Verse. 6198 (AR)

١٠٧ - ٱلْمَاعُون

107 - Al-Maa'oun (AR)

اَرَءَيْتَ الَّذِيْ يُكَذِّبُ بِالدِّيْنِ۝۱ۭ
Araayta allathee yukaththibu bialddeeni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أرأيت الذي يُكذِّب بالدين» بالجزاء والحساب، أي هل عرفته وإن لم تعرفه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ بعضهم (أريت) بحذف الهمزة، قال الزجاج: وهذا ليس بالاختيار، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى، فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت، ولكن حرف الاستفهام لما كان في أول الكلام سهل إلغاء الهمزة، ونظيره:شعر : صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في العلاب تفسير : وقرأ ابن مسعود (أرأيتك) بزيادة حرف الخطاب كقوله: { أية : أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كرمت عَلَىٰ }تفسير : [الإسراء:62]. المسألة الثانية: قوله: {أَرَأَيْتَ } معناه هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو، فإن لم تعرفه: فَهُوَٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ. واعلم أن هذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك: أرأيت فلاناً ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه؟ ثم قيل: إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل خطاب لكل عاقل أي أرأيت يا عاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ذلك لا لغرض، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض أو لأجل الدنيا، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني. المسألة الثالثة: في الآية قولان: أحدهما: أنها مختصة بشخص معين، وعلى هذا القول ذكروا أشخاصاً، فقال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع، فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه، وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة، والإتيان بالأفعال القبيحة، وقال السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل، وروي أنه كان وصياً ليتيم، فجاءه وهو عريان يسأله شيئاً من مال نفسه، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد يشفع لك، وكان غرضهم الاستهزاء ولم يعرف اليتيم ذلك، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه ذلك، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجاً فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش، فقالوا: صبوت، فقال: لا والله ما صبوت، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة والقول الثاني: أنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب والرهبة عن العقاب، فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات، فثبت أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي. المسألة الرابعة: في تفسير الدين وجوه أحدها: أن يكون المراد من يكذب بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكراً للصانع، أو لأنه كان منكراً للنبوة، أو لأنه كان منكراً للمعاد أو لشيء من الشرائع، فإن قيل: كيف يمكن حمله على هذا الوجه، ولا بد وأن يكون لكل أحد دين والجواب: من وجوه أحدها: أن الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام، والقرآن هو الإسلام قال: الله تعالى: {أية : إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلَـٰمُ } تفسير : [آل عمران:19]أما سائر المذاهب فلا تسمى ديناً إلا بضرب من التقييد كدين النصارى واليهود وثانيها: أن يقال: هذه المقالات الباطلة ليست بدين، لأن الدين هو الخضوع لله وهذه المذاهب إنما هي خضوع للشهوة أو للشبهة وثالثها: وهو قول أكثر المفسرين. أن المراد أرأيت الذي يكذب بالحساب والجزاء، قالوا: وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام قد يأتي بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقراً بالقيامة والبعث، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ } أي بالجزاء والحساب في الآخرة؛ وقد تقدّم في «الفاتحة». و{أَرَأَيْتَ} بإثبات الهمزة الثانية؛ إذ لا يُقال في أرأيت: رَيْت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفاً؛ ذكره الزَّجاج. وفي الكلام حذف؛ والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين: أَمُصيب هو أم مُخْطىء. واختلِف فيمن نزل هذا فيه؛ فذكر أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في العاص بن وائل السَّهْمِيّ؛ وقاله الكلبيّ ومقاتل. وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجل من المنافقين. وقال السُّدّيّ: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل في أبي جهل. الضحاك: في عمرو بن عائذ. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جَزُوراً، فطلب منه يتيم شيئاً، فقَرعه بعصاه؛ فأنزل الله هذه السورة. و{يَدُعُّ} أي يدفع، كما قال: {أية : يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13] وقد تقدّم. وقال الضحاك عن ابن عباس. {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } أي يدفعه عن حَقّه. قتادة: يقهره ويظلمه. والمعنى متقارِب. وقد تقدّم في سورة «النساء» أنهم كانوا لا يُوَرّثون النساء ولا الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يَطْعُن بالسنان، ويضرب بالحُسام. ورُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَنْ ضمَّ يتيماً من المسلمين حتى يسْتَغْنِي، فقد وجبتْ له الجنة»تفسير : . وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي لا يأمْرُ به، من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء. وهو مِثل قوله تعالى في سورة الحاقة: {أية : وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ }تفسير : [الحاقة: 34] وقد تقدّم. وليس الذم عامّا حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يَبْخَلُون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}تفسير : [يۤس: 47]، فنزلت هذه الآية فيهم، وتوجه الذم إليهم. فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قَدَرُوا، ولا يحثُّون عليه إن عسِروا. الثالثة: قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ } أي عذاب لهم. وقد تقدّم في غير موضع. {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ }، فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هو المصلَّي الذي إن صلى لم يَرْج لها ثواباً، وإن تركها لم يخشَ عليها عقاباً. وعنه أيضاً: الذين يؤخرونها عن أوقاتها. وكذا رَوى المغيرة عن إبراهيم، قال: سَاهونَ بإضاعة الوقت. وعن أبي العالية: لا يصلونها لِمَوَاقِيتِهَا، ولا يُتِمُّون ركوعها ولا سجودها. قلت: ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [مريم: 59] حَسْبَ ما تقدّم بيانه في سورة «مريم» عليها السلام. وروي عن إبراهيم أيضاً: أنه الذي إذا سجد قام برأسه هكذا ملتفتاً. وقال قطرب: هو ألا يقرأ ولا يذكر الله. وفي قراءة عبد الله «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ لاَهُون». وقال سعد بن أبي وقَّاص: حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } ـ قال ـ «الذينَ يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، تهاوناً بها»تفسير : . وعن ابن عباس أيضاً: هم المنافقون يتركون الصلاة سِرًّا، يصلونها علانية {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} تفسير : [النساء: 142]... الآية. ويدل على أنها في المنافقين قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ }، وقاله ابن وهب عن مالك. قال ابن عباس: ولو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين. وقال عطاء: الحمد لله الذي قال: «عَنْ صلاتِهِم» ولم يقل في صلاتهم. قال الزَمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: أيّ فرق بين قوله: «عن صلاتِهِم»، وبين قولك: في صلاتهم؟ قلتُ: معنى «عن» أنهم ساهون عنها سهو تركٍ لها وقلةِ التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، أو الفَسَقة الشُّطَّار من المسلمين. ومعنى «في» أن السهو يعتريهم فيها، بوسوسة شيطان، أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته، فضلاً عن غيره؛ ومِن ثمّ أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. قال ابن العَرَبيّ: لأن السلامة من السهو محال، وقد سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته والصحابة. وكل من لا يسهو في صلاته، فذلك رجل لا يتدبَّرُها، ولا يعقِل قراءتها، وإنما همه في أعدادها؛ وهذا رجل يأكل القشور، ويرمِي اللب. وما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته إلا لفكرته في أعظم منها؛ اللهم إلا أنه قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس الشيطان إذا قال له: اذكر كذا، اذكر كذا؛ لِما لم يكن يذكر، حتى يضِلّ الرجل أن يدري كم صلى. الرابعة: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ } أي يُرِي الناس أنه يصلي طاعة وهو يصلي تَقِيَّة؛ كالفاسق، يري أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال: إنه يصلي. وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس. وأولها تحسين السَّمْت؛ وهو من أجزاء النبوّة، ويريد بذلك الجاهَ والثناء. وثانيها: الرياء بالثياب القصار والخشِنة؛ ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا. وثالثها: الرياء بالقول، بإظهار التسخط على أهل الدنيا؛ وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. ورابعها: الرياء بإظهار الصلاة والصدقة أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس؛ وذلك يطول، وهذا دليله؛ قاله ابن العربي. قلت: قد تقدم في سورة «النساء وهود وآخر الكهف» القول في الرياء وأحكامه وحقيقته بما فيه كفاية. والحمد لله. الخامسة: ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة؛ فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله عليه السلام: «حديث : ولا غُمة في فرائض الله»تفسير : لأنها أعلام الإسلام، شعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت؛ فوجب إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوّعاً فحقه أن يُخْفَى؛ لأنه لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً. وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فتثني عليه بالصلاح. وعن بعضهم أنه رأى رجلاً في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها؛ فقال: ما أحسن هذا لو كان في بيتك. وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة. وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة» عند قوله تعالى: «إِن تبدوا الصدقاتِ»، وفي غير موضع. والحمد لله على ذلك. السادسة: قوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ } فيه اثنا عشر قولاً: الأول: أنه زكاة أموالهم. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. ورُوِي عن عليّ رضي الله عنه مثل ذلك، وقاله مالك. والمراد به المنافق يمنعها. وقد رَوَى أبو بكر بن عبد العزيز عن مالك قال: بلغني أن قول الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ } قال: إن المنافق إذا صلَّى صلَّى رياء، وإن فاتته لم يندم عليها، «ويمنعون الماعون» الزكاة التي فرض الله عليهم. قال زيد بن أسلم: لو خَفِيت لهم الصلاة كما خفيت لهم الزكاة ما صلوا. القول الثاني: أن «الماعون» المال، بلسان قريش؛ قاله ابن شهاب وسعيد بن المسيب. وقول ثالث: أنه اسم جامع لمنافع البيت كالفأس والقدر والنار وما أشبه ذلك؛ قاله ابن مسعود، وروي عن ابن عباس أيضاً. قال الأعشى:شعر : بِأَجْودَ مِنهُ بِماعونِهِ إِذا ما سَمَاأُهُمْ لَمْ تَغِمِ تفسير : الرابع: ذكر الزجاج وأبو عُبيد والمبرّد أن الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة، حتى الفأس والقدر والدلو والقدّاحة، وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير؛ وأنشدوا بيت الأعشى. قالوا: والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة؛ وأنشدوا قول الراعي:شعر : أَخَلِيفَةَ الرَّحْمٰنِ إنَّا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرةً وأَصِيلاَ عَرَبٌ نَرَى لِلَّهِ مِن أَمْوالِنا حَقَّ الزكاةِ مُنَزَّلاً تَنْزِيلاَ قَومٌ على الإسلامِ لَمَّا يمْنَعُوا ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعُوا التهليلا تفسير : يعني الزكاة. الخامس: أنه العارِيَّة؛ روي عن ابن عباس أيضاً. السادس: أنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم؛ قاله محمد بن كعب والكلبيّ. السابع: أنه الماء والكَلأَ. الثامن: الماء وحده. قال الفراء: سمِعت بعض العرب يقول: الماعون: الماء؛ وأنشدني فيه:شعر : يَـمَـجّ صَبِـيـرُه الـمـاعـونَ صَبًّـا تفسير : الصَّبير: السحاب. التاسع: أنه منع الحق؛ قاله عبد الله بن عمر. العاشر: أنه المستغل من منافع الأموال؛ مأخوذ من المَعْن وهو القليل؛ حكاه الطبريّ وابن عباس. قال قطرب: أصل الماعون من القلة. والمعن: الشيء القليل؛ تقول العرب: ماله سَعْنة ولا معنة؛ أي شيء قليل. فسمى الله تعالى الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف ماعوناً؛ لأنه قليل من كثير. ومن الناس من قال: الماعون: أصله مَعُونة، والألف عوض من الهاء؛ حكاه الجوهريّ. ابن العربيّ: الماعون: مفعول من أعان يعين، والعَوْن: هو الإمداد بالقوّة والآلات والأسباب الميسرة للأمر. الحادي عشر: أنه الطاعة والانقياد. حكى الأخفش عن أعرابي فصيح: لو قد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعاً تعطيك الماعون؛ أي تنقاد لك وتطيعك. قال الراجز:شعر : مَتَى تصادِفْهُنَّ في الْبرِينِ يَخْضعن أو يُعطِين بالماعونِتفسير : وقيل: هو ما لا يحل منعه، كالماء والملح والنار؛ لأن حديث : عائشة رضوان الله عليها قالت: قلت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الماء والنار والملح» قلت: يا رسول الله هذا الماء، فما بال النار والملح؟ فقال: «يا عائشة من أعطى ناراً فكأنما تصدّق بجميع ما طبخ بتلك النار، ومن أعطى ملحاً فكأنما تصدق بجميع ما طيب به ذلك الملح، ومن سَقى شَربة من الماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق ستين نسمة. ومن سقَى شربة من الماء حيث لا يوجد، فكأنما أحيا نَفْساً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً»»تفسير : . ذكره الثعلبيّ في تفسيره، وخرّجه ابن ماجه في سننه. وفي إسناده لِين؛ وهو القول الثاني عشر. الماورديّ: ويحتمل أنه المعونة بما خف فعله وقد ثقله الله. والله أعلم. وقيل لعِكرمة مولى ابن عباس: من منع شيئاً من المتاع كان له الويل؟ فقال: لا، ولكن من جمع ثلاثهن فله الويل؛ يعني: ترك الصلاة، والرياء، والبُخْل بالماعون. قلت: كونها في المنافقين أشبه، وبهم أَخْلَق؛ لأنهم جمعوا الأوصاف الثلاثة: ترك الصلاة، والرياء، والبخل بالمال؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 142]، وقال: {أية : وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ}تفسير : [التوبة: 54]. وهذه أحوالهم، ويبعد أن توجد من مسلم محقق، وإن وجد بعضها فيلحقه جزء من التوبيخ، وذلك في منع الماعون إذا تعين؛ كالصلاة إذا تركها. والله أعلم. إنما يكون منعاً قبيحاً في المروءة في غير حال الضرورة. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها، وآيها سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَرَأَيْتَ } استفهام معناه التعجب، وقرىء «أريت» بلا همز إلحاقاً بالمضارع، ولعل تصديرها بحرف الاستفهام سهل أمرها و «أرأيتك» بزيادة الكاف. {ٱلَّذِى يُكَذّبُ بِٱلدّينِ } بالجزاء أو الإِسلام والذي يحتمل الجنس والعهد ويؤيد الثاني قوله: {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } يدفعه دفعاً عنيفاً. وهو أبو جهل كان وصياً ليتيم فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، أو أبو سفيان نحر جزوراً فسأله يتيم لحماً فقرعه بعصاه، أو الوليد بن المغيرة، أو منافق بخيل. وقرىء «يَدع» أي يترك. {وَلاَ يَحُضُّ } أهله وغيرهم. {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} لعدم اعتقاده بالجزاء ولذلك رتب الجملة على {يُكَذّبُ } بالفاء. {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ} أي غافلون غير مبالين بها. {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ} يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} الزكاة أو ما يتعاور في العادة والفاء جزائية. والمعنى إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ضعف الدين والموجب للذم والتوبيخ فالسهو عن الصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإِسلام أحق بذلك ولذلك رتب عليها الويل، أو للسببية على معنى {فَوَيْلٌ} لهم، وإنما وضع المصلين موضع الضمير للدلالة على سوء معاملتهم مع الخالق والخلق. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة أرأيت غفر له أن كان للزكاة مؤدياً».

