١٠٩ - ٱلْكَافِرُون
109 - Al-Kafiroun (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله تعالى: فيه فوائد: أحدهما: أنه عليه السلام كان مأموراً بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال: {قل} {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : [آل عمران: 159] {أية : بالمؤمنين رءوف رحيم} تفسير : [التوبة: 128] {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] ثم كان مأموراً بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن: {أية : وجادلهم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] ولما كان الأمر كذلك، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون: كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله: قل تقرير هذا المعنى وثانيها: أنه لما قيل له: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] وهو كان يحب أقرباءه لقوله: {أية : قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الشورى: 23] فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له: {قُلْ }، وثالثها: أنه لما قيل له: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } تفسير : [المائدة: 67] فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال: إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } فأنا أيضاً أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها: أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم، على ما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [لقمان: 25] والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء: {ياأيها ٱلْكَـٰفِرُونَ } لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه. أما لما سمعوا قوله: {قُلْ } علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به وخامسها: أن قوله: {قُلْ } يوجب كونه رسولاً من عند الله، فكلما قيل له: {قُلْ } كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشوراً جديداً دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيماً وتشريفاً وسادسها: أن الكفار لما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتبعد آلتنا سنة، فكأنه عليه السلام قال: استأمرت إليه فيه. فقال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } وسابعها: الكفار قالوا فيه السوء، فهو تعالى زجرهم عن ذلك، وأجابهم وقال: {أية : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } تفسير : [الكوثر: 3] وكأنه تعالى قال: حين ذكروك بسوء، فأنا كنت المجيب بنفسي، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء، فكن أنت المجيب: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تعبدون} وثامنها: أنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقاً فيه: {قُلْ يٰ أَيُّهَاٱلْكَـٰفِرُونَ } لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم وتاسعها: أن بتقدير أن تقول: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه، والكفار يقولون: هذا كلام ربك أم كلامك، فإن كان كلام ربك فربك يقول: أنا لا أعبد هذه الأصنام، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام، فلم قلت: إن ربك هو الذي أمرك بذلك، أما لما قال: قل، سقط هذا الاعتراض لأن قوله: {قُلْ } يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها وعاشرها: أنه لو أنزل قوله: {يا أيها الكافرون } لكان يقرؤها عليهم لا محالة، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال: {قُلْ } كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم. فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش الحادي عشر: كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } وبقولنا: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } الثاني عشر: أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار، إنه تعالى لا يكلمهم، فلو قال: {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام، أما لما قال: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } فحينئذ يرجع تشريف المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار، فيحصل فيه تعظيم الأولياء، وإهانة الأعداء، وذلك هو النهاية في الحسن الثالث عشر: أن محمداً عليه السلام كان منهم، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلاً يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغاً لا يقدر على إخفائه، فقال تعالى: قل يا محمد لهم: أيها الكافرون ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة، فربما يصير ذلك داعياً لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها الرابع عشر: أن الإيذاء والايحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم: يا أيها الكافرون فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم، فيصير ذلك داعياً لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر الخامس عشر: كأنه تعالى يقول: ألسنا بينا في سورة: {وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } وفي سورة الكوثر: {إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات، بمقتضى قولنا: {فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله، فقل: قل ياأيها الكافرون السادس عشر: كأنه تعالى يقول: يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة، قال الكافرون: إنه ودعه ربه وقلاه، فشق عليك ذلك غاية المشقة، حتى أنزلت عليك السورة، وأقسمت بالضحى: والليل إذا سجى أنه ما ودعك ربك وما قلى فلما لم تستجز أن أتركك شهراً ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه: ما ودعك ربك وما قلى أفتستجيز أن تتركني شهراً وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت بنفي تلك التهمة، فناد أنت أيضاً في العالم بنفي هذه التهمة و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، السابع عشر: لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئاً، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقاً، فإنه كان قاطعاً بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام، توقف في أنه بماذا يجيبهم؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذاباً، فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا: إن محمداً مال إلى ديننا، فكأنه تعالى قال: يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلاً، فتدارك إزالة ذلك الباطل، وصرح بما هو الحق و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثامن عشر: أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج: أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال: لا أحصي ثناء عليك، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له: إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و: قل يا أيها الكافرون حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل: ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار التاسع عشر: لو قال له: لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أما لما أمره بأن يقول بلسانه: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذباً، فثبت أنه لما قال له قل: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فلزمه أن يكون منكراً لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه. ولو قال له: لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له: {قُلْ } يقتضي المبالغة في الأنكار، فلهذا قال: {..... لاَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ }، العشرون: ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين وناراً للمشركين و: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } الحادي والعشرون: أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال: إن شافهتهم بالرد تأذوا، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم، فكأنه تعالى قال له: يا محمد لم سكت عن الرد، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم: فإِنا أعطينـك الكوثر وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك الخوف بقولنا: {إنَاْ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ } فلا تلتفت إليهم، ولا تبال بكلامهم، وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثاني والعشرون: أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي، فقلت: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينه:1]فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن أهل الكتاب فيك وطعن المشركين في، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين، وأنت أيضاً هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت: «حديث : اللهم أهد قومي» تفسير : ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت: «حديث : اللهم املأ بطونهم ناراً»تفسير : فههنا أيضاً قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفاً منهم، أو لست خائفاً منهم فأظهر إنكار قولهم: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثالث والعشرون: كأنه تعالى يقول: قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئاً ولا تظهره بلسانك، بل قلت لك على سبيل العتاب: {أية : وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة، وهي أعظم المسائل خطراً بالسكوت، قل بصريح لسانك: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الرابع والعشرون: يا محمد ألست قلت لك: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } تفسير : [الفرقان: 51] ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت: {أية : وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } تفسير : [الأحزاب: 40] / فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلاً أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة. فقل: وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الخامس والعشرون: كأنه تعالى يقول: القوم جاؤك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] ثم إني ناديت في العالمين وقلت: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء منَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 3] فصرح أنت أيضاً بذلك، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، السادس والعشرون: كأنه تعالى يقول: ألست أرأف بك من الولد بولده، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى، فقد جربتني، ألم أجدك يتيماً وضالاً وعائلاً، ألم نشرح لك صدرك، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة، وبعلي علماً، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك، ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف، ألم أعطك الكوثر، ألم أضمن أن خصمك أبتر، ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَالاً يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] فصرح بالبراءة عنها و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السابع والعشرون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست قد أنزلت عليك: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } تفسير : [البقرة:200] ثم إن واحداً لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه، حتى قلت: "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة، فكيف سكت عند التشريك في العبادة! بل أظهر الإنكار، وبالغ في التصريح به، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، الثامن والعشرون: كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يخلق عْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [النحل: 17] فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلاً بل يكون مجنوناً، ثم إني أقسمت وقلت: {أية : ن وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } تفسير : [القلم:1،2] والكفار يقولون: إنك مجنون، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك، وبراءتك عن عيب الجنون و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون التاسع والعشرون: أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية، فمن لا قدرة له ولا علم ألبتة كيف يكون له حق في القيومية، بل ههنا شيء آخر: وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما، والجارية بين إثنين لا تحل لواحد منهما، فإذا لم يجز حصول زوجة لزوجين، ولا أمة بين موليين في حل الوطء فكيف يعقل عابد واحد بين معبودينٰ بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهراً، ثم الثاني شهراً آخر كان كافراً، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافراً فكأنه تعالى يقول لرسوله: إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثلاثون: كأنه تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك: {قُل لاْزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } إلى قوله: {أية : أَجْراً عَظِيماً }تفسير : [الأحزاب:28،29] ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا، فقلت لها: لا تقولي شيئاً حتى تستأمري أبويك، فقالت: أفي هذا استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرةٰ فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري مع أني جبار السموات والأرض: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } الحادي والثلاثون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست أنت الذي قلت: "من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم"، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه: لا تخاف السلطان قال: ولم؟ قال: لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين، لأنه يخالطه العالم الزاهد، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله، وكلاهما خطأ، فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك، لاسيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجي، فأزل عن نفسك هذه التهمة:وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثاني والثلاثون: الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده، وهو مولاك، وحق من هو تحت يدك وهو الولد، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد، فإذا كان حق المولى المجازي مقدماً، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدماً كان أولى، ثم روي أن علياً عليه السلام إستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر وقال: لا آذن لا آذن لا آذن إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله، وبنت حبيب الله، فكأنه تعالى يقول: صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد، فههنا أولى أن تصرح بالرد، وتكرره رعاية لحق المولى فقل: {يا أيها الكافرين لا أعبد ما تعبدون} ولا أجمع في القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو الثالث والثلاثون: يا محمد ألست قلت لعمر: رأيت قصراً في الجنة، فقلت: لمن؟ فقيل: لفتى من قريش، فقلت: من هو، فقالوا: عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر: أو أغار عليك يا رسول الله، فكأنه تعالى قال: خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في أن تدخل قلبك طاعة غيري، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضاً أظهر الامتناع و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، الرابع والثلاثون: أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة، ألم أربك؟ ألم أخلقك؟ ألم أرزقك؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق؟ ثم حين كنت طفلاً عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم لأنها أول المنعم علي، فههنا أولى أن تظهر النفرة فتقول: لا أعبد سوى ربي لأنه أول منعم علي فقل: { يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } الخامس والثلاثون: نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق أفضل الخلق: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } السادس والثلاثون: مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلاً بها، لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فبتقدير أن كنت متصلاً بها، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها، فكيف وما كنت متصلاً بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السابع والثلاثون: هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل: يا محمد لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثامن والثلاثون: أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام: {أية : قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } تفسير : [مريم:18] فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون التاسع والثلاثون: مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول: لأنه كان قيماً فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول: كنت قيماً ولم أتعيب، فكيف يجوز الإعراض عني: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الأربعون: هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان:25] وقال في موضع آخر: {أية : أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلاْرْضِ } تفسير : [فاطر:40] فكأنه تعالى يقول: هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل، لأن البذر مني والتربية والسقي مني، والحفظ مني، فأي شيء للصنم، أو شركة الوجوه وذلك أيضاً باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهوراً مني، أو شركة الأبدان وذلك أيضاً باطل، ون ذلك يستدعي الجنسية، أو شركة العنان، وذلك أيضاً باطل، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيباً من الملك، فكأن الرب يقول: ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزاً من الذبابة: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } تفسير : [الحج:73] فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض، فالتربية والسقي والحفظ مني. ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيباً مني، ما هذا بقول يليق بالعقلاء: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الحادي والأربعون: أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام، ولما كان كل بق وبعوضة داعياً إلى معرفة الذاتي والصفات قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } تفسير : [البقرة:26]، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله، فكأنه تعالى يقول: مثل هذا الشيء كيف يتسحيا منه، روي أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشاً وحمله بنفسه فرآه علي من بعيد فتنكب علي عن الطريق فاستقبله عمر وقال له: لم تنكبت عن الطريق؟ فقال علي: حتى لا تستحي، فقال: وكيف أستحي من حمل ما هو غذائي! فكأنه تعالى يقول: إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك، ثم كأنه تعالى يقول: يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفاً فلست أضعف من بعوضة نمروذ، وإن كنت قوياً فلست أقوى من جبريل، فأظهر الإنكار عليهم و: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الثاني والأربعون: كأنه تعالى يقول يا محمد: قل بلسانك لا أعبد ما تعبدون واتركه قرضاً علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه، ألا ترى أن النصراني إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضاً أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل: يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون الثالث والأربعون: أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } تفسير : [طه: 44] وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيهاً على أنه في غاية الرحمة، فقيل له: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون. أما قوله تعالى: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {ياْ أَيُّهَا }، قد تقدم القول فيها في مواضع، والذي نزيده ههنا، أنه روي عن علي عليه السلام أنه قال: يا نداء النفس وأي نداء القلب، وها نداء الروح، وقيل: يا نداء الغائب وأي للحاضر، وها للتنبيه، كأنه يقول: أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي، ومنهم من قال: أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد، وأي الذي هو للقريب، كأنه تعالى يقول: معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد، لكن إحساني إليك، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [ق: 16] وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب، كأنه يقول: التقصير منك والتوفيق مني، ثم ذكرها بعد ذلك لأن ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت، وتلك الحالة هي النوم، والنائم لا بد وأن ينبه وها كلمة تنبيه، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف. المسألة الثانية: روي في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، قالوا لرسول الله تعالى: حتى نعبد إلهك مدة، وتعبد آلهتنا مدة، فيحصل مصلح بيننا وبينك، وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً، فنزلت هذه السورة ونزل أيضاً قوله تعالى: {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } تفسير : [الزمر:64] فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر، واعلم أن الجهل كالشجرة، والكفر كالثمرة، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه، وههنا سؤالات: السؤال الأول: لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين، وفي الأخرى بالجاهلين؟ الجواب: لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم، فلا بد وأن تكون المبالغة ههنا أشد، وليس في الدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقاً أو مقيداً، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم، كقوله عليه السلام في علم الأنساب: «حديث : علم لا ينفع وجهل لا يضر». تفسير : السؤال الثاني: لما قال تعالى في سورة: (لم تحرم){أية : يا أيها الذين كفروا} تفسير : [التحريم:7]، ولم يذكر قل، وههنا ذكر قل، وذكره باسم الفاعل والجواب: الآية المذكورة في سورة لم تحرم: إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولاً إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين. فلذلك ذكره بلفظ الماضي، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر، وكان الرسول رسولاً إليهم، فلا جرم قال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ }. السؤال الثالث: قوله ههنا: {قُلْ يٰ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } خطاب مع الكل أو مع البعض؟ الجواب: لا يجوز أن يكون قوله: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } خطاباً مع الكل، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } خطاباً مع الكل، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد الله فإذن وجب أن يقال: إن قوله: {با أيها ٱلْكَـٰفِرُونَ } خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى.
القرطبي
تفسير : ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خَلَف؛ لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هَلُمَّ فلنعبدْ ما تعبد، وتَعْبَدْ ما نَعْبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله؛ فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد شرِكتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه؛ فأنزل الله عز وجل {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ }. وقال أبو صالح عن ابن عباس: إنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لَوِ اسْتَلَمْت بعض هذه الآلهة لصدقناك؛ فنزل جبريل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه السورة، فيئسوا منه، وآذَوه؛ وآذَوا أصحابه. والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأيّ؛ لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم. ونحوه عن الماوردّي: نزلت جواباً، وعَنَى بالكافرينَ قوماً مُعَيَّنِين، لا جميع الكافرين؛ لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات أو قُتِل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون. قال أبو بكر بن الأنباريّ: وقرأ من طعن في القرآن: قُلْ لِلَّذِين كَفَرُوا {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على رب العالمين، وتضعيف لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يُذِلّ نبيه للمشركين بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزرِيّ، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لبِ وحِجاً. وذلك أن الذي يدّعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد تأويلاً ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم. فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا: يا أيها الكافرون؛ دليل صحة هذا: أن العربيّ إذا قال لمخاطبه قل لزيد أقبل إلينا، فمعناه قلْ لزيد يا زيد أقبل إلينا. فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى؛ إذ كان الرسول عليه السلام يعتمدهم في ناديهم، فيقول لهم: «يٰأيها الكافرون». وهو يعلم أنهم يغضبون من أن يُنْسبوا إلى الكفر، ويدخلو في جملة أهله إلاَّ وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد، أو تقع به من جهتهم أذِية. فمن لم يقرأ {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ } كما أنزلها الله، أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله إياها، وشرّفه بها. وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم؛ كما تقول: والله لا أفعل كذا، ثم والله لا أفعله. قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء، أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد؛ قال الله تعالى: { أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } تفسير : [الرحمن: 45]. { أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } تفسير : [المطففين: 10]. { أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تفسير : [النبأ: 4 ـ 5]. و{أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً }تفسير : [الشرح: 5-6]. كل هذا على التأكيد. وقد يقول القائل: إِرْمِ إِرْمِ، اعجَلْ اعجَلْ؛ ومنه قوله عليه السلام في الحديث الصحيح: « حديث : فلان آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني » تفسير : . خرّجه مسلم. وقال الشاعر: شعر : هلا سالتِ جموعَ كِندة يومَ ولَّوْا أَيْنَ أَيْنا تفسير : وقال آخر: شعر : يا لَبَكْرٍ أَنْشِرُوا لِي كُلَيْباً يا لَبَكْرٍ أَينَ أَيْنَ الفِرارُ تفسير : وقال آخر: شعر : يا علقمهْ يا علقمهْ يا علقمهْ خيرَ تميم كُلِّها وأَكْرمَهْ تفسير : وقال آخر: شعر : يا أَقرعُ بنُ حابسٍ يا أَقْرَعُ إنكَ إنْ يُصْرَع أَخوكَ تُصْرَعُ تفسير : وقال آخر: شعر : ألاَ يا اسلَمِي ثم اسلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ثَلاَث تَحِيَّاتٍ وإنْ لمْ تَكَلَّمَ تفسير : ومثله كثير. وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تَعبُد آلهتنا ونعبُد إلهَكَ، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، فنجرِي على هذا أبداً سَنَة وسنة. فأجيبوا عن كل ما قالوه بضدّه؛ أي إن هذا لا يكون أبداً. قال ابن عباس: قالت قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم: نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجلٍ بمكة، ونزوّجك مَنْ شئت، ونطأ عقِبَك؛ أي نمشِي خلفَك، وتَكُفُّ عن شتم آلهتنا، فإن لم تفعل فنحن نَعْرِض عليك خَصْلة واحدة هي لنا ولك صلاح؛ تعبدُ آلهتنا (اللات والعُزّى) سنة، ونحن نعبد إلهك سنة؛ فنزلت السورة. فكان التكرار في «لا أعبد ما تعبدون»؛ لأن القوم كرّروا عليه مقالهم مرة بعد مرة. والله أعلم. وقيل: إنما كرّر بمعنى التغليظ. وقيل: أي «لا أعبد» الساعة «ما تعبدون. ولا أنتم عابِدون» الساعة «ما أعبد». ثم قال: «ولا أنا عابِد» في المستقبل «ما عبدتم. ولا أنتم» في المستقبل «عابِدون ما أعبد». قاله الأخفش والمبرّد. وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملوا وثَنا، وسئِموا العبادة له، رفضوه، ثم أخذوا وثَنا غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه، ورفعوا تلك، فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها؛ فأُمِر عليه السلام أن يقول لهم: «لا أعبد ما تعبدون» اليوم من هذه الآلهة التي بين أيديكم. ثم قال: «ولا أنتم عابِدون ما أعبد» وإنما تعبدون الوثن الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن. «ولا أنا عابِد ما عبدتم» أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها، وأقبلتم على هذه. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } فإني أعبد إلهِي. وقيل: إن قوله تعالى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } في الاستقبال. وقوله: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } على نفي العبادة منه لِما عبدوا في الماضي. ثم قال: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } على التكرير في اللفظ دون المعنى، من قِبل أن التقابل يوجب أن يكون: ولا أنتم عابدون ما عبدت، فعدل عن لفظ عبدت إلى أعبد، إشعاراً بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل، مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر. وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله عز وجل. وقال: «ما أعبدُ»، ولم يقل: مَنْ أعبد؛ ليقابل به «ولا أنا عابِد ما عبدتم» وهي أصنام وأوثان، ولا يصلح فيها إلا «ما» دون «مَنْ» فحُمل الأوّل على الثاني، ليتقابل الكلام ولا يتنافى. وقد جاءت «ما» لمن يعقل. ومنه قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا. وقيل: إن معنى الآيات وتقديرها: قل يا أيها الكافرون لا أَعبد الأصنام التي تعبدونها، ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده؛ لإشراككم به، واتخاذكم الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين. فأنا لا أعبد ما عبدتم، أي مثل عبادتكم؛ فـ«ـما» مصدرية. وكذلك «ولا أنتم عابِدون ما أعبد» مصدرية أيضاً؛ معناه ولا أنتم عابدون مثل عبادتي، التي هي توحيد.
البيضاوي
تفسير : مكية، وآيها ست آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.حديث : روي أن رهطاً من قريش قالوا يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت. تفسير : {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي فيما يستقبل فأن لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن {مَا } لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال. {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أي فيما يستقبل لأنه في قران {لاَ أَعْبُدُ }. {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } أي في الحال أو فيما سلف. {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده، ويجوز أن يكونا تأكيدين على طريقة أبلغ وأما لم يقل ما عبدت ليطابق {مَّا عَبَدتُّمْ } لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام، وهو لم يكن حينئذ موسوماً بعبادة الله، وإنما قال {مَا } دون من لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق أو للمطابقة. وقيل إنها مصدرية وقيل الأوليان بمعنى الذي والآخريان مصدريتان. {لَكُمْ دِينَكُمْ } الذي أنتم عليه لا تتركونه. {وَلِىَ دِينِ } ديني الذي أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال، اللهم إلا إذا فسر بالمتاركة وتقرير كل من الفريقين الآخر على دينه، وقد فسر الـ {دِينِ } بالحساب والجزاء والدعاء والعبادة. عَن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك».
ابن كثير
تفسير : هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله تعالى: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ} يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش، وقيل: إنهم من جهلهم، دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} يعني: من الأصنام والأنداد { وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} وهو الله وحده لا شريك له، ف ــــ (ما) ههنا بمعنى (من)، ثم قال: { وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها، ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: { وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئاً من تلقاء أنفسكم؛ كما قال: {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [النجم: 23]. فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه يعبدون الله بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أي: لا معبود إلا الله، ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله، ولهذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} كما قال تعالى: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 41] وقال: {أية : لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} تفسير : [القصص: 55]. وقال البخاري يقال: {لَكُمْ دِينَكُمْ}: الكفر، {وَلِىَ دِينِ}: الإسلام، ولم يقل: ديني؛ لأن الآيات بالنون، فحذف الياء؛ كما قال: {أية : فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78] و {أية : يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80] وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً}تفسير : [المائدة: 64] انتهى ما ذكره. ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد؛ كقوله: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تفسير : [الشرح: 5 ــــ 6] وكقوله: {أية : لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [التكاثر: 6 ــــ 7] وحكاه بعضهم كابن الجوزي وغيره عن ابن قتيبة، فالله أعلم. فهذه ثلاثة أقوال: (أولها) ما ذكرناه أولاً (والثاني) ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } في الماضي { وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } في المستقبل. (الثالث) إن ذلك تأكيد محض. (وثم قول رابع) نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} نفي الفعل؛ لأنها جملة فعلية { وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفي الفعل، وكونه قابلاً لذلك، ومعناه نفي الوقوع، ونفي الإمكان الشرعي أيضاً، وهو قول حسن أيضاً، والله أعلم. وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} على أن الكفر ملة واحدة، فورث اليهود من النصارى، وبالعكس، إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود، وبالعكس؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يتوارث أهل ملتين شتى» تفسير : آخر تفسير سورة قل يا أيها الكافرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ }.
الشوكاني
تفسير : الألف، واللام في: {يا أيها الكافرون} للجنس، ولكنها لما كانت الآية خطاباً لمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره كان المراد بهذا العموم خصوص من كان كذلك؛ لأن من الكفار عند نزول هذه الآية من أسلم وعبد الله سبحانه. وسبب نزول هذه السورة أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إلٰهه سنة، فأمره الله سبحانه أن يقول لهم: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي: لا أفعل ما تطلبون مني من عبادة ما تعبدون من الأصنام. قيل: والمراد فيما يستقبل من الزمان؛ لأن "لا" النافية لا تدخل في الغالب إلاّ على المضارع الذي في معنى الاستقبال، كما أن «ما» لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الحال. {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أي: ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلٰهي. {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } أي: ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه، والمعنى: أنه لم يعهد مني ذلك. {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أي: وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته، كذا قيل، وهذا عل قول من قال إنه لا تكرار في هذه الآيات؛ لأن الجملة الأولى لنفي العبادة في المستقبل لما قدّمنا من أن «لا» لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الاستقبال، والدليل على ذلك أن "لن" تأكيد لما تنفيه "لا". قال الخليل في "لن": إن أصله "لا"، فالمعنى: لا أعبد ما تعبدون في المستقبل، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة إلهي. ثم قال: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } أي: ولست في الحال بعابد معبودكم، ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي. وقيل: بعكس هذا، وهو أن الجملتين الأوليين للحال، والجملتين الأخريين للاستقبال بدليل قوله: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } كما لو قال القائل: أنا ضارب زيداً، وأنا قاتل عمراً، فإنه لا يفهم منه إلاّ الاستقبال. قال الأخفش، والفرّاء: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد. قال الزجاج: نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفيما يستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل. وقيل: إن كل واحد منهما يصلح للحال، والاستقبال، ولكنا نخص أحدهما بالحال، والثاني بالاستقبال رفعاً للتكرار. وكل هذا فيه من التكلف والتعسف مالا يخفى على منصف، فإن جعل قوله: ولا {أعبد ما تعبدون} للاستقبال، وإن كان صحيحاً على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتمّ جعل قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } للاستقبال؛ لأن الجملة اسمية تفيد الدوام، والثبات في كل الأوقات، فدخول النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام، والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحاً للزم مثله في قوله: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } وفي قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } فلا يتمّ ما قيل من حمل الجملتين الأخريين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن الجملة الثانية، والثالثة، والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده منفية كلها بحرف واحد، وهو لفظ لا في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة. وأما قول من قال: إن كل واحد منها يصلح للحال والاستقبال، فهو إقرار منه بالتكرار؛ لأن حمل هذا على معنى، وحمل هذا على معنى مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدلّ عليه دليل. وإذا تقرّر لك هذا، فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر أنهم إذا أرادوا التأكيد كرّروا؛ كما أن مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه؛ لأنه إنما يستدل على ما فيه خفاء، ويبرهن على ما هو متنازع فيه. وأما ما كان من الوضوح، والظهور والجلاء بحيث لا يشك فيه شاك، ولا يرتاب فيه مرتاب، فهو مستغن عن التطويل غير محتاج إلى تكثير القال والقيل. وقد وقع في القرآن من هذا ما يعلمه كل من يتلو القرآن، وربما يكثر في بعض السور، كما في سورة الرحمٰن، وسورة المرسلات، وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : يا لبكر انشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفرار تفسير : وقول الآخر:شعر : هلا سألت جموع كنـ ـدة يوم ولوا أين أينا تفسير : وقول الآخر:شعر : يا علقمة يا علقمة يا علقمه خير تميم كلها وأكرمه تفسير : وقول الآخر:شعر : ألا يا اسلمى ثم اسلمى ثم اسلمى ثلاث تحيات وإن لم تكلم تفسير : وقول الآخر:شعر : يا جعفر يا جعفر يا جعفر إن أك دحداحاً فأنت أقصر تفسير : وقول الآخر:شعر : أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس تفسير : وقد ثبت عن الصادق المصدوق، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات، وإذا عرفت هذا، ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة؛ لأنه يجوز ذلك كما في قوله: سبحان ما سخركن لنا، ونحوه، والنكتة في ذلك أن يجري الكلام على نمط واحد، ولا يختلف. وقيل: إنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. وقيل: إن «ما» في المواضع الأربعة هي: المصدرية لا الموصولة، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا أنتم عابدون عبادتي إلخ، وجملة: {لَكُمْ دِينَكُمْ } مستأنفة؛ لتقرير قوله: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } وقوله: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ }. كما أن قوله: {وَلِىَ دِينِ } تقرير لقوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } في الموضعين، أي: إن رضيتم بدينكم، فقد رضيت بديني، كما في قوله: {أية : لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } تفسير : [الشورى: 15] والمعنى: أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي، كما تطمعون. وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم. وقيل المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأن الدين الجزاء. قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: ليست بمنسوخة؛ لأنها أخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. قرأ الجمهور بإسكان الياء من قوله: {ولي} وقرأ نافع، وهشام، وحفص، والبزي بفتحها. وقرأ الجمهور أيضاً بحذف الياء من ديني وقفاً ووصلاً، وأثبتها نصر بن عاصم، وسلام، ويعقوب، وصلاً ووقفاً. قالوا: لأنها اسم، فلا تحذف. ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ، وإن كانت اسماً. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس: «أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، ولك فيها صلاح، قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلٰهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء الوحي من عند الله: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } إلى آخر السورة، وأنزل الله: {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ } تفسير : إلى قوله: {أية : بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ }تفسير : [الزمر:64- 66]. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن مينا مولى أبي البحتري قال: «لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد هلمّ، فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن، وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصحّ من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصحّ من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً، فأنزل الله: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } إلى آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس أن قريشاً قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلٰهك، فأنزل الله: {قُلْ يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } السورة كلها.
الماوردي
تفسير : {قُل يا أيُّها الكافِرونَ} الآيات، ذكر محمد بن إسحاق أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد. ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى {قل يا أيها الكافرون} فصار حرف الأمر في هذه السورة وسورة الإخلاص والمعوذتين متلوّاً، لأنها نزلت جواباً، عنى بالكافرين قوماً معينين، لا جميع الكافرين، لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول فمنهم المذكورون. {لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدونَ} يعني من الأوثان. {ولا أنتم عابدون ما أَعْبُدُ} يعني الله تعالى وحده، الآيات. فإن قيل: ما فائدة هذا التكرار؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: أن قوله في الأول " لا أعبد" و " لا تعبدون" يعني في الحال، وقوله الثاني: يعني في المستقبل، قاله الأخفش. الثاني: أن الأول في قوله " لا أعبد " و " لا أنتم " الآية يعني في المستقبل، والثاني: إخبار عنه وعنهم في الماضي، فلم يكن ذلك تكراراً لاختلاف المقصود فيهما. فإن قيل: فلم قال " ما أَعْبُدُ " ولم يقل " من أَعبُدُ"؟ قيل: لأنه مقابل لقوله: {ولا أنا عابد ما عَبَدْتُم} وهي أصنام وأوثان، ولا يصلح فيها إلا " ما " دون " من " فحمل الثاني على الأول ليتقابل الكلام ولا يتنافى. {لكم دِينكم ولي دينِ} فيه وجهان: أحدهما: لكم دينكم الذي تعتقدونه من الكفر، ولي ديني الذي أعتقده من الإسلام، قاله يحيى بن سلام. الثاني: لكم جزاء عملكم، ولي جزاء عملي. وهذا تهديد منه لهم، ومعناه وكفى بجزاء عملي ثواباً، قاله ابن عيسى. قال ابن عباس: ليس في القرآن سورة أشد لغيظ إبليس من هذه السورة، لأنها توحيد وبراءة من الشرك.
ابن عطية
تفسير : قرأ أبي بن كعب وابن مسعود: "قل للذين كفروا"، وروي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من عتاة قريش ورجالاتها قالوا للنبي صلى الله عيله وسلم: دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ولنعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعاً، هذا معنى قولهم ولفظهم، لكن للرواة زيادة ونقص، وروي أن هذه الجماعة المذكورة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في هذه المعاني مقامات نزلت السورة في إحداها بسبب قولهم هلم نشترك في عبادة إلهك وآلهتنا، وروي أنهم قالوا: اعبد آلهتنا عاماً، ونعبد إلهك عاماً، فأخبرهم عن أمره عز وجل أن لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدين ما يعبد، فلما كان قوله: {لا أعبد} محتملاً أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم}، أي أبداً وما حييت، ثم جاء قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون به أبداً كالذي كشف الغيب، فهذا كما قيل لنوح صلى الله عليه وسلم: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأما أن هذا في معنيين وقوم نوح عمموا بذلك، فهذا، معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته مع التأكيد والإبلاغ، وزاد الأمر بياناً وتبرياً منهم، وقوله: {لكم دينكم ولي دين} وفي هذا المعنى الذي عرضت قريش نزل أيضاً: {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} تفسير : [الزمر: 64] وقرأ أبو عمرو "ولي ديني" ساكنة الياء، من لي ونصبها الباقون بخلاف كل واحد منهم، والقراءتان حسنتان، وقرأ أبو عمرو: "عابد" و"عابدون" والباقون بفتح العين وهاتان حسنتان أيضاً، ولم تختلف السبعة في حذف الياء من دين، وقرأ سلام ويعقوب: " ديني" بياء في الوصل والوقف، وقال بعض العلماء في هذه الألفاظ مهادنة ما وهي منسوخة بآية القتال.
ابن عبد السلام
تفسير : لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف رسول الله فقالوا يا محمد هلم فلتعبدوا ما نعبد ونعبد ما تعبدون ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدنا خيراً مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فنزلت.
النسفي
تفسير : ست آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله أنهم لا يؤمنون. روي أن رهطاً من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن أشرك بالله غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت، فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم فآيسوا {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي لست في حالي هذه عابداً ما تعبدون {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ } الساعة {مَا أَعْبُدُ } يعني الله {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } ولا أعبد فيما أستقبل من الزمان ما عبدتم {وَلا أَنتُمْ } فيما تستقبلون {عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } وذكر بلفظ ما لأن المراد به الصفة أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، أو ذكر بلفظ «ما» ليتقابل اللفظان ولم يصح في الأول «من» وصح في الثاني «ما» بمعنى «الذي» {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } لكم شرككم ولي توحيدي، وبفتح الياء: نافع وحفص، وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فقال له: حديث : نابذ يا ابن مسعود فقرأ {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } ثم قال له في الركعة الثانية: أخلص. فقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فلما سلم، قال يا ابن مسعود سل تجب تفسير : والله أعلم.
الخازن
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السّورة نزلت في رهط من قريش منهم الحارث بن قيس السّهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وأمية بن خلف قالوا يا محمد هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيراً كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : معاذ الله أن أشرك به غيره تفسير : قالوا فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك قال حديث : حتى أنظر ما يأتي من ربي تفسير : فأنزل الله {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السّورة فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه، وقيل إنهم لقوا العباس، فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه فيما يقول، ولآمنّا بإلهه، فأتاه العباس، فأخبره بقولهم، فنزلت هذه السّورة وقيل نزلت في أبي جهل والمستهزئين ومن لم يؤمن منهم. ومعنى ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرّسالة بجميع ما أوحي إليه فلما قال الله تعالى {قل يا أيها الكافرون} أداه النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه من جبريل عليه السّلام فكأنه صلى الله عليه وسلم قال أمرت بتبليغ جميع ما أنزل الله عليّ، وكان فيما نزل عليه {قل يا أيها الكافرون} وقيل إن النّفوس تأبى سماع الكلام الغليظ الشّنيع من النّظير، ولا أشنع ولا أغلظ من المخاطبة بالكفر فكأنه صلى الله عليه وسلم قال ليس هذا من عندي إنما هو من عند الله عزّ وجلّ وقد أنزل الله عليَّ قل يا أيها الكافرون والمخاطبون بقوله يا أيّها الكافرون كفرة مخصوصون قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون {لا أعبد ما تعبدون} في معنى الآية قولان: أحدهما أنه لا تكرار فيها، فيكون المعنى لا أعبد ما تعبدون لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي ثم قال {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي ولست في الحال بعابد معبودكم {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي وقيل يحتمل أن يكون الأول للحال، والثاني للاستقبال، وقيل يصلح كل واحد منهما أن يكون للحال، والاستقبال، ولكن يختص أحدهما بالحال والثاني للاستقبال لأنه أخبر أولاً عن الحال ثم أخبر ثانياً عن الاستقبال، فيكون المعنى لا أعبد ما تعبدون في الحال ولا أنتم عابدون ما أعبد في الاستقبال وما بمعنى من أي من أعبد ويحتمل أن تكون بمعنى الذي أي الذي أعبد. القول الثاني: حصول التكرار في الآية، وعلى هذا القول يقال إن التكرار يفيد التّوكيد، وكلما كانت الحاجة إلى التّوكيد أشد كان التكرار أحسن، ولا موضع أحوج إلى التوكيد من هذا الموضع لأن الكفار راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مراراً فحسن التوكيد، والتكرار في هذا الموضع لأن القرآن نزل بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التّوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التّخفيف، والإيجاز، وقيل تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن سرك أن ندخل في دينك عاماً فأدخل في ديننا عاماً، فنزلت هذا السّورة جواباً لهم على قولهلم {لكم دينكم ولي ديني} أي لكم كفركم ولي إخلاصي وتوحيدي، والمقصود منه التّهديد فهو كقوله: اعملوا ما شئتم وهذه الآية منسوخة بآية القتال، والله أعلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات {عابدون} وما بعده بالإمالة قتيبة والحلواني عن هشام {ولي الدين} بالفتح: نافع غير إسماعيل وحفص والمفضل وهشام وزمعة عن ابن كثير {وديني} بالإسكان في الحالين: يعقوب وافق سهل وعباس في الوصل. الوقوف: {الكافرون} ه لا {ما تعبدون} ه لا {أعبد} ه ج للتكرار مع العطف {عبدتم} ه لا {أعبد} ه ط {دين} ه. التفسير: هذد السورة تسمى أيضاً سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة. وروي " حديث : من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن"تفسير : فأوّلها العلماء بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إمّا أن يتعلق بالقلب والجوراح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعاً لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ربعاً للقرآن لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام التكاليف كما قال سبحانه {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] يروى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعال حتى نعبد إلهك مدّة وتعبد إلهنا مدّة فيحصل الصلح بيننا وبينك وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً فنزلت هذه السورة ونزل قوله {أية : قل أفغير الله تأمرونّي أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64] فتارة وصفهم بالجهل وتارة خاطبهم بالكفر، فالجهل كالشجرة والكفر كالثمرة، ولكن الكفر أشنع من الجهل، فقد يكون الجهل غير ضارّ كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في علم الأنساب " حديث : علم لا ينفع ولا يضر"تفسير : ولهذا خصت السورة بهذا الخطاب لأنها بأسرها فيهم. وروي عن علي عليه السلام أن " يا " نداء النفس " و" أي" نداء القلب و " ها " نداء الروح. وبوجه آخر " يا " للغائب و " أي " للحاضر و " ها " للتنبيه. كان الله تعالى يقول أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجلهلك بحقي. ثم الخطاب مع جميع الكفار أو مع بعضهم، وعلى الأول يدخله التخصيص لا محالة لأن فيهم من يعبد الله كأهل الكتاب فلا يجوز أن يقول لهم {لا أعبد ما تعبدون} وفيهم من آمن بعد ذلك فلا يجوز أن يخبر عنهم بقوله {ولا أنتم عابدون ما أعبد} وعلى الثاني يكون خطاباً لبعض الكفرة المعهودين الحاضرين وهو الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، ولا يلزم التخصيص فيكون أولى. أما ظاهر التكرار الذي وقع في هذه السورة ففيه قولان: أحدهما أنه للتأكيد وأىّ موضع أحوج إلى التأكيد من هذا المقام فإنهم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما طلبوا منه مراراً، وسكت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجواب فوقع في قلوبهم أنه قد مال إلى دينهم بعض الميل. وروي أنهم ذكروا قولهم تعبد إلهنا مدة ونعبد إلهك مدة مرتين، فأجيبوا مكرراً على وفق قولهم وهو نوع من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد قد يجاب عنه بنفيه مكرراً للاستخفاف وحسم مادة الطمع. القول الثاني: إن الأول للمستقبل وعلامته لا التي هي للاستقبال بدليل أن " لن " نفي للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد. وزعم الخليل أن أصله " لا أن " والثاني للحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي. ثم قال {ولا أنا عابد} في الحال {ما عبدتم ولا أنتم} في الحال بعابدين لمعبودي. وعلى هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس إذا الترتيب أن ينفى الحال أوّلاً ثم الاستقبال، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في الاستقبال فكان الابتداء به أهم. وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سراً خوفاً أو طمعاً، وعبادة الكفار لم تكن معتدّاً بها لأجل الشرك. ولأبي مسلم قول ثالث هو أن ما في الأولين بمعنى الذي، وأما في الآخرين فمصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك، ولا أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين. ووجه رابع وهو أن يحمل الأول على نفي الالتماس الصادر عنهم، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع الجهات كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم رأساً لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض. قوله {ما تعبدون} ليس فيه إشكال إنما الإشكال في قوله {ما أعبد} فأجيب بعد تسليم أن " ما " ليست أعم بأن المراد به الصفة كأنه قيل: لا أعبد الباطل ولكن أعبد الحق أو هي " ما " المصدرية على نحوم ما مر، أو هي للطباق كقوله {أية : وجزاء سيئة سيئة}تفسير : [الشورى: 40] فإن قيل: لما كان المقام مقام التأكيد والمبالغة ولهذا كرر ما كرر فلم لم يقل " لن أعبد " كما قال أصحاب الكهف {أية : لن ندعو من دونه إلهاً} تفسير : [الكهف: 14] قلت: إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة الأصنام لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن متهماً بذلك قط يحتج إلى المبالغة بـ " لن " ثم أوّل السورة لما اشتمل على التشديد البليغ وهو النداء بالكفر والتكرير فاشتمل آخرها على اللطف من بعض الوجوه كأنه قال: قد بالغت في منعكم من هذا الأمر القبيح فإن لم تقبلوا قولي فاتركوني سواء بسواء. قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص. ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن السورة منسوخة بآية القتال. والمحققون على أنه لا نسخ بل المراد التهديد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : [فصلت: 40] وقيل: الدين الجزاء. وقيل: المضاف محذوف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني. وقيل: الدين العبادة.
الثعالبي
تفسير : رُوِيَ في سَبَبِ نزولِ هذه السورةِ؛ عن ابن عباس وغيرِه أن جماعةً من صناديدِ قريشٍ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: دَعْ مَا أَنْتَ فيه ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا، وإن لم تفعلْ هذا فلتعبدْ آلهتَنا، ونَعْبُدُ إلٰهَكَ، حتى نشتركَ؛ فَحَيْثُ كَانَ الخيرُ نِلْنَاه جميعاً، وَرُوِيَ: أنَّ هذه الجماعةَ المذكورةُ هم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأُبيُّ بن خلف، وأبو جهل، وأبناءُ الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يُكْتَبْ له الإسلام، وحُتِّمَ بشقاوَتِه، فأخبرَهم صلى الله عليه وسلم عن أمْرِ اللَّه ـــ عز وجل ـــ أنه لا يعبدُ ما يعبدونَ وأنهم غيرُ عابدِي ما يَعْبُدُ، ولما كان قوله: {لاَ أَعْبُدُ} محتملاً أَن يُرَادَ بهِ الآنَ وَيَبْقَى المستأنَفُ منتظَراً، ما يكونُ فيه من عبادتهِ، جاء البيانُ بقوله: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أي: أبداً، ثمَّ جاء قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} الثاني حَتْماً عليهمْ أنَّهم لاَ يؤمِنُونَ به أبداً، كالَّذِي كَشَفَ الغيبَ، ثم زَادَ الأمْرَ بياناً وتَبَرِّياً منهم قولهُ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} وقَالَ بعضُ العلماءِ: في هذِه الألْفَاظِ مُهَادَنَةٌ ما؛ وهِيَ مَنْسُوخَةٌ.
ابن عادل
تفسير : قال ابن الخطيب: "هذه السورة تسمى سورة البراءة وسورة الإخلاص، والمشفعة". روى الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنه -: "حديث : إنَّها تعدِلُ ثُلثَ القُرآنِ ". تفسير : وروى ابن الأنباري عن أنس - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قل يا أيها الكافرون تَعدلُ رُبُعَ القُرآنِ ". تفسير : وخرج الحافظ عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "حديث : صلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه في صلاة الفجر في سفرٍ، فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} ثم قال صلى الله عليه وسلم: "قَرَأْتُ عَلَيْكُم ثُلثَ القُرآنِ وربعهُ" ". تفسير : [وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "أتُحِبُّ يا جُبير إذا خَرجْتَ سَفَرَاً أنْ تكُونَ مِنْ أمثلِ أصْحَابِكَ هَيْئةً، وأكْثرهمْ زَاداً"؟ قلت: نَعَمْ، فاقْرَأ هذه السُّور الخَمْسَ من أول: {قل يا أيها الكافرون} إلى {قل أعوذ برب الناس}، وافتتِحْ قِرءاتَك بـ "بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ" ". تفسير : قال:] فوالله، لقد كنت غير كثير المال، إذا سافرت أكون أبذَّهُم هيئة، وأقلهم مالاً، فمذ قرأتهنّ صرت من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زاداً، حتى أرجع من سفري ذلك. قال ابن الخطيب: والوجه في أنها تعدل ربع القرآن، هو أن القرآن يشتمل على الأمر بالمأمورات، والنهي عن المحظورات، وكل واحد منها ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح، وهذه السورة مشتملةٌ على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب، فيكون ربع القرآن. وخرج ابنُ الأنباري عن نوفل بن فروة الأشجعي، قال: حديث : جاء رجُل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، قال: "اقرأ عِنْدَ مَنَامِكَ: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} فإنَّها براءةٌ من الشِّركِ" ". تفسير : وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس في القرآن أشدّ غيظاً لإبليس - لعنه الله - من هذه السورة؛ لأنها توحيد، وبراءة من الشرك. وقال الأصمعي: كان يقال لـ {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} المقشقشتان، أي: أنهما تبرئان من النفاق. وقال أبو عبيدة - رضي الله عنه -: كما يقشقش الهناءُ الجرب فيبرئه. قال ابن السكيت: يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف، والجرب في الإبل إذا قفل: قد توسَّف جلده، وتقشّر جلده، وتقشقش جلده. قال ابن عباس - رضي الله عنه -: سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمدُ، هلمّ فلنعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كلِّه، فإن كان ما جئت به خيراً مما بأيدينا، كنّا قد شاركناك فيه، وأخذنا بحظِّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله - عز وجل - {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}، ونزل قوله: {أية : قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ} تفسير : [الزمر: 64]، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين في الحرم، وفيه الملأ من قريش، فقام صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك. وروى أبو صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك، فنزل جبريل - عليه السلام - بهذه السورة فيئسوا وآذوه، وآذوا أصحابه. فإن قيل: لم وصفهم في هذه السورة بالكافرين وفي السورة الأخرى بالجاهلين كما تقدم؟. فالجوابُ: لأن هذه السورة بتمامها نزلت فيهم، فتكون المبالغة فيها أشد فبولغ فيها بالوصف الأشنع، وهو الكفر، لأنه مذموم مطلقاً، والجهل كالشجرة، والكفر كالثمرة فقد يذم عند التقييد، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عِلْمُ الإنْسَانِ عِلمٌ لا يَنْفَعُ، وجَهْلٌ لا يَضُرُّ ". تفسير : فإن قيل: قال في سورة التحريم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الآية: 7]، بغير "قُلْ"، وهنا - جلَّ وعز - ذكر "قُلْ" وذكره باسم الفاعل. فالجواب: أنه في سورة "التحريم" إنما يقال لهم يوم القيامة، وثمَّ لا يكون رسولاً إليهم، فإذا زال الواسطة، ويكونون في ذلك الوقت مطيعين، لا كافرين، فلذلك ذكره بلفظ الماضي. وأما هاهنا فكانوا موصوفين بالكفر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً إليهم، فقال تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}. فأن قيل: هذا خطاب مع الكل، وكان فيهم من يعبد الله تعالى، كاليهود، والنصارى، فلا يجوز أن يقال لهم: {لا أعبدُ ما تَعْبُدُونَ}، ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله: {وَلاَ أنْتُمَ عَابِدُونَ ما أعْبدُ} خطاباً مع الكل؛ لأن في الكفار من آمن، فعبد الله. فالجواب: أن هذا الخطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين، وهم الذين قالوا: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة وأيضاً لو حملنا الخطاب على العموم دخله التخصيص، وإذا حملناه على خطاب المشافهةِ لم يلزم ذلك. فصل قال القرطبي: الألف واللام ترجع إلى معنى المعهود، وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لـ "أي"، لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كُفرهِ، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم؛ ونحوه عن الماوردي: نزلت جواباً وعتاباً وعنى بالكافرين قوماً معينين، لا جميع الكافرين، لأن منهم من آمن، فعبد الله، ومنهم من مات، أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول، وهم المذكورون. فصل قال ابن الأنباري: وقرأ من طعن في القرآن: "قل للذين كفروا، لا أعبد ما تعبدون" وزعم أن ذلك هو الصواب، وذلك افتراء على ربِّ العالمين، وتضعيف لمعنى هذه السورة، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين، بخطابه إياهم بهذا الخطاب المزري، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لُبّ وحجر وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى، وتزيد تأويلاً ليس في باطلهم، وتحريفهم، فمعنى قراءتنا: قل للذين كفروا، يا أيها الكافرون، دليل صحة هذا: أن العربي إذا قال لمخاطبه: قل لزيد: أقبل إلينا، فمعناه، قل لزيد يا زيد أقبل إلينا، فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم، وسقط من باطلهم أحسن لفظ، وأبلغ معنى، إذ كان الرسول - عليه السلام - يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: "يا أيُّها الكَافِرُونَ" وهو يعرف أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفرِ، ويدخلوا في جملة أهله، إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم بدٌ، أو تقع به من جهتهم أذية، فمن لم يقرأ: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}، كما أنزلها الله، أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبيل أهل الإسلام ألاَّ يسارعوا إلى مثلها، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه، التي منحه الله إياها، وشرفه بها. فصل في الكلام على "يا" قال ابنُ الخطيب: روي عن عليّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - أن "يا" نداء النفس، و "أي" نداء القلب و "ها" نداء للروح. وقيل "يا" نداء الغائب، و "أي" للحاضر، و "ها" للتنبيه، كأنه - عزَّ وجلَّ - يقول: أدعوك ثلاثاً، ولا تجبني مرة. قوله: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}. في "مَا" هذه في هذه السورة وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى "الذي". والثانية: فالأمر فيها واضح؛ لأنها غير عقلاء. و "ما" أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري - تعالى - كما في الثانية والرابعة، فاستدلّ به من جوز وقوعها على أولي العلمِ، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي: مثل عبادتي. وقال أبو مسلم: "ما" في الأوليين بمعنى "الذي" والمقصود: المعبود، و "ما" في الأخريين مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم المبنية على الشَّك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال: أنها كلَّها بمعنى "الذي"، أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية، لكان حسناً، حتى لا يلزم وقوع "ما" على أولي العلم، وهو مقتضى من يمنع وقوعها على أولي العلم، كما تقدم. فصل في التكرار في الآية اختلفوا في التَّكرار - هاهنا- هل هو للتأكيد، أم لا؟ وإذا لم يكن للتأكيد فقوله تعالى: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} تأكيد لقوله {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وقوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} ثانياً تأكيد لقوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أولاً. ومثله: {أية : فَبِأَيِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 13]، و {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 15] في سورتيهما، و {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [التكاثر: 3، 4 ]، و {أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} تفسير : [النبأ: 4, 5] وفي الحديث: "حديث : فَلاَ آذَنُ ثُمَّ لا آذنُ، إنَّما فَاطِمةُ بَضعَةٌ منِّي"تفسير : ؛ وقال الشاعر: [مجزوء الكامل] شعر : 5330- هَلاَّ سَألْـتَ جُموعَ كِنْـــ ـــدّةَ يَــوْمَ ولَّــــوْا أيْـــــنَ أيْنَـــا تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 5331- يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَـهْ يَا عَلْقَمَهْ خَيْــرَ تَمِيــمٍ كُلِّهَـــا وأكْرمَــهْ تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 5332- يَا أقَرعُ بْنُ حَابِـسٍ يَا أقْـرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْـــرَعْ أخُـوكَ تُصْــــرَعُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 5333- ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ثَلاثَ تَحِيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِ تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 5334- يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَر إنْ أكُ دَحْــدَاحَــاً فـأنـت أقْصَـــــــرُ تفسير : وقوله: [المديد] شعر : 5335- يَا لَبكْرٍ أنْشِزُوا لِي كُلَيْبَاً يَـا لَبكْــرٍ أيْـنَ أيْـنَ الفِــــرَارُ تفسير : قالوا: والقرآن جاء على أساليب كلام العرب، وفائدة التكرير هنا، قطع أطماع الكفار, وتحقيق الإخباربموافقتهم على الكفر, وأنهم لا يسلمون أبداً. وقيل: هذا على مطابقة قولهم: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك, [ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك]، فنجري على هذا أبداً سنةٌ وسنةً، فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده، أي: أن هذا لا يكون أبداً. وقال جماعة: ليس للتأكيد، فقال الأخفش: "لا أعبدُ" الساعة "مَا تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُم عَابِدُونَ" السنة "ما أعبدُ" فلا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد؛ فزال التوكيد إذ قد تقيد كل جملة بزمان مغاير؛ انتهى. وفيه نظر، كيف يقيد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي عبادته لما يعبدون بزمان؟ هذا مما لا يصح، وفي أسباب النزول أنهم سألوه أن يعبد آلهتهم سنة، فنزلت، فكيف يستقيم هذا؟. وجعل أبو مسلم التغاير بما تقدم عنه، وهو كون "ما" في الأوليين بمعنى "الذي"، وفي الأخريين: مصدرية، وفيه نظر من حيث إن التكرار إنَّما هو من حيث المعنى، وهذا موجود، كيف قدر "مَا". وقال ابن عطية: لما كان قوله: "لا أعْبدُ" محتملاً أن يراد به الآن، ويبقى المستقبل منتظراً ما يكون فيه جاء البيان بقوله: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أبداً وما حييت، ثم جاء قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون أبداً كالذي كشف الغيب، كما قيل لنوح - عليه الصلاة والسلام -: {أية : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ} تفسير : [هود: 36]، فهذا معنى التَّرديد في هذه السورة، وهو بارع الفصاحة، وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته انتهى. وقال الزمخشريُّ: "لا أعبد" أريد به العبادة فيما يستقبل؛ لأن "لا" لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن "أن" لا تدخل إلاَّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى [أنَّ "لَنْ" تأكيد فيما تنفيه "لا". وقال الخليل في "لن": إن أصله:] "لا أن" والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أي: ما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني: لم تعهد مني عبادة صنمٍ في الجاهلية, فيكف ترجى مني في الإسلام؛ {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: وما عبدتم في وقت وما أنا على عبادته. فإن قلت: فهلاَّ قيل: ما عبدت كما قيل: ما عبدتم؟. قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن ليعبد الله - تعالى - في ذلك الوقت. فإن قلت: فلم جاء على "ما" دون "من"؟ قلت: لأن المراد الصفة, كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. وقيل: إن "ما" مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي انتهى. [يعني أنه أريد به الصفة، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة "والشمس وضحاها"]. وناقشه أبو حيَّان، فقال: أما حصره في قوله: لأن "لا" لا تدخل، وفي قوله: إنَّ "مَا" تدخل، فليس بصحيح، بل ذلك غالب فيهما، لا متحتم، وقد ذكر النحاةُ دخول "لا" على المضارع يراد به الحال، ودخول "ما" على المضارع يراد به الاستقبال، وذلك مذكور في المبسُوطات من كتب النحو. ولذلك لم يذكر سيبويه ذلك بأداة الحصر، إنما قال: وتكون "لا" نفياً، لقوله: "نفعل" ولم يقع الفعلُ، قال: "وأمَّا "مَا" فهي نفي، لقوله: هو يفعل إذا كان في حال الفعل. فذكر الغالب فيهما. وأما قوله تعالى: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ}، أي: وما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، فلا يستقيم، لأن "عابدٌ" اسم فاعل قد عمل فيما عبدتم، فلا يفسر بالماضي، إنما يعتبر بالحال، أو الاستقبال، وليس مذهبه في اسم الفاعل مذهب الكسائي، وهشام في جواز إعماله ماضياً. وأما قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته فـ "عَابِدُون" قد أعمله في: "مَا أعبدُ"، فلا يفسر بالماضي. وأما قوله: "وهو لم يكن"، إلى آخره، فسوء أدب على منصب النبوة، وغير صحيح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يزل مُوحِّداً لله تعالى، مُنزِّهاً له عن كل ما لا يليق بجلاله سبحانه مجتنباً لأصنامهم يقف على مشاعر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ويحجّ البيت، وهذه عبادة، وأي عبادة أعظم من توحيد الله تعالى ونبذ أصنامهم، ومعرفة الله - تعالى - أعظم العبادات. قال الله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. قال المفسرون: أي ليعرفون، فسمى الله تعالى المعرفة به عبادة انتهى. قال شهاب الدين: ويجاب عن الأول: أنه من بنى أمره على الغالب، فلذلك أتى بالحصرِ، وأما ما حكاه سيبويه، فظاهر معه، حتى يقوم دليل على غيره، وعن إعماله اسم الفاعل مفسراً له بالماضي بأنه على حكاية الحال، كقوله تعالى: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} تفسير : [الكهف: 18]، وقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة: 72]، وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يزل منزهاً موحداً لله تعالى، فمسلم ذلك. وقوله: "وهذه أعظم العبادات" فمسلم أيضاً، ولكن المراد في الآية عبادة مخصوصة، وهي الصلاة المخصوصة؛ لأنها تقابل بها ما كان المشركون يفعلونه من سجودهم لأصنامهم، وصلاتهم لها، فقابل هذا صلى الله عليه وسلم بصلاته لله تبارك وتعالى، ولكن بقي كلام الزمخشري يفهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً قبل المبعث، وهو مذهب ساقط الاعتبار؛ لأن الأحاديث الصحيحة ترده، وهي: أنه كان يتحنَّثُ، كان يتعبد، كان يصوم، كان يطوف، كان يقف، ولم يقل بخلاف ذلك إلا شذوذ من الناس. وفي الجملة، فالمسألة خلافية، وإذا كان متعبداً فبأي شرع كان يتعبدُ به؟ فقيل: شريعة نوح عليه الصلاة والسلام. وقيل: إبراهيم عليه السلام. وقيل: موسى. وقيل: عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين -، وذلك مذكور في الأصول. ثم قال أبو حيان: والذي أختاره في هذه الجمل أنه نفى عبادته في المستقبل؛ لأن الغالب في "لا" أن تنفى المستقبل، ثم عطف عليه {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} نفياً للمستقبل؛ لأن اسم الفاعل العامل، الحقيقة فيه: دلالته على الحال، ثم عطف عليه {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} نفياً للحال على سبيل المقابلة، فانتظم المعنى، أنه صلى الله عليه وسلم لا يعبد ما يعبدون حالاً، ولا مستقبلاً, وهم كذلك، إذ قد حتم الله موافاتهم على الكفر، ولما قال: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} فأطلق "ما" على الأصنام، قابل الكلام بـ "ما" في قوله: "مَا أعبدُ" وإن كان المراد الله، لأن المقابلة تسوغ فيها ما لا يسوغ في الانفراد وهذا مذهب من يقول: إن "مَا" لا تقع على آحاد أولي العلم، أما من جوز ذلك، وهو منسوب إلى سيبويه، فلا يحتاج إلى استعذار بالتقابل. قال القرطبيُّ: كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملُّوا وثناً، وسئمُوا العبادة له رفضوه، ثم أخذوا وثناً غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه، ورفعوا تلك، فعظموها، ونصبوها آلهة يعبدونها، فأمر أن يقول: {لا أعبدُ مَا تعبدُون} اليوم من هذه الآلهة التي بيْن أيديكم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: {ولا أنتُم عَابدوُنَ مَا أعبدُ} إنما تعبدون الوثنَ الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن، {وَلاَ أنتُمْ عَابِدونَ ما أعبدُ}، فإني أعبد إلهي. قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. أتى بهاتين الجملتين الإثباتيتين بعد جملة منفية لأنه لما ذكر أنّ الأهم انتفاؤه صلى الله عليه وسلم من دينهم، بدأ بالنفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه، فلما تحقق النفيُ رجع صلى الله عليه وسلم إلى خطابه بقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ} مهادنة لهم، ثم نسخ ذلك الأمر بالقتال. وفتح الياء في "لِيَ": نافع وهشام وحفص والبزي بخلاف عنه، وأسكنها الباقون. وحذف "الياء" من "ديني" وقفاً ووصلاً: السبعة، وجمهور القراء، وأثبتها في الحالين سلام ويعقوب، وقالوا: لأنها اسم مثل الكاف في "دينك" والثاني قد تقدم إيضاحه. فصل في الكلام معنى التهديد، كقوله تعالى: {أية : لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} تفسير : [البقرة: 139]، أي: إن رضيتم بدينكم، فقد رضيناه بديننا، ونسخ هذا الأمر بالقتال. [وقيل: السورة منسوخة. وقيل: ما نسخ منها شيء؛ لأنها خبر، ومعنى لكم دينكم: أي جزاء دينكم، ولي دين: أي جزاء ديني، وسمى دينهم ديناً؛ لأنهم اعتقدوه]. وقيل: المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي، أي: لأن الدين الجزاء. وقيل: الدِّين العقوبة، لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 2]، والمعنى: لكم العقوبة من ربِّي، ولي العقوبة من أصنامكم، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام؛ لأنها جمادات، وأما أنتم فيحق عليكم أن تخافوا عقوبة جبَّار السَّماوات والأرض. وقيل: الدين الدعاء، لقوله تعالى: {أية : فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [غافر: 14]، وقوله: {أية : وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} تفسير : [الرعد: 14]. وقيل: الدين العادة؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 5336- تَقُولُ إذَا دَرأتُ لهَا وضِينِي أهَذَا دِينهُ أبَداً ودينِي تفسير : والمعنى: لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشيطان، ولي عادتي من ربي. فصل قال ابن الخطيب: "جرت العادة بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المناكرة، وذلك غير جائز؛ لأن القرآن أنزل ليتدبر فيه، ويعمل بموجبه، فلا يتمثّل به". والله أعلم.
البقاعي
تفسير : لما أخبره في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم، وجب أن يعرض عنه ويقبل بكليته على من أنعم عليه بذلك، فقال معلماً له ما يقول ويفعل: {قل} ولما كان شائنه أعرق الخلق في الضلال والبعد من الخير، قال منادياً له بأداة البعد وإن كان حاضراً معبراً بالوصف المؤذن بالرسوخ: {يا أيها الكافرون} أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدل عليه عقولهم من الاعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ، وهم كفرة مخصوصون وهم من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع، وبما دل عليه التعبير بالوصف دون الفعل، واستغرقت اللام كل من كان على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان، وإنما عبر بالجمع الذي هو أصل في القلة وقد يستعار للكثرة إشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في حياته صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى حقارة الكافر وذلته وإن كان كثيراً - كما يشير إليه جعل كل كلمة منها بحرف من الكوثر كما سيأتي، وفي مناداتهم بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وحميتهم إيذان بأنه محروس منهم علماً من أعلام النبوة. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انقضى ذكر الفريقين المتردد ذكرهما في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره على اختلاف أحوال كل فريق وشتى درجاتهم، وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه وتعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} فهذا طريق أحد الفريقين، وفي قوله: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} إشارة إلى طريق من كان في الطرف الآخر من حال أولئك الفريق إذ ليس إلا طريق السلامة أو طريق الهلاك{أية : فريق في الجنة وفريق في السعير}تفسير : [الشورى: 7]{أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن}تفسير : [التغابن: 2] والسالكون طريق السلامة فأعلى درجاتهم مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم يليهم أتباعهم من صالحي العباد وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل الخصوص منهم والقرب من أحوال من تنسك منهم، ورتبتهم مختلفة وإن جمعهم جامع وهو قوله: {فريق في الجنة} وأما أهل التنكب عن هذا الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضاً، ويضم جميعهم طريق واحد فكيفما تشعبت الطرق فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما، وباختلاف سبل الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت، ذكر كله تفصيلاً لا يبقى معه ارتياب لمن وفق، فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به، وتداولت بيانه الآي من لدن قوله بعد أم القرآن{أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] إلى قوله: {إن شانئك هو الأبتر} أتبع ذلك بالتفاصيل والتسجيل فقال تعالى: {قل يا أيها الكافرون} فبين سبحانه أن من قضي عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك، ولا يقع منه الإيمان أبداً{أية : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}تفسير : [الأنعام: 111] ولو أنهم بعد عذاب الآخرة ومعاينة العذاب والبعث وعظيم تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا وقولهم:{أية : ربنا فارجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل}تفسير : [السجدة: 12] فلو أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول{أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}تفسير : [الأنعام: 128] تصديقاً لكلمة الله وإحكاماً لسابق قدره {أية : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} تفسير : [الزمر:19] فقال لهم: {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} إلى آخرها، فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال، واستمر كل على طريقه{أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}تفسير : [فاطر: 8] {أية : إن عليك إلا البلاغ}تفسير : [الشورى: 48] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما قصد في الكتاب يلح لك وجه تأخيرها - والله أعلم - انتهى. ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه، وأنه لا يبالي بهم بوجه لأنه محفوظ منهم، قال مؤذناً بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة، بادئاً بالبراءة من جهته لأنها الأهم: {لا أعبد} أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن {لا} للمستقبل و {ما} للحال، كذا قالوا، وظاهر عبارة سيبويه في قوله: {لن} نفي لقوله {سيفعل} {ولا} لقوله: {يفعل}، ولم يقع: أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا، كما نقلته عنه في أول البقرة عند{أية : ولن تفعلوا}تفسير : [البقرة: 24] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن فيصير مستقبلاً، فلذا عبر بـ "لا" دون "ما" بشارة بأنه سبحانه يثبته على الصراط المستقيم، ولا يظفرهم به - علماً من أعلام النبوة. ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى الله، عبر بـ "ما" فقال: {ما تعبدون *} أي الآن وفي آتي الزمان من دون الله من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن لأنه لا يصلح للعبادة بوجه. ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من الشرك، والطهارة من وضر الإفك، لأنه من درء المفاسد، فأبلغ في ذلك بما هو الحقيق بحاله صلى الله عليه وسلم، وكانوا هم يعبدون الله تعالى على وجه الإشراك، وكانت العبادة مع الشرك غير معتد بها بوجه، نفى عبادتهم له في الجملة الاسمية الدالة على الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي كل قليل وكثير من حيث إن الفعل نكرة في سياق النفي فقال: {ولا أنتم عابدون} أي عبادة معتداً بها بحيث يكون أهلاً لأن تكون وصفاً ثابتاً. ولما كانوا لا نزاع لهم في أن معبوده عالم، وكانت "ما" صالحة للإطلاق عليه سبحانه وتعالى، عبر فيه أيضاً بها لأن ذلك - مع أنه لا ضرر فيه - أقرب إلى الإنصاف، فهو أدعى إلى عدم المراء أو الخلاف - فقال: {ما أعبد *} أي الآن وما بعده لأن معبودي - وله العلم التام والقدرة الشاملة - أبعدكم عنه فلا مطمع في الوفاق بيننا. ولما كان ما نفى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل فيه الماضي، وكان عدم المشاركة بوجه من الوجوه في زمن من الأزمان أدل على البراءة وأقعد في دوام الاستهانة، وكانوا يعدون سكوته صلى الله عليه وسلم عنهم فيما قبل النبوة عبادة، وكانوا غير مقتصرين على عبادة أصنامهم التي اتخذوها، بل إذا خرجوا من الحرم فنزلوا منزلاً نظروا لهم حجراً ليستحسنوه فيعبدونه، فإن لم يروا حجراً جمعوا شيئاً من تراب وحلبوا عليه شيئاً من لبن وعبدوه ما داموا في ذلك المنزل، وكان ذلك من أشد ما يعاب به من جهة عدم الشباب وأنه لا معبود لهم معين، قال منبهاً على ذلك كله: {ولا أنا عابد} أي متصف بعبادة {ما عبدتم *} أي فيما سلف، لم يصح وصفي قط بعبادة ذلك من أول زمانكم إلى ساعاتنا هذه، فكيف ترجون ذلك مني وأنا لم أفعله ولا قبل النبوة ولا كان من شأني قط. ولما كان هو صلى الله عليه وسلم ثابتاً على إله واحد لم يعبد غيره ولم يلتفت يوماً لفت سواه، وكان قد انتفى عنه بالجملتين هذه الماضية التي أول السورة أن يعبد باطلهم حالاً أو مآلاً، وأن يكون عبده قبل ذلك، وكان ربما ظن ظان أن النفي عنهم إنما هو لعبادة معبوده في الحال، نفى ذلك في الاستقبال أيضاً علماً من أعلام النبوة مع تأكيد ما أفادته الجملة الماضية جرياً على مناهيج العرب في التأكيد قطعاً لآمالهم منه على أتم وجه وآكده لأنه على وجه لا يقدرون عليه لما تفيده كل جملة مع التأكيد من فائدة جديدة مهمة، فقال: {ولا أنتم عابدون} أي عبادة هي لكم وصف معتد به في الحال أو الاستقبال. ولما لم يكن قبل البعث مشهوراً عندهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، عبر بما لا يتوجه لهم إليه إنكار، وهو المضارع الذي ظاهره الحال أو الاستقبال مراداً به ما يشمل الماضي لما ذكر أبو حيان وغيره في سورة الحج عند{أية : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله}تفسير : [الحج: 25] من أنه يطلق المضارع مراداً به مجرد إيقاع الفعل من غير نظر إلى زمان معين، فقال: {ما أعبد *} أي وجدت مني عبادته واتصفت بها الآن وفي ماضي الزمان ومستقبله اتصافاً يعتد به. ولما كان ذلك كله، وبدأ النفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه صلى الله عليه وسلم إيذاناً بالاهتمام ببراءته منهم، أنتج قطعاً مقدماً لما يتعلق بهم على وجه اختصاصهم به تأكيداً لما صرح به ما مضى من براءته منهم: {لكم} أي خاصة {دينكم} أي الذي تعلمون أنه لا أصل له يثبت عليه، ولا دليل يرجع بوجه إليه، لا أشارككم فيه بوجه ولا ترجعون عنه بوجه بل تموتون عليه موتاً لبعضكم حتف الأنف والآخرين قتلاً على يدي بالسيف {ولي} أي خاصة {دين *} من واسع روضة الإسلام إلى أعلى مقام: مقام الإيقان والإحسان، وأنتم تعلمون - لو جردتم عقولكم عن الهوى وأخلصتم أفكاركم من الحمية والإبا - أنه كله دليل وفرقان ونور وحجة وبرهان، لا تشاركونني فيه بوجه، ولا تقدرون على ردّي عنه أصلاً، فكانت هذه علماً من أعلام النبوة من حيث إنه مات منهم ناس كثير بعد ذلك على الكفر وأتم الله له هذا الدين، فصدق سبحانه فيما قال، وثبت مضمون الكوثر بأكمل استدلال، وأما من آمن بعد ذلك فليس مراداً لأنه لم يكن عريقاً في وصف الكفران، ولا راسخاً في الضلال والطغيان، فأسعده وصف الإسلام والإيمان، وساق الجمل كلها غير مؤكد إشارة إلى أنها من الوضوح في حد لا خفاء به أصلاً، ولا شك أن آخرها الذي هو اختصاص كل بدينه هو أولها الذي أفاد أنه لا يعبد معبودهم ولا يعبدون معبوده فصار آخرها أولها، ومفصلها موصلها - هذا هو الذي دل عليه السياق، وليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليحتاج إلى نسخ، ومن أعظم الدلائل إعجازها وجمعها للمعاني في إشارتها وإيجازها أن حاصلها قطع رجاء أهل الكفران من أن يقاربهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعدل بربه أحداً في زمن من الأزمان، وذلك من أعظم مقاصد المناظرة لها في رد الآخر على أول الأنعام لأنها السادسة في العد من الأول، كما أن هذه السادسة في العد من الآخر{أية : أغير الله اتخذ ولياً}تفسير : [الأنعام: 14]{أية : أفغير الله ابتغي حكماً}تفسير : [الأنعام: 114]{أية : أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء}تفسير : [الأنعام: 164] إلى غير ذلك من الآيات، والفواصل والغايات، هذا ما يتعلق بمعاني تراكيبها ونظومها على ما هي عليه وتراتيبها وسياقاتها وأساليبها، وكلماتها الخطية سبع وعشرون إلى أربع كلمات البسملة إحدى وثلاثون إلى أربعة ضمائر مستترة خمس وثلاثون إلى تسعة بارزة، فتلك أربع وأربعون كلمة الضمائر منها ثلاثة عشر هي مدة الإقامة بمكة المشرفة قبل الهجرة لأنها في الخفاء كالضمائر في خزائن السرائر، ولا سيما الأربع الأول منها الموازية لضمائر الاستتار وغير الضمائر إحدى وثلاثون المناظر لها من السنين سنة إحدى وثلاثين، وهي سنة قتل يزدجرد ملك الفرس أكفر الكفرة من أهل ذلك الزمان وأعتاهم، وموافقة كلماتها في العدة لأحرف الكوثر مشيرة إلى أن اليسير من أتباعه صلى الله عليه وسلم أكثر وأكبر من كثير شانئيه وأضداده وحاسديه، وقد دل على ذلك شاهد الوجوه في يوم الفتح والمسلمون عشرة آلاف، والكفار من قريش وممن حولهم لا يحصون كثرة، وقد كان فعلهم في ذلك اليوم ما شهد به اعتذار حماس الذي كان يعد امرأته أن يخدمها بعض المسلمين في قوله وقد فر هارباً ولم يستطع أن يغلق وراءه، بل قال لها: أغلقي بابي، فقالت له: أين ما كانت تعدني به؟ فقال: شعر : إنك لو شهدت يوم الخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمه واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمه ضرباً فلا يسمع إلا غمغمه بهم تهيب خلفنا وهمهمه لم تنطقي باللوم أدنى كلمه تفسير : هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوصاهم ألا يقاتلوا إلا من بدأهم بالقتال. وهذا مع ما كان من أهل الإسلام حين قصدهم الكفار يوم الخندق والمشركون في عشرة آلاف وهم لا يبلغون ربعهم ولا مدد لهم ممن حولهم ولا ناصر إلا الله، بل جاءتهم الأعداء - كما قال الله تعالى:{أية : من فوقهم ومن أسفل منهم}تفسير : [ الأحزاب: 10]{أية : وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}تفسير : [الأحزاب: 22] وإلى هذا أيضاً أشار بلوغ عدد كلمات النصر خطيها واصطلاحيها ظاهرها ومستترها إلى عدد كلمات الكافرون الخطية، فذلك رمز إلى أن أضعف أهل الإسلام لا يضعف عن مقاومة أهل الكفر وأرسخهم في كل صفة يريدها - والله هو الموفق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة {قل يا أيها الكافرون} بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: أنزلت بالمدينة {قل يا أيها الكافرون} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوّجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح. قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة. قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} الآية. وأنزل الله {أية : قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : [الزمر: 64] إلى قوله: {أية : الشاكرين}تفسير : [الزمر: 66]. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك عاماً وترجع إلى ديننا عاماً فأنزل الله {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} حتى انقضت السورة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله {قل يا أيها الكافرون} السورة كلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: كانت هذه السورة تسمى المقشقشة. وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت ثم جاء مقام إبراهيم فقرأ {أية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}تفسير : [البقرة: 125] ثم صلى فقرأ بفاتحة الكتاب و {أية : قل هو الله أحد الله الصمد}تفسير : [الاخلاص: 1] فقال كذلك الله: {لم يلد ولم يولد} قال: ذاك الله {ولم يكن له كفواً أحد} قال: كذلك الله ثم ركع وسجد ثم قرأ بفاتحة الكتاب و {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} قال: لا أعبد إلا الله {ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد} فقال: لا أعبد إلا الله {لكم دينكم ولي دين} ثم ركع وسجد. وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين قرأ فيهما {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد. وأخرج مسلم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة وفي لفظ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بـ {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج ابن الضريس والحاكم في الكنى وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً في غزوة تبوك فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} ويقول: نعم السورتان تعدل واحدة بربع القرآن والأخرى بثلث القرآن. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر بـ {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : من قرأ {قل يا أيها الكافرون} كانت له عدل ربع القرآن ". تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن أبي العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : من قرأ {قل يا أيها الكافرون} فكأنما قرأ ربع القرآن ومن قرأ {قل هو الله أحد} فكأنما قرأ ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج مسدد عن رجل من الصحابة قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين مرة يقول: "حديث : نعم السورتان يقرأ بهما في الركعتين الأحد الصمد و {قل يا أيها الكافرون} ". تفسير : وأخرج أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمر برجل يقرأ {قل يا أيها الكافرون} فقال: "أما هذا فقد برىء من الشرك، وإذا آخر يقرأ {قل هو الله أحد} فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها وجبت له الجنة"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : أما هذا فقد غفر له ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: "حديث : اقرأ {قل يا أيها الكافرون} ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه حديث : عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: إني حديث عهد بشرك فمرني بآية تبرئني من الشرك فقال: "اقرأ {قل يا أيها الكافرون}" تفسير : قال: فما أخطأها أبي من يوم ولا ليلة حتى فارق الدنيا. وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي: "حديث : إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ {قل يا أيها الكافرون} فإنك إذا قرأتها فقد برئت من الشرك ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة قال: قلت يا رسول الله: علمني شيئاً أقوله: عند منامي قال: "حديث : إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ {قل يا أيها الكافرون} حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "حديث : اقرأ {قل يا أيها الكافرون} عند منامك فإنها براءة من الشرك ". تفسير : وأخرج الديلمي عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ {قل يا أيها الكافرون} ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإِشراك بالله، تقرؤون {قل يا أيها الكافرون} عند منامكم ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : إذا أخذت مضجعك فاقرأ {قل يا أيها الكافرون}تفسير : وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ {قل يا أيها الكافرون} حتى يختم. وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} ". تفسير : وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال: من قرأ {قل هو الله أحد} و {قل يا أيها الكافرون} في ليلة فقد أكثر وأطاب. وأخرج الطبراني في الصغير عن علي قال: حديث : لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: "لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره" ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ {قل يا أيها الكافرون} و {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] و {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1] . تفسير : وأخرج أبو يعلى عن جبير بن مطعم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتحب يا جبير إذا خرجت سفراً أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟ قلت: نعم بأبي أنت وأمي. قال: فاقرأ هذه السور الخمس {قل يا أيها الكافرون} و {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] و {قل هو الله أحد} [الاخلاص: 1] و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم"تفسير : قال جبير: وكنت غنياً كثير المال، فكنت أخرج في سفر فأكون من أبذهم هيئة وأقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأت بهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى أرجع من سفري. وأخرج ابن الضريس عن عمرو بن مالك قال: كان أبو الجوزاء يقول: أكثروا من قراءة {قل يا أيها الكافرون} وابرأوا منهم.
ابو السعود
تفسير : مكية وآيُها ست {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ} هم كفرةٌ مخصوصونَ قدْ علمَ الله تعالَى أنَّه لا يتأتَّى منهمْ الإيمانُ أبداً. رُوِيَ أنَّ رهطاً مِنْ عُتاةِ قريشٍ قالُوا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هلمَّ فاتبعْ دينَنَا ونتبعُ دينَكَ تعبدُ آلهتَنَا سنةً ونعبدُ إلٰهَكَ سنةً، فقالَ: « حديث : معاذَ الله أنْ أشركَ بالله غيرَهُ »تفسير : ، فقالُوا: فاستلمْ بعضَ آلهتِنَا نصدقكَ ونعبدَ إلٰهَكَ فنزلتْ، فغدَا إلى المسجدِ الحرامِ وفيهِ الملأُ من قريشٍ فقامَ على رؤوسِهم فقرأَهَا عليهم فأيِسوا {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أيْ فيمَا يُستقبلُ لأَنَّ «لاَ» لاَ تدخلُ غالباً إلاَّ على مُضَارعٍ في مَعْنى الاستقبالِ كما أنَّ مَا لاَ تدخلُ إلاَّ على مضارعٍ في مَعْنى الحالِ والمَعْنى لا أفعلُ في المستقبلِ ما تطلبونَهُ مِنِّي من عبادةِ آلهتكم {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أيْ ولا أنتُم فاعلونَ فيهِ ما أطلبُ منكُم من عبادةِ إلٰهِي {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أيْ وما كنتُ قطُّ عابداً فيمَا سلفَ ما عبدتُم فيه أيْ لم يُعْهدْ مِنِّي عبادةُ صنمٍ في الجاهليةِ فكيفَ تُرْجَى مِنِّي في الإسلامِ {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أيْ وما عبدتُم في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ مَا أنا على عبادتِهِ وقيلَ: هاتانِ الجملتانِ لنفي العبادةِ حالاً كما أنَّ الأولين لنفيها استقبالاً وإنَّما لم يقُلْ ما عبدتُ ليوافقَ ما عبدتُم لأنَّهم كانُوا موسومينَ قبلَ البعثةِ بعبادةِ الأصنامِ، وهُوَ عليهِ السلامُ لم يكُنْ حينئذٍ موسوماً بعبادةِ الله تعَالَى وإيثارُ مَا في أعبدُ على مَنْ لأنَّ المرادَ هُوَ الوصفُ كأنَّه قيلَ: مَا أعبدُ مِنَ المعبودِ العظيمِ الشأنِ الذي لا يُقادَرُ قدرُ عظمتِهِ وقيلَ: إنَّ مَا مصدريةٌ أيْ لا أعبدُه عبادتَكُم ولا تعبدونَ عبادَتِي وقيلَ: الأوليانِ بمَعْنى الذي والأخريانِ مصدريتانِ وقيلَ: قولُه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} تأكيدٌ لقولِه تعَالَى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وقولُه تعالَى: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} ثانياً تأكيدٌ لمثلِه المذكورِ أولاً وقولُه تعالَى: {لَكُمْ دِينَكُمْ} تقريرٌ لقولِه تعَالَى: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وقولِه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} كمَا أنَّ قولَه تعالَى: {وَلِىَ دِينِ} تقريرٌ لقولِه تعالَى: {وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ} والمَعْنى أنَّ دينَكُم الذي هُوَ الإشراكُ مقصورٌ على الحصولِ لكُم لا يتجاوزُهُ إلى الحصولِ لِي أيضاً كما تطمعونَ فيهِ فلاَ تعلقُوا بهِ أمانيَّكُم الفارغةَ فإنَّ ذلكَ مِنَ المُحالاتِ وأنَّ دينيَ الذي هُوَ التوحيدُ مقصورٌ على الحصولِ لي لا يتجاوزُه إلى الحصولِ لكُم أيضاً لأنَّكم علقتمُوه بالمحالِ الذي هُوَ عبادتِي لآلهتِكم أو استلامِي إيَّاها ولأنَّ ما وعدتمُوه عينُ الإشراكِ، وحيثُ كانَ مَبْنى قولِهم: تعبدُ آلهتَنَا سنةً ونعبدُ إلٰهَكَ سنةً على شركةِ الفريقينِ في كلتا العبادتينِ كان القصرُ المستفادُ من تقديمِ المسندِ قصرُ إفرادٍ حتماً ويجوزُ أن يكونَ هذا تقريراً لقولِه تعالَى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أيْ ولِي دِيني لا دينُكم كمَا هُوَ في قولِه تعَالَى: { أية : وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} تفسير : [سورة البقرة الآية 134 و141] وقيلَ: المَعْنى إنِّي نبـيٌّ مبعوثٌ إليكُم لأدعوَكُم إلى الحقِّ والنجاةِ فإذَا لم تقبلُوا مِنِّي ولَمْ تتبعونِي فدعونِي كَفافاً ولا تدعونِي إلى الشركِ فتأملْ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الكافرونَ فكأنَّما قرأَ ربعَ القرآنِ وتباعدتْ عنْهُ مردةُ الشياطينِ وبرىءَ مِنَ الشركِ وتعافَى مِنَ الفزعِ الأكبرِ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}[1] قال: إنَّما ذكر: {قُلْ}[1] جواباً عن سؤال الكفار إياه: "اعبد إلهنا شهراً فنعبد إلهك سنة". فأنزل الله تعالى هذه السورة عند قولهم ذلك، {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}[1] قالوا: ما لك يا محمد.
السلمي
تفسير : قال الحسين: إن الله أورد تكليفه على ضروب: منهم من أسعد بخصائص العبودية كما خاطب به نبيه صلى الله عليه وسلم {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99] إنك لن تبلغ استحقاق العبودية بالجهد، وخطاب تكليف خاطب به الكفار وذاك أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بقوله: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}. من أصنامكم. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ}. "ما" أعبد أي "من" أعبد. {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ}. في زمانكم. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ}. كَرَّرَ اللفظ على جهة التأكيد. {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. أي: لكم جزاؤكم على دينكم، ولي الجزاءُ على ديني. والعبودية القيام بأمره على الوجه الذي به أمَرَ، وبالقَدْر الذي به أمَرَ، وفي الوقت الذي فيه أمَر. ويقال: صِدْقُ العبودية في تَرْكِ الاختيار، ويظهر ذلك في السكون تحت تصاريف الأقدار من غير انكسار. ويقال: العبودية انتفاء الكراهية بكلِّ وجهٍ من القلب كيفما صَرَّفَك مولاك .
البقلي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} اى قل الى وقعت فى بحار القدم الديمومية ولا اشتغل بغيره ابدا قال بعضهم عبادتكم له عبادة وطمع وعبادتى له عبادة حقيقة وعبادتكم عبادة منوة بشرك وعبادتى له عبادة حقيقة وحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل يا أيها الكافرون} قالوا فى مناداتهم بهذا الوصف الذى يسترذلونه فى بلدتهم ومحل عزهم وشوكتهم ايذان بأنه عليه السلام محروس منهم ففيها علم من اعلام النبوة وفى التعبير بالجمع الصحيح دلالة على قلتهم او حقارتهم وذلتهم وهم كفرة مخصوصة كالوليد بن المغيرة وابى جهل والعاص بن وائل وامية بن خلف والاسود ن عبد يغوث والحارث بن قيس ونحوهم قد علم الله انه لا يأتى ولا يتأتى منهم الايمان ابدا على ما هو مضمون السورة فالخطاب للرسول عليه السلام بالنسبة الى قوم مخصوصين فلا يردان مقتضى هذا الامر ان يقول كل مسلم ذلك لكل جماعة من الكفار مع ان الشرع ليس حاكما به روى ان رهطا من عتاة قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك بعبد آلهتنا سنة ونبعد الهك سنة فقال حديث : معاذ الله ان اشرك بالله غيرهتفسير : فقالوا استلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد الهك فنزلت فغدا الى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسوا منه عند ذلك وآذوه واصحابه وفيه اشارة الى الذين ستروا نور استعدادهم الاصلى بظلمة صفات النفوس وآثار الطبيعة فحجبوا عن الحق بالغير.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل يا أيها الكافرون} المخاطَبون كفرة مخصوصون، عَلِمَ الله أنهم لا يُؤمنون. رُوي أنَّ رهطاً من صناديد قريش قالوا: يا محمد هلم تتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان دينك خيراً شَرَكْناك فيه، وإن كان ديننا خيراً شركتنا في أمرنا، فقال: "حديث : معاذ الله أن نُشرك بالله غيره " تفسير : فنزلت, فغدا إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم، فأيسوا. أي: قل لهم: {لا أعْبُدُ ما تعبدون} فيما يُستقبل؛ لأنَّ "لا" إذا دخلت على المضارع خلصته للاستقبال, أي: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، {ولا أنتم عابدون ما أعبدُ} أي: ولا أنتم فاعلون في الحال ما أطلب منكم من عبادة إلهي، {ولا أنا عابد ما عبدتم} أي: وما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، ولم يعهد مني عبادة صنم، فكيف يرجى مني في الإسلام؟ {ولا أنتم عابدون ما أعبدُ} أي: وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته. وقيل: إنَّ هاتين الجملتين لنفي العبادة حالاً، كما أنَّ الأوليين لنفيها استقبالاً. وإيثار "ما" في (ما أعبد) على "من"؛ لأنَّ المراد هو الوصف، كأنه قيل: ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يُقادر قدر عظمته. وقيل "ما" مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي، وقيل: الأوليان بمعنى "الذي"، والأخريان مصدريتان. وقوله تعالى: {لكم دينكُم وليَ دِينِ} تقرير لِما تقدّم، والمعنى: إنَّ دينكم الفاسد، الذي هو الإشراك، مقصور عليكم، لا يتجاوزه إلى الحصول ليّ، كما تطمعون فيه، فلا تُعلِّقوا به أطماعكم الفارغة، فإنَّ ذلك من المحالات، كما أنَّ ديني الحق لا يتجاوزني إليكم، لِما سبق لكم من الشقاء. والقصر المستفاد من تقديم المسند قصر إفراد حتماً. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا طلبت العامةٌ المريدَ بالرجوع، إلى الدنيا والاشتغال بها، يُقال له: قل يا أيها الكافرون بطريق التجريد، والتي هي سبب حصول التوحيد والتفريد، لا أعبدُ ما تعبدون من الدنيا وحظوظها، أي: لا أرجع إليها فيما يُستقبل من الزمان، ولا أنتم عابدون ما أعبدُ من إفراد الحق بالمحبة والعبادة، أي: لا تقدرون على ذلك، ولا أنا عابد ما عبدتم من الدنيا في الحال، لكم دينكم المبني على تعب الأسباب، وليَ ديني المبني على التعلُّق بمسبِّب الأسباب، أو لكم دينكم المكدّر بالوساوس والخواطر والأوهام، ولي ديني الخالص الصافي، المبني على تربية اليقين، أو: لكم دينكم المبني على الاستدلال، ولي ديني المبني على العيان. أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان، كما قال الشاذلي رضي الله عنه. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي {ولي دين} ساكنة الياء. الباقون بفتحها من فتح الياء فلخفة الفتحة ومن أسكنها فانه كره الحركة على حرف العلة. وقرأ {ديني} بياء في الحالين يعقوب. الباقون بلا ياء فيهما. من أثبت الياء، فلانها الاصل. ومن حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. وقيل: إن هذه السورة نزلت جواباً لقول جماعة من المشركين دعوا النبي صلى الله عليه واله إلى أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا هم إلهه سنة. وفيهم نزل قوله {أية : أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون}تفسير : هذا قول ابن عباس. وقيل: إنهم قالوا: نشركك فى أمرنا، فان كان الذي فى أيدينا خيراً كنت قد أخذت بحظ منه، وإن كان الذي فى يدك خيراً قد أخذنا بحظ منه. وقيل: إن الذي قال ذلك الوليد ابن المغيرة والعاص ابن وائل والاسود ابن المطلب وأمية ابن خلف. وقيل: إنهم قالوا: نتداول العبادة ليزول ما بيننا من البغضاء والعداوة، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} ومعناه لا أعبد ما تعبدون لفساد عبادة الأوثان، ولا أنتم عابدون ما أعبد لجهلكم بوجوب اخلاص العبادة لله، لان العقل يقتضي أنه صلى الله عليه وآله لهذا امتنع وامتنعوا، وإنما كرر ذكر العبادة لتصريفها فى الفوائد المختلفة وقد نفى عبادة المؤمن للوثن كيف تصرفت الحال فى ماض أو حاضر أو مستقبل لقبحها، ونفي عبادة الكافر لله مع إقامته على الجهل بوجوب إخلاص العبادة له. وقيل: فى وجه التكرير فى السورة أن ظاهر ذلك وإن كان تكريراً، فليس فى الحقيقة تكريراً أصلا، ولا تكرير فى اللفظ إلا فى موضع واحد سنبينه بعد بيان المعنى إن شاء الله، وذلك أن قوماً من المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله مناقلة العبادة سنة يعبدون فيها ما يعبده صلى الله عليه وآله وسنة يعبد هو ما يعبدون لزوال العادة بوقوع العبادة على هذه الجهلة فجاء الكلام على طريق الجواب لانكار ما سألوا، فقيل {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} وهذا نفي منه لما يعبدون في الاستقبال ثم قال {ولا أنا عابد ما عبدتم} على نفي العبادة لما عبدوا في الماضي، وهذا واضح في أنه لا تكرير في لفظه ولا معناه. وقوله {ولا أنتم عابدون ما أعبد} فعلى التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن معناه ولا أنتم عابدون ما عبدت إلا انه عدل بلفظه إلى اعبد للاشعار أن ما عبدت هو ما أعبد، واستغني بما يوجبه التقابل من معنى عبدت عن الافصاح به. وعدل عن لفظه لتضمين معنى آخر فيه، وكان ذلك اكثر في الفائدة وأولى بالحكمة، لانه دل على (عبدت) دلالة التصريح باللفظ فان قيل فهلا قال: ما عبدت ليتقابل اللفظ، كما تقابل المعنى؟ قيل: هو في حكم التقابل في اللفظ من حيث هو دال عليه إلا انه عدل عن الافصاح به للاشعار بأن معبوده واحد كيف تصرفت الحال، وكان هذا أبعد في الايهام أن معبوده فيما مضى غير معبوده فيما يستقبل. وقد يجوز في الماضي والمستقبل ان يقع أحدهما موقع الآخر إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كما قال {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار}تفسير : على معنى ينادون، ومنه قولهم: يدعوهم ابن رسول الله فلا يجيبونه، ويدعوهم ابن زياد إلى الباطل فيسرعون اليه. فان قيل: فهلا دل على اختلاف المعنى باختلاف اللفظ إذ هو الاصل في حسن البيان؟ قيل: إن التقابل في ذلك قد صير اللفظ في حكم المختلف، لأنه مقيد به، ودلالة المقيد خلاف دلالة المطلق نحو: زيد قائم بالتدبير على خلاف معنى زيد قائم. فان قيل: فهلا دل على ذلك من أصول مختلفة إذ هو أدل على خلاف المعنى بصريح الجهة؟ قيل: إنه لما أريد نفي العبادة على تصريف الأحوال صرف لفظ العبادة لتصريف المعنى، ولم يصلح فيه أصول مختلفة، لئلا يوهم النفي نفي معنى غير تصريف عبادة الله على الوجوه والاسباب كلها، وكان تصريف لفظ العبادة لتصريف معناها أحق وأولى من تصريف معناها في غير لفظها لما فيه من التشاكل المنافي للتنافر، ولفظة {الكافرون} في السورة مخصوصة بمن علم الله من حاله أنه يموت على كفره. ولا يجوز ان يكون المراد العموم لأنا علمنا دخول كثير ممن كان على الكفر ثم دخل في الاسلام، وقيل: ان الالف واللام في الاية للمعهود، لأن (أيا) لا يوصف إلا بالجنس، فخرج اللفظ على الجنس من حيث هو صفة لـ (أي) ولكن (أيا) للمخاطبين من الكفار بأعيانهم فآل الى معنى المعهود في انه يرجع إلى جماعة بعينها، ونحوه يا أيها الرجال ادخلوا الدار، فلم تأمر جميع الرجال، ولكن أمرت الذي أشرت اليهم باقبالك عليهم. وقيل: يجوز أن تكون الآية عامة، والتقدير ولا أنتم عابدون ما أعبد بالشرط الذي ذكرتموه من أني أعبد إلهكم، لان هذا الشرط لا يكون ابداً، ولكن يجوز أن يؤمنوا فيما بعد بغير هذا الشرط. فان قيل: ما فائدة الكلام؟ قيل الانكار لما لا يجوز من مناقلة العبادة على ما توهمه قوم من الكفار لتقوم الحجة به من جهة السمع كما كانت من جهة العقل مع الاعجاز الذي فيه. فان قال قائل: من أي وجه تضمن الاعجاز؟ قيل: له من جهة الاخبار بما يكون في مستقبل الأوقات مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي الله إلى من يشاء من العباد، فوافق المخبر بما تقدم به الخبر، وفي ذلك أكبر الفائدة وأوضح الدلالة. فان قيل: ما معنى {لكم دينكم ولي دين}؟. قيل معناه لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبك بجزاء دينهم وبالا وعقاباً كما حسبك بجزاء دينه نعيماً وثواباً. فان قيل: لم لا ذكرت الحجة في أن ما يدعون اليه لا يجوز. قيل له: تقبيحاً لها من حيث أخرجت مخرج مقالة يكفي العلم بفسادها، حكايتها مع الاستغناء بما في العقول عن الدلالة على بطلانها. فان قيل: فهلا أنكر عليهم من طريق أن كل ما دعوا اليه لا يجوز للايجاز؟ قيل: لانه إنكار متصل على حد ما يسألوا ولو أنكر انكاراً مجملا لم يبين به تفصيل ما سألوه إلا بأن يحكى على انفراده. ثم يحمل الانكار به فحينئذ يفهم منه معنى المفصل. فان قيل: فهلا بين ذكرهم بصفة غير منكر؟ قيل: قد بين ذلك بعلم التعريف له إلا أنه بصفات الذم التي فيها معنى الزجر وهي دالة على احوالهم فيما دعوا له من الباطل، وتقحموا من أحوال الجاهل. فان قيل: فلم قال {لكم دينكم ولي دين} مع ما يقتضي ظاهره التسليم؟ قيل: مظاهرة في الانكار، كما قال تعالى {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : لما صاحبه من الدليل على التمكين وشدة الوعيد بالقبح لانه إذا اخرج الكلام مخرج التسليم للامر دل على أن الضرر لا يلحق إلا المسلم اليه، فكأنه قيل له: اهلك نفسك إن كان ذلك خيراً لك. فان قال: فلم قيل: ولا انتم عابدون ما أعبد، ولم يقل من أعبد؟ قيل له: لانه مقابل لقوله {ولا أنا عابد ما عبدتم} من الاصنام، ولا يصلح ها هنا إلا (ما) دون (من) لأنه يعني ولا أنا عابد ما عبدتم من الاصنام ثم حمل الثاني على الاول للتقابل حتى لا يتنافر. وقيل: ان معناه ولا أنا عابد عبادتكم ولا انتم عابدون عبادتي، لان عبادته متوجهة إلى الله، وعبادتهم متوجهة إلى الاصنام فـ (ما) ها هنا مع ما بعدها بمنزلة المصدر. فان قيل: فلم انكر ما لا يجوز فى الحكمة بألين النكير مع خروجه إلى أفحش القبح؟ قيل: ليس ذلك بألين النكير فى المعنى وإن خرج لفظه ذلك المخرج، لأنه إنما عومل تلك المعاملة ليجعل فى حيز ما يكفي فيه التنبيه، حتى يظهر انه أقبح قبيح وهذا ضرب من البلاغة عجيب يفهمه كل عاقل له أدنى فطنة. ويعلم موضعه فى الحكم فان قيل: ما الدليل على ان تأويل السورة ما ذكرتم دون غيره من التأويلات قيل: الدليل على ان ذلك الكلام إذا احتمل وجهين فصاعداً فى اللغة، وأحد الوجهين يجوز، والآخر لا يجوز، وجب ان يكون تأويله ما يجوز عليه تعالى ويليق به دون ما لا يليق به ولا يجوز عليه، تعالى الله.
الجنابذي
تفسير : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}روى "حديث : انّ نفراً من قريش اعترضوا لرسول الله (ص) فقالوا: يا محمّد (ص) هلمّ نعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشرك نحن وانت فى الامر؟ فقال: معاذ الله ان اشرك به غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد الهك، فقال: حتّى انظر"تفسير : ، فنزلت السّورة فأيس قريشٌ من محمّدٍ (ص) وتصديقه، وقد مضى فى الفصل السّادس من فصول اوّل الكتاب انّ القارى ينبغى ان يجاهد حتّى يشاهد او يتّحد مع خلفاء الله او مع فعل الله فيصير لسانه لسان الله او لسان خلفائه، فيصير حين قراءة امثال هذه السّورة عن مخاطبات الله آمراً من الله بل يصير امره امر الله؛ فاعلم انّ الانسان لكونه مختصراً من جميع العوالم وفيه لطائف جميع العوالم ولطائف جميع مقامات الانبياء والاولياء(ع) ينبغى ان يجاهد وقت قراءته حتّى يصير لسانه لسان الله او لسان وسائط الوحى ويصير سمعه سمع اللّطيفة النّبويّة فاذا قال: قل، يصير ذلك القول امراً من الله باللّسان المنسوب الى الله او الى الملك المبلّغ من الله ويصير المستمع لطيفته النّبويّة فيتمثّل الامر ويخاطب كفّار وجوده من القوى البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة بعد ابائهم عن اتّباعه واصرارهم على كفرهم وعبادتهم اصنامهم الّتى هى اهويتهم وبعد دعوتهم نبيّهم الّذى هو لطيفته النّبويّة الى موافقتهم فيقول: يا ايّها الكافرون.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا أبو القاسم الحسني قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا محمد بن الحسن بن إبراهيم قال: حدثنا علوان بن محمد قال: حدثنا داود بن أبي داود عن أبيه قال: حدثنا أبو حفص الصائغ: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أية : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} تفسير : [74/ إسراء] قال: تفسيرها قال قومه تعالِ حتى نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة. قال: فأنزل الله عليه: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} إلى آخر السورة.
الأعقم
تفسير : {قل يأيها الكافرون} {لا أعبد ما تعبدون} السورة نزلت في رهط من قريش الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، والحارث بن قيس، والأسود بن عبد يغوث، دعوا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الى أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنَة فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : معاذ الله أن أشرك بالله شيئاً" تفسير : وفيهم نزل قوله: {أية : أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} تفسير : [الزمر: 64] وقد أكثر المفسرون في تكرير هذه الآيات فقيل: التكرير تأكيداً لحسم أطماعهم من عبادة الهتهم، وقيل: القرآن نزل بلغة العرب وهم قد يكررون للتأكيد والافهام وذلك مذهب لهم معلوم، وقيل: لأن القوم كرروا فيه مقالتهم كرة بعد كرة، وقيل: الأول للحال والثاني للاستقبال، وتدل السورة على معجزة لنبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا خبر عن حالهم وكان كما أخبره، وقول من يقول هو تأكيد احتج بقول الشاعر: شعر : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم تفسير : وقد قيل: ان قريشاً سألوا أن يعبد آلهتهم سنة وان يعبدوا إلهه سنة فأمره أن يجيب بقوله: {لا أعبد ما تعبدون} {ولا أنتم عابدون ما أعبد} ثم سألوه ذلك مرة اخرى بأن يستلم بعض الهتهم ليسلموا فأمره بأن يجيب {لا أعبد} فإنما كرر لاختلاف الوقتين والقرآن نزل شيئاً بعد شيء، ومتى قيل: الخطاب لجميع الكفار، قلنا: لا بل لقوم خاص علم انهم لا يؤمنون {لكم دينكم ولي دين} لكم شرككم ولي توحيدي، والمعنى اني نبي مبعوث اليكم لأدعوكم الحق والنجاة فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فدعوني كفافاً ولا تدعونني الى الشرك، وقيل: لكم جزاء أعمالكم ولي جزاء عملي، وهذا لا نسخ فيه، وقيل: ان السورة لا تكون منسوخة، كما روي عن بعض المفسرين انها منسوخة، ومنهم من لا يجوز نسخها لأنها خبر، والنسخ يدل على الأمر والنهي، وذهب جماعة الى انها منسوخة بآية السيف والله أعلم.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الكافرين، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أي: من الأوثان {وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: إنكم تعبدون الأوثان ولا تعبدون الله. {وَلآ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أي من الأوثان. قال: {وَلآ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي: إنكم تعبدون الأوثان ولا تعبدون الله {لَكُمْ دِينُكُمْ} أي: الكفر {وَلِيَ دِينِ} أي: الإِسلام.
اطفيش
تفسير : {قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إلى آخر السورة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المسجد الحرام فقام على رؤوس أولئك الملأ وقرأها عليهم فآيسوا منه وأذوه وأصحابه رواه ابن عباس وأنهم قالوا دع دينك نملكك علينا ونمولك وإلا فاعبد آلهتنا سنة إلى آخر ما مر ومن هؤلاء أبي بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج، وروي أنهم لقوا العباس فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه فأخبره صلى الله عليه وسلم العباس فنزلت السورة وفي ذلك دليل على أن السورة مكية وقيل نزلت في أبي جهل والمستهزئين ومن لم يؤمن بدون تلك القصة وعلى كل حال فالخطاب لمشركين مخصوصين علم الله أنهم لا يعبدونه وإننا تلا عليهم قل لأنه من نفس السورة كما يعلمه من حال جبريل وقوله فإنه لا يلبسه عليه غير القرآن بالقرآن فلم يسقطه وفي ذكره إعلام لهم أنه مأمور بذلك القول من عند الله وإن الأمر جد من عند الله من كونهم لا يؤمنون.
اطفيش
تفسير : نداء للعموم أو لكفار مخصوصين أعلمه الله تعالى أنهم أشقياء لا يؤمنون، الوليد بن المغيرة والحارث بن قيس والأسود بن عبد يغوث والعاصى بن وائل والأَسود بن المطلب بن أسد وأُمية بن خلف قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، فيشفع الصالح عند الله منك أو منا فى المبطل وأخذ حظه مما أصاب من العبادة الحقة عند الله عز وجل، أو قالت عتاة من قريش من المستهزئين وأبى جهل ومن لم يؤمن: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال معاذ الله أن أعبد غير الله تعالى فقالوا استلم بعض آلهتنا نعبد إلهك فقال لا، ومن قال مال النبى إلى مسحها ليسلموا فنهاه الله تعالى فترك فقد كفر، وفى رواية استلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك قال حتى أنظر ما أتى من ربى فأَنزل الله تعالى: قل يا أيها.. الخ وقوله حتى أنظر ما يأتينى من ربى موضوع إذ لا يتوقف حاشاه فى منع المسح ولذلك أسقط فى بعض الروايات كما سقط فى رواية أنهم قالوا للعباس لو استلم ابن أخيك بعض آلهتنا لصدقناه وآمنا بإلهه، وعلى كل حال فى ذلك نزلت السورة أو كان ذلك جميعاً فنزلت وعلى كل حال لما نزلت غدا إلى المسجد فقرأها عليهم وهم مجتمعون لم يخفهم ولم يكترث بهم بإذن الله عز وجل، فأيسوا واشتد إيذاؤهم للمؤمنين ولا مانع من أن يقع أحد الخبرين قبل الآخر فتنزل ويعاند أصحاب الخبر الآخر أو يرجعون أن يقبل رأيهم وكان خطابهم بالنداءِ أولاً ليقبلوا عليه ولا يفوتهم شىء مما يقول وكان النداء بالكافرون لا بمن كفروا أو يا أيها الذين كفروا لأن الكفر فيهم قديم راسخ أو لأَن المراد أشقياء مخصوصون لا يؤمنون أو للاختصار ليصل بسرعة إلى لفظ لا أعبد...الخ الذى هو المقصود بالذات ولأن الكفر كله ملة واحدة فى البطلان ولو قال يا أيها المشركون لاختص اللفظ على حسب الظاهر وعلى حسب الحال بمن يعبد الأصنام ولأن اسم الكفر أشد فى نفسه وأشد عليهم فى التعميم وفى عدم الاكتراث بالكافرين مطلقاً وفى الإياس منه.
الالوسي
تفسير : قال أجلة المفسرين المراد بهم كفرة من قريش مخصوصون قد علم الله تعالى أنهم لا يتأتى منهم الإيمان أبداً أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» عن سعيد بن ميناء مولى أبـي البختري قال لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } حتى انقضت السورة. وفي رواية حديث : أن رهطاً من عتاة قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال عليه الصلاة والسلام معاذ الله تعالى أن أشرك بالله سبحانه غيره فقالوا فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت فعدا صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام عليه الصلاة والسلام على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسواتفسير : . ولعل نداءهم بيا أيها للمبالغة في طلب إقبالهم لئلا يفوتهم شيء مما يلقى إليهم وبالكافرون دون الذين كفروا لأن الكفر كان دينهم القديم ولم يتجدد لهم أو لأن الخطاب مع الذين يعلم استمرارهم على الكفر فهو كاللازم لهم أو للمسارعة إلى ذكر ما يقال لهم لشدة الاعتناء به، وبه دون المشركين مع أنهم عبدة أصنام والأكثر التعبير عنهم بذلك لأن ما ذكر أنكى لهم فيكون أبلغ في قطع رجائهم الفارغ. وقيل هذا للإشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة ولا يبعد أن / يكون في هذه الإشارة إنكاءً لهم أيضاً. وفي ندائه عليه الصلاة والسلام بذلك في ناديهم ومكان بسطة أيديهم دليل على عدم اكتراثه عليه الصلاة والسلام بهم إذ المعنى قل يا محمد والمراد حقيقة الأمر خلافاً لصاحب «التأويلات» للكافرين يا أيها الكافرون.
سيد قطب
تفسير : لم يكن العرب يجحدون الله ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه. أحد. صمد. فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء. أو يرمزون بها إلى الملائكة.. وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن بينه ـ سبحانه ـ وبين الجنة نسباً، أو ينسون هذا الرمز ويعبدون هذه الآلهة، وفي هذه الحالة أو تلك كانوا يتخذونها لتقربهم من الله كما حكى عنهم القرآن الكريم في سورة الزمر قولهم: {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }.. تفسير : ولقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا يعترفون بخلق الله والسماوات والأرض، وتسخيره للشمس والقمر، وإنزاله الماء من السماء كالذي جاء في سورة العنكبوت: {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله}.. {أية : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله }.. تفسير : وفي إيمانهم كانوا يقولون: والله وتالله. وفي دعائهم كانوا يقولون: اللهم.. الخ. ولكنهم مع إيمانهم بالله كان هذا الشرك يفسد عليهم تصورهم كما كان يفسد عليهم تقاليدهم وشعائرهم، فيجعلون للآلهة المدعاة نصيباً في زرعهم وأنعامهم ونصيباً في أولادهم. حتى ليقتضي هذا النصيب أحياناً التضحية بأبنائهم. وفي هذا يقول القرآن الكريم عنهم في سورة الأنعام. {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا هذا لله ـ بزعمهم ـ وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله. وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه، فذرهم وما يفترون. وقالوا: هذه أنعام وحرث حِجر لا يطعمها إلا من نشأ ـ بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه. سيجزيهم بما كانوا يفترون، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم. وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله. قد ضلوا وما كانوا مهتدين }. تفسير : وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وأنهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية، لأن اليهود كانوا يقولون: عزير ابن الله. والنصارى كانوا يقولون: عيسى ابن الله. بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من الله ـ بزعمهم ـ فكانوا يعدون أنفسهم أهدى. لأن نسبة الملائكة إلى الله ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى.. وكله شرك. وليس في الشرك خيار. ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقاً! فلما جاءهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إن دينه هو دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ قالوا: نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطة وسطا بينهم وبينه؛ وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم بالله مع عبادة آلهة أخرى معه.. لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق.. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة وتفرق نهائياً بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير: {قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين}. نفي بعد نفي. وجزم بعد جزم. وتوكيد بعد توكيد. بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد.. {قل}.. فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر الله وحده. ليس لمحمد فيه شيء. إنما هو الله الآمر الذي لا مرد لأمره، الحاكم لا راد لحكمه. {قل يا أيها الكافرون}.. ناداهم بحقيقتهم، ووصفهم بصفتهم.. إنهم ليسوا على دين، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون. فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق.. وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال! {لا أعبد ما تعبدون}.. فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم.. {ولا أنتم عابدون ما أعبد} فعبادتكم غير عبادتي، ومعبودكم غير معبودي. {ولا أنا عابد ما عبدتم}.. توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الاسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها. {ولا أنتم عابدون ما أعبد}.. تكرار لتوكيد الفقرة الثانية. كي لا تبقي مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد! ثم إجمال لحقيقة الافتراق الذي لا التقاء فيه. والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه: {لكم دينكم ولي دين}.. أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق!!! مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق.. ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق. الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق. إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر.. ولا يلتقيان.. التوحيد منهج يتجه بالإنسان ـ مع الوجود كله ـ إلى الله وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان، عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله، الله وحده بلا شريك. ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس. غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية.. وهي تسير.. وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية. وضرورية للمدعوين.. إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان. وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلاً. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها، قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد.. وهذا الإغراء في منتهى الخطورة! إن الجاهلية جاهلية. والإسلام إسلام. والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصوراً ومنهجاً وعملاً. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام. لا ترقيع. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق.. مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام، أو ادعت هذا العنوان! وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس. شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير! وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح.. {لكم دينكم ولي دين}.. وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم.. ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة، وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة، ثم طال عليهم الأمد {أية : فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}.. تفسير : وأنه ليس هناك أنصاف حلول، ولا التقاء في منتصف الطريق، ولا إصلاح عيوب، ولا ترقيع مناهج.. إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان، الدعوة بين الجاهلية. والتميز الكامل عن الجاهلية.. {لكم دينكم ولي دين}.. وهذا هو ديني: التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه، وعقيدته وشريعته.. كلها من الله.. دون شريك.. كلها.. في كل نواحي الحياة والسلوك. وبغير هذه المفاصلة. سيبقى الغبش وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع.. والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة. إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح.. وهذا هو طريق الدعوة الأول: {لكم دينكم ولي دين}..
ابن عاشور
تفسير : افتتاحها بــــ {قلْ} للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير جوابٍ عن سؤال منها: { أية : قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لِلَّه } تفسير : في سورة الجمعة (6). والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور: { أية : قل أوحي } تفسير : [الجن: 1]، وسورة الكافرون، وسورة الإخلاص، والمعوّذتان، فالثلاث الأول لقول يبلِّغه، والمعوّذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه. والنداء موجه إلى الأربعة الذين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} كما سيأتي. وابتدىء خطابهم بالنداء لإِبلاغهم، لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم. ونُودوا بوصف الكافرين تحقيراً لهم وتأييداً لوجه التبرؤ منهم وإيذاناً بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يَكرهون مما يثير غضبهم لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم. قال القرطبي: قال أبو بكر بن الأنباري: إن المعنى: قل للذين كفروا يا أيها الكافرون أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: يا أيها الكافرون، وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر. فقوله: {لا أعبد ما تعبدون} إخبار عن نفسه بما يحصل منها. والمعنى: لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقاً لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال فإذا دخل عليه (لا) النافية أفادت انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في «الكشاف»، وهو قول جمهور أهل العربية. ومن أجل ذلك كان حرف (لَن) مفيداً تأكيد النفي في المستقبل زيادة على مطلق النفي، ولذلك قال الخليل: أصل (لَن): لا أنْ، فلما أفادت (لا) وحدها نفي المستقبل كان تقدير (أنْ) بعد (لا) مفيداً تأكيد ذلك النفي في المستقبل فمن أجل ذلك قالوا إن (لن) تفيد تأكيد النفي في المستقبل فعلمنا أن (لا) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل. وخالفهم ابن مالك كما في «مغني اللبيب»، وأبو حيان كما قال في هذه السورة، والسهيلي عند كلامه على نزول هذه السورة في «الروض الأنف». ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى الخطاب، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة. ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله: {ولا أنتم عابدون}، أي ما أنتم بمغيِّرين إشراككم الآن لأنهم عرضوا عليه أن يبتدِئوا هُم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبي صلى الله عليه وسلم سنة. وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ. وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك فكان قوله هذا من دلائل نبوته نظير قوله تعالى: { أية : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } تفسير : [البقرة: 24] فإن أولئك النفر الأربعة لم يُسلم منهم أحد فماتوا على شركهم. ومَا صدقُ {ما أعبد} هو الله تعالى وعبر بــــ {ما} الموصولة لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار وإنما تختص (مَن) بالعاقل، فلا مانع من إطلاق (ما) على العاقل إذا كان اللبس مأموناً. وقال السهيلي في «الروض الأنف»: إن (ما) الموصولة يؤتى بها لقصد الإِبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب: سبحان ما سَبَّح الرعد بحمده، وقوله تعالى: { أية : والسماء وما بناها } تفسير : كما تقدم في سورة الشمس (5).
الشنقيطي
تفسير : نداء للمشركين بمكة، لما عرضوا عليه صلّى الله عليه وسلم أن يترك دعوته ويملِّكوه عليهم أو يعطوه من المال ما يرضيه ونحوه فرفض، فقالوا: تقبل منا ما نعرضه عليك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فسكت عنهم فنزلت، وقالوا له: إن يكن الخير معنا أصبته، وإن يكن معك أصبناه. وفي مجيء: قل، مع أن مقول القول كان قد يكفي في البلاغ، ولكن مجيئها لغاية فما هي؟ قال الفخر الرازي: إما لأنهم عابوه صلى الله عليه وسلم في السورة التي قبلها بقولهم: إنه أبتر فجاء قوله: {قُلْ}، إشعاراً بأن الله يرد عن رسوله بهذا الخطاب، الذي ينادي عليهم في ناديهم بأثقل الأوصاف عليهم، فقال له: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}. أو أنه لما كان هذا الخطاب فيه مغايرة المألوف من تخاطبه معهم من أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، وكان فيه من التقريع لهم ومجابهتهم، قال له: قل: إشعاراً بأنه مبلغ عن الله ما أمر به، وجاءت يا، وهي لنداء البعيد، لبعدهم في الكفر والعناد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الواحدي
تفسير : {قل يا أيها الكافرون} نزلت في رهطٍ من قريشٍ قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم تعبد آلهتنا سنةً. ونعبد إلهك سنةً، فأنزل الله هذه السُّورة. {لا أعبد ما تعبدون} في الحال. {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الحال ما أعبده. {ولا أنا عابد} في الاستقبال {ما عبدتم}. {ولا أنتم عابدون} في الاستقبال {ما أعبد} فنفى عنهم عبادة الله في الحال، وفيما يستقبل، وهذا في قومٍ أعلمه الله أنَّهم لا يؤمنون، ونفى أيضاً عن نفسه عبادة الأصنام في الحال وفيما يستقبل، لييئسوا عنه في ذلك. {لكم دينكم} الشِّرك {ولي دين} الإِسلام، وهذا قبل أَنْ يُؤمر بالحرب.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- قل - يا محمد -: يا أيها الكافرون المصرون على كفرهم. 2- لا أعبد الذي تعبدون من دون الله. 3- ولا أنتم عابدون الذى أعبد، وهو الله وحده. 4- ولا أنا عابد مثل عبادتكم لأنكم مشركون. 5- ولا أنتم عابدون مثل عبادتى لأنها التوحيد. 6- لكم دينكم الذى اعتقدتموه، ولى دينى الذى ارتضاه الله لى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل: أي يا رسول الله. يا أيها الكافرون: أي المشركون وهم الوليد والعاص وابن خلف والأسود بن المطلب. لا أعبد ما تعبدون: أي من الآلهة الباطلة الآن. ولا أنتم عابدون ما أعبد: أي الآن. ولا أنا عابد ما عبدتم: أي في المستقبل أبدا. ولا أنتم عابدون ما أعبد: أي في المستقبل أبدا لعلم الله تعالى بذلك. لكم دينكم: أي ما أنتم عليه من الوثنية سوف لا تتركونها أبدا حتى تهلكوا. ولي دين: أي الإِسلام فلا أتركه أبدا. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} الآيات الست الكريمات نزلت ردا على اقتراح تقدم به بعض المشركين وهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف مفاده أن يعبد النبي صلى الله عليه وسلم معهم آلهتهم سنة ويعبدون معه إلهه سنة مصالحة بينهم وبينه وإنهاء للخصومات في نظرهم، ولم يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء حتى نزلت هذه السورة {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المقترحين الباطل يا أيها الكافرون بالوحي الإِلهي وبالتوحيد المشركون في عبادة الله تعالى أصناما وأوثانا {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} الآن كما اقترحتم {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ} الآن {مَآ أَعْبُدُ} لما قضاه الله لكم بذلك، {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} في المستقبل أبدا {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} في المستقبل أبدا لأن ربي حكم فيكم بالموت على الكفر والشرك حتى تدخلوا النار لما علمه من قلوبكم وأحوالكم وقبح سلوككم وفساد أعمالكم {لَكُمْ دِينُكُمْ} لا أتابعكم عليه {وَلِيَ دِينِ} لا تتابعونني عليه. بهذا أيأس الله رسوله من إيمان هذه الجماعة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم بطمع في إيمانهم وَأيأَس المشركين من الطمع في موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على مقترحهم الفاسد، وقد هلك هؤلاء المشركون على الكفر فلم يؤمن منهم أحد فمنهم من هلك في بدر ومنهم من هلك في مكة على الكفر والشرك وصدق الله العظيم فيما أخبر به عنهم أنهم لا يعبدون الله عبادة تنجيهم من عذابه وتدخلهم رحمته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة القضاء والقدر وأن الكافر من كفر أزلا والمؤمن من آمن أزلا. 2- ولاية الله تعالى لرسوله عصمته من قبول اقتراح المشركين الباطل. 3- تقرير وجود المفاصلة بين أهل الإِيمان وأهل الكفر والشرك.
القطان
تفسير : الخطابُ للنبيّ الكريم عليه الصلاةُ والسلام. وكان المشركون من زعماءِ قومِه عَرَضوا عليه أن يعبُدوا اللهَ سَنَةً على ان يَعبُدَ النبيُّ الكريم آلهتهم سنةً مثلَها. فنزلت هذه السورةُ جواباً لهم: {قُلْ} يا محمد لهؤلاءِ المشركين الّذين سألوك أن تعبدَ آلهتهم على أن يعبدوا إلهك {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} بالله {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} من غير الله من الأوثانِ والأصنام. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} وهو اللهُ وحدَه. ولا أنا عابدٌ مثلَ عِبادتكم، لأنكم مشركون. أكّد هذا كلَّه بالتَكرار حتى يَقْطَعَ أطماعَهم، ويبيّن أنه يعبُدُ إلهاً واحدا، وأنّ دينَه هو دينُ الحق. {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} فلكُم دينُكم الّذي اعتقدتُموه، ولي ديني الذي ارتضَاه لي ربّي. قراءات: قرأ نافع وابن كثير وحفص عن عاصم: ليَ دين بفتح الياء. والباقون: لِي دين بكسر اللام وسكون الياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (1) - كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَدْ عَرَضُوا عَلَى رُسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْبُدَ مَعَهُمْ آلِهَتَهُمْ مِنَ الأَوْثَانِ سَنَةً، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ رَبَّهُ سَنَةً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ. وَفِيهَا يَقُولُ تَعَالَى لِنَبيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ.
الثعلبي
تفسير : {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} الى آخر السورة نزلت في رهط من قريش منهم الحرث بن قيس السهمي والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب بن أسد وأميّة بن خلف قالوا: حديث : يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك ونشركك في أمرنا كلّه تعبد آلهتنا سنة ونعبد ألهك سنة فأن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وأن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: "معاذ الله أن أشرك به غيره". فقالوا: فأستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد الهك فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فانزل الله سبحانه: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} الى آخر السورة فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فيئسوا عنه عند ذلك وآذوه وآذوا أصحابه . تفسير : وأما وجه تكرار الكلام فأن معنى الآية {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} في الحال {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} في الحال {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} في الاستقبال {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} في الاستقبال وهذا خطاب لمن سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وقال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم ومن مذاهبهم التكرار إرادة التوكيد والإفهام، كما أن مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز لإن إتيان المتكلّم والخطيب وخروجه من شيء الى شيء آخر أفضل من اقتصاره في المقام على شيء واحد، قال الله تعالى: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن] {أية : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 15] في غير موضع من سورة واحدة وقال سبحانه: {أية : كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} تفسير : [النبأ: 4 -5] وقال: تعالى {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ} تفسير : [الانفطار: 17] وقال: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح: 5-6] كل هذا أراد به التأكيد، ويقول القائل: ارم ارم، عجّل عجل، ومنه الحديث حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر ذات يوم فقال: "إن بني مخزوم استأذنوا أن ينكحوا فتاتهم علياً فلا اذن ثم لا آذن، لأنَّ فاطمة بضعة مني يسرّها ما يسرّني ويسوءها ما يسوءني ". تفسير : ومنه قول الشاعر: شعر : هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا تفسير : وقال آخر: شعر : يا علقمه يا علقمه يا علقمه خير تميم كلّها وأكرمه تفسير : وقال آخر: شعر : قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيان تفسير : ثم قال في عدة أبيات من هذه القصيدة: شعر : لقحت حرب وائل عن حيان تفسير : وأنشدني أبو القاسم بن حبيب قال: أنشدني أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر الأنباري قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن أحمد بن القاسم الأنباري لبعض نساء الإعراب. شعر : يقول رجال زوجها لعلها تقر وترضى بعده بحليل فأخفت في النفس التي ليس دونها رجاء وان الصدق أفضل قيل أبعد ابن عمي سيد القوم مالك أزَّف الى بعل ألدّ كليل وحدّثني أصحابه أن مالكاً أقام ونادى صحبه برحيل وحدّثني أصحابه أن مالكاً صروم كماضي الشفرتين صقيل وحدّثني أصحابه أن مالكاً جواد بما في الرحل غير بخيل تفسير : وقال القتيبي: وفيه وجه آخر وهو أنَّ قريشاً قالوا: إن سرّك أن ندخل في دينك عاماً فأدخل في ديننا عاماً فنزلت هذه السورة، فتكرار الكلام لتكرار الوقت، وقال: فيه وجه آخر وهو أن القرآن نزل شيء بعد شيء وآية بعد آية فكانهم قالوا اعبد آلهتنا سنة فقال الله سبحانه: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ثم قالوا بعد ذلك: استلم بعض آلهتنا فانزل الله تعالى: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} {لَكُمْ دِينُكُمْ} الشرك {وَلِيَ دِينِ} الإسلام. وهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقرأ أهل المدينة وعيسى بن عمر {وَلِيَ دِينِ} بفتح الياء ومثله روى حفص عن عاصم وهشام عن أهل الشام، غيرهم بجزمه وأبو حاتم بجر.
الصابوني
تفسير : التفسِير: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين يدعونك إِلى عبادة الأوثان والأحجار {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أي لا أعبد هذه الأصنام والأوثان التي تعبدونها، فأنا بريءٌ من آلهتكم ومعبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ولا تغني عن عابدها شيئاً قال المفسرون: إِن قريشاً طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدوا إِلهه سنة، فقال، معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إِلهك، فنزلت السورة فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقام على رءوسهم فقرأها عليهم فأيسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه وفي قوله {قُلْ} دليل على أنه مأمور بذلك من عند الله، وخطابه صلى الله عليه وسلم لهم بلفظ {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} ونسبتهم إِلى الكفر - وهو يعلم أنهم يغضبون من أن يُنسبوا إِلى ذلك - دليلٌ على أنه محروسٌ من عند الله، فهو لا يبالي بهم ولا بطواغيتهم {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي ولا أنتم يا معشر المشركين عابدون إِلهي الحق الذي أعبده وهو الله وحده، فأنا أعبد الإِله الحقَّ هو الله ربُّ العالمين، وأنتم تعبدون الأحجار والأوثان، وشتان بين عبادة الرحمن، وعبادة الهوى والأوثان!! {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} تأكيدٌ لما سبق من البراءة من عبادة الأحجار، وقطعٌ لأطماع الكفار كأنه قال: لا أعبد هذه الأوثان في الحال ولا في الاستقبال، فأنا لا أعبد ما تعبدونه أبداً ما عشتُ، لا أعبد أصنامكم الآن، ولا فيما يستقبل من الزمان {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي ولستم أنتم في المستقبل بعابدين إِلهي الحق الذي أعبده {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} أي لكم شرككم، ولي توحيدي، وهذا غاية في التبرؤ من عبادة الكفار، والتأكيد على عبادة الواحد القهار، قال المفسرون: معنى الجملتين الأولتين: الاختلاف التام في المعبود، فإِله المشركين الأوثان، وإِله محمد الرحمن، ومعنى الجملتين الآخرتين: الاختلاف التام في العبادة، كأنه قال: لا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الخطاب بالوصف {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} للتوبيخ والتشنيع على أهل مكة. 2- طباق السلب {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} فالأول نفيٌ والثاني إِثبات. 3- المقابلة بين كلٍ من الجملتين الأوليين {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي في الحال، والمقابلة بين الجملتين الأخريين {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} أي في الاستقبال، وفي هذه المقابلة نفيٌ لعبادة الأصنام في الحال والاستقبال وهو من المحسنات البديعية. 4- توافق الفواصل في الحرف الأخير مثل {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}.
زيد بن علي
تفسير : قولهِ تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} من أصنامِكُم {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} معناه إلى دينِ الإِسلامِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} الآية هذه السورة مكية وذكروا من أسباب نزولها أنهم قالوا له عليه السلام دع ما أنت عليه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك علينا وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ونعبد إلٰهك حتى نشترك فحيث كان الخير نلناه جميعاً ولما كان أكبر شانئيه قريشاً وطلبوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلٰهه سنة أنزل الله تعالى هذه السورة تبرئاً منهم واخباراً لا شك فيه وأن ذلك لا يكون أبداً وفي قوله قل دليل على أنه مأمور بذلك من عند الله تعالى وخطابه لهم بيا أيها الكافرون في ناديهم ومكان بسطة أيديهم مع ما في الوصف من الأرذال لهم دليل على أنه محروس من عند الله تعالى لا يبالي بهم والكافرون ناس مخصوصون وهم الذين قالوا له تلك المقالة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية وأبي ابنا خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم ووافى على الكفر تصديقاً للاخبار في قوله ولا أنتم عابدون ما أعبد وللمفسرين في هذه الجملة أقول أحدهما انها للتوكيد فقوله: ولا أنا عابد ما عبدتم توكيد لقوله: لا أعبد ما تعبدون وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد ثانياً توكيد لقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد أولاً والتوكيد في لسان العرب كثير جداً وفائدة هذا التوكيد قطع إجماع الكفار وتحقيق الاخبار بموافاتهم على الكفر وأنهم لا يسلمون أبداً والثاني أنه ليس للتوكيد واختلفوا فقال الأخفش: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد فزال التوكيد إذ قد تقيدت كل جملة بزمان مغاير وقال أبو مسلم: ما في الأولين بمعنى الذي والمقصود المعبود وما في الآخريين مصدرية أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك النظر ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين وقال ابن عطية: لما كان قوله: {لاَ أَعْبُدُ} أن يراد به الآن لا يبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه جاء البيان بقوله: {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} أي أبداً وما حييت ثم جاء قوله: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} الثاني حتماً عليهم لا يؤمنون به أبداً كالذي كشف الغيب فهذا كما قيل لنوح عليه السلام لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن إما أن هذا في معنيين وقوم نوح عموا بذلك فهذا المعنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط بل فيه ما ذكرته "انتهى". {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذا غاية في التبري ولما كان الأهم انتفاءه عليه السلام من دينهم بدأ بالنفي في الجمل السابقة المنسوب إليه ولما تحقق النفي رجع إلى خطابهم في قوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ} على سبيل المهادنة وهي منسوخة بآية السيف.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يأ اكمل الرسل منادياً لمن دعاك إلى عبادة آلهته الباطلة: {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] الساترون شمس الحق الظاهر في الأنفس والآفاق بغيوم هوياتكم الباطلة. {لاَ أَعْبُدُ} أي: لا أنقاد وأتوجه، سيما بعدما وفقني الله إلى توحيده، وهداني نحو شمس ذاته، وشرفني بمطالعة وجهه الكريم {مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 2] من الآلهة الباطلة والأظلال الهالكة العاطلة، التي اتخذتموها آلهة من تلقاء أنفسكم أنتم وآباؤكم مع أنه {أية : مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ}تفسير : [يوسف: 40]، بل ما تتبعون أنتم وهم باتخاذهم إلاَّ الظن وما تهوى الأنفس من غير ورود الهداية؛ لأنه من قبل الحق. {وَلاَ أَنتُمْ} أيضاً {عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] من الحق الوحيد، الفريد، الحقيق بالعبادة والإطاعة، بالاستقلال والانفراد؛ إذ لا إله معه، ولا شيء يماثله حتى يشاركه في أخص أوصافه التي هي الألوهية؛ إذ ليس في وسعكم واستعدادكم الإيمان به والإيقان بوحدته واستقلاله في ملكه وملكوته، ومع ذلك ما وفقكم الحق عليه وأقدركم به. {وَ} بالجملة: {لاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} [الكافرون: 4] إذ لا يليق بالألوهية حتى أعبد له. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 5] إذ لا يتيسر لكم الإيمان به والاطلاع على وجوده والاتصاف بمعرفته وشهوده، فكيف تعبدون أنتم الله الواحد الأحد، الصمد بلا جذب من جانبه وتوفيق من لدنه؟! وأنا أيضاً لا أعبد لمعبوداتكم الباطلة التي هي بمراحل عن رتبة الألوهية والعبودية. وبالجملة: {لَكُمْ دِينُكُمْ} الذي أنتم عليه، وطريقكم الذي تتوجهون إليه بعدما لم يفوقكم الحق على الهداية والإيمان {وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] الذي أنا عليه، لا تتركوا دينكم بديني، ولا أنا أيضاً تارك ديني بدينكم، بل لكم دينكم ولي ديني، والتوفيق بيد الله والهداية والضلال. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي الحنيف، المائل عن كل الأديان والمذاهب المنافية لصرافة شرب التوحيد ألاَّ تجالس مع أهل الغفلة والضلال، المترددين في أودية الجهلات بأنواع الخيالات الباطلة، والأوهام العاطلة المترتبة على هوياتهم العدمية وتعيناتهم الوهمية، ولا تصاحبهم في حال من الأحوال، فإن صحبتك معهم تبعدك عن الحق وتغريك نحو الباطل، فإن النفوس الإنسانية أسرع عدواً وأشد ميلاً إلى البدع والأهواء الفاسدة والآراء العاطلة الباطلة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا أيها السالك المبتدئ في مملكة الأعادي بين جنود قوى القالب وأحزاب قوى النفس الأمارة، {قُلْ} [الكافرون: 1] معهم عند هجومهم عليك ليقطعوا عليك {يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} [الكافر: 1] بنعمة الوجود، والذي أعطاكم الموجد {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 2] من أصنام قوى الطبيعة الحيوانية، {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 3] وأنا أعبد موحداً، {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} [الكافرون: 4] من آلهة الهوى النفسانية. {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 5] وهو الحق الخالق الرازق، {لَكُمْ دِينُكُمْ} [الكافرون: 6] في عبادتكم العجل الباطل، {وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] في عبادتي الملك الحق العادل، وهذا مقام المهادنة لضعف حزب الرحمن؛ وهو القوى القلبية، فإذا أبلغ السالك مبلغ الرجال وتم أمر السلوك، وظهر له أصحاب الإلهامات، وطلع رايات السكينة من أعالي مدينة رسول الخاطر الحق يتسنح حكم هذه المهادنة بالأمر الصادق عن الحضرة الألوهية، {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم}تفسير : [البقرة: 191]، أما في برادي القالب، أو في صحاري النفس، أو في حرم الصدر، أو في كعبة القلب، والرياء المحمود، هذا الرياء الذي حمله على المهادنة والتقية في هذا المقام جائزة بل واجبة؛ لأنه تعالى يقول: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 28] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [آل عمران: 30]؛ لأنه مطلع على ضعفهم عند المقاومة مع الأعادي وقوة إيمانه بالله فيرحمه ويتجاوز عنه، ويرأف به بالنظرة له عليهم عن تكميل قواه على وفق الحكمة والسنة الجارية، {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]، فالسعيد في هذا المقام هو أن يجتهد في إضعاف قوة العدو بترك ما اشتهت نفسه من الأكل والشرب والنوم وما فيه الاستراحة للبدن، ويبالغ في الطاعات المقوية لجند القلب وحزب الرب بالإخلاص التام الذكر القوي الخفي، بشرط النفي والإثبات من أنفع المعالجات لتقوية مزاج القلب وتضعيف القوى النفسانية، وإخراج الأخلاق الردية الهوائية دماغ العقل. اللهم أجمعنا صحيحين مستقيمين في طاعتك وعبوديتك، وثبتنا في الجهاد مع أعدائك على وفق متابعة حبيبك صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل للكافرين معلنا ومصرحًا { لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي: تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرًا وباطنًا. { وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة، ثم كرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، والثاني على أن ذلك قد صار وصفًا لازمًا. ولهذا ميز بين الفريقين، وفصل بين الطائفتين، فقال: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } كما قال تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } {أية : أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ }.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} [1] 728- أنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا مروان، نا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر{قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} و {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] 729- أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، حدثنا يحيى - يعني ابن آدم -، نا زهير، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال:] "حديث : فمجيء ما جاء بك"، قلت: جئت يا رسول الله لتُعلمني شيئا أقوله عند منامي. قال: "إذا أخذت مضجعك فاقرأ قل يا أيها الكافرون، ثم ثم على خاتمتها، فإنها براءة من الشِّرك ".
همام الصنعاني
تفسير : 3726- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}: [الآية: 1]، تعدل ربع القرآن. 3727- حدثنا عبد الرزاق، عن إبراهيم الأحْول؛ قال: سمعت وَهباً يقول: قالت كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم نْ سَرَّكَ أن نَتَّبِعَكَ عاماً وترجع إلى ديننا عاماً، قال: فأنزل الله جلّ ثناؤه: {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ....}، إلى آخر السورة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):