Verse. 6194 (AR)

١٠٦ - قُرَيْش

106 - Quraysh (AR)

لِاِيْلٰفِ قُرَيْـــشٍ۝۱ۙ
Lieelafi qurayshin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لإيلاف قريش».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {لإيلاف قريش إيلافهم} اعلم أن ههنا مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: {لإيلاف} تحتمل وجوهاً ثلاثة، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها، أو لا تكون متعلقة لا بما قبلها، ولا بما بعدها أما الوجه الأول: وهو أن تكون متعلقة بما قبلها، ففيه احتمالات: الأول: وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير: فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، فإن قيل: هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا: كعصف مأكول لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه أحدها: أنا لا نسلم أن الله تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة، قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ }تفسير : [غافر:17] وقال: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } تفسير : [فاطر:45] ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار، بل إنما فعل ذلك بهم: {لإيلاف قريش} ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم وثانيها: هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعاً بمجموع الأمرين معاً وثالثها: هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش، جاز أن يقال: أهلكوا لإيلاف قريش، كقوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }تفسير : [القصص:8] وهم لم يلتقطوه لذلك، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط. الاحتمال الثاني: أن يكون التقدير: ألم تر كيف فعل ربك بأصحـاب الفيل لإيلاف قريش كأنه تعالى قال: كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه، لإيلاف قريش، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل، حتى صاروا كعصف مأكول، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش. الاحتمال الثالث: أن تكون اللام في قوله: {لإِيلَـٰفِ } بمعنى إلى كأنه قال: فعلنا كل ما فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي إيلافهم: رحلة الشتاء والصيف تقول: نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء في المعنى، هذا قول الفراء: فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التي قبل هذه، وبقي من مباحث هذا القول أمران: الأول: أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين: أحدهما: أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن السورتين لا بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقاً بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة وثانيها: أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة وثالثها: ما روي أن عمر قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى {والتين}، وفي الثانية {ألم تر} و{لإيلاف قريش} معاً، من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم القول الثاني: وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها معنى بعض، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه من يقول به، وقوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ }تفسير : [القدر:1] متعلق بما قبله من ذكر القرآن، وأما قوله: إن أبياً لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين. البحث الثاني: فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله الله بأصحاب الفيل سبباً لإيلاف قريش؟ فنقول: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } إلى قوله: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ }تفسير : [إبراهيم:37] فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحتلين، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلهذا قال الله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش... رحلة الشتاء والصيف}. والوجه الثاني: فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِى }تفسير : [قريش:3،4] إشارة إلى أول سورة الفيل، كأنه قال: فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتباً على إيصال المنفعة، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة. القول الثاني: وهو أن اللام في: {لإِيلَـٰفِ } متعلقة بقوله: {فَلْيَعْبُدُواْ } وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي: ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها، فإن قيل: فلم دخلت الفاء في قوله: {فَلْيَعْبُدُواْ }؟ قلنا: لما في الكلام من معنى الشرط، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة. القول الثالث: أن تكون هذه اللام غير متعلقة، لا بما قبلها ولا بما بعدها، قال الزجاج: قال قوم: هذه اللام لام التعجب، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غياً وجهلاً وانغماساً في عبادة الأوثان، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظم أسباب معايشهم، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء. المسألة الثانية: ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه أحدها: أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة: ألفت الشيء وألفته إلفاً وإلافاً وإيلافاً بمعنى واحد، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر:( لإلف قريش). وقرأ الآخرون( لإلاف قريش)، وقرأ عكرمة (ليلاف قريش) وثانيها: أن يكون هذا من قولك: لزمت موضع كذا وألزمنيه الله، كذا تقول: ألفت كذا، وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفاً وآلفه غيره إيلافاً، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }تفسير : [الأنفال:63] وقال: {أية : فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } تفسير : [آل عمران:13] وقد تكون المسرة سبباً للمؤانسة والاتفاق، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش، فيكون المصدر ههنا مضافاً إلى المفعول، ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشاً ملازمين لرحلتيهم وثالثها: أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي فيكون المصدر على هذا القول مضافاً إلى الفاعل، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر (ليلاف) بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفاً كلياً وهو كمذهبه في {أية : يستهزءون}تفسير : [الأنعام:5] وقد مر تقريره. المسألة الثالثة: التكرير في قوله: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ إِيلَـٰفِهِمْ } هو أنه أطلق الإيلاف أولاً ثم جعل المقيد بدلاً لذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه، والأقرب أن يكون قوله: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } عاماً يجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم، فيدخل فيه مقامهم وسيرهم وجميع أحوالهم، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله: {أية : وَجِبْرِيلُ وميكائيل}تفسير : [البقرة:98] وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة، تقول العرب: ألفت كذا أي لزمته، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه ءذا أحب المرء شيئاً لزمه، ومنه: {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ }تفسير : [الفتح:26] كما أن الإلجاء ضربان أحدهما: لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني: لطلب النفع العظيم، كمن يجد مالاً عظيماً ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ، وكذا الدواعي التي تكون دون الالجاء، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع، وهو المراد في قوله: {إِيلَـٰفِهِمْ }. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنا بني النضر بن كنانة لا نفقو أمناً ولا ننتفي من أبينا»تفسير : وذكروا في سبب هذه التسمية وجوهاً أحدها: أنه تصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، تعلو ولا تعلى، وأنشد:شعر : وقريش هي التي تسكن البح ــر بها سميت قريش قريشاً تفسير : والتصغير للتعظيم، ومعلوم أن قريشاً موصوفون بهذه الصفات لأنها تلي أمر الأمة، فإن الأئمة من قريش وثانيها: أنه مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد وثالثها: قال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً، فسموا قريشاً لأن التقرش هو التجمع، يقال: تقرش القوم إذا اجتمعوا، ولذلك سمي قصي مجمعاً، قال الشاعر:شعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر تفسير : ورابعها: أنهم كانوا يسدون خلة محاويج الحاج، فسموا بذلك قريشاً، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة:شعر : أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو وهل لذاك بقاء

القرطبي

تفسير : قيل: إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى. يقول: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش؛ أي لتأتلف، أو لتتفق قريش، أو لكي تأمن قريش فتُؤْلِف رحلتيها. وممن عدّ السورتين واحدة أبيّ بن كعب، ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام لا يفصل بينهما، ويقرؤهما معاً. وقال عمرو بن ميمون الأَوْدِيّ: صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقرأ في الأولى: { أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ } تفسير : [التين: 1] وفي الثانية { أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ } تفسير : [الفيل: 1] و { أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } تفسير : [قريش: 1]. وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكَّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: «لإيلاف قُريش» أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نِعْمَةً منا على قريش. وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يُغار عليها ولا تُقْرب في الجاهلية. يقولون: هم أهل بيت الله جلّ وعزّ؛ حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة؛ ويأخذ حجارتها، فيبني بها بيتاً في اليمن يَحُج الناس إليه؛ فأهلكهم الله عز وجل، فذكَّرهم نِعْمته. أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش؛ أي ليألفوا الخروج ولا يُجْتَرَأ عليهم؛ وهو معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه. ذكره النحاس: حدّثنا أحمد بن شُعيب قال أخبرني عمرو بن عليّ قال: حدّثني عامر بن إبراهيم ـ وكان ثقة من خيار الناس ـ قال حدّثني خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة، قال: حدّثني أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } قال: نعمتي على قريش إيلافُهُمْ رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يَشْتون بمكة، ويَصِيفون بالطائف. وعلى هذا القول يجوز الوقف على رؤوس الآي وإن لم يكن الكلام تاماً؛ على ما نبينه أثناء السورة. وقيل: ليست بمتصلة؛ لأن بين السورتين «بسم الله الرحمن الرحيم» وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى، وأن اللام متعلقة بقوله تعالى: «فلْيعبدوا» أي فليعبدوا هؤلاء ربَّ هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار. وكذا قال الخليل: ليست متصلة؛ كأنه قال: ألَّف الله قريشاً إيلافاً فليعبدوا ربَّ هذا البيت. وعمِل ما بعد الفاء فيما قبلها لأنها زائدة غير عاطفة؛ كقولك: زيداً فاضرب. وقيل: اللام في قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } لام التعجب؛ أي اعجبوا لإيلاف قريش؛ قاله الكسائيّ والأخفش. وقيل: بمعنى إلى. وقرأ ابن عامر: «لإِئلافِ قريش» مهموزاً مختلساً بلا ياء. وقرأ أبو جعفر والأعرج «لِيلاَف» بلا همز طلباً للخفة. الباقون «لإيلاف» بالياء مهموزاً مشبعاً؛ من آلَفْتُ أَولِفُ إيلافاً. قال الشاعر: شعر : المُنْعِمِين إذا النجوم تغيرتْ والظاعنين لرحلةِ الإِيلافِ تفسير : ويقال: أَلِفْتُه إلْفاً وإلافا. وقرأ أبو جعفر أيضاً: «لإِلْفِ قُرَيش» وقد جمعهما من قال: شعر : زَعَمْتُمْ أنّ إِخوتَكُمْ قُرَيْشٌ لهم إلف وليس لكم إلاف تفسير : قال الجوهريّ: وفلان قد ألِف هذا الموضعَ (بالكسر) يألفُه إلْفاً، وآلفه إياه غيره. ويقال أيضاً: آلَفت الموضع أَولِفه إيلافاً. وكذلك: آلفت الموضع أُولِفُه مُؤالفة وإلافاً؛ فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة. وقرأ عِكرمة «لَيَأْلفْ» بفتح اللام على الأمر. وكذلك هو في مصحف ابن مسعود. وفتح لام الأمر لغة حكاها ابن مجاهد وغيره. وكان عكرمة يعيب على من يقرأ «لإيلاف». وقرأ بعض أهل مكة «إلاف قريش» واستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : فَلا تُتْركَنْه ما حيِيتَ لِمُعْظَمٍ وكنْ رجلاً ذا نَجْدةٍ وعَفافِ تذود العِدا عن عُصْبة هاشميةٍ إلافُهم في الناس خيرُ إلاَفِ تفسير : وأما قريش فهم بنو النضر بن كِنانة بن خزيمة بن مدرِكة بن إلياس بن مضر. فكل من كان من ولد النضر فهو قرشيّ دون بني كِنانة ومن فوقه. وربما قالوا: قُرَيْشِيّ، وهو القياس؛ قال الشاعر: شعر : بكل قُرَيْشِيّ عليه مَهابة تفسير : فإن أردت بقريش الحيّ صرفته، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه؛ قال الشاعر: شعر : وكَفَى قُرَيشَ المُعْضِلاتِ وسادَها تفسير : والتقريش: الاكتساب، وتقرّشوا أي تجمعوا. وقد كانوا متفرّقين في غير الحرم، فجمعهم قُصَيّ بن كلاب في الحرم، حتى اتخذوه مَسْكناً. قال الشاعر: شعر : أبونا قُصَيّ كان يُدْعَى مُجَمِّعاً به جمع الله القبائلَ من فِهرِ تفسير : وقد قيل: إن قريشاً بنو فِهر بن مالك بن النضر. فكل من لم يلده فِهر فليس بقرشيّ والأوّل أصح وأثبت. وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو أُمنا، ولا ننتفِي من أبِينا » تفسير : . وقال وائلة بن الأسْقَع: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كِنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم » تفسير : . صحيح ثابت، خرّجه البخاريّ ومسلم وغيرهما. واختلِف في تسميتهم قريشاً على أقوال: أحدها: لتجمُّعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع والالتئام. قال أبو جِلْدةَ اليَشْكُري: شعر : إخوة قَرَّشُوا الذنوبَ علينا في حديثٍ مِن دهرهمْ وقديم تفسير : الثاني: لأنهم كانوا تِجاراً يأكلون من مكاسبهم. والتَّقرُّش: التكسُّب. وقد قَرَشَ يَقْرُشُ قَرْشاً: إذا كسب وجمع. قال الفرّاء: وبه سميت قُريش. الثالث: لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذي الخَلة، فيسدّون خَلته. والقَرْش: التفتيش. قال الشاعر: شعر : أَيُّها الشامتُ المقرش عنا عند عمرو فهلْ له إبقاء تفسير : الرابع: ما روي أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشاً؟ فقال: لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها القِرش؛ تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تُبَّع: شعر : وقريش هي التي تسكن البحـ ـر بها سميت قريش قريشا تأكل الرث والسمِين ولا تتـ ـرك فيها لذي جناحين رِيشا هكذا في البلاد حيّ قُرَيشٍ يأكلون البلاد أكلاً كمِيشا ولهم آخر الزمانِ نبيٌّ يكثر القتل فيهم والخُموشا

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } متعلق بقوله: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ } والفاء لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل: {إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ } أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون، أو بمحذوف مثل أعجبوا أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ }، ويؤيده أنهما في مصحف أُبيَّ سورة واحدة، وقرىء «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء»، وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار، فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وصغر الاسم للتعظيم وإطلاق الإِيلاف، ثم إبدال المقيد عنه للتفخيم. وقرأ ابن عامر «لئلاف» بغير ياء بعد الهمزة. {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ } أي بالرحلتين والتنكير للتعظيم، وقيل المراد به شدة أكلوا فيها الجيف والعظام. {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} أصحاب الفيل أو التخطف في بلدهم ومسايرهم، أو الجذام فلا يصيبهم ببلدهم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها».

ابن كثير

تفسير : هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كانت متعلقة بما قبلها؛ كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله؛ لإيلاف قريش، أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين. وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس؛ لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم، أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67] ولهذا قال تعالى: { لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ إِيلَـٰفِهِمْ} بدل من الأول، ومفسر له، ولهذا قال تعالى: { إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} قال ابن جرير: الصواب أن اللام لام التعجب؛ كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش، ونعمتي عليهم في ذلك، قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان. ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} أي: فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرماً آمناً وبيتاً محرماً؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ ٱلَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 91] وقوله تعالى: {ٱلَّذِىۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} أي: هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع، {وَءَامَنَهُم مِّنْ خوْفٍ} أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنماً ولا نداً ولا وثناً، ولهذا من استجاب لهذا الأمر، جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه، سلبهما منه؛ كما قال تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [النحل: 112 ــــ 113]، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العدني، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ويل لكم قريش لإيلاف قريش» تفسير : ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى، يعني: ابن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : { لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ ِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ } ويحكم يا معشر قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف» تفسير : هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن أم سلمة الأنصارية رضي الله عنها، فلعله وقع غلط في النسخة، أو في أصل الرواية، والله أعلم. آخر تفسير سورة لإيلاف قريش، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ }.

الشوكاني

تفسير : اللام في قوله: {لإِيلَـٰفِ } قيل: هي متعلقة بآخر السورة التي قبلها. كأنه قال سبحانه: أهلكت أصحاب الفيل لأجل تألف قريش. قال الفرّاء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة. ثم قال: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } أي: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله عزّ وجلّ، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة، ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتاً في اليمن يحجّ الناس إليه، فأهلكهم الله عزّ وجلّ، فذكرهم نعمته، أي: فعل ذلك لإيلاف قريش، أي: ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم، وذكر نحو هذا ابن قتيبة. قال الزجاج: والمعنى: فجعلهم كعصف مأكول {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } أي: أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف. وقال في الكشاف: إن اللام متعلق بقوله: {فَلْيَعْبُدُواْ }. أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط؛ لأن المعنى: أما لا، فليعبدوه. وقد تقدّم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد، والمعنى: إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة. وقال الكسائي والأخفش: اللام لام التعجب، أي اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل: هي بمعنى إلى. قرأ الجمهور: (لإئلاف) بالياء مهموزاً من ألفت أؤلف إئلافاً. يقال: ألفت الشيء ألافاً وألفاً. وألفته إيلافاً بمعنى، ومنه قول الشاعر:شعر : المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلاف تفسير : وقرأ ابن عامر: (لإلاف) بدون الياء. وقرأ أبو جعفر: (لإلف). وقد جمع بين هاتين القراءتين الشاعر، فقال:شعر : زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلاّف تفسير : وقرأ عكرمة: (ليألف قريش) بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك هو: في مصحف ابن مسعود، وفتح لام الأمر لغة معروفة. وقرأ بعض أهل مكة: (إلاّف قريش) واستشهد بقول أبي طالب:شعر : تذود الورى من عصبة هاشمية إلاّفهم في الناس خير إلاّف تفسير : وقريش هم: بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي، وقريش يأتي منصرفاً إن أريد به الحيّ، وغير منصرف إن أريد به القبيلة ومنه قول الشاعر:شعر : وكفى قريش المعضلات وسادها تفسير : وقيل إنّ قريشاً بنو فهر بن مالك بن النضر. والأوّل أصح. وقوله: {إِيلَـٰفِهِمْ } بدل من إيلاف قريش. و{رِحْلَةَ } مفعول به لإيلافهم وأفردها، ولم يقل رحلتي الشتاء والصيف لأمن الإلباس. وقيل: إن إيلافهم تأكيد للأوّل لا بدل، والأوّل أولى. ورجحه أبو البقاء. وقيل: إن رحلة منصوبة بمصدر مقدّر، أي: ارتحالهم رحلة {ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ } وقيل: هي منصوبة على الظرفية والرحلة: الارتحال، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء؛ لأنها بلاد حارّة، والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف؛ لأنها بلاد باردة. وروي أنهم كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف، والأوّل أولى، فإن ارتحال قريش للتجارة معلوم معروف في الجاهلية والإسلام. قال ابن قتيبة: إنما كانت تعيش قريش بالتجارة، وكانت لهم رحلتان في كل سنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا على التصرّف. {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ } أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم أي: إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة، والبيت الكعبة. وعرّفهم سبحانه بأنه ربّ هذا البيت؛ لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها. وقيل: لأنهم بالبيت تشرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. {ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ } أي: أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما. وقيل: إن هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا، فأخصبوا وزال عنهم الجوع، وارتفع القحط. {وآمنهم من خوف} أي: من خوف شديد كانوا فيه. قال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضاً، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقال الضحاك، والربيع، وشريك، وسفيان: آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«حديث : {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ * إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ } ويحكم يا قريش، اعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } قال: نعمتي على قريش. {إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ } كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ } قال: الكعبة. {ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ } قال: الجذام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ * إِيلَـٰفِهِمْ } قال: لزومهم. {ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ } يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال: {أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ }تفسير : [البقرة: 126] {وآمنهم من خوف} حيث قال إبراهيم {أية : رَبّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ امِنًا }تفسير : [البقرة: 35] وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ...} الآية، قال: نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا ربّ هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع، وآمنهم من خوف، فألفوا الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال: أمروا أن يألفوا عبادة ربّ هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف، وقد وردت أحاديث في فضل قريش، وإن الناس تبع لهم في الخير والشرّ، وإن هذا الأمر يعني الخلافة لا يزال فيهم ما بقي منهم اثنان، وهي في دواوين الإسلام.