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: أرأيت يا محمد الذي يكذب بالدين، وهو المعاد والجزاء والثواب؟ { فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} أي: هو الذي يقهر اليتيم، ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، { وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } تفسير : [الفجر: 17 ــــ 18] يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته، ثم قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال ابن عباس وغيره: يعني: المنافقين الذين يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر، ولهذا قال: {لِّلْمُصَلِّينَ} الذين هم من أهل الصلاة، وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية؛ كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعاً؛ فيخرجها عن وقتها بالكلية؛ كما قاله مسروق وأبو الضحى. وقال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: {عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل: في صلاتهم ساهون، وإماعن وقتها الأول، فيؤخرونها إلى آخره دائماً أو غالباً، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم له نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي؛ كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» تفسير : فهذا أخر صلاة العصر التي هي الوسطى؛ كما ثبت به النص، إلى آخر وقتها، وهو وقت الكراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن، ولا خشع فيها أيضاً، ولهذا قال: لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يصل بالكلية. قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 142] وقال تعالى ههنا: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ}. وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس عن الحسن عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في جهنم لوادياً تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمئة مرة، أعد ذلك للمرائين من أمة محمد؛ لحامل كتاب الله، وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوساً عند أبي عبيدة، فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سمّع الناس بعمله، سمّع الله به سامع خلقه، وحقره وصغره» تفسير : ورواه أيضاً عن غندر ويحيى القطان عن شعبة عن عمرو بن مرة عن رجل عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، ومما يتعلق بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ} أن من عمل عملاً لله، فاطلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي، فدخل علي رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية»تفسير : قال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم، الحديث للمرائين، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة،وقد رواه غيره عنه، قال أبو يعلى أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه أعجبه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : له أجران: أجر السر، وأجر العلانية»تفسير : . وقد رواه الترمذي عن محمد بن المثنى، وابن ماجه عن بندار، كلاهما عن أبي داود الطيالسي عن أبي سنان الشيباني، واسمه ضرار بن مرة، ثم قال الترمذي: غريب. وقد رواه الأعمش وغيره عن حبيب عن أبي صالح مرسلاً. وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي، حدثني رجل عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: { ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ} قال: «حديث : الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه» تفسير : فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: «حديث : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» تفسير : قلت: وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد وقتها شرعاً، أو تأخيرها عن أول الوقت، وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فروخ عن عكرمة بن إبراهيم به، ثم رواه عن أبي الربيع عن جابر عن عاصم عن مصعب عن أبيه موقوفاً: سهوا عنها حتى ضاع الوقت، وهذا أصح إسناداً، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم. وقوله تعالى: { وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال علي: الماعون: الزكاة، وكذا رواه السدي عن أبي صالح عن علي، وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر، وبه يقول محمد بن الحنفية وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وعطاء وعطية العوفي، والزهري والحسن وقتادة والضحاك وابن زيد. وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله، وفي لفظ: صدقة ماله. وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها. وقال الأعمش وشعبة عن الحكم عن يحيى بن الجزار: أن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر. وقال المسعودي عن سلمة بن كهيل عن أبي العبيدين: أنه سُئِل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي العبيدين وسعد بن عياض عن عبد الله قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث: أن الماعون: الدلو والفأس والقدر، لا يستغنى عنهن. وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وقال الأعمش عن إبراهيم عن الحارث بن سويد عن عبد الله: أنه سئل عن الماعون فقال: ما يتعاوره الناس بينهم الفأس والدلو وشبهه. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: كنا مع نبينا صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: منع الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك. وقد رواه أبو داود والنسائي عن قتيبة عن أبي عوانة بإسناده نحوه، ولفظ النسائي: عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: الماعون: العواري: القدر والميزان والدلو. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: { وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} يعني: متاع البيت، وكذا قال مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وأبو مالك وغير واحد: إنها العارية للأمتعة، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس: { وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال: لم يجىء أهلها بعد. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية، رواه ابن جرير. ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية عن ليث بن أبي سليم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: الماعون: منع الناس الفأس والقدر والدلو. وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة، رواه ابن أبي حاتم.وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب: { وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال: المعروف. ولهذا جاء في الحديث: «حديث : كل معروف صدقة.»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن الزهري: { وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال: بلسان قريش: المال. وروى ههنا حديثاً غريباً عجيباً في إسناده ومتنه، فقال: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النميري، حدثني قرة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: «حديث : لا تمنعوا الماعون» تفسير : قالوا: يا رسول الله وما الماعون؟ قال: «حديث : في الحجر وفي الحديدة وفي الماء» تفسير : قالوا: فأي الحديدة؟ قال: «حديث : قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به» تفسير : قالوا: ما الحجر؟ قال: «حديث : قدوركم الحجارة» تفسير : غريب جداً، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم. وقد ذكر ابن الأثير في الصحابة ترجمة علي النميري فقال: روى ابن قانع بسنده إلى عامر بن ربيعة بن قيس النميري عن علي بن فلان النميري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : المسلم أخو المسلم، إذا لقيه حيّاه بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون» تفسير : قلت: يا رسول الله ما الماعون؟ قال: «حديث : الحجر والحديد وأشباه ذلك» تفسير : والله أعلم. آخر تفسير السورة، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ } بالجزاء والحساب، أي هل عرفته وإن لم تعرفه.

الشوكاني

تفسير : الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين. والرؤية: بمعنى المعرفة، والدين: الجزاء والحساب في الآخرة. قيل: وفي الكلام حذف، والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطىء. قال مقاتل، والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي. وقال السديّ: في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ. وقال ابن جريج في أبي سفيان. وقيل: في رجل من المنافقين. قرأ الجمهور: {أرأيت} بإثبات الهمزة الثانية. وقرأ الكسائي بإسقاطها. قال الزجاج: لا يقال في "رأيت": ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفاً. وقيل الرؤية: هي البصرية، فيتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الموصول، أي: أبصرت المكذب. وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فيتعدى إلى اثنين. الثاني محذوف، أي من هو؟ {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } الفاء جواب شرط مقدّر، أي إن تأملته أو طلبته، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب: إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة. فعلى الأوّل يكون اسم الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو ذلك، والموصول صفته. وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب. ومعنى {يدعّ}: يدفع دفعاً بعنف، وجفوة، أي: يدفع اليتيم عن حقه دفعاً شديداً، ومنه قوله سبحانه: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } تفسير : [الطور: 13] وقد قدّمنا أنهم كانوا لا يورّثون النساء والصبيان {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي: لا يحضّ نفسه، ولا أهله، ولا غيرهم على ذلك بخلاً بالمال، أو تكذيباً بالجزاء، وهو مثل قوله في سورة الحاقة: {أية : وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } تفسير : [الحاقة: 34]. {فَوَيْلٌ } يومئذ {لّلْمُصَلّينَ } الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل: إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين، فويل للمصلين {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } أي: عذاب لهم، أو هلاك، أو واد في جهنم لهم، كما سبق الخلاف في معنى الويل، ومعنى ساهون: غافلون غير مبالين بها، ويجوز أن تكون الفاء؛ لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر. قال الواحدي: نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثواباً إن صلوا، ولا يخافون عليها عقاباً إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو معنى قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ } أي: يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البرّ؛ ليثنوا عليهم. قال النخعي: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا، وهكذا ملتفتاً. وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله. وقرأ ابن مسعود الذين هم عن صلاتهم لاهون. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }. قال أكثر المفسرين: {الماعون}: اسم لما يتعاوزه الناس بينهم: من الدلو، والفأس، والقدر. وما لا يمنع كالماء، والملح. وقيل هو الزكاة، أي: يمنعون زكاة أموالهم. وقال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرّد: الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس، والدلو، والقدر، والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير، وأنشدوا قول الأعشى:شعر : بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم تفسير : قال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرّد أيضاً: والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي:شعر : أخليفة الرحمٰن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا حقّ الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا تفسير : وقيل: {الماعون} الماء. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون الماء، وأنشدني:شعر : تمجّ صبيرة الماعون صبا تفسير : والصبيرة: السحاب. وقيل: الماعون: هو الحق على العبد على العموم. وقيل: هو المستغلّ من منافع الأموال، مأخوذ من المعن، وهو القليل. قال قطرب: أصل الماعون من القلة، والمعن: الشيء القليل، فسمى الله الصدقة والزكاة، ونحو ذلك من المعروف ماعوناً؛ لأنه قليل من كثير. وقيل: هو ما لا يبخل به كالماء، والملح، والنار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أَرَءيْتَ ٱلَّذِى يُكَذّبُ بِٱلدّينِ } قال: يكذب بحكم الله. {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } قال: يدفعه عن حقه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارية بغضاً لهم، وهي الماعون. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: هم: المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبيّ: أرأيت قول الله: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدّث نفسه؟ قال: إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت. وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: "حديث : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها"تفسير : قال الحاكم، والبيهقي: الموقوف أصح. قال ابن كثير: وهذا يعني الموقوف أصح إسناداً. قال: وقد ضعف البيهقي رفعه وصحّح وقفه، وكذلك الحاكم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال: لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : الله أكبر، هذه الآية خير لكم من أن يعطى كلّ رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه» تفسير : وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسمّ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال: كنا نعدّ الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو، والقدر، والفأس، والميزان، وما تتعاطون بينكم. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فأنزل الله: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }. وأخرج أبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال: حديث : ما تعاون الناس بينهم الفأس، والقدر، والدلو، وأشباههتفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن قرّة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال:«حديث : لا تمنعوا الماعونتفسير : قالوا: وما الماعون؟ قال: حديث : في الحجر، والحديدة، وفي الماءتفسير : قالوا: فأيّ الحديدة؟ قال: حديث : قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون بهتفسير : قالوا: وما الحجر؟ قال: حديث : قدوركم الحجارة»تفسير : قال ابن كثير: غريب جداً، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: {الماعون}: الفأس، والقدر، والدلو. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال: عارية متاع البيت. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه عن عليّ بن أبي طالب قال: الماعون الزكاة المفروضة {يُرَاءونَ } بصلاتهم {وَيَمْنَعُونَ } زكاتهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {أرأيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدِّينِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني بالحساب، قاله عكرمة ومجاهد. الثاني: بحكم الله تعالى، قاله ابن عباس. الثالث: بالجزاء الثواب والعقاب. واختلف فيمن نزل هذا فيه على خمسة أوجه: أحدها: أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي، قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: في الوليد بن المغيرة، قاله السدي. الثالث: في أبي جهل. الرابع: في عمرو بن عائذ، قاله الضحاك. الخامس: في أبي سفيان وقد نحر جزوراً، فأتاه يتيم، فسأله منها، فقرعه بعصا، قاله ابن جريج. {فذلك الذي يَدُعُّ اليتيمَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى يحقر البيت، قاله مجاهد. الثاني: يظلم اليتيم، قاله السدي. الثالث: يدفع اليتيم دفعاً شديداً، ومنه قوله تعالى: {يوم يُدَعُّونَ إلى نارِ جهنَّمَ دعّاً} أي يُدفعون إليها دفعاً. وفي دفعه اليتيم وجهان: أحدهما: يدفعه عن حقه ويمنعه من ماله ظلماً له وطمعاً فيه، قاله الضحاك. الثاني: يدفعه إبعاداً له وزجراً، وقد قرىء " يَدَعُ اليَتيم" مخففة، وتأويله على هذه القراءة يترك اليتيم فلا يراعيه اطراحاً له وإعراضاً عنه. ويحتمل على هذه القراءة تأويلاً ثالثاً: يدع اليتيم لاستخدامه وامتهانه قهراً واستطالة. {ولا يَحُضُّ على طعامِ المِسْكِينِ} أي لا يفعله ولا يأمر به، وليس الذم عاماً حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم يقولون {أنطعم من لو يشاءُ الله أطْعَمَهُ} فنزلت هذه الآية فيهم، ويكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عجزوا. {فَويْلٌ للمُصَلَّينَ} الآية، وفي إطلاق هذا الذم إضمار، وفيه وجهان: أحدهما: أنه المنافق، إن صلاها لوقتها لم يرج ثوابها، وإن صلاها لغير وقتها لم يخش عقابها، قاله الحسن. الثاني: أن إضماره ظاهر متصل به، وهو قوله تعالى: {الذين هم} الآية. وإتمام الآية في قوله: {فويل للمصلين} ما بعدها من قوله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} إضماراً فيها وإن كان نطقاً ظاهراً. وليس السهو الذي يطرأ عليه في صلاته ولا يقدر على دفعه عن نفسه هو الذي ذم به، لأنه عفو. وفي تأويل ما استحق به هذا الذم ستة أوجه: أحدها: أن معنى ساهون أي لاهون، قاله مجاهد. الثاني: غافلون، قاله قتادة. الثالث: أن لا يصلّيها سراً ويصليها علانية رياء للمؤمنين، قاله الحسن. الرابع: هو الذي يلتفت يمنة ويسرة وهواناً بصلاته، قاله أبو العالية. الخامس: هو ألا يقرأ ولا يذكر الله، قاله قطرب. السادس: هو ما روى مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " الذين هم عن صلاتهم ساهون" فقال: حديث : هم الذين يؤخرون الصلاة عن مواقيتها . تفسير : {الذين هم يُراءونَ} فيه وجهان: أحدهما: المنافقون الذين يراءون بصلاتهم، يصلّونها مع الناس إذا حضروا، ولا يُصلّونها إذا غابوا، قاله علي وابن عباس. الثاني: أنه عامّ في ذم كل من راءى لعمله ولم يقصد به إخلاصاً لوجه ربه. روي عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه قال: "حديث : يقول الله تعالى: مَن عَمِل عملا لغيري فقد أشرك بي وأنا أغنى الشركاء عن الشرك ". تفسير : {ويَمْنَعُونَ الماعونَ} فيه ثمانية تأويلات: أحدها: أن الماعون الزكاة، قاله علي وابن عمر والحسن وعكرمة وقتادة، قال الراعي: شعر : أخليفة الرحمن إنا مَعْشَرٌ حُنَفاءُ نسجُد بكرةً وأصيلاً. عَرَبٌ نرى لله في أمْوالِنا حقَّ الزكاة مُنزّلا تنزيلاً قَوْمٌ على الإسلام لمّا يَمْنعوا ماعونَهم ويضَيِّعوا التهْليلا تفسير : الثاني: أنه المعروف، قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه الطاعة، قاله ابن عباس. الرابع: أنه المال بلسان قريش، قاله سعيد بن المسيب والزهري. الخامس: أنه الماء إذا احتيج إليه ومنه الماء المعين وهو الجاري، قال الأعشى: شعر : بأجود منا بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغِم تفسير : السادس: أنه ما يتعاوره الناس بينهم، مثل الدلو والقدر والفاس، قاله ابن عباس، وقد روي مأثوراً. السابع: أنه منع الحق، قاله عبد الله بن عمر. الثامن: أنه المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعنى وهو القليل، قاله الطبري وابن عيسى. ويحتمل تاسعاً: أنه المعونة بما خف فعله وقل ثقله.

ابن عطية

تفسير : هذا توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة، وهمز أبو عمرو: "أرأيت" بخلاف عنه ولم يهمزها نافع وغيره، و {الدين} الجزاء ثواباً وعقاباً، والحساب هنا قريب من الجزاء ثم قال تعالى: {فذلك الذي يدعُّ اليتيم} أي ارقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها، ودع اليتيم: دفعه بعنف، وذلك إما أن يكون المعنى عن إطعامه والإحسان إليه،وإما أن يكون عن حقه وماله، فهذا أشد، وقرأ أبو رجاء: " يدَع "، بفتح الدال خفيف بمعنى لا يحسن إليه، وقوله تعالى: {ولا يحض على طعام المسكين} أي لا يأمر بصدقة ولا يرى ذلك صواباً، ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا، وكانوا على هذه الخلق من الغشم وغلظ العشرة والفظاظة على المسلمين، وربما كان بعضهم يصلي أحياناً مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال تعالى فيهم: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون}. قال ابن جريج: كان أبو سفيان ينحر كل أسبوع جزوراً فجاءه يتيم، فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه، وقال سعد بن أبي وقاص: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن {الذين هم عن صلاتهم ساهون}، فقال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، يريد والله أعلم تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد، وقال قتادة {ساهون}، هو الترك لها وهم الغافلون الذين لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل، وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال {عن صلاتهم} ولم يقل في صلاتهم، وفي قراءة ابن مسعود: "لاهون" بدل {ساهون} وقوله تعالى: {الذين هم يراؤون} بيان أن صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بينة إيمان، وإنما هي رياء للبشر فلا قبول لها، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب: "يرؤن" مهموزة مقصورة مشددة الهمزة، وروي عن ابن أبي إسحاق: "يرؤون" بغير شد في الهمزة، وقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} وصف لهم بقلة النفع لعباد الله، وتلك شرخلة، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر: {الماعون}، الزكاة، وقال الراعي: [الكامل] شعر : قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا تفسير : وقال ابن مسعود: هو ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص ونحوه، وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك وابن عباس، وقال ابن المسيب: {الماعون} بلغة قريش: المال، حديث : وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الماء والنار والملح" تفسير : روته عائشة رضي الله عنها، وفي بعض الطرق زيادة حديث : الإبرة والخميرتفسير : ، وحكى الفراء عن بعض العرب أن {الماعون} الماء: وقال ابن مسعود: كنا نعد {الماعون} على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية القدر والدلو ونحوها.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِالدِّينِ} الحساب أو حكم الله "ع" أو الجزاء نزلت في العاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة أو أبي جهل أو عمرو بن عائذ أو أبي سفيان نحر جزوراً فأتاه يتيم فسأله منها فقرعه بعصا.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {أَرَءيْتَ ٱلَّذِى يُكَذّبُ بِٱلدّينِ } أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو إن لم تعرفه {فَذَلِكَ ٱلَّذِى } يكذب بالجزاء هو الذي {يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } أي يدفعه دفعاً عنيفاً بجفوة وأذى ويرده رداً قبيحاً بزجر وخشونة {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين، جعل علم التكذيب الجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف أي لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشي الله وعقابه ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء. ثم وصل به قوله {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ } يعني بهذا المنافقين لا يصلونها سراً لأنهم لا يعتقدون وجوبها ويصلونها علانية رياء. وقيل: فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة وهم غافلون عن صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية للفرض فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة. وعن أنس والحسن قالا: الحمد لله الذي قال {عَن صَلَـٰتِهِمْ } ولم يقل «في صلاتهم» لأن معنى «عن» أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها ذلك فعل المنافقين، ومعنى «في» أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره. والمراءاة مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرائي الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائياً بإظهار الفرائض فمن حقها الإعلان بها لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولا غمة في فراض الله» تفسير : والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصداً للاقتداء به كان جميلاً، والماعون: الزكاة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ونحوها، وعن عائشة رضي الله عنها: الماء والنار والملح والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {أرأيت الذي يكذب بالدين} قيل نزل في العاص بن وائل السّهمي، وقيل في الوليد بن المغيرة، وقيل في عمرو بن عائذ المخزومي، وفي رواية عن ابن عباس أنها في رجل من المنافقين، ومعنى الآية هل عرفت الذي يكذب بيوم الجزاء، والحساب، فإن لم تعرفه.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {بالدين} ه ط لأن قوله {فذلك} كالجزاء لشرط محذوف أي إن لم تعرفه فهو فلان {اليتيم} ه لا {المسكين} ه ج {للمصلين} ه لا {ساهون} ه لا {يراءون} ه لا {الماعون} ه. التفسير: هذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبع فأتاه يتيم فسأله لحماً فقرعه بعصاه. وقال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي ومكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة. وعن السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل: في أبي جهل. حكى الماوردى أنه كان وصياً ليتيم فجاءه وهو عريان أن يسأله شيئاً من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي فقال له أكابر قريش استهزاء: قل لمحمد يشفع لك فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه الشفاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد محتاجاً فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش فقالوا: صبأت فقال: لا والله ما صبأت لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم يطعنها فيّ. وقال كثير من المفسرين: إنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين والمعنى: هل عرفت الذي يكذب الجزاء من هو فإن لم تعرفه فهو الذي يدع اليتيم، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب أو الرهبة من العقاب. فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات، فإنكار المعاد كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي، والغرض منه لتعجيب كقولك " أرأيت فلاناً ماذا ارتكب " والخطاب لكل عاقل، أو للرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل: الدين ههنا هو الإسلام لأنه عند الإطلاق يقع عليه وسائر الأديان كلادين، أو يتناولها مع التقييد كقولك " دين النصارى أو اليهود " والدع الدفع بالعنف كما مر في الطور ذكر شيئين من قبائح أفعال المكذب بالجزاء على سبيل التمثيل وسبب تخصيصهما أنهما منكران بحسب الشرع وبحسب العقل والمروءة أيضاً. وفي لفظ {يدع} بالتشديد رحمة من الله على عباده وإشارة إلى أنه إن صدر أدنى استخدام له أو شيء مما يكرهه الطبع دون الاستفخاف التام والزجر العنيف كان معفواً عند الله ولم يكتب في زمرة المكذبين بالدين، ولا سيما إذا كان بغير اختيار والحض الحث وقد مر في " الفجر". ولما كان إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلاً على النفاق فالصلاة لا مع الخشوع كانت أولى بأن تدل على النفاق قال {فويل للمصلين} وجوز جار الله أن يكون فذلك عطفاً على الذي يكذب إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة، ويكون جواب {أرأيت} محذوفاً لدلالة ما بعده عليه كأنه قيل: أخبرني ما تقول فيمن يكذب بالجزاء وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين، أنعم ما يصنع أو أخبرني ما تقول في وصف هذين الشخصين أمرضيّ ذلك؟ ثم قال {فويل للمصلين} أي إذا علم أنه مسيء فويل لهم، فوضع صفتهم موضع ضميرهم. وجمع. لأن المراد بالذي هو الجنس ووجه الاتصال أنهم كانوا مع التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم. وفيه أنهم كما قصروا في شأن المخلوق حيث زجروا اليتيم ولم يحضوا على إطعام المسكين فقد قصروا في طاعة الخالق فما صلوا وما زكوا. والسهو عن الصلاة تركها رأساً أو فعلها مع قلة مبالاة بها كقوله {أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}تفسير : [النساء: 142] وهو قول سعد بن أبي وقاص ومسروق والحسن ومقاتل: وفائدة عن المفيدة للبعد والمجاوزة هذه. وأما السهو في الصلاة فذلك أم غير اختياري فلا يدخل تحت التكليف، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم سها في الصلاة، وقد أثبت الفقهاء لسجود السهو باباً في كتبهم. وعن أنس: الحمد لله الذي لم يقر " في صلاتهم " ولعل في إضافة الصلاة إليهم إشارة إلى أن تلك الصلاة لا تليق إلا بهم لأنها كلا صلاة من حيث إنهم تركوا شرائطها وأركانها فلم يكن هناك إلا صورة صلاة صح باعتبارها إطلال المصلين عليهم في الظاهر. ويجوز أن يطلق لفظ المصلين على تاركي الصلاة بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة ومعنى المفاعلة في المرآة أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به وقد مر في قوله {أية : رئاء الناس}تفسير : [النساء: 142] و {أية : يراءون الناس} تفسير : [البقرة: 264] ولا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء أو نفي التهمة واجتناب الرياء صعب إلا على من راض نفسه وحملها على الإخلاص ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود"تفسير : وفي {الماعون} أقوال: فأكثر المفسرين على أنه اسم جامع لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال ولا ينسب سائله إلى لؤم بل ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار لما روي "حديث : ثلاثة لا يحل منعها الماء والنار والملح" تفسير : ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز في تنورك أو أن يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم. قالوا: هو " فاعول " من المعن وهو الشيء القليل ولا منه ماله سعنة ومعنة أي كثير وقليل. وقد تسمى الزكاة ماعوناً لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من كثير. قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على قدر الضرورة، وقد يكون منع هذه الأشياء محظوراً في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار. وعن أبي بكر وعلي رضي الله عنهم وابن عباس وابن الحنيفة وابن عمرو والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو الزكاة لأنه تعالى ذكرها عقيب الصلاة. وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء ولعله خص بالذكر لأنه أعز مفقود وأرخص موجود وأول آلام أهل النار {أية : أفيضوا علينا من الماء} تفسير : [الأعراف: 50] وأول لذات أهل الجنة {أية : وسقاهم ربهم شراباً}تفسير : [الدهر: 21] وقيل: هو حسن الانقياد والطاعة. وفي الآيتين إشارة إلى أن الصلاة لي والماعون للخلق، فالذي يحب أن يفعل لأجلي يرونه الناس والذي هو حق الخلق يمنعونه منهم فلا يراعون جانب التعظيم لأمر الله ولا جانب الشفقة على خلق الله وهذه كمال الشقاوة نعوذ بالله منها والله تعالى أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله سبحانه: {أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} الآية، توقيفٌ وتنبيهٌ لِتَتَذكَّرَ نَفْسُ السامعِ كلَّ من تعرفُه بهذه الصفةِ، والدينُ: الجزاءُ. ودعُّ اليتيِمِ: دَفْعُه بعُنْفٍ؛ إمَّا عن إطعامهِ والإحْسَانِ إليه، وإما عن حقِّه ومالِه، وهو أشد، ويُرْوَى أَن هذهِ الآيةَ نزلتْ في بعضِ المُضْطَرِبِينَ في الإسلام بمكةَ، لم يُحَقِّقُوا فيه، وفُتِنُوا فَافْتَتَنُوا، وربَّمَا كَانَ يصلى بعضُهم أحياناً مع المسلمينَ مدافعَةً وحَيْرَةً، فقال تعالى فيهم: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} الآية، ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره؛ أنَّ الآيةَ نزلتْ في العاصِ بن وائلٍ، انتهى، وقال السهيليّ: قال أهل التفسير: نَزَلَ أولُ السورةِ بمكةَ في أبي جهلٍ، وهو الذي يكذِّبُ بالدينِ، ونزل آخرُها بالمدينةِ في عبد اللَّه بن أُبَيِّ بن سلولٍ وأصحابه، وهم الذين يُرَاؤُونَ ويَمْنَعُونَ الماعون، انتهى، حديث : قال سعد بن أبي وقاصٍ: سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ}، فَقَالَ: «همُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِها»تفسير : ، يريدُ ـــ واللَّه أعلم ـــ تَأْخِيرَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ، وإلَىٰ هذَا نَحَا مجاهدٌ، وقَالَ عطاء بن يَسَارٍ: الحمدُ للَّهِ الَّذِي قَال: {عَن صَلَـٰتِهِمْ} وَلَمْ يَقُلْ: في صَلاَتِهِمْ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} بيانُ أنَّ صلاةَ هؤلاءِ لَيْسَتْ للَّهِ تعالى بإيمانٍ، وإنَّمَا هي رياءٌ للبشر، فلاَ قَبُولَ لها. وقوله تعالى: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} وصفٌ لهم بِقِلَّةِ النفعِ لعبادِ اللَّهِ، وتلكَ شَرُّ خِصْلَةٍ، وقال عليٌّ وابن عمر: {ٱلْمَاعُونَ}: الزكاة، وقَالَ ابنُ مسعودٍ وابن عباس وجماعة: هُو مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ كَالفَأْسِ، والدَّلْوِ، والآنِيَةِ، والمقَصِّ؛ ونحوه، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ فَقَالَ: المَاءُ وَالنَّارُ، والمِلْحُتفسير : ، ورَوَتْهُ عَائِشَةُ ـــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـــ، وفي بَعْضِ الطُّرُقِ زيادَة الإبْرَةِ، والخَمِيرِ، قال البخاريُّ: المَاعُونُ: المعروفُ كلُّه، وقال بعضُ العربِ: الماعونُ: الماءُ، وقال عكرمةُ: أعلاه الزكاةُ المفروضةُ، وأدناه عَارِيَّة المَتَاعِ، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}، أي: بالجزاء، والحساب، وقرأ الكسائي: "أَرَيْتَ" بسقوط الهمزة. وتقدم تحقيقه في "الأنعام". وقال الزمخشري: وليس بالاختيار، لأن حذفها مختصّ بالمضارع، ولم يصح عن العرب: "رَيْتَ" ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام، ونحوه: [الخفيف] شعر : 5322- صَاحِ، هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِراعٍ رَدَّ فِي الضَّرعِ ما قَرَى في الحِلابِ تفسير : وفي "أرأيْتَ" وجهان: أحدهما: أنها بصرية، فتتعدّى لواحد، وهو الموصول كأنه قال: أبصرت المكذب. والثاني: أنها بمعنى "أخبرني" فتتعدّى لاثنين، فقدره الحوفي: أليس مستحقًّا عذاب الله. وقدره الزمخشري: من هو، ويدل على ذلك قراءة عبد الله: "أرأيتك" بكاف الخطاب، والكاف لا تلحق البصرية. قال القرطبي: "وفي الكلام حذف والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين، أمصيب هو، أو مخطئ". فصل فيمن نزلت فيه السورة نقل أبو صالحٍ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وهو قول الكلبي ومقاتل. وروى الضحاك عنه قال: نزلت في رجُل من المنافقين. وقال السديُّ: نزلت في الوليد بن المغيرة. [وقيل في أبي جهل. وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ. وقال ابن جريج: في أبي سفيان، وكان ينحر في كل أسبوع جزوراً، فطلب منه يتيم شيئاً فقرعه بعصاه، فأنزل الله هذه السورة]. قال ابن الخطيب: وقيل: إنه عام في كل مكذب بيوم الدين. قوله: {فَذَلِكَ}، فيه وجهان: أحدهما: أن الفاء جواب شرط مقدر، أي: طلبت علمه فذلك. والثاني: أنها عاطفة "فَذلِكَ" على "الَّذي يُكذِّبُ" إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة, ويكون جواب "أرَأيْتَ" محذوفاً لدلالة ما بعده عليه, كأنه قيل: أخبرني، وإما تقول فيمن يكذب بالجزاء، وفيمن يؤذي اليتيم، ولا يطعم المسكين أنِعْمَ ما يصنع؟. فعلى الأول يكون اسم الإشارة في محل رفع بالابتداء، والخبر الموصول بعده، وإما على أنه خبر لمبتدأ مضمر، أي: فهو ذلك، والموصول نعته. وعلى الثاني: أن يكون منصوباً بالنسق، على ما هو منصوب، إلا أن أبا حيان رد الثاني فقال: جعل "فَذلِكَ" في موضع نصب على المفعول، وهو تركيب غريب كقولك: "أكرمت الذي يزورنا فذلك الذي يحسن إلينا" فالمتبادر إلى الذهن أن "فَذلِكَ" مرفوع بالابتداء، وعلى تقدير النصب يكون التقدير: أكرمت الذي يزورنا، فأكرمت ذلك الذي يحسن إلينا، فاسم الإشارة في هذا التقدير غير متمكِّن تمكن ما هو فصيح، إذ لا حاجة إلى أن يشار إلى "الذي يزورنا"، بل الفصيح: أكرمت الذي يزورنا، فالذي يحسن إلينا، أو "أكرمت الذي يزورنا، فيحسن إلينا"، وأما قوله: "إما عطف ذات على ذات"، فلا يصح؛ لأن "فذلك" إشارة إلى "الَّذي يُكذِّبُ" فليسا بذاتين؛ لأن المشار إليه بقوله: "فَذلِكَ" هو واحد، وأما قوله: "ويكون جواب أرأيت محذوفاً" فلا يسمَّى جواباً، بل هو في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيت"، وأما تقديره "أنعمَ ما يصنع" فهمزة الاستفهام لا نعلم دخولها على "نِعْمَ"، ولا "بِئْسَ"، لأنهما إنشاء، والاستفهام لا يدخل إلا علىالخبر، انتهى. [والجواب عن قوله: "فاسم الإشارة غير متمكن" إلى آخره، أن الفرق بينهما أن في الآية الكريمة استفهاماً وهو "أرأيتَ" فحسن أن يفسر ذلك المستفهم منه بخلاف المثال الذي مثل به، فمن ثم حسن التركيب المذكور، وعن قوله: "لأن" فذلك إشارة إلى القائم لا إلى زيد، وإن كان يجوز أن يكون إشارة إليه، وعن قوله: "فلا يسمى جواباً" أن النحاة يقولون: جواب الاستفهام، وهذا قد تقدمه استفهام فحسن ذلك]، وعن قوله: "والاستفهام لا يدخل إلا على الخبر" بالمعارضة بقوله: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ} تفسير : [محمد: 22] فإن "عسى" إنشاء فما كان جواباً له، فهو جوابٌ لنا. فصل قال ابن الخطيب: هذا اللفظ، وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض بمثله المبالغة في التعجب كقولك: أرأيت فلاناً ماذا ارتكب. ثم قيل: إنه خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام. وقيل: خطاب لكل عاقل. قوله: {يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} قرأ العامة: بضم الدَّال، وتشديد العين من "دعَّه" أي: دفعه، وأمير المؤمنين والحسن وأبو رجاء: "يَدعُ" بفتح الدال وتخفيف العين. فصل قال الضحاك عن ابن عباس: {فذلِكَ الذي يدعُّ اليَتِيمَ}، أي: يدفعه عن حقه، قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13]. [قال قتادة: يقهره ويظلمه، وقد تقدم في سورة "النساء" أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصغار، ويقولون: إنما يجوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ ضمَّ يَتِيْماً مِنَ المُسْلمينَ، حَتَّى يَسْتَغْنِي فَقدْ وجَبَتْ لهُ الجَنَّة ". تفسير : قوله: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ}، أي: لا يأمر به من أجل بخله، وتكذيبه الجزاء، والحساب. وقرأ زيد بن علي: "ولا يحاضّ" من المحاضة. وقد تقدم في الفجر. قال القرطبي: "وليس الذم عامًّا حتى يتناول من تركه عجزاً، ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم، ويقولون: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} تفسير : [يس: 47] فنزلت هذه الآية فيهم، فيكونُ معنى الآية: لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا".

البقاعي

تفسير : لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم، ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة، فكان معرفاً بأن فاعله لا يترك الناس سدى من غير جزاء، وأمرهم آخر قريش بشكر نعمته بإفراده بالعبادة، عرفهم أول هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا بالتصديق بالجزاء الحامل على معالي الأخلاق الناهي عن مساوئها، وعجب ممن يكذب بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه بحكمة الحكيم، ووصف المكذب به بأوصاف هم منها في غاية النفرة، وصوّره بأشنع صورة بعثاً لهم على التصديق وزجراً عن التكذيب، فقال خاصاً بالخطاب رأس الأمة إشارة إلى أنه لا يفهم هذا الأمر حق فهمه غيره: {أرأيت} أي أخبرني يا أكمل الخلق {الذي يكذب} أي يوقع التكذيب لمن يخبره كائناً من كان {بالدين *} أي الجزائي الذي يكون يوم البعث الذي هو محط الحكمة وهو غاية الدين التكليفي الآمر بمعالي الأخلاق الناهي عن سيئها، ومن كذب بأحدهما كذب بالآخر: ولما كان فعل الرؤية بمعنى أخبرني، المتعدي إلى مفعولين، كان تقدير المفعول الثاني: أليس جديراً بالانتقام منه. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على ما ذكر فيها مما هو جارٍ على حكم الجهل والظلم الكائنين في جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله: {إن الإنسان لربه لكنود} {إن الإنسان لفي خسر}{يحسب أن ماله أخلده} وانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات الأولية ما ذكر فيها أيضاً كالشغل بالتكاثر، والطعن على الناس ولمزهم والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها أو أعمال من يتصف بها وإن لم يكن من أهلها كدع اليتيم، وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به، وعدم الحض على طعام المسكين، والتغافل عن الصلاة والسهو عنها، والرياء بالأعمال والزكاة والحاجات التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض، ويمكن أن يتضمن إبهام الماعون هذا كله، ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين بالإسلام، فأخبر سبحانه وتعالى أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب، أي إن هؤلاء هم أهلها، ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلم"حديث : أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً"تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام"حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"تفسير : وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة، وقد بسطته في كتاب "إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل" فمن هذا القبيل عندي - والله أعلم - قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم} أي أن هذه الصفات من دفع اليتيم وبعد الشفقة عليه، وعدم الحض على إطعامه والسهو عن الصلاة والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن هذه كلها من شأن المكذب بالحساب والجزاء لأن نفع البعد عنها إنما يكون إذ ذاك، فمن صدق به جرى في هذه الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور، ومن كذب به لم يبال بها وتأبط جميعها، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها، فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم الذي بايعتم عليه، فمن تشبه بقوم فهو منهم، فاحذروا هذه الرذائل فإن دع اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل، وعدم الحض على إطعامه فإنما هو فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده، والسهو عن الصلوات من ثمرات إلهاء التكاثر، والشغل بالأموال والأولاد، فنهى عباده عن هذه الرسائل التي يثمرها ما تقدم والتحمت السور - انتهى. ولما كان المراد بهذا الجنس، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه، عرفهم بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم، وتدل عليهم وإن اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم، فقال مسبباً عن التكذيب ما هو دال عليه: {فذلك} أي البغيض البعيد من كل خير {الذي يدع} أي يدفع دفعاً عنيفاً بغاية القسوة {اليتيم *} ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من قلبه، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف من الله سبحانه وتعالى، فكان التكذيب بجزائه سبباً للغلظة عليه. ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين"تفسير : كانت القسوة عليهم علامة على الشر، وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلاً بالبذل من ماله، قال معرفاً لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات، وأسوإ الصفات الحامل على شر الحركات: {ولا يحض} أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثاً عظيماً يحمى فيبعث على المراد {على طعام المسكين *} أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه، وتعبيره عن الإطعام - الذي هو المقصود - بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ما فرض الله من كفايته، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث - إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف، والآية من الاحتباك: الدع في الأول يدل على المقت في الثاني: والحض في الثاني يدل على مثله في الأول. ولما كان هذا حاله مع الخلائق، أتبعه حاله مع الخالق إعلاماً بأن كلاًّ منهما دالّ على خراب القلب وموجب لمقت الرب، وأعظم الإهانة والكرب، وأن المعاصي شؤم مهلك، تنفيراً عنها وتحذيراً منها، فسبب عنه قوله معبراً بأعظم ما يدل على الإهانة: {فويل} ولما كان الأصل: له - بالإضمار والإفراد، وكان المراد بـ"الذي" الجنس الصالح للواحد وما فوقه. وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته، وكان من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور المحيطة للعمل، عبر بالوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وشقه من الصلاة تحذيراً من الغرور، وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء، وأتى بصيغة الجمع تنبيهاً على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزمة لإهانة الأفراد من غير عكس فقال: {للمصلين *} ولما كان الحكم إنما هو على ذات الموضع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن المقصود إنما هو من كان مكلفاً بالصلاة لأن من كان متلبساً بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"تفسير : فلذلك وصفهم بقوله: {الذين هم} أي بضمائرهم وخالص سرائرهم. ولما كان المراد تضييعهم قال: {عن} دون في {صلاتهم} أي هي جديره بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ومنافعهم بالتزكية وغيرها {ساهون *} أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها وعدم المبالاة بها وقلة الالتفات إليها، ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ "لاهون" وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتاً يوجب أن لا يذكروها من ذات أنفسهم أصلاً، ولذلك كشفه بما بعده، روى البغوي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الآية فقال:"حديث : هو إضاعة الوقت"تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ويصلونها إذا حضروا مع الناس. ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له لغير الحاضر كالبهائم، قال دالاًّ على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند الانفراد بالترك حساً ومعنى وعند الاجتماع بالإفساد في المعنى: {الذين هم} أي بجملة سرائرهم {يرآؤن *} أي بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون الخير ليراهم الناس فيروهم الثناء عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم يستحقونه من السيف عنهم، لا لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله سبحانه وتعالى، ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس. ولما كان من كان بهذه الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء، بين أنهم غلب عليهم الشح حتى أنهم مع كثرة الرياء منهم لم يقدروا على أن يراؤوا بهذا الشيء التافه، فانسلخوا من جميع خلال المكارم، فقال إبلاغاً في ذمهم إشعاراً بأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله: {ويمنعون} أي على تجدد الأوقات، وحذف المفعول الأول تعمماً حتى يشمل كل أحد وإن جل وعظمت منزلته ولطف محله من قلوبهم تعريفاً بأنهم بلغوا من الرذالة دركة ليس وراءها للحسد موضع {الماعون} أي حقوق الأموال والشيء اليسير من المنافع مثل إعارة التافه من متاع البيت التي جرت عادة الناس أن يتعاوروه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق، والحاصل أنه ينبغي حمل ذلك على منع ما يجب بذله مثل فضل الكلأ والماء والزكاة ونحوه ليكون موجباً للويل، وعلى الزكاة حمله علي وابن عمر رضي الله عنهما والحسن وقتادة، قال العلماء: هو مأخوذ من المعن، وهو في اللغة الشيء اليسير، ولذلك فسره بعضهم بالماء وبعضهم بما يعار من المتاع نحو القدر والفأس. والدلو، وبعضهم بالزكاة لأنه لا يؤخذ من المال على وجه الزكاة إلا شيء يسير جداً بالنسبة إليه، وقيل: هو كل عطية أو منفعة، وقال قطرب: هو فاعول من المعن، والمعن: المعروف، وقال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية العطاء والمنفعة وفي الإسلام الزكاة، وقال الهروي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو العارية - ذكر هذا الأستاذ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي، وقال ابن جرير: وأصل الماعون من كل شيء منفعته. فدل ذلك على أنهم بلغوا نهاية التكذيب باستهانتهم بأعظم دعائم الدين واستعظامهم لأدنى أمور الدنيا، وهذا الآخر كما ترى هو الأول لأن الذي جر إليه هو التكذيب، ومن منع هذه الأشياء التافهة كان جديراً بأن يمنع ورود الكوثر في يوم المحشر، وكما التقى آخرها بأولها التقت السورة كلها مع مناظرتها في العدد من أول القرآن، وذلك أنه قد علم أن حاصل هذه السورة الإبعاد عن سفساف الأخلاق ورديها ودنيها من التكذيب بالجزاء الذي هو حكمة الوجود المثمر للإعراض عن الوفاء بحق الخلائق وطاعة الخالق، والانجذاب مع النقائص إلى الاستهانة بالضعيف الذي لا يستهين به إلا أنذل الناس وأرذلهم، والرياء الذي لا يلم به إلا من كان في غاية الدناءة، فكان ذلك موجباً للميل إلى أعظم الويل، وفي ذلك أعظم مرغب في معالي الأخلاق التي هي أضداد ما ذكر في السورة وكلا الأمرين موجود في الأنفال المناظرة لها في رد المقطع على المطلع على أتم وجه، ليكون ذلك إشارة إلى أنها شارحة لهذا ففيه الإيماء إلى ملاحظتها عند قراءتها، انظر إلى قوله تعالى:{أية : الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولٰئك هم المؤمنون حقاً}تفسير : [الأنفال: 4] الآية{أية : وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك}تفسير : [الأنفال: 32] الآية {أية : وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية} تفسير : [الأنفال:35] {أية : والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}تفسير : [الأنفال: 36] الآية{أية : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}تفسير : [الأنفال: 41] الآية ولقد انطبقت السورة بمعانيها وتراكيبها العظيمة ونظومها ومبانيها على الأراذل الأدنياء الأسافل، وأحاطت برؤوسهم بعد كلماتها مفردة قبل حروفها، وأدارت عليهم كؤوس حتوفها من نوافذ الرماح بأيدي جنودها ومواضي سيوفها، وذلك أن عدة كلماتها خمس وعشرون كلمة فإذا اعتبرتها من أول سني النبوة وازت السنة الثانية عشرة من الهجرة، وذلك أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه، وفيها لم يبق على يده أحد من المصلين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو منعوا الزكاة، فتبين أنهم ما كانوا يصلون في حياته صلى الله عليه وسلم ويزكون إلا رياء الناس فعل الأدنياء الأنجاس حتى حل بهم الويل بأيدي جنود الصديق الذين جاؤوهم بالرجل والخيل فمزقوهم عن آخرهم، ولم تمض تلك السنة إلا وقد فرغ منهم بالفراغ من بني حنيفة باليمامة وأطراف بلاد اليمن من أهل النجير ببلاد كندة والأسود العنسي من صنعاء، وما مضت سنة ست عشرة الموازية لعدد الكلمات بالبسملة - وذلك في أوائل خلافة الفاروق - حتى زالوا من جميع جزيرة العرب وهم مشركو العرب ومتنصروهم ومتمجسوهم الذين كانوا بنواحي العراق والشام والبحرين فأسلم أكثرهم، وذهب الباقون إلى بلاد الروم، فحل الويل بالمرائين من أهل الصلاة فإنهم الذين أتى إليهم نبيهم صلى الله عليه وسلم بالصلاة فأعرضوا عنها والناس لهم تبع، ولم يصح في هذه السورة اعتبار الضمائر لأن الدين في هذا الحد كان قد ظهر على كل ظاهر، إلى حد لا إضمار فيه بوجه ولا عائق له ولا ساتر، وكما أنه لا حاجة إلى الرمز بالضمائر، لما دقت له في الخافقين من البشائر، على رؤوس المنابر والمنائر، فكذلك لم يناسب بعد الوصول إلى هذا الحال المكشوف، للإيماء بالدلالة بإعداد الحروف - والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أنزلت ‏ {‏أرأيت الذي يكذب‏} ‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏أرأيت الذي يكذب بالدين‏} ‏ قال‏:‏ الكافر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ‏ {‏أرأيت الذي يكذب بالدين‏}‏ قال‏:‏ بالحساب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏أرأيت الذي يكذب بالدين‏} ‏ قال‏:‏ يكذب بحكم الله ‏{‏فذلك الذي يدعّ اليتيم‏} ‏ قال‏:‏ يدفعه عن حقه‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏‏ عز وجل ‏{‏فذلك الذي يدعّ اليتيم‏} ‏ قال‏:‏ يدفعه عن حقه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت أبا طالب يقول‏:‏ شعر : يقسم حقاً لليتيم ولم يكن يدعّ لذي يسارهن الأصاغر تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب ‏ {‏يدع اليتيم‏}‏ قال‏:‏ يدفعه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏يدع اليتيم‏} ‏ قال‏:‏ يظلمه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس ‏{‏فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال‏:‏ هم المنافقون يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا ويمنعونهم العارية بغضاً لهم وهي الماعون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ قال‏:‏ هم المنافقون يتركون الصلاة في السر، ويصلون في العلانية‏. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏ {‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ قال‏:‏ هم المنافقون‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال‏:‏ قلت لأبي‏:‏ أرأيت قول الله‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏}‏ أينا لا يسهو، وأينا لا يحدث نفسه‏؟‏ قال‏:‏ إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت‏.‏ وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال‏:‏ هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال الحاكم والبيهقي الموقوف أصح‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال‏:‏ ‏حديث : ‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏الله أكبر هذه الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال‏:‏ الذين يؤخرونها عن وقتها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق ‏{‏عن صلاتهم ساهون‏}‏ قال‏:‏ تضييع ميقاتها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مالك بن دينار قال‏:‏ سأل رجل أبا العالية عن قوله‏:‏ ‏{‏الذين هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ ما هو‏؟‏ فقال أبو العالية‏:‏ هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن شفع أو عن وتر، فقال الحسن‏:‏ مه هو الذي يسهو عن ميقاتها حتى تفوت‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال‏:‏ لاهون‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن مسعود أنه قرأ‏:‏ ‏"‏الذين هم عن صلاتهم لاهون‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال‏:‏ الحمد لله الذي قال ‏ {‏هم عن صلاتهم ساهون‏} ‏ ولم يقل في صلاتهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ‏{‏عن صلاتهم ساهون‏}‏ قال‏:‏ هو الذي يصلي ويقول‏:‏ هكذا يعني يلتفت عن يمينه وعن يساره‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ‏{‏عن صلاتهم ساهون‏} قال‏:‏ يصلون رياء وليس الصلاة من شأنهم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ‏ {‏عن صلاتهم ساهون‏} ‏ قال‏:‏ لا يبالي عنها أصلى أم لم يصلّ‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب ‏ {‏الذين هم يراؤون‏} ‏ قال‏:‏ يراؤون بصلاتهم‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال‏:‏ كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما تتعاطون بينكم‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الماعون الدلو والقدر والفأس ولا يستغني عنهن‏.‏ وأخرج الفريابي والبيهقي عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏الماعون‏} ‏ قال‏:‏ الفأس والقدر والدلو ونحوها‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ كان المسلمون يستعيرون من المنافقين الدلو والقدر والفأس وشبهه فيمنعونهم فأنزل الله ‏{‏ويمنعون الماعون‏}‏ ‏. وأخرج أبو نعيم والديلمي وابن عساكرحديث : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏ويمنعون الماعون‏} ‏ قال‏:‏ ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه حديث : عن قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما تعهد إلينا‏؟‏ قال‏: لا تمنعوا الماعون‏.‏ قالوا‏:‏ وما الماعون‏؟‏ قال‏:‏ في الحجر وفي الحديدة وفي الماء‏. قال‏:‏ فأي الحديدة‏؟‏ قال‏: قدوركم النحاس وحديد الناس الذي يمتهنون به‏. قالوا‏:‏ ما الحجر‏؟‏ قال‏: قدوركم الحجارة "‏‏. تفسير : وأخرج الباوردي عن الحرث بن شريح قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏المسلم أخو المسلم لا يمنعه الماعون، قالوا‏:‏ يا رسول الله، ما الماعون‏؟‏ قال‏: في الحجر وفي الماء وفي الحديد، قالوا أي الحديد‏؟‏ قال‏: قدر النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به‏. قالوا‏:‏ فما هذا الحجر‏؟‏ قال‏: القدر الذي من الحجارة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن قانع عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "حديث : ‏‏المسلم أخو المسلم إذا لقيه حياه بالسلام ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ما الماعون‏؟‏ قال‏: الحجر والحديد والماء وأشباه ذلك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن حفصة بنت سيرين‏:‏ قالت لنا أم عطية‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمنع الماعون‏.‏ قلت‏:‏ وما الماعون‏؟‏ قالت‏:‏ هو ما يتعاطاه الناس بينهم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الماعون والفأس والقدر والدلو‏.‏ وأخرج آدم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله‏‏ ‏ {‏ويمنعون الماعون‏}‏ قال‏:‏ عارية متاع البيت‏.‏ وأخرج الفريابي عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الماعون العارية‏.‏ وأخرج الفريابي وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة أنه سئل عن الماعون فقال‏:‏ هي العارية، فقيل‏:‏ فمن يمنع متاع بيته فله الويل‏؟‏ قال‏:‏ لا ولكن إذا جمعهن ثلاثهن فله الويل إذا سهى عن الصلاة ورايا ومنع الماعون‏. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ الماعون الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏ويمنعون الماعون‏}‏ قال‏:‏ أولئك المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها وخفيت الزكاة فمنعوها‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عباس ‏ {‏ويمنعون الماعون‏} ‏ قال‏:‏ الزكاة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي المغيرة قال‏:‏ قال ابن عمر‏:‏ المال الذي لا يعطى حقه‏.‏ قلت له‏:‏ إن ابن مسعود قال‏:‏ هو ما يتعطاه الناس بينهم من الخير‏.‏ قال‏:‏ ذلك ما أقول لك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإِبرة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ الماعون بلسان قريش المال‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وابن الحنفية قالا‏:‏ الماعون الزكاة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال‏:‏ الماعون المعروف‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ويمنعون الماعون‏}‏ قال‏:‏ اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال‏:‏ يمنعون الزكاة، ومنهم من قال‏:‏ يمنعون الطاعة، ومنهم من قال‏:‏ يمنعون العارية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏ويمنعون الماعون‏} ‏ قال‏:‏ ما جاء هؤلاء بعد‏.

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها وآيُها سبع {أَرَءيْتَ ٱلَّذِى يُكَذّبُ بِٱلدّينِ} استفهامٌ أريدَ بهِ تشويقُ السامعِ إلى معرفةِ مَنْ سيقَ لَهُ الكلاَمُ، والتعجيبُ منْهُ. والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقيلَ: لكُلِّ عاقلٍ والرؤيةُ بمَعْنى المَعْرفةِ وقُرِىءَ أرأيتَكَ بزيادةِ حَرْفِ الخطابِ والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} جوابُ شرطٍ محذوفٍ على أنَّ ذلكَ مُبتدأٌ والموصولُ خبرُهُ والمَعْنى هَلْ عرفتَ الذي يكذبُ بالجزاءِ أو بالإسلامِ إنْ لَمْ تعرفْهُ أو إنْ أردتَ أنْ تعرفَهُ فهُوَ الذي يدفعُ اليتيمَ دفعاً عنيفاً ويزجرُهُ زَجْراً قَبـيحاً ووضعُ اسمِ الإشارةِ المتعرضِ لوصفِ المشارِ إليهِ موضعَ الضميرِ للإشعارِ بعلةِ الحكمِ والتنبـيهِ بمَا فيهِ من مَعْنى البُعدِ على بُعْدِ منزلتِهِ في الشرِّ والفسادِ. قيلَ: هُوَ أبُو جهلٍ كانَ وصياً ليتيمٍ فأتاهُ عُرياناً يسألُهُ من مالِ نفسِه فدفعَهُ دفعاً شنيعاً، وقيلَ: أبُو سفيانَ نحرَ جزوراً فسألَهُ يتيمٌ لحماً فقرعَهُ بعصاهُ، وقيلَ: هُوَ الوليدُ بنُ المُغِيرَةِ وقيلَ: هُوَ العَاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، وقيلَ: هُوَ رجُلٌ بخيلٌ مِنَ المنافقينَ، وقيلَ: الموصولُ على عمومِهِ. وقُرِىءَ يَدَعُ اليتيمَ أيْ يتركُه ويجفُوهُ {وَلاَ يَحُضُّ} أيْ أهلَهُ وغيرَهُم مِنَ الموسرينَ {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} وإذَا كانَ حالُ من تركَ حَثَّ غيرَه على ما ذُكرَ فمَا ظنُّكَ بحالِ من تركَ ذلكَ معَ القُدرةِ عليهِ. والفاءُ في قولِه تعالَى: {فَوَيْلٌ} الخ، إما لربطِ مَا بعدَهَا بشرطٍ محذوفٍ كأنَّه قيلَ: إذَا كانَ مَا ذُكِرَ من عدَمِ المُبالاةِ باليتيمِ والمسكينِ مِنْ دَلاَئلِ التكذيبِ بالدِّينِ وموجباتِ الذمِّ والتوبـيخِ فويلٌ {لّلْمُصَلّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ} غافلونَ غيرُ مبالينَ بهَا {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ} أيْ يرونَ النَّاسَ أعمالَهُم ليروهُمْ الثناءَ عَلَيهَا {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} أي الزكاةَ أو مَا يُتعَاورُ عادةً فإنَّ عدمَ المبالاةِ باليتيمِ والمسكينِ حيثُ كانَ كمَا ذُكِرَ فعدمُ المبالاةِ بالصلاةِ التي هي عمادُ الدينِ والرياءُ الذي هُوَ شعبةٌ منَ الكفرِ ومنعُ الزكاةِ التي هيَ قنطرةُ الإسلامِ وسوءُ المعاملةِ مَعَ الخلقِ أحقُّ بذلكَ وإمَّا لترتيبِ الدعاءِ عليهم بالويلِ على ما ذكرَ من قبائحِهم ووضعُ المصلينَ موضعَ ضميرِهم ليتوسلَ بذلكَ إلى بـيانِ أنَّ لهُم قبائحَ أخَر غيرَ ما ذكرَ. عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الدينِ غُفرَ لَهُ إنْ كانَ للزكاةِ مُؤدياً".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}[1] قال: أي بالحساب يوم يدان الناس.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}. نزلت الآية على جهة التوبيخ، والتعجُّبِ من شأن تظلُّم اليتيمِ من الكفار. فقال: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}، وبالحساب والجزاء؟ {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ}. يدفعه بجفوة، ويقال: يدفعه عن حقِّه. {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ}. أي: لا يَحُثُّ على إطعام المسكين، وإنما يدعُّ اليتيم؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قد نزع الرحمةَ من قلبه "حديث : ولا تنزع الرحمة إلاَّ من قلبِ شقيٍّ ". تفسير : وهو لا يحث على طعام المسكين، لأنه في شُحِّ نَفْسِه وأَمْرِ بُخْلِه. قوله جلّ ذكره: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ}. السَّاهي عن الصلاة الذي لا يُصَلِّي. ولم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون.. ولو قال ذلك لكان الأمرُ عظيماً. {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ}: أي يصلون ويفعلون ذلك على رؤية الناس - لا إخلاصَ لهم. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ}. الماعون: مثل الماء، والنار، والكلأ، والفأس، والقِدْر وغير ذلك من آلةِ البيت. ويدخل في هذا: البُخْلُ، والشُّحُّ بما ينفع الخَلْقَ مما هو مُمْكِنٌ ومُسْتَطاع.

البقلي

تفسير : من لم يكن من اهل الشهود فى الدين فهو منكر يوم كشف اللقاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ارأيت} يا محمد اى هل عرفت {الذى يكذب بالدين} اى بالجزآء او بالاسلام يعنى آباديدى ودانستى آنكس را كه تكذيب ميكندبر وزجزا ويادين الاسلام وباورنميكند. ان لم تعرفه او ان اردت ان تعرفه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أرأيت الذي يُكذِّبُ بالدين} استفهام أُريد به تشويق السامع إلى معرفة مَن سبق له الكلام والتعجب منه، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل سامع. والرؤية بمعنى المعرفة، والفاء في قوله: {فذلك الذي يَدُعْ اليتيمَ}: جواب شرط محذوف، والمعنى: هل عرفتَ هذا الذي يُكذِّب بالجزاء أو بالإسلام، فإنْ أردت أن تعرفه فهو الذي يَدُعُّ, أي: يدفع اليتيم دفعاً عنيفاً، ويزجره زجراً قبيحاً، قيل: هو أبو جهل، كان وصيًّا ليتيم، فأتاه عُرياناً يسأله مِن مال نفسه فدفعه دفعاً شديداً, وقيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: العاص بن وائل. وقيل: أبو سفيان، نحر جزوراً فسأله يتيمٌ لحماً فقرعه بعصاه، وقيل: على عمومه. وقُرىء: "يَدَع" أي: يتركه ويجفوه. {ولا يَحُضُّ} أهلَه وغيرهم من الموسرين {على طعام المسكين} فأَولى هو لا يُطعمه، جعل علامة التكذيب بالجزاء: منع المعروف، والإقدام على أذى الضعيف؛ إذ لو آمن بالجزاء، وأيقن بالوعيد، لخشي عقاب الله وغضبه. {فويل للمُصَلِّين الذي هم عن صلاتهم ساهون} غير مبالين بها، {الذين هم يُراؤون} الناس بأعمالهم، ليُمدحوا عليها، {ويمنعونَ الماعونَ} أي: الزكاة. نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يسهون عن فعل الصلاة، أي: لا يُبالون بها، لأنهم لا يعتقدون وجوبها. قال الكواشي عن بعضهم: ليس المراد السهو الواقع في الصلاة, الذي لا يكاد يخلو منه مسلم، فإنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يسهو، ويُعضد هذا ما رُوي عن أنس أنه قال: الحمد لله الذي لم يقل "في صلاتهم" لأنهم لمّا قال: "عن صلاتهم" كان المعنى: أنهم ساهون عنها سهو ترك وقلة مبالاة والتفات إليها, ولو قال "في صلاتهم" كان المعنى: أنّ السهو يعتريهم وهم في الصلاة، والخلوص من هذا شديد. وقيل "عن" بمعنى "في"، أي: في صلاتهم ساهون. ثم قال عن ابن عطاء: ليس في القرآن وعيد صعب إلاّ وبعده وعيد لطيف، غير قوله: {فويل للمصلِّين..} الآية، ذكر الويل لمَن صلاّها بلا حضور في قلبه، فكيف بمَن تركها رأساً؟ فقيل له: ما الصلاة؟ فقال: الاتصال بالله من حيث لا يعلم إلاّ الله. ثم قال الكواشي: ومما يدل على أنَّ مَن شَرَعَ في الصلاة خالصاً لله، واعترضه السهو مع تعظيمه للصلاة ولشرائع الإسلام، ليس بداخل مع هؤلاء: أنه وصفهم بقوله: {الذين هم يراؤون}. ثم قال: وفي اجتناب الرياء صُعوبة عظيمة، وفي الحديث: "حديث : الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على المسح الأسود " تفسير : . وقال بعضهم: هم الذين لا يُخلصون لله عملاً، ولا يُطالبون أنفسهم بحقيقة الإخلاص, ولا يَرِد عليهم وارد من ربهم يقطعهم عن رؤية الخلق والتزيُّن لهم. هـ. {ويمنعون الماعُونَ} قيل: الماعون: كل ما يُرتفق به، كالفأس والماء والنار، ونحوها، أي: الماعون المعروف كله، حتى القِدْر والقصعة، أو: ما لا يحل منعه، كالماء والملح والنار، قالوا: ومَنْع هذه الأشياء محظور شرعاً، إذا استعيرت عن ضرورة، وقُبْح في المروءة إذا استعيرت في غير حال الاضطرار. قال عكرمة: ليس الويل لمَن منع هذه الأشياء، إنما الويل لمَن جمعها فراءى في صلاته وسهى عنها, ومَنَع هذه الأشياء. هـ. قال ابن عزيز: الماعون في الجاهلية: كل عطية ومنفعة، والماعون في الإسلام: الزكاة والطاعة، وقيل: هو ما ينتفع به المسلم من أخيه، كالعارية والإغاثة ونحوهما، وقيل: الماعون: الماء، نقله الفراء، وفي البخاري: الماعون: المعروف كله، أعلاه الزكاة، وأدناه عارية المتاع. والله تعالى أعلم. الإشارة: الدين هو إحراز الإسلام والإيمان والإحسان، فمَن جمع هذه الثلاث تخلّص باطنه، فكان فيه الشفقة والرأفة والكرم والسخاء، وتحقق بمقام الإخلاص، وذاق حلاوة المعاملة, وأمّا مَن لم يظفر بمقام الإحسان فلا يخلو باطنه من عُنف وبُخل ودقيق رياء، ربما يصدق عليه قوله تعالى: {أرأيت الذي يُكذِّب بالدين فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم..} الخ. وقال القشيري في قوله تعالى: {فويل للمُصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون}: يُشير إلى المحجوبين عن أسرار الصلاة ودقائقها، الساهين عن شهود مطالعها وطرائقها, الغافلين الجاهلين عن علومها وأحكامها، {الذين هم يُراؤون} في أعمالهم وأحوالهم، بنسبتها وإضافتها إلى أنفسهم الظلمانية، {ويمنعون الماعون} أي: ما يُفيد السالك إلى طريق الحق، من الإرشاد والنُصح، وانظر عبارته نقلتها بالمعنى. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قوله {أرأيت} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله على وجه التعجيب له من الكافر {الذي يكذب بالدين} وذهابه عن الايمان به مع وضوح الأمر فيه وقيام الدلالة على صحته والمراد بالدين الجزاء من الثواب والعقاب، فالتكذيب بالجزاء من أضرّ شيء على صاحبه، لانه يعدم به أكثر الدواعي إلى الخير، والصوارف عن الشر، فهو يتهالك فى الاسراع إلى الشر الذي يدعوه اليه طبعه لا يخاف عاقبة الضرر فيه. وقوله {فذلك الذي يدع اليتيم} وصف الذي يكذب بالدين، فبين أن من صفته أنه يدع اليتيم، ومعناه يدفعه عنفاً، وذلك لانه لا يؤمن بالجزاء عليه، فليس له رادع عنه، كما لمن يقر بأنه يكافئ عليه، دعّه يدعه دعاً إذا دفعه دفعاً شديداً، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة {يدع اليتيم} معناه يدفعه عن حقه. وقوله {ولا يحض على طعام المسكين} معناه ولا يحث على طعام المسكين بخلا به، لأنه لو كان لا يحض عليه عجزاً عنه لم يذم به، وكذلك لو لم يحض عليه من غير قبيح كان منه لم يذم عليه، لأن الذم لا يستحق إلا بما له صفة الوجوب إذ أخل به أو القبيح إذا فعله على وجه مخصوص. وقوله {فويل للمصلين} تهديد لمن يصلي على وجه الرياء والسمعة. وإنما أطلق مع انه رأس آية يقتضي تمام الجملة، لأنه معرف بما يدل على انه أراد من يصلي على جهة الرياء والنفاق. ثم بين ذلك بقوله {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال ابن عباس ومسروق: معناه يؤخرونها عن وقتها، وقال قتادة: معناه غافلون. وقال مجاهد: لاهون كأنهم يسهون للهوهم عنها واللهو يوجب تأخيرها عن وقتها لانه قال عن صلاتهم. وقيل: ساهون فيها {الذين هم يراؤن} معناه إنه يراؤن بصلاتهم الناس دون أن يتقربوا بها إلى الله. وإنما ذم السهو فى الصلاة مع انه ليس من فعل العبد بل هو من فعل الله، لان الذم توجه فى الحقيقة على التعرض للسهو بدخوله فيها على وجه الرياء وقلبه مشغول بغيرها، لا يرى لها منزلة تقتضي صرف الهم اليها. وقوله {ويمنعون الماعون} قال ابو عبيدة: كل ما فيه منفعة، فهو الماعون، وقال الاعشى: شعر : باجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم تفسير : وقال الراعي: شعر : قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التنزيلا تفسير : وقال اعرابي فى ناقة: إنها تعطيك الماعون أي تنقاد لك، والماعون أصله القلة من قولهم: المعن القليل قال الشاعر: شعر : فان هلاك مالك غير معن تفسير : أي غير قليل، فالماعون القليل القيمة مما فيه منفعة من آلة البيت نحو الفاس والمقدحة والابرة والدلو - وهو قول ابن مسعود وابن عباس وإبراهيم وابي مالك وسعيد ابن جبير - وسئل عكرمة فقيل له: من منع ذلك فالويل له؟ قال: لا، ولكن من جمع ذلك بأن صلى ساهياً مرائياً ومنع هذا. وقوله {فويل للمصلين} وهو يعني المنافقين، فدل على أن السورة مدنية لانه لم يكن بمكة نفاق، ويقال: معن الوادي إذا جرت مياهه قليلا قليلا. والماء المعين الجاري قليلا قليلا. وأمعن في الامر إذا أبعد فيه قليلا قليلا. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: الماعون الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك وقال الشاعر: شعر : بمج صبيره الماعون صبا تفسير : فالصبير السحاب. وقال أنس بن مالك: الحمد لله الذي لم يجعلها في صلاتهم وإنما جعلها عن صلاتهم، فتأولها من تركها متعمداً. والمراد بالصلاة هنا الفرض.

الجنابذي

تفسير : {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} قرئ ارأيت على الاصل، واريت بلا همزٍ وارايتك بكاف الخطاب او الخطاب خاصّ بمحمّد (ص) او عامّ، وتكذيب الدّين للجهل المركّب الّذى هو داء عياء وهو اصل جميع الشّرور يعنى ارأيت يا محمّد (ص) الّذى جمع بين رذائل القوى الثّلاث العلاّمة والسّبعيّة والبهيميّة، ولمّا كان الجهل اصل جملة الشّرور عطف على تكذيب الدّين الرّذائل الاُخر بالفاء فقال {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ} اى يدفع {ٱلْيَتِيمَ} بعنفٍ، قيل: نزلت فى العاص بن وائل، وقيل: فى الوليد بن المغيرة، وقيل: فى ابى سفيان كان ينحر فى كلّ اسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصاه، وقيل: نزلت فى رجل من المنافقين، وقيل: نزلت فى ابى جهل كان وصيّاً ليتيم فأتاه عرياناً وسأله اللّباس عن مال نفسه فضربه ودفع اليتيم وضربه رذيلة الغضبيّة بل اردأ رذائلها لانّ تحقير الحقير الضّعيف ومن شأنه ان يرحم عليه وضربه ودفعه والاستكبار عليه اردأ من الاستكبار على القوىّ المنيع.

الأعقم

تفسير : {أرأيت} يا محمد هذا {الذي يكذب بالدين} قيل: بالجزاء والبعث والحساب، وفي بعض الأخبار: "الديان لا يفنى والذنب لا ينسى فاصنع ما شئت كما تدين تدان" {الذي يدع اليتيم} أي مع تكذيبه يدع اليتيم أي يدفع اليتيم، وهو الذي لا أب له ولا أم له، وقيل: يقهره ويدفعه عن حقه ويظلمه {ولا يحض على طعام المسكين} قيل: لا يحض على مواساة الفقراء بخلاً منه وجهلاً بمواضع الجزاء {فويل للمصلين} {الذين هم عن صلاتهم ساهون} {الذين هم يراؤون} قيل: المراد بالآية المنافقين وعندهم المراؤون، قيل: غافلون عنها لا يبالي صلى أم لم يصل، وقيل: يتركون الصلاة في السر ويصلون في العلانية، وقيل: ساهون يؤخرونها عن وقتها، وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: "حديث : هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها"تفسير : ، وقيل: هو الذي ان صلاها صلاها رياء وان فاتته لم يندم {ويمنعون الماعون} ما يتداوله الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو والابرة، وقيل: ما يتداوله الجيران بعضهم من بعض، وقيل: الماء والملح، وقيل: الماعون الزكاة قال الحاكم: وهو الصحيح.

الهواري

تفسير : تفسير سورة أرأيت الذي، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} أي: بالحساب، وهو المشرك لا يقر بالبعث وبأن الله يدين الناس يوم القيامة بأعمالهم. قال: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} أي: يدفعه عن حقه {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} وذلك أن المشركين كانوا يقولون: (أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ)تفسير : [يس:47]. قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} وهم المنافقون {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}. تفسير الحسن: هم المنافقون، إن صلوها لم يرجوا ثوابها، وإن تركوها لم يخشوا عقابها. وقال بعضهم: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. {الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ} تفسير عمرو عن الحسن. لا يصلونها في السر ويصلونها في العلانية يراءون بها المؤمنين. قال تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} والماعون الزكاة. [وتفسير بعضهم: القِدر والدلو والرحى والفاس وما أشبه ذلك].

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {أَرَأَيْتَ} استفهام تعجبي والمراد المبالغة في التعجب من المكذب بعد ظهور الدلائل ووضوح البيان والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لمن يصلح للخطاب من العقلاء مطلقا، وقرأ ابن مسعود أرأيتك بكاف الخطاب، وقرئ أريت بإسقاط الهمزة التي بعد الراء كما قرئ بعدها بإثباتها وقراءتنا بالألف وإما الإسقاط فضعيف لإختصاصه بالمضارع والأمر ولعل القارئ به الحقه بالمضارع وسهل ذلك وقوع همزة الإستفهام قبله وهو أولى من قوله: شعر : صاح هل رأيت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرأ في العلاب تفسير : *{الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} وهو العاصي ابن وائل السهمي وقيل الوليد بن المغيرة وقيل عمر بن عائد المخزومي وقيل أبو جهل وقيل أبو سفيان والدين الجزاء أو الإسلام والذي للعهد وقيل المراد المشركون مطلقا فالذي للجنس وعن ابن عباس رجل بخيل من المنافقين فالذي للعهد أيضا وقيل المعنى هل عرفت الذي يكذب بالجزاء إن لم تعرفه.

اطفيش

تفسير : {أرَأيْتَ} يا محمد أو يا من يصلح للرؤية والاستفهام تشويق إل طلب معرفة المكذب ليتحرز عنه وعن متابعته وتعجيب منه والرؤية بمعنى المعرفة أو بصرية وكما تكون الرؤية علمية متعدية إلى اثنين تكون بمعنى المعرفة متعدية لواحد. {الَّذِي} مفعول رأيت وإن جعلت علمية قدر المفعول الثانى جملة معلقاً عناه أى من هو أو أليس مستحقاً للعذاب. {يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} بالجزاءِ أو بشرع الله عز وجل وهو الإسلام والقرآن.

الالوسي

تفسير : استفهام أريد بن تشويق السامع إلى تعرف المكذب وأن ذلك مما يجب على المتدين ليحترز عنه وعن فعله وفيه أيضاً تعجيب منه. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. والرؤية بمعنى المعرفة المتعدية لواحد وقال الحوفي يجوز أن تكون بصرية وعلى الوجهين يجوز أن يتجوز بذلك عن الإخبار فيكون المراد بأرأيت أخبرني وحينئذ تكون متعدية لاثنين أولهما الموصول وثانيهما محذوف تقديره من هو أو أليس مستحقاً للعذاب والقول بأنه لا تكون الرؤية المتجوز بها إلا بصرية فيه نظر وكذا إطلاق القول بأن كاف الخطاب لا تلحق البصرية إذ لا مانع من ذلك بعد التجوز فلا يرجح كونها علمية قراءة عبد الله (أرأيتك) بكاف الخطاب المزيدة لتأكيد التاء. والدين الجزاء وهو أحد معانيه ومنه «كما تدين تدان» وفي معناه قول مجاهد الحساب أو الإسلام كما هو الأشهر ولعله مراد من فسره بالقرآن وكذا من فسره كابن عباس بحكم الله عز وجل. وقرأ الكسائي (أريت) بحذف الهمزة كأنه حمل الماضي في حذف همزته على مضارعه / المطرد فيه حذفها وهذا كما ألحق تعد بيعد في الإعلال ولعل تصدير الفعل هنا بهمزة الاستفهام سَهَّلَ أمر الحذف فيه لمشابهته للفظ المضارع المبدوء بالهمزة ومن هنا كانت هذه القراءة أقوى توجيهاً مما في قوله: شعر : صاح هل رأيت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في الحلاب تفسير : وقيل ألحق بعد همزة الاستفهام بأرى ماضي الأفعال لشدة مشابهته به وعدم التفاوت إلا بفتحة هي لخفتها في حكم السكون وليس بذاك وإن زعم أنه الأوجه. والفاء في قوله تعالى: {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة مكية في بعض الروايات، ومكية مدنية في بعض الروايات (الثلاث الآيات الأولى مكية والباقيات مدنية) وهذه الأخيرة هي الأرجح. وإن كانت السورة كلها وحدة متماسكة، ذات اتجاه واحد، لتقرير حقيقة كلية من حقائق هذه العقيدة، مما يكاد يميل بنا إلى اعتبارها مدنية كلها، إذ إن الموضوع الذي تعالجه هو من موضوعات القرآن المدني ـ وهو في جملته يمت إلى النفاق والرياء مما لم يكن معروفاً في الجماعة المسلمة في مكة. ولكن قبول الروايات القائلة بأنها مكية مدنية لا يمتنع لاحتمال تنزيل الآيات الأربع الأخيرة في المدينة وإلحاقها بالآيات الثلاث الأولى لمناسبة التشابه والاتصال في الموضوع.. وحسبنا هذا لنخلص إلى موضوع السورة وإلى الحقيقة الكبيرة التي تعالجها.. إن هذه السورة الصغيرة ذات الآيات السبع القصيرة تعالج حقيقة ضخمة تكاد تبدل المفهوم السائد للإيمان والكفر تبديلاً كاملاً. فوق ما تطلع به على النفس من حقيقة باهرة لطبيعة هذه العقيدة، وللخير الهائل العظيم المكنون فيها لهذه البشرية، وللرحمة السابغة التي أرادها الله للبشر وهو يبعث إليهم بهذه الرسالة الأخيرة.. إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس؛ ولا تغني فيه مظاهر العبادات والشعائر، ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرده، مؤدية بسبب هذا الإخلاص إلى آثار في القلب تدفع إلى العمل الصالح، وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى. كذلك ليس هذا الدين أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة، يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء.. إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر.. غاية تتطهر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنماء.. وتتمثل فيها رحمة الله السابغة بالعباد. ولقد يقول الإنسان بلسانه: إنه مسلم وإنه مصدق بهذا الدين وقضاياه. وقد يصلي، وقد يؤدي شعائر أخرى غير الصلاة ولكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه ويظل بعيداً عنها، لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها. وما لم توجد هذه العلامات فلا إيمان ولا تصديق مهما قال اللسان، ومهما تعبد الإنسان! إن حقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها (كما قلنا في سورة العصر) لكي تحقق ذاتها في عمل صالح. فإذا لم تتخذ هذه الحركة فهذا دليل على عدم وجودها أصلاً. وهذا ما تقرره هذه السورة نصاً.. {أرأيت الذي يكذب بالدين؟ فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين}.. إنها تبدأ بهذا الاستفهام الذي يوجه كل من تتأتى منه الرؤية ليرى: {أرأيت الذي يكذب بالدين؟} وينتظر من يسمع هذا الاستفهام ليرى أين تتجه الإشارة وإلى من تتجه؟ ومن هو هذا الذي يكذب بالدين، والذي يقرر القرآن أنه يكذب بالدين.. وإذا الجواب: {فذلك الذي يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين}! وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي.. ولكن هذا هو لباب الأمر وحقيقته.. إن الذي يكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعاً بعنف ـ أي الذي يهين اليتيم ويؤذيه. والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته.. فلو صدّق بالدين حقاً، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين. إن حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان؛ إنما هي تحول في القلب يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه في البشرية، المحتاجين إلى الرعاية والحماية. والله لا يريد من الناس كلمات. إنما يريد منهم معها أعمالاً تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها عنده ولا اعتبار. وليس أصرح من هذه الآيات الثلاث في تقرير هذه الحقيقة التي تمثل روح هذه العقيدة وطبيعة هذا الدين أصدق تمثيل. ولا نحب أن ندخل هنا في جدل فقهي حول حدود الإيمان وحدود الإسلام. فتلك الحدود الفقهية إنما تقوم عليها المعاملات الشرعية. فأما هنا فالسورة تقرر حقيقة الأمر في اعتبار الله وميزانه. وهذا أمر آخر غير الظواهر التي تقوم عليها المعاملات!! ثم يرتب على هذه الحقيقة الأولى صورة تطبيقية من صورها: {فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} إنه دعاء أو وعيد بالهلاك للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون.. فمن هم هؤلاء الذين هم عن صلاتهم ساهون! إنهم {الذين هم يراءون ويمنعون الماعون}.. إنهم أولئك الذين يصلون، ولكنهم لا يقيمون الصلاة. الذين يؤدون حركات الصلاة، وينطقون بأدعيتها، ولكن قلوبهم لا تعيش معها، ولا تعيش بها، وأرواحهم لا تستحضر حقيقة الصلاة وحقيقة ما فيها من قراءات ودعوات وتسبيحات. إنهم يصلون رياء الناس لا إخلاصاً لله. ومن ثم هم ساهون عن صلاتهم وهم يؤدونها. ساهون عنها لم يقيموها. والمطلوب هو إقامة الصلاة لا مجرد أدائها. وإقامتها لا تكون إلا باستحضار حقيقتها والقيام لله وحده بها. ومن هنا لا تنشئ الصلاة آثارها في نفوس هؤلاء المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. فهم يمنعون الماعون. يمنعون المعونة والبر والخير عن إخوانهم في البشرية. يمنعون الماعون عن عباد الله. ولو كانوا يقيمون الصلاة حقاً لله ما منعوا العون عن عباده، فهذا هو محك العبادة الصادقة المقبولة عند الله.. وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حقيقة هذه العقيدة، وأمام طبيعة هذا الدين. ونجد نصاً قرآنياً ينذر مصلين بالويل. لأنهم لم يقيموا الصلاة حقاً. إنما أدوا حركات لا روح فيها. ولم يتجردوا لله فيها. إنما أدوها رياء. ولم تترك الصلاة أثرها في قلوبهم وأعمالهم فهي إذن هباء. بل هي إذن معصية تنتظر سوء الجزاء! وننظر من وراء هذه وتلك إلى حقيقة ما يريده الله من العباد، حين يبعث إليهم برسالاته ليؤمنوا به وليعبدوه.. إنه لا يريد منهم شيئاً لذاته سبحانه ـ فهو الغني ـ إنما يريد صلاحهم هم أنفسهم. يريد الخير لهم. يريد طهارة قلوبهم ويريد سعادة حياتهم. يريد لهم حياة رفيعة قائمة على الشعور النظيف، والتكافل الجميل، والأريحية الكريمة والحب والإخاء ونظافة القلب والسلوك. فأين تذهب البشرية بعيداً عن هذا الخير؟ وهذه الرحمة؟ وهذا المرتقى الجميل الرفيع الكريم؟ أين تذهب لتخبط في متاهات الجاهلية المظلمة النكدة وأمامها هذا النور في مفرق الطريق؟

ابن عاشور

تفسير : الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع. فالتعجيب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دَعّ اليتيم وعدم الحضّ على طعام المسكين، وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوِّق لأن الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من تعرف المقصد بهذا الاستفهام، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثاراً للتعجب فيترقب السامع ماذا يَرِد بعده وهو قوله: {فذلك الذي يدع اليتيم}. وفي إقحام اسم الإِشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع الصلة سمع السامع فتتمكن منه كَمَالَ تَمكُّن. وأصل ظاهر الكلام أن يقال: أرأيت الذي يكذب بالدين فَيدُع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين. والإِشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإِشارة لتمييزه أكملَ تمييز حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه. والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في الحكم المقصود من الكلام، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان موصوفها واحداً مثل قوله تعالى: { أية : والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً } تفسير : [الصافات: 1 ـــ 3]. فمعنى الآية عطفُ صفتي: دَع اليتيم، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب بالدين. وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام ومن مخالفة للحق ومنَافياً لما تقتضيه الحكمة من التكليف، وفي ذلك كناية عن تحذير المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين بأنهما من صفات الذين لا يؤمنون بالجزاء. وجيء في {يكذب}، و{يدُعّ}، و{يَحُضّ} بصيغة المضارع لإفادة تكرر ذلك منه ودوامه. وهذا إيذان بأن الإِيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة حتى يصير ذلك لها خلقاً إذا شبت عليه، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى آمر ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه وآمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال النَّكراء. والرؤية بصرية يتعدى فعلها إلى مفعول واحد، فإن المكذبين بالدين معروفون وأعمالهم مشهورة، فنزّلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصَر المشاهد. وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي بعد الراء من {أرأيت} ألفاً. وروى المصريون عن ورش عن نافع إبدالها ألفاً وهو الذي قرأنا به في تونس، وهكذا في فعل (رأى) كلما وقع بعد همزة استفهام، وذلك فرار من تحقيق الهمزتين، وقرأه الجمهور بتحقيقهما. وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي بعد الراء في كل فعل من هذا القبيل. واسم الموصول وصلتُه مراد بهما جنس من اتصف بذلك. وأكثر المفسرين درجوا على ذلك. وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان يَنحر كل أسبوع جَزوراً فجاءه مرة يتيم فسأله من لحمها فقرعه بعصا. وقيل: في أبي جهل: كان وصياً على يتيم فأتاه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه دفعاً شنيعاً. والذين جعلوا السورة مدنية قالوا: نزلت في منافق لم يسموه، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصِّـصاً حكمَها بمن نزلتْ بسببه. ومعنى {يدع} يدفع بعنف وقهر، قال تعالى: { أية : يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً } تفسير : [الطور: 13]. والحض: الحث، وهو أن تطلب غيرك فعلاً بتأكيد. والطعام: اسم الإِطعام، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية. ويجوز أن يكون الطعام مراداً به ما يطعم كما في قوله تعالى: { أية : فانظر إلى طعامك وشرابك } تفسير : [البقرة: 259] فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على معنى اللام، أي الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف مجرور بــــ (على) تقديره: على إعطاء طعام المسكين. وكنى بنفي الحضّ عن نفي الإِطعام لأن الذي يشحّ بالحض على الإِطعام هو بالإِطعام أشح كما تقدم في قوله: { أية : ولا تحاضون على طعام المسكين } تفسير : في سورة الفجر (18) وقوله: { أية : ولا يحض على طعام المسكين } تفسير : في سورة الحاقة (34). والمسكين: الفقير، ويطلق على الشديد الفقرِ، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين } تفسير : في سورة التوبة (60).

الشنقيطي

تفسير : الذي يكذب بالدين، فيه اسم الموصول مبهم بينه ما بعده، وهو الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين. وقد بين تعالى في آية أخرى، أن الإيمان بيوم الدين يحمل صاحبه على إطعام اليتيم والمسكين في قوله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} تفسير : [الإنسان: 8]. ثم قال مبيناً الدافع على إطعامهم إياهم: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} تفسير : [الإنسان: 9-10]. وهنا سؤال: وهو لم خص المكذبين بيوم الدين عمن يرتكب هذين الأمرين دع اليتيم، وهو دفعه وزجره، وعدم الحض على إطعام المسكين، وبالتالي عدم إطعامه هو من عنده؟ والجواب: أنهما نموذجان، ومثالان فقط. والأول منهما: مثال للفعل القبيح. والثاني: مثال للترك المذموم. ولأنهما عملان إن لم يكونا إسلاميين فهما إنسانيان، قبل كل شيء. وفي الآية الأخرى توجيه للجواب، وهو أن المؤمن يخاف من الله يوماً عبوساً، وعبر بالعبوس في حق يوم القيامة، لئلا يعبس هو في وجه اليتيم والمسكين لضعفهما. ومن جانب آخر فإن كان التكذيب بيوم الدين، يحمل على كل الموبقات، إلا أنها قد تجد ما يمنع منها، كالقتل والزنى والخمر لتعلق حق الآخرين، وكذلك السرقة والنهب. أما إيذاء اليتيم وضياع المسكين، فليس هناك من يدفع عنه، ولا يمنع إيذاء هؤلاء عنهما، وليس لديهما الجزاء الذي ينتظره أولئك منهم على الإحسان إليهم. وجبلت النفوس على ألا تبدل إلا بعوض، ولا تكف إلا عن خوف، فالخوف مأمون من جانبي اليتيم والمسكين، والجزاء غير مأمول منهما، فلم يبق دافع للإحسان إليهما، ولا رادع عن الإساءة لهما إلا الإيمان بيوم الدين والجزاء، فيحاسب الإنسان على مثقال الذرة من الخير. وقيل: إن دع اليتيم: هو طرده عن حقه وعدم الحض على طعام المسكين: عدم إخراج الزكاة. ولكن في الآية ما يمنع ذلك، لأن الزكاة إنما يطالب بها المؤمن والسياق فيمكن يكذب بيوم الدين فلا زكاة.

الواحدي

تفسير : {أرأيت الذي يكذب بالدين} نزلت في العاص بن وائل. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي سفيان، وذلك أنَّه نحر جزوراً فأتاه يتيمٌ يسأله، فقرعه بعصاه، فذلك قوله تعالى: {يدعُّ اليتيم} أَيْ: يدفعه بجفوةٍ من حقِّه. {ولا يحضُّ على طعام المسكين} لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه. {فويل للمصلين}. {الذين هم عن صلاتهم ساهون} غافلون يُؤخِّرونها عن وقتها. {الذين هم يراؤون} يعني: المنافقين يُصلُّون في العلانيَة، ويتركون الصَّلاة في السِّرِّ. {ويمنعون الماعون} الزَّكاة وما فيه منفعةٌ من الفأس والقِدر والماء والملح.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أَعَرَفْت الذى يكذب بالجزاء والحساب فى الآخرة؟ 2، 3- إن أردت أن تعرفه فهو الذى يدفع اليتيم دفعا عنيفا، ويقهره ويظلمه، ولا يحث على إطعام المسكين. 4، 5- فهلاك للمصلين المتصفين بهذه الصفات الذين هم عن صلاتهم غافلون غير منتفعين بها. 6- الذين هم يظهرون للناس أعمالهم لينالوا المنزلة فى قلوبهم والثناء عليهم. 7- ويمنعون معروفهم ومعونتهم عن الناس.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أرأيت الذي يكذب بالدين: أي هل عرفته والدين ثواب الله وعقابه يوم القيامة. فذلك الذي يدع اليتيم: أي فهو ذلك الذي يدفع اليتيم عن حقه بعنف. ولا يحض على طعام المسكين: أي لا يحض نفسه ولا غيره على طعام المساكين. فويل للمصلين: أي العذاب الشديد للمصلين الساهين عن صلاتهم. عن صلاتهم ساهون: أي يؤخرونها عن أوقاتها. يراءون: أي يراءون بصلاتهم وأعمالهم الناس فلم يخلصوا لله تعالى في ذلك. ويمنعون الماعون: أي لا يعطون من سألهم ماعوناً كالأبرة والقدر والمنجل ونحوه مما ينتفع به ويرد بعينه كسائر الأدوات المنزلية. معنى الآيات: قوله تعالى {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} هذه الآيات الثلاث نزلت بمكة في العاص بن وائل والوليد بن المغيرة وأضرابهم من عتاة قريش وكفارها فهذه الآيات تُعرِّض بهم وتندد بسلوكهم وتوعدهم فقوله تعالى {أَرَأَيْتَ} يا رسولنا الذي يكذب بالدين وهو الجزاء في الآخرة على الحسنات والسيئات فهو ذاك الذي يدع اليتيم أي يدفعه بعنف عن حقه ولا يعطيه إياه احتقارا له وتكبرا عليه ولا يحض على طعام المسكين أي ولا يحث ولا يحض نفسه ولا غيره على إطعام الفقراء والمساكين وذلك ناتج عن عدم إيمانه بالدين أي بالحساب والجزاء في الدار الآخرة وهذه صفة كل ظالم مانع للحق لا يرحم ولا يشفق إذ لو آمن بالجزاء في الدار الآخرة لعمل لها بترك الشر وفعل الخير فمن أراد أن يرى مكذبا بالدين فإِنه يراه في الظلمة المعتدين القساة القلوب الذين لا يرحمون ولا يعطون ولا يحسنون وقوله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} هذه الآيات الأربع نزلت في بعض منافقي المدينة النبوية فلذا نصف السورة مكي ونصفها مدني وقوله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} هذا وعيد شديد لهم إذ الويل واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيوحهم وهو أشد العذاب إذ كانوا يغمسون فيه أو يطعمون ويشربون منه. ومعنى عن صلاتهم ساهون أنهم غافلون عنها لا يذكرونها فكثيرا ما تفوتهم ويخرج وقتها وأغلب حالهم أنهم لا يصلونها إلا عند قرب خروج وقتها هذا وصف وآخر أنهم {يُرَآءُونَ} بصلاتهم وبكل أعمالهم أي يصلون وينفقون ليراهم المؤمنون فيقولوا أنهم مؤمنون وبالمراءاة يدرءون عن أنفسهم القتل والسبي وثالث أنهم {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} فإذا استعارهم مؤمن ماعونا للحاجة به لا يعيرون ويعتذرون بمعاذير باطلة فلا يعيرون فأسا ولا منجلا ولا قدرا ولا أيّة آنية أو ماعون لأنهم يبغضون المؤمنين ولا يريدون أن ينفعوهم بشيء فيحرمونهم من إعارة شيء ينتفعون به ويردونه عليهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- أيما قلب خلا من عقيدة البعث والجزاء إلا وصاحبه شر الخلق لا خير فيه البتة. 3- التنديد بالذين يأكلون أموال اليتامى ويدفعونهم عن حقوقهم استصغارا لهم واحتقارا. 4- التنديد والوعيد للذين يتهاونون بالصلاة ولا يبالون في أي وقت صلوها وهو من علامات النفاق والعياذ بالله. 5- منع الماعون من صفات المنافقين والمانع لما المسلمون في حاجة إليه ليس منهم لحديث من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم فكيف بالذي يمنعهم ما هو فضل عنده وهم في حاجة إليه؟

القطان

تفسير : أرأيتَ: هل علمتَ. بالدِين: الخضوع الى الله والتصديقُ بالبعث والجزاء. يدعُّ اليتيم: يدفعه بعنف. يحضّ: يحث ويرغب. ساهون: غافلون. يُراءون: يُظهرون خلاف ما يضمرون. الماعون: اسمٌ جامع لكل ما ينتفَع به من أدوات البيت، والإناءُ المعروف. {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} هل عرفتَ يا محمد ذلك الذي يكذّب بالجزاءِ والحسابِ في الآخرة، ولا يؤمن بما جاءَ به الرسول؟ {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} إن هذا الذي يكذّب بالدين من أوصافِه السيّئة أنه بخيلٌ شرِس الأخلاق. لذلك فإنه يؤذي اليتيم، ويدفعُه بجَفوة وغلظة، ولا يُعطيه حقَّه. ومن بُخله الشديد أنّه لا يحثّ على مساعَدة المساكين، ولا يُعطيهم من مالِه شيئا. وذلك كلُّه لأنه لا يؤمن بأنه سيُبعث يومَ القيامة ويحاسَب حساباً عسيرا. ثم ذكَر الفريقَ الآخر المرائي الّذي يعمل من أجلِ ان يَظهر أمام الناس وهو كاذبٌ مخادِع فقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ}. فالهلاكُ لهؤلاء الّذين يَغْفُلون عن الصلاة، وإذا فعلوها فإنما يؤدّونها نِفاقاً ورئاءً إنهم يُظهِرون للناس أنهم أتقياء وهم كاذبون. كذلك فإنهم: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} ويمنعون عن الناس معروفَهم ومعونَتَهم. وهؤلاء - موجودون في كل زمانٍ وكل مكان. وتنطبق هذه الآية الكريمة على معظم العرب والمسلمين. ولا يمكن أن ننهضَ ونصيرَ أمةً ذاتَ كرامةٍ وسيادة إلا إذا أصلحْنا أنفسَنا وأعدْنا النظر في تربية النَّشْءِ تربيةً صالحة، وسِرنا على تعاليم ديننا الحنيف مُقْتَدين بسيرةِ سيّدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه وسَلَفِنا الصالح، وأخذْنا بالعلم الصحيح.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتَ} (1) - هَلْ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ الذِي يَكْفُرُ بِالقِيَامَةِ وَالبَعْثِ وَالنُّشُورِ؟.

الثعلبي

تفسير : {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: يعني الوليد بن المغيرة، الضحاك: في عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، وقيل: هيبرة بن أبي وهب المخزومي، ابن جريح: كان أبو سفيان بن حرب ينحر كل أسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصاه، فأنزل الله سبحانه فيه {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} أي يقهره ويزجره ويدفعه عن حقّه، الدع: الدفع في جفوة. قرأ أبو رجاء يدع اليتيم أي يتركه ويقصر في حقه {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} حدّثنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد ابن إسحاق الصعالي ببغداد قال: حدّثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: حدّثنا عكرمة بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعيد عن سعيد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة في السرّ إذا غاب الناس ويصلونها في العلانية إذا حضروا. بيانه قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 142] الآية، مجاهد: لاهون غافلون عنها متهاونون بها، وقال قتادة: ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل. وأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا معاوية بن هشام عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي قال: حدّثني رجل عن أبي بردة الأسلمي قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}: "الله أكبر هذه خير لكم من أن لو أعطى كل رجل منكم مثل جميع الدنيا هو الذي إن صلى لم يرج خير صلواته وأن تركها لم يخف ربه" تفسير : وبه عن ابن جرير قال: حدّثني أحمد بن عبد عبد الرحيم البرقي قال: حدّثنا عمرو بن أبي مسلمة قال سمعت عمر بن سليمان يحدّث عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: و {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل في صلاتهم، الحسن: هو الذي إن صلاّها صلاها رياء وأن فاتته لم يندم، أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمّون ركوعها ولا سجودها، وعنه أيضاً: هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتاً، الضحاك: هم الذين يتركون الصلاة. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} أخبرنا أبو بكر الجمشادي حدّثنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدّثنا أبو عمر الضرير قال: حدّثنا أبو عوانة عن إسماعيل السهمي عن أبي صالح عن علي رضي الله عنه {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال: هي الزكاة، وإليه ذهب ابن عمر والحسن وقتادة وابن الحنفية والضحاك. وأخبرنا الجمشادي قال: أخبرنا العطيفي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدّثنا أبو عمر الضرير قال: حدّثنا حماد عن عاصم عن زر عن عبد الله في الماعون قال: الفاس والدلو والقدر وأشباه ذلك وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، مجاهد عنه: هو العارية ومتاع البيت، عطية عنه: هو الطاعة، محمد بن كعب والكلبي: الماعون المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، سعيد بن المسيب والزهري ومقاتل: الماعون: المال بلغة قريش، قال الأعشى: شعر : بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم تفسير : وأخبرنا محمد بن عبدوس في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء، وأنشدني فيه: شعر : يمج صَبيْرة الماعون صباً تفسير : والصبير: المنجاب. وقال أبو عبيد والمبرد: الماعون في الجاهلية: كلّ منفعة وعطية وعارية، وهو في الإسلام: الطاعة والزكاة، قال حسان بن قحافة: لا يحرم الماعون منه الخابطاً، ويقول العرب: [ولقد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعاً] تعطيك الماعون، أي الطاعة والإنقياد، قال الشاعر: شعر : متى يجاهدهن بالبرين يخضعن أو يعطين بالماعون تفسير : وحكى الفراء أيضاً عن بعضهم أنه قال: ماعون من الماء المعين، وقال قطرب: أصل الماعون من القلّة، يقول العرب: ماله سعنة ولا معنة أي شيء قليل، فسمّى الزكاة والصدقة والمعروف ماعوناً، لأنه قليل من كثير، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار، يدلّ عليه ما أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عمرو بن مرداس قال: حدّثنا محمد بن بكر قال: حدّثنا عثمان بن مطر عن الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيّب حديث : عن عائشة أنّها قالت: يا رسول الله ما الذي لا يحلّ منعه قال: "الماء والملح والنار". فقالت: يارسول الله هذا الماء فما بال النار والملح؟ فقال لها: يا حميراء "من أعطى ناراً فكأنما تصدّق بجميع ما طبخ بذلك النار، ومن أعطى ملحاً فكأنما تصدق بجميع ما طيّب بذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق (ستين نسمة)، ومن سقى شربة ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما إحيا نفساً" تفسير : قال الراعي: شعر : قومٌ على الاسلام لمّا يمنعوا ماعونهم ويمنعوا التهليلا

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يَدُعُّ} يدفع بعنفٍ وشدة يقال: دعَّه دعّاً أي دفعه دفعاً ومنه {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا}تفسير : [الطور: 13] {يَحُضُّ} الحضُّ: الحثُّ والترغيب {سَاهُونَ} جمع ساهي يقال: سها عن كذا يسهو سهواً إِذا تركه عن غفلة {ٱلْمَاعُونَ} الشيء القليل من المعن وهو القلة تقول العرب: "ماله معنة ولا سعنة" أي ماله قليل ولا كثير من المال، قال المبرّد والزجاج: الماعون كل ما فيه منفعة كالفأس والقدر والدلو وغير ذلك. التفسِير: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}؟ استفهام للتعجيب والتشويق أي هل عرفت الذي يكذب بالجزاء والحساب في الآخرة؟ هل عرفت من هو، وما هي أوصافه؟ إِن أردت تعرفه {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} أي فذلك هو الذي يدفع اليتيم دفعاً عنيفاً بجفوة وغلظة، ويقهره ويظلمه ولا يعطيه حقه {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أي ولا يحث على إِطعام المسكين قال أبو حيان: وفي قوله {وَلاَ يَحُضُّ} إِشارة إِلى أنه هو لا يُطعم إِذا قدر، وهذا من باب الأولى لأنه إِذا لم يحضَّ غيره بخلاً، فلأن يترك هو ذلك فعلاً أولى وأحرى وقال الرازي: فإِن قيل: لِم قال {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} ولم يقل: ولا يُطعم المسكين؟ فالجواب أنه إِذا منَع اليتيم حقه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسه؟ بل هو بخيل من مال غيره، وهذا هو النهاية في الخسة، ويدل على نهاية بخله، وقساوة قلبه، وخساسة طبعه، والحاصل أنه لا يُطعم المسكين ولا يأمر بإِطعامه، لأنه يكذّب بالقيامة، ولو آمن بالجزاء وأيقن بالحساب لما صدر عنه ذلك {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} أي هلاكٌ وعذابٌ للمصلين المنافقين، المتصفين بهذه الأوصاف القبيحة {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} أي الذين هم غافلون عن صلاتهم، يؤخرونها عن أوقاتها تهاوناً بها قال ابن عباس: هو المصلي الذي إِن صلى لم يرج لها ثواباً، وإِن تركها لم يخش عليها عقاباً وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها، وقد حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها"تفسير : قال المفسرون: لمَّا قال تعالى {عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} بلفظة {عَن} عُلم أنها في المنافقين، ولهذا قال بعض السلف: الحمد لله الذي قال {عَن صَلاَتِهِمْ} ولم يقل "في صلاتهم" لأنه لو قال "في صلاتهم" لكانت في المؤمنين، والمؤمنُ قد يسهو في صلاته، والفرق بين السهوين واضح، فإِن سهو المنافق سهو تركٍ وقلة التفات إِليها، فهو لا يتذكرها ويكون مشغولاً عنها، والمؤمن إِذا سها في صلاته تداركه في الحال وجبره بسجود السهو، فظهر الفارق بين السهوين، ثم زاد في بيان أوصافهم الذميمة فقال {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ} أي يصلون أمام الناس رياءً ليقال إِنهم صلحاء، ويتخشعون ليقال إِنهم أتقياء، ويتصدقون ليقال إنهم كرماء، وهكذا سائر أعمالهم للشهرة والرياء {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} أي ويمنعون الناس المنافع اليسيرة، من كل ما يستعان به كالإِبرة، والفأس، والقدر، والملح، والماء وغيرها قال مجاهد: الماعون العارية للأمتعة وما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية وقال الطبري: أي يمنعون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كل شيء منفعته.. وفي الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإِن البخل بها نهاية البخل وهو مخل بالمروءة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الاستفهام الذي يراد به تشويق السامع إلى الخبر والتعجيب منه {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ}؟ 2- الإِيجاز بالحذف {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} حذف منه الشرط أي إِن أردت أن تعرفه فذلك الذي يدعُّ اليتيم، وهذا من أساليب البلاغة. 3- الذم والتوبيخ {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} ووضع الظاهر مكان الضمير {فَوَيْلٌ لَّهُمْ} زيادة في التقبيح لأنهم مع التكذيب ساهون عن الصلاة. 4- الجناس الناقص {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ}. 5- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل {سَاهُونَ}، {يُرَآءُونَ}، {ٱلْمَاعُونَ} الخ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} هذه السورة مكية في قول الجمهور مدنية في قول ابن عباس وقال هبة الله العزيز نزل نصفها بمكة في العاصي بن وائل ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبيّ المنافق ولما عدد تعالى نعمه على قريش وكانوا لا يؤمنون بالبعث والجزاء اتبع امتنانه عليهم بتهديدهم بالجزاء وتخويفهم من عذابه والظاهر أن أرأيت هي التي بمعنى أخبرني فتتعدى إلى اثنين أحدهما الذي والآخر محذوف تقديره أليس مستحقاً عذاب الله. {يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} يدفعه عن حقه كان سفيان بن حرب ينحر في كل أسبوع جذوراً أفأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصا. {وَلاَ يَحُضُّ} إشارة إلى أنه هو لا يطعم إذا قدر وهذا من باب الأولى لأنه إذا لم يحض غيره بخلاً فلأن يترك هو ذلك فعلاً أولى وفي إضافة طعام إلى المسكين دليل على أنه مستحقه ولما ذكر أولاً عمود الكافر وهو التكذيب وبالدين ذكر ما يترتب على التكذيب من الإِيذاء والمنع من النفع وذلك مما يتعلق بالمخلوق ثم ذكر ما يترتب عليه مما يتعلق بالخالق وهو عبادته بالصلاة فقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} والظاهر أن المصلين هم غير المذكور قبل وهو داع اليتيم غير الحاض وإن كان كل من الأوصاف الذميمة ناشئاً عن التكذيب بالدين فالمصلون هنا والله أعلم هم المنافقون أثبت لهم الصلاة وهي التي يفعلونها ثم قال: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} نظراً إلى أنهم لا يوقعونها كما يوقعها المسلم من اعتقاد وجوبها والتقرب بها إلى الله تعالى وفي الحديث حديث : عن صلاتهم ساهون يؤخرونها عن وقتها تهاوناً بها تفسير : وتقدم الكلام في الرياء في البقرة. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} قال ابن عباس وجماعة: ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص وفي الحديث حديث : سئل عليه السلام عن الشىء الذي لا يحل منعه فقال الماء والملح والنار وفي بعض الطرق والإِبرة والخمير .

الجيلاني

تفسير : {أَرَأَيْتَ} أي: هل عرفت وأبصرت المعاند الكاذب {ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} [الماعون: 1] أي: بيوم الجزاء والحساب الموعود؛ لتنقيد الأعمال والأفعال الجارية في نشأة الاختبار؟. {فَذَلِكَ} المكذب المنكر هو {ٱلَّذِي يَدُعُّ} ويدفع بالعنف المفرط {ٱلْيَتِيمَ} [الماعون: 2] الذي جاءه لينفعه من ماله الذي كان عنده؛ لكونه قيماً ووصيّاً له، قيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل غيره، وما ذلك إلاَّ من غاية بخله وخساسته. {وَ} من شدة بخله وخساسته وإمساكه المفرط {لاَ يَحُضُّ} لا يحث أحداً {عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} [الماعون: 3] يعني: هو لا يطعم ولا يرضى أيضاً بإطعام الغير من شدة شحه وإمساكه، هذا أمارة تكذيبه بالدين والجزاء بحسب الظاهر. أمَّا بحسب الباطن {فَوَيْلٌ} عظيم وعذاب أليم {لِّلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4] المكذبين بيوم الجزاء، المنكرين لمعالم الدين المستبين؛ لأنهم {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] غافلون، لا يحافظون عليها في أوقاتها المحفوظة لها، ولا يواظبون على إقامتها. بل هم {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ} [الماعون: 6] بها على رءوس الملأ، ويتركونها في خلواتهم؛ لعدم اعتدادهم واعتقادهم بها، وما يترتب عليها من الجزاء مع تهاونهم وتكاسلهم في الصلاة التي هي عماد الدين وأعلى مراسم التوحيد واليقين. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} [الماعون: 7] أي: الزكاة المهذبة لنفوسهم عن الشح المستهجن والتقتير المستقبح، والفتوات المؤدية إلى عموم الحسنات والخيرات المسقطة للمروءات. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لطريق الحق، الحقيق بالإطاعة والاتِّباع أن تهذب ظاهرك وباطنك عن مطلق الرذائل المنافية للعدالة الإلهية، وتخلي سرك عن الالتفات إلى ما سوى الحق؛ لتكون صلاتك منك ميلاً حقيقياً إلى الله، ومعراجاً معنوياً موصلاً إلى توحيده. وإياك إياك المراء والمجادلة مع بني نوعك، والاستكبار عليهم، وإظهار الثروة والسيادة فيما بينهم بالمَّال والجاه، فإنه يميت قلبك، ويزيد في هواك، ويبعدك عن مولاك، تضرك في أولاك وأخراك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيتها اللطيفة القلبية المصدقة بيوم الجزاء، {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ} [الماعون: 1] من قوى نفسك الأمارة بالسوء، {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} [الماعون: 2]؛ أي: يدافع خاطر اليتيم، الذي هو من قبيل القلب بأنه في عالم النفس يتيم غريب، {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} [الماعون: 3]؛ يعني: لا يطعم الخاطر المسكين بشهوة النفس من قبيل السكينة بطعام الذكر. {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4-5]؛ يعني: ويل للقوى النفسية المقلدة المؤمنة خوفاً من المجاهدة التي [عليها] صاحبها السالك؛ لئلا يقتلها بالمجاهدة ولئلا يأسرها ويغير عليها مالها وأهلها، واستعدادها وهواها يصلوك بالصورة رعيا عن المجاهدة؛ وهم عن حقيقتها ساهون لا يصلون إلا لدفع الضرر عنهم ويجز النفع عن صاحبهم إليهم. {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} [الماعون: 6-7]؛ يعني: القوى النفسية يراءون القوى القلبية وجميع الطاعات، {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} [الماعون: 7]، الصدق وملح الإخلاص عن القوى المطيعة المرائية، وبعبارة أخرى يمنعون الزكاة؛ يعني: لا يزكون أنفسهم عن الأخلاق الرذيلة مثل: الرياء والسمعة. فيا أيها السالك اجتهد في صيدان الدنيا تنتصر على نفسك والهوى، ولا تأمن مكرها، ولا تعطِ حظهما إلا بالحق؛ لأنهما إذا شربهما الحظوظي عصا حفظهم؛ ولذلك جبلهما ابتلاء للعباد الذين هم مظاهر لطفه وقهره، وخلط في أرضه، {أية : لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 7]. اللهم اجعلنا مخلصين في طاعتك، مؤدين حق عبادتك بمحمد وآله وصبحه وسلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى ذامًا لمن ترك حقوقه وحقوق عباده: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } أي: بالبعث والجزاء، فلا يؤمن بما جاءت به الرسل. { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } أي: يدفعه بعنف وشدة، ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولأنه لا يرجو ثوابًا، ولا يخشى عقابًا. { وَلا يَحُضُّ } غيره { عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } ومن باب أولى أنه بنفسه لا يطعم المسكين، { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ } أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ولكنهم { عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } أي: مضيعون لها، تاركون لوقتها، مفوتون لأركانها وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات وأفضل القربات، والسهو عن الصلاة، هو الذي يستحق صاحبه الذم واللوم وأما السهو في الصلاة، فهذا يقع من كل أحد، حتى من النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا وصف الله هؤلاء بالرياء والقسوة وعدم الرحمة، فقال: { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } أي يعملون الأعمال لأجل رئاء الناس. { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } أي: يمنعون إعطاء الشيء، الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة، كالإناء، والدلو، والفأس، ونحو ذلك، مما جرت العادة ببذلها والسماحة به. فهؤلاء -لشدة حرصهم- يمنعون الماعون، فكيف بما هو أكثر منه. وفي هذه السورة، الحث على إكرام اليتيم، والمساكين، والتحضيض على ذلك، ومراعاة الصلاة، والمحافظة عليها، وعلى الإخلاص [فيها و] في جميع الأعمال. والحث على [فعل المعروف و] بذل الأموال الخفيفة، كعارية الإناء والدلو والكتاب، ونحو ذلك، لأن الله ذم من لم يفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين.