏؟‏ ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن فجئت أخيف أهله فقال‏:‏ إنا نأتيك بكل شيء تريد فارجع، فأبى أن يرجع إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال‏:‏ لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله‏.‏ ثم قال‏:‏ اللهم إن لكل إله حلالاً فامنع حلالك، لا يغلبن محالهم أبداً محالك. اللهم فإن فعلت فأمر ما بدا لك. فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طيراً أبابيل التي قال الله ترميهم بحجارة من سجيل فجعل الفيل يعج عجاً فجعلهم كعصف مأكول‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} ‏ قال‏:‏ أقبل أبرهة الأشرم بالحبشة ومن تبعه من غواة أهل اليمن إلى بيت الله ليهدموه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم حتى إذا كانوا بالصفاح فكانوا إذا وجهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه إلى الأرض، فإذا وجهوه قبل بلادهم انطلق وله هرولة، حتى إذا كانوا ببجلة اليمانية بعث الله عليهم طيراً أبابيل بيضاً وهي الكبيرة، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله كعصف مأكول، فنجا أبو يكسوم فجعل كلما نزل أرضاً تساقط بعض لحمه حتى إذا أتى قومه فأخبرهم الخبر ثم هلك‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} ‏ قال‏:‏ أبو يكسوم جبار من الجبابرة جاء بالفيل يسوقه معه الحبش ليهدم - زعم - بيت الله من أجل بيعة كانت هدمت باليمن، فلما دنا الفيل من الحرم ضرب بجرانه، فإذا أرادوا به الرجعة عن الحرم أسرع الهرولة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ أقبل أبو يسكوم صاحب الحبشة ومعه الفيل فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل فأبى أن يدخل الحرم، فإذا وجه راجعاً أسرع راجعاً وإذا ارتد على الحرم أبى فأرسل الله عليهم طيراً صغاراً بيضاً في أفواهها حجارة أمثال الحمص لا تقع على أحد إلا هلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال‏:‏ جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح، فأتاهم عبد المطلب فقال‏:‏ إن هذا بيت لم يسلط عليه أحد‏.‏ قالوا‏:‏ لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تاخر فدعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذت بهم صفت عليهم ثم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أصابته الحكة‏.‏ وكانوا لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط جلده‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل جعل لا يقع منها حجر إلا سقط‏ وذلك أول ما كان الجدري، ثم أرسل الله سيلاً فذهب بهم فألقاهم في البحر‏.‏ قيل‏:‏ فما الأبابيل‏؟‏ قال‏:‏ الفرق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ‏ {‏طيراً أبابيل‏} ‏ قال‏:‏ هي الفرق‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏طيراً أبابيل‏}‏ قال‏:‏ فوجاً بعد فوج، كانت تخرج عليهم من البحر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏طيراً أبابيل‏} ‏ قال‏:‏ خضر لها خراطيم كخراطيم الإِبل وأنف كأنف الكلاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏طيراً أبابيل‏}‏ قال‏:‏ لها أكفّ كأكفّ الرجل وأنياب كأنياب السباع‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبيد بن عمير الليثي قال‏:‏ لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث الله عليهم طيراً نشأت من البحر كأنها الخطاطيف بكف كل طير منها ثلاثة أحجار مجزعة في منقاره حجر وحجران في رجليه، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديداً فضربت أرجلها فزادها شدة فأهلكوا جميعا‏ً.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عكرمة ‏ {‏طيراً أبابيل‏}‏ قال‏:‏ طير بيض، وفي لفظ‏:‏ خضر جاءت من قبل البحر كأن وجوهها وجوه السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم مثل الجدري، فإنه أول ما رؤي الجدري‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏ {‏ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} ‏ لما أقبل أصحاب الفيل يريدون مكة ورأسهم أبو يكسوم الحبشي حتى أتوا المغمس أتتهم طير في منقار كل طير حجر، وفي رجليه حجران فرمتهم بها، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وأرسل عليهم طيراً أبابيل‏} قال يقول‏:‏ يتبع بعضها بعضاً ‏ {‏ترميهم بحجارة من سجيل‏}‏ يقول من طين‏.‏ قال‏:‏ وكانت من جزع أظفار مثل بعر الغنم فرمتهم بها ‏ {‏فجعلهم كعصف مأكول‏} ‏ وهو ورق الزرع البالي المأكول‏:‏ يقول‏:‏ خرقتهم الحجارة كما يتخرق ورق الزرع البالي المأكول‏.‏ قال‏:‏ وكان إقبال هؤلاء إلى مكة قبل أو يولد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي الكنود ‏ {‏ترميهم بحجارة من سجيل‏}‏ قال‏:‏ دون الحمصة وفوق العدسة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عمران ‏ {‏طيراً أبابيل‏} ‏ قال‏:‏ طير كثيرة جاءت بحجارة كثيرة أكبرها مثل الحمصة وأصغرها مثل العدسة‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ترميهم بحجارة من سجيل‏}‏ قال‏:‏ بحجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره، حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت تلك الحجارة عليهم فلم تعد عسكرهم‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلمي قال‏:‏ رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن حكيم بن حزام قال‏:‏ كانت في المقدار من الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختمة كالجزع فلولا أنه عذب به قوم أخذت منه ما اتخذه لي مسجداً وهي بمكة كثير‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن أم كرز الخزاعية قالت‏:‏ رأيت الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل حمراً مختمة كأنها جزع ظفار فمن قال غير ذلك فلم ير منها شيئاً، ولم يصبهم كلهم، وقد أفلت منهم‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار قال‏:‏ حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه قال لهما‏:‏ أخبراني خبر الفيل قالا‏:‏ أقبلنا به وهو فيل الملك النجاشي الأكبر لم يسر به قط إلى جمع إلا هزمهم، فلما دنا من الحرم جعلنا كلما نوجهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فيهبط وتاره نضربه حتى نمل ثم نتركه، فلما انتهى إلى المغمس ربض فلم يقم فطلع العذاب فقلنا‏:‏ نجا غيركما‏؟‏ قالا‏:‏ نعم‏.‏ ليس كلهم أصابه العذاب‏.‏ وولى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده كلما دخلوا أرضاً وقع منهم عضو حتى انتهوا إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات‏.‏ وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم ‏ {‏طيراً أبابيل‏} ‏ يريد مجتمعة لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه وتبقى عظاماً خاوية لا لحم عليه ولا جلد ولا دم‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن عثمان بن عفان أنه سأل رجلاً من هذيل قال‏:‏ أخبرني عن يوم الفيل، فقال‏:‏ بعثت يوم الفيل طليعة على فرس لي أنثى فرأيت طيراً خرجت من الحرم في كل منقار طير منها حجر، وفي رجل كل طير منها حجر، وهاجت ريح وظلمة حتى قعدت بي فرسي مرتين فمسحتهم مسحة‏ كلفته كرداك وانجلت الظلمة، وسكنت الريح‏.‏ قال‏:‏ فنظرت إلى القوم خامدين‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه رأى عند أم هانىء بنت أبي طالب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخططة بحمرة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ‏{‏فجعلهم كعصف‏}‏ يقول‏:‏ كالتبن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس {‏فجعلهم كعصف مأكول‏} ‏ قال‏:‏ ورق الحنطة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ العصف المأكول ورق الحنطة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن طاوس ‏ {‏كعصف مأكول‏}‏ قال‏:‏ ورق الحنطة فيها النقب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏{‏كعصف مأكول‏}‏ قال‏:‏ إذا أكل فصار أجوف‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس ‏ {‏كعصف مأكول‏} ‏ قال‏:‏ هو الطيور عصافة الزرع‏.‏ وأخرج ابن إسحق في السيرة والواقدي وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة قالت‏:‏ لقد رأيت سائس الفيل وقائده بمكة أعميين مقعدين يستطعمان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن ابن أبزى قال‏:‏ ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل‏.‏ وأخرج ابن إسحق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال‏:‏ ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل‏.‏ وأخرج البيهقي عن محمد بن جبير بن مطعم قال‏:‏ ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين من الفيل‏.

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها خمس {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ} الخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم والهمزةُ لتقريرِ رؤيتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بإنكارِ عَدَمِها وكيفَ معلقةٌ لفعلِ الرؤيةِ منصوبةٌ بما بعدَهَا والرؤيةُ عِلْميةٌ أيْ ألمْ تعلْم علماً رصيناً متاخماً للمشاهدةِ والعَيَانِ باستماعِ الأخبارِ المتواترةِ ومعاينةِ الآثارِ الظَّاهرةِ وَتعليقُ الرؤيةِ بكيفيةِ فعلِه عَزَّ وَجَلَّ لاَ بنفسِه بأَنْ يقالَ ألْم ترَ ما فعلَ ربُّكَ الخ لتهويلِ الحادثةِ والإيذانِ بوقوعِها عَلَى كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ عجيبةٍ دالةٍ عَلَى عظمِ قُدرةِ الله تعالَى وكمالِ علمهِ وحكمتِه وعزةِ بـيتِه وشرفِ رسولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فإنَّ ذلكَ منَ الإرهاصاتِ لما رُوي أنَّ القصةَ وقعتْ في السنةِ التي ولدَ فيها النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وتفصيلُها أنَّ أبرهةَ بْنَ الصبَّاحِ الأشرمَ ملكَ اليمنِ مِنْ قبلِ أصحمةَ النجاشيِّ بنَى بصنعاءَ كنيسةً وسَمَّاها القُلَّيْسَ وأرادَ أنْ يصرفَ إليها الحاجَّ فخرجَ رجلٌ منْ كِنانةَ فقعدَ فيهَا ليلاً فأغضَبهُ ذلكَ وقيلَ أججتْ رفقةٌ منَ العربِ ناراً فحملتها الريحْ فأحرقتَها فحلفَ ليهدمنَّ الكعبةَ فخرجَ معَ جيشِه ومعه فيلٌ له اسُمه محمودٌ وكانَ قوياً عظيماً وإثنا عشرَ فيلاً غيرهُ وقيلَ: ثمانيةٌ وقيل: ألفٌ وقيلَ: كانَ معه وَحْدَهُ فلما بلغَ المُغمَّسَ خرجَ إليه عبدُ المطلبِ وعرضَ عليه ثلثَ أموالِ تهامةَ ليرجعَ فأبىَ وعبَّأَ جيشَهُ وقدَّمَ الفيلُ فكانَ كلمَا وجهوه إلى الحرمِ بركَ ولم يبرحْ وإذا وجهوه إلى اليمنِ أو إلى غيرِه من الجهاتِ هرولَ فأرسلَ الله تعالَى طيراً سُوداً وقيلَ: خُضراً وقيل: بـيضَاً مع كُلِّ طائرٍ حجرٌ في منقارِه وحجرانِ في رجليهِ أكبرُ من العدسةِ وأصغرُ من الحِمُصَةِ فكانَ الحجرُ يقعُ عَلى رأسِ الرجلِ فيخرجُ من دُبُرهِ وعلى كُلِّ حجرٍ اسمُ منْ يقعُ عليهِ ففروا فهلكُوا في كلِّ طريقٍ ومنهلٍ. ورويَ أنَّ أبرهةَ تساقطتْ أناملُه وآرابُه وما ماتَ حتى انصدعَ صدْرُهُ عن قلبهِ وانفلتَ وزيرُهُ أبو يكسومَ وطائرٌ يُحلِّقُ فوقَهُ حتى بلغَ النجاشيِّ فقصَّ عليهِ القصةَ فلما أتمَّها وقعَ عليهِ الحجرُ فخرَّ ميتاً بـينَ يديِه وقيلَ: إنَّ أبرهةَ أخذَ لعبدِ المطلبِ مائتي بعيرٍ فخرجَ إليهِ في شأنِها فلما رآه أبرهةُ عظُمَ في عينِه وكانَ رجُلاً وَسيماً جَسيماً وقيلَ: هذا سَيِّدُ قُريشٍ وصاحبُ عِيرِ مكةَ الذي يطعمُ الناسَ في السهلِ والوحوشَ في رؤوسِ الجبالِ فنزلَ أبرهةُ عن سريرهِ وجلسَ عَلَى بساطِه وقيل: أجلَسه مَعَهُ على سريرِه ثم قالَ لترجمانِه قُلْ لَهُ ما حاجتُكَ فلما ذكرَ حاجتَهُ قالَ: سقطتَ مِنْ عَينِي حيثُ جئتُ لأهدمَ البـيتَ الذي هُوَ دينُكَ ودينُ آبائِك وعصمتُكم وشرفُكم في قديمِ الدهرِ لا تكلمِني فيهِ ألهاكَ عنْهُ ذَودٌ أخذتُ لكَ فقالَ عبدُ المطلبِ أنا ربُّ الإبلِ وإنَّ للبـيبِ رباً يحميِه ثم رجعَ وأتىَ بابَ الكعبةِ فأخذَ بحلقتِه ومعهَ نفرٌ من قريشٍ يدعونَ الله عَزَّ وجَلَّ فالتفتَ وهو يدعُو فإذْ هو بطيرٍ منْ نحوِ اليمنِ فقالَ والله إنها لطيرٌ غريبةٌ مَا هيَ نجديةٌ ولا تهاميةٌ فأرسلَ حلقةَ البابِ ثمَّ انطلقَ معَ أصحابِه ينتظرونَ ماذَا يفعلُ أبرهةُ فأرسلَ الله تعالَى عليهُم الطيرَ فكانَ ما كانَ وقيلَ: كانَ أَبْرهةُ جَدَّ النجاشيِّ الذي كانَ في زمنِ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. وعنْ عائشةَ رضيَ الله عَنْهَا قالتْ: رأيتُ قائدَ الفيلِ وسائسَه أعميـينِ مُقعدينِ يتسطعمانِ وقُرِىءَ أَلم تَرْ بسكونِ الراءِ للجدِّ في إظهارِ أثرِ الجازمِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}[1] قال: ألم تعلم كيف فعل ربك بأعدائك وأنت بعد لم تظهر في الدنيا، كذلك يفعل بأعدائك وأنت بهم ظهرانيهم ويرفع عنك مكرهم.

القشيري

تفسير : أَلَمْ يَنْتِه إليكَ فيما أنزل عليك عِلْمُ ما فَعلَ ربُّكَ بأصحاب الفيل؟. وفي قصة أصحاب الفيل دلالة على تخصيص اللَّهِ البيتَ العتيقَ بالحِفْظِ والكِلاءة. وذلك أنَّ أَبرهة - مَلِكَ اليمن - كان نصرانياً، وبنى بيعةً لهم بصنعاء، وأراد هَدْمَ الكعبة ليصرفَ الحجَّ إلى بيعتهم. وقيل: نزل جماعةٌ من العرب ببلاد النجاشي، وأوقدوا ناراً لحاجةٍ لهم، ثم تغافلوا عنها ولم يُطْفِئوها، فهبَّت الريحُ وحَمَلَتْ النارَ إلى الكنيسة وأحرقتها، فَقَصَد أبرهةُ الكعبةَ لِيَهْدِمها بجيشه. فلمّا قَرُبَ من مكة أصاب مائتي جَمَلٍ لعبد المطلب، فلمَّا أُخْبِرَ بذلك ركب إليهم، فَعَرفَةُ رجلان، فقالا له: ارجعْ.. فإنْ المَلِكَ غضبان. فقال: واللاتِ والعُزَّى لا أَرْجِعُ إلاَّ بإبلي. فقيل: لأبرهة: هذا سَيِّدُ قريش ببابِك؛ فأَذِنَ له، وسأله عن حاجته؛ فأجاب أبرهة: إنها لك غداً، إذا تقدَّمْتُ إلى البيت. فعاد عبد المطلب إلى قريش، وأخبرهم بما حدث، ثم قام وأخذ بحلْقِه باب الكعبة، وهو يقول: شعر : لا هُــــمَّ إِنَّ العَبْـــدَ يــــمـــــ ــنعُ رَحْلَـــه فامنــــعُ حَلاَلِكَ لا يَغْلِبَــــنَّ صــلــيبُــــهـــــمْ ومِحَالُهـــــم عَـــــدْواً مِحالَـــــــكْ إِنْ يدخلـــوا البلـــدَ الحــــرا مَ فـــــأمــــرٌ مـــا بــدالـــــك تفسير : فأرسل اللَّهُ عليهم طيراً أخضرَ من جهة البحر طِوالَ الأعناق، في مناقر كل طائرٍ حَجَرٌ وفي مخلبه حجران. قيل: الحجَرةُ منها فوق العدس دون الحمص. وقيل: فوق الحمص دون الفستق، مكتوب على كل واحدة اسم صاحبها. وقيل: مُخَطَّطةٌ بالسَّواد. فأُمْطِرَتْ عليهم، وماتوا كُلُّهم. وقيل: كان الفيلُ ثمانيةً؛ وقيل: كان فيلاً واحداً. وقيل: رواية: إنه كان قبل مولده صلى الله عليه وسلم بأَربعين سنة. وقيل: بثلاثة وعشرين سنة. وفي رواية "وُلِدْتُ عامَ الفيل".

البقلي

تفسير : ان الله واسى قلب نبيه صلى الله عليه وسلم بذكر هلاك اصحاب الفيل الذين اتكلوا على الفيل بانه يدمر على اعدائه كما دمر على اصحاب الفيل الذى هو اعظم الحيوان باضعف الطيور وذلك تعريفه صفة بواسطة رؤية فعله قال يوسف بن حسين من كان اعتماده على غير الله اهلكه بما اعتمد عليه كاصحاب الفيل اعتمد واعلى اقوى خلق من خلق الله فاملكه الله باضعف خلق من خلقه ارسل عليهم طير ابابيل.