الماوردي

تفسير : وفي قوله تعالى {لإيلافِ قُريْشٍ} الإيلاف مأخوذ من أَلِف يأْلَف، وهي العادة المألوفة، ومنه قولهم ائتلف القوم. وفي قوله {لإيلاف قريش} أربعة أقاويل: أحدها: نعمتي على قريش، لأن نعمة الله عليهم أن ألفه لهم، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: لإيلاف الله لهم لأنه آلفهم إيلافاً، قاله الخليل بن أحمد. الثالث: لإيلاف قريش حَرَمي وقيامهم ببيتي، وهذا معنى قول الحسن. الرابع: لإيلاف ما ذكره من رحلة الشتاء والصيف في معايشهم، قاله مكحول. وفي اللام التي في " لإيلاف قريش" قولان: أحدهما: أنه صلة يرجع إلى السورة المتقدمة من قولهم {ألم تر كيف} إلى أن قال: {فجعلهم كعصْف مأكولٍ} لإيلاف قريش، فصار معناه أن ما فعله بأصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش، قاله ثعلب، وكان عمر وأبيّ بن كعب لا يفصلان بين السورتين ويقرآنهما كالسورة الواحدة، ويريان أنهما سورة واحدة، أي: ألم تر لإيلاف قريش. الثاني: أن اللام صلة ترجع إلى ما بعدها من قوله {فَلْيَعْبُدوا رب هذا البَيْتِ} ويكون معناه لنعمتي على قريش فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا البيت، قاله أهل البصرة، وقرأ عكرمة، ليألف قريش، وكان يعيب على من يقرأ " لإيلاف قريش". وقرأ بعض أهل مكة: إلاف قريش، واستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : فلا تَتْركْنهُ ما حَييتَ لمعظمٍ وكن رجلاً ذا نَجدةٍ وعفافِ تَذودُ العِدا عن عُصْبةٍ هاشميةٍ ألا فُهُمُ في الناس خيرُ إلافِ تفسير : وأما قريش تلده فهم بنو النضير بن كنانة، وقيل بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ومن لم تلده فهر فليس من قريش، وعلى المشهور أن بني النضر بن كنانة ومن تلده: من قريش، وإن لم يكونوا من بني فهر، وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوه مسكناً، قال الشاعر: شعر : أبونا قصيٌّ كان يُدْعى مجمّعاً به جمع اللَه القبائلَ مِن فهر تفسير : واختلفوا في تسميتهم قريشاً على أربعة أقاويل: أحدها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقريش التجميع، ومنه قول الشاعر: شعر : إخوةٌ قرَّشوا الذنوب علينا في حَديثٍ مِن دَهْرِهم وقَديمِ تفسير : الثاني: لأنهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم، والتقريش التكسب. الثالث: أنهم كانوا يفتشون الحاج عن ذي الخلة فيسدون خلته، والقرش: التفتيش، قال الشاعر: شعر : أيها الشامتُ المقِّرشُ عَنّا عند عَمرو فهل له إبْقاءُ تفسير : الرابع: أن قريشاً اسم دابة في البحر، من أقوى دوابه، سميت قريشاً لقوتها وأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر: شعر : هكذا في العباد حيُّ قريش يأكلون البلادَ أكْلاً كشيشاً ولهم آخرَ الزمان نبيٌّ يَكثر القتل فيهمُ والخموشا يملأُ الأرضَ خَيلةً ورجالاً يحشُرون المطيَّ حشْراً كميشاً تأكل الغثَّ والسَمينَ ولا تت رُكُ يوماً في جناحين ريشاً. وقريش هي التي تسكن البحـ ـر بها سميت قريش قريشاً. سلّطت بالعلو في لجج البحر على سائر البحور جيوشاً. تفسير : {إيلافِهم رِحْلَةَ الشتاءِ والصَّيْفِ} كانت لقريش في كل عام رحلتان والرحلة السفرة، لما يعانى فيها من الرحيل والنزول، رحلة في الصيف ورحلة في الشتاء طلباً للتجارة والكسب. واختلف في رحلتي الشتاء والصيف على قولين: أحدهما: أن كلتا الرحلتين إلى فلسطين، لكن رحلة الشتاء في البحر، طلباً للدفء، ورحلة الصيف على بصرى وأذرعات، طلباً للهواء، قاله عكرمة. الثاني: أن رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية، ورحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة، قاله ابن زيد. فإن قيل فما المعنى في تذكيرهم رحلة الشتاء والصيف؟ ففيه جوابان: أحدهما: أنهم كانوا في سفرهم آمنين من العرب لأنهم أهل الحرم، فذكرهم ذلك ليعلموا نعمته عليهم في أمنهم مع خوف غيرهم. الثاني: لأنهم كانوا يكسبون فيتوسعون ويطعمون ويصلون، كما قال الشاعر فيهم: شعر : يا أيها الرجلُ المحوِّل رَحْلَه هَلاَّ نَزَلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ. الآخذون العهدَ من آفاقِها والراحلون لرحلة الإيلافِ. والرائشون وليس يُوجد رائشٌ والقائلون هَلُمَّ للأَضْيافِ. والخالطون غنيَّهم بفقيرهم حتى يصير فقيرُهم كالكافي. عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافِ. تفسير : فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. ولابن عباس في رحلة الشتاء والصيف قول ثالث: أنهم كانوا يشتون بمكة لدفئها، ويصيفون بالطائف لهوائها، كما قال الشاعر: شعر : تَشْتي بِمكة نعمةً ومَصيفُها بالطائِف تفسير : وهذه من جلائل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. {فَلْيَعْبدوا ربَّ هذا البَيْتِ} أمرهم الله تعالى بعبادته، وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان: أحدهما: لأنه كانت لهم أوثان، فميز نفسه عنها. الثاني: أنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً بنعمته. وفي معنى هذا الأمر والضمير في دخول الفاء على قوله " فليعبدوا" أربعة أوجه: أحدها: فليعبدوا رب هذا البيت بأنه أنعم عليهم برحلة الشتاء والصيف. الثاني: فليألفوا عبادة رب هذا البيت كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف. الثالث: فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. الرابع: فليتركوا رحلة الشتاء والصيف بعبادة رب هذا البيت، فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ليتوفروا بالمقام على نصرة رسوله والذب عن دينه. {الذي أطْعَمَهم من جُوعٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أطعمهم من جوع بما أعطاهم من الأموال وساق إليهم من الأرزاق، قاله ابن عيسى. الثاني: أطعمهم من جوع بما استجاب فيهم دعوة إبراهيم عليه السلام. حين قال: {وارْزُقهم من الثمرات} قاله ابن عباس. الثالث: أن جوعاً أصابهم في الجاهلية، فألقى الله في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً، فحملوه، فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات، فهو معنى قوله {الذي أطعمهم من جوع}. {وآمَنَهُم مِنْ خوْفٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: آمنهم من خوف العرب أن يسبوهم أو يقاتلوهم تعظيماً لحرمة الحرم، لما سبقت لهم من دعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: {ربِّ اجْعَلْ هذا بلداً آمِناً}، قاله ابن عباس. الثاني: من خوف الحبشة مع الفيل، قاله الأعمش. الثالث: آمنهم من خوف الجذام، قاله الضحاك والسدي وسفيان الثوري. الرابع: يعني آمن قريشاً ألا تكون الخلافة إلا فيهم، قاله علّي رضي الله عنه.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي: {لإيلاف قريش إيلافهم} على إفعال والهمزة الثانية ياء، وقرأ ابن عامر "لألآف" على فعال {إيلافهم} على أفعال بياء في الثانية، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بهمزتين فيهما الثانية ساكنة، قال أبو علي: وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له، وقرأ أبو جعفر: "إلْفهم" بلام ساكنة، و {قريش} ولد النضر بن كنانة، والتقرش: التكسب، وتقول ألف الرجل الأمر وآلفه غيره، فالله عز وجل آلف قريشاً أي جعلهم يألفون رحلتين في العام، رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف، ويقال أيضاً ألف بمعنى آلف، وأنشد أبو زيد: [الطويل] شعر : من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى في جيدها يتوضح تفسير : فألف وإلاف مصدر ألف، و "إيلاف" مصدر آلف، قال بعض الناس: كانت الرحلتان إلى الشام في التجارة، وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : سفرين بينهما له ولغيره سفر الشتاء ورحلة الأصياف تفسير : وقال ابن عباس: كانت {رحلة الشتاء} إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض الشام، قال أبو صالح: كانت جميعاً إلى الشام، وقال ابن عباس أيضاً: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف، قال الخليل بن أحمد فمعنى الآية: لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمة {فليعبدوا رب هذا البيت}. قال القاضي أبو محمد: وذكر البيت هنا متمكن لتقدم حمد الله في السورة التي قبل، وقال الأخفش، وغيره: {لإيلاف} ، متعلقة بقوله: {أية : فجعلهم كعصف مأكول} تفسير : [الفيل: 5]، أي ليفعل بقريش هذه الأفاعيل الجميلة، وقال بعض المفسرين معنى الآية: أعجبوا {لإيلاف قريش}، هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله، ثم أمرهم بالعبادة بعد وأعلمهم أن الله تعالى هو الذي {أطعمهم} {وآمنهم} لا سفرهم، المعنى: فليعبدوا الذي أطعمهم بدعوة إبراهيم حيث قال: وارزقهم من الثمرات، وآمنهم بدعوته حيث قال: {أية : رب اجعل هذا البلد آمناً} تفسير : [إبراهيم: 35] ولا يشتغلوا بالأسفار التي إنما هي طلب كسب وعرض دنيا، وقال النقاش: كانت لهم أربع رحل، وهذا قول مردود، وقال عكرمة: معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم {فليعبدوا رب هذا البيت} لآخرتهم، وقال قتادة: إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون الناس في سفرتهم، والناس يغير بعضهم على بعض، ولا يمكن قبيلاً من العرب أن يرحل آمناً، كما تفعل قريش، فالمعنى فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم وآمنهم، وقوله تعالى: {من جوع} معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى، وأن جعلها بدعوة إبراهيم تجبى إليها ثمرات كل شيء، وقوله تعالى: {من خوف} أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدارج المخاوف، وقال ابن عباس والضحاك: {من خوف} معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوماً.

ابن عبد السلام

تفسير : {لإِيلافِ} مأخوذ من ألف يألف وهي العادة المألوفة لإيلاف نعمتي على قريش لأن نعمته إلفة لهم "ع" أو لإيلاف الله تعالى لهم لأنه آلفهم إيلافاً قاله الخليل أو يلافهم حرمي وقيامهم ببيتي "ح" أو لإيلافهم الرحلتين واللام معلقة بقوله {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ}تفسير : [الفيل: 5] أي ليلافهم أهلك أصحاب الفيل وكان عمر وأبي رضي الله تعالى عنهما يريانهما سورة واحدة لا يفصلان بينهما أو اللام متعلقة بقوله تعالى {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} أي لنعمتي عليهم فليعبدوا قاله أهل البصرة {قُرَيْشٍ} بنو النضر بن كنانة على المشهور أو بنو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وكانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم فاتخذوه مسكناً قال الشاعر: شعر : أبونا قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر تفسير : فسموا قريشاً لاجتماعهم بعد الفرقة والتقريش الجمع أو كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم والتقريش الكسب أو كانوا يفتشون الحاج عن ذي الخلة فيسدون خلته والقرش الفتش أو قريش اسم دابة في البحر سميت بها قريش لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى "ع" قال الشاعر معنى ذلك: شعر : قريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا

النسفي

تفسير : مكية وهي أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } متعلق بقوله {فَلْيَعْبُدُواْ } أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين. ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط أي إن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، أو بما قبله أي {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } يعني أن ذلك الإتلاف لهذا الإيلاف وهذا كالتضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. ويروى عن الكسائي ترك التسمية بينهما، والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيحترموهم فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترىء أحد عليهم. وقيل: المعنى اعجبوا لإيلاف قريش {لإِلاف قُرَيْشٍ } شامي أي لمؤالفة قريش. وقيل: يقال ألفته ألفاً وإلافاً. وقريش ولد النضر بن كنانة سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهاً بها. وقيل: من القرش وهو الجمع والكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد {إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ } أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم النعمة فيه. ونصب الرحلة بـ {إِيلَـٰفِهِمْ } مفعولاً به وأراد رحلتي الشتاء والصيف فأفرد لأمن الإلباس. وكانت لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله فلا يتعرض لهم وغيرهم يغار عليهم {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ } والتنكير في {جُوعٍ } و{خوْفٍ }لشدتهما يعني أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم. وقيل: كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وآمنهم من خوف الجذام لا يصيبهم ببلدهم. وقيل: ذلك كله بدعاء إبراهيم عليه السلام.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {لإيلاف قريش} اختلفوا في هذه اللام، فقيل هي متعلقة بما قبلها وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم بما صنع بالحبشة، فقال فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي هلك أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، ولهذا جعل أبي بن كعب هذه السّورة وسورة الفيل واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه ببسم الله الرحمن الرحيم والذي عليه الجمهور من الصحابة وغيرهم، وهو المشهور أن هذه السّورة منفصلة عن سورة الفيل وأنه لا تعلق بينهما وأجيب عن مذهب أبي بن كعب في جعل هذه السّورة، والسورة التي قبلها سورة واحدة بأن القرآن كالسورة الواحدة يصدق بعضه بعضاً ويبين بعضه معنى بعض وهو معارض أيضاً بإطباق الصّحابة، وغيرهم على الفصل بينهما، وأنهما سورتان فعلى هذا القول اختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله {لإيلاف}، فقيل هي لام التعجب، أي اعجبوا الإيلاف قريش رحلة الشّتاء والصّيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته، فهو كقوله على وجه التعجب اعجبوا لذلك، وقيل هي متعلقة بما بعدها تقديره، فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة والإيلاف من ألفت الشيء إلفاً وهو بمعنى الإئتلاف فيكون المعنى لإيلاف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تتقطعا، وقيل هو من ألفت كذا، أي لزمته وألفنيه الله ألزمنيه الله، وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فكل من ولده النضر، فهو من قريش، ومن لم يلده النضر، فليس بقرشي (م) عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" تفسير : (م) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الناس تبع لقريش في الخير والشر" تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الناس تبع لقريش في هذا الشّأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" تفسير : عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أراد هوان قريش أهانه الله" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال حديث حسن غريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم أذقت أول قريش نكالاً، فأذق آخرهم نوالاً" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال حديث حسن صحيح غريب. النكال: العذاب، والمشقة، والشّدة والنّوال: العطاء، والخير، وسموا قريشاً من القرش، والتقريش وهو الجمع، والتكسب، يقال فلان يقرش لعياله، ويقترش لهم، أي يكتسب وذلك لأن قريشاً كانوا قوماً تجاراً وعلى جمع المال، والأفضال حراصاً، وقال أبو ريحانة سأل معاوية عبد الله بن عباس لم سميت قريش قريشاً قال لدابة تكون في البحر هي من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم وأنشده شعر الجمحي. شعر : وقريش هي التي تسكن البحــ ـــر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحــ ـــر وعلى سائر البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا تتـــ ـــرك فيه لذي الجناحين ريشا هكذا في الكتاب حي قريش يأكلون البلاد أكلاً كشيشا ولهم في آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيلة ورجالاً يحشرون المطي حشراً كميشا تفسير : وقيل إن قريشاً كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب، وأنزلهم الحرم فاتخذوه مسكناً فسموا قريشاً لتجمعهم، والتقرش التجمع يقال تقرش القوم إذا تجمعوا، وسمي قصي مجمعاً لذلك قال الشاعر: شعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {لإيلاف} بتخفيف الهمزة: يزيد {إلافِهِم} بطرح الياء: يزيد {لألاف} بطرح الياء {إيلافهم} بإثباتها: ابن عامر. الباقون: بإثبات الياء فيهما وحمزة يقف بتليين الهمزة {وإلفهم} بوزن العلم: ابن فليح {الشتاء} ممالة: قتيبة ونصير وهبيرة. الوقف {قريش} ه لا {والصيف} ه لا لاحتمال تعلق اللام بما قبلها وبما بعدها كما يجيء {البيت} ه لا {من خوف} ه. التفسير: في هذه اللام ثلاثة أقوال: الأول أنها لا تتعلق بظاهر وإنما هي لام العجب يقولون " لزيد وما صنعنا به " أي أعجبوا له عجب الله تعالى من عظيم حلمه وكرمه بهم فأنهم كل يوم يزدادون جهلاً وإنغماساً في عبادة الأوثان والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معاشهم، وهذا القول اختيار الكسائي والأخفش والفراء. والثاني أنها متعلقة بما بعدها وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها. وفي الكلام معنى الشرط وفائدة الفاء وتقديم الجار أن نعم الله تعالى لا تحصى فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، والقول الثالث أنها متعلقة بالسورة المتقدمة أي جعلهم كعصف مأكول لأجل إيلاف قريش، وهذا لا ينافي أن يكونوا قد أهلكوا لأجل كفرهم أيضاً. ويجوز أن يكون الإهلاك لأجل الإيلاف فقط ويكون جزاء الكفر مؤخراً إلى يوم القيامة، ويجوز أن تكون هذه اللام لام العاقبة، ويحتمل أن تتعلق اللام بقوله {فعل ربك} كأنَّه قال: كل ما فعلنا بهم من تضليل كيدهم وإرسال الطير عليهم حتى تلاشوا إنما كان لأجل إيلاف قريش. ولا يبعد أن تكون اللام بمعنى " إلى " أي فعلنا كل ما فعلنا مضمومة إلى نعمة أخرى وهي إيلافهم الرحلتين تقول: نعمة إلى نعمة ونعمة لنعمة. قال الفراء: ومما يؤيد هذا القول الثالث ما روي أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب من غير فصل بينهما بالبسملة. والمشهور المستفيض هو الفصل بينهما بالبسملة فإن لم تكن اللام متعلقة بما قبلها فلا إشكال، وإن تعلقت بما قبلها من السورة فالوجه فيه أن القرآن كله بمنزلة كلام واحد والفصل بين طائفة وطائفة منه لا يوجب انقطاع إحدى الطائفتين عن الأخرى بالكلية. ثم إن هؤلاء قالوا: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع، وكان أشرف مكَّة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وأن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وقطان حرمه فلا يجترىء أحد عليهم، فلو تم لأهل الحبشة ما عزموا عليهم من هدم الكعبة لزال منهم هذا العز فصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون ويغار عليهم ولا يتيسر لهم تجارة ولا ربح، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحورهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب واحترمهم الملوك فضل احترام وازدادت تلك المنافع والمتاجر. قال علماء اللغة: ألفت الشيء وآلفته إلفاً وإيلافاً بمعنى أي لزمته، وعلى هذا يكون قوله {لإيلاف قريش} من إضافة المصدر إلى الفاعل وترك مفعوله الأول. ثم جعل مقيداًً ثانياً في قوله {إيلافهم رحلة} إما لأن المقيد بدل من ذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه، وإما لأن الأول عام في كل مؤانسة وموافقة كانت بينهم فيدخل فيه مقامهم وسفرهم وسائر أحوالهم. ثم خص إيلافهم الرحلة بالذكر كما في قوله {أية : جبريل وميكائيل} تفسير : [البقرة: 98] لأنه قوام معاشهم. وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة. والإلزام ضربان: إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة، فإنه إذا أحب المرء شيئاً لزمه لقوة الداعي إليه ومنه {أية : وألزمهم كلمة التقوى}تفسير : [الفتح: 26] كما أن الالتجاء قد يكون لدفع الضرر كالهرب من السبع، وقد يكون لجلب النفع العظيم كمن وجد كنزاً، ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يأخذه ألبتة كاللجأ. وقال الفراء وابن الأعرابي: الإيلاف التجهيز والتهيئة والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا. وعلى هذا القول يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل أيضاً. وقيل: الف كذا فلان لزمه وآلفه غيره إياه فيكون الإيلاف متعدياً إلى اثنين، والإضافة في {إيلافهم} إضافة المصدر إلى المفعول والمعنى إن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله ولطفه وذلك بانهزام أصحاب الفيل، واتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة. عن معاوية أنه سأل ابن عباس بم سميت قريش؟ قال: بدابة البحر تأكل ولا تؤكل تعلو ولا تعلى وهي التي تعبث بالسفن ولا تنطلق إلا بالنار وأنشد: شعر : وقريش هي التي تسكن البحـ ـربها سميت قريش قريشاً تفسير : فالتصغير للتعظيم والدابة القرش. وقيل: القرش الكسب لأنهم كانوا أهل كسب وتجارة فسموا بذلك. وقال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً فسموا قريشاً لأن التقرش التجمع، وتقرش القوم اجتمعوا ولذلك سمي قصي مجمعاً، قال بعضهم: شعر : أبوكم قصي كان يدعي مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر تفسير : وقيل: القرش التفتيش. قال ابن حلزة: شعر : أيها الشامت المقرش عنا عند عمر ووهل لذاك بقاء تفسير : وكانت قريش يتفحصون عن حال الفقراء ويسدّون خلة المحاويج. والرحلة اسم من الارتحال قال أكثر المفسرين: كانت لقريش رحلتان رحلة الشتاء إلى اليمن لأنه أدنى، ورحلة الصيف إلى الشام وكانت معايشهم قد استقرت على ذلك كما قررنا. وقال آخرون: الرحلتان رحلة الناس إلى أهل مكة. أما في رجب فللعمرة، وأما في ذي الحجة فللحج، وكانت إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف وموسم منافع مكة يكون بهما. فلو كان تم لأصحاب الفيل ما أرادوه لتعطلت هذه المنفعة والتقدير: رحلتي الشتاء والصيف أو رحلة الشتاء ورحلة الصيف فاقتصر لعدم الإلباس. وفي قوله {فليعبدوا} وجهان أحدهما: أن العبادة مأمور بها شكراً لما فعل بأعدائهم ولما حصل لهم من إيلافهم الذي صار سبباً لطعامهم وأمنهم كما مر. وقوله {من جوع} كقولهم " سقاه من العيمة " وهي من التعليلية أي الجوع صار سبباً للإطعام. وقوله {من خوف} هي للتعدية يقال " آمنه الله الخوف ومن الخوف ". الوجه الثاني: أن معناه فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف. ولعل في تخصيص لفظ الرب إشارة إلى ما قالوه لأبرهة " إن للبيت رباً سيحفظه " ولم يعولوا في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه كأنه يقول: لما عولتم في الحفظ عليّ فاصرفوا العبادة إليّ، وفي الإطعام وجوه أحدها: ما مر. والثاني: قول مقاتل: شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة أن حملوا الطعام إلى مكة حتى خرجوا إليهم بالإبل والحمر واشتروا طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين، وتتابع ذلك فكفاهم الله مؤنة الرحلتين. والثالث: قال الكلبي: معنى الآية أنهم لما كذبوا محمد صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا: يا محمد ادع الله فإنّا مؤمنون فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخصب أهل مكة فذلك قوله {أطعمهم من جوع} ووجه المنة بالإطعام مع أنه ليس من أصول النعم في الظاهر أنه سبب الفراغ للعبادة، وفيه أن البهيمة تطيع من يعلفها ولا يليق بالإنسان أن يكون دون الأنعام، على أنه يندرج في الإطعام النعم السابقة التي لا يحصل الغذاء إلا بعد وجودها كالأفلاك والعناصر وغيرها، والنعم اللاحقة التي لا يتم الانتفاع بالأكل إلا بها من القوى والآلات البدنية والخارجية. وفي قوله {من جوع} إشارة إلى أن فائدة الطعام والغاية منه سد الجوعة لا الإشباع التام. وأما الأمن فهو قصة أصحاب الفيل أو تعرض أهل النواحي لهم وكانوا بعد وقعة أصحاب الفيل يعظمونهم ولا يتعرّضون لهم. وقال الضحاك والربيع: آمنهم من خوف الجذام. وقيل: من أن تكون الخلافة في غيرهم وفيه تكلف. وقيل: أطعمهم من جوع الجهل بطعام الإسلام والوحي وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى. وقيل: إشارة إلى ما دعا به إبراهيم عليه السلام في قوله {أية : ربّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم}تفسير : [البقرة: 126] فأجاب الله تعالى بقوله {أية : ومن كفر} تفسير : [البقرة: 126] والتنكير في {جوع} و {خوف} للتعظيم. وقد روي أنه أصابهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وأما الخوف فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل. ويحتمل أن يكون المراد التقليل أي أطعمهم من جوع دون جوع ليكون الجوع الثاني والخوف الثاني مذكراً لما كانوا فيه أولاً فيكونوا شاكرين تارة وصابرين أخرى فيستحقوا ثواب الخصلتين.

الثعالبي

تفسير : قريشٌ، ولدُ النَّضْرِ بن كنانةَ، والتَّقَرُّشُ: التَّكسُّبُ، والمعنى أن اللَّهَ تَعالى جَعَلَ قريشاً يألَفُونَ رِحْلَتَيْنِ في العامِ، واحدةً في الشتاءِ وأخْرَى في الصيفِ، قال ابن عباس: كانوا يَرْحلُونَ في الصيفِ إلى الطائفِ؛ حيثُ الماءُ والظلُّ ويرحلونَ في الشِّتاءِ إلَى مكةَ، قال الخليل: معنى الآيةِ؛ لأنْ فَعَلَ اللَّهُ بقريشٍ هَذا ومكنَهم من إلْفِهِم هذه النعمةَ فَلْيَعْبُدُوا ربَّ هَذَا البيتِ. وقولُهُ تعالى: {مِّن جُوعٍ} معناه أنَّ أهْلَ مكةَ قَاطِنُون بوادٍ غَيْرِ ذي زرعٍ عُرْضَةٍ للجوعِ والجَدْبِ؛ لولا فضلُ اللَّه عليهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}، في متعلق هذه الآية أوجه: أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ}. قال الزمخشري" هذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى: "والتِّينِ"، انتهى. وإلى هذا ذهب الأخفش، إلا أن الحوفي قال: ورد هذا القول جماعة، بأنه لو كان كذا، لكان "لإيْلافِ" بعض سورة "ألَمْ تَرَ"، وفي إجماع الجميع على الفصل بينهما ما يدل على عدم ذلك. الثاني: أنه مضمر تقديره: فعلنا ذلك، أي: إهلاك أصحاب الفيل {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}، أي: لتأليف قريش، أو لتنفق قريش، أو لكي تأمن قريش، فتؤلف رحلتيها. وقيل: تقديره: اعجبوا. الثالث: أنه قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُواْ} لإيلافهم؛ فإنها أظهر نعمة عليهم. قاله الزمخشري؛ وهو قول الخليل من قبله. وقرأ ابن عامر: "لإلاف" دون ياء قبل اللام الثانية. والباقون: "لإيلاف" بياء قبلها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني، وهو "إيلافهم". ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين: أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطًّا، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها فيه خطًّا، وهذا دليل على أن القراء يتبعون الأثر والرواية، لا مجرد الخط. فأما قراءة ابن عامر ففيها وجهان: أحدهما: أنه مصدر لـ "ألف" ثلاثياً، يقال: ألف الرجل، إلفاً، وإلافاً؛ نحو: كتبته كتاباً، ويقال: ألفته إلفاً وإلافاً. وقد جمع الشاعر بينهما في قوله: [الوافر] شعر : 5313- زَعمْتُمْ أنَّ إخْوتَكُمْ قُريْشٌ لَهُمْ إلفٌ وليْسَ لَكُمْ إلافُ تفسير : والثاني: أنه مصدر لـ "آلف" رباعياً نحو قاتل قتالاً. وقال الزمخشري: لمُؤالفةِ قريش. وأما قراءة الباقين فمصدر آلف رباعياً بزنة "أكرم" يقال: آلفته، أولفه إيلافاً. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5314- مِنَ المُؤلفَاتِ الرَّمْلَ أدمَاءُ حُرَّةٌ شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يتوضَّحُ تفسير : وقرأ عاصم في رواية: "إئلافهم" بهمزتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وهي شاذة؛ لأنه يجب في مثله إبدال حرفاً مجانساً كـ "إيمان". وروي عنه أيضاً: بهمزتين مكسورتين، بعدهما ياء ساكنة. وخرجت على أنه أشبع كسر همزة الثانية, فتولد منها ياء, وهذه أشدُّ من الأولى. ونقل أبو البقاء أشد منها، فقال: "بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة". وهو بعيد، ووجهه: أنه أشبع الكسرة، فنشأت الياء، وقصد بذلك الفصل بين الهمزتين كالألف في "أأنْذَرتَهُمْ". وقرأ أبو جعفر: "لإلف قريش" بهمزة مكسورة، بزنة: "قِرْد"، وقد تقدم أنه مصدر لـ "ألف" كقوله: [الوافر] شعر : 5315-................................ لَهُـمْ إلْـفٌ وليْـسَ لَكُـمْ إلافُ تفسير : وعنه أيضاً، وعن ابن كثير: "إلفهم"، وهي ساكنة اللام بغير ياء، وهي قراءة مجاهد وحميد. وروت أسماء - رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: "إلفهم"، وهو مروي أيضاً عن ابن عبَّاس وغيره. وعنه أيضاً وعن ابن عامر: "إلافهم" مثل "كتابهم". وعنه أيضاً: "ليْلافهم" بياء ساكنة بعد اللام، وذلك أنه لما أبدل الثانية حذف الأولى على غير قياس. وقرأ عكرمة: "ليألف قريش" فعلاً مضارعاً. وعنه أيضاً: "لتألف قريش" على الأمر واللام مكسورة، وعنه فتحها مع الأمر وهي لغة. فصل في اتصال السورة بما قبلها تقدم أن هذه السورة، متصلة بما قبلها في المعنى، أي: أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش، أي: لتأليف قريش, أو لتنفق قريش، أو لتأمن قريش فتؤلف رحلتيها. قال ابن الخطيب: فإن قيل: إنما كان الإهلاك لكفرهم. قلنا: جزاء الكفور يكون يوم القيامة، يجزي كل نفس بما كسبت للأمرين معاً، ولكن لا تكون اللام لام العاقبة، أو يكون المعنى: "ألم تَرَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل؛ لإيلاف قريش"، أي: كل ما تضمنته السورة "لإيلافهم"، أو تكون اللاَّم بمعنى "إلى"، أي: وجعلنا هذه النعم مضافاً إلى قريش. وقال الكسائي والأخفش: اللام في {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} لام التعجب. أي اعجبوا لإيلاف قريش، نقله القرطبي. قال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل "مكة" عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال - جلا وعلا -: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}. فعلنا بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها، فلا يغار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله تعالى حتَّى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة فأهلكه الله تعالى، فذكرهم نعمته، أي: فجعل الله تعالى ذلك {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} أي: ليألفوا الخروج ولا يتجرأ عليهم، قاله مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير. قال ابن عباس، في قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} قال: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، قال: كانوا يشتون بـ "مكة"، ويصيفون بـ "الطائف"، وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي، وإن لم يكن الكلام تاماً. قال ابن الخطيب: والمشهور أنهما سورتان، ولا يلزم من التعلق الاتحاد؛ لأن القرآن كسورة واحدة. وقال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً، فليعبدوا ربَّ هذا البيت [واللام متعلقة بقوله تعالى: فليعبد هؤلاء رب هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتياز، ويحمل ما بعد الألف ألفاً على ما قبلها؛ لأنها زائدة غير عاطفة كقولك: زيد فاضرب، وأما مصحف أبيّ فمعارض بإطباق على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر -رضي الله عنه - فالإمام قد يقرأ سورتين]. قال ابن العربي: وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم مروياً، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا [حيث شاءوا، فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، هذا رأيي فيه]، ولا دليل على ما قالوه بحالٍ، ولكني أعتمد الوقف على التَّمام، كراهية الخروج عنهم. قال القرطبي: "وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله: "كَعصفٍ مأكُولٍ"، ليس بقبيح، وكيف يقال بقبحه، وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى، والتي بعدها في الركعة الثانية، ولا يمنع الوقف على إعجاز الآيات، سواء تمَّ الكلام أم لا". فصل في الكلام على قريش قريش: اسم القبيلة. قي: هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، وهو الصحيح وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن لم يلده فهر فليس بقرشي، فوقع الوفاق على أن بني فهر قرشيون، وعلى أن كنانة ليسوا بقرشيين، ووقع الخلاف في النضر ومالك، ثم اختلف في اشتقاقه على أوجه: أحدها: أنه من التقرُّش، وهو التجمُّع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد تفرق، قال: [الطويل] شعر : 5316- أبُونَا قُصَيٌّ كَانَ يُدعَى مُجمِّعاً بِهِ جَمَّعَ اللهُ القَبائلَ مِنْ فِهْرِ تفسير : والثاني: أنه من القرش: وهو الكسب، كانت قريش تجاراً، يقال: قرش يقرش: أي: اكتسب. والثالث: أنه من التفتيش، يقال: قَرَشَ يقرش عني أي: فتش، وكانت قريش يفتشون على ذوي الخلاَّت، فيسدون خلَّتهم. قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 5317- أيُّهَا الشَّامِتُ المُقرِّشُ عَنَّا عِنْدَ عَمْرٍو فَهلْ لهُ إبْقَاءُ تفسير : والرابع: أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قُريشاً؟. فقال: لدابة في البحر يقال لها: القرش من أقوى دوابه، تأكل ولا تؤكل، وتعلُو ولا تُعْلَى. وأنشد قول تبع: [الخفيف] شعر : 5318- وقُريشٌ هِيَ الَّتي تَسكنُ البَحْـ ـرَ بِهَا سُمِّيَــتْ قُريشٌ قُرَيْشَا تَأكُـلُ الـرثَّ والسَّميــنَ ولا تَتْــ ـرُكُ فِيهَا لِـذِي جَناحَيْـنِ رِيشَـا هَكَــذا فـي البِـلادِ حَـيُّ قُـريْشٍ يَأكُلــونَ البِــلادَ أكْــلاً كَمِيـــشَا ولهُــمْ آخِـــرَ الزَّمـانِ نبـــــيٌّ يُكْثـــرُ القَتْـــلَ فِيهـمُ والخُمُوشَا تفسير : ثم قريش: إما أن يكون مصغراً تصغير ترخيم، فقيل: الأصل مقرش، وقيل: قارش، وإما أن يكون مصغراً من ثلاثي، نحو: القرش، وأجمعوا على صرفه هنا مراداً به الحي، ولو أريد به القبيلة لامتنع من الصَّرف؛ كقوله: [الكامل] شعر : 5319- غَلَبَ المَسامِيحَ الولِيدُ سَماحَةً وكَفَى قُريْشَ المُعضِلاتِ وسَادَهَا تفسير : قال سيبويه في معدّ، وقريش، وثقيف، وكينونة، هذه للأحياء أكثر، وإن جعلتها أسماء للقبائل، فهو جائز حسن. قوله: {إِيلاَفِهِمْ} مؤكد للأول تأكيداً لفظيًّا، وأعربه أبو البقاء: بدلاً. قوله: "رحلة" مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي: لأن ألفوا رحلة، والأصل: رحلتي الشتاء والصيف، ولكنه أفرد لأمن اللبس؛ كقوله: [الوافر] شعر : 5320- كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّــوا ............................... تفسير : قاله الزمخشريُّ. وفيه نظر، لأن سيبويه يجعل هذا ضرورة، كقوله: [الطويل] شعر : 5321- حَمَامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ............................... تفسير : قال الليث: الرحلة اسم لارتحال القوم للمسير وقيل: رحلة اسم جنس، وكانت له أربع رحل، وجعله بعضهم غلطاً، وليس كذلك. قال القرطبي: "رِحْلة" نصب بالمصدر أي: ارتحالهم رحلة، أو بوقوع "إيْلافِهم" عليه، أو على الظرف، ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء، والصيف، لجاز. وقرأ العامة: بكسر الراء، وهي مصدر. وأبو السمال: بضمها، وهي الجهة التي يرتحل إليها، والشتاء: واد، شذُّوا في النسب إليه، فقالوا: شتوي، والقياس: شِتَائي، وشِتَاوي كـ "كسائي، وكِسَاويّ". فصل في معنى الآية قال مجاهد في قوله تعالى: {إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ}: لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف, منة منه على قريش. وقال الهروي وغيره: كان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بنو عبد مناف، فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك "الشام"، أي: أخذ منه حبلاً وعهداً يأمن به في تجارته إلى "الشام"، وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى "الحبشة"، والمطلب إلى "اليمن"، ونوفل إلى "فارس"، ومعنى يؤلف: يجير، فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين، فكان تُجَّارُ قريش يختلفون إلى الأمصار، بحبل هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم. قال الأزهري: الإيلاف: شبه الإجارة بالخفارة، يقال: آلف يؤلف: إذا أجار الحمائل بالخفارة، والحمائل: جمع حمولة. قال: والتأويل: أن قريشاً كانوا سكان الحرم، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع، وكانوا يميرون في الشتاء، والصيف آمنين، والناس يتخطَّفُون من حولهم، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم الله، فلا يتعرض الناس لهم، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى "الشام"؛ لأنها بلاد باردة. وعن ابن عباس، قال: يشتون بـ "مكة" لدفئها، ويصيفون بـ "الطائف" لهوائها، وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة.. فصل في الشتاء والصيف قال مالك: الشتاء نصف السُّنة، والصيف نصفها. وقال قوم آخرون: الزمان أربعة أقسام: شتاء، وربيع، وصيف، وخريف. وقيل: شتاء، وصيف، وقيظ، وخريف. قال القرطبيُّ: والذي قال مالك أصح؛ لأن اللهَّ قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً. قوله: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ}، أمرهم تعالى بعبادته، وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، وتقدم الكلام على الفاء، والبيت هو الكعبة، وفي تعريف نفسه بأنه تعالى رب هذا البيت وجهان: أحدهما: أنها كانت لهم أوثان، فميز نفسه تعالى عنها. الثاني: لأنهم شُرِّفوا بالبيت على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: المعنى: أن يعبدوا رب هذا البيت، أي ليألفوا عبادة رب هذا البيت كما كانا يألفون الرحلتين. {ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ}، أي: من أجل الجوع، و "آمنهم" من أجل الخوف، والتنكير للتعظيم أي: من جوع عظيم وخوف عظيم. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من مفعول "أطْعَمَهُمْ". وأخفى نون "من" في الخاء: نافع في رواية، وكذلك مع العين، نحو: "من على"، وهي لغة حكاها سيبويه. فصل في مكانة قريش قال ابنُ عبَّاسٍ: وذلك بدعوة إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً ءَامِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} تفسير : [البقرة: 126]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغيرُ بعضهاعلى بعض ويسبي بعضها من بعض، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السَّفر في الشتاء والصيف، فألقى الله - تعالى - في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السَّفر، فخافت قريش منهم وظنُّوا أنهم خرجوا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين، فإذا هم قد جلبوا لهم الطعام، وأعانوهم بالأقوات، فكان أهلُ "مكة" يخرجون إلى "جدة" بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: "حديث : إن قريشاً لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: اللَّهُم اجْعلهَا عَليهِمْ سِنيْنَ كَسني يُوسُفَ" تفسير : فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد، ادعُ الله لنا فإنا مؤمنون، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت "تبالة"، و "جرش" من بلاد "اليمن"، فحملوا الطعام إلى "مكة"، وأخصب أهلها . وقال الضحاك وربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. وقال علي رضي الله عنه: وآمنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم. وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. روى الثعلبي عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورَة {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} أعطِيَ من الأجْرِ حَسناتٍ بعَددِ مَنْ طَافَ بالكَعْبَةِ، واعْتكَفَ بِهَا"تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : لما كان ما فعله سبحانه - من منع هذا الجيش العظيم - الذي من قوته طاعة أكبر ما خلق الله من الحيوان البري فيما نعلمه له - من دخول الحرم الذي هو مظهر قدرته ومحل عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة والسلام وما كان من الوفاء بعظيم خلته - كرامة لقريش عظيمة ظاهره عاجلة حماية لهم عن أن تستباح ديارهم وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام بيته وقطان حرمه ومتعززين به ومنقطعين إليه، وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل أمنهم وعيشهم وحرزهم، ذكرهم سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة إكراماً ثانياً بالنظر في العاقبة، فقال مشيراً إلى أن من تعاظم عليه قصمه، ومن ذل له وخدمه أكرمه وعظمه: {لإيلاف قريش *} أي لهذا الأمر لا غيره فعلنا ذلك وهو إيقاعهم الإيلاف وهو ألفهم لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم، وذلك ملزوم لألفهم أولاً في أنفسهم، فإذا كان لهم الألف بحرمهم بما حصل لهم من العز والمكنة به بما دافع عنهم فيه مع ما له من بعد الآفات عنه، وكان لهم الألف بينهم، فكان بعضهم يألف بعضاً، قوي أمرهم فألفوا غيرهم أي جعلوه يألف ما ألفوه إياه أي سنوه له وأمروه به، أو يكون اللام متعلقاً بفعل العبادة بدلالة {فليعبدوا} أي ليعبدونا لأجل ما أوقعنا من ألفهم وإيلافهم، وعلى التقديرين الألف علة للعبادة أو لما يوجب الشكر بالعبادة، وفي هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه وتعالى وأنه إذا أراد شيئاً يسر سبببه لأن التدبير كله له يخفض من يشاء وإن عز، ويرفع من يشاء وإن ذل، ليثمر اعتقاد ذلك حبه والانقطاع لعبادته والاعتماد عليه في كل نفع ودفع، وقريش ولد النضر ابن كنانة واسمهم واسم قبيلتهم مشتق من القرش والتقرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب، وقال البغوي: وقال أبو ريحانة: سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهما: لم سموا بهذا؟ فقال: لدابة تكون في البحر هي أعظم دوابه، يقال لها القرش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، وأنشد للجمحي: شعر : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحر على سائر الجيوش جيوشا تفسير : وقال الزمخشري: هي دابة عظيمة تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم - انتهى. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم إلى الحرم بعد تفرقهم، فإن القرش - كما تقدم - الجمع، وكان المجمع لهم قصياً، والقرش أيضاً الشديد، وقيل: هو من تقرش الرجل - إذا تنزه عن مدانيس الأمور، ومن تقارشت الرماح في الحرب - إذا دخل بعضها في بعض. والمادة كلها للشدة والاختلاط، والتعبير بهذا الاسم لمدحهم. وكما أجرى سبحانه وتعلى مدحهم على الألسنة جعلهم موضعاً للمدح، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الأئمة من قريش"تفسير : قال العلماء: وذلك أن طيب العنصر يؤدي إلى محاسن الأخلاق، ومحاسن الأخلاق تؤدي إلى صفاء القلب، وصفاء القلب عون على إدراك العلوم، وبإدراك العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة، وصرف الاسم هنا على معنى الحي ليكون الاسم بمادته دالاًّ على الجمع، وبصرفه دالاًّ على الحياة إشارة إلى كمال حياتهم ظاهراً وباطناً، قال سيبويه في معد وقريش وثقيف: صرف هذه الأحياء أكثر، وإن جعلتها اسماً للقبائل - يعني فمنعتها - فجائز حسن، والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه الفيل أن السورتين في مصحف أبيّ رضي الله عنه سورة واحدة من غير فصل، وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة رويا عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: صلى بنا عمر رضي الله عنه المغرب فقرأ في الأولى بالتين والزيتون، وفي الثانية ألم تر كيف ولئيلاف قريش. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه وتعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش، وهم سكان الحرم وقطان بيت الله الحرام، وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم - انتهى. ولما علل بالإيلاف وكان لازماً ومتعدياً، تقول: آلفت المكان أولفه إيلافاً فأنا مؤلف وآلفت فلاناً هذا الشيء أي جعلته آلفاً له، وكان الإتيان بالشيء محتملاً لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى لأمره، أبدل منه قوله: {إلافهم} أي إيلافنا إياهم {رحلة الشتاء *} التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون بها متاجر الجنوب {والصيف *} التي يرحلونها إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الشمال، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المكرم المعظم ببيت الله والناس يتخطفون من حولهم، ففعل الله تعالى بأصحاب الفيل ما فعل ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيماً فتزيد في إكرامهم لما رأت من إكرام الله تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم، والرحلة بالكسر هيئة الرحيل، وقرىء بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها، وكانوا معذورين لذلك لأن بلدهم لا زرع به ولا ضرع، فكانوا إذا ضربوا في الأرض قالوا: نحن سكان حرم الله وولاة بيته، فلا يعرض أحد بسوء، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكان يقسم ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : قل للذي طلب السماحة والندى هلا مررت بآل عبد مناف الرائشين وليس يوجد رائش والقائلين هلم للإضياف والخالطين فقيرهم بغنيهم حتى يكون فقيرهم كالكاف القائلين بكل وعد صادق والراحلين برحلة الإيلاف عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف سفرين سنّهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف تفسير : وتبع هاشماً على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤلف إلى الشام وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هذه الإخوة - أي عهودهم - التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي، وأفرد الرحلة في موضع التثنية لتشمل كل رحلة - كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس، إشارة لهم بالبشارة بأنهم يتمكنون عن قريب من الرحلة إلى أي بلد أرادوا لشمول الأمن لهم وبهم جميع الأرض بما نشره الله سبحانه وتعالى من الخير في قلوب عباده في سائر الأرض بواسطة هذا النبي الكريم الذي هو أشرفهم وأعظمهم وأجلهم وأكرمهم. ولما كان هذا التدبير لهم من الله كافياً لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة بالأمن، وكان شكر المنعم واجباً، فإذا أنعم بما يفرغ المنعم عليه للشكر كان وجوبه عليه أعظم، سبب عن الإنعام عليهم بذلك قوله: {فليعبدوا} أي قريش على سبيل الوجوب شكراً على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران {رب هذا البيت *} أي الموجد له والمحسن إلى أهله بتربيتهم به وبحفظه من كل طاغ، وتأثيره لأجل حرمته في كل باغ، وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة وجعل ما داموا عابدين له موصولاً بعز الآخرة، فتتم النعمة وتكمل الرحمة، والمراد به الكعبة، عبر عنها بالإشارة تعظيماً إشارة إلى أن ما تقدم في السورة الماضية من المدافعة عنهم معروف أنه بسببه لا يحتاج إلى تصريح، وأن ذلك جعله متصوراً في كل ذهن حاضراً مشاهداً لكل مخاطب، وفي هذا التلويح من التعظيم ما ليس للتصريح، ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت فقال تعالى: {الذي أطعمهم} أي قريشاً بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين آمنين من أن يهاجوا، وبإهلاك الذين أرادوا إخراب البيت الذي به نظامهم، إطعاماً مبتدئاً {من جوع *} أي عظيم فيه غيرهم من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك لأن بلدهم مهيأ لذلك لأنه ليس بذي زرع، فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع، فكفاهم ذلك وحده ولم يشركه أحد في كفايتهم، فليس من الشكر إشراكهم في عبادته ولا من البر بأبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي دعا لهم بالرزق ونهى أشد النهي عن عبادة الأصنام، ولم يقل: أشبعهم لأنه ليس كلهم كان يشبع، ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده "حديث : ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ". تفسير : ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن فقال: {وآمنهم} أي تخصيصاً لهم {من خوف *} أي شديد جداً من أصحاب الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومن الطاعون والدجال بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف، فعلم أن آخرها علة لأولها، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولاً فحماه الله لهم مما ذكر، فيكون ذلك مسبباً عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها، فقد التقى الطرفان، والتأم البحران المغترفان، وكما التقى آخر كل سورة مع أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على المتجر إيلافاً لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصهم بالأمر بعبادة الذي منّ عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان، ومن أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول - البراءة من كل مارق، وأن فعل ذلك يكون سبباً للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته، والفوز بأمانه ونعمته، والبشارة بالغنى على وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر، وأوفى وأوفر، وأزهى وأزهر، وأجل وأفخر، بقوله تعالى:{أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم}تفسير : الآيات،[التوبة: 17] وقوله تعالى:{أية : وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله}تفسير : [التوبة: 28] فعلم بهذا علماً جلياً أنه شرع سبحانه في رد المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال القرآن بلسانهم وأرسل به النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم، وتعظيمه لغناهم وأمانهم، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها في رد المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة المناظرة لها حتى أن في كل منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي الله تعالى عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين أمرها، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها، ولذلك لم يكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعاً بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبيّ رضي الله تعالى عنه، وقراءة عمر رضي الله عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح من الأول، ومن أغرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق، فالأولى في الآخر وهي الفيل أكرم الله فيها قريشاً بإهلاك أهل الإنجيل، والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم، فكان ذلك سبباً لكسر شوكتهم وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم، وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليه صلى الله عليه وسلم، وكان عدد التسع مشيراً إلى أن قريشاً أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في الملكوت إلى الفلك التاسع، وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع، فهم يصعدون بأسرار الشرع - التي من أعظمها الصلاة - من الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معاً كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين، وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة، فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات مضموماً إليها الوتر، وإلى ظهور الدين ظهوراً كاملاً على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين، وهي الثامنة عشر من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جداً، وكذا ملك الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية، ومن بديع الإشارات أيضاً أنك إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع منها، فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيراً إلى كون الدين يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين، وهي السنة الثامنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم، فقتلوا رجالهم، وانتثلوا أموالهم، كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد الأوثان من العرب، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فهي قبل النبوة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين: الفيل وقريش، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة، وذلك - والله أعلم - إشارة إلى أن ابتداء الأمن - بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ومتاعهم - كان لمولده صلى الله عليه وسلم وتشريف الوجود بوجوده، ويكون ذلك ظاهراً كما كان السبب - الذي هو وجوده صلى الله عليه وسلم - ظاهراً، وإلى أن وسطه يكون بنبوته صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك باطناً كما أن السبب - وهو الوحي باطن، ثم كان أمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة الذين كان الأمن أولاً بإهلاكهم، وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميراً - سبعة في الفيل وأربعة في قريش - كانت تسعاً وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد سنة ست من الهجرة، وفيها كانت عمرة الحديبية وهي الفتح السببي الخفي، وإلى ذلك"حديث : أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في بروك ناقته الشريفة حين بركت فقالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: خلأت القصوى - أي حرنت:ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل"تفسير : وفيها نزلت سورة الفتح، فكان سبب الأمن العظيم والغنى، وعقبها في سنتها كان البعث إلى ملوك الأمصار، وفتح خيبر وانبساط ذكر الإسلام في جميع الأقطار، وكذا كان عقبها قبل عمرة القضية إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي لما سأله أن يعطيه عمرو بن أميه الضمري رضي الله عنه ليقتله، وذلك حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي رضي الله عنهما يدعوه إلى الإسلام فأنكر النجاشي ذلك على ابن العاص وشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأمره بأن يؤمن به، ففعل فكان ملك الحبشة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ناجياً هادياً، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم داعياً، عكس ما كان لملك الحبشة بمولده صلى الله عليه وسلم من أنه كان هالكاً، وإلى الجحيم هاوياً، وإن حسبت من سنة بنيان الكعبة في الخامسة والعشرين من مولده صلى الله عليه وسلم كانت السنة التاسعة والخمسون هي الحادية والثلاثون بعد الهجرة، وهي سنة استئصال ملك الفرس بقتل آخر ملوكهم يزدجرد، والفرس هم الذين أزالوا الحبشة عن بلاد اليمن وطهروا منهم أرض العرب، ولعل قسمة السورتين إلى ثلاث وعشرين وسبع عشرة إشارة إلى أن هذا المولد الشريف الذي حرست الكعبة بمولده صلى الله عليه وسلم وحصل الأمن والعز ببركته تبنى الكعبة وتجدد بعد بضع وعشرين سنة من مولده، قالوا: كان بنيانها وسنه خمس وعشرون سنة، فلعله كان في آخر الرابعة والعشرين، ولعل قصة الفيل كانت وله نحو سنة من حين الولادة، وبه حين البنيان ألف الله بين قريش بعد أن كانوا تنافروا أشد المنافرة وتعاقدوا على الحرب في أمر الحجر الأسود من يضعه في موضعه حتى أصلح الله بينهم به صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده الشريفة في ثوب، وأمرهم فأمسكت جميع القبائل بأطرافه، ثم رفعوه حتى وازوا به موضعه فأخذه هو صلى الله عليه وسلم فوضعه في مكانه، فكان الشرف له خاصة في الإصلاح والبنيان، وتشير مع ذلك إلى أنه يبقى في النبوة ثلاثاً وعشرين سنة، ثم يتوفاه الله سبحانه وتعالى بعد أن جعل الله كيد جميع الكفرة في تضليل من عباد الأوثان والفرس والروم وغيرهم بما فتح الله عليه من جزيرة العرب التي ألف الله بها بين كلمتهم حتى انسابوا على غيرهم فما وافقهم أحد ناوشوه القتال وساوموه النضال والنزال، ولعل الإشارة بكون قريش سبع عشرة كلمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بعد سبع عشرة سنة من بنيان البيت يبعثه الله سبحانه وتعالى لأمر قريش بالعبادة التي أجلّها الصلاة التي أعظمها الفرائض التي هي سبع عشرة ركعة شكراً لنعمة من آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع بأعظم العبادة، وإلى أن ابتداء ألفة قريش بالقوة القريبة من الفعل بعد الشتات العظيم الظاهر وجعل كيد الكفار في تضليل يكون في السنة السابعة عشرة من النبوة، وذلك"حديث : سنة أربع من الهجرة فإن فيها كان إجلاء بني النضير من اليهود من المدينة الشريفة وإخلاف قريش الموعد في بدل الموعد وهناً منهم عن لقاء جيش النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بعد بيسير غزوة الأحزاب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم:الآن نغزوهم ولا يغزونا"تفسير : يعني أن نخوة الشيطان منهم وحمية الجاهلية أخذت في الاضمحلال لانتهاء قوتهم في الباطل الذي كان سبب عزهم الظاهري الذي هو الذل في الباطن، وكان ذلك ابتداء عزهم في الباطن الذي هو ذلهم لأهل الإسلام في الظاهر، وفي أثر الأحزاب كانت غزوة بني قريظة، فإذا ضممت إلى الكلمات الضمائر الأربعة كانت إحدى وعشرين توازيها سنة ثمان من الهجرة وهي سنة الفتح الأعظم الذي وقعت به الألفة العظمى بين قريش وأمنهم وغناهم الذي وعدهم الله به في السورة المناظرة لها - وهي براءة - باتئلاف جميع العرب وانبعاثهم لاجتماع كلمتهم إلى جهاد الفرس والروم والقبط وأخذهم لبلادهم، وانتثالهم لكنوزهم وتحكمهم في نسائهم وأولادهم، فسبحان من هذا كلامه، وتعالى شأنه وعز مرامه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت ‏ {‏لإِيلاف قريش‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"حديث : ‏فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطيها أحداً بعدهم‏:‏ إني فيهم وفي لفظ النبوّة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبع سنين، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم ‏{‏لإِيلاف قريش‏} "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوّام قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : ‏‏فضل الله قريشاً بسبع خصال‏.‏ فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي ‏{‏لإِيلاف قريش‏}‏ وفضلهم بأن فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : إن الله فضل قريشاً بسبع خصال‏:‏ أنا منهم، وأن الله أنزل فيهم سورة كاملة من كتابه لم يذكر فيها أحداً غيرهم، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده أحد غيرهم، وأن الله نصرهم يوم الفيل، وأن الخلافة والسقاية والسدانة فيهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم قال‏:‏ صلى عمر بن الخطاب بالناس بمكة عند البيت فقرأ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏} ‏ قال‏:‏ ‏ {‏فليعبدوا رب هذا البيت‏}‏ وجعل يومىء بأصبعه إلى الكعبة وهو في الصلاة‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ويل أمكم يا قريش ‏{‏لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ ‏{‏لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏}‏ ويحكم يا قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأ‏:‏ ‏"‏لإِيلاف قريش الفهم رحلة الشتاء والصيف‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب ‏{‏لإِيلاف قريش‏}‏ ويقول انما هي لتألف قريش، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام، فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏} ‏ قال‏:‏ نعمتي على قريش ‏ {‏إيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف {‏فليعبدوا رب هذا البيت‏} ‏ قال‏:‏ الكعبة ‏ {‏الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف‏} ‏ قال‏:‏ الجذام‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏لإِيلاف قريش‏}‏ قال‏:‏ نعمتي على قريش ‏{‏إيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏}‏ قال‏:‏ إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ‏ {‏وآمنهم من خوف‏} ‏ قال‏:‏ من كل عدوّ في حرمهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش إيلافهم‏} ‏ يقول لزومهم ‏{‏الذي أطعمهم من جوع‏}‏ يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال‏:‏ ‏{‏أية : وارزقهم من الثمرات‏}‏تفسير : [ابراهيم: 37] {وآمنهم من خوف} حيث قال ابراهيم‏:‏ ‏{أية : ‏رب اجعل هذا البلد آمناً}تفسير : ‏[ابراهيم: 35]. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏{‏لإِيلاف قريش‏} ‏ فقرأ ‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} إلى آخر السورة‏.‏ قال‏:‏ هذا لإِيلاف قريش صنعت هذا بهم لألفة قريش لئلا أفرق إلفهم وجماعتهم إنما جاء صاحب الفيل يستبيد حرمهم فصنع الله ذلك بهم‏.‏ وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن عبد العزيز قال‏:‏ كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أن أهل البيت منه كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما نبل وعظم قدره في قومه قال‏:‏ يا معشر قريش إن العز مع الكثرة، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزهم نفراً، وإن هذا الإِحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأياً‏.‏ قالوا‏:‏ رأيك راشد فمرنا نأتمر‏.‏ قال‏:‏ رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعاً للاحتفاد قالوا‏:‏ نعم، ما رأيت فألف بين الناس‏.‏ فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان وأنزل الله ما أنزل وكان ذلك مفتاح النبوة وأول عز قريش حتى أهابهم الناس كلهم وقالوا أهل الله والله معهم، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كان فيما أنزل الله عليه يعرف قومه وما صنع إليهم وما نصرهم من الفيل وأهله {‏أية : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏} تفسير : [الفيل: 1‏]‏ إلى آخر السورة ثم قال‏:‏ ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك وهم يومئذ أهل عبادة أوثان فقال لهم‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏}‏ إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وكانوا على شرك، وكان الذي آمنهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه واطعامهم إياهم من الجوع من جوع الاحتفاد‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لإِيلاف قريش‏}‏ الآية، قال‏:‏ نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏}‏ قال‏:‏ ألفوا ذلك فلا يشق عليهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏}‏ قال‏:‏ عادة قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وآمنهم من خوف‏} ‏ قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية يأمنون بذلك، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏} ‏ قال‏:‏ كان أهل مكة يتعاورون البيت شتاء وصيفاً تجاراً آمنين لا يخافون شيئاً لحرمهم، وكانت العرب لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه من الخوف، فذكرهم الله ما كانوا فيه من الأمن حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في الحيّ من أحياء العرب فيقال حرمي‏.‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : من أذل قريشاً أذله الله‏"تفسير : ‏ وقال‏:‏ ‏"حديث : ‏ارقبوني وقريشاً فإن ينصرني الله عليهم فالناس لهم تبع‏"‏ تفسير : فلما فتحت مكة أسرع الناس في الإِسلام فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الناس تبع لقريش في الخير والشر كفارهم تبع لكفارهم ومؤمنوهم تبع لمؤمنيهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لإِيلاف قريش‏}‏ الآية، قال‏:‏ أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال‏:‏ علم الله حب قريش الشام فأمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك في قوله‏:‏ ‏ {‏لإِيلاف قريش‏}‏ قال‏:‏ كانوا يتجرون في الشتاء والصيف فألفتهم ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ كانت قريش تتجر شتاء وصيفاً فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وإيلة إلى فلسطين يلتمسون الدفء وأما الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إيلافهم‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ كانت لهم رحلتان الصيف إلى الشام والشتاء إلى اليمن في التجارة‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وآمنهم من خوف‏} ‏ قال‏:‏ لا يخطفون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش ‏{‏وآمنهم من خوف‏} ‏ قال‏:‏ خوف الحبشة‏.‏ وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏وآمنهم من خوف‏}‏ قال‏:‏ من الجذام‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي ريحانة العامري أن معاوية قال لابن عباس‏:‏ لم سميت قريش قريشا‏ً؟‏ قال: بدابة تكون في البحر أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته‏.‏ قال‏:‏ فأنشدني في ذلك شيئاً فأنشده شعر الجمحي إذ يقول‏:‏ شعر : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك منها لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلاً كميشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا تفسير : وأخرج ابن سعد عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا‏ً؟‏ قال‏:‏ حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش، فقال عبد الملك ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله‏.‏ وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه فعل أفعالاً جميلة فقيل له القرشي، فهو أول من سمي به‏.‏ وأخرج أحمد عن قتادة بن النعمان أنه وقع بقريش فكأنه نال منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يا قتادة لا تسبن قريشاً، فإنه لعلك أن ترى منهم رجالاً تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم، وتغبطهم إذا رأيتهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتهم بالذي لهم عند الله‏ .‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا، والله لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لخيارها عند الله‏"‏ تفسير : قال‏:‏ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏خير نسوة ركبن الإِبل صالح نساء قريش أرعاه على زوج في ذات يده وأحناه على ولد في صغره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والنسائي عن أنس قال‏:‏ كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب فقال‏:‏ ‏"‏حديث : الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك ما إن استحكموا عدلوا وإن استرحموا رحموا وإذا عاهدوا أوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جبير بن مطعم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش‏"‏تفسير : ‏.‏ قيل للزهري‏:‏ ما عني بذلك‏؟‏ قال‏:‏ نبل الرأي‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سهل بن أبي حثمة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"‏حديث : لا تقدموا قريشاً فتضلوا، ولا تأخروا عنها فتضلوا، خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس، والذي نفس محمد بيده لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لها عند الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الناس تبع لقريش في الخير والشر إلى يوم القيامة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عبد الله بن رفاعة عن أبيه عن جده قال‏:‏ حديث : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقال‏:‏‏ "‏هل فيكم من غيركم‏؟ قالوا‏:‏ لا إلا ابن أختنا ومولانا وحليفتنا، فقال‏:‏ ابن أختكم منكم ومولاكم منكم إن قريشاً أهل صدق وأمانة فمن بغى لهم الغواء أكبه الله على وجهه" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : والناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب فيه نفر من قريش فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن هذا الأمر في قريش ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش‏:‏ ‏"حديث : ‏إن هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان‏"‏تفسير : وحرك أصبعيه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال‏:‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏اللهم كما أذقت أولهم عذاباً فأذق آخرهم نوالاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص أن رجلاً قتل فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏حديث : أبعده الله أنه كان يبغض قريشا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم ‏"حديث : أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً‏ "‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها أربع {لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ} متعلقٌ بقولِه تعالَى فليعبدُوا، والفاءُ لما في الكلامِ منْ مَعْنى الشَّرطِ إذِ المعَنْى أنَّ نِعمَ الله تعالَى عليهمْ غيرُ محصورةٍ فإنْ لَمْ يعبدُوه لسائرِ نعمهِ فليعبدُوه لهذِه النعمةِ الجليلةِ وقيلَ بمضمرةٍ تقديرُهُ فعلنَا مَا فعلنَا منْ إهلاكِ أصحابِ الفيلِ لإيلافِ الخ وقيلَ: تقديرُهُ أعْجَبُوا لإيلافِ الخ وقيلَ: بمَا قَبْلَهُ منْ قولِه تعالَى: { أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} تفسير : [سورة الفيل، الآية 5] ويؤيدُهُ أنهُمَا في مُصْحفِ أُبَـيَ سورةٌ واحدةٌ بلاَ فصلٍ، وَالمَعْنى أهلكَ مَنْ قصدَهُم منَ الحبشةِ ليتسامعَ النَّاسُ بذلكَ فيتهيبُوا لَهُمْ زيادةَ تهيبٍ ويحترمُوهم فضلَ احترامٍ حَتَّى ينتظَم لهُمْ الأمنُ في رحلتيِهمْ فَلاَ يجترىءُ عليهمْ أحدٌ وكانتْ لقريشٍ رحلتانِ يرحلونَ في الشتاءِ إلى اليمنِ وفي الصيفِ إِلى الشامِ فيمتارونَ ويتجرونَ وكانُوا في رحلتيِهمْ آمنينَ لأنَّهُم أهلُ حرمِ الله تعالَى وولاةُ بـيتِه العزيزِ فَلاَ يُتَعرضُ لهُمْ والنَّاسُ بـينَ مُتخطَّفٍ ومنهوبٍ. وَالإيلافُ منْ قولِكَ آلفتْ المكانَ إيلافاً إذا أَلفْتَهُ وقُرِىءَ لإلافِ قُريشٍ أيْ لمؤالفتِهمْ، وقيلَ: يقالُ ألفتُهُ إلفاً وإلافاً وَقُرِىءَ لإلفِ قريشٍ، وقريشٌ ولدُ النَّضْرِ بنِ كنَانَةَ سُمُّوا بتصغيرِ القِرشِ وهُوَ دابةٌ عظيمةٌ في البحرِ تعبثُ بالسفنِ وَلاَ تُطَاقُ إِلاَّ بالنارِ، والتصغيرُ للتعظيمِ وقيلَ: منَ القَرْشِ وهُوَ الكسبُ لأنهمْ كانُوا كسَّابـينَ بتجاراتِهمْ وضربِهمْ في البلادِ. وقولُه تعالَى: {إِيلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشّتَاء وَٱلصَّيْفِ} بدلٌ منَ الأولِ، ورحلةَ مفعولٌ لإيلافِهم وإفرادُهَا معَ أنَّ المرادَ رِحْلَتي الشتاءِ والصيفِ لأمنِ الإلباسِ، وَفي إطلاقِ الإيلافِ عنِ المفعولِ أولاً وإبدالُ هَذا منْهُ تفخيمٌ لأمرِهِ وتذكيرُ لعظيمِ النعمةِ فيهِ. وَقُرِىءَ ليألفَ قريشٌ إلَفهُمْ رحلةَ الشتاءِ والصيفِ، وقُرِىءَ رُحلةَ بالضمِّ وهيَ الجهةُ التي يُرحلُ إليَها {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم} بسببِ تينكِ الرحلتينِ اللتينِ تمكُنوا فيهَما بواسطةِ كونِهم منْ جيرانِهِ {مِن جُوعٍ} شديدٍ كانُوا فيهِ قَبْلَهُما، وقيلَ: أريدَ بهِ القحطُ الذي أكلُوا فيهِ الجيفَ والعظامَ {وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} عظيمٍ لاَ يُقَادرُ قدرُهُ وهُوَ خوفُ أصحابِ الفيلِ أوْ خوفُ التخطفِ في بلدِهم وَفي مسايرِهِم وقيلَ: خوفُ الجُذَامِ فلاَ يصيبُهمْ في بلدِهِم. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ قريشٍ أعطاهُ الله تَعالَى عشرَ حسناتٍ بعددَ مَنْ طَافَ بالكعبةِ واعتكفَ بَها".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}[1] قال: يعني لتألف قريش الرحلتين.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ}. "الإيلاف": مصدر آلَفَ، إذا جَعَلْتَهُ يَأْلَف... وهو أَلِفَ إِلْفاً. والمعنى: جعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلافِ قريْشٍ، أي لِيَأْلَفوا رحلتهم في الشتاء والصيف. وكانت لهم رحلتان للامتيار: رحلةٌ إلى الشام في القيظ، ورحلة إلى اليمن في الشتاءِ والمعنى: أنعم اللَّهُ عليهم بإهلاكِ عدوِّهم ليؤلِّفَهم رحلتيهم. وقيل: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} كأنه أَعْظَمَ المِنَّةَ عليهم. وأَمرَهم بالعبادة: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ}. فليعبدوه لِمَا أنعم به عليهم. وقيل: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم. {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. حين جعَلَ الحرَمَ آمِناً، وأجارَهم من عدوِّهم. ويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلْبِ الناسِ الميرةَ إليهم من الشام ومن اليمن. وَوجْهِ المِنَّةِ في الإطعام والأمان هو أن يتفرَّغوا إلى عبادة الله؛ فإِنَّ مَنْ لم يكن مكْفِيَّ الأمور لا يتفرَّغُ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلبُ - إلاَّ عند السلامة بكلِّ وجهٍ وقد قال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ}تفسير : [البقرة: 155] فقدَّم الخوف على جميع أنواع البلاءِ.