اسماعيل حقي

تفسير : {الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير رؤيته بانكار عدمها وكيف معلقة لفعل الرؤية منصوبة بما بعدها والرؤية علمية لأن النبى عليه السلام ولد عام الفيل ولم يرهم والمراد باصحاب الفيل ابرهة وقومه وبالفيل هو الفيل الاعظم الذى اسمه محمود وكنيته ابو العباس كما سيجئ ونسبوا اليه لأنه كان مقدمهم والمعنى الم تعلم علما رصينا متاخما للمشاهدة والعيان باستماع الاخبار المتواترة ومعاينة الآثار الظاهرة وتعليق الرؤية بكيفية فعله تعالى لا بنفسه بان يقال الم تر ما فعل ربك الخ لتهويل الحادثة والايذان بوقعوها على كيفية هائلة وهيئات عجيبة دالة على عظم قدرة الله وكمال علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله فان ذلك من الارهاصات والارهاص ان يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة تأسيسا لها ومقدمة كاظلال الغمام له عليه السلام وتكلم الحجر والمدر معه قال بعضهم الارهاص الترصد سميت الامور الغريبة التى وقعت للنبى عليه السلام ارهاصات لأن كلا منها مما يترصد بمشاهدته نبوته فالارهاص انما يكون بعد وجود النبى وقبل مبعثه وفى كلام بعضهم ان الارهاص يكون قبل وجوده ايضا قريبا من عهده كما دل عليه قصة الفيل ورجحوا الاول فان قيل اتحاد السنة بان يكون وقوع القصة عام المولد امر اتفاقى لا يمنع عن كون الواقعة لتعظيم الكعبة قلنا شرفها ايضا بشرف مكانه عليه السلام ألا يرى أنه تعالى كيف قيد الاقسام بالبلد بحلوله عليه السلام فيه حيث قال لا اقسم بهذا البلد وانت حل بهذا البلد قال فى فتح الرحمن كان هذا عام مولد النبى عليه السلام فى نصف المحرم وولد عليه السلام فى شهر ربيع الاول فبين الفيل ومولده الشريف خمس وخمسون ليلة وهى سنة ستة آلاف ومائة وثلاث وستين من هبوط آدم على حكم التواريخ اليونانية المعتمدة عند المؤرخين وبين قصة الفيل والهجرة الشريفة النبوية ثلاث وخمسون سنة والمقصود من تذكير القصة اما تسلية النبى عليه السلام بأنه سيجزى من يظلمه كما جزى من قصد الكعبة واما تهديد الظلمة وتفصيلها أن ملك حمير وما حولها وهو ذو نواس اليهودى لما احرق المؤمنين بنار الاخدود ذات الوقود على ما سبق فى سورة البروج هرب رجل منهم الى ملك الحبشة وهو اصخمة بن بحر النجاشى تخفيف الياء الذى اسلم فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبره بذلك وحرضه على قتال ذى نواس فبعث اصخمة سبعين ألفا من الحبشة الى اليمن وامر عليهم ارباطا ومعه فى جنده فى جنده ابرهة بن الصباح الاشرم ومعنى ابرهة بلسان الحبشة الابيض الوجه وسيجئ معنى الاشرم فركبوا البحر حتى نزلوا ساحلا مما يلى الارض اليمن وهزم ارباط ذا نواس وقتله فى المعركة او القى هو نفسه فى البحر فهلك واستقر امر ارباط فى ارض اليمن زمانا واقام فيها سنين فى سلطانه ذلك ثم نازعه ابرهة فى امر الحبشة فكان من امرآء الجند فتفرقت الحبشة فرقتين فرقة مع ارباط وفرقة مع ابرهة فكان الامر على ذلك الى ان سار احدهما الى الآخر فلما تقارب الفرقتان للقتال ارسل ابرهة الى ارباط أنك لا تفعل شيأ بان تغرى الحبشة بعضها ببعض حتى تفينها فابرز لى وابرز لك فأينا اصاب صاحبه انصرف اليه جنده فارسل اليه ارباط ان قد انصفت فاخرج فخرج اليه ابرهة كنيته ابو يكسون وكان رجلا قصير الجثمان لحيما ذا دين فى النصرانية وخرج اليه ارباط وكان رجلا طويلا عظيما وفى يده حربة وخلف ابرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره فرفع ارباط الحربة فضرب ابرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة ابرهة فشرمت حاجبه وانفه وعينه وشفتيه اى شقت وقطعت وخدشت فبذلك سمى ابرهة الاشرم وحمل عتودة على ارباط من خلف ابرهة فقتله وانصرف جند ارباط الى ابرهة فاجتمعت عليه الحبشة فى اليمن بلا منازع وكان ما صنع ابرهة من غير علم النجاشى فلما بلغه ذلك غضب غضبا شيديدا فقال عدا على اميرى فقتله بغير امرى ثم حلف لا يدع ابرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فلما بلغ هذا الخبر ابرهة حلق رأسه وملأ جرابا ترابا من تراب اليمن ثم بعث به الى النجاشى مع هدايا جليلة كثيرة وكتب اليه ايها الملك انما كان ارباط عبدك وانا عبدك فاختلفنا فى امرك وكل طاعة لك الا انى كنت اقوى على امر الحبشة واضبط له واسوس منه وقد حلقت رأسى حين بلغنى قسم الملك وبعثت اليه بجراب تراب من ارضى ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فى فلما وصل كتاب ابرهة الى النجاشى لان ورضى عنه وكتب اليه ان اثبت بارض اليمن حتى يأتيك امرى فأقام ابرهة باليمن ثم انه رأى الناس يتجهزون ايام الموسم الى مكة لحج بيت الله الحرام فتحرك منه عرق الحسد فبنى بصنعاء كنيسة من رخام ملون وفى بعض التفاسير ودرو ديوار آنرا بزر وجواهر مرصع ومزين كردانيد. وفى انسان العيون واجتهد فى زخرفتها فجعل فيها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب وكان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام وجعل فيها صلبانا من الذهب والفضة ومنابر من العاج والابنوس وسماها القليس كجميز لارتفاع بنائها وعلوها ومنها القلانيس لانها فى اعلى الرأس واراد ان يصرف اليها الحاج وفى كشف الاسرار جون رسول ابرهه باآن هديها بيش ملك نجاشى رسيد وآن بيغام بداد ملك ازوخشنود شد وولايت يمن جمله بدو ارزانى داشت وبوى تسليم كرد جون آن رسول نبزديك ابرهه باز آمد ابرهه شادشد وبشكرانكه ملك ازوخحشنود كشت وزراء وعقلاء مملكت خويش جمع كرد وايشانرا كفت مراراهى سازيد بعملى كه ملك راخوش آيدواو را دران عزتى ومالى بودتا آنراشكر نعمت عفو اوسازم ايشان همه متفق شدندكه عرب راخانه ايست معظم ومقدس وشرف جمله عرب بدان خانه است ومردمان شرق وغرب روى بدان خانه دارند وآن خانه ازسنك است تو در صنعاء يمن كنيسه بساز برنام ملك وبردين ترسايى كه دين نجاشى است واساس آن از زروسيم والوان جواهر كن وكسى فرست باطراف زمين وديار عرب وايشانرا بخوان وبزر وسيم وتحفها وهديها ايشانرا رغبتى كن تا عالميان روى بدان كنيسه نهند وآنجا طواف كنند وملك عزى وجمالى باشد ابرهه همجنان كردكه ايشان كفتند وآن كنيسه بدان صفت بساخت وازبهر طمع مال وزروسيم خلقى روى بدان كنيسه نهادند وهركه آنجار فتى باهديه وتحفه بازكشتى. وكتب ابرهة الىالنجاشى ايها الملك انى بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك ولست ارضى حتى اصرف اليها حاج العرب فلما تحدث العرب بكتاب ابرهة ذلك الى النجاشى غضب رجل من بنى كنانة حتى اتى القليس (وفى كشف الاسرار) وخبر در اطراف افتادكه ازحج وزيارت وطواف كه درمكه وخانه عرب بود بايمن افتاد ودران وقت رئيس مكه عبد المطلب بود مردى ازعرب ازسا كنان مكه نام وى زهير بن بدر ازبعد الملطب درخواست وسوكند خوردكه من بروم ودرخانه ايشان حدث كنم برخواست وآنجاشد وجند روزآنجاعبادت كرد رتبه مجاورة يافت شبى كفت من ميخواهم كه اينجا امشب عبادت كنم كه مراسخت نيكو وخوش آمده است اين بقعه اورا آن شب آنجا تنها بكذا شتند ودران خانه مسك وعنبر فراوان بودر بيوسته بوى خوش ازان ميد ميد زهير آنجا حدث كرد وهمه ديوار ومحراب بنجاست بيالود آنكه آهنك بيرون كردوبكر بخت اين خبردرآفاق واقطار منتشرة كشت ومردم ازطواف آن متنفر ابرهه ازين حال آكاه شد ومتأثر كشت دانست كه اين مرد ازمكه بود واز مجاوران كعبه سوكند خوردكه من بالشكر وحشم بروم وآن خانه ايشان خراب كنم وبازمين برابر حتى لا يحجه حاج ابدا. وفى حواشى ابن الشيخ كان اصل مقصوده من هدم البيت ان يصرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدتهم الى نفسه والى بلدته. ورسولى فرستاد بحبشه وملك راخبر كردازآنجه زهير كرداند ران كنيسه واز رفتن خويش سوى مكة وخراب كردن كعبه. فخرج بالحبشة وكفته اندنجاشى بيلان بسيار فرستاد ولشكر وحشم. وقال السجاوندى اغتم النجاشى لذلك وعزاه ابرهة وحجر من قواده وابو يكسوم وزيره وقال لا تحزن ان لهم كعبة هى فخرهم فتنسف ابنيتها وتبيح دماءها وتنهب اموالها فخرج ابراهة بجند كثير وجم غفير ومعه فيل ابيض اللون وهو فيل النجاشى بعثه اليه بسؤاله وكان فيلا لم ير مثله عظما وجسما وقوة يعنى بعظمت جثه مشابه كوه بود شعر : بهيكل قوى راست جون كوه قاف جوشير غرين جابك اندر مصاف تفسير : ومن شأن الفيل المقاتلة ولذلك كان فى مربط ملك الصين ألف فيل ابيض وهو مع عظم صورته ضعيف يخاف من السنور ويفزع منه وكان دليلهم كبير ثقيف وهو ابو رغال رجم العرب قبره حين مات كما فى كتاب التعريف والاعلام للامام ا لسيهلى رحمه الله وفى كشف الاسرار ابو رغال درراه هلاك شد وكوروى معروفست براه يمن حاج بمن جون أنجارسند بآن كوروى سنك اندازند. حتى صار كالجبل العظيم وفى ذلك يقول جرير فى الفرزدق الشاعر شعر : اذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر ابى رغال تفسير : وفى القاموس ابو رغال ككتاب فى سنن ابى داود ودلائل النبوة وغيرهما عن ابن عمر رضى الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه الى الطائف فمررنا بقبر فقال حديث : هذا قبر ابى رغالتفسير : وهو ابو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج منه اصابته النقمة التى اصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه الحديث وقول الجوهرى كان دليلا للحبشة حين توجهوا الى مكة فمات فى الطريق غير جيد وكذا قول ابن سيدة كان عبدا لشعيب وكان عشارا جائرا انتهى كلامه. ابرهه جون باطراف حرم رسد بيرون حرم نزول كرد. وبعث رجلا من الحبشة يقال له الاسود حتى انتهى الى مكة فساق اليه اموال تهامة يعنى هرجه درحوالئ شهر مكة شتربود وكوسفند غارت كرد ودرجمله دويست سرشترازان عبد المطلب كه بوقف حاج كرده يود بغارت بردند. وقال بعضهم فلما بلغ المغمس وهو كمعظم ومحدث موضع بطريق الطائف فيه قبر ابى رغال دليل ابرهه ويرجم كما فى القاموس اى على ما اشتهر والاناقض كلامه السابق خرج اليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث اموال تهامة ليرجع فأبى وفى شرح البردة للمرزوقى لما نزل المغمس بعث حناطة الحميرى الى مكة وقال له سل عن سيد هذا البلد وشريفهم وقل له ان الملك يقول اننى لم آت لحربكم انما جئت لهدم هذا البيت فان لم تتعرضوا دونه لحرب فلا حاجة لى بدمائكم فان هو لم يرد حربى فائتنى به وفى كشف الاسرار ابرهة جون آنجا نزول كرد هيبت خانه كعبه دردل وى اتر كرد وازان قصدكه داشت بشيمان كشت ودردل خود ميخواست كه كسى درحق خانه شفاعت كندتابا زكردد وبفرمودكه رئيس مكه رابياريد ورئيس مكه آنكاه عبد المطلب بودباجمعى بنى هاشم بنزديك ابرهه آمد وآن مردكه فرستاده بودبيش ازرسيدن عبد المطلب دربيش ابرهه شد. وقال المرزوقى رحمه الله استان لعبد المطلب بعض وزرآئه يقال له انيس سائس الفيل وكفث قد جاءك سيد قريش وصاحب عير مكة الذى يطعم الناس فى السهل والوحوش فى رؤوس الجبال حقا مردى مى آيد بحضرت توكه بدرستى وراستى سيد قريش است مردى كريم طبع نيكوروى باسيادت وباسخاوت وباهيبت وانكه ازوى نورهمى تابدكه منظروى بترسانيد يعنى نور مصطفى عليه السم از بيشانى وى همى تافت ابرههخويشتن رابزى نيكوبيا راست وبرتخت نشت وبعدا المطلب را اجازت دار جون در آمد نخواست كه اورا باخود برتحب نشاند يعنى كره ان تراه الحبشة يجلس على سرير ملكه ازتخت بزير آمد وباعبد المطلب به بايان تحت بنشست واورا اجلال كرد ونيكو بنواخت سخنان وى اوراخواش آمد وباخود كفت اكردرحق خانه شفاعت كنداور نوميدنكنم بس ترجمانرا كفت تاحاجتى كه دارد بخواهد عبد المطلب كفت حاجت من اينست كه دويست شترازان من بياورده اند وكانت ترعى بذى المجاز بفرماى تاباز دهند ابرهه را ازان انده آمدترجمانرا كفت بيرس ازوى تاجرا ازبهر خانه كعبه حاجث نخواست خانه كه شرف وعزشما بآنست وسبب عصمت وحرمت شما آنست در قديم دهرومن آمده ام تاآنرا خراب كنم مى نخواهى اين اشترانراجه خطر باشدكه ميخواهى قال عبد المطلب انا رب الابل وللبيت رب يحفظه كما حفظه من تبع وسيف بن ذى يزن وكسرى ابرهه ازين سخن درخشم شد وكفت دروا عليه بعرائه لينظر من يحفظ البيت منى عبد المطلب بازكشت وميكانرا فومود هرجه داشتند ازمال ومتاع بركرفتند وباكوه شدند ومكه خالى كردنداى تخوفا من معرة الجيش فجهز ابرهة جيشة وقدم الفيل الاعظم المذكور فكان كلما وجهوه الى الحرم برك ولم يبرح كما بركت القصوآء فى الحديبية حتى قال عليه السلام "حبسها حابس الفيل ومعنى بروك الفيل سقوطه على الارض لما جاءه من امر الله او لزوم موضعه كالذى برك والافالفيل لا يبرك كما قال عبد اللطيف البغدادى الفيلة تحمل سبع سنين واذا تم حملها وارادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها لانها تلد وهى قائمة ولا فواصل لقوآئمها فتلد والذكر عند ذلك يحرسها وولدها من الحيتان انتهى وقال بعضهم الفيل صنفان صنف لا يبرك وصنف يبرك كالجمل انتهى واذا وجهوه الى اليمن او الى غيره من الجهات هرول والهرولة كالدحرجة ما بين المشى والعدو وامر ابرهة ان يسقى الفيل الخمر ليذهب تمييزه فسقوه فثبت على امره. وكفته اند نفيل ابن حبيب الخثعمى كوش آن فيل كرفت وكفت ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فانك فى بلد الله الحرام جون اين سخن بكوش بيل فرو كفت بازكشت وباى درحرم نهاد ونفيل هذا قاتل ابرهة بأرض خثعم وهو جبل وأهله خثعميون وأبو قبيلة فهزمه ابرهة فاخذ اسيرا فلما اتى به وهم ابرهة بقتله قال اليها الملك لا تقتلنى فانى دليلك بارض العرب فخلى سبيله وخرج به معه يدله على ارض العرب حتى اذا مر بالطائف رأى اهله ان لا طاقة لهم به فانقادوا له وبعثوا معه بأبى رغال فانزلهم بالمغمس وهو على ستة اميال من مكة ومات ابو رغال هناك وقبره المرجوم فيه كما فى بعض التفاسير قال المرزوقى رأى العرب جهاد ابرهة حقا عليهم فكانوا يجتمعون لقتاله فى الطريق قبائل قبائل فهزمهم ابرهة ومن جملة من هزمهم واسرهم نفيل بن حبيب اخذه وما قتله ليكون دليلا له واخذ عبد المطلب بحلقة البيت ودعا وقال (لا هم ان المرء يحمى رحله فامنع حلالك)(لا يغلبن صليبهم. ومحالهم غدوا محالك) وذلك انهم كانوا نصارى أهل صليب ولا هم اصله اللهم فان العرب تحذف الالف واللام وتكتفى بما يبقى والحلال بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهى البيوت المجتمعة والمحال بكسر الميم الشدة والقوة والغدو بالغين المعجمة اصل الغد وهو اليوم الذى يأتى بعد يومك الذى انت فيه فالتفت وهو يدعو فاذا بطير فقال والله انها لطير غريبة لا نجدية ولا تهامية ولا حجازية وان لها لشأنا وفى حواشى ابن الشيخ كان عبد المطلب وابو مسعود الثقفى يشاهدان من فوق الجبل عسكر ابرهة فأرسل الله طيرا سودا صفر المناقير خضر الاعناق طوالها او حضرا او بيضا او بلقا او حماما كما سئل من ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن الطير فقال حمام مكة منها وقد يقال ان هذا اشتباه لان الذى قيل فيه انه من نسل الابابيل انما هو شئ يشبه الزرازير يكون بباب ابراهيم من الحرم والا فحمام الحرم من نسل الحمام الذى عشش على فم الغار والزرازير جمع زرزور بضم الزاى طائر صغير من نوع سمى بذلك لزرزرته اى لصوته وعن عائشة رضى الله عنها كانت تلك الطير الابابيل اشباه الخطاطيف والوطاويط وقد نشأت فى شاطئ البحر ولها خراطيم الطير واكف الكلاب وانيابها وقال ابن جبير لم ير مثلها لا قبلها ولا بعدها وقال عكرمة هى عنقاء مغرب وفى الخبر انها طير بين السماء والارض تعيش وتفرخ وقيل من طير السماء قيل جاءت عشية ثم صبحتهم مع كل طائر حجر فى منقاره وحجران فى رجليه اكبر من العدسة واصغر من الخمصة وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه رأى منها عند ام هانى نحو قفيز مخطط بحمرة كالجزع الظفارى وظفار كقطام بلد باليمن قرب صنعاء ينسب اليه الجزع وارسلت ريح فزادتهم شدة فكان الحجر يقع على رأس كل واحد منهم فيخرج من اسفله وينفذ من الفيل ومن بيضهم فيخرق الارض وعلى كل حجر اسم من يقع عليه قال القاشانى والهام الوحوش والطيور أقرب من الهام الانسان لكن نفوسهم ساذجة وتأثير الاحجار بخاصية اودعها الله تعالى فيها ليس بمستنكر ومن اطلع على عالم القدرة وكشف له حجاب الحكمة عرف لمية امثال هذه وقد وقع فى زماننا مثلها فى استيلاء الفأر على مدينة ابى يوزد وافساد زروعهم ورجوعها فى البرية الى شط جيحون واخذ كل واحدة منهاخشبة من الايك التى على شط النهر وركوبها عليها وعبورها من النهر فهى لا تقبل التأويل كأحوال القيامة وامثالها انتهى وعن عكرمة كل من اصابته الحجارة جدرته وفى الخبران اول ما وقعت الحصبة والجدرى بأرض العرب ذلك العام ففروا وهلكوا فى كل طريق ومنهل قال بعضهم فلم تصب منهم احدا الا هلك وليس كلهم اصيب كما قال فى انسان العيون ثم ركب عبد المطلب لما استبطأ مجيئ القوم الى مكة ينظر ما الخبر فوجدهم قد هلكوا اى غالبهم وذهب غالب من بقى فاحتمل ما شاء الله من صفراء وبيضاء. ثم اعلم اهل مكة بهلاك القوم فخرجوا فانتهبوا انتهى يعنى والذى سلم منهم ولى هاربا مع ابرهة الى اليمن يبتدر الطريق وصاروا يتساقطون بكل منهل. وقال الكاشفى وييك نفس قوم ابرهه مستأصل شدند وآن بيلان نيزهمه هلاك كشتند. وقال بعضهم ولم يسلم الا كندى فقال شعر : أكندة لو رأيت ولو ترينا بجنب ربا المغمس ما القينا حسبنا الله ان قد بث طيرا وظل سحابة تهمى علينا تفسير : واخذ ابرهة دآء اسقط انامله واعضاءه ووصل الى صنعاء كذلك وهو مثل فرخ الطير وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فملك اليمن ابنه يكسوم بن ابرهة وانفلت وزيره ابو يكسوم وطائر يتحلق فوقه حتى بلغ النجاشى فقص عليه القصة فلما اتمما وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه فارى الله النجاشى كيف كان هلاك اصحابه وقال بعضهم همه هلاك شدندمكر ابرهة كه مرغ بر سروى ايستاد وازمكه بيرون شدروى بحبشة نهاد وآن مرغ برهوا برسورى همى بود واونمى دانست تادربيش نجاشى شد جون ابرهه صورت حال بعرض نجاشى رسانيد نجاشى از روى تعجب برسيد كه جكونه مرغان بودندكه جندين مبارزانرا هلاك كردند ابرهه رادرين حال نظر بران مرغ افتاد كفت اى ملك يكى اذان مرغان اينست همان لحظه آن مرغ سنكى كه داشت بنام وى برسرش افكند وهم درنظر نجاشى هلاك شدوازين سصورت آيت عبرتى بر صحيفة دل نجاشى منقش كشت. شعر : نوشت خامه تقدير برجريده دهر خطى كه فاعتبروا يا اولى الابصار تفسير : وعن عائشة رضى الله عنها رأيت قائد الفيل وسائسه اعميين مقعدين يستطعمان الناس ويعلم من ذلك انهما من جملة من سلم من قوم ابرهة ولم يذهبا بل بقيا بمكة كما فى انسان العيون وفى حواشى ابن الشيخ كان عبد المطلب وابو مسعود الثقفى يشاهدان من فوق الجبل عسكر ابرهة حين رماهم الطير بالحجارة فهلكوا فقال عبد المطلب لصاحبه صار القوم بحيث لا يسمع لهم ركز اى حس فانحطا من الجبل فدخلا المعسكر فاذا هم موتى فجمعا من الذهب والجواهر وحفر كل منهما لنفسه حفرة وملأها من المال وكان ذلك سبب غناهما وفى كلام سبط ابن الجوزى وسبب غنى عثمان بن عفان ان اباه عفان وعبد المطلب وابا مسعود الثقفى لما هلك ابرهة وقومه كاناو اول من نزل مخيم الحبسة فأخذوا من اموال ابرهة واصحابه شيأ كثيرا ودفنوه عن قريش فكانوا أغنياء قريش واكثرهم مالا ولما مات عفان ورثه عثمان رضى الله عنه ثم انه يرد على ما ذكر ان الحجاج خرب مكة بضرب المنجنيق فلم يصبه شئ ولم يستعجل عذابه ويجاب بأن الحجاج لم يجئ لهدم الكعبة ولا لتخريبها ولم يقصد ذلك وانما قصد التضييق على عبد الله بن الزبير رضى الله عنه ليسلم نفسه وفيه انه قد يشكل كونه حرما آمنا وجاء فى حق الحجاج ان عليه نصف عذاب العالم ويرد عليه ايضا قصة القرامطة وهى ان ابا سعيد كبير القرامطة وهم طائفة ملاحدة ظهروا بالكوفة سنة سبعين ومائتين يزعمون ان لا غسل من جنابة وحل الخمر وانه لا صوم فى السنة الا يومى النيروز والمهرجان ويزيدون فى اذانهم وان محمد بن الحنيفة رسول الله وان الحج والعمرة الى بيت المقدس وافتتن بهم جماعة من الجهال واهل البرارى وقويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه وسبب ولده ابى طاهر فان ولده ابا طاهر بنى دارا فى الكوفة وسماها دار الهجرة وكثرة فساده واستيلاؤه على البلاد وقتله المسلمين وتمكنت هبته من القلوب وكثرت اتباعه وذهب اليه جيش الخليفة المقتدر بالله السادس عشر من خلفاء بنى العباس غير ما مرة وهو يهزمهم ثم ان المقتدر سير ركب الحاج الى مكة فوافاهم ابو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام وفى جوف الكعبة قتلا ذريعا والقى القتلى فى بئر زمزم وضرب الحجر الاسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه واخذه معه وقلع باب الكعبة ونزع كسوتها وسقفها وقسمه بين اصحابه وهدم قبة زمزم وارتحل عن مكة بعد ان اقام بها احد عشر يوما ومعه الحجر الاسود وبقى عند القرامطة اكثر من عشرين سنة وكان الناس يضعون ايديهم محله للتبرك ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى اعيد الى موضعه فى خلافة المطيع لامر الله وهو الرابع والعشرون من خلفاء بنى العباس بعد اشترآئه منهم وجعل له طوق فضة شد به رنته ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف قال بعضهم تأملت الحجر وهو مقلوع فاذا السواد فى رأسه فقط وسائره ابيض وطوله قدر عظم الذراع وبعد القرامطة فى سنة ثلاث عشر واربعمائة قام رجل من الملاحدة وضرب الحجر الاسود ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات وتساقطت منه شظيات مثل الاظفار وخرج بكسره فتات اسمر يضرب الى الصفرة محببا مثل حب الخشخاش فجمع بنوا شيبة ذلك الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوه فى تلك الشقوق وطلوه بطلاء من ذلك. يقول الفقير لعل الجواب عن مثل هذا ان الاستئصال وما يقرب منه مرفوع عن هذه الامة واكثر ما كان من خوارق العادات كان فى ايام الامم السالفة وليست الكعبة بأفضل من الانسان الكامل وقد جرت عادة الله على التسامح عن بعض من يعاديه بل يقتله وان كان اشتد غضبه عليه فهو يمهل ولا يهمل ولعنة الله على الظالمين.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ألم تَرَ كيف فَعَلَ ربُّكَ بأصحابِ الفيل} الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل سامع، والهَمزة للتقرير، و"كيف" معلقة لفعل الرؤية، منصوبة بما بعدها. والرؤية: علمية، أي: ألم تعلم علماً ضرورياً مزاحماً للمشاهدة والعيان باستماع الأخبار المتواترة، ومعاينة الآثار الظاهرة. وتعليق الرؤية بكيفية فعله ـ عزّ وجل ـ لا بنفسه، بأن يُقال: ألم ترَ ما فعل ربُّك لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة, وهيئة عجيبة، دالة على عِظم قدرة الله عزّ وجل، وكمال عِلمه وحكمته، وعزة بيته، وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإنَّ ذلك مِن الإرهاصات له، لِما رُوي أنَّ الوقعة وقعت في السنة التي وُلد فيها صلى الله عليه وسلم. وتفصيلها: إنَّ أُبرهة بن الصَبَّاح الأشرم، مالك اليمن من قِبل النجاشي، بنى بصنعاء كنيسة، سماها القُلَّيس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة، فأحدث فيها ليلاً، وذكر الواقدي: أنَّ الرجل لطّخ قبلتها بالعذرة، ورمى فيها الجيف، قال: واسمه "نفيل الحضرمي" فغضب أبرهة، وحلف ليهدمنّ الكعبة، فخرج من الحبشة، ومعه فيل، اسمه "محمود" وكان قويًّا عظيماً، بعثه النجاشي إليه، ومعه اثنا عشر فيلاً غيره، وقيل: ثمانية، فلما بلغ "المُغَمسَ" خرج إليه عبد المطلب, وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبّأ جيشه، وقدّم الفيل، فأخذ نفيل بن حبيب بأُذنه، وقال: أبرك محمود، فإنك في حرم الله، وارجع من حيث جئت راشداً، فبرك, فكان كُلما وجَّهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجَّهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل اللهُ عليهم سحابة من الطير خرجت من البحر، مع كل طائر حجر في منقاره، وحجر في رجليه، أكبر من العدسة، وأصغر من الحمّصَةِ، فكان الحجرُ يقع على رأس الرجل، ويخرج من دُبره، وعلى كل حجر اسم مَن يقع عليه، ففرُّوا وهلكوا في كل طريق ومنهل، ورُمي أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره "أبو يسكوم"، وطائر يُحلّق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقصّ عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر، فخرّ ميّتاً بين يديه. ورُوي: أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليه في شأنها، فلما رآه أبرهة عَظُمَ في عينه، وكان وسيماً جسيماً, فقيل له: هذا سيّد قريش، وصاحب عير مكّة، الذي يُطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، وقيل: أَجلسه معه، وقال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فلما ذكر له حاجته، وهو: أن يرد إليه إبله، قال: سَقَطت من عيني، جئتُ لأهدم البيت، الذي هو دينك ودين آبائك، وعِصمتكم، وشرفكم في قديم الدهر، لا تكلمني فيه، ألهاك عنه ذود أُخذت لك؟ فقال عبد المطلب: أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا يحيمه، قال أبرهة: ما كان ليحميه مني، فقال: ها أنت وذلك. ثم رجع وأتى باب الكعبة, وأخذ بحلقته، ومعه نفر من قريش، فدعوا الله عزّ وجل، فالتفت وهو يدعو، فإذا هو بطير من نحو اليمن، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي نجدية ولا تهامية، فأرسل حلقة الباب، ثم انطلق مع أصحابه ينظرون ماذا يفعل أبرهة، فأرسل الله تعالى عليهم الطير، فكان ما كان. وقيل: كان أبرهة جد النجاشي، الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها: رأيت قائد الفيل وسائقه أعميَيْن مُقعدين يستطعمان. وقوله تعالى: {ألم يجعل كَيْدَهُمْ في تضليلٍ} بيان إجمالي لما فعل اللهُ بهم, والهمزة للتقرير كما سبق, ولذلك عطف على الجملة الاستفهامية ما بعدها، كأنه قيل: جعل كيدهم للكعبة وتخريبها في تضييع وإبطال بأن دَمَّرهم أشد تدمير. يقال: ضلّ كيده، أي: جعله ضالاًّ ضائعاً، وقيل لامرىء القيس: الملِك الضلّيلِ؛ لأنه ضيّع ملك أبيه باشتغاله بالهوى. {وأَرْسَل عليهم طيراً أبابيلَ} أي: جماعات تجيء شيئاً بعد شيء. والجمهور: أنه لا واحد له من لفظه, كشماطيط وعبابيد، وقيل: واحدها: إبّالة. قالت عائشة رضي الله عنها: أشبهُ شيء بالخطاطيف. قال أبو الجوز: أنشأها الله في الهواء في ذلك الوقت، وقال محمد بن كعب: طيرد سود بَحرية، وقيل: إنها شبيهة بالوطواط حُمْر وسُود. {ترميهم بحجارةٍ} صفة لطير، {من سِجّيلٍ} من طين متحجر مطبوخ مثل الآجر، قال ابن عباس: " أدركت عند أم هاني نحو قفيز من هذه الحجارة". {فجعلهم كعَصْفٍ مأكولٍ} كورَق زرع وقع فيه الأكل، أي: أكلته الدود، أو: كَتِبن أكلته الدواب فراثته، فجمع لهم الخسة والمهانة والتلف، أو: كتبن علفته الدواب وشتته. فائدة: قال الغزالي عن غير واحد من الصالحين وأرباب القلوب: إنه مَن قرأ في ركعتي الفجر في الأولى بالفاتحة و"ألم نشرح"، والثانية بالفاتحة و"ألم تر" قََصرت يد كُل عدو عنه، ولو يُجعل لهم إليه سبيلاً, قال: وهذا صحيح لا شك فيه. ذكره في الجواهر. الإشارة: قلب العارف هو كعبة الوجود، وهو بيت الرب، وجيوش الخواطر والوساوس تطلب تخريبه، فيحميه اللهُ منهم، كما حمى بيتَه من أبرهة، فيقال: ألم ترَ أيها السامع كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، وهم الأخلاق البهيمية والسبعية، والخواطر الردية، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طير الواردات الإلهية، فرمتهم بحجارة الأذكار وأنوار الأفكار، فأسْحقتهم فجعلتهم كعصفٍ مأكول. والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ويتوجه إلى جميع المكلفين من قومه، يقول لهم على وجه التنبيه على عظم الآية التي اظهرها والمعجزة التي فعلها، منبهاً بذلك على توحيده ووجوب إخلاص العبادة له، فقال {ألم تر} ومعناه ألم تعلم، فالرؤية - ها هنا - بمعنى العلم، لأن رؤية البصر لا تتعلق بما قد تقضى وعدم، كأنه قال: ألم تعلم {كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} الذين قصدوا هدم البيت وهلاك أهله، فاهلكهم الله تعالى، وكان الذي قصد لهدم البيت ابرهة ابن الصباح، وهو المعروف بابرهة الاشرم، ويكنى أبا يكسوم. وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره، فولى إلى أهله فكل ما نزل منزلا تساقط منه عضو فلما وصل اليهم أخبرهم الخبر ثم هلك، وكان ابرهة رجلا من اليمن ملكته الحبشة عليهم، وكان سبب قصده إياها لتخريبها أنه بنى كنيسة عظيمة أراد ان يحج اليها بدل الكعبة. وقال الحسن: كان السبب فى ذلك أن العرب هدمت كنيسة للحبشة، وهم نصارى، فأراد تخريب الكعبة في مقابلة ذلك، فاقبل في جمع كثيف معه أفيلة، فجعل الله كيدهم في تضليل عما قصدوا له من تخريب الكعبة {وأرسل عليهم طيراً أبابيل} فمعنى أبابيل جماعات في تفرقة زمرة وزمرة لا واحد لها - في قول ابي عبيدة والفراء - كما لا واحد للعباديد والشماطيط. وزعم ابو جعفر الرواسي أنه يسمع في واحدها أبالة. وقال الكسائي: سمعت النحويين يقولون واحده (أبّول) مثل (عجول) وقال بعضهم: (ابيل) وقال ابن عباس معنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً. وقال قتادة: معنى أبابيل كثيرة متتابعة. وقيل: إنها كانت سود الجرية تحمل في مناقيرها واكفها الحجارة - في قول عبيد بن عمير - وقيل: كان مع كل طائر ثلاثة أحجار إثنان في رجليه وواحد في منقاره، وقال موسى بن أبي عائشة: كانت الحجارة اكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. وقيل كان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره. وقيل: إن المعروف بأبرهة الأشرم الذي ملكته الحبشة كان يكنى أبا يكسوم وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره فولى إلى أهله وكلما نزل منزلا تساقط منه عضو فلما وصل اليهم اخبرهم الخبر ثم هلك. وقيل كان الفيل إذا وجهوه نحو مكة وقف ولم يسر، وإذا وجهوه إلى جهة غيرها سار إنذاراً من الله لهم وموعظة، وكان هذا من أعظم المعجزات في ذلك الوقت أظهره الله تعالى ليدل به على وجوب معرفته وإخلاص عبادته. وقال قوم: إنه كان معجزة لنبي كان في ذلك الزمان، ويجوز أن يكون ذلك خالد بن سنان. وقيل انه كان ذلك توطيئاً لنبوة نبينا صلى الله عليه وآله، لانه كان ولد في عام الفيل. وقوله {ترميهم بحجارة} أى تقذفهم بحجارة {من سجيل} قال ابو عبيدة كل شديد سجيل. قال ابن مقبل: شعر : ضربا تواصى به الابطال سجيلا تفسير : وقيل هي حجارة من الجحيم وهي (سجين) ثم ابدلت النون لاماً، كما قالوا في أصيلان اصيلال. وقيل: معنى من {سجيل} أي من طين مطبوخ كالآجر. وقيل: هو (سنل وكل) بلغة الفرس. فأعرب، وكذلك روي عن ابن عباس وقوله {فجعلهم كعصف مأكول} فالعصف ورق الزرع - في قول ابي عبيدة - وهو عصيفة، لان الريح تعصفه أي تذهب به يميناً وشمالا. وقيل: معنى {كعصف مأكول} أي مأكول الثمرة كما يقال: فلان حسن أي حسن الوجه، فاجري مأكول على العصف من أجل اكل ثمرته، لأن المعنى معلوم للايجاز. وقال قتادة: العصف التبن، ومعنى مأكول قد أكلت بعضه المواشي وكسرت بعضه. وقال الزجاج: معنى مأكول وقع فيه الاكال. وقيل العصف التبن بلغة بني حنيفة، وبلسان قريش النحالة. وقصة أصحاب الفيل من الأدلة الواضحة والحجج اللائحة على الملحدين، ومن أنكر الصانع، لأنه لا يمكن نسب ذلك إلى طبيعة ولا موجب كما تأولوا الزلازل والرياح والخسوف وغير ذلك مما أهلك الله به الامم، لأنه ليس في الطبيعة إقبال طير بأحجار وتقصد اقواماً دون غيرهم حتى تهلكهم بما ترميهم به، ولا تعدى إلى غيرهم، بل ذلك من أوضح الأدلة على انه من فعل الله تعالى، وليس لأحد أن يضعف ذلك وينكر الخبر به، لأن النبي صلى الله عليه وآله لما قرأ على أهل مكة هذه السورة، كانوا قرببي عهد بالفيل، فلو لم يكن كذلك ولم يكن له اصل لأنكروه، فكيف وهم ارخوا به كما أرخوا بنيان الكعبة وموت قصي وغيره، وقد نظم الشعراء في قصة الفيل الشعر ونقلته الرواة، فلا يمكن جحد ذلك، لانه مكابرة.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} الخطاب عامّ او خاصّ بمحمّدٍ (ص) يعنى انّ قضيّتهم مشهورة بحيث تكاد ترى لكلّ راءٍ وان كان قد مضى زمانها، ومحمّد (ص) فتح الله بصيرته بحيث صار الماضى والآتى فى نظره كالحاضر.

الأعقم

تفسير : {ألم ترَ} ألم تعلم يا محمد {كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} من الاهلاك {ألم يجعل كيدهم في تضليل} في هلاك {وأرسل عليهم طيراً أبابيل} يتبع بعضها بعضاً، وقيل: كثير، وقيل: كان لها خراطيم، قيل: خلقها الله في ذلك الوقت في الهواء، وقيل: جاءت من البحر {ترميهم بحجارة} أي الطير في تلك الجنود مع كل طير ثلاثة أحجار: واحدة في منقاره، وثنتان في رجليه، وقيل: في أجنحتها ومناقيرها، وقيل: كان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وقيل: كانت تصيب المغفر فتجاوزه حتى تصير الى الأرض {من سجيل} من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر، وقيل: حجارة تذوب كالحديد، وقيل: حجارة صليبة شديدة ليست من جنس الحجارة وسماها سجيلاً لصلابتها، وقيل: انها سجيل عليهم لعذابهم، وقيل: حجارة من الحميم {فجعلهم كعصف مأكول} قيل: كورق الزرع أكل بعضه وتكسر، وقيل: العصف ورق الحنطة، وقيل: كالحب المأكول، وقيل: كالطعام.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الفيل، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [اي: ألم تُخْبر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل] قال الحسن: هذا خبر أخبر الله به النبي عليه السلام، وذلك أن العرب، أهل الحرم، هدموا كنيسة للحبشة، وهم نصارى. فقال أبرهة بن الصباح: لنهدمن كعبة العرب كما هدموا بيتنا. وكان أبرهة بن الصباح من أهل اليمن ملّكته الحبشة عليهم، فبعث بالفيل وجنوده، فجاء، حتى إذا انتهى إلى الحرم ألقى بجرانه فسقط. فوجهوه نحو منازلهم فذهب يسعى. قالو: فإذا وجهوه ألى الحرم ألقى بجرانه ولم يتحرك، وإذا وجه إلى منازلهم ذهب يسعى. قال بعضهم: إن أبا يسكوم الحبشي سار بالفيل إلى البيت ليهدمه، وذلك العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ} أي: الذي كادوا به لك {فِي تَضْلِيلٍ} أي: ضلالاً. قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} والأبابيل: الزمر، زمرة بعد زمرة في تفسير سعيد بن جبير. وتفسير الحسن: الأبابيل: الكثيرة. وذكر بعضهم أنه أخرج الله عليهم طيراً من البحر سوداً، طوال الأعناق، لها خراطيم يحمل كل طائر منها ثلاثة أحجار كهيئة الحمص، مكتوب فيها اسم صاحبها الذي يموت بها. ولم تُرَ تلك الطير قبل ذلك ولا تُرى بعد ذلك.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ تَرَ} يا محمد لما شهد أثار القصة وتواترت عنده أخبارها جعله كأنه رأها فأنكر عليه عدم الرؤية بالهمزة أو قرره بها أو عجبه بها أو المعنى ألم تعلم. *{كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ} عدى الرؤية إى جملة فعل ربك معلقة بالإستفهام ولم يعدها إلى ما أي ألم تر ما فعل ربك بهم لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله عز وجل وقدرته وعزة نبيه وشرفه كأنه قيل ألم تر كيف فعل ربك بأعدائك وأنت لم تظهر في الدنيا فإنه يفعل بأعدائك من الإهلاك وذلك أن ملك الحبشة النجاشي وكل ملك لهم يسمى النجاشي بعث أرياط إلى اليمن فغلب عليها فقام حبشي يقال له أبرهة بن الصباح بن كيسوم فساخط أرياط في أمر الحبشة فكانت طائفة معه وطائفة مع أرياط وتقاتلوا وقتل أبرهة أرياط واجتمعت له الحبشة وأقره النجاشي ثم رأى أبرهة الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله عز وجل فبنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي إني بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها ولست منتهيا حتى أصرف اليها حج العرب فسمع به مالك بن كنانة من قريش فدخلها وتغوط بها ليلا ولطخ بالغذرة قبلتها فبلغ ذلك أبرهة فقال من فعل ذلك فقيل رجل من العرب من أهل ذلك البيت فحلف ليسيرن إلى الكعبة فيهدمها فكتب إلى النجاش يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله المسمى محمودا ولم يوجد مثله قط قوة وعظما فبعثه إليه فخرج أبرهة بالحبشة سائرا إلى مكة بالفيل فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم فخرج إليه ملك من ملوك اليمن يقال له ذونفر بمن أطاعه من قومه فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذونفر فقال له استبقني فإن بقائي خير لك من قتلي فاستبقاه وأوثقه وكان أبرهة حليما ولما دنا من بلاد خثعم خرج اليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع اليه من اليمن فهزمهم أبرهة فأخذ نفيلا فقال له إني دليل بأرض العرب وأطيعك أنا وقومي فاستبقني فاستبقاه وخرج معه يدله ومر بالطائف فخرج اليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال أيها الملك نحن عبيدك لا نخالفك نبعث معك من يدلك فبعثوا معه أبا رغال موالي لهم فخرج فمات في المغمس فقيل هو الذي يرجم قبره وبعث أبرهة رجلا من الحبشية يقال له الأسود ابن مسعود على مقدمة خيله وأمره بالغارة على نعم الناس فجمع أموال الحرم وأصاب مائتي بعير لعبد المطلب ثم أن أبرهة بعث خماط الحمير إلى أهل مكة وقال له سل عن شريفها وقل له إني لم أت لقتال بل لهدم البيت فدخل مكة فلقي عبد المطلب فقال له أرسلني اليك الملك ليخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه وإنما جاء لهدم البيت ثم الإنصراف فقال عبد المطلب ما لنا عنده قتال ولا لنا يدان بينه وبين ما جاء اليه فان هذا بيت الله الحرام وبيت خليله ابراهيم عليه الصلاة والسلام فإن يمنعه فهو بيته وحرمه قال فانطلق معي الى الملك فقيل اردفه على بغلة وركب بعض بنيه حتى قدم العسكر وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فأتاه فقال له يا ذونفر هل عندك من غنى فيما نزل فقال غنى رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشية ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل فإنه لي صديق فأسأله أن يضع لك من عند الملك ما استطاع من خير ويعظم منزلتك عنده فأرسل اليه فأتاه فقال له إن هذا سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس في السهال والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فإن استطعت فانفعه فإني أحب له الخير فدخل أنيس على أبرهة فذكر ذلك كله له و أنه قد جاء يكلمك غير مخالف لك فأذن له وكان جسيما فأعظمه وأكرمه وكره الجلوس معه على السرير فنزل إلى البساط وقال لترجمانه قل له ما حاجتك عند الملك فقال له أن يرد لي إبلي فقال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك وزهدت الآن فيك قال لم قال جئت لبيت هو دينك ودين أبائك وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه ولم تكلمني فيه وكلمتني في مائتي بعير أصبتها لك فقال عبد المطلب إنا رب هذه الإبل ولهذا البيت رب يمنعه منك قال ما كان يمنعه مني قال فأنت وذاك فأمر بإبله فردت إليه فخرج بها فأخبر قريش الخبر وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال خوفا من معرفة الجيش ففعلوا وأتى عبد المطلب البيت وأخذ بحلقة الباب فقال: شعر : يا رب لا أرجو لهم سواك يا رب فامنع منهم حماك إن عدو البيت من عاداك امنعهم أن يخربوا قراك تفسير : ومضى مع قومه وأصبح أبرهة للمغمس وتهيأ للدخول بالجيش والفيل المذكور ومعه إثنا عشر فيلا فأقبل نفيل إلى الفيل وأخذ بأذنه وقال له أبرك محمود وارجع رشيدا فإنك ببلد الله الحرام فبرك فبعثوه فأبى فضربوه بالمعول في رأسه فأدخلوا محاجنهم تحت مرافقه ففزعوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام فهرول وكذا الى كل جهة إلا مكة وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طائر ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة ولما غشينا القوم أرسلتها عليهم ولم تصب تلك الحجارة إلا أهلكته وليس إصابة كل القوم وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق يتسائلون عن نفيل لديهم على الطريق ونفيل ينظر اليهم من جبل وتساقطوا في الطريق وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل تتساقط أنامله كلما سقطت أنملة تبعثها أخرى من قيح ودم فانتهى إلى صنعاء كالفرخ وما مات حتى انصدع قلبه وخرج من صدره وقيل أصابت الحجارة الجميع والإثني عشر فيلا ولم تصب الفيل العظيم لأنه أبى التوجه إلى الكعبة ولم يتوجه وذكر بعضهم أن أبا يكسوم انفلت وهو وزير أبرهة وتبعه طائر حتى قص القصة على النجاشي فأوقع عليه حجرا فمات قال أمية بن أبي الصلت: شعر : إن آيات ربنا ساطعات ما يماري فيهن إلا الكفور حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يعوي كأنه معقور تفسير : وقيل ما كان معهم إلا هذا الفيل العظيم وقيل معه ثمانية وروي أنه لما بنى الكنيسة بصنعاء سماها القليس بضم القاف وفتح اللام مشددة وإسكان الياء المثناة التحتية بعدها سنين وقيل بتخفيف اللام وقيل بفتح القاف وكسر اللام مخففة سمي لإرتفاعه ومنه القلاليس لأنها في أعلى الرأس، وقيل سمت العرب ما علا القليس لأن الناظر اليه يكاد تسقط قلنسوته وروي أنه لما بلغ المغمس عرض عليه ثلث مال مكة ليرجع بقومه وفيله فأبى والمغمس بفتح الميم الثانية مشددة وبكسرها مشددة موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رغال. وعن ابن عباس أنه رأى عند أم هاني من تلك الحجارة نحو قفيز مخططة بجمرة كالجزع الظفاري والجزع الخرز وظفار بلدة باليمن وكان يقع الحجر على رأس واحد ويخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه وروي أن أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وقيل بثلاث وعشرين سنة وعن عائشة رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس. وروي أن عبد المطلب دعا عند حلقة الباب بالأبيان المذكورة وبهذه: شعر : لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عددا محالك جروا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم بغيا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبتنا فامر ما بدا لك تفسير : وروي أنه التفت نحو اليمن وهو يدعوا فرأى الطير وقيل إنما ظهرت له وهو فوق جبل من جهة جدة وقيل إن طائفة من العرب أججوا نارا فهبت ريح فأحرقت بها كنيسة ابرهة بن الصباح الأشرم وهو المذكور سمي أشرم لأنه مشقوق الأنف، وقيل ضربوه بحربة فشرم أنفه وجبينه فذلك السبب، وقال مقاتل إن فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فنزلوا ساحل البحر قرب بيعة للنصارى هنالك تسميها قريش الهيكل فأججوا واشتووا ورحلوا والريح عاصف فأحرقت البيعة فانطلق الصريح الى النجاشي فأسف غضبا للبيعة فبعث أبرهة لهدم الكعبة وكان بمكة وقتئذ أبو مسعود الثقفي مكفوف البصر يضيف بالطائف ويشتووا بمكة وكان نبيها نبيلا تستقيم الأمور برأيه وكان خليلا لعبد المطلب فقال له عبد المطلب ماذا عندك؟ فهذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك فقال له أبو مسعود اصعد بنا إلى حراء فصعد به فقال لعبد المطلب اعمد إلى مائة من الإبل فقلدها لله ثم أثبتها في الحرم فلعل بعض السواد أن يعقر منها شيئا فيغضب رب البيت فيأخذهم ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم اليها وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو فقال أبو مسعود إن لهذا البيت ربا يحميه فقد نزل تبع ملك اليمن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه وأظلم عليه ثلاثة أيام فلما رأى تبع ذلك كساه القياطي البيض وعظمه ونحر له جزورا فأنظر نحو البحر فنظر عبد المطلب فقال أرى طيورا ابيضا نشأت من شاطئ البحر فقال أرمقها ببصرك اين قرارها فقال أراها قد دارت على رؤسنا قال هل تعرفها؟ قال والله ما أعرفها ما هي بتجدية ولا تهامية ولا غربية ولا شامية قال ما قدرها قال أشباه اليعاسيب في منافيرها حصي كأنها حصي الخذف قد أقبلت كالليل يتبع بعضها بعضا أمام كل رفقة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق فجاءت حتى حادت العسكر من فوقهم أهالت ما في مناقرها مكتوب على كل حجر اسم صاحبه ثم رجعت من حيث جاءت فلما اصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا حتى صعدا ربوة فلم يريا أحدا ودنوا فلم يسمعا حسا فقالا بات القوم سمامدين فأصبحوا نياما وزادا دنوا فأذاهم خامدون وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيحرقها ويحرق دماغه ويحرق الفيل والدابة ويغيب في الأرض من شدة الواقع فأخذ عبد المطلب فأسا من فؤوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر والجواهر وحفر لصاحبه مثلها فملأها فقال له اختر حفرتي أو حفرتك أو خذهما معا فقال له اختر لي عن نفسك فقال عبد المطلب إني لم أر أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهي لك وجلس كل منهما في حفرته ونادى عبد المطلب في الناس فرجعوا فأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به وساد عبدالمطلب قريشا وأعطته القادة ولم يزل هو وابو مسعود في غنى ورفع الله البأس عن كعبته، وقيل جاء ابرهة لعنه الله بفيل وفيلة وروي ان الطير جاءتهم عشية ثم صحبتهم فساء صباح المنذرين وعن عكرمة من اصابه حجر جدره فهو اول جدري ظهر. وروي ان ابرهة لعنه الله ركب على ذلك الفيل ولما برك بالمغمس ضربوا رأسه بالمعاويل ليقوم فأبى وروي انه استاق ابل قريش وفيها اربعمائة ناقة لعبد المطلب وان عبد المطلب ركب في قريش حتى بلغ جبل ثبير فاستدارت دائرة غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبينه كالهلال واشتد شعاعها على الكعبة مثل السراج فقال ارجعوا فقد كفيتم فوالله ما استدار هذا النور مني الا ان يكون الفضل لنا فرجعوا وان رسول ابرهة لما راى وجه عبد المطلب في مكة خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه وخار كما يغور الثور عند ذبحه ولما افاق خر ساجدا لعبد المطلب وقال اشهد انك سيد قريش حقا وان عبد المطلب لما ذهب الى ابرهة احضر فيله العظيم وهو المذكور فلما راى عبد المطلب خر ساجدا وقال السلام على النور الذي في وجهك يا عبد المطلب واعترض وجود نور النبي صلى الله عليه وسلم في وجه عبد المطلب في ذلك الوقت مع ان الاشهر أن ولادة صلى الله عليه وسلم بعد الفيل بخمسين يوما فقد انتقل النور منه الى عبد الله ومن عبد الله الى امنة وقربت ولادة النور صلى الله عليه وسلم واجيب بانه نورا احدثه الله فيه ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم كرامة تخلصه ممن اراد هدم البيت الذي هو في منعة من حين خلق واخذ ماله ومال الناس وخراب الحرام واشعارا بان دينه صلى الله عليه وسلم يعلو الاديان وانه لا يوذي به احدا الا اهلكه الله وقيل لم يبرك الفيل بالمغمس بل دخل الحرم وبرك في واد اسمه محسر لان الفيل حسر فيه أي أعيا وقيل في صفة الحجارة أنها كالعدس، وقيل كانت قصة الفيل قبل مولده صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وقيل بثلاث وعشرين وقيل بخمس عشرة وقيل بعشر والمشهور وعليه أكثر أنه ولد عام الفيل فقيل بعد الفيل بخمسين يوما وقيل بخمس وخمسين يوما وروي أن ذلك الفيل الأعظم الذكور في الاية قد علموه السجود لأبرهة يجاء به صباحا حتى يسجد له، قيل وكذا الملوك يعلمون السجود للفيل ليسجد لهم وقيل الذي في الآية المراد به جميع الاثني عشر فيلا أو الثمانية التي حاء بها أبرهة، فال للجنس وفي التعبير به موافقة لرؤوس الاي بخلاف ما لو جمعه وفي قصة الفيل دلالة عظيمة على قدرة الله إذ يستحيل أو يبعد أن تأتي طير من قبل البحر تحمل حجارة ترمي بها ناسا مخصوصين وذكر بعضهم ما يشعر أن تلك الحجارة وقع بعضها بالرأس وبعضها بالرجل وغير ذلك وكل ما وقعت عليه خرقته إلى الأرض. وقرئ ألم تر بإسكان الراء حرصا على ظهور أثر الجازم أي إعلاما به وليس يجزم وكيف حال من ربك مع وجوب الإعتقاد أن ربنا لا تجري حال من الأحوال عليه فافهم، وقال ابن هشام ليس حالا بل مفعول مطلق اي فعل فعل رب.

اطفيش

تفسير : ألم تعلم يا محمد أو يا من يصلح للعلم فيدخل - صلى الله عليه وسلم - أولا وهذا قل حيث يصلح القول ولم يشاهد ذلك - صلى الله عليه وسلم - ولكن أيقن فكأنه رأى وأيضاً العرب إذا أكدت شيئاً قالت لمن لم يره ألم تره ولو كان غافلاً عنه أو منكراً كما قال امرؤ القيس: شعر : ألم ترانى كلما جئت زائراً تفسير : الخ والاستفهام لتقرير الرؤية بنفى عدمها أو هى رؤية عين استعملت بمعنى الإدراك القلبى مجازاً استعارياً لعلاقة الإدراك أو إرسالياً لأَن الإدراك بالعين سبب للإدراك بالقلب إذ هى باب له وهذا أبلغ من الأَول الذى هو استعمال الرؤية من أول الأَمر بمعنى العلم وكيف حال من رب أو مفعول مطلق لفعل أى أى فعل فعل ولا مفعول به لتر لأنها لا تكون مفعولاً به ولأن لها الصدر والمراد التهويل بالهيئة العجيبة ولذلك لم يقل سبحانه ألم تر ما فعل ربك والجملة سدت مسد مفعولى تر معلناً بالاستفهام وتعلق الرؤية البصرية كما تعلق العلمية وكان إهلاك أصحاب الفيل تمهيداً لرسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولشرف البيت ودعوة الخليل وكان فى عام ولادته - صلى الله عليه وسلم - قبل ولادته بخمسين يوماً فى المحرم وولادته فى ربيع الأُولى وبه قال السهيلى وهو الأصح وقيل بخمسة وخمسين يوماً وقيل بأربعين وقيل بشهر وهنا أقوال ضعيفة قيل بعشرين سنة وقيل بأربعين وقيل بسبعين، روى أن جماعة من قريش تجاراً إلى أرض النجاشى أججوا ناراً عند بيعة على ساحل البحر واشتووا فى يوم عاصف فحرقت وتسمى الهيكل ووصل الصريخ إلى النجاشى فاغتاظ فبعث أبرهة لهدم الكعبة وفى مكة أبو مسعود الثقفى وكان أعمى يشتو بمكة ويصيف بالطائف له رأى وهو صديق لعبد المطلب فقال له قلد مائة من الإبل واهدها واجعلها لعلهم يصيبون منها شيئاً فيهلكهم الله عز وجل ففعل فحملوا عليها وذبحوا وجعل عبد المطلب يدعو الله سبحانه وتعالى فقال أبو مسعود إن لهذا البيت رباً يمنعه وقد قصده تبع ملك اليمن فابتلاه الله عز وجل وأظلم عليه ثلاثة أيام فتاب وكساه القباطى البيض ونحر له فانظر نحو البحر فإذا طير لا نجدية ولا تهامية لا عربية ولا شامية وجاءت حتى دارت عليهم فأرسلت حجارة عليهم ورجعت من حيث جاءَت ولم تصب دوابهم ولا فيلهم الذى جاءَوا به وأبى وأصابت أفيالاً توجهت وثم تاب وشهر أنه بنى بعض عمال النجاشى كنيسة بصنعاءِ لم ير مثلها وسماها القليس بضم القاف وفتح اللام مشددة ومخففة بالرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس وكتب إلى النجاشى بكسر النون بنيت لك كنيسة أصرف إليها حج العرب فسمع بذلك رجل من بنى فقيم بن عدى بن كنانة فأحدث فيها ولطخ قبلتها بالعذرة فأخبر بأنه فعل ذلك رجل من العرب غضباً لبيته وقيل أججت العرب ناراً حولها فاحترقت بحمل الريح أو كان الأمران جميعاً فجهز الحبشة فى ستين ألفاً ومعه فيله محمود وكان قوياً عظيماً ومعه اثنا عشر فيلا دونه وقيل ثمانية وقيل ألف والأَكثرون أن معه محموداً وحده فرأت العرب جهاده حقاً فقاتله رجل من أشراف اليمن يقال له ذو نفر بمن أطاعه من قومه وسائر العرب فهزمهم جند النجاشى وأخذ أسيراً وقال لأَبرهة أمير الجند لا تقتلنى لعلنى أنفعك فحبسه ولما وصل أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب بمن معه فهزم فقال أبقنى لعلى أنفعك فخرج به يدله ولما مر بالطائف تلقاه مسعود بن مالك الثقفى مع رجال من قومه فقالوا له نحن عبيدك لا نخالفك إنما البيت الذى تريد فى مكة لا بيت اللات الذى عندنا فبعثوا معه أبا رغال فلما نزل أبو رغال مات فالعرب ترجم قبره وبعث أبرهة وهو بالمغمس أبا الأسود بن مقصور حتى انتهى إلى مكة فساق أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وفيها مائتا بعير لعبد المطلب وقيل أربعمائة فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن بالحرم بقتاله فكفوا وعلموا أنهم لا يطيقونهم وبعث أبرهة حياطة الحميرى أن يقول لسيد مكة لم أجىء لقتالكم ولكن لهدم البيت فأَجابه عبد المطلب لا طاقة لنا بقتالك وللبيت رب إن شاءَ حماه وسار على العسكر فسأَل عن ذى نفر فقال له وهو صديقه ما عندك فقال إنى أسير أنتظر القتل ولكن أوصى إلى سائس الفيل فليحسن إليك ويدخلك على أبرهة فمدحه إلى أبرهة بأَنه سيد أهل مكة وأنه ينفق على أهل مكة والوحش والطير فأَدخله فقال له إِنه جاءَ يطلب إِبله مائتى بعير فقال له قل له قد زهد الملك فيك بعد إذ جاءَ لهدم بيت فيه شرفك وشرف قومك ولم تهتم إلاَّ بإِبلك فأَجاب بأَنى رب الإِبل وللبيت رب يمنعه فقال لا يمنعه فقال أنت وذاك فرد إليه إبله، وروى أنه ثفانة بن عدى سيد بنى بكر وخويلد بن واثلة سيد هزيل عرضا عليه ثلث أموال تهامة ليرجعن عن البيت وقد دخلا مع عبد المطلب فأَبى وأمر عبد المطلب العرب فتفرقوا فى الجبال لئلا يضرهم الجيش وأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا الله عز وجل وقال أبياتاً مشهورة وخرج فلما أصبح أبرهة تهيأَ للدخول وعبأ الجيش وهيأَ الفيل ولما وجهوه إلى مكة أخذ نفيل بن حبيب بأُذن الفيل فقال ارجع فإِن هذا بلد الله الحرام وخرج نفيل حتى صعد الجبل فأَبى الفيل فوجهوه إلى اليمن فهرول وإلى الشام فهرول وإلى مكة فأبى أيضاً فسقوه الخمر ليذهب تمييزه فلم تؤثر فيه وقيل إن عبد المطلب هو الذى أخذ بأن الفيل وقال ذلك وذلك فى وادى محسر فاَرسل الله تعالى طيراً من جهة البحر خضرا وقيل سودا وقيل بيضا كاليعاسيب وقيل كالخطاف كل طائفة يقودها طائر أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق فى منقار كل واحد حجر وفى رجليه حجران كالعدس أو كالحمص لا يصيب حجر أحداً إلاَّ مات تثقب بيضته ورأسه وتخرج من دبره وتحفر فى الأرض لشدة وقعها وزعم بعض أن ذلك بريح تقويها وتساقطوا وماتوا فى مواضعهم كلهم وقيل تحاملوا وجعلوا يسأَلون نفيل بن حبيب الطريق إلى اليمن فمنهم من مات فى حينه ومنهم من تحمل فروى أن أبرهة ما وصل صنعاء إلاَّ وهو كفرخ الطائر وقيل لم يصبهم الطير كلهم وقيل لم ينجح منهم إلاَّ واحد أخبر النجاشى ولما أخبره رماه طائر حلق من مكة على رأسه فهلك واسمه أبو يكسوم، وروى أن عائشة رضى الله عنها أدركت قائد الفيل وسائسه تخلفا فى مكة فسلما هما أعميان مقعدان يستطعمان الناس ولما أصبح عبد المطلب أرسل أحد أولاده على فرس سريع فرجع فقالوا هلكوا كلهم فجاءَ عبد المطلب ومن معه فأَخذوا أموالهم، ويروى أن عبد المطلب حفر حفرة ودفن فيها من جواهرهم والذهب الأحمر ومالهم ما شاء وأبا مسعود الثقفى كذاك وقد كان معه فى الأَمر وصعد فى الجبل فخيره عبد المطلب وقال إن شئت فهما لك فقال أبو مسعود أُخرى لى فقال لك حفرتى لأَنها أكثر مالاً وقد أعمقا فى الحفر والاختيار والملء ثم نادى سائر العرب فأخذوا وصاروا كلهم أغنياءَ.

الالوسي

تفسير : الظاهر أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير رؤيته عليه الصلاة والسلام بإنكار عدمها، وهي بصرية تجوز بها عن العلم على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل لأنها سببية ويجوز جعلها علمية من أول الأمر إلا أن ذاك أبلغ وعلمه صلى الله عليه وسلم بذلك لما أنه سمعه متواتراً و{كَيْفَ} في محل نصب على المصدرية بفعل والمعنى أي فعل فعل وقيل على الحالية من الفاعل والكيفية حقيقة للفعل لا بألم تر لمكان الاستفهام والجملة سادة مسد المفعولين لتر وجوز بعضهم نصب {كَيْفَ} بتر لانسلاخ معنى الاستفهام عنه كما في «شرح المفتاح الشريفي» وصرح أبو حيان بامتناعه لأنه يراعي صدارته إبقاء لحكم أصله. وتعليق الرؤية بكيفية فعله تعالى شأنه لا بنفسه بأن يقال: ألم تر ما فعل ربك الخ لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كما قال غير واحد من الإرهاصات لما روي أن القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبـي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري لا يشك في ذلك أحد من العلماء وعليه الإجماع وكل ما خالفه وهم - أي من أنها كانت قبل بعشر سنين أو بخمس عشرة سنة أو بثلاث وعشرين سنة أو بثلاثين سنة أو بأربعين سنة أو بسبعين سنة -الأقوال المذكورة في كتب السير وعلى الأول المرجح الذي عليه الجمهور قيل ولادته عليه الصلاة والسلام في اليوم الذي بعث الله تعالى فيه الطير على أصحاب الفيل من ذلك العام وهو المذكور في «تاريخ ابن حبان» وهو ظاهر قول ابن عباس ولد عليه الصلاة والسلام يوم الفيل وذهب السهيلي أنه صلى الله عليه وسلم ولد بعدها بخمسين يوماً وكانت في المحرم والولادة في شهر ربيع الأول وقال الحافظ الدمياطي بخمسة وخمسين يوماً وقيل بأربعين وقيل بشهر والمشهور ما ذهب إليه السهيلي وفي قوله تعالى: {رَبَّكَ } نوع رمز إلى الإرهاص وكون ذلك لشرف البيت ودعوة الخليل عليه السلام لا ينافي الإرهاص وكذا لا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما بركت ناقته وقال الناس: خلأت أي حزنت ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل إذ لم يدع أن ما كان للإرهاص لا غير ومثل هذه العلل لا يضر تعددها ويؤيد الإرهاص قصة القرامطة وغيرهم. وتفصيل القصة أن أبرهة الأشرم بن الصباح الحبشي كما قال ابن إسحاق وغيره - وهو الذي يكنى بأبـي يكسوم بالسين المهملة ولا يأباه التسمية بأبرهة بناءً على أن معناه بالحبشة الأبيض الوجه كما لا يخفى وقيل إنه الحميري - خرج على ارباط ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بكسر النون بعد سنتين من سلطانه فتبارزا وقد أرصد الأشرم خلفه غلامه عتورة فحمل عليه أرباط بحربة فضربه يريد يافوخه فوقعت على جبهته فشرمت حاجبه وأنفه وعينه وشفته ولذا سمي الأشرم فحمل عتورة من خلف أبرهة فقتله وملك مكانه فغضب النجاشي فاسترضاه فرضي فأثبته. ثم إنه بنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها سماها القُلَّيس - بقاف مضمومة ولام مفتوحة مشددة كما في «ديوان الأدب» أو مخففة كما قيل وبعدها ياء مثناة سفلية ثم سين مهملة - وكان ينقل إليها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب على ما يقال من قصر بلقيس زوج سليمان عليه السلام وكتب إلى النجاشي إنني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حجر العرب فلما تحدثت العرب بكتابه ذلك غضب رجل من النَّسأة أحد بني فقيم بن عدي من كنانة فخرج حتى أتاها فقعد فيها أي أحدث ولطخ قبلتها بحدثه ثم خرج ولحق بأرضه فأخبر أبرهة / فقال من صنع هذا؟ فقيل رجل من أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة غضب لما سمع قولك أصرف إليها حج العرب ففعل ذلك فاستشاط أبرهة غضباً وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه وقيل أَجَّجَت رفقة من العرب ناراً حولها فحملتها الريح فأحرقتها فغضب لذلك فأمر الحبشة فتهيأت وتجهزت فخرج في ستين ألفاً على ما قيل منهم ومعه فيل اسمه محمود وكان قوياً عظيماً واثنا عشر فيلاً غيره وقيل ثمانية وروي ذلك عن الضحاك وقيل ألف فيل وقيل معه محمود فقط وهو قول الأكثرين الأوفق بظاهر الآية - فسمعت العرب بذلك فأعظموه وقلقوا به ورأوا جهاده حقاً عليهم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر بمن أطاعه من قومه وسائر العرب فقاتله فهزم وأخذ أسيراً فأراد قتله فقال أيها الملك لا تقتلني فعسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي فتركه وحبسه عنده حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي بمن معه من قومه وغيرهم فقاتله فهزم وأخذ أسيراً فهم بقتله فقال نحو ما سبق فخلى سبيله وخرج به يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب بن مالك الثقفي في رجال من ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سماعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا الذي تريد يعنون بيت اللات إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم فبعثوا معه أبا رغال فخرج ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس - كمعظم موضع بطريق الطائف معروف - فلما نزله مات أبو رغال ودفن هناك فرجمت قبره العرب كما قال ابن إسحاق وقيل القبر الذي هناك لأبـي رغال رجل من ثمود وهو أبو ثقيف كان بالحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بالمغمس فدفن فيه واختاره صاحب «القاموس» ذاكراً فيه حديثاً رواه أبو داود في «سننه» وغيره عن ابن عمر مرفوعاً وقال فيما تقدم بعد نقله عن الجوهري ليس بجيد وجمع بعض بجواز أن يكون قبران لرجلين كل منهما أبو رغال ثم إن أبرهة بعث وهو بالمغمس رجلاً من الحبشة يقال له الأسود بن مقصور حتى انتهى إلى مكة فساق أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير وقيل أربعمائة بعير لعبد المطلب وكان يومئذٍ سيد قريش فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بحربه فعرفوا أن لا طاقة لهم به فكفوا وبعث أبرهة حُناطة الحميري إلى مكة وقال قل لسيد أهل هذا البلد إن الملك يقول: إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربـي فأتني به فلما دخل حُناطة دلَّ على عبد المطلب فقال له ما أمر به فقال عبد المطلب والله ما نريد حربه وما لنا به طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه ثم انطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان صديقه فدخل عليه فقال له هل عندك من غَنَاء فيما نزل بنا؟ فقال وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدواً وعشياً ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أُنَيْسَاً سائس الفيل سأرسل إليه فأوصيه بك وأُعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك فقال حسبـي فبعث إليه فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة ويطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب الملك له مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت فقال افعل فكلم أبرهة ووصف عبد المطلب بما وصفه به ذو نفر فأذن له وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم فلما رآه أكرمه عن أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه والقول بأنه أعظمه لما رأى من نور النبوة الذي كان في وجهه ضعيف لما فيه من الدلالة على كون / القصة قبل ولادة عبد الله وهو خلاف ما علمت من القول المرجح اللهم إلا أن يقال إنه تجلى فيه ذلك النور وإن كان قد انتقل ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك فقال حاجتي أن يرد علي الملك إبلي فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه فقال عبد المطلب: إني رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه قال ما كان ليمنع مني قال أنت وذاك، وفي رواية أنه دخل عليه مع عبد المطلب ثفانة بن عدي سيد بني بكر وخويلد بن واثلة سيد هذيل فعرضا عليه ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع ولا يهدم البيت فأبـى فرد الإبل على عبد المطلب فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر فتحرزوا في شعف الجبال تخوفاً من معرة الجيش ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله عز وجل ويستنصرونه فقال وهو آخذ بالحلقة: شعر : لا هُمَّ إن المرء يمـ ـنع رحله فامنع حِلالك وانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدواً مِحالك جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلاً وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبـ ـتنا فأمر ما بدا لك تفسير : وقال أيضاً: شعر : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع عنهم حماكا أن عدو البيت من عادا كا امنعهم أن يخربوا فناكا تفسير : ثم أرسل الحلقة وانطلق هو ومن معه إلى شعف الجبال ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح تهيأ للدخول وعبـى جيشه وهيأ الفيل فلما وجهوه إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه فأخذ بإذنه فقال ابرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل اذنه فبرك أي سقط وخرج نفيل يشتد حتى أصعد في الجبل فضربوا الفيل وأوجعوه ليقوم فأبـى ووجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول إلى الشام ففعل مثل ذلك فوجهوه إلى مكة فبرك فسقوه الخمر ليذهب تمييزه فلم ينجع ذلك وقيل إن عبد المطلب هو الذي عرك أذنه وقال له ما ذكر وكان ذلك عند وادي محسر وأرسل الله تعالى طيراً من البحر قيل سوداً وقيل خضراً وقيل بيضاً مثل الخطاطيف مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب أحداً منهم إلا هلك ويروى أنه يلقيها على رأس أحدهم فتخرج من دبره ويتساقط لحمه فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤا يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل حين رأى ما نزل بهم: شعر : أين المفر والاله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب تفسير : وقال أيضاً: شعر : ألا حييت عنا يا ردينا نعمناكم عن الإصباح عينا ردينة لو رأيت ولا تريه لدى جنب المحصب ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت أمري ولا تأسى على ما فات بينا فكل القوم تسأل عن نفيل كأن عليه للحبشان دينا تفسير : وجعلوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون في كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة تبعها منه مدة ثم دم وقيح حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات / حتى انصدع صدره عن قلبه وقد أشار إلى ذلك ابن الزبعرى بقوله من أبيات يذكر فيها مكة: شعر : سائل أمير الحبش عنا ما ترى ولسوف ينبـي الجاهلين عليمها ستون ألفاً لم يؤبوا أرضهم بل لم يعش بعد الإياب سقيمها تفسير : ولهم في ذلك شعر كثير ذكر ابن هشام جملة منه في «سيره» وفيها أن الطير لم تصب كلهم وذكر بعضهم أنه لم ينج منهم غير واحد دخل على النجاشي فأخبره الخبر والطير على رأسه فلما فرغ ألقى عليه الحجر فخرقت البناء ونزلت على رأسه فألحقته بهم وقيل إن سائس الفيل وقائده تخلفا في مكة فسلما فعن عائشة أنها قالت: أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس وعن عكرمة أن من أصابه الحجر جدرته وهو أول جدري ظهر أي بأرض العرب فعن يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام أيضاً ويروى أن عبد المطلب لما ذهب إلى شعف الجبال بمن معه بقي ينتظر ما يفعل القوم وما يفعل بهم فلما أصبح بعث أحد أولاده على فرس له سريع ينظر ما لقوا فذهب فإذا القوم مشدخين جميعاً فرجع رافعاً رأسه كاشفاً عن فخذه فلما رأى ذلك أبوه قال ألا إن ابني أفرس العرب وما كشف عن عورته إلا بشيراً أو نذيراً فلما دنا من ناديهم قالوا ما وراءك قال هلكوا جميعاً فخرج عبد المطلب وأصحابه إليهم فأخذوا أموالهم وقال عبد المطلب: شعر : أنت منعت الحبش والأفيالا وقد رعوا بمكة الأحبالا وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر منهم معضالا شكراً وحمداً لك ذا الجلالا تفسير : هذا ومن أراد استيفاء القصة على أتم مما ذكر فعليه بمطولات كتب السير. وقرأ السلمي (ألم تَرْ) بسكون الراء جَدَّاً في إظهار أثر الجازم لأن جزمه بحذف آخره فإسكان ما قبل الآخر للاجتهاد في إظهار أثر الجازم قيل والسر فيه هنا الإسراع إلى ذكر ما يهم من الدلالة على أمر الألوهية والنبوة أو الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية إيماءً إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر [وأن] من لم يسارع إلى رؤيته لم يدركه حق إدراكه وتعقب هذا بأن تقليل البنية يدل على قلة المعنى وهو الرؤية لا على قلة زمانه وقيل لعل السر فيه الرمز من أول الأمر إلى كثرة الحذف في أولئك القوم فتدبر.

سيد قطب

تفسير : تشير هذه السورة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة، عظيم الدلالة على رعاية الله لهذه البقعة المقدسة التي اختارها الله لتكون ملتقى النور الأخير، ومحضن العقيدة الجديدة، والنقطة التي تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض، وإقرار الهدى والحق والخير فيها.. وجملة ما تشير إليه الروايات المتعددة عن هذا الحادث، أن الحاكم الحبشي لليمن ـ في الفترة التي خضعت فيها اليمن لحكم الحبشة بعد طرد الحكم الفارسي منها ـ وتسميه الروايات: "أبرهة"، كان قد بنى كنيسة في اليمن باسم ملك الحبشة وجمع لها كل أسباب الفخامة، على نية أن يصرف بها العرب عن البيت الحرام في مكة، وقد رأى مبلغ انجذاب أهل اليمن الذين يحكمهم إلى هذا البيت، شأنهم شأن بقية العرب في وسط الجزيرة وشماليها كذلك. وكتب إلى ملك الحبشة بهذه النية.. ولكن العرب لم ينصرفوا عن بيتهم المقدس، فقد كانوا يعتقدون أنهم أبناء إبراهيم وإسماعيل صاحبي هذا البيت، وكان هذا موضع اعتزازهم على طريقتهم بالفخر بالأنساب. وكانت معتقداتهم ـ على تهافتها ـ أفضل في نظرهم من معتقدات أهل الكتاب من حولهم، وهم يرون ما فيها من خلل واضطراب وتهافت كذلك. عندئذ صح عزم "أبرهة" على هدم الكعبة ليصرف الناس عنهم؛ وقاد جيشاً جراراً تصاحبه الفيلة، وفي مقدمتها فيل عظيم ذو شهرة خاصة عندهم. فتسامع العرب به وبقصده. وعز عليهم أن يتوجه لهدم كعبتهم. فوقف في طريقه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن البيت الحرام، فأجابه إلى ذلك من أجابه. ثم عرض له فقاتله، ولكنه هزم وأخذه أبرهة أسيراً. ثم وقف له في الطريق كذلك نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلتين من العرب ومعهما عرب كثير، فهزمهم كذلك وأسر نفيلا، الذي قبل أن يكون دليله في أرض العرب. حتى إذا مر بالطائف خرج إليه رجال من ثقيف فقالوا له: إن البيت الذي يقصده ليس عندهم إنما هو في مكة. وذلك ليدفعوه عن بيتهم الذي بنوه للاّت! وبعثوا معه من يدله على الكعبة! فلما كان أبرهة بالمغمس بين الطائف ومكة، بعث قائداً من قواده حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله. ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. وبعث أبرهة رسولاً إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد، ويبلغه أن الملك لم يأت لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت، فإن لم يتعرضوا له فلا حاجة له في دمائهم! فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك.. فلما كلم عبد المطلب فيما جاء به قال له: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة. هذا بيت الله الحرام. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام.. فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه.. فانطلق معه إلى أبرهة.. قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه، وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جانبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك، قال أبرهة لترجمانه؛ قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل. وإن للبيت رباً سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك!.. فرد عليه إبله. ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في شعف الجبال. ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه. وروي عن عبد المطلب أنه أنشد: شعر : لا هُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك. لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمرٌ ما بدا لك! تفسير : فأما أبرهة فوجه جيشه وفيله لما جاء له. فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا. وهذه الحادثة ثابتة بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء دون مكة، فقالوا: خلأت القصواء (أي حرنت) فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل.." تفسير : وفي الصحيحين أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم فتح مكة: "حديث : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب"تفسير : ، فهي حادثة ثابتة أنه قد حبس الفيل عن مكة في يوم الفيل.. ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده، فأرسل عليهم جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة. كما يحكي عنهم القرآن الكريم.. وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء، فما مات حتى انشق صدره عن قلبه كما تقول الروايات.. وتختلف الروايات هنا في تحديد نوع هذه الجماعات من الطير، وأشكالها، وأحجامها، وأحجام هذه الحجارة ونوعها وكيفية فعلها. كما أن بعضها يروي أن الجدري والحصبة ظهرا في هذا العام في مكة. ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات، وإلى رؤية السنن الكونية المألوفة تعمل عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والحصبة أقرب وأولى. وأن الطير قد تكون هي الذباب والبعوض التي تحمل الميكروبات، فالطير هو كل ما يطير. قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في تفسيره للسورة في جزء عم: "وفي اليوم الثاني فشا في جند الجيش داء الجدري والحصبة.. قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر ببلاد العرب. وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام. وقد فعل الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله. فكان لحمهم يتناثر ويتساقط فذعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين، وأصيب الجيش، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة، وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء. "هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به. وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح". "فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه. وأن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير ـ الذي يسمونه الآن بالمكروب ـ لا يخرج عنها. وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها.. ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين، على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها.. فلله جند من كل شيء". شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد تفسير : "وليست في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته. فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه، قبل أن يدخل مكة. وهي نعمة غمر الله بها أهل حرمه ـ على وثينتهم ـ حفظاً لبيته، حتى يرسل من يحميه بقوة دينه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن كانت نعمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت دون جرم اجترمه، ولا ذنب اقترفه". "هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة. وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل، إن صحت روايته. ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل ـ وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسماً ـ ويهلك، بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر. لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!!". ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الأستاذ الإمام ـ صورة الجدري أو الحصبة من طين ملوث بالجراثيم ـ أو تلك التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة تخرق الرؤوس والأجسام وتنفذ منها وتمزق الأجساد فتدعها كفتات ورق الشجر الجاف وهو "العصف".. لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله، ولا أولى بتفسير الحادث. فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع. ومن حيث الدلالة على قدرة الله وتدبيره، ويستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي التي جرت فأهلكت قوماً أراد الله إهلاكهم. أو أن تكون سنة الله قد جرت بغير المألوف للبشر، وغير المعهود المكشوف لعلمهم، فحققت قدره ذاك. إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه. وما يعرف البشر من سنة الله إلا طرفاً يسيراً يكشفه الله لهم بمقدار ما يطيقون، وبمقدار ما يتهيأون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق ـ كما يسمونها ـ هي من سنة الله. ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه! ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها ـ متى صحت الرواية ـ أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقة، ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على ألسنة المألوفة أقل وقعاً ولا دلالة من جريانه على ألسنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر.. إن طلوع الشمس وغروبها خارقة ـ وهي معهودة كل يوم ـ وإن ولادة كل طفل خارقة ـ وهي تقع كل لحظة، وإلا فليجرب من شاء أن يجرب! وإن تسليط طير ـ كائناً ما كان ـ يحمل حجارة مسحوقة ملوثة بميكروبات الجدري والحصبة وإلقائها في هذه الأرض، في هذا الأوان، وإحداث هذا الوباء في الجيش، في اللحظة التي يهم فيها باقتحام البيت..إن جريان قدر الله على هذا النحو خارقة بل عدة خوارق كاملة الدلالة على القدرة وعلى التقدير. وليست بأقل دلالة ولا عظمة من أن يرسل الله طيراً خاصاً يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلاً خاصاً في اللحظة المقررة.. هذه من تلك.. هذه خارقة وتلك خارقة على السواء.. فأما في هذا الحادث بالذات، فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأن الله أرسل طيراً أبابيل غير معهودة ـ وإن لم تكن هناك حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفاً مثيراً، نجد له نظائر في مواضع أخرى تشي بأن عنصر المبالغة والتهويل مضاف إليها! ـ تحمل حجارة غير معهودة، تفعل بالأجسام فعلاً غير معهود.. نحن أميل إلى هذا الاعتبار. لا لأنه أعظم دلالة ولا أكبر حقيقة. ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب. فقد كان الله ـ سبحانه ـ يريد بهذا البيت أمراً. كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمناً؛ وليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحف منه حرة طليقة، في أرض حرة طليقة، لا يهيمن عليها أحد من خارجها، ولا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها. ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى ليمتن بها على قريش بعد البعثة في هذه السورة، ويضربها مثلاً لرعاية الله لحرماته وغيرته عليها.. فمما يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود، بكل مقوّماته وبكل أجزائه ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذ.. وبخاصة أن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده، فإن الجدري أو الحصبة لا يسقط الجسم عضواً عضواً وأنملة أنملة، ولا يشق الصدر عن القلب.. وهذه الصورة هي التي يوحي بها النص القرآني: {فجعلهم كعصف مأكول}.. إيحاء مباشراً قريباً. ورواية عكرمة وما حدث به يعقوب بن عتبة ليست نصاً في أن الجيش أصيب بالجدري. فهي لا تزيد على أن تقول: إن الجدري ظهر في الجزيرة في هذا العام لأول مرة. ولم ترد في أقوالهما أية إشارة لأبرهة وجيشه خاصة بالإصابة بهذا المرض.. ثم إن إصابة الجيش على هذا النحو وعدم إصابة العرب القريبين بمثله في حينه تبدو خارقة إذا كانت الطير تقصد الجيش وحده بما تحمل. وما دامت المسألة خارقة فعلام العناء في حصرها في صورة معينة لمجرد أن هذه الصورة مألوفة لمدارك البشر! وجريان الأمر على غير المألوف أنسب لجو الحادث كله؟! إننا ندرك ونقدر دوافع المدرسة العقلية التي كان الأستاذ الإمام ـ رحمه الله ـ على رأسها في تلك الحقبة.. ندرك ونقدر دوافعها إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات في تفسير القرآن الكريم وأحداث التاريخ، ومحاولة ردها إلى المألوف المكشوف من السنن الكونية.. فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة؛ كما تواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها، كتب التفسير والرواية في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشكّ في مقومات الدين إلى قمتها. فقامت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل. ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير. كما تحاول أن تنشئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية، وتدرك ثباتها واطرادها، وترد إليها الحركات الإنسانية كما ترد إليها الحركات الكونية في الأجرام والأجسام ـ وهي في صميمها العقلية القرآنية ـ فالقرآن يرد الناس الناس إلى سنن الله الكونية باعتبارها القاعدة الثابتة المطردة المنظمة لمفردات الحركات والظواهر المتناثرة. ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى تركت آثارها في تلك المدرسة. من المبالغة في الاحتياط، والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو القاعدة الكلية لسنة الله. فشاع في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده ـ كما شاع في تفسير تلميذيه الأستاذ الشيخ رشيد رضا والأستاذ عبد القادر المغربي ـ رحمهم الله جميعاً ـ شاع في هذا التفسير الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه "المعقول"! وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيات. ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذا الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل. وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها ـ سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف ـ هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير. ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه ـ كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة. هذا إلى جانب أن المألوف من سنة الله ليس هو كل سنة الله. إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون. وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير.. وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل، غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة، ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!! إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية، لعل هنا مكان تقريرها.. إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة. لا مقررات عامة. ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص. بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانية، ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعاً؛ فإذا قررت لنا أمراً فهو المقرر كما قررته! ذلك أن ما نسميه "العقل" ونريد أن نحاكم إليه مقررات عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية والغيبية هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشرية المحدودة. وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيد بمفردات التجارب والوقائع بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد وراء ذواتها، إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري. وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند الله. والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا. ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها. ومن ثم لا يصلح أن يقال: إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله ـ كما يرد كثيراً في مقررات أصحاب هذه المدرسة. وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة. ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن. ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى.. ونعود من هذا الاستطراد إلى سورة الفيل، وإلى دلالة القصة.. {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟}.. وهو سؤال للتعجيب من الحادث، والتنبيه إلى دلالته العظيمة. فالحادث كان معروفاً للعرب ومشهوراً عندهم، حتى لقد جعلوه مبدأ تاريخ. يقولون حدث كذا عام الفيل، وحدث كذا قبل عام الفيل بعامين، وحدث كذا بعد عام الفيل بعشر سنوات.. والمشهور أن مولد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في عام الفيل ذاته. ولعل ذلك من بدائع الموافقات الإلهية المقدرة! وإذن فلم تكن السورة للإخبار بقصة يجهلونها، إنما كانت تذكيراً بأمر يعرفونه، المقصود به ما وراء هذا التذكير.. ثم أكمل القصة بعد هذا المطلع في صورة الاستفهام التقريري كذلك: {ألم يجعل كيدهم في تضليل؟}.. أي ألم يضل مكرهم فلا يبلغ هدفه وغايته، شأن من يضل الطريق فلا يصل إلى ما يبتغيه.. ولعله كان بهذا يذكر قريشاً بنعمته عليهم في حماية هذا البيت وصيانته، في الوقت الذي عجزوا هم عن الوقوف في وجه أصحاب الفيل الأقوياء. لعلهم بهذه الذكرى يستحون من جحود الله الذي تقدمت يده عليهم في ضعفهم وعجزهم، كما يطامنون من اغترارهم بقوتهم اليوم في مواجهة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه. فقد حطم الله الأقوياء حينما شاءوا الاعتداء على بيته وحرمته؛ فلعله يحطم الأقوياء الذين يقفون لرسوله ودعوته. فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بينه في صورة وصفية رائعة: {وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول}.. والأبابيل: الجماعات. وسجيل كلمة فارسية مركبة من كلمتين تفيدان:حجر وطين. أو حجارة ملوثة بالطين. والعصف: الجاف من ورق الشجر. ووصفه بأنه مأكول: أي فتيت طحين! حين تأكله الحشرات وتمزقه، أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه! وهي صورة حسية للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير. ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال هلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة. فأما دلالة هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة.. وأول ما توحي به أن الله ـ سبحانه ـ لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم كانوا يعتزون بهذا البيت، ويحمونه ويحتمون به. فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له وغيرته عليه ترك المشركين يهزمون أمام القوة المعتدية. وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام، حتى لا تتكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته، بحميتهم الجاهلية. ولعل هذه الملابسة ترجح ترجيحاً قوياً أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة ـ لا السنة المألوفة المعهودة ـ فهذا أنسب وأقرب.. ولقد كان من مقتضى هذا التدخل السافر من القدرة الإلهية لحماية البيت الحرام أن تبادر قريش ويبادر العرب إلى الدخول في دين الله حينما جاءهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنية هو المانع لهم من الإسلام! وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم، والتعجيب من موقفهم العنيد! كذلك توحي دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب ـ أبرهة وجنوده ـ أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة. حتى والشرك يدنسه، والمشركون هم سدنته. ليبقي هذا البيت عتيقاً من سلطان المتسلطين، مصوناً من كيد الكائدين. وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشرية ولا يقاد. وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام! ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة. فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون، سيحفظه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين! والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض. بل لم يكن لهم كيان. قبل الإسلام. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة. وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربية تحت حماية الرومان.. ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه. ولكنه ظل في حالة بداوة أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة، ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة. وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي. وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه، وأصبحت لهم قوة دولية يحسب لها حساب. قوة جارفة تكتسح الممالك وتحطم العروش، وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهلية المزيفة الضالة.. ولكن الذي هيأ للعرب هذا لأول مرة في تاريخهم هو أنهم نسوا أنهم عرب! نسوا نعرة الجنس، وعصبية العنصر، وذكروا أنهم مسلمون. ومسلمون فقط. ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها. وحملوا عقيدة ضخمة قوية يهدونها إلى البشرية رحمة وبراً بالبشرية؛ ولم يحملوا قومية ولا عنصرية ولا عصبية. حملوا فكرة سماوية يعلمون الناس بها لا مذهباً أرضياً يخضعون الناس لسلطانه. وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب وإلى حكمهم أنفسهم! إنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد جميعاً إلى عبادة الله وحده، كما قال ربعي بن عامر رسول المسلمين في مجلس يزدجرد: "الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام". عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة.. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله. وقد ظلت لهم قوتهم. وظلت لهم قيادتهم ما استقاموا على الطريقة. حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم، وتركوا راية الله ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض وداستهم الأمم، لأن الله قد تركهم حيثما تركوه، ونسيهم مثلما نسوه! وما العرب بغير الإسلام؟ ما الفكرة التي قدموها للبشرية أو يملكون تقديمها إذا هم تخلوا عن هذه الفكرة؟ وما قيمة أمة لا تقدم للبشرية فكرة؟ إن كل أمة قادت البشرية في فترة من فترات التاريخ كانت تمثل فكرة. والأمم التي لم تكن تمثل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق، والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة الرومانية في الغرب لم يستطيعوا الحياة طويلاً، إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها. والفكرة الوحيدة التي تقدم بها العرب للبشرية كانت هي العقيدة الإسلامية، وهي التي رفعتهم إلى مكان القيادة، فإذا تخلوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة، ولم يعد لهم في التاريخ دور.. وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيداً إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة.. والله الهادي من الضلال..

ابن عاشور

تفسير : استفهام تقريري وقد بيّنّا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثيراً ما يكون على نفي المقرَّر بإثباته للثقة بأن المقرَّر لا يسعه إلا إثبات المنفي وانظر عند قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } تفسير : في سورة البقرة (243). والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته. وعليه فالتقرير مستعمل مجازاً في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصاً للنبيء صلى الله عليه وسلم فيكون من باب قوله: { أية : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } تفسير : [البلد: 1، 2]، وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم إذ لم يزالوا يعبدون غيره. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه قوله: {ربك}. فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى: { أية : ألم يجدك يتيماً فآوى } تفسير : [الضحى: 6] الآيات وقوله: { أية : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } تفسير : [البلد: 1، 2] على أحد الوجوه المتقدمة. فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه. وقال أبو صالح: رأيت في بيت أم هاني بنتِ أبي طالب نحواً من قفيزين من تلك الحجارة سُوداً مخططة بحمرة. وقال عتاب بن أسِيدْ: أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مُقْعَدين يستطعمان الناس. وقالت عائشة: لقد رأيْتُ قائد الفيل وسائقه أعمَيين يستطعمان الناس. وفعل الرؤية معلق بالاستفهام. ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسبة لمن تجاوز سنهُ نيفاً وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاماً أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف. و{كيف} للاستفهام سَدّ مسدّ مفعوليْ أو مفعول {تَر}، أي لم تر جواب هذا الاستفهام، كما تقول: علمتُ هل زيد قائم؟ وهو نصب على الحال من فاعل {تَر}. ويجوز أن يكون {كيف} مجرداً عن معنى الاستفهام مراداً منه مجرد الكيفية فيكون نصباً على المفعول به. وإيثار {كيف} دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل: ألم تر ما فعل ربك، أو الذي فعل ربك، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة. وأوثر لفظ {فعل ربك} دون غيره لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالاً كثيرة لا يدل عليها غيره. وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف (رب) مضافاً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبي صلى الله عليه وسلم إرهاصاً لنبوءته إذ كان ذلك عام مولده. وأصحاب الفيل: الحَبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمِرين هدم الكعبة انتقاماً من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج. وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عَذَّب فيها الملكُ ذو نواس النصارى، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلاً يقال له: (أبرهة) وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القَلِيس (بفتح القاف وكسر اللام بعدما تحتية ساكنة، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية). وفي «القاموس» بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء. وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القَلْس للارتفاع. ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ فإما أن يكون اسم جنس للكنيسة ولعل لفظ كنيسة في العربية معرّب منه، وإما أن يكون علماً وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة فروي أن رجلاً من بني فُقَيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : إنما النسيء زيادة في الكفر } تفسير : في سورة براءة (37)، قَصد الكنانيُّ صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيراً لها ليتسامَعَ العربُ بذلك فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة وسار حتى نزل خارج مكة ليلاً بمكان يقال له المُغَمَّس (كمعظم موضع قرب مكة في طريق الطائف) أو ذو الغميس (لم أر ضبطه) وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة. فلما أصبح هيّأ جَيْشه لدخول مكة وكان أبرهة راكباً فيلاً وجيشه معه فبينا هو يَتهيّأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجُدريّ الفتاك يتساقط منه الأنامل، ورأوا قبل ذلك طيراً ترميهم بحجارة لا تصيب أحداً إلا هلك وهي طير من جند الله فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ومرض (أبرهة) فقفل راجعاً إلى صنعاء مريضاً، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوّهم. وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط (فبراير) سنة 570 بعد ميلاد عيسى عليه السلام، وبعد هذا الحادث بخمسين يوماً ولد النبي على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير. والتعريف في {الفيل} للعهد، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجَمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة، مع أن في الجيش جمالاً أخرى. وقد قيل: إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد، وهو فيل أبرهة، وكان اسمه محمود. وقيل: كان فيه فِيَلَة أخرى، قيل ثمانية وقيل: اثنا عشر. وقال بعضٌ: ألف فيل. ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب: شعر : أنتَ منعتَ الحُبْشَ والأفْيالا تفسير : فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفاداً من الإِضافة. والفيل: حيوان عظيم من ذوات الأربع ذواتِ الخف، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوباً، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية، ضخم الجثة أضخم من البعير، وأعلى منه بقليل وأكثر لحماً وأكبر بطناً. وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جداً له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ويدافع به عن نفسه يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان، ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه. وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان، وذَنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة. ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخِذ الناس منها العاجَ. وجلده أجرد مثل جلد البقر، أصهب اللون قاتم كلون الفار ويكون منه الأبيض الجلد. وهو مركوبٌ وحاملُ أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود. ولم يكن الفيل معروفاً عند العرب فلذلك قلّ أن يُذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة. وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة. ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيماً قوياً، قال لبيد: شعر : ومقامٍ ضيِّق فرَّجْتُه ببيانٍ ولسان وجَدل لو يقومُ الفيلُ أوفَيَّالُه زل عن مثل مقامي ورحل تفسير : وقال كَعب بن زهير في قصيدته: شعر : لقَدْ أقومُ مقاماً لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلَّ يَرْعد إلا أنْ يكون له من الرسول بإذن الله تنويل تفسير : وكنت رأيْتُ أنّ.... قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة. وعن عائشة وعتاب بن أسيد: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس. والمعنى: ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده.

الواحدي

تفسير : {ألم ترَ} ألم تعلم. وقيل: ألم تخبر {كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}. {ألم يجعل كيدهم في تضليل} أضلَّ كيدهم عمَّا أرادوا من تخريب الكعبة. {وأرسل عليهم طيراً أبابيل} جماعاتٍ جماعاتٍ. {ترميهم بحجارة من سجيل} من آجرٍ. {فجعلهم كعصف مأكول} كزرعٍ أكلته الدَّوابُّ فداسته وفتَّتته. والعصف: ورق الزرع.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- قد علمت - يا محمد - علماً لا يخالطه شك فِعْل ربك بأصحاب الفيل؛ الذين قصدوا الاعتداء على البيت الحرام. 2- قد علمت أن الله قد جعل سعيهم لتخريب الكعبة فى تضييع وإبطال، فخيب مسعاهم، ولم ينالوا قصدهم. 3- وسلَّط الله عليهم من جنوده طيرا أتتهم جماعات متتابعة وأحاطت بهم من كل ناحية. 4- تقذفهم بحجارة من جهنم. 5- فجعلهم كورق زرع أصابته آفة فأتلفته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ألم تر كيف فعل ربك: أي ألم ينته إلى علمك فعل ربك بأصحاب الفيل. بأصحاب الفيل: أي محمود وهي أكبرها ومعه اثنا عشر فيلا وصاحبها أبرهة. ألم يجعل كيدهم: أي في هدم الكعبة. في تضليل: أي في خسار وهلاك. أبابيل: أي جماعات جماعات. من سجيل: أي طين مطبوخ. كعصف مأكول: أي كورق زرع أكلته الدواب وداسته بأرجلها. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} إلى قوله {مَّأْكُولٍ} هي خمس آيات تضمنت الحديث عن حادث جلل وقع أمام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وخلاصته أن أبرهة الأشرم والي اليمن من قبل ملك الحبشة قد رأى أن يبني بيتا في صنعاء اليمن يدعو العرب إلى حجة بدل حجهم البيت الحرام والقصد من ذلك تحويل التجارة والمكاسب من مكة إلى اليمن وعرض هذا على الملك الحبشي فوافق وسره ذلك ولما بني البيت "الكنيسة" وسماها القُلَّيْس لم يبن مثلها في تاريخها جاء رجل قرشي فتغوط فيها ولطخ جدرانها بالعذرة غَصْباً منه، وذهب فلما رآها أبرهة الأشرم بتلك الحال استشاط غيظا وجهز جيشا لغزو مكة وهدم الكعبة وكان معه ثلاثة عشر فيلا ومن بينها فيل يدعى محمود وهو أكبرها وساروا ما وقف في وجههم حي من أحياء العرب إلا قاتلوه وهزموه حتى انتهوا إلى قرب مكة وجرت سفارة بينهم وبين شيخ مكة عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت المفاوضات بأن يرد أبرهة إبل عبد المطلب ثم هو وشأنه بالكعبة وأمر رجال مكة أن يخلو البلد ويلتحقوا برؤوس الجبال بنسائهم وأطفالهم خشية المعرة تلحقهم من الجيش الغازي والظالم، وما هي إلا أن تحرك جيش أبرهة ووصل إلى وادي محسر وهو في وسط الوادي سائر وإذا بفرق من الطير فرقة بعد أخرى ترسل على ذلك الجيش حجارة الواحدة ما بين الحمصة والعدسة في الحجم وما تسقط الحجرة على رجل إلا ذاب وتناثر لحمه فهلكوا وفر أبرهة ولحمه يتناثر فهلك في الطريق وكانت هذه نصرة من الله لسكان حرمه وحماة بيته ومن ثم ما زالت العرب تحترم الكعبة والحرم وسكانه إلى اليوم. وقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ} يخاطب تعالى رسوله مذكراً إياه بفعله الجبار في إهلاك الجبابرة فأين قوة ظلمة قريش كالعاص بن وائل وعمرو بن هشام والوليد وعقبة من قوة أبرهة وأبادها الله تعالى في ساعة فاصبر يا محمد ولا تحمل لهؤلاء الأعداء هما فإِن لهم ساعة فكانت السورة عبارة عن ذكرى للعظة والاعتبار. وهذا شرح الآيات {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} أي ألم ينته إلى علمك فعل ربك بأصحاب الفيل. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} أي ألم يجعل ما كادوه لبيتنا وحرمنا في خسارة وضلال فلم يجنوا إلا الخزي والدمار {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} أي جماعات جماعات كانت تشاهد وهي تخرج من البحر يشاهدها رجال مكة المعتصمون بقمم الجبال إذ تمر فوقهم وهي تحمل حجارة من سجيل كل طائر يحمل ثلاثة أحجار كالحمصة والعدسة واحدة بمنقاره واثنتين بمخلبيه كل واحدة في مخلب ترميهم بها فتتفتت لحومهم وتتناثر فجعلهم كعصف مأكول أي كزرع دخلته ماشية فأكلت عصفه أي ورقه وكسرت قائمه وهشمته فكانت آية من آيات الله تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاقيه من ظلم كفار قريش. 2- تذكير قريش بفعل الله عز وجل تخويفا لهم وترهيبا. 3- مظاهر قدرة الله تعالى في تدبيره لخلقه وبطشه بأعدائه.

القطان

تفسير : أصحاب الفيل: أبرهة الحبشيّ وجيشُه الذين جاءوا لهدم الكعبة. الكيد: المكر، والخدعة. تضليل: ضلّله تضليلا: أبطلَ مكره، وجعل كيده ضائعا. وضلّ يضِل ضَلالاً وضلالة: خفيَ وغاب، وهلك. ومنه {أية : وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 7] في سورة الفاتحة. أبابيل: جماعات، وهو جمعٌ لا واحد له من لفظه. سِجّيل: طين متحجّر. العصف: حطام التبن، وورق الزرع. مأكول: أكلت الدواب بعضَه، وتناثر بعضُه الآخر. {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} حادثُ الفيل معروفٌ متواتر لدى العرب. وقد جعلوه مبدأَ تاريخٍ يؤرخون به فيقولون: وُلدِ عامَ الفيل. وحدث كذا عامَ الفيل.. وكان سنةَ خمسمائة وسبعين ميلادية. وفي ذلك العام وُلدِ النبيُّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. ألم تعلم يا محمدُ ماذا صنع اللهُ العظيمُ بأصحابِ الفيلِ، جيشِ أبرهةَ، الّذين جاءوا لهدْم الكعبة. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} ألم يُهلكْهم الله ويجعلْ مكرهم باطلاً وسعيَهم خاسراً، حيث دمّرهم وأفناهم! ثم فصّل كيفية إبطال كيدهم وكيف أهلكهم فقال: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}. لقد سلّط عليهم من جنوده طيراً أتتهم جماعاتٍ متتابعة، وأحاطتْ بهم من كلّ ناحية، وجعلت تقذفهم بحجارةٍ من طينٍ متحجّر كانت تخترقهم كالرّصاص وتقتل من تصيبُه حالا. وهكذا جعلهم كورقِ الشجرِ الذي عَصَفَتْ به الريح. وهذه معجزةٌ عظيمة تدلّ على حُرمة البيت الحرام. وقد فسّر بعض العلماء أن الطيرَ الأبابيلَ هو وباءُ الجدري والحصبة، وما اشبه ذلك. وهذا غيرُ وارد. فلقد نزلت هذه السورة في مكة، وكان كثيرٌ من رجالات قريش ممن شهدوا الحادثَ لا يزالون أحياء عند نزول هذه السورة ولم يعترضوا عليها، فهي من خوارق العادات والمعجِزات المتقدمة بين يدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهكذا حفظ اللهُ البيتَ الحرام، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 67].

د. أسعد حومد

تفسير : {بِأَصْحَابِ} (1) - قِصَّةُ الفِيلِ هِيَ أَنَّ الحَبَشَةَ احْتَلَّتِ اليَمَنَ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، وَكَانَ الحَبَشَةُ مِنَ النَّصَارَى، وَلَمَّا رَأَى حَاكِمُ اليَمَنِ الحَبَشِيُّ (وَاسْمُهُ أَبْرَهَةُ) تَعَلُّقَ العَرَبِ بِالكَعْبَةِ أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنْهَا. فَبَنَى كَنِيسَةً عَظِيمَةً، وَدَعَا العَرَبَ إِلَى الحَجِّ إِلَيهَا وَزِيَارَتِهَا، بَدَلاً مِنْ زِيَارَةِ الكَعْبَةِ. فَكَرِهَ العَرَبُ ذََلِكَ، وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ البِنَاءَ وَأَحْدَثَ فِيهِ. وَقِيلَ إِنَّ بَعْضَهُمْ حَاوَلَ إِحْرَاقَهُ. فَأَقْسَمَ أَبْرَهَةُ عَلَى أَنْ يَهْدِمَ الكَعْبَةَ رَداً عَلَى هَذِهِ الإِسَاءَةِ. وَسَارَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ يَتَقَدَّمُهُ فِيلٌ عَظِيمٌ. وَأَرَادَتْ بَعْضُ القَبَائِِلِ العَرَبِيةِ أَنْ تَعْتَرِضَ سَبِيلَهُ، وَتَصُدَّهُ عَنِ الحَرَمِ فَقَاتَلُوهُ، وَلَكِنَّهُ تَغَلَّبَ عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا وَصَلَ الجَيْشُ إِلَى مَكَانٍ يُعْرَفُ (بِالمغمَّسِ) مِنْ أَطْرَافِ مَكَّةَ تَوَقَّفَ الفِيلُ عَنِ السَّيْرِ بِاتِّجَاهِ مَكَّةَ وَبَرَكَ. فَحَاوَلُوا سَوْقَهُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ. وَكَانُوا كُلَّمَا وَجَّهُوهُ وُجْهَةً غَيْرَ مَكَّةَ سَارَ إِلَيْهَا وَلَكِنَّهُمْ حِينَمَا كَانُوا يُوَجِّهُونَهُ إِلَى مَكَّةَ كَانَ يَبْرُكُ، وَيَرْفُضُ السَّيْرَ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَحْبَاشِ مَجْمُوعَاتٍ كَبِيرَةً مِنَ الطَّيْرِ، كَانَتْ تُهَاجِمُهُمْ عَلَى دُفَعَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ (أَبَابِيل)، وَتَقْذِفُهُمْ بِحِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ تَحْمِلُهَا، فَيَهْلِكُ مَنْ تُصِيبُهُ. وَلَمَّا رَأَى أَبْرَهَةُ ذَلِكَ رَجَعَ بِمَنْ تَبَقَّى مَعَهُ مِنَ الجَيْشِ سَالِماً، بَعْدَ أَنْ وَقَعَتْ فِي الأَحْبَاشِ إِصَابَاتٌ جَسِيمَةٌ. وَيُقَالُ إِنَّ أَبْرَهَةَ نَفْسَهُ هَلَكَ وَهُوَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى اليَمَنِ. (وَيُرِيدُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ المُفْسِّرِينَ صَرْفَ مَعْنَى الطَّيْرِ الأَبَابِيلِ إِلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى كَالجُدَرِي وَالأَمْرَاضِ الأُخْرَى التِي سَلَّطَهَا اللهُ عَلَى جَيْشِ أَبْرَهَةَ، اسْتِبْعَاداً مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ اللهُ تَعَالَى قَدْ سَخَّرَ طَيْراً تَرْمِي جَيْشَ الأَحْبَاشِ حَقِيقَةً وَفِعْلاً. وَلَكِنْ حِينَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ كَانَ كَثِيرُونَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيشٍ، مِمَّنْ شَهِدُوا حَادِثَ الفِيلِ، أَحْيَاءً، وَقَدْ رَأوا بِأَعْيُنِهِم الطَّيْرَ تَرُوحُ وَتَغْدُو فَوْقَ جَيْشِ أَبْرَهَةَ، وَلَوْ كَانَ مَا أَصَابَ جَيْشَ أَبْرَهَةَ لاَ يَعْدُو أَمْرَاضاً سَلَّطَهَا اللهُ عَلَى الأَحْبَاشِ، لَكَذَّبَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ، وَلاتَّخَذُوا هَذِهِ السُّورَةَ وَسِيلَةً للتَّكْذِيبِ وَالنَّيْلِ مِنَ الرَّسُولِ). وَيَقُصُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم قِصَّةَ أَصْحَابِ الفِيلِ. فَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ بِأَصْحَابِ الفِيلِ الذِينَ قَصَدُوا الاعْتِدَاءَ عَلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ؟. أَصْحَابُ الفِيلِ - الأَحْبَاشُ مِنْ جَمَاعَةِ أَبْرَهَةَ الذِي أَرَادَ هَدمَ الكَعْبَةِ.

الثعلبي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}. القصة وباللّه التوفيق. قال محمد بن إسحاق: كان من قصة أصحاب الفيل فيما ذكر بعض أهل العلم عن سعيد ابن جُبير وعكرمة عن ابن عباس، وعمّن لقي من علماء أهل اليمن وغيرهم أن ملكاً من ملوك حمير يقال له زرعة ذو نواس كان قد تهوّد واستجمعت معه حمير على ذلك، إلاّ ما كان من أهل نجران، فإنّهم كانوا على النصرانيّة على أصل حكم الإنجيل، ولهم رأس يقال له عبد اللّه بن التامر، فدعاهم إلى اليهوديّة فأبوا فخيّرهم فاختاروا القتل فخدّ له أخدوداً وصنّف لهم أصناف القتل. فمنهم من قتل صبراً، ومنهم من خدّ لهم فألقاه في النار إلاّ رجلا من أهل سبأ يقال له دوس بن ثعلبان، فذهب على فرس له فركض حتى أعجزهم في الرمل، فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم واستنصره فقال: بعدت بلادك عنّا ولكنّي سأكتب لك إلى مَلِك الحبشة، فإنّه على ديننا فينصرك، فكتب إلى النجاشي يأمره بنصره. فلمّا قدم على النجاشي بعث معه رجلا من أهل الحبشة يقال له: ارياط، فلمّا بعثه قال: إنْ دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها، واضرب ثلث بلادها وابعث إليّ بثلث سباياها، فلمّا دخلها ناوش شيئاً من قتال فتفرّقوا عن ذي نواس وخرج به فرسه، فاستعرض به البحر فضربه فهلكا جميعاً فكان آخر العهد، ودخلها أرياط فعمل بما أمر به النجاشي، فقال ذو حدر الحميري فيما أصاب أهل اليمن وترابهم: شعر : وعيني لا أباً لك لم تُطيقي نجاك اللّه قد أنزفت ريقي لدى عزف القيان إذ انتشينا وإذ نسقى من الخمر الرحيق وشرب الخمر ليس عليّ [عاراً] إذا لم يشكني فيها رفيقي وغمدان الذي حدثت عنه بنوه ممسكاً في رأس نيق مصابيح السليط تلوح فيه إذا يمسي كتوماضِ البروقِ فأصبح بعد جدّتهِ رماداً وغيّر حسنه لهب الحريق واسلم ذو نواس مستميتاً وحذّر قومه ضنك المضيق تفسير : قال: فأقام أرياط باليمن، وكتب إليه النجاشي: أن اثبت بجندك ومن معك، فأقام حيناً ثم إنّ إبرهة بن الصباح ساخطه في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين فكانت معه طائفة ومع إبرهة طائفة، ثم تراجفا، فلمّا دنا بعضهم من بعض أرسل إبرهة إلى أرياط: لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها بعضاً شيئاً حتى تلقاني، ولكن اخرج إليّ فأيّنا قتل صاحبه انضمّ إليه الجند، فأرسل إليه: إنّك قد أنصفت. وكان أرياط جسيماً عظيماً وسيماً، في يده حربته، وكان إبرهة رجلا قصيراً حاذراً لحيماً، وكان ذا دين في النصرانيّة وخلّف إبرهة [فيها غلام] يقال له: عتودة، فلمّا دنوا رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس إبرهة فوقعت على جبينه فشرمت عينه وجبينه وأنفه وشفته فبذلك سُمّي الأشرم. وحمل عتودة على أرياط فقتله، فاجتمعت الحبشة لإبرهة وقال عتودة: أنا عتودة من خلفه ارده لا أب ولا أُم بحده، وقال إبرهة: ما كان لك قبله يا عتودة ولا ديته قال: فبلغ النجاشي ما صنع إبرهة فغضب وحلف لا يدع إبرهة حتى يجرُّ ناصيته ويطأ بلاده، وكتب إلى إبرهة: إنّك عدوت على أميري فقتلته بغير أمري. وكان إبرهة رجلا مارداً، فلمّا بلغه ما كان من قول النجاشي حلق رأسه وملأ جراباً من تراب أرضه وكتب إلى النجاشي: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك وكنت أعلم بالحبشة وأسوس لها، وقد كنت أردته أن يعتزل وأكون أنا أسوسه فأبى فقتلته، وقد بلغني الذي حلف عليه الملك، وقد حلقت رأسي فبعثت به إليه، وبعثت إليه بجراب من تراب أرضه؛ ليضعه تحت قدمه [ومن يهينه]، فلمّا انتهى إليه ذلك رضي عنه فأقرّه على عمله، وكتب إليه أن يثبت بمن معه من الجند. ثم إن إبرهة بنى كنيسة بصنعاء يقال لها: الفليس، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبنَ لملك مثلها قط، ولستُ منتهياً حتى أصرف إليها حجيج العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة فخرج إلى القليس فدخلها ليلا وقعد فيها، فبلغ إبرهة ذلك، ويقال: إنه أتاها ناظراً إليها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة، فقال: من اجترأ عليّ؟ فقيل صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت فصنع هذا، فحلف إبرهة عند ذلك ليسيرنّ إلى الكعبة حتى يهدمها. فخرج سائراً في الحبشة وخرج معه بالفيل، فسمعت بذلك العرب فأعظموه [وفظعوا به] ورأوا جهاده حقّاً عليهم، فخرج ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقابله فهزمه وأخذ ذو نفر فأتى به، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإنّ استبقائي خير لك من قتلي، فاستبقاه وأوثقه. وكان إبرهة رجلا حليماً، ثم خرج سائراً حتى دنا من بلاد خثعم فخرج نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم شهدان وأهش ومن اجتمع إليه من قبايل اليمن فقاتلوه فهزمهم وأخذ النفيل، فقال نفيل: أيّها الملك إني دليل بأرض العرب فلا تقتلني وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يدلّه حتى [إذا] مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال: أيّها الملك إنّما نحن عبيدك ليس لك عندنا من خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد يعنون اللاّت إنما تريد البيت الذي بمكّة، نحن نبعث من يدلّك عليه، فبعثوا أبا رغال مولى لهم فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره. وبعث إبرهة من المغمس رجلا من الحبس يقال له: الأسود بن مقصود على مقدّمة خيله فجمع إليه أموال الحرم وأصاب لعبد المطّلب مائتي بعير، فقال عبد اللّه بن عمر بن مخزوم: شعر : اللهم اخز الاسود بن مقصود الآخذ الهجمة فيها التقليد بين حراء وبثير فالبيد يحبسها وهي أُولات التطريد فضمها إلى طماطم سود قد أجمعوا أو يكون معبود ويهدموا البيت الحرام المعمود والمروتين والمشاعر السود أضفره يا رب وأنت محمود تفسير : ثم إن أبرهة بعث حائلة الحميري إلى أهل مكّة فقال: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه، أخبره أني لم آتِ لقتال وإنّما لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكّة فلقي عبد المطّلب بن هاشم فقال: إنّ الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأتِ لقتال إلاّ أن تقاتلوه، وإنّما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم. فقال عبد المطّلب: ماله عندنا ومالنا به نزال، سنخلّي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت اللّه الحرام، وبيت خليله إبراهيم (عليه السلام)، فإن يمسّه فهو بيته وحرمه وإن يخلّ بينه وبين ذلك فواللّه ما لنا به قوّة، قال: فانطلقْ معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة له كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر. وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يُقتل بكرة وعشية، ولكنّي سأبعث لك إلى أنيس سائس الفيل فإنّه لي صديق فاسأله أن يصنع لك مثل الملك ما استطاع من خير، ويعظّم خطرك ومنزلتك عنده. قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة، يُطعم الناس في السهل والوحوش وفي رؤوس الجبل، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه، فإنه صديق لي أحبّ ما يوصل إليه من الخير، فدخل أنيس على إبرهة فقال: أيّها الملك هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلّمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالفٌ عليك فأْذن له. وكان عبد المطّلب جسيماً وسيماً عظيماً، فلمّا رآه إبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على سريره وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال لترجمانه قل له: حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك. فقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ علي مائتي بعير أصابها لي، فقال إبرهة لترجمانه: أعْجَبْتَنِي حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لِمَ؟ قال: جئتُ إلى بيت هو دينك ودين آبائك وعصمتكم لأهدمه لم تكلّمني فيه، وتكلّمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه الإبل ولهذا البيت ربّ سَيمنَعَهُ. قال: ما كان ليمنعه منّي، قال: فأنت وذاك. فأمرَ بإبله فرُدّت عليه. قال ابن إسحاق: وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب إلى إبرهة بعمر بن ناثة بن عدي بن الويل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد بني هُذيل، فعرضوا على إبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليه، فلمّا رُدت الإبل على عبد المطّلب خرج فأخبر قريش الخبر، وأخبرهم أن يتفرّقوا في الشعاب، وتحرزوا في رؤوس الجبال تخوّفاً عليهم من معرّة الجيش إذا دخل، ففعلوا وأتى عبد المطّلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: شعر : ياربّ لا أرجو لهم سواكا يا ربّ فامنع منهم حكاكا لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم غدواً محالك جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكعبـ تنا فأمر ما بدالك تفسير : ثم ترك عبد المطّلب الحلقة وتوجّه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح إبرهة بالمغمس قد تهيّأ للدخول وعبّأ جيشه وهيّأ فيله وكان اسم الفيل محمود، وكان فيل النجاشي بعثه إلى إبرهة، وكان فيلا لم يُر مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوّةً. ويقال: كانت معه اثنا عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد اللّه الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول على رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم، وخرج الفيل يشتد حتى أُصعد في الجبل. وأرسل اللّه طيراً من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طاير منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحمّص والعدس، فلمّا أغشين أرسلها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلاّ هلك. وليس كلّ القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل اللّه بهم من نقمته: شعر : أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب غير الغالب؟ تفسير : وقال نفيل أيضاً في ذلك: شعر : ألا حييت عنا ياردّينا نعمنا كم مع الإصباح عينا ردُيّنة لو رأيت ولم تريه لدى جنب المحصّب ما رأينا إذاً لغذرتني وحمدت رأيي ولم تأسي على مافات بينا حمدت اللّه إذ عاينت طيراً وخفت حجارةً تُلقى علينا فكلّ القوم يسألُ عن نفيل كأن عليَّ للحبشانِ دينا تفسير : ونفيل ينظر إليهم من بعض الجبال وقد صرخ القوم وهاج بعضهم في بعض، وخرجوا يتساقطون بكلّ طريق ويهلكون على كل منهل، وبعث على إبرهة داءً في جسده، فجعل تتساقط أنامله، كلّما سقطت أُنملة اتبعتها مدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك. وزعم مقاتل بن سليمان أنّ السبب الذي جرّ حديث أصحاب الفيل هو أنّ قبيلة من قريش خرجوا تجّاراً إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر وفي حقف من أحقافها بِيْعَة النصارى يسمّيها قريش: الهيكل، ويسمّى النجاشي وأهل أرضة: اطاسر حنان، فبرك القوم في سدّها فجمعوا حطباً ثم أجّجوا ناراً فاشتووا، فلمّا ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فعجّت الرياح فاضطرم الهيكل ناراً، فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأخبره فاسف عند ذلك غضباً للبيعة، فبعث إبرهة لهدم الكعبة [وما لقيه]. وكان بمكّة يومئذ أبو مسعود الثقفي، وكان مكفوف البصر يصيّف بالطائف ويشتو بمكّة، وكان رجلا نبيهاً نبيلا يستسقم الأمور برأيه، وهو أول راتق وأول فاتق، وكان خليلا لعبد المطّلب، فقال عبد المطلب: يا أبا مسعود ماذا عندك؟ هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك. فقال أبو مسعود لعبد المطّلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرماً للّه، وقلّدها نعلا ثم أثبتها في الحرم لعلّ بعض هذه السودان تعقُر منها فيغضب ربُّ هذا البيت فيأخذهم، ففعل ذلك عبد المطّلب، فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها فجعل عبد المطلب يدعو. فقال أبو مسعود: [قال عبد المطلب]: إنّ لهذا البيت لربّاً يمنعه، فقد نزل تبع ملك اليمن بصخر هذا البيت وأراد هدمه، فمنعه اللّه وابتلاه وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلمّا رأى ذلك تبّع كساه القباطي البيض وعظّمه ونحر له جزراً، فانظر نحو البيت. فنظر عبد المطّلب فقال: أرى طيراً بيضاً نشأت من شاطئ البحر قال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: أراها قد أزرّت على رؤوسنا. قال: هل تعرفها؟ قال: واللّه ما أعرفها ما هي نجديّة ولا تهاميّة ولا عربية ولا شامية وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدّها؟ قال: أشباه اليعاسيب في منقارها حصى كأنها حصى الحذق قد أقبلت كاليلل تكسع بعضها بعضاً، أمام كل طير، يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم. فلمّا توافت الرعال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كلّ حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت من حيث جاءت، فلمّا أصبحا انحطّا من ذروة الجبل، فمشيا رتوة فلم يؤنسا أحداً ثم دنيا رتوة فلم يسمعا حسّاً فقالا: بات القوم سامدين فاصبحوا نياماً، فلمّا دنيا من عسكر القوم فإذا هم خامدون. وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى تقع في دماغه وتخرق الفيل والدّابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطّلب فأخذ فأساً من فؤوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر والجوهر الجيّد، وحفر لصاحبه فملأه ثم قال لأبي مسعود: هات خاتمك فاختر، إن شئت أخذت حفرتي وإن شئت أخذت حفرتك وإن شئت فهما لك معاً. فقال ابن مسعود: اخترتني على نفسك، فقال عبد المطّلب: إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل واحد منهم على حفرته ونادى عبد المطّلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعاً، وساد عبد المطّلب بذلك قريش، وأعطته المقادة فلم يزل عبد المطّلب وأبو مسعود في أهلهما في غنًى من ذلك المال، ودفع اللّه عن كعبته وقبلته، فسلّط جنوداً لا قبَلَ لهم بها. وقال الواقدي بأسانيده: وجّه إبرهة أرياط أبا ضخمة في أربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها؛ فأكرم الملوك واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: إبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه، فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهّزون للحجّ فقال: أين يذهب الناس؟ قال: يحجّون بيت اللّه بمكّة. قال مما هو؟ قال: من حجارة. قال فما كسوته؟ قال مما يأتي من هنا وهناك. قال: والمسيح لأبنينّ لكم خيراً منه فبنى لهم بيتاً عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاّه بالذهب والفضة، وحفّه بالجواهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل له حُجّاباً، وكان يوقد بالمندلي ويلطخ جدره بالمسك فيسودها حتى تغيب الجواهر، وأمر الناس بحجّه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون ونسكوا له. وكان نفيل الخثعمي يورّض له ما يكره فأمهل، فلمّا كان ليلة من الليالي لم يَر أحداً يتحرّك، فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها جبهته، وجمع جيفاً وألقاها فيه، فأُخبر إبرهة بذلك فغضب غضباً شديد وقال: إنما فعلت العرب غضباً لبيتهم، لأنقضنّه حجراً حجراً، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فيلا لم يُر مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوةً، فبعث به إليه. فلمّا قدم عليه الفيل سار إبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلمّا دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نِعَم الناس، فأصابوا إبلا لعبد المطّلب، وكان نفيل صديقاً لعبد المطّلب فكلّمه في إبله، فكلّم نفيل إبرهة فقال: أيّها الملك قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قدراً وأقدمهم شرفاً، يحمل على الجياد، ويعطي الأموال، ويُطعم الناس، فأدخله على إبرهة، فقال: حاجتك؟ قال: تردُّ عليّ إبلي. فقال ما أرى ما بلغني عنك إلاّ الغرور، وقد ظننت أن تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفكم. فقال عبد المطّلب: اردد عليَّ إبلي ودونك البيت فإن له ربّاً سيمنعه. فأمر بردّ إبله عليه، فلمّا قبضها قلّدها النعال وأشعرها وجعلها هدياً وثبتها في الحرم لكي يصاب منها شيء، فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطّلب على خيل ومعه عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم بن مطعم بن عدي، وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطّلب: اللهم إن المرء يمنع رحله وحلاله فامنع حلالك. قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره، وقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئاً إلاّ هشمته إلاّ فقط ذلك الموضع، فكان ذلك أوّل ما رؤي من الجدري والحصبة والأشجار المرّة فأهمدتهم الحجارة، وبعث اللّه سيلا عاتياً فذهب بهم إلى البحر فألقاهم فيه، وولّى إبرهة ومن بقي معه هرابا، فجعل إبرهة يسقط عضواً عضواً. وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأمّا الفيل الآخر فشجع فحصب، ويقال: كانت اثني عشر فيلا. قال ابن إسحاق: ولمّا ردّ اللّه الحبشة عن مكّة عظمت العرب قريشاً وقالوا: أهل اللّه، قاتل عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم، وقال عبد اللّه بن عمر بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل: شعر : أنت الجليل ربنا لم تدنسِ أنت حبست الفيل بالمغمَّس من بعد ما هم بشر مبلس حبسته في هيئة المكركس وما لهم من فرج ومنفس تفسير : والمكركس: المنكوس المطروح. وقال أبو الصلت بن أُميّة بن مسعود في ذلك أيضاً: شعر : إن آيات ربنا باقياتٌ ما يُماري فيهنّ إلاّ الكفورُ حبس الفيل بالمغمس حتى ظلّ يحبو كأنه معقور حوله من ملوك كندة [أبطال] ملاويث في الحروب صقور غادروه ثم انذعروا سراعاً كلّهم عظم ساقه مكسور تفسير : وقال الكلبي ومقاتل: كان صاحب الجيش إبرهة، وكان أبو يكسوم من وزرائه وندمائه، فلمّا أهلكهم اللّه سبحانه بالحجارة لم يفلت منهم إلاّ أبو يكسوم، فسار وطاير يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلمّا استتمّ كلامه رماه الطائر فسقط فمات، فأرى اللّه النجاشي كيف كان هلاك أصحابه. وقال الآخرون: أبو يكسوم هو إبرهة بن الصباح. وقال الواقدي: كان إبرهة جدّ النجاشي الذي كان في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول اللّه (عليه السلام) بأربعين سنة، وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي (عليه السلام) بثلاث وعشرين سنة. وروي أنّه كان في العام الذي ولد فيه رسول اللّه (عليه السلام)، وعليه أكثر العلماء، يدل عليه ما أخبرنا أبو بكر الخورقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجراحي قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت قال: حدّثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول اللّه؟ قال: رسول اللّه أكبر منّي، وأنا أسنّ منه، ولد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ووقفتْ بي أمّي على روث الفيل. وقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة عميين مقعدين يستطعمان. التفسير: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} قال مقاتل: كان معهم فيل واحد، وقال الضّحاك: كانت ثمانية، وإنّما وجد على هذا التأويل لوفاق رؤوس الآي، أو يقال: نسبهم إلى الفيل الأعظم واسمه محمود. {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} عما أرادوا من تخريب الكعبة: وقيل: في بطلان وأباطيل، وقال مقاتل: في خسار. {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ} من البحر {طَيْراً أَبَابِيلَ} كثيرة متفرقة، يتبع بعضها بعضاً. قال عبد الرحمن بن ايزي: أقاطيع كالابل المقبلة. قال الأعشى: شعر : طريق وجبار رواء أصوله عليه أبابيل من الطير تنعب تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : تراهم إلى الداعي سراعاً كأنهم أبابيل طير تحت دجن مسخن تفسير : وقال آخر: شعر : كادت تُهدُّ من الأصوات راحلتي أنْ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تفسير : واختلفوا في واحدها، فقال الفرّاء: لا واحد لها مثل الشماطيط والعباديد والشعارير، كل هذا لا يفرد له واجد، قال: وزعم أبو الرواسي وكان ثقة مأموناً أنه سمع واحدها إبالة ولقد سمعتُ من العرب من يقول: ضغث على إبالة يُريدون خصب على خصب. قال: ولو قال قائلٌ: واحدها إبالة كان صواباً مثل دينار ودنانير، ويقال: للفضلة التي تكون على حمل الحمار أو علف البعير إبالة، وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون: واحدها أبوَّل مثل عجوَّل وعجاجيل. وحكى محمد بن جرير عن بعض النحويين أن واحدها أبيل، يُقال: جاءت الخيلُ أبابيل من ههنا وههنا. قال ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكفٌ كأكفّ الكلاب. عكرمة: لها رؤوس كرؤس السباع لم تُر قبل ذلك ولا بعده. ربيع: لها أنياب كأنياب السباع، وقالت عائشة: أشبه شيء بالخطاطيف. سعيد بن جبير: طيرٌ خضر لها مناقير صفر، قال أبو الجوزاء: أنشأها اللّه سبحانه في الهواء في ذلك الوقت. {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ} قراءة العامة بالتاء للطير، وقرأ طلحة وأشهب العقيلي يرميهم بالياء، وهو اختيار أبي حنيفة، يعنون اللّه سبحانه، كقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17] ويجوز أن يكون راجعاً إلى الطير لخلوّها من علامات التأنيث. {مِّن سِجِّيلٍ} قال ابن مسعود: صاحب الطير وترميهم بالحجارة، وبعث اللّه سبحانه ريحاً فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فما وقع منها حجر على رجل إلاّ خرج من الجانب الآخر، وإنْ وقع على رأسه خرج من دبره. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} كزرع أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرّقت أجزاؤه، شبّه تقطّع أوصالهم يفرق أجزاء الروث. قال مجاهد: العصف: ورق الحنطة. قتادة: هو التبن، قال الحسن: كنا ونحن غلمان بالمدينة نأكل الشعير إذا قصّب وكان يُسمّى العصف. سعيد بن جبير: هو الشعير النابت الذي يؤكل ورقه. الفرّاء: أطراف الزرع قبل أن يُسنبل ويُبتك. عكرمة: كالجبل إذا أُكل فصار أجوف. ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة كهيئة الغلاف له. المؤرّخ: هو ما يقصف من الزرع فسقطت أطرافه، وقال ابن السكّيت: هو العصف والعصيفة والجل، وقيل: كزرع قد أكل حبّه وبقي تبنه، وقال الضحّاك: كطعام مطعوم.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {أَبَابِيلَ} جماعات جماعات بعضها في إِثر بعض قال الجوهري: وهو من الجمع الذي لا واحد له يقال: جاءت إِبلك أبابيل أي فرقاً وجماعات قال الشاعر: شعر : كادتْ تهدُّ من الأصوات راحلتي إِذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تفسير : {سِجِّيلٍ} طين متحجر {عَصْفٍ} ورق الزرع بعد الحصاد كالتبن وقشر الحنطة، سمي عصفاً لأن الريح تعصف به فتفرقه ذات اليمين وذات الشمال. التفسِير: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} أي ألم يبلغك يا محمد وتعلم علماً يقينياً كأنه مشاهد بالعين، ماذا صنع الله العظيم الكبير بأصحاب الفيل الذين قصدوا الاعتداء على البيت الحرام؟ قال المفسرون: روي أن "أبرهة الأشرم" ملك اليمن، بنى كنيسةً بصنعاء وأراد أن يصرف إِليها الحجيج، فجاء رجلٌ من كنانة وتغوَّط فيها ليلاً ولطخ جدرانها بالنجاسة احتقاراً لها، فغضب "أبرهة" وحلف أن يهدم الكعبة، وجاء مكة بجيش كبير على أفيال، يتقدمهم فيل هو أعظم الفيلة، فلما وصل قريباً من مكة فرَّ أهلها الى الجبال، خوفاً من جنده وجبروته، وأرسل الله تعالى على جيش أبرهة طيوراً سوداً، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، فرمتهم الطيور بالحجارة، فكان الحجر يدخل في رأس الرجل ويخرج من دبره فيرميه جثة هامدة، حتى أهلكهم الله ودمَّرهم عن آخرهم، وكانت قصتهم عبرة للمعتبرين قال أبو السعود: وتعليقُ الرؤية بكيفية فعله جل وعلا {كَيْفَ فَعَلَ} لا بنفسه بأن يقال: "ألم تر ما فعل ربك" الخ لتهويل الحادثة، والإِيذان بوقوعها على كيفية هائلة، وهيئةٍ عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى، وكمال علمه وحكمته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإِن ذلك من الإِرهاصات لما روي أن القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبي عليه الصلاة والسلام {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} أي ألم يهلكهم ويجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة في ضياعٍ وخسار؟! {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} أي وسلَّط عليهم من جنوده طيراً أتتهم جماعات، متتابعة بعضها في إِثر بعض، وأحاطت بهم من كل ناحية {تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} أي تقذفهم بحجارة صغيرة من طين متحجر، كأنها رصاصات ثاقبة لا تصل إلى أحدٍ إِلا قتلته {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} أي فجعلهم كورق الشجر الذي عصفت به الريح، وأكلته الدواب ثم راثته، فأهلكهم عن بكْرة أبيهم، وهذه القصة تدل على كرامة الله للكعبة، وإِنعامه على قريش بدفع العدو عنهم، فكان يجب عليهم أن يعبدوا لله ويشكروه على نعمائه، وفيها مع ذلك عجائب وغرائب من قدرة الله على الانتقام من أعدائه قال في البحر: كان صرف ذلك العدو العظيم عام مولده السعيد عليه السلام، إرهاصاً بنبوته إِذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم السلام، وقد أهلكهم الله تعالى بأضعف جنوده وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام للتقرير والتعجيب {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ..} الآية. 2- الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بإِضافته إِلى اسم الجلالة {فَعَلَ رَبُّكَ} تشريف للنبي العظيم، وإِشادةٌ بقدرة الله تعالى. 3- التشبيه المرسل المجمل {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه. 4- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {ٱلْفِيلِ}، {تَضْلِيلٍ}، {سِجِّيلٍ}، {أَبَابِيلَ} الخ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها عذاب الكفار في الآخرة أخبر هنا بعذاب ناس منهم في الدنيا والظاهر أن الخطاب للرسول عليه السلام بذكر نعمته عليه إذ كان صرف ذلك العدد العظيم عام مولده عليه أفضل الصلاة والسلام وإرهاصاً بنبوته إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم السلام ومعنى {أَلَمْ تَرَ} ألم تعلم قدرة على وجود علمه بذلك إذ هو أمر منقول نقل التواتر فكأنه قيل قد علمت فعل الله ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه ضلل كيدهم وأهلكهم بأضعف جنوده وهي الطير التي ليست من عادتها أن تقتل وقصة الفيل ذكرها أهل السير مطولة وأصحاب الفيل أبرهة بن الصباح الحبشي ومن كان معه من جنوده والظاهر أنه قيل واحد وكان العسكر ستين ألفاً لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم في شرذمة قليلة فلما أخبروا بما رأوا أهلكوا وكان الفيل يوجهونه نحو مكة لما كان قريباً منها فيبرك ويوجه نحو الشام واليمن فيسرع، وتر معلقة والجملة التي فيها الإِستفهام في موضع نصب بتر وكيف معمولة حفعل وفي خطابه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَعَلَ رَبُّكَ} تشريف له عليه السلام وإشادة من ذكره كأنه قال ربك معبودك هو الذي فعل ذلك لا أصنام قريش أساف ونائلة وغيرهما في تضليل في تضييع وإبطال يقال ضلل كيده إذا جعله ضالاً ضائعاً وتضييع كيدهم هو بأن أحرق الله تعالى البيت الذي بنوه قاصدين أن يرجع حج العرب إليه وبأن أهلكهم لما قصدوا هدم بيت الله تعالى الكعبة بأن أرسل عليهم طيراً جاءت من جهة البحر ليست نجدية ولا تهامية ولا حجازية سوداء وقيل خضراء على قدر الخطاف والطير إسم جمع يذكر ويؤنث وقيل الضمير عائد على ربك. {بِحِجَارَةٍ} كان كل طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران كل حجر فوق حبة العدس ودون حبة الحمص مكتوب في كل حجر إسم مرميه ينزل على رأسه ويخرج من دبره ومرض أبرهة فتقطع أنملة أنملة وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت أبو مكسوز وزيره وطائر يتبعه حتى وصل إلى النجاشي وأخبره بما جرى للقوم فرماه الطائر بحجره فمات بين يدي الملك. {أَبَابِيلَ} أي جماعات وقال الفراء لا واحد له من لفظه وذكر الرقاشي أنه سمع في واحده ابالة وحكى الفراء ابالة بالتخفيف. {سِجِّيلٍ} تقدم شرحه في هود والعصف في الرحمٰن شبهوا بالعصف الذي أكل أي وقع فيه الاكال والتبن الذي أكلته الدواب وراثته قال ابن إسحٰق لما رد الله الحبشة عن الكعبة عظمت العرب قريشاً وقالوا أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤمنة عددهم فكان ذلك من الله تعالى نعمة عليهم وقيل هو إجابة لدعاء الخليل عليه السلام.

الجيلاني

تفسير : {أَلَمْ تَرَ} ولم تعلم يقيناً علمياً حاصلاً لك من طريق السمع إلى حيث وصل إلى مرتبة اليقين العيني من كثرة السماع من الثقات، وتكرره {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} الذي ربَّاك يا أكمل الرسل لرسالته، وأظهر دينك على الأديان كلها، ونصرك على عموم أعدائك بقدرته الغالبة {بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} [الفيل: 1] وهو جيش أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قِبل أصمحة النجاشي. قصد هدم الكعبة عمَّرها الله، فخرج معه جيشه، ومعه فيل كثيرة، لكن فيها فيل عظيم جسيم في غاية الجسامة، مسمى بـ"محمود" كانوا يأمرون له بهدم البنيان، فيهدمها في الحال، ولهذا سمُّوه بهذا الاسم. وسبب هذا القصد أن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء، فسماها قُليس، فعزم أن يصرف الحاج من مكة إليها، فلمَّا انتشر الخبر، ذهب رجل من كنانة إلى قُليس ذات ليلة، فتغوط فيها ولطخ بها محاربها، فوصل الخبر إلى أبرهة فغار غيرة شديدة، فحلف: والله لأهدمن الكعبة. فخرج مع جيشه وفيله، حتى وصل إلى حوالي الحرم، وأراد أن يأمر اليل بهدمها، فبرك ولم يبرح نحوها، فضربوه وشددوا عليه، فلم يفد، فكانوا إذا وجهوه إلى جهة غير جهة البيت هرول وأسرع، وأمَّا نحوها فلم يمش قط، فصاروا متحيرين في شأنه. كما قال سبحانه: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ} الذي كادوا به لهدم البيت وانصراف الزوار عنه نحو بيتهم الذي قد بنوا {فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل: 2] ضياع وهلاك؟! {وَ} كيف لا يكون في الضياع والخسار؛ إذ {أَرْسَلَ} سبحانه بمقتضى قدرته الغالبة {عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} [الفيل: 3] أفواجاً كثيرة متفرقة، متفوقة من جنس واحد من الطير، مع كل واحد منها ثلاثة أحجار. {تَرْمِيهِم} يعني: الطير، جيش أبرهة {بِحِجَارَةٍ} متخذة {مِّن سِجِّيلٍ} [الفيل: 4] وهو معرب: سنك وكل. {فَجَعَلَهُمْ} من كثرة ما ترميهم بها {كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5] أي: كتبن يأكله الأنعام وتروث به، فتفرقه الرياح؛ أي: صاروا من شدة غضب الله إياهم هباءً منثوراً. خاتمة السورة عليك أيها السالك الخائف من بطش الله، المتحترز عن مقتضى قهره وجلاله أن تكون في عموم أحوالك وأطوارك بين الخوف والرجاء عن جلال الله وجماله، بحيث لا يجري عليك نفَس من أنفاسك، وأنت فيه خالٍ عن كلا النقيضين. وبالجملة: لا تيأس من روح الله، ولا تتكل على كرمه، فاعلم أنه سبحانه يرقبك في حالاتك، ويعلم منك ما لم تعلم من نفسك، فكن المخلصين ولا تكن من القانطين، فإن ناقدك خبير بصير.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها السائل الميئوس من رحمة الملك الجليل، القانط من نصرة الولي الخليل عند ظهور القوى القالبية والنفسية بمدد سلطان الطبيعية، وضربها خيامهم خارج التفصيل، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} [الفيل: 1]، فلا يقنط من نصرة الحق إياك، ولا تخف من قتل أصحابك، وكثرة أحزانهم، وقل ما قال الشاعر: شعر : تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل تفسير : والله يقول في كتابه: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13]، وقال: قليل في الأولين وقليل في الآخرين، وانتظر حزب الرحمن من جانب سماء صدرك ونزوله لأجل {كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}[الفيل: 2]، كما قال تعالى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل: 2] بإرسال حزبه من جانب سماء الصدر، وهم طير أبابيل كما قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} [الفيل: 3-4] بحجارة حاصلة من النفي الذي هو مودع في حرف (لا)؛ لأن الله تعالى يكيدهم بما كادوا، فجعل ما كادوا من خاصة طين قالبهم وحجارة معدن طبيعتهمه؛ ليخربوا كعبة القلب، فأمر الله تعالى طير الذكر ليجعل {كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل: 2] برد كيدهم ونفي مكرهم في صورة السجيل؛ وهو الطير والحجارة. يقول بعض المفسرين فارسية مستعربة؛ يعني: سنك وكل ليمطر على رءوسهم ويهلكهم بكيدهم، كما قال: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل: 2]، وفي آية أخرى قال: {أية : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً}تفسير : [الطارق: 15-16]، فكيده معهم أن يدفع لهم بكيدهم ويسلط عليهم كيد الذي كادوا؛ ولأجل هذه السالك الخبير إذا شاهد ترادف الخواطر النفسانية والطبيعية وغلبتها يسر في الباطن بعرفانه نصرة الحق إياه، ورد كيد الكفار النفس الأمارة إلى نحورهم، ويزداد شوقه إلى الذكر القوي الخفي، ويبالغ في النفي على سبيل الحضور لرجاء النصرة من الملك الغفور، والطير طير الذكر الصدري ترمي القوى الطبيعة المستمدة من قوى القالب، والنفس عند حلولها حول حرم الصدر عازماً على خراب كعبة القلب بسجيل الخواطر الرذيلة الترابية الهووية المنجمة تحت الأثير. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5]، فجعل طير الذكر الصدري مُستهبها من قوة ونيّة جازمة وعزيمة صادقة، تلك القوى {كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5]، مثل التين المتفرق الذي تضربه الرياح يميناً وشمالاً، ففي هذه الحالة أيها السالك المبتلي لا تيأس {أية : مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [يوسف: 87]، ولذ بأذيال الذكر القوي الخفي الصدري وبالغ في التقى على شرط التعظيم راجياً نصرة الحق لتدفع أصحاب الفيل، والفيل صورة الطبيعة وأصحابه قواها، ولا يمكن دفع القوى الطبيعية المسلطة على الإنسان إلا بنصرة الله الملك المنان الحنان، وبالذكر الذي هو ضرب الرحمن إياه، وما دام الإنسان حياً فهذه القوى أيضاً حية موجودة معه، فلا تعتمد عليها بإذعانها لك وتقبلك لها، فإنها كلما وجدت شربها وأخذت منها حظها صارت حية مثل الأفعى فاحذرها حتى تخرج من عالمها وعالم الدنيا؛ ولهذا السر أمر الله تعالى حبيبه المصطفى في كلامه بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99] واليقين هاهنا الموت الكبير بالاتفاق. اللهم خلصنا من الطبيعة، وارزقنا المتابعة للسنة المصطفوية في الشريعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاءوا بجمع لا قبل للعرب به، من الحبشة واليمن، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم، أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل أي: متفرقة، تحمل حجارة محماة من سجيل، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول، وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم، [وقصتهم معروفة مشهورة] وكانت تلك السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات رسالته، فلله الحمد والشكر.