البقلي

تفسير : هذا تعداد لحبيبه صلى الله عليه وسلم واصحابه وعشيرته والمؤمنين اهلك اعدائهم ببركته وصفوته لئلا يشق عليهم الوقوف فى مقام واحد فيرتحلوا فى الشتاء والصيف ليروا أيات الله فى بلاد الله ثم امرهم بعبوديته حتى أمنهم من فزع الحجاب والعتاب والعذاب واطعمهم من موايد كشف النقاب قال بعضهم من لزم طريقة التوكل على الله اغناه الله عن الحركة بالرزق واغناه عن السعى والطلب كما قال فى لايلاف قريش من اشتغل بالعبادة أمنه الله مما يخاف واطعمه من جوعه بقوله فليعبد وارب هذا البيت الذى اطعمهم من جوع وأمنهم من خوف.

اسماعيل حقي

تفسير : {لايلاف قريش} متعلق بقوله تعالى فليعبدوا وهو قول الزجاج والفاء لما فى الكلام من معنى الشرط اذ المعنى ان نعم الله عليهم غير محصورة فان لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجلية فالايلاف تعدية الألف مصدر من المبنى للمفعول مضاف الى مفعوله الاول مطلقا عن المفعول الثانى الذى هو الرحلة كما قيد به فى الايلاف الثانى يقال الفت الشئ بالقصر وآلفته بالمد بمعنى لزمته ودمت عليه وما تركته فيكون كل من الألف والايلاف لازما ويقال ايضا آلفته غيرى بالمد اى الزمته اياه وجعلته يألفه فيكون متعديا قال فى تاج المصادر الايلاف الف دادن والف كرفتن. وضد الايلاف والايناس هو الايحاش وقيل متعلق بما قبله من قوله فجعلهم كعصف مأكول ويؤيده انهما فى مصحف ابى رضى الله عنه سورة واحدة بلا فصل فيكون الايلاف بمعنى الالف اللازم فالمعنىاهلك الله من قصدهم من الحبشة لان يألفوا هاتين الرحلتين ويجمعوا بينهما ويلزموا اياهما ويثبتوا عليهما متصلالا منقطعا بحيث اذ فرغوا من ذه اخذوا فى ذه وبالعكس وذلك لان الناس اذا تسامعوابذلك الاهلاك تهيبوا لهم زيادة تهيب واحترموهم فضل احترام فلا يجترئ عليهم احد فينتظم لهم الا من فى رحلتيهم وكان لقريش رحلتان يرحلون فى الشتاء الى اليمن وفى الصيف الى الشأم فيمتارون ويتجرون وكانوا فى رحلتيهم آمنين لانهم أهل حرم الله وولاة بيته العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب وذلك ان قريشا اذا اصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله الى موضع وضربوا على انفسهم خباء حتى يموتوا وكانواعلى ذلك الى ان جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه فقام خطيبا فى قريش فقال انكم احدثتم حدثا تقلون فيه وتذلون وانتم أهل حرم الله واشرف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بنى اب على الرحلتين فى الشتاء الى اليمن وفى الصيف الى الشأم لان بلاد اليمن حامية حارة وبلاد الشام مرتفعة باردة ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات فما ربح الغنى قسم بينه وبين فقرآئهم حتى كان فقيرهم كغنيهم فجاء الاسلام وهم على ذلك فلم يكن فى العرب بنوا اب اكثر مالا ولا اعز من قريش وكان هاشم اول من حمل السمراء من الشام وقريش ولد النضر بن كنانة ومن لم يلده فليس بقرشى سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة فى البحر تعبث بالسفن وتقلبها وتضربها فتكسرها ولا تطاق الا بالنار فشبهوا بها لانها تأكل ولا تؤكل وتعلوا ولا تعلى والتصغير للتعظيم فكانه قيل قريش عظيم وقال بعضهم الا وجه ان التصغير على حقيقته لانه اذا كان القرش دابة عظيمة والقرش مع صغر حجمه جعل قرشا فهو لا محالة قريش وفيه ان جعل قريش قريشا لم يكن لمناسبة الحجم بل كان لوصف الآكلية وعدم المأكولية ووصف الغلبة وعدم المغلوبية وهذان الوصفان يوجد ان فى تلك الدابة على وجه الكمال فلا معنى للتصغير الا التعظيم قال الزمخشرى سمعت بعض التجار بمكة ونحن قعود عند باب بنى شيبة يصف لى القرش فقال هو مدور الخلقة كما بين مقامنا هذا الى الكعبة ومن شأنه ان يتعرض للسفن الكبار فلا يرده شئ الا ان يأخذ اهلها المشاعل فيمر على وجهه كالبرق وكل شئ عنده قليل الى النار وبه سميت قريش قال الشاعر شعر : وقريش هى التى تسكن البحر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه لذى جناحين ريشا هكذا فى البلاد حتى قريش يأكلون البلاد اكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبى يكثر القتل فيهموا والخموشا تفسير : الخنوش الخدوش واكلا كميشا اى سريعا وفى القاموس قرشه يقرشه ويقرشه قطعه وجمع من ههنا وههنا وضم بعضه الى بعض ومنه قريش لتجمعهم الى الحرم او لانهم كانوا يتقرشون البيعات فيشترونها او لان النضر ابن كنانة اجتمع فى ثوبه يوما فقالوا تقرش او لانه جاء الى قومه فقالوا كأنه جمل قريش اى شديد او لان قصيا كان يقال له القريشى او لانهم كانوا يفتشون الحاج فيسدون خلتها او سميت بمصغر القرش وهو دابة بحرية يخافها دواب البحر كلها او سميت بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم فكانوا يقولون قدمت عير قريش وخرجت عير قريش والنسبة قرشى وقريشى انتهى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (لإيلافِ): متعلق بقوله: "فليعبدوا"، والفاء لِما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: أنَّ نعم الله تعالى على قريش غير محصورة، فإن لم يَعبدوا لسائر نِعَمه فليعبدوا لإيلافهم الرحلتين، وجاز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها؛ لانها زائدة غير عاطفة، ولو كانت عاطفة لم يجز التقديم, وقيل: يتعلق بمُضمر, أي: فعلنا من إهلاك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، وقيل: بما قبله من قوله: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل:5]، ويؤيده: أنهما في مصحف "أُبيّ" سورة واحدة بلا فصل، والمعنى: أهلك مَن قصدهم مِن الحبشة ليتسامع الناس بذلك؛ فيتهيبوا لهم زيادة تهيُّب, ويحترموهم فضل احترام, حتى يتنظم لهم الأمن في رحلتيهم. يقول الحق جلّ جلاله: {لإِيلافِ قريشٍ} أي: فلتعبد قريش رب هذا البيت لأجل إيلافهم الرحتلين، وكانت لقريش رحلتان، يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتّجرون، وكانوا في رحلتهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته العزيز, فلا يُتَعرّض لهم، والناس بين مختطف ومنهوب. و(الإيلاف): مصدر، من قولهم: ألفت المكان إيلافاً وإلافاً وإلفاً. وقريش: ولد النضر بن كنانة، وقيل: ولد فهر بن مالك، سُمُّوا بتصغير القِرْش، وهو دابة عظيمة في البَحر، تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتفخيم، سُمُّوا بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهاً بها. وقيل: مِن القَرْش، وهو الجمع والكسب؛ لأنهم كانوا كسّابين بتجارتهم وضربهم في البلاد. وقوله تعالى: {إِيلافهم رحلةَ الشتاءِ والصيف} بدل من الأول، أطلق الإيلاف، ثم أبدل منه المقيّد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف، وتذكيراً لعظيم هذه النعمة. و"رحلة": مفعول بإيلاف, وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد لأمن الإلباس. {فليعبدوا رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهم} بسبب تينك الرحلتين اللتين تمكنوا منها بواسطة كونهم من جيرانه، {من جوعٍ} شديد كانوا فيه قبلهما. قال الكلبي: أول مَن حمل السمراء من الشام, ورحل إليها: هاشم بن عبد مناف. هـ. ولمّا بعث اللهُ نبيه، الذي هو نبي الرحمة، وأسلمت قريش، أراح اللهُ الناسَ من تعب الرحلتين، وجلبت إلى مكة الأرزاق من كل جانب، ببركة طلعته صلى الله عليه وسلم. قال مالك بن دينار: ما سقطت أُمة من عين الله إلاّ ضرب أكبادهم بالجوع. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع "تفسير : . والمذموم هو الجوع المفرط، الذي لم يصحبه في الباطن قوة ولا تأييد، وإلاَّ فالجوع ممدوح عند الصوفية، أعني الوسط. ثم قال تعالى: {وآمنهم من خوف} أي: من خوف عظيم, وهو خوف أصحاب الفيل، أو: من خوف الناس في أسفارهم, أو: من القحط في بلدهم. وقيل: كان أصابتهم شدة حتى أكلوا الجِيَف والعظام المحرقة، فرفعه الله عنهم بدعوته صلى الله عليه وسلم، فهذا معنى: {أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}، وقيل: الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام بقوله: {أية : ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً} تفسير : [البقرة:126] الآية. الإشارة: كما أمَّن اللهُ أهل بيته أمَّن أهل نسبته، فلا تجد فقيراً متجرداً إلاّ آمناً حيث ذهب، والناس يُختطفون من حوله. قلت: وقد رأينا هذا الأمر عامَ حصر "سلامة" على تطوان، فكان كل مَن خرج من تطوان يُنتهب أو يُقتل، ونحن نذهب حيث شئنا آمنين بحفظ الله، وهذا إذا لبسوا زي أهل النسبة، من المُرقَّعة والسبحة والعصا، فإن ترك زيَّه وأُخذ فقد ظلم نفسه، وقد ترك بعضُ الفقراء زيَّه، وسافر فتكشّط, فقال له شيخه: أنت فرَّطت، والمفرط أولى بالخسارة. هـ. ويُقال لأهل النسبة: فليعبدوا رَبَّ هذا البيت، أي: بيت الحضرة التي طلبتموها، أو: بيت النسبة التي سكنتم فيها، الذي أطعمكم من جوعٍ، حيثما توجتهم، مائدتكم منصوبة، وآمنكم من خوفٍ حيث سِرتم. والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {لالاف قريش} بقصرها، ولم يجعل بعد هذه الهمزة ياء على وزن (لعلاف)، {إيلافهم} بياء بعد الهمزة خلاف لفظ الأول. الباقون {لإيلاف قريش إيلافهم} جميعاً بهمزة بعدها ياء. وقرأ ابو جعفر وابن فليح {إلا فهم} بهمزة بلا ياء بعدها مثل (علافهم) ورواه ابو الحسن حماد - بهمزتين مكسورتين - بعدها ياء. الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة مثل (عيلافهم) قال الأزهري: الايلاف الاجارة بالحفارة يقال: أولف يولف وألف يؤلف إذا أجار الابل بالحفارة. والفت المكان ألفة والفاً وألفته إيلافاً بمعنى واحد. وقد قدّمنا القول فيما رواه أصحابنا أن {ألم تر كيف} و {لإيلاف} سورة واحدة، مثل (الضحى وألم نشرح) فعلى هذا العامل فى {لإيلاف} قوله {فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش} وهو قول الحسن. ومن قال: هما سورتان لم يجز ذلك، فقال العامل فيها، قوله {فليعبدوا} فكأنه قال لذلك الانعام {فليعبدوا} ومثله في تقديم القول فيه قوله {أية : أفغير الله تأمروني}تفسير : لان تأمروني إعتراض على هذا التفسير، وإنما جاز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبله لأنها زائدة غير عاطفة، كقولك زيداً فاضرب، وتريد فاضربه، فهي على شبه الجواب الذي يجوز فيه تقديم المعمول كقولك زيداً: إن يأتني زيداً اكرمه. ولو كانت عطفاً لم يجز التقديم، كما لا يجوز في الواو، ولا (ثم). وقيل العامل فيه (اعجبوا) لايلاف قريش إلا انه حذف لدلالة الكلم عليه. وقيل هو على {ألم تر كيف فعل ربك... لإيلاف قريش} أي فعل ذلك لايلافهم والايلاف أصحاب الالف بحسن التدبير والتلطف، يقال: ألف يألف الفاً، والفه يؤلفه إيلافاً إذا جعله يألف، وائتلف القوم ائتلافاً وتآلفوا تآلفاً وألفهم تأليفاً. والايلاف نقيض الايحاش، ونظيره الايناس. والف الشيء لزومه على عادة في سكون النفس اليه. وقوله {رحلة الشتاء والصيف} قال ابن زيد والكلبي: كانت لهم رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن في التجارة. والرحلة حال السير على الراحلة وهي الناقة القوية على السفر، ومنه الحديث المروي "حديث : الناس كابل مئة لا يوجد فيها راحلة"تفسير : والرحل متاع السفر والارتحال احتمال الرحل للمسير في السفر. والشتاء أوان شدة البرد. والصيف زمان شدة الحر. وفصول السنة أربع: ربيع، وصيف وخريف، وشتاء. وقوله {فليعبدوا رب هذا البيت} أمر من الله تعالى للمكلفين أن يوجهوا عبادتهم إلى الله رب البيت الحرام دون غيره من الاصنام {الذي أطعمهم من جوع} بما أعطاهم من الأموال وسبب لهم من الارزاق بالسعي في التجارة في رحلة الشتاء ورحلة الصيف {وآمنهم من خوف} الغارة بالحرم الذي جبل قلوب العرب على تعظيمه. وقيل {آمنهم} من الجذام. قال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام بالكوفة يقرأ {ألم تر، ولإيلاف} ولا يفرق بينهما.

الجنابذي

تفسير : {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} قرئ ليلاف قريشٍ بدون الهمزة، الافهم من دون ياءٍ، وقرئ ليلاف قريشٍ مثل القراءة الاولى ايلافهم بهمزةٍ وياء بعدها وقرئ لايلاف قريشٍ ايلافهم فى كليهما بهمزةٍ وياءٍ بعدها، والجارّ والمجرور متعلّق بقوله تعالى: جعلهم كعصفٍ مأكولٍ، او بقوله: {أية : فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل:1] لانّ السّورة الاولى كانت فى مقام الامتنان على قريشٍ بجعل بيتهم ومسكنهم مأمناً، او متعلّق بقوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ}.

الأعقم

تفسير : ومعنى {لإيلاف قريش} أي لتألف مكة وقريش ولد النضر بن كنانة، وقيل: من لم يلده النضر فليس بقرشي، واختلفوا لم سموا قريشاً فقيل: القرش الجمع يقال تقرشوا أي تجمعوا، وقيل: لكسبهم الأموال وجمعها وتجارتها سموا بذلك، وقيل: بل قريش دابة في البحر تغلب سائر ما في البحر من الدواب {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} قيل: كان لهم رحلتان رحلة الصيف الى الشام ورحلة الشتاء الى اليمن في التجارة، وقيل: كانوا يشتّون بمكة ويصيّفون بالطائف فأمرهم الله أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت، وقيل: انه أنعم عليهم بالمقام بمكة وأغناهم، وقيل: بل أمنهم في أسفارهم في الرحلتين، وقيل: ليألفوا عبادة الله كما ألفوا الرحلتين {الذي أطعمهم من جوع} قيل: ما أعطاهم من الأموال وسبب لهم من الأرزاق، وقيل: ما وقع في قلوب الحاج وغيرهم حتى جلبوا اليهم كل نعمة {وآمنهم من خوف}، قيل: أمَّنهم من خوف الغارة بالحرم، وقيل: كانوا إذا قالوا في سفرهم نحن أهل الحرم وأهل بيت الله لا يتعرض لهم أحدٌ، وقيل: بكثرة العدد والأموال، وقيل: أمَّنهم من الجذام، وقيل: أمّنهم الحبشة، وقيل: أمَّنهم من أن تكون الخلافة إلا فيهم عن علي (عليه السلام)، وقيل: أمّنهم بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

الهواري

تفسير : تفسير سورة قريش، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ} وإيلافهم تعودهم رحلة الشتاء والصيف. وقال مجاهد: إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء، ولا صيف. وتفسير الكلبي: كانت قريش قد تعودت رحلتين فصليتين. إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف للميرة، فمكثوا بذلك زماناً حتى اشتد العسر، ثم أخصبت تبالة وجرش. وهما على شاطىء البحر من اليمن؛ فحمل أهل الساحل إلى مكة في البحر، ثم حمل أهل اليمن على الإِبل. فنزل أهل الساحل بجدة، ونزل أهل اليمن بالمحصبة. فامتار أهل مكة على ما شاءوا، وكفاهم الله الرحلتين. قال بعضهم: كانت رحلة الشتاء إلى اليمن لأنها حارة، وأخرى إلى الشام في الصيف لأنها باردة. قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} وهو ما كان أصابهم من الشدة. {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} وهو الأمن الذي كان فيه أهل الحرم، وأهل الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً وهم آمنون مما فيه العرب.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} أي لتعودهم وموالفتهم متعلق بيعبدوا والفاء زائدة لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها وإنما زيدت لما في المعنى من الشرط أي إن لم يعبده قريش لنعمه التي لا تحصى فاليعبدوه لنعمة الإيلاف أو الفاء في جواب أما محذوفة غير دالة على تفصيل أو دالة عليه فيقدر عديل. واختار الدماميني تقدير أما وأورد على جعل الفاء زائدة مشعرة بشرط في المعنى تقديم ما بعد حرف الجزاء عليه أو معمول ما بعد فاء الجزاء عليها مع أن الشرط غير أما والمعمول غير اسم الشرط وأجيب بأن ذلك لا يلزم لأنا إنما قدرنا معنى الشرط بدلالة الفاء وليس المراد أن لفظ الشرط مقدر وممن علق اللام بيعبدوا ابن هشام وذكر أن بعضا جعل اللام واجبة لإختلاف زمان الإيلاف وزمان العبادة فإن زمان الإيلاف سابق على زمانها وزمانه حاضر وزمانها مستقبل وهذا الإشتراط اتحاد الزمان لنصب المفعول له وقيل متعلقة بمحذوف دل عليه فليعبدوا وقال الكسائي والأخفش متعلقة بأعجبوا مقدرا أي عجبوا بإيلافهم الرحلة ألفوها ولم يعبدوا من سخرها لهم. وقال الزجاج متعلقة بجعلهم كعصف مأكول إما على منزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله وأقول مثل هذا في الشعر معيب وليست الآية من ذلك لصحة معنى ما مضى بدون أول هذه السورة، وإما على أنهما سورة واحدة كما كتبتا في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل بالبسملة او غيرها وكما روي ان عمر قرأ في الاولى من المغرب والتين وقرأ في الثانية ألم تر ولايلاف قريش بلا فصل اي اهلك الحبشة ودقهم ليثبوا على الرحلتين ولا يجتري عليهم احد فنزيدهم مهابة وكانوا محترمين فيها لانهم خدمة بيت الله بخلاف غيرهم فانهم يخاف عليهم من القطاع والمنتهيين. والجمهور على ان لايلاف قريش سورة وحدها لاطباق الصحابة والتواتر على ذلك إلا رواية شاذة عنهم. قال الشيخ خالد ويضعف التعليق بجعلهم ان جعلهم كعصف إنما كان لكفرهم وجرأتهم على البيت ويجاب بأن جزاء الكفر والجرأة هو يوم القيامة أو هذا الجزاء الواقع في الدنيا لأجلهما ولأجل لا يتلاف وذكر التعليل بالايتلاف دون التعليل بهما لأنه لم يتعلق غرض بهما يعود إلى قريش بخلاف الإيتلاف فإنه منه عليهما أو الجعل لأجلهما لكن اللام للعاقبة لما هلكوا لكفرهم وجرئتهم صار هلاكهم صلاحا لقريش فكأنه وقع الإهلاك لصلاحهم ولا تشدد لام لإيلاف لأجل تنوين مأكول لأن البسملة فاصلة وهي آية لا بد من قراءتها وهكذا لا يؤثر آخر السورة فيما بعد البسملة لا نطقا ولا خطا هذا مذهبنا معشر الأباضية ومذهب من وافقنا وإيلاف مصدر ألف كأتى إيتاء بهمزة بعدها ألف في الفعل فالهمزة زائدة وهي همزة أفعل والألف بدل من همزة هي فاء الكلمة فوزن إيلاف إفعال أو مصدر ألف والهمزة فاء الكلمة والألف زائدة فالوزن فاعل بفتح العين ووزن المصدر فيعال بكسر الفاء كقاتل قتالا كذا قيل ويرده أن إثبات ياء فيعال وهي بدل ألف فاعل بفتح العين نادرا أو ضروري، وقرأ ابن عامر لالاف قريش بدون ياء مثل قاتل قتالا فالهمزة فاء الكلمة ألف إيلافا ومؤالفة كقاتل قتالا ومقاتل. وقرأ أبو جعفر لألف قريش بإسكان اللام الثانية مصدر ألف الثلاثي أو اسم مصدر الرباعي وقرأ عكرمة ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف بجر الفهم بدلا من مصدر يألف وهي قراءة موافقة لقراءة من قرأ لإلف إذا جعلنا الإلف مصدرا للثلاثي أو بنصب الفهم على المفعولية المطلقة. وقريش ولد النظر ابن كنانة سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار قال أبو ريحانه سأل معاوية ابن عباس لم سميت قريشا قال لدابة من أعظم دواب البحر يسمى القرش لا تمر بشيء إلا أكلته، تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى قال وهل تقول العرب ذلك في أشعارها قال نعم وأنشد شعر الجمحي: شعر : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجج البحر على سائر البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه الذي الجناحين ريشا هكذا في الكتاب حي قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيله ورجاله يحشرون المطي حشرا كميشا تفسير : وهذا التصغير عند بعض للتعظيم وقيل من القرش وهو الكسب لأنهم كسابون ضرابون في التجارة لا زرع ولا ضرع تقرش لعياله كسب وقرش لهم فهو قارش وقريش تصغير قارش تصغير ترخيم وقيل من قرشت الشيء جمعته وتقرشوا تجمعوا وكانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي في الحرم قال الشاعر: شعر : أبوكم قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر تفسير : وروي عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم، وإن الناس تبع لقريش في الخير والشر مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم وأن من أراد هوان قريش أهانه الله وإنه قال اللهم اذقت أول قريش نكالا أي عذابا فأذق آخرهم نوالا أي عطاء ".

اطفيش

تفسير : متعلق بيعبد ولا تمنع الفاء من ذلك لأَنها صلة لتأكيد الربط وتلويحاً لمعنى الشرط أى إن نعم الله تعالى غير محصورة فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لنعمة الإيلاف وإنما تمنع التقديم لمعمول ما بعدها عنها لو كانت فى جواب شرط محقق وهو المتبادر وهو قول الخليل وعلقه الكسائى والفراء بفعل أمر محذوف أى أعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاءِ والصيف وتركهم عبادة الله تعالى الذى أعزهم ورزقهم وأمنهم وفرع على ذلك بقوله رب هذا البيت. الخ وعلقه الأخفش بمحذوف تقديره فعلنا ما فعلنا من إهلاك أصحاب الفيل وأهلكنا أصحاب الفيل لإيلاف لدلالة آخر اسورة قبلها عليه بناءً على أنه لا يجوز تعليق ما فى أول السورة فى آخر ما قبلها إذ لم يوجد فى القرآن ولكن إذا صار إلى هذا التقدير فليعلقه بجعلهم فى آخر السورة وقد روى عنه أنه علقه به لصحة المعنى والقرب وعدم حذف وتقديم وتأخير وتأويل ومع ذلك كله ومع كون القرآن كالسورة الواحدة يمتنع عندى لوجوب المحافظة على أن تكون كل سورة مستقلة والقول بأنهما سورة واحدة فيسوغ التعليق كما أنه قول جماعة يرده الفصل بالتسمية المتواترة نطقاً وخطاً وروى أن البسملة لم توجد فى مصحف أبى لكن روى أيضاً أنها وجدت فيه والمثبت مقدم على النافى ويروى أنه يراهما سورة واحدة ويعتقد ذلك ولم يبسمل خطأ فى كتابه ولا يقرأ البسملة بينهما، وعن عمر بن ميمون صليت المغرب خلف عمر فقرأ فى الأُولى والتين وفى الثانية ألم تر. الخ ولإيلاف قريش بلا بسملة قلنا لعله لا يصح ذلك وإن صح فلعله قرأها بمقدار لا يسمعه والتواتر نطقاً وكتابة يأتى على ذلك كله وكل الصيد فى جوف الفرا وهو حجة لا محيد عنها، وفى الترمذى عن سعيد بن زيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : من أراد هوان قريش أهانه الله"تفسير : ، وفى الترمذى عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : اللهم أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً"تفسير : ، وعن الزبير بن العوام وسعيد بن المسيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أنَّ الله تعالى فضل قريشاً بصورة لم يذكر فيها غيرهم لإيلاف قريش"تفسير : وعنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كناية واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" تفسير : رواه مسلم عن واثلة بن الأًسقع، ويروى "حديث : اصطفى عبد المطلب من بني هاشم واصطفى أبي من عبد المطلب واصطافاني من أبيتفسير : . وفى مسلم عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : الناس تبع لقريش في الخير والشر"تفسير : ، وفى البخارى ومسلم "حديث : الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم"تفسير : ، وعن أُم هانىء بنت أبى طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال"حديث : فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا أحد بعدهم أني فيهم والخلافة فيهم والحجابة فيهم والسقاية فيهم ونصروا على الفيل وعبدوا الله تعالى سبع سنين لم يعبده فيها أحد سواهمونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش "تفسير : ، وفى رواية النبوة فيهم بدل إنى فيهم وعشر سنين بدل سبع سنين ويناسب أنهما سورتان أن فواصل لإيلاف ليس على طريقة الم تر ولا يحتج بهذا لأنه يقع أيضاً فى سورة واحدة وإيلاف مصدر ألف بهمزة وألف مبدلة من همزة بوزن أكرم والياءِ فى الآية بدل من همزة وليست همزة ألف للتعدية بل هو كالثلاثى ألف كفرح فكلاهما متعد لواحد والمراد مؤالفتهم رحلة الشتاءِ والصيف أو معاهدتهم لها من آلفة بمعنى عاهده والوزن واحد هو أفعل كأكرم أى هى شىء اعتادوه لتفضل الله تعالى عليهم فيها بعدم الخوف ويجوز أن يكون للتعدية فالأصل إيلاف الله قريشاً إيلافه إياهم رحلة أى تصييره إياهم ألفين وقريش ولد النضر بن كنانة على الأصح سميت به القبيلة وهى من تناسلوا عنه وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قريش فقال مَن ولد النضر بفتح الميم والدال وضم الراءِ وإذا صحت الرواية لم يعدل عنها وقيل ولد فهر بن مالك بن النضير ونسب للجمهور وأجمع عليه النسابون من قريش وغيرهم فيما قال الزبير بن بكار واسمه قريش وفهر لقبه وأبو غالب كنيته وقيل قريش ولد مخلد بن النضر وهو ضعيف وقيل لا ولد للنضر إلاَّ مالك وقيل قريش هو كلاب لقب لكثرة صيده بالكلب وقيل لكثرة مكالبته للأعداء أى معالجته لهم ووثوبه عليهم واسمه عروة، وزعم الشيعة أن قريشاً ولد قصى ليدخل على دون عمر وأبى بكر إذ هما فوق قصى وهو تصغير قرش وهو دابة أقوى دواب البحر تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، وقيل مأخوذ من التقرش وهو الكسب والتجمع لكثرة تجرهم وجمعهم الفضائل، وقيل من التقريش وهو التفتيش لأن أباهم يفتش عن أصحاب الحاجات ليقضيها وتابعوه فى ذلك وقيل من التقرش وهو التجمع كانت قريش متفرقين فجمعهم الى الحرم وسكنوه قال بعضهم: شعر : أبونا قريش كان يدعى مجتمعاً به جمع الله القبائل من فهر تفسير : وروى:شعر : أبونا قصى كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر تفسير : والتصغير على كل حال للتعظيم سواءَ أقلنا من القرش على الأصل أو من التقرش أو التقريش على الترخيم بحذف والزوائد.

الالوسي

تفسير : الإيلاف على ما قال الخفاجي مصدر ألفت الشيء وآلفته من الإلف وهو كما قال الراغب اجتماع مع التئام وقال الهروي في «الغريبين» الإيلاف عهود بينهم وبين الملوك فكان هاشم يؤالف ملك الشام والمطلب كسرى وعبد شمس ونوفل يؤالفان ملك مصر والحبشة قال ومعنى يؤالف يعاهد ويصالح وفعله آلف على وزن فاعل ومصدره إلاف بغير ياء بزنة قبال أو ألف الثلاثي ككتب كتاباً ويكون الفعل منه أيضاً [آلف] على وزن أفعل مثل آمن ومصدره إيلاف كإيمان. وحمل الإيلاف على العهود خلاف ما عليه الجمهور كما لا يخفى على المتتبع وفي «البحر» إيلاف مصدر آلف رباعياً وآلاف مصدر ألف ثلاثياً يقال ألف الرجل الأمر إلفاً وإلافاً وآلف غيره إياه وقد يأتي آلف متعدياً لواحد كآلف ومنه قوله: شعر : من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى في جيدها يتوضح تفسير : وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في ذلك من القراآت. وقريش ولد النضر بن كنانة وهو أصح الأقوال وأثبتها عند القرطبـي قيل وعليه الفقهاء لظاهر ما روي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام سئل من قريش؟ فقال من ولد النضر وقيل ولد فهر بن مالك بن النضرتفسير : وحكي ذلك عن الأكثرين بل قال الزبير بن بكار أجمع النسابون من قريش وغيرهم على أن قريشاً إنما تفرقت عن فهر واسمه عند غير واحد قريش وفهر لقبه ويكنى بأبـي غالب وقيل ولد مخلد بن النضر وهو ضعيف وفي بعض السير أنه لا عقب للنضر بن كنانة إلا مالك وأضعف من ذلك بل هو قول رافضي يريد به نفي حقية خلافة الشيخين أنهم ولد قصي بن حكيم وقيل عروة المشهور بلقبه كلاب لكثرة صيده أو لمكالبته أي مواثبته في الحرب للأعداء نعم قصي جَمَّعَ قريشاً في الحرم حتى اتخذوه مسكناً بعد أن كانوا متفرقين في غيره وهذا الذي عناه الشاعر بقوله: شعر : / أبونا قصي كان يُدعى مُجَمِّعَاً به جَمَّع الله القبائل من فهر تفسير : فلا يدل على ما زعمه أصلاً. وهو في الأصل تصغير قرش بفتح القاف اسم لدابة في البحر أقوى دوابه تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى وبذلك أجاب ابن عباس معاوية لما سأله لم سميت قريش قريشاً وتلك الدابة تسمى قرشاً كما هو المذكور في كلام الحبر وتسمى قريشاً وعليه قول تبع كما حكاه عنه أبو الوليد الأزرقي وأنشده أيضاً الحبر لمعاوية إلا أنه نسبه للجمحي: شعر : وقريش هي التي تسكن البحـ ـر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تتـ ـرك يوماً لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلاً كميشا ولهم آخر الزمان نبـي يكثر القتل فيهم والخموشا تفسير : وقال الفراء هو من التقرش بمعنى التكسب سموا بذلك لتجارتهم وقيل من التقريش وهو التفتيش ومنه قول الحرث بن حلزة: شعر : أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو فهل لنا إبقاء تفسير : سموا بذلك لأن أباهم كان يفتش عن أرباب الحوائج ليقضي حوائجهم وكذا كانوا هم يفتشون على ذي الخلة من الحَاج ليسدوها وقيل من التقرش وهو التجمع ومنه قوله: شعر : اخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديم تفسير : سموا بذلك لتجمعهم بعد التفرق والتصغير إذا كان من المزيد تصغير ترخيم وإذا كان من ثلاثي مجرد فهو على أصله وأياً ما كان فهو للتعظيم مثله في قوله: شعر : وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل تفسير : والنسبة إليه قرشي وقريشي كما في «القاموس» وأجمعوا على صرفه هنا راعوا فيه معنى الحي ويجوز منع صرفه ملحوظاً فيه معنى القبيلة للعلمية والتأنيث وعليه قوله: شعر : وكفى قريش المعضلات وسادها تفسير : وعن سيبويه أنه قال في نحو معد وقريش وثقيف هذه للأحياء أكثر وإن جعلت أسماء للقبائل فجائز حسن. واللام في {لإِيلاَفِ} للتعليل والجار والمجرور متعلق عند الخليل بقوله {أية : فَلْيَعْبُدُواْ}تفسير : [قريش: 3] والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم الله تعالى غير محصورة فإن لم يعبدوا لسائر نعمه سبحانه فليعبدوا لهذه النعمة الجليلة ولما لم تكن في جواب شرط محقق كانت في الحقيقة زائدة فلا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها.

سيد قطب

تفسير : استجاب الله دعوة خليله إبراهيم، وهو يتوجه إليه عقب بناء البيت وتطهيره: {أية : رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات}.. تفسير : فجعل هذا البيت آمناً، وجعله عتيقاً من سلطة المتسلطين وجبروت الجبارين؛ وجعل من يأوي إليه آمناً والمخافة من حوله في كل مكان.. حتى حين انحرف الناس وأشركوا بربهم وعبدوا معه الأصنام.. لأمر يريده سبحانه بهذا البيت الحرام. ولما توجه أصحاب الفيل لهدمه كان من أمرهم ما كان، مما فصلته سورة الفيل، وحفظ الله للبيت أمنه، وصان حرمته؛ وكان مَنْ حوله كما قال الله فيهم: {أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم؟}. تفسير : وقد كان لحادث الفيل أثر مضاعف في زيادة حرمة البيت عند العرب في جميع أنحاء الجزيرة، وزيادة مكانة أهله وسدنته من قريش، مما ساعدهم على أن يسيروا في الأرض آمنين، حيثما حلوا وجدوا الكرامة والرعاية، وشجعهم على إنشاء خطين عظيمين من خطوط التجارة ـ عن طريق القوافل ـ إلى اليمن في الجنوب، وإلى الشام في الشمال. وإلى تنظيم رحلتين تجاريتين ضخمتين: إحداهما إلى اليمن في الشتاء، والثانية إلى الشام في الصيف. ومع ما كانت عليه حالة الأمن في شعاب الجزيرة من سوء؛ وعلى ما كان شائعاً من غارات السلب والنهب، فإن حرمة البيت في أنحاء الجزيرة قد كفلت لجيرته الأمن والسلامة في هذه التجارة المغرية، وجعلت لقريش بصفة خاصة ميزة ظاهرة؛ وفتحت أمامها أبواب الرزق الواسع المكفول، في أمان وسلام وطمأنينة. وألفت نفوسهم هاتين الرحلتين الآمنتين الرابحتين، فصارتا لهم عادة وإلفاً! هذه هي المنة التي يذكرهم الله بها ـ بعد البعثة ـ كما ذكرهم منة حادث الفيل في السورة السابقة، منة إيلافهم رحلتي الشتاء والصيف، ومنة الرزق الذي أفاضه عليهم بهاتين الرحلتين ـ وبلادهم قفرة جفرة وهم طاعمون هانئون من فضل الله.. ومنة أمنهم الخوف. سواء في عقر دارهم بجوار بيت الله، أم في أسفارهم وترحالهم في رعاية حرمة البيت التي فرضها الله وحرسها من كل اعتداء. يذكرهم بهذه المنن ليستحيوا مما هم فيه من عبادة غير الله معه؛ وهو رب هذا البيت الذي يعيشون في جواره آمنين طاعمين؛ ويسيرون باسمه مرعيين ويعودون سالمين.. يقول لهم: من أجل إيلاف قريش: رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي كفل لهم الأمن فجعل نفوسهم تألف الرحلة، وتنال من ورائها ما تنال {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع}.. وكان الأصل ـ بحسب حالة أرضهم ـ أن يجوعوا، فأطعمهم الله وأشبعهم من هذا الجوع {وآمنهم من خوف}.. وكان الأصل ـ بحسب ما هم فيه من ضعف وبحسب حالة البيئة من حولهم ـ أن يكونوا في خوف فآمنهم من هذا الخوف! وهو تذكير يستجيش الحياء في النفوس. ويثير الخجل في القلوب. وما كانت قريش تجهل قيمة البيت وأثر حرمته في حياتها. وما كانت في ساعة الشدة والكربة تلجأ إلا إلى رب هذا البيت وحده. وها هو ذا عبد المطلب لا يواجه أبرهة بجيش ولا قوة. إنما يواجهه برب هذا البيت الذي يتولى حماية بيته! لم يواجهه بصنم ولا وثن، ولم يقل له.. إن الآلهة ستحمي بيتها. إنما قال له: "أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه".. ولكن انحراف الجاهلية لا يقف عند منطق، ولا يثوب إلى حق، ولا يرجع إلى معقول. وهذه السورة تبدو امتداداً لسورة الفيل قبلها من ناحية موضوعها وجوها. وإن كانت سورة مستقلة مبدوءة بالبسملة، والروايات تذكر أنه يفصل بين نزول سورة الفيل وسورة قريش تسع سور. ولكن ترتبيهما في المصحف متواليتين يتفق مع موضوعهما القريب..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح مُبدع إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثْره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور. وزاده الطول تشويقاً إذ فصل بينه وبين متعلَّقه (بالفتح) بخمس كلمات، فيتعلق {لإيلاف} بقوله: {فليعبدوا}. وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل «ليعبدوا». وأصل نظم الكلام: لتَعْبُدْ قريشٌ ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فلما اقتضى قصدُ الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولَّدَ من تقديمه معنى جعله شرطاً لعامله فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط، فالفاء الداخلة في قوله: {فليعبدوا} مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه، وهذا أسلوب من الإِيجاز بديع. قال في «الكشاف»: دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إمَّا لاَ فليعبدوه لإِيلافهم، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اهــــ. وقال الزجاج في قوله تعالى: {أية : وربك فكبر} تفسير : [المدثر: 3] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تَدَعْ تكبيره اهــــ. وهو معنى ما في «الكشاف». وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى: { أية : وإياي فارهبون } تفسير : في سورة البقرة (40)، ومنه قوله تعالى: { أية : فبذلك فليفرحوا } تفسير : في سورة يونس (58) وقوله: { أية : فلذلك فادع واستقم } تفسير : في سورة الشورى (15). وقول النبي للذي سأله عن الجهاد فقال له: ألك أبوان؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهدْ. ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل (اعْجَبوا) محذوفاً ينبىء عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب، يقال: عجباً لك، وعجباً لتلك قضية، ومنه قول امرىء القيس: فيا لَكَ من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله: {فليعبدوا} تفريعاً على التعجيب. وجوّز الفراء وابن إسحاق في «السيرة» أن يكون {لإيلاف قريش} متعلقاً بما في سورة الفيل (5) من قوله: { أية : فجعلهم كعصف مأكول } تفسير : قال القرطبي: وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس. قال الزمخشري: وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلاّ به ا هـ. يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تُلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها. والإِيلاف: مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان، والأصل هو ألف، وصيغة الإِفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازاً، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سَافَر، وعافَاه الله، وقاتَلَهُم الله. وقرأه الجمهور في الموضعين {لإيلاف} بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية. وقرأ ابن عامر «لإلاف» الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية، وقرأه {إيلافهم} بإثبات الياء مثل الجمهور. وقرأ أبو جعفر «لِيلاَف قريش» بحذف الهمزة الأولى. وقرأ «إلافهم» بهمزة مكسورة من غير ياء. وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في «لإِأَلاَفِ» وفي «إِأَلافهم»، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له. قلت: لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم. والمعروف أن عاصماً موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم. وقد كُتب في المصحف «إلٰفهم» بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدّة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدَّات مثلها، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارىء، ورسم المصحف سُنّة متَّبعة سنَّها الصحابة الذين عُيّنوا لنسخ المصاحف وإضافة «إيلاف» إلى {قريش} على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام. وقريش: لقب الجد الذي يجمع بطوناً كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة. هذا قول جمهور النّسابين وما فوق فِهر فهم من كنانة، ولُقِّب فهرٌ بلقب قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قَرْش (بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن. وقال بعض النسابين: إن قريشاً لقب النضر بن كنانة. وروي حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل منْ قريشٌ؟ فقال: مَنْ وَلَدَ النضْرُ» تفسير : . وفي رواية أنه قال: « حديث : إنّا وَلَدُ النضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا »تفسير : . فجميع أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت بنو كنانة بخِيف منى. ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النَّسِيء. وقوله: {إيلافهم} عطف بيان من «إيلاف قريش» وهو من أسلوب الإجمال، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ومنه قوله تعالى: { أية : لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات } تفسير : [غافر: 36] حكاية لكلام فرعون، وقول امرىء القيس: شعر : ويومَ دخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَة تفسير : والرحلة بكسر الراء: اسم للارتحال، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد، ولذلك سمي البعير الذي يسافَر عليه راحلة. وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه فقد يكون الفعل مستغرقاً لزمانه مثل قَولك: سَهَر الليل، وقد يكون وقتاً لابتدائه مثل صلاة الظهر، وظاهر الإِضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة، وهما رحلتان. فعطف {والصيف} على تقدير مضاف، أي ورحلة الصيف، لظهور أنه لا تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين. وجوز الزمخشري أن يَكون لفظ {رحلة} المفرد مضافاً إلى شيئين لظهور المراد وأمن اللبس. وقال أبو حيان: هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة. و{الشتاء}: اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول. وفصل الشتاء تسعة وثمانون يوماً وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجَدْي، ونهايتها خروج الشمس من بُرج الحوت، وبروجه ثلاثة: الجَدْي، والدَّلْوُ، والحوت. وفصل الشتاء مُدة البرد. و{الصيف}: اسم لفصل من السنة الشمسية، وهو زمن الحرّ ومدته ثلاثة وتسعون ويوماً وبضع ساعات، مبدؤها حلول الشمس في برج السَرَطان ونهايته خروج الشمس من برج السُّنْبُلَة، وبروجه ثلاثة: السرطان، والأسد، والسنبلة. قال ابن العربي: قال مالك: الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ولم أزل أرى ربيعة ابن أبي عبد الرحمان ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا (يعني طلوع الثريا عند الفجر وذلك أول فصل الصيف) وهو اليوم التاسع عشر من (بشنس) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اهــــ. وشهر بشنس هو التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهراً. وشهر بشنس يبتدىء في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان (أبريل) وهو ثلاثون يوماً ينتهي يوم 25 من شهر (أيار ــــ مايه). وطلوع الثريا عند الفجر وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط. قال أيمة اللغة: فالصيف عند العامة نصف السنة وهو ستة أشهر والشتاء نصف السنة وهو ستة أشهر. والسنة بالتحقيق أربعة فصول: الصيف: ثلاثة أشهر، وهو الذي يسميه أهل العراق وخراسان الربيع، ويليه القَيْظ ثلاثة أشهر، وهو شدة الحر، ويليه الخريف ثلاثة أشهر، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر. وهذه الآية صالحة للاصطلاحين. واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في بُرج الحَمَل، وهاتان الرحلتان هما رحلتا تجارة ومِيرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في الشتاء إلى بلاد الحبشة ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير، والأخرى في الصيف إلى الشام يبلغون بها مدينة بُصرى من بلاد الشام. وكان الذين سنّ لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف، وسبب ذلك أنهم كانوا تعتريهم خصاصة فإذا لم يجد أهل بيت طعاماً لقوتهم حمل ربُّ البيت عياله إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعاً ويسمى ذلك الاعتفار (بالعين المهملة وبالراء وقيل بالدال عوض الراء وبفاء) فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشماً لأن أحد أبنائهم كان تِرباً لأسد بن هاشم، فقام هاشم خطيباً في قريش وقال: إنكم أحدثتم حدثاً تقِلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعزّ العرب وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تُبّع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم، ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيهم، وفيه يقول مطرود الخزاعي: شعر : يا أيها الرجُلُ المحوِّل رَحْله هلا نزلتَ بآل عبد مناف الآخذون العُهد من آفاقها والراحلون لرِحلة الإِيلاف والخالطون غنِيّهم بفقيرهم حتى يصير فقيرهم كالكافي تفسير : ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإِسلام وهم على ذلك. والمعروف المشهور أن الذي سنّ الإِيلاف هو هاشم، وهو المروي عن ابن عباس، وذكر ابن العربي عن الهروي: أن أصحاب الإِيلاف هاشم، وإخوته الثلاثة الآخرون عبدُ شمس، والمطلب، ونوفل، وأن كان واحد منهم أخذ حبلاً، أي عهداً من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم مَلِك الشام، وملك الحَبشة، وملك اليمن، ومَلِك فارس، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك الروم، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن وأخذ نوفل من كسرى ملك فارس، فكانوا يجعلون جُعلاً لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى الإيلاف أيضاً يعطونهم شيئاً من الربح ويحملون إليهم متاعاً ويسوقون إليهم إبلاً مع إبلهم ليكفوهم مؤونة الأسفار وهم يكفون قريش دفع الأعداء فاجتمع لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام وكانوا يسمَّوْن المُجِيرين. وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة فزعم أن الرِحَل كانت أربعاً، قال ابن عطية: وهذا قول مردود، وصدَق ابن عطية، فإن كون أصحاب العهد الذي كان به الإِيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعاً، فإن ذلك لم يقله أحد، ولعل هؤلاء الأخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات على التناوب لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العِير، أو لأنهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العِير إلى أحدهم كما أضافوا العير التي تَعرّض المسلمون لها يوم بدر عيرَ أبي سفيان إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي بمكة. ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها. وعند القبائل التي تحرِّم الأشهر الحُرم والقبائلِ التي لا تحَرّمها مثل طيء وقضاعة وخثعم، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها، ولاذ بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم، وأصحاب التجارات يحمِّلونهم سلعهم، وصارت مكة وسطاً تُجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد، فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع إذ كانوا بوادٍ غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بُرّ وشعير وذُرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية، زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم، وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت}. فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإِيلاف مع أن لله عليهم نعماً كثيرة لأن هذا الإِيلاف كان سبباً جامعاً لأهم النعم التي بها قوام بقائهم. وقد تقدم آنفاً الكلام على معنى الفاء من قوله: {فليعبدوا رب هذا البيت} على الوجوه كلها. والعبادة التي أُمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شُغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تَملِكُه ومَا مَلَك. وتعريف {رب} بالإضافة إلى {هذا البيت} دون أن يقال: فليعبدوا الله لما يومىء إليه لفظ {رب} من استحقاقه الإِفراد بالعبادة دون شريك. وأوثر إضافة {رب} إلى {هذا البيت} دون أن يقال: ربهم للإِيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإِيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سبباً لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى: { أية : جعل اللَّه الكعبة البيت الحرام قياماً للناس } تفسير : [المائدة: 97] وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله. والبيت معهود عند المخاطبين. والإِشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علماً بالغلبة على الكعبة، و«رب البيت» هو الله والعرب يعترفون بذلك. وأجري وصف الرب بطريقة الموصول {الذي أطعمهم من جوع} لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم، وذلك مما جعلهم أهل ثراء، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم. وهذا إشارة إلى ما يُسّر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك. فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإِبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وكان أهل تبالة وجُرَش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام على الإِبل إلى مكة فيباع الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم، وكذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنَّة، وسوق ذي المَجاز، وسوق عُكاظ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف. وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال: { أية : رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات } تفسير : [البقرة: 136] فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته: « حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف »تفسير : ، فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أوّل الهجرة. و{مِن} الداخلة على {جوع} وعلى {خوف} معناها البدلية، أي أطعمهم بدلاً من الجوع وآمنهم بدلاً من الخوف. ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع فإطعامُهم بدلٌ من الجوع الذي تقتضيه البلاد، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكَّة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل فجعل الله لهم الأمن في الحرم عوضاً عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى: { أية : أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم } تفسير : [العنكبوت: 67]. وتنكير {جوع} و{خوف} للنوعية لا للتعظيم إذ لم يحلّ بهم جوع وخوف من قبلُ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد: شعر : زعمتم أن إخوتَكم قريش لهم إِلْفٌ وليس لكم إِلاَف أولئك أُومِنوا جُوعاً وخَوفاً وقد جاعت بنو أسد وخافوا

الشنقيطي

تفسير : اختلف في اللام في لإيلاف قريش، هل هي متعلقة بما قبلها، وعلى أي معنى. أم متعلقة بما بعدها، وعلى أي معنى. فمن قال: متعلقة بما قبلها، قال متعلقة بجعل في قوله: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} تفسير : [الفيل: 5]. وتكون بمعنى لأجل إيلاف قريش يدوم لهم ويبقى تعظيم العرب إياهم، لأنهم أهل حرم الله، أو بمعنى إلى أي جعلنا العدو كعصف مأكول، هزيمة له ونصرة لقريش نعمة عليهم، إلى نعمة إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ومن قال: متعلقة بما بعدها، قال لإيلاف قريش إيلافهم الذي ألقوه أي بمثابة التقرير له، ورتب عليه، فليعبدوا رب هذا البيت. أي أثبته إليهم وحفظه لهم. وهذا القول الأخير هو اختيار ابن جرير، ورواه ابن عباس، ورد جواز القول الأوّل، لأنه يلزمه فصل السورتين عن بعض. وقيل: إنها للتعجب، أي أعجبوا لإيلاف قريش، حكاه القرطبي عن الكسائي والأخفش، والقول الأول لغيره. وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره، واستدلوا بقراءة السورتين معاً في الصلاة في ركعة قرأ بهما عمر بن الخطاب، وبأن السورتين في أٌبي بن كعب متصلتان، ولا فصل بينهما. وحكى القرطبي القولين، ولم يرجح أحدهما، ولا يبعد اعتبار الوجهين لأنه لا يعارض بعضها بعضاً. وما اعترض به ابن جرير بأنه يلزم عليه اتصال السورتين فليس بلازم، لأنه إن أراد اتصالهما في المعنى، فالقرآن كله متصلة سورة معنى. ألا ترى إلى فاتحة الكتاب وفيها {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6]، فجاءت سورة البقرة: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 2]، وبعدها ذكر أوصافهم وقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} تفسير : [البقرة: 5]، فأي ارتباط أقوى من هذا، كأنه يقول: الهدى الذي تطلبونه في هذا الكتاب فهو هدى للمتقين، وإن أراد اتصالاً حساً بعدم البسملة، فنظيرها سورة براءة مع الأنفال، ولكن لا حاجة إلى ذلك، لأن إجماع القراء على إثبات البسملة بينهما، اللهم إلا مصحف أُبي بن كعب، وليس في هذين الوجهين وجه أرجح من وجه. ولذا لم يرجع بينهما أحد من المفسرين، سوى ابن جرير رحمه الله: وصحة الوجهين أقوى وأعم في الامتنان وتعداد النعم. والإيلاف: قيل من التأليف، إذ كانوا في رحلتيهم يألفون الملوك في الشام واليمن، أو كانوا هم في أنفسهم مؤلفين ومجمعين، وهو امتنان عليهم بهذا التجمع والتألف، ولو سلط عليهم لفرقهم وشتتهم، وأنشدوا: شعر : أبونا قصي كان يدعي مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر تفسير : وقيل: من الألف والتعود، أي ألفوا الرحلتين. فللإبقاء لهم على ما ألفوه وقريش قال أبو حيان: علم على القبيلة. وقيل: أصلها من النقرش، وهو الاجتماع أو التكسب والجمع. وقيل: من دابة البحر المسماة بالقرش وهي أخطر حيواناته، وهو مروي عن ابن عباس في جوابه لمعاوية. وأنشد في قول الشاعر: شعر : وقريش هي التي تسكن البـ ـحر بها سميت قريش قريشا تأكل الرث والسمين ولا تترك فيها لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلاً كميشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا تفسير : وقوله تعالى: {رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ}، هو تفسير لإيلاف سواء على ما كانوا يؤالفون بين الملوك في تلك الرحلات، أو ما كانوا يألفونه فيهما.

الواحدي

تفسير : {لإِيلاف قريش} قيل: هذه اللام تتَّصل بما قبلها، على معنى: أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وتألف رحلتيها. وقيل: معنى اللام التَّأخير، على معنى: فليعبدوا ربَّ هذا البيت {لإِيلاف قريش} أَيْ: ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النِّعم واعترافاً بها. يقال: ألف الشَّيء وآلفه بمعنىً واحد، والمعنى: لإِلف قريش رحلتيها، وذلك انَّه كانت [لهم ] رحلتان رحلةٌ في الشِّتاء إلى اليمين، و[رحلة] في الصَّيف إلى الشَّام، وبهما كانت تقوم معايشهم وتجاراتهم. وكان لا يتعرَّض لهم في تجارتهم أحدٌ. يقول: هم سكَّان حرم الله وولاة بيته، فمنَّ الله عليهم بذلك، وقال: {فليعبدوا ربَّ هذا البيت}. {الذي أَطعمهم من جوع} أَيْ: بعد جوعٍ، وكانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الميتة والجيف، ثمَّ كشف الله ذلك عنهم {وآمنهم من خوف} فلا يخافون في الحرم الغارة، ولا يخافون في رحلتهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1، 2- أعجبوا لما يَسَّرْتُ لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام فى اطمئنان وأمن للاتجار وابتغاء الرزق. 3- فليخلصوا العبادة لرب هذا البيت الذى مكَّنهم من هاتين الرحلتين. 4- الذى أطعمهم من جوع وهم بواد غير ذى زرع، وآمنهم من خوف والناس يُتَخطَّفون من حولهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لإِيلاف: الإِيلاف مصدر آلف الشيء يؤالفه إيلافا إذا اعتاده وزالت الكلفة عنه والنفرة منه. قريش: هم ولد النضر بن كنانة وهم قبائل شتى. رحلة الشتاء: أي إلى اليمن. والصيف: أي إلى الشام. فليعبدوا: أي إن لم يعبدوا الله لسائر نعمه فليعبدوه لتحبيب هاتين الرحلتين إليهم. ربّ هذا البيت: أي مالك البيت الحرام وربّ كل شيء. الذي أطعمهم من جوع: أي من أجل البيت الحرام. وآمنهم من خوف: أي من أجل البيت الحرام. معنى الآيات: قوله تعالى {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} هذا الجار والمجرور متعلق بكلام قبله وهو فعلت ما فعلت بأصحاب الفيل لإِيلاف قريش رحلتيهم، أو أعجبوا لإِيلاف قريش رحلتهم والرحلتان هما رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام وذلك للاتجار وجلب الأرزاق إلى بلادهم التي ليست هي بذات زرع ولا صناعة فإيلافهم هاتين الرحلتين كان بتدبير الله تعالى ليعيش سكان حرمه وبلده في رغد من العيش فهي نعمة من نعم الله تعالى وعليه {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} بما هيأ لهم من أسباب {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} كذلك ولم يعدلون عن عبادته إلى عبادة الأصنام والأوثان فالله أحق أن يعبدوه إذ هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف بما ألقى في قلوب العرب من احترام الحرم وسكانه وتعظيمه وتعظيمهم فتمكنوا من السفر إلى خارج بلادهم والعودة إليها في أمن وطمأنينة قال تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي لقريش تقوم مصالحهم عليها لما ألقى في قلوب العرب من تعظيم واحترام أهله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر تدبير الله تعالى وحكمته ورحمته فسبحانه من إله حكيم رحيم. 2- بيان إفضال الله تعالى على قريش وإنعامه عليها الأمر الذي تطلّب شكرها ولم تشكر فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بتركها للشكر. 3- وجوب عبادة الله تعالى وترك عبادة من سواه. 4- وجوب الشكر على النعم وشكرها حمدا لله تعالى عليها والثناء عليه بها وصرفها في مرضاته. 5- الإِطعام من الجوع والتأمين من الخوف عليهما مدار كامل أجهزة الدولة فأرقى الدول اليوم وقبل اليوم لم تستطع أن تحقق لشعوبها هاتين النعمتين نعمة العيش الرغد والأمن التام.

القطان

تفسير : لإيلافِ: إيلاف مصدرُ آلفه ايلافا. وألِفَ الشيءَ إلفا وإلافاً لزمه واعتاد عليه. قريش: القبيلة التي ينتسب إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. رحلة الشتاء والصيف: رحلة التجارة التي كانوا يقومون بها الى اليمن والشام. أطعمهم من جوع: وسّع عليهم الرزق. آمنهم من خوف: جعلهم في أمنٍ من التعدّي عليهم. {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} من أجل إيلاف قريشٍ الرحلةَ الى اليَمَنِ في الشتاء، والى الشام في الصيف، وبكلّ أمانٍ واطمئنان سَمحَ به فضلُ الله عليهم تكريماً لبَيته الحرام، وكونهم جيرانَه.. {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} من أجل هذه النِعم التي أسداها الله إليهم فأطعمهم وآمنهم - عليهم ان يعبُدوه ويُخلِصوا له الدين. والواقع أن من أكبرِ النعم على الإنسان وجودَه في بلده آمنا، رزقُه مكفولٌ ميسَّر. وهكذا، فإن السورةَ الكريمة تجمع أهم ما يطلبه الإنسان وهو الأمن والشِبَع والاستقرار. وفي الحديث الشريف: حديث : من أصبح منكم آمناً في سِربه، معافىً في جسَده، وعنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدّنياتفسير : . رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن محصن الأنصاري ابي عمرو. ومعنى آمناً في سِربه: أمينا على نفسِه، مطمئن البال في حَرَمه وأهله. وقد كانت قريش أولَ أمرها متفرقة حول مكة، فوحّدها قُصَيُّ قبل ظهور الاسلام بنحو مائة سنة، وأسكنها مكة، ونظّم شؤونها، ووضع أساسَ سيادتها الدينية والسياسية، وأسَّس دارَ الندوة حيث كان يجتمع أعيانُ قريش للتشاور في أمور السلم والحرب، وإنجازِ معاملاتهم. وتنقسم قريش على: قريش البِطاح، وهي التي تسكن مكة وتضم بطون: هاشم، وأميّة، ونوفل، وزهرة، ومخزومِ، وأسَد، وجُمَح، وسَهْم، وتَيْم، وعَدِي. وقريش الظواهر: وكانوا خليطاً من العوام والأحابيش والموالي، يسكنون ضواحي مكةَ وفي شِعاب التلال المجاورة لها. وكانت قريش البِطاح تؤلف ارستقراطيةَ مكة، وتهيمن على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أواسط بلاد العرب وغربها. وكانت لهم تجارةٌ واسعة كما تقدّم. وبفضل تعظيم العرب للكعبة وحجِّهم اليها اكتسبت قريش فوائدَ اقتصادية ونفوذاً روحياً وسياسياً بين القبائل، كما اشتهر القرشيون بفصاحتهم. ولهجةُ قريش هي الفصحى التي سادت أكثرَ أنحاءِ شبه الجزيرة العربية في الجاهلية، وبها نزل القرآن الكريم. قراءات: قرأ ابن عامر لئلاف قريش بدون ياءٍ. والباقون: لإيلاف بالياء بعد الهمزة.

د. أسعد حومد

تفسير : {لإِيلاَفِ} (1) - لِتَشْكُرْ قُرْيِشٌ رَبَّهَا عَلَى أَنَّهُ صَدَّ الفِيلَ وَأَصْحَابَهُ عَنْ حَرَمِهِمْ وَأَلْحَقَ بِهِم الخِذْلاَنَ والدَّمَارِ. وَلْتَشْكُرْ قُرَيْشٌ رَبَّهَا أَيْضاً عَلَى أَنْ جَعَلَهُمْ آمِنِينَ فِي بَلَدِهِمْ، وَعَلَى أَنْ جَعَلَ النَّاسَ يَحْتَرِمُونَهُمْ إِكْرَاماً لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، فَقَدْ كَانُوا يَسِيرُونَ فِي تِجَارَتِهِمْ فِي رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ آمِنِينَ: فِي الشِّتَاءِ إِلَى اليَمَنِ، وَفِي الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ، بَيْنَمَا كَانَ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ يُتَخَطَّفُونَ.

الثعلبي

تفسير : {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ}. اختلفت القرّاء فيها فقرأ عبد اللّه بن عامر (لألاف) مهموزاً مختلساً بلا ياء، وقرأ أبو جعفر (ايلاف) بغير همز وإنما ذهب إلى طلب الخفّة (لايلاف) بالياء مهموزة مشبعة، وأما قولهم: (إيلاف) فروى العمري عن أبي جعفر والبلخي عن ابن كثير (إلفهمْ) ساكنة اللام بغير ياء وتصديق هذه القراءة ما أخبرنا الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن خنيس قال: حدّثنا أبو خديجة أحمد ابن داود قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان بن ليث عن شمر بن حوشب عن أسماء قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم [يقرأ]: "حديث : إلفهم رحلة الشتاء والصيف ". تفسير : وروى الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي جعفر، والوليد عن أهل الشام (إلافهم) مهموزة مختلسة بلا ياء، وروى محمد بن حبيب الحموي عن أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم (إلأفْهم) بهمزتين الأُولى مكسورة والثانية ساكنة الباقون (إيلافهم). وأخبرني سعيد بن المعافى، أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا أبو كرنب قال: حدّثنا وكيع عن أبي مكّي عن عكرمة أنه كان يقرأ (إليالف قريش الفهم). وعدّ بعضهم السورتين واحدة منهم أُبيّ بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه. وقال سفيان بن عيينة: كان لنا امام لا يفصل بينهما ويقرأهما معاً، وقال عمرو بن ميمون الاودي صلّيت المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ في الأُولى والتين والزيتون، وفي الثانية ألم تّر ولإيلاف قريش. واختلفوا في العلّة الجالبة لهذه اللام فقال الفرّاء: هي متّصلة بالسورة الأُولى وذلك أنه [تعالى] ذكّر أهل مكّة عظيم نعمته عليهم في ما صنع بالحبشة، ثم قال: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمةً منّا على قريش أي نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، فكأنّه قال: نعمةٌ إلى نعمة فتكون اللام بمعنى (إلى). وقال الرازي والأخفش: هي لام التعجب يقول: عجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة ربّ هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته. وهذا كما يقول في الكلام: لزيد وإكرامنا إيّاه، على وجه التعجب أي: أعجبُ لذلك، والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجّب لإظهار الفعل فيه كقول الشاعر: شعر : أغرَّكَ أن قالوا لقرة شاعرٌ افياك أباه من عريف وشاعرٌ تفسير : أي أعجبوا لقرة شاعراً. وقيل هي لام (كي) مجازها {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : ليؤلف قريشاً، فكان هلاك أصحاب الفيل سبباً لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم واقوام ما لهم، وقال الزجّاج: هي مردودة إلى ما بعدها، تقديرهُ: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف رحلة الشتاء والصيف. وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فمن وَلَده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي. قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا ". تفسير : وأخبرنا أبو بكر الجوزي قال: أخبرنا الرعولي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أبو المغيرة قال: حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثنا أبو عمار شداد عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللّه (عليه السلام): "حديث : إن اللّه عزّ وجلّ اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". تفسير : وسمّوا قريشاً من التقرش، وهو التكسّب والتقلّب والجمع والطلب، وكانوا قوماً على المال والإفضال حراصاً. وسأل معاوية عبد اللّه بن عباس: لِمَ سمّيت قريش قريشاً؟ فقال: لدابّة في البحر يقال لها: القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلا. قال: وهل يعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال: نعم: شعر : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجّةِ البـ حر على ساير البحور جيوشا تأكل الغثّ والسمين ولا تترك فيه لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبيٌّ يُكثر القتل فيهمُ والخموشا يملأ الأرض خيله ورجالا يحسرون المطيّ حسراً كشيشا تفسير : وقوله: {إِيلاَفِهِمْ} بدل من الإيلاف الأوّل ويرخمه له، ومن أسقط الياء من الايلاف احتجَ بقول ابي طالب يوصي أبا لهب برسول اللّه صلى الله عليه وسلم: شعر : ولا تتركنه ما حييت لمعظم وكن رجلا ذا نجدة وعفافِ تذود العدا عن عصبة هاشمية إلافهم في الناس خيرُ إلافِ تفسير : {رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} اختلفوا في وجه انتصاب الرحلة فقيل: نصبت على المصدر أي ارتحالهم رحلة، وإنْ شئت نصبته بوقوع إيلافهم عليه، وإنْ شئت على الظرف بمعنى: على رحلة، وإنْ شئت جعلتهما في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء والصيف، والأول أعجب وأحبّ إليّ لأنّها مكتوبة في المصاحف بغير ياء. وأمّا التفسير: فروى عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يشتون بمكّة ويصيفون بالطائف، فأمرهم اللّه سبحانه أن يشتوا بالحرم ويعبدوا ربّ البيت. وقال أبو صالح: كانت الشام فيها أرضٌ باردة وفيها أرض حارة، وكانوا يرتحلون في الشتاء إلى الحارة، وفي الصيف إلى الباردة وكانت لهم رحلتان كلّ عام للتجارة: أحدهما في الشتاء إلى اليمن؛ لأنها أدفأ، والأُخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحرم وادياً جدباً لا زرع فيه ولا ضرع، ولا ماء ولا شجر، وإنّما كانت قريش تعيش بها بتجارتهم ورحلتهم، وكانوا لا يُتعرض لهم بسوء. وكانوا يقولون: قريش سكان حرم اللّه وولاة بيته، فلولا الرحلتان لم يكن لأحد بمكّة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرّف، فشقّ عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام، وأخصبت تبالة وجرش والجند من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكّة، أهل الساحل في البحر على السفن، وأهل البر على الإبل والحمر، فألقى أهل الساحل بجدّة وأهل البرّ بالمحصّب، وأخصبت الشام فحملوا الطعام إلى مكّة، فحمل أهل الشام إلى الأبطح، وحمل أهل اليمن إلى الجدّة، فامتاروا من قريب وكفاهم اللّه مؤونة الرحلتين وأمرهم بعبادة ربّ البيت. أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد قال: أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد قال: حدّثنا القاسم بن زكريّا المطرّز قال: حدّثنا محمد بن سليمان قال: حدّثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبير قال: حديث : مرَّ رسول اللّه (عليه السلام) ومعه أبو بكر بملَئِهم ينشدون: يا ذا الذي طلب السماحة والندى * هلاّ مررت بآل عبد الدارِ هلاّ مررت بهم تريد قِراهمُ * منعوك من جهد ومن إقتار فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "أهكذا قال الشاعر يا أبا بكر؟" قال: لا، والذي بعثك بالحق، بل قال: يا ذا الذي طلب السماحة والندى * هلاّ مررت بآل عبد منافِ لو أنْ مررت بهم تريد قِراهمُ * منعوك من جهد ومن إيجاف الرائشين وليس يوجد رائش * والقائلين هلُمَّ للأضياف والخالطين غنَّيهم بفقيرهم * حتى يصير فقيرُهم كالكافي والقائلين بكل وعد صادق * ورجال مكّة مسنتين عجاف سفرين سنّهما له ولقومه * سفر الشتاء ورحلة الأصياف تفسير : قال الكلبي: وكان أوّل من حمل السمراء من الشام ورحل اليها الإبل هاشم بن عبد مناف. {فَلْيَعْبُدُواْ} لام الأمر {رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ}. أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن محمد قال: حدّثنا أبو الفضل عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا جعفر قال: سمعت ابن ملك بن دينار يقول: ما سقطت أُمة من عين اللّه سبحانه إلاّ ضرب أكبادها بالجوع. {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن قُطّان حرم اللّه سبحانه، فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية، وإنْ كان الرجل ليصاب في الحي من أحياء العرب فقال: حرمي حرمي فيُخلّى عنه وعن ماله تعظيماً للحرم، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أُغير عليه. وقال الضحّاك والربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام. وأخبرنا أيضاً أبو الحسن المقري قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى المقري البروجردي ببغداد قال: حدّثنا أبو سعيد عمر بن مرداس قال: حدّثنا محمد بن بكير الحضرمي قال: حدّثنا القاسم بن عبد الله عن [أبي] بكر بن محمد عن سالم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : غبار المدينة يُبرئ من الجذام ". تفسير : وقال علي كرم الله وجهه: وآمنهم من [خوف] أن تكون الخلافة إلاّ فيهم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [الآية: 1]. قال: كانوا أَلفوا ذلك، فلا تشق عليهم رحلة شتاءٍ ولا صيف. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [الآية: 4]. قال: آمنهم من كل عدو في حرمهم.

الصابوني

تفسير : التفسِير: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ} هذه اللام متعلقة بالفعل الذي بعدها {فَلْيَعْبُدُواْ} ومعنى {لإِيلاَفِ} الإِلفُ والاعتياد يقال: ألف الرجل الأمر إِلفاً وإِلافاً؛ وآلفه غيره إيلافاً والمعنى: من أجل تسهيل الله على قريش وتيسيره لهم ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إِلى اليمن، وفي الصيف إِلى الشام كما قال تعالى: {رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} أي في رحلتي الشتاء والصيف، حيث كانوا يسافرون للتجارة، ويأتون بالأطعمة والثياب، ويربحون في الذهاب والإِياب، وهم آمنون مطمئنون لا يتعرض لهم أحد بسوء، لأن الناس كانوا يقولون: هؤلاء جيرانُ بيت الله وسُكان حرمه، وهم أهل الله لأنهم ولاة الكعبة، فلا تؤذوهم ولا تظلموهم، ولما أهلك الله أصحاب الفيل، وردَّ كيدهم في نحورهم، ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم الأمراء والملوك لهم، فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلذلك جاء الامتنان على قريش، وتذكيرهم بنعم الله ليوحدوه ويشكروه {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} أي فليعبدوا الله العظيم الجليل، ربَّ هذا البيت العتيق، وليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة الجليلة التي خصَّهم بها قال المفسرون: وإِنما دخلت الفاء {فَلْيَعْبُدُواْ} لما في الكلام من معنى الشرط كأنه قال: إِن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه من أجل إِيلافهم الرحلتين، التي هي من أظهر نعمه عليهم، لأنهم في بلادٍ لا زرع فيها ولا ضرع، ولهذا قال بعده {ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} أي هذا الإِله الذي أطعمهم بعد شدة جوع، وآمنهم بعد شدة خوف، فقد كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد، ولا يُغير عليهم أحد لا في سفرهم ولا في حضرهم كما قال تعالى {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 67] وذلك ببركة دعوة أبيهم الخليل إِبراهيم عليه السلام حيث قال {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً}تفسير : [البقرة: 126] وقوله {أية : وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [إبراهيم: 37] أفلا يجب على قريش أن يفردوا بالعبادة هذا الإِله الجليل، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف؟! البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {ٱلشِّتَآءِ .. وَٱلصَّيْفِ} وبين الجوع والإِطعام {أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} وبين الأمن والخوف {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. 2- الإِضافة للتكريم والتشريف {رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ}. 3- تقديم ما حقه التأخير {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} والأصل (ليعبدوا ربَّ هذا البيت، لإِيلافهم رحلة الشتاء والصيف) فقدَّم الإِيلاف تذكيراً بالنعمة. 4- التنكير في لفظة {جُوعٍ} ولفظة {خَوْفٍ} لبيان شدتهما أي جوع شديد، وخوفٍ عظيم. تنبيه: قال الإِمام الفخر: إِعلم أنَّ الإِنعام على قسمين: أحدهما دفع ضر وهو ما ذكره في سورة الفيل، والثاني: جلب النفع وهو ما ذكره في هذه السورة، ولما دفع الله عنهم الضر، وجلب لهم النفع، وهما نعمتان عظيمتان أمرهم بالعبودية وأداء الشكر {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ..} الآيات.

زيد بن علي

تفسير : قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} معناه نِعمتي عَلَى قُريشٍ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} هذه السورة مكية ومناسبتها لما قبلها ظاهرة ولا سيما إن جعلت اللام متعلقة بنفس فجعلهم أو بإِضمار فعلتا ذلك لإِيلاف قريش حتى تطمئن في بلدها فذكر ذلك للامتنان عليهم إذ لو سلط عليهم أصحاب الفيل لتشتتوا في الأقاليم ولم تجتمع لهم كلمة وقال الخليل: اللام تتعلق بقوله: فليعبدوا والمعنى لأن فعل الله بقريش هذا ومكهم من الفهم هذه النعمة. {فَلْيَعْبُدُواْ} أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلة وإلاف الرحلة كانوا أربعة أخوة وهم بنو عبد مناف هاشم كان يؤلف ملك الشام أخذ منه خيلاً فآمن به في تجارته إلى الشام وعبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة والمطلب إلى اليمن ونوفل إلى فارس فكان هؤلاء يسمعون المجيرين: فيختلف تجر قريش إلى الأمصار بخيل هؤلاء الأخوة فلا يتعرض لهم أحد. {رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} هو الكعبة وتمكن هنا هذا اللفظ لتقدم حمايته في السورة التي قبلها ومن هنا للتعليل أي لأجل الجوع كانوا ببلد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى بهم وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: {أية : يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [القصص: 57]. {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيث ما حلوا يقال هؤلاء قطان بيت الله فلا يتعرض إليهم أحد وغيرهم خائفون وقال ابن عباس: وآمنهم من خوف معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوماً.

الجيلاني

تفسير : {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] أي: ائتلافهم وتآلفهم فيما بينهم، واتفاقهم على أن ينصرفوا من حوالي بيت اله حين {إِيلاَفِهِمْ} واتفاقهم على الظعن والارتحال {رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} [قريش: 2] يعني: يرتحلون في كل سنة مرتين: مرة في الشتاء نحو اليمن ومرة في الصيف إلى الشام، والباعث على ترحالهم: فقد الزاد في مكة: إذ هي بواد غير ذي زرع، فيشق عليهم الأمر، فيتجروا في كل سنة مرتين. فكرِه الله منهم هذا، وأمرهم بالمكوث والإقامة حول بيته، بقوله: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} [قريش: 3] وليعتكفوا في حواليه، وليتولكوا عليه ولا يتجروا؛ إذ هو القادر المقتدر {ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم} وأشبعهم {مِّن جُوعٍ} شملهم وأحاط بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة {وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] لحقهم من أعدائهم مراراً ببركة هذا البيت، فلهم أن يسكنوا في حواليه، متوكلين على ربه، يكفي لهم مؤنة أرزاقهم بحوله وقوته، كما كفى لهم فيما مضى. خاتمة السورة عليك أيها المتوجه إلى الله، المتوكل على كرمه وإحسان أن تمتثل بجميع ما أمرك الحق عليه، وتفوض كلها إلي، وترضى على عموم ما جرى علي من القضاء، وتعتقد أن الأمر كله لله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عن فعله، إنه حكيم حميد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا متفرق الخاطر من غلبة الخواطر الذميمة الطيبيعة المستمدة من القوى القالبية والنفسية، لا تحزن إن الله معك، فكما ينصرك على أصحاب الفيل سيجمع لك خاطرك ويؤلفك بإلفك وهو خاطر قلبك، {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] وهو خاطر جزم صدر {إِيلاَفِهِمْ} [القريش: 2] فهم بعد تفرقهم في براري النفس وبوادي القلب. {رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} [قريش: 2]، وهي حالة القبض والبسط، {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} [القريش: 3]، وهو الحق الذي كان في ذكر الله يسمونه أهل الطريقة سلطان الذكر؛ لأنه يربي القلب في هذا الطور وأطعم القوى القالبية من جوع يحصل لها في الرياضة والمجاهدة بترك مشتهياتها وصرفها عن الاشتغال بملاذها العاجلة وحظوظها الشهوانية طعام الغيب، وآمن القوى النفسانية الجائعة من الأسر والقتل والعزل بملاطفات لاطفها سلطان الذكر، وإبقاء كل قوى من قواها في مملكة الوجود فأعمالها المشتغلة بها بالحق للحق عارياً عن الباطل، خالياً من الحظ العاجل، طالباً حظ الآجل، فالواجب على العامل في هذا المنزل ألا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يستريح إلا لبقاء قوة خفية بها يمكن الاشتغال بطاعة الله تعالى لأجل الثواب المدخر في العقبى. فأما السادة من أصحاب الهمم العالية تركوا كما تركوا أصحاب اليمين الدنيا لأجل العقبى، أما سمعت ما قال سيد الطريقة: الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، وهذه الإشارة مستنبطة من كلام الله تعالى حيث يقول: {أية : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}تفسير : [آل عمران: 152]، وفي آية أخرى: {أية : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}تفسير : [الكهف: 28]، فقد أثبت للمريدين ثلاث إيرادات: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، وإرادة الوجه الأعلى، فكن عالي الهمة أيها السالك لتصل إلى مالك المماليك. اللهم اجعلنا مريديدن لوجهك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي: سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر، فقال: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ } أي: ليوحدوه ويخلصوا له العبادة، { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } فرغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى. فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص الله بالربوبية البيت لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} 719- أنا عمرو بن علي، نا عامر بن إبراهيم - وكان ثقة من خيار الناس - نا خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل {لإِيلاَفِ } قال: نعمتي على قريش، {إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} [2] قال: كانوا يُشتُّون بمكة ويُصيِّفون بالطائف {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ [3] ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ[4]}.

همام الصنعاني

تفسير : 3708- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}: [الآية: 1]، قال: عادة قريش، عادتهم رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف. 3709- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: كانت لهم رِحْلَتَانِ، رِحْلَةٌ في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام.