Verse. 6217 (AR)

١١١ - ٱلْمَسَد

111 - Al-Masad (AR)

تَبَّتْ يَدَاۗ اَبِيْ لَہَبٍ وَّتَبَّ۝۱ۭ
Tabbat yada abee lahabin watabba

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قومه وقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال عمه أبو لهب: تبًا لك ألهذا دعوتنا، نزل «تبت» خسرت «يدا أبي لهب» أي جملته وعبر عنها باليدين مجازًا لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وهذه الجملة دعاء «وتبَّ» خسر هو، وهذه خبر كقولهم: أهلكه الله وقد هلك، ولما خوَّفه النبي بالعذاب، فقال: إن كان ابن أخي حقاً فإني أفتدي منه بمالي وولدي نزل: «ما أغنى عنه ماله وما كسب».

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {تَبَتْ } فيه أقاويل أحدها: التباب الهلاك، ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } تفسير : [غافر: 37] أي في هلاك، والذي يقرر ذلك أن الأعرابي لما واقع أهله في نهار رمضان قال: هلكت وأهلكت، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر ذلك، فدل على أنه كان صادقاً في ذلك، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلاً في الإيمان، أو إن كان داخلاً لكنه أضعف أجزائه، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك، ففي حق أبي لهب حصل ترك الاعتقاد والقول والعمل، وحصل وجود الاعتقاد الباطل، والقول الباطل، والعمل الباطل، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك، فلهذا قال: {تَبَتْ } وثانيها: تبت خسرت، والتباب هو الخسران المفضي إلى الهلاك، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ }تفسير : [هود: 101] أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر: {أية : غير تخسير}تفسير : [هود: 63] وثالثها: تبت خابت، قال ابن عباس: لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله: إنه ساحر، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه، فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها: عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها: عن ابن وثاب؛ صفرت يداه على كل خير، وإن قيل: ما فائدة ذكر اليد؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: ما يروى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله، روي عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يقول: حديث : يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه، لا تطيعوه فإنه كذاب، فقلت: من هذا، فقالوا: محمد وعمه أبو لهب تفسير : وثانيها: المراد من اليدين الجملة كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }تفسير : [الحج: 10] ومنه قولهم: يداك أو كتا، وقوله تعالى: {أية : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تفسير : [يس: 71] وهذا التأويل متأكد بقوله: {وَتَبَّ } وثالثها: تبت يداه أي دينه ودنياه أولاه وعقباه، أو لأن بإحدى اليدين تجر المنفعة، وبالأخرى تدفع المضرة، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها: روي أنه عليه السلام لما دعاه نهاراً فأبى، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستناً بسنة نوح ليدعوه ليلاً كما دعاه نهاراً، فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذراً فجلس النبي عليه السلام أمامه كالمحتاج، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: «حديث : إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت، فقال: لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي: من أنا؟ فقال رسول الله: وأطلق لسانه يثني عليه، فاستولى الحسد على أبي لهب، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تباً لك أثر فيك السحر، فقال الجدي: بل تباً لك»، تفسير : فنزلت السورة على وفق ذلك: تبت يدا أبى لهب لتمزيقه يدي الجدي وخامسها: قال محمد بن إسحق: يروى أن أبا لهب كان يقول: يعدني محمد أشياء، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت، فلم يضع في يدي من ذلك شيئاً، ثم ينفخ في يديه ويقول: تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً، فنزلت السورة. أما قوله تعالى: {وَتَبَّ } ففيه وجوه أحدها: أنه أخرج الأول مخرج الدعاء عليه كقوله: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ } تفسير : [عبس: 17] والثاني مخرج الخبر أي كان ذلك وحصل، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب وثانيها: كل واحد منهما إخبار ولكن أراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين وثالثها: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } يعني ماله ومنه يقال: ذات اليد {وَتَبَّ } هو بنفسه كما يقال: {أية : خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } تفسير : [الزمر: 15] وهو قول أبي مسلم ورابعها: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } يعني نفسه: {وَتَبَّ } يعني ولده عتبة على ما روي أن عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا محمداً عني أني قد كفرت بالنجم إذا هوى، وروي أنه قال ذلك في وجه رسول الله وتفل في وجهه، وكان مبالغاً في عداوته، فقال: حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز فسار ليلة من الليالي فلما كان قريباً من الصبح، فقال له أصحابه: هلكت الركاب فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب وأناخ الإبل حوله كالسرادق فسلط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه، تفسير : فإن قيل: نزول هذه السورة كان قبل هذه الوقعة، وقوله: {وَتَبَّ } إخبار عن الماضي، فكيف يحمل عليه؟ قلنا: لأنه كان في معلومه تعالى أنه يحصل ذلك وخامسها: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } حيث لم يعرف حق ربه {وَتَبَّ } حيث لم يعرف حق رسوله وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لماذا كناه مع أنه كالكذب إذ لم يكن له ولد اسمه لهب، وأيضاً فالتكنية من باب التعظيم؟ والجواب: عن الأول أن التكنية قد تكون اسماً، ويؤيده قراءة من قرأ (تبت يدا أبو لهب) كما يقال: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم، وأما معنى التعظيم فأجيب عنه من وجوه أحدها: أنه لما كان اسماً خرج عن إفادة التعظيم والثاني: أنه كان اسمه عبد العزي فعدل عنه إلى كنيته والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته، فكان جديراً بأن يذكر بها، ويقال أبو لهب: كما يقال: أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير الرابع: كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكماً به واحتقاراً له. السؤال الثاني: أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان نبي الرحمة والخلق العظيم، فكيف يليق به أن يشافه عمه بهذا التغليظ الشديد، وكان نوح مع أنه في نهاية التغليظ على الكفار قال في ابنه الكافر {أية : إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} تفسير : [هود: 45]، وكان إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه بالشفقة في قوله: يا أبت يا أبت وأبوه كان يخاطبه بالتغليظ الشديد، ولما قال له: {أية : لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } تفسير : [مريم: 46] قال: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وأما موسى عليه السلام فلما بعثه إلى فرعون قال له ولهرون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } تفسير : [طه: 44] مع أن جرم فرعون كان أغلظ من جرم أبي لهب، كيف ومن شرع محمد عليه الصلاة والسلام أن الأب لا يقتل بابنه قصاصاً ولا يقيم الرجم عليه وإن خاصمه أبوه وهو كافر في الحرب فلا يقتله بل يدفعه عن نفسه حتى يقتله غيره والجواب: من وجوه أحدها: أنه كان يصرف الناس عن محمد عليه الصلاة والسلام بقوله: إنه مجنون والناس ما كانوا يتهمونه، لأنه كان كالأب له، فصار ذلك كالمانع من أداء الرسالة إلى الخلق فشافهه الرسول بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة، فصار بسبب تلك العداوة متهماً في القدح في محمد عليه الصلاة والسلام، فلم يقبل قوله فيه بعد ذلك وثانيها: أن الحكمة في ذلك، أن محمداً لو كان يداهن أحداً في الدين ويسامحه فيه، لكانت تلك المداهنة والمسامحة مع عمه الذي هو قائم مقام أبيه، فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل أحد أنه لا يسامح أحداً في شيء يتعلق بالدين أصلاً وثالثها: أن الوجه الذي ذكرتم كالمتعارض، فإن كونه عماً يوجب أن يكون له الشفقة العظيمة عليه، فلما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة، لا جرم استحق التغليظ العظيم. السؤال الثالث: ما السبب في أنه لم يقل قل تبت يدا أبى لهب وتب وقال في سورة الكافرون: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ }؟ الجواب: من وجوه الأول: لأن قرابة العمومة تقتضي رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل له: قل ذلك لئلا يكون مشافهاً لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى فإن أولئك الكفار ما كانوا أعماماً له الثاني: أن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله تعالى: يا محمد أجب عنهم: {قُلْ يا أَيُّهَا *** ٱلْكَـٰفِرُونَ } وفي هذه السورة طعنوا في محمد، فقال الله تعالى أسكت أنت فإني أشتمهم: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } الثالث: لما شتموك، فاسكت حتى تندرج تحت هذه الآية: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } تفسير : [الفرقان: 63] وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك، يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتاً، فجعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ويزجره، فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت الرسول، فقال أبو بكر: ما السبب في ذلك؟ قال: حديث : لأنك حين كنت ساكتاً كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان. تفسير : واعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له ومعيناً. السؤال الرابع: ما الوجه في قراءة عبد الله بن كثير المكي حيث كان يقرأ: {أَبِى لَهَبٍ } ساكنة الهاء؟ الجواب: قال أبو علي: يشبه أن يكون لهب ولهب لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر، وأجمعوا في قوله: {أية : سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 3] على فتح الهاء، وكذا قوله: {أية : وَلاَ يُغْنِى مِنَ ٱللَّهَبِ } تفسير : [المراسلات: 31] وذلك يدل على أن الفتح أوجه من الإسكان، وقال غيره: إنما اتفقوا على الفتح في الثانية مراعاة لوفاق الفواصل.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} في الصحيحين وغيرهما (واللفظ لمسلم) عن ابن عباس قال: لما نزلت { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214]. «ورهطك منهم المخلصين» « حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صَعِد الصَّفا، فهتَفَ: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه. فقال: «يا بَني فُلان، يا بني فلان، يا بني فُلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبدِ المطلب!» فاجتمعوا إليه. فقال: «أَرَأَيْتَكُمْ لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال «فإنِّي نذيرٌ لَكُمْ بينَ يَديّ عَذاب شَدِيد» تفسير : فقال أبو لهب: تَبْاً لك، أما جمعتنا إلاَّ لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة. زاد الحميدي وغيره: فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي يدها فِهر من حجارة، فلما وقفتْ عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفِهر فاه، والله إني لشاعرة: شعر : مُذَمَّماً عَصَيْنَا وأمْرَهُ أَبَيْنا وَدِينَه قَلَيْنَا تفسير : ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: «ما رأتني، لقد أخذ الله بصرها عني». وكانت قريش إنما تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مُذَمَّماً، يسبونه، وكان يقول: « حديث : ألا تعجبون لِما صرف الله عني من أذى قريش، يَسُبّون ويهجون مذمماً وأنا محمد » تفسير : . وقيل: إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد « حديث : أن أبا لهب أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أُعْطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ فقال: «كما يُعْطَى المسلمون» قال ما لي عليهم فضل؟!. قال: «وأيّ شيء تَبْغي؟» قال: تبًّا لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء؛ فأنزل الله تعالى فيه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ }تفسير : . وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبيّ صلى الله عليه وسلم وفد انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون له: أنت أعلم به منا. فيقول لهم أبو لهب: إنه كَذَّاب ساحر. فيرجعون عنه ولا يَلْقونه. فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه. فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه فتَبًّا له وتَعْساً. فأُخبِر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتأب لذلك؛ فأنزل الله تعالى {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}...» السورة. وقيل: إن أبا لهب أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر، فمنعه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } للمنع الذي وقع به. ومعنى «تَبّتْ»: خَسِرت؛ قاله قتادة. وقيل: خابت؛ قال ابن عباس. وقيل: ضلّت؛ قاله عطاء. وقيل: هلكت؛ قاله ابن جبير. وقال يمان بن رِئاب: صَفِرت من كل خبر. حكى الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان رحمه الله سمع الناس هاتفاً يقول: شعر : لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَرَفُوا فما آبُوا ولا رَجَعُوا ولم يُوفُوا بنَذْرِهِم فَيَا تَبًّا لِمَا صَنَعُوا تفسير : وخص اليدين بالتباب، لأن العمل أكثر ما يكون بهما؛ أي خسرتا وخسر هو. وقيل: المراد باليدين نفسه. وقد يعبَّر عن النفس باليد. كما قال الله تعالى: { أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج: 10] أي نفسك. وهذا مَهْيَع كلامِ العرب؛ تعبِّر ببعض الشيء عن كله؛ تقول: أصابته يد الدهر، ويد الرزايا والمنايا؛ أي أصابه كل ذلك. قال الشاعر: شعر : لَمَّا أَكَبَّتْ يَدُ الرَّزَايا عَلَيهِ نادَى ألاَ مُجِيرُ تفسير : {وَتَبَّ } قال الفرّاء: التبُّ الأول: دعاء والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله وقد هلك. وفي قراءة عبد الله وأبيّ «وَقَدْ تَبَّ». وأبو لهب اسمه عبد العُزَّى، وهو ابن عبد المطلب عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وامرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما، كان شديد العداوة للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قال طارق بن عبد الله المحاربيّ: إني بسوق ذي المجَاز، إذ أنا بإنسان يقول: «حديث : يا أيها الناس، قولُوا لا إلٰه إلاّ الله تُفْلِحُوا»تفسير : ، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه. فقلت: مَنْ هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي. وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سَحَركم محمد! إن أحدنا ليأكل الجَذَعة، ويشرب العُسّ من اللبن فلا يشبع، وإن محمداً قد أشبعكم من فخِذ شاة، وأرواكم من عُسّ لبن. الثانية: قوله تعالى: {أَبِي لَهَبٍ} قيل: سمي باللَّهب لحسنه، وإشراق وجهه. وقد ظن قوم أن في هذا دليلاً على تكنِية المشرك؛ وهو باطل، وإنما كناه الله بأبي لهب ـ عند العلماء ـ لمعان أربعة: الأول: أنه كان اسمه عبد العزى، والعُزَّى: صنم، ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم. الثاني: أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه؛ فصرح بها. الثالث: أن الاسم أشرف من الكنية، فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص؛ إذا لم يكن بُدٌّ من الإخبار عنه، ولذلك دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم، ولم يَكْنِ عن أحد منهم. ويدلك على شرف الاسم على الكنية: أن الله تعالى يُسَمَّى ولا يُكنَّى، وإن كان ذلك لظهوره وبيانه؛ واستحالة نسبة الكنية إليه، لتقدّسه عنها. الرابع: أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته؛ بأن يدخله النار، فيكون أبا لها؛ تحقيقاً للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه. وقد قيل: اسمه كنيته. فكان أهله يسمونه (أبا لهب)، لتلهب وجهه وحسنه؛ فصرفهم الله عن أن يقولوا: أبو النُّور، وأبو الضياء، الذي هو المشترك بين المحبوب والمكروه، وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى (لَهَبٍ) الذي هو مخصوص بالمكروه المذموم، وهو النار. ثم حقق ذلك بأن يجعلها مقرّه. وقرأ مجاهد وحميد وابن كثير وابن مُحَيْصِن. «أَبِي لَهبٍ» بإسكان الهاء. ولم يختلفوا في «ذَاتَ لَهَبٍ» أنها مفتوحة؛ لأنهم راعَوْا فيها رؤوس الآي. الثالثة: قال ابن عباس: لما خلق الله عز وجل القلم قال له: اكتب ما هو كائن؛ وكان فيما كتب {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. وقال منصور: سُئِلَ الحسن عن قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} هل كان في أم الكتاب؟ وهل كان أبو لهب يستطيع ألا يَصْلَى النار؟ فقال: والله ما كان يستطيع ألاّ يصلاها، وإنها لفي كتاب الله من قبل أن يُخْلَق أبو لهب وأبواه. ويؤيده قول موسى لآدم: أنت الذي خلقَكَ اللَّهُ بيده، ونفخ فيك من رُوحه، وأسكنك جَنَّته، وأسْجَدَ لك ملائكته، خَيَّبْتَ الناس، وأَخْرجتهم من الجنة. قال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك بكلامه، وأعطاك التوراة، تَلُومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلق الله السموات والأرض. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : فحجَّ آدمُ مُوسَى » تفسير : ، وقد تقدّم هذا. وفي حديث هَمَّام عن أبي هريرة أن آدم قال لموسى: « حديث : بِكَمْ وجدتَ الله كَتَبَ التوراةَ قبلَ أَنْ يَخْلُقَنِي »تفسير : ؟ قال: « حديث : بألفي عام » تفسير : قال: « حديث : فهل وجدت فيها: وعَصَى آدمُ رَبَّهُ فَغَوَى »» تفسير : قال: « حديث : نعم » تفسير : قال: « حديث : أفتلومني على أمر وكتب الله عليّ أن أفعله من قبل أن أخلق بألفي عام ». تفسير : فحَجَّ آدمُ موسى. وفي حديث طاوُوس وابن هُرْمز والأعرج عن أبي هريرة: « حديث : بأربعين عاما

البيضاوي

تفسير : مكية، وآيها خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {تَبَّتْ} هلكت أو خسرت والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك. {يَدَا أَبِى لَهَبٍ } نفسه كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }تفسير : [البقرة: 195] وقيل إنما خصتا لأنه عليه الصلاة والسلام لما نزل عليه {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ }تفسير : [الشعراء: 214] جمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا، وأخذ حجراً ليرميه به فنزلت. وقيل المراد بهما دنياه وأخراه، وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته ولأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله، أو ليجانس قوله: {ذَاتَ لَهَبٍ } وقرىء «أبو لهب» كما قيل علي بن أبو طالب. {وَتَبَّ } إخبار بعد دعاء والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه كقوله:شعر : جَزَانِي جَزَاهُ الله شَرَّ جَزائِه جَزاءَ الكِلاَبِ العَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَل تفسير : ويدل عليه أنه قرىء «وقد تب» أو الأول إخبار عما كسبت يداه والثاني عن عمل نفسه. {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ } نفي لإِغناء المال عنه حين نزل به التباب أو استفهام إنكار له ومحلها النصب. {وَمَا كَسَبَ } وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة والإِتباع، أو عمله الذي ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة، وقد افترسه أسد في طريق الشام وقد أحدق به العير ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة، وترك ثلاثاً حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه. {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } اشتعال يريد نار جهنم، وليس فيه ما يدل على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون صليها للفسق، وقرىء {سَيُصْلَىٰ } بالضم مخففاً و {سَيُصْلَىٰ } مشدداً. {وَٱمْرَأَتُهُ } عطف على المستتر في {سَيَصْلَىٰ } أو مبتدأ وهي أم جميل أخت أبي سفيان. {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } يعني حطب جهنم فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحمل زوجها على إيذائه، أو اليميمة فإنها كانت توقد نار الخصومة، أو حزمة الشوك أو الحسك، فإنها كانت تحملها فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ عاصم بالنصب على الشتم. {فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } أي مِمَّا مُسِّدَ أي فَتِلَ، ومنه رجل ممسود الخلق أي مجدوله، وهو ترشيح للمجاز أو تصوير لها بصورة الخطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها تحقيراً لشأنها، أو بياناً لحالها في نار جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم، والضريع وفي جيدها سلسلة من النار، والظرف في موضع الحال أو الخبر وحبل مرتفع به. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة».

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: «حديث : يا صباحاه» تفسير : فاجتمعت إليه قريش، فقال: «حديث : أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟ ــــ قالوا: نعم، قال: ــــ فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» تفسير : فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبّاً لك، فأنزل الله: { تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ} إلى آخرها. وفي رواية: فقام ينفض يديه وهو يقول: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: { تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ} الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتيبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهلياً فأسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «حديث : يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا» تفسير : والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابىء كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب، ثم رواه عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه، فذكره. قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيراً؟ قال: لا، والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة، تفرد به أحمد. وقال محمد بن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة، فيقول: «حديث : يا بني فلان إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به» تفسير : وإذا فرغ من مقالته، قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب، رواه أحمد أيضاً والطبراني بهذا اللفظ، فقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ} أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه {وَتُبْ} أي: وقد تب، تحقق خسارته وهلاكه. وقوله تعالى: { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} قال ابن عباس وغيره: {وَمَا كَسَبَ} يعني: ولده، وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله، وذكر عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب الأليم بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: { مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} وقوله تعالى: { سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} أي: ذات لهب وشرر وإحراق شديد { وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي أم جميل، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عوناً لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عوناً عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: { حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } يعني: تحمل الحطب، فتلقي على زوجها؛ ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك، مستعدة له { فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} قال مجاهد وعروة: من مسد النار. وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي: {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}: كانت تمشي بالنميمة، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي والضحاك وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن جرير: كانت تعيرالنبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت بذلك، كذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد، والصحيح الأول، والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد، يعني: فأعقبها الله بها حبلاً في جيدها من مسد النار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال: المسد: الليف، وقال عروة بن الزبير: المسد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وعن الثوري: هي قلادة من نار طولها سبعون ذراعاً، وقال الجوهري: المسد: الليف، والمسد أيضاً: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسداً، إذا أجدت فتله. وقال مجاهد: { فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} أي: طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسداً؟ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الوليد بن كثير عن أبي تدرس عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ} أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:شعر : مُذَمَّماً أَبَيْنا ودِيْنَهُ قَلَيْنا وأَمْرَهُ عَصَيْنا تفسير : ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله لقد أقبلت، وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها لن تراني» تفسير : وقرأ قرآناً اعتصم به؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} تفسير : [الإسراء: 45] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم ترَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعد أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ}، جاءت امرأة أبي لهب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه سيحال بيني وبينها»تفسير : فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر، ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق، فلما ولّت، قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: «حديث : لا، ما زال ملك يسترني حتى ولت» تفسير : ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر رضي الله عنه. وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: { فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} أي: في عنقها حبل من نار جهنم، ترفع به إلى شفيرها، ثم ترمى إلى أسفلها، ثم كذلك دائماً، قال أبو الخطاب بن دحية في كتاب التنوير، وقد روى ذلك: وعبر بالمسد عن حبل الدلو؛ كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات: كل مسد رشاء، وأنشد في ذلك:شعر : وبَكْرَةً ومِحْوَراً صَرّاراً ومَسَداً مِنْ أَبقٍ مُغاراً تفسير : قال: والأبق: القنَّب. وقال آخر:شعر : يا مَسَدَ الخُوصِ تَعَوَّذْ مِنِّي إنْ تَكُ لَدْناً لَيِّناً فإِنِّي ما شِئْتَ منْ أَشْمَطَ مُقْسَئِنِّ تفسير : قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا باطناً ولا ظاهراً، لا مسراً ولا معلناً، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة. آخر تفسير السورة، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَبَّتْ } خسرت {يَدآ أَبِى لَهَبٍ } أي جملته، وعبر عنها باليدين مجازاً لأنّ أكثر الأفعال تزاول بهما، وهذه الجملة دعاء {وَتَبَّ } خسر هو، وهذه خبر كقولهم: أهلكه الله وقد هلك. ولما خوفه النبي بالعذاب فقال: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإني أفتدي منه بمالي وولدي نزل:

الشوكاني

تفسير : معنى: {تَبَّت} هلكت. وقال مقاتل: خسرت. وقيل: خابت. وقال عطاء: ضلت. وقيل: صفرت من كل خير، وخصّ اليدين بالتباب، لأن أكثر العمل يكون بهما. وقيل: المراد باليدين نفسه، وقد يعبر باليد عن النفس، كما في قوله: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }تفسير : [الحج: 10] أي: نفسك. والعرب تعبر كثيراً ببعض الشيء عن كله، كقولهم: أصابته يد الدهر، وأصابته يد المنايا، كما في قول الشاعر:شعر : لما أكبت يد الرزايا عليه نادى ألا مخبر تفسير : وأبو لهب: اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم. وقوله: {وَتَبَّ } أي: هلك. قال الفراء: الأوّل دعاء عليه، والثاني خبر، كما تقول: أهلكه الله وقد هلك. والمعنى: أنه قد وقع ما دعا به عليه، ويؤيده قراءة ابن مسعود: (وقد تبّ). وقيل: كلاهما إخبار، أراد بالأوّل هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه. وقيل: كلاهما دعاء عليه، ويكون في هذا شبه من مجيء العامّ بعد الخاص، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة، وذكره سبحانه بكنيته لاشتهاره بها، ولكون اسمه، كما تقدّم عبد العزى، والعزّى اسم صنم، ولكون في هذه الكنية ما يدلّ على أنه ملابس للنار؛ لأن اللهب هي لهب النار، وإن كان إطلاق ذلك عليه في الأصل لكونه كان جميلاً، وأن وجهه يتلهب لمزيد حسنه، كما تتلهب النار. قرأ الجمهور: {لهب} بفتح اللام، والهاء. وقرأ مجاهد، وحميد، وابن كثير وابن محيصن بإسكان الهاء، واتفقوا على فتح الهاء في قوله: {ذَاتَ لَهَبٍ }. وروى صاحب الكشاف أنه قرىء: "تبت يدا أبو لهب" وذكر وجه ذلك. {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } أي: ما دفع عنه ما حلّ به من التباب، وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه؛ أو المراد بقوله: {ماله} ما ورثه من أبيه، وبقوله: {وَمَا كَسَبَ } الذي كسبه بنفسه. قال مجاهد: وما كسب من ولد، وولد الرجل من كسبه، ويجوز أن تكون «ما» في قوله: {مَا أَغْنَىٰ } استفهامية، أي: أيّ شيء أغنى عنه؟ وكذا يجوز في قوله: {وَمَا كَسَبَ } أن تكون استفهامية، أي: وأيّ شيء كسب؟ ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وكسبه. والظاهر أن «ما» الأولى نافية، والثانية موصولة. ثم أوعده سبحانه بالنار فقال: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}. قرأ الجمهور: {سيصلى} بفتح الياء، وإسكان الصاد، وتخفيف اللام، أي: سيصلى هو بنفسه، وقرأ أبو رجاء، وأبو حيوة، وابن مقسم، والأشهب العقيلي، وأبو السماك، والأعمش، ومحمد بن السميفع بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، والمعنى سيصليه الله، ومعنى {ذَاتَ لَهَبٍ } ذات اشتعال وتوقد، وهي: نار جهنم. {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } معطوف على الضمير في "يصلى". وجاز ذلك للفصل. أي: وتصلى امرأته ناراً ذات لهب. وهي أمّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. وكانت تحمل الغضى والشوك، فتطرحه بالليل على طريق النبيّ صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن زيد، والضحاك، والربيع بن أنس، ومرّة الهمداني. وقال مجاهد، وقتادة، والسديّ: إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس. والعرب تقول: فلان يحطب على فلان: إذا نمّ به، ومنه قول الشاعر:شعر : إن بني الأدرم حمالوا الحطب هم الوشاة في الرضا والغضب عليهم اللعنة تترى والحرب تفسير : وقال آخر:شعر : من البيض لم يصطد على ظهر لأمة ولم يمش بين الناس بالحطب الرطب تفسير : وجعل الحطب في هذا البيت رطباً لما فيه من التدخين الذي هو زيادة في الشرّ، ومن الموافقة للمشي بالنميمة. وقال سعيد بن جبير: معنى حمالة الحطب أنها حمالة الخطايا والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب على ظهره، كما في قوله: {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ }تفسير : [الأنعام: 31]. وقيل: المعنى حمالة الحطب في النار. قرأ الجمهور: (حمالة) بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب حمالة الحطب، وأما على ما قدّمنا من عطف، {وامرأته} على الضمير في {تصلى}، فيكون رفع حمالة على النعت لامرأته، والإضافة حقيقية؛ لأنها بمعنى المضيّ، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هي حمالة. وقرأ عاصم بنصب: {حمالة} على الذمّ، أو على أنه حال من امرأته. وقرأ أبو قلابة (حاملة الحطب). {فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } الجملة في محل نصب على الحال من {امرأته}. والجيد العنق، والمسد الليف الذي تفتل منه الحبال، ومنه قول النابغة:شعر : مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد تفسير : وقول الآخر:شعر : يا مسد الخوص تعوّذ مني إن كنت لدنا لينا فإني تفسير : وقال أبو عبيدة: المسد هو الحبل يكون من صوف. وقال الحسن: هي حبال تكون من شجر ينبت باليمن تسمى بالمسد. وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من أوبارها. قال الضحاك، وغيره: هذا في الدنيا، كانت تعير النبيّ صلى الله عليه وسلم بالفقر، وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها فخنقها الله به فأهلكها. وهو في الآخرة حبل من نار. وقال مجاهد، وعروة بن الزبير: هو سلسلة من نار تدخل في فيها وتخرج من أسفلها. وقال قتادة: هو قلادة من ودع كانت لها. قال الحسن: إنما كان خرزاً في عنقها. وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزّى، لأنفقنها في عداوة محمد، فيكون ذلك عذاباً في جسدها يوم القيامة. والمسد الفتل يقال: مسد حبله يمسده مسداً: أجاد فتله. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال: «لما نزلت: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف:حديث : يا صباحاهتفسير : فاجتمعوا إليه، فقال: حديث : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟تفسير : قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال:حديث : فإني نذير لكم بني يدي عذاب شديدتفسير : فقال أبو لهب: تباً لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ }». وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ}. قال: خسرت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه. ثم قرأت: {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } قالت: وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كَسَبَ } قال: كسبه ولده. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } قال: كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبيّ صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، وقال: {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } نقالة الحديث. {حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } قال: هي حبال تكون بمكة. ويقال: المسد العصا التي تكون في البكرة. ويقال: المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: «لما نزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:شعر : مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا تفسير : ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : إنها لن ترانيتفسير : وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا }تفسير : [الإسراء: 45] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال: لا، وربّ البيت ما هجاك فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. وأخرجه البزار بمعناه، وقال: لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {تبّتْ يدا أبي لهب} اختلف في سبب نزولها في أبي لهب على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أُعطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ قال: ما يعطَى المسلمون، قال: ما عليهم فضل؟ قال: وأي شيء تبتغي؟ قال: تبَّا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله فيه: {تبت يدا أبي لهب}. الثاني: ما رواه ابن عباس أنه لما نزل {وأنذر عشيرتك الأقربين} أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليها، ثم نادى يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟! فأنزل الله تعالى هذه السورة. الثالث: ما حكاه عبد الرحمن بن كيسان أنه كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفْدٌ انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون: أنت أعلم به، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه ولا يلقونه، فأتاه وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهب: إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبّاً له وتعساً، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فاكتأب له، فأنزل الله تعالى " تَبّتْ" السورة، وفي " تبّتْ " خمسة أوجه: أحدها: خابت، قاله ابن عباس. الثاني: ضلّت، وهو قول عطاء. الثالث: هلكت، قاله ابن جبير. الرابع: صفِرت من كل خير، قاله يمان بن رئاب. حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان بن عفان سمع الناس هاتفاً يقول: شعر : لقد خلّوْك وانصدعوا فما آبوا ولا رجعوا ولم يوفوا بنذرِهمُ فيا تبَّا لما صَعنوا تفسير : والخامس: خسرت، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر: شعر : تواعَدَني قوْمي ليَسْعوْا بمهجتي بجارية لهم تَبّا لهم تبّاً تفسير : وفي قوله {يَدَا أَبِي لَهَبٍ} وجهان: أحدهما: يعني نفس أبي لهب، وقد يعبر عن النفس باليد كما قال تعالى {ذلك بما قدمت يداك} أي نفسك. الثاني: أي عمل أبي لهب، وإنما نسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها. وقيل إنه كني أبا لهب لحُسنه وتلهّب وجنته، وفي ذكر الله له بكنيته دون اسمه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه. الثاني: لأنه كان مسمى بعبد هشم، وقيل إنه عبد العزى فلذلك عدل عنه. الثالث: لأن الاسم أشرف من الكنية، لأن الكنية إشارة إليه باسم غيره، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم. وفي قوله {وتَبَّ} أربعة أوجه: أحدها: أنه تأكيد للأول من قوله {تبت يدا أبي لهب} فقال بعده " وتب" تأكيداً. الثاني: يعني تبت يدا أبي لهب بما منعه الله تعالى من أذى لرسوله، وتب بما له عند الله من أليم عقابه. الثالث: يعني قد تبّ، قاله ابن عباس. الرابع: يعني وتبّ ولد أبي لهب، قاله مجاهد. وفي قراءة ابن مسعود: تبت يدا أبي لهبٍ وقد تب، جعله خبراً، وهي على قراءة غيره تكون دعاء كالأول. وفيما تبت عنه يدا أبي لهب وجهان: أحدهما: عن التوحيد، قاله ابن عباس. الثاني: عن الخيرات، قاله مجاهد. {ما أَغْنَى عَنْه مالُه وما كَسَب} في قوله " ما أغنى عنه" وجهان: أحدهما: ما دفع عنه. الثاني: ما نفعه، قاله الضحاك. وفي {مالُه} وجهان: أحدهما: أنه أراد أغنامه، لأنه كان صاحب سائمة، قاله أبو العالية. الثاني: أنه أراد تليده وطارفه، والتليد: الموروث، والطارف: المكتسب. وفي قوله {وما كَسَبَ} وجهان: أحدهما: عمله الخبيث، قاله الضحاك. الثاني: ولده، قاله ابن عباس. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أولادكم من كسبكم " تفسير : وكان ولده عتبة بن أبي لهب مبالغاً في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم كأبيه، فقال حين نزلت{والنجم إذا هوى} كفرت بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، وتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك" تفسير : فأكله الأسد. وفيما لم يغن عنه ماله وما كسب وجهان: أحدهما: في عداوته النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: في دفع النار عنه يوم القيامة. {سَيَصْلَى ناراً ذاتَ لَهَبٍ} في سين سيصلى وجهان: أحدهما: أنه سين سوف. الثاني: سين الوعيد، كقوله تعالى {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} و {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا} وفي {يَصْلًى} وجهان: أحدهما: صلي النار، أي حطباً ووقوداً، قاله ابن كيسان. الثاني: يعني تُصليه النار، أي تنضجه، وهو معنى قول ابن عباس، فيكون على الوجه الأول صفة له في النار، وعلى الوجه الثاني صفة للنار. وفي {ناراً ذاتَ لَهَبٍ} وجهان: أحدهما: ذات ارتفاع وقوة واشتعال، فوصف ناره ذات اللهب بقوتها، لأن قوة النار تكون مع بقاء لهبها. الثاني: ما في هذه الصفة من مضارعة كنيته التي كانت من نذره ووعيده. وهذه الآية تشتمل على امرين: أحدهما: وعيد من الله حق عليه بكفره. الثاني: إخبار منه تعالى بأنه سيموت على كفره، وكان خبره صدقاً، ووعيده حقاً. {وامرأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ} وهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان. وفي {حمالة الحطب} أربعة أوجه: أحدها: أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً، قاله ابن عباس. الثاني: أنها كانت تعيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، فكان يحتطب فعيرت بأنها كانت تحتطب، قاله قتادة. الثالث: أنها كانت تحتطب الكلام وتمشي بالنميمة، قاله الحسن والسدي فسمي الماشي بالنميمة حمال الحطب لأنه يشعل العداوة كما تشعل النار الحطب، قال الشاعر: شعر : إنّ بني الأَدْرَمِ حَمّالو الحَطَبْ هم الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ. عليهمُ اللعْنةُ تَتْرى والحرَبْ. تفسير : وقال آخر: شعر : مِنَ البِيضِ لم تُصْطَدْ على ظهر لأمةٍ ولم تمشِ بَيْن الحيّ بالحَطَب والرطْبِ. تفسير : الرابع: أنه أراد ما حملته من الآثام في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كالحطب في مصيره إلى النار. {في جِيدِها حَبْل مِنْ مَسَدِ} جيدها: عنقها. وفي {حبل من مسد} سبعة أقاويل: أحدها: أنه سلسلة من حديد، قاله عروة بن الزبير، وهي التي قال الله تعالى فيها: {ذرعها سبعون ذراعاً} قال الحسن: سميت السلسلة مسداً لأنها ممسودة، أي مفتولة. الثاني: أنه حبل من ليف النخل، قاله الشعبي، ومن قول الشاعر: شعر : أعوذ بالله مِن لَيْل يُقرّبني إلى مُضاجعةٍ كالدَّلْكِ بالمسَدِ. تفسير : الثالث: أنها قلادة من ودع، على وجه التعيير لها، قاله قتادة. الرابع: أنه حبل ذو ألوان من أحمر وأصفر تتزين به في جيدها، قاله الحسن، ذكرت به على وجه التعيير أيضاً. الخامس: أنها قلادة من جوهر فاخر، قالت لأنفقنها في عداوة محمد، ويكون ذلك عذاباً في جيدها يوم القيامة. السادس: أنه إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوطة في جيدها بحبل من مسد. السابع: أنه لما حملت أوزار كفرها صارت كالحاملة لحطب نارها التي تصلى بها. روى الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر أنه لما نزلت " تبت يدا" في أبي لهب وامرأته أم جميل أقبلت ولها ولولة وفي يدها قهر وهي تقول: شعر : مُذَمَّماً عَصَيْنَا وأَمْرَهُ أَبَيْنا ودِينَه قَلَيْنا. تفسير : ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وإني أخاف أن تراك، فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} فأقبلت على أبي بكر، ولم تر رسول الله، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مذمم، وانصرفت.

ابن عطية

تفسير : روي في الحديث حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] قال: "يا صفية بنت عبد المطلب، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما" ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش:" يا بني فلان، يا بني فلان" وروي أنه صاح بأعلى صوته: "يا صباحاه" فاجتمعوا إليه من كل وجه، فقال لهم: "أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم، قال: "فإني نذير بين يدي عذاب شديد،" فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا، جمعتنا"؟ فافترقوا عنه ونزلت السورةتفسير : ، و {تبت} معناه: خسرت، والتباب: الخسار والدمار، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه، ففي قراءة عبد الله بن مسعود: "تبت يدا أبي لهب وقد تب"، و "أبو لهب": هو عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن سبقت له الشقاوة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن: "أبي لهْب" بسكون الهاء، وقرأ الباقون: بتحريك الهاء، ولم يختلفوا في فتحها في {ذات لهب} ، وقوله تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} يحتمل أن تكون {ما} نافية، ويكون الكلام خبراً عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن عنه شيئاً حين حتم عذابه بعد موته، ويحتمل أن تكون {ما} استفهاماً على وجه التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولكسبه؟ {وما كسب}: يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه، أو ليكون الكلام دالاً على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا بميراث وهبة ونحوه، وقال كثير من المفسرين: المراد بـ {ما كسب} بنوه، فكأنه قال: {ما أغنى عنه ماله} وولده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه" تفسير : ، وروي أن أولاد أبي لهب اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم، فدفعه أحدهم، فوقع على فراشه، وكان قد كف بصره فغضب وصاح: أخرجوا عني الكسب الخبيث، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب: "وما اكتسب" وقوله: {سيصلى ناراً ذات لهب} حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على كفره، وانتزع أهل الأصول من هذه الآية تكليف ما لا يطاق، وأنه موجود في قصة أبي لهب، وذلك أنه مخاطب مكلف أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومكلف أن يؤمن بهذه السورة وصحتها، فكأنه قد كلف أن يؤمن، وأن يؤمن أنه لا يؤمن، قال الأصوليون ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد حتم عذاب ذلك المكلف كقصة {أبي لهب}، وقرأ الجمهور "سيَصلى" بفتح الياء، وقرأ ابن كثير والحسن وابن مسعود بضمها، وقوله تعالى: {وامرأته حمالة الحطب} هي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وعطف قوله {وامرأته} على المضمر المرفوع دون أن يؤكد الضمير بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد، وكانت أم جميل هذه مؤذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها، وقال ابن عباس: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم، فلذلك سميت {حمالة الحطب}، وعلى هذا التأويل، فـ {حمالة} معرفة يراد به الماضي، وقيل إن قوله {حمالة الحطب} استعارة لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها، فـ {حمالة} على هذا نكرة، يراد بها الاستقبال، وقيل هي استعارة لسعيها على الدين والمؤمنين، كما تقول: فلان يحطب على فلان وفي حبل فلان، فكانت هي تحطب على المؤمنين وفي حبل المشركين، وقال الشاعر:[الرجز] شعر : إن بني الأدرم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضى وفي الغضب تفسير : وقرأ ابن مسعود: "ومرياته"، وقرأ الجمهور: "حمالةُ" بالرفع، وقرأ عاصم: "حمالةَ" بالنصب على الذم، وهي قراءة الحسن والأعرج وابن محيصن، وقرأ ابن مسعود: "حمالةٌ للحطب" بالرفع ولام الجر، وقرأ أبو قلابة: "حاملة" الميم بعد الألف، وقوله: {في جيدها حبل من مسد}، قال ابن عباس والضحاك والسدي وابن زيد: الإشارة إلى الحبل حقيقة الذي ربطت به الشوك وحطبه، قال السدي: "المسد" الليف، وقيل: ليف المقل ذكره أبو الفتح وغيره، وقال ابن زيد: هو شجر باليمن يسمى المسد، تصنع منه الحبال، وقال النابغة: [البسيط] شعر : مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد تفسير : القعو: البكرة، والمسد: الحبل، وقال عروة بن الزبير وسفيان ومجاهد وغيره: هذا الكلام استعارة والمراد سلسلة من حديد في جهنم ذرعها سبعون ذراعاً، ونحو هذا من العبارات، وقال قتادة: {حبل من مسد}، قلادة من ودع، قال ابن المسيب: كان لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها على عداوة محمد. قال القاضي أبو محمد: فإنما عبر عن قلادتها بـ {حبل من مسد} على جهة التفاؤل لها، وذكر تبرجها في هذا السعي الخبيث، وروي في هذا الحديث أن هذه السورة لما نزلت وقرئت، بلغت أم جميل فجاءت أبا بكر وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقالت: يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك هجاني ولأفعلن وأفعلن وإني شاعرة وقد قلت فيه [الرجز] شعر : مذممــــاً قلينـــا ودينــــه أبينــــا تفسير : فسكت أبو بكر ومضت هي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد حجبني عنها ملائكة فما رأتني وكفى الله شرها ".

ابن عبد السلام

تفسير : {تَبَّتْ} خابت "ع" أو ضلت أو [صفرت] من كل خير أو خسرت {يَدَآ} عبر بيديه عن نفسه {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10] أو عن عمله لأن العمل يكون بهما في الأغلب {أَبِى لَهَبٍ} كنوه بذلك لحسنه وتلهب وجنتيه وذكره الله تعالى بكنيته لأنها أشهر من اسمه أو عدل عن اسمه لأنه كان اسمه عبد العزى أو لأن الاسم أشرف من الكنية لأن الكنية إشارة إليه باسم غيره وكذلك دعا الله تعالى أنبياءه بأسمائهم {وَتَبَّ} تأكيد للأول أو قد تب أو تبت يداه بما منعه الله من أذى رسوله صلى الله عليه وسلم وتب بماله عند الله تعالى من العقاب أو تب ولد أبي لهب، تبت يداه عن التوحيد "ع" أو من الخيرات.

النسفي

تفسير : مكية وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ} التباب: الهلاك ومنه قولهم أشابّة أم تابّة أي هالكة من الهرم؟ والمعنى هلكت يداه لأنه فيما يروى أخذ حجراً ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَتَبَّ } وهلك كله أو جعلت يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }تفسير : [الحج: 10] ومعنى {وَتَبَّ } وكان ذلك وحصل، كقوله: شعر : جزائي جزاء الله شر جزائه جزاء الكلاب العاويات وقد فعل تفسير : وقد دلت عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {وَقَد تَبَّ}، روي أنه لما نزل {أية : وأنذر عشيرتك الأقربين}تفسير : رقى الصفا حديث : وقال: يا صباحاه فاستجمع إليه الناس من كل أوب. فقال عليه الصلاة والسلام: يا بني عبد المطلب يا بني فهر إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة»تفسير : فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا فنزلت. وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بها دون الاسم، أو لكراهة اسمه فاسمه عبد العزى، أو لأن مآله إلى نار ذات لهب فوافقت حاله كنيته، {أَبِى لَهَبٍ } مكي {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ } «ما» للنفي {وَمَا كَسَبَ } مرفوع و«ما» موصولة أو مصدرية أي ومكسوبه أو وكسبه أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه، أو الذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد والطارف، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما كسب ولده. وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي {سَيَصْلَىٰ نَاراً } سيدخل {سَيَصْلَىٰ } البرجمي عن أبي بكر، والسين للوعيد أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته {ذَاتَ لَهَبٍ } توقد {وَٱمْرَأَتُهُ } هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانت تمشي بالنميمة فتشعل نار العداوة بين الناس. ونصب عاصم {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } على الشتم وأنا أحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل. وعلى هذا يسوغ الوقف على {ٱمْرَأَتُهُ } لأنها عطفت على الضمير في {سَيَصْلَىٰ } أي سيصلى هو وامرأته والتقدير: أعني حمالة الحطب، وغيره رفع {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } على أنها خبر وامرأته أو هي حمالة {فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } حال أو خبر آخر. والمسد الذي فتل من الحبال فتلاً شديداً من ليف كان أو جلد أو غيرهما، والمعنى في جيدها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون تحقيراً لها وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها، وهما في بيت العز والشرف وفي منصب الثروة والجدة والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {تبت يدا أبي لهب وتب} (ق) عن ابن عباس قال: "حديث : لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، ونادى يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ، قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً قال فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبّاً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} تفسير : وفي رواية "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل، فنادى يا صباحاه فاجتمعت عليه قريش"تفسير : . الحديث وذكر نحوه ومعنى تبت خابت وخسرت، والتباب هو الخسار المفضي إلى الهلاك، والمراد من اليد صاحبها وجملة بدنه، وذلك على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله، وجميعه، وقيل إنه رمى النبي صلى الله عليه وسلم بحجر، فأدمى عقبه فلهذا ذكرت اليد، وإن كان المراد جملة البدن فهو كقولهم خسرت يده، وكسبت يده فأضيفت الأفعال إلى اليد، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم وكني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه. فإن قلت لم كناه وفي الكنية تشريف وتكرمة قلت فيه وجوه أحدها أنه كان مشتهراً بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف الثاني أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى الكنية لما فيه من الشّرك الثالث. أنه لما كان من أهل النّار ومآله إلى النار، والنار ذات لهب وافقت حاله كنيته، وكان جديراً بأن يذكر بها. {وتب} قيل الأول أخرج مخرج الدعاء عليه، والثاني أخرج مخرج الخبر كما يقال أهلكه الله، وقد هلك وقيل تبت يدا أبي لهب، يعني ماله وملكه، كما يقال فلان قليل ذات اليد يعنون به المال، وتب يعني نفسه أي وقد أهلكت نفسه {ما أغنى عنه ماله وما كسب} قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه إلى الله تعالى قال أبو لهب: إن كان ما تقول يا ابن أخي حقاً، فأنا أفتدي نفسي بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: {ما أغنى عنه ماله}، أي شيء يغني عنه ماله، أي ما يدفع عنه عذاب الله، وما كسب يعني من المال، وكان صاحب مواشٍ، أي ما جمع من المال أو ما كسب من المال، أي الربح بعد رأس ماله، وقيل وما كسب يعني ولده لأن ولد الإنسان من كسبه، كما جاء في الحديث "حديث : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" تفسير : أخرجه التّّرمذي ثم أوعده بالنّار فقال تعالى: {سيصلى ناراً ذات لهب} أي ناراً تلتهب عليه {وامرأته} يعني أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وكانت في نهاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {حمالة الحطب} قيل كانت تحمل الشّوك، والحسك والعضاه باللّيل، فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لتؤذيهم بذلك وهي رواية عن ابن عباس فإن قلت إنها كانت من بيت العز والشرف فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت يحتمل أنها كانت مع كثرة مالها، وشرفها في نهاية البخل والخسة، فكان يحملها بخلها على حمل الحطب بنفسها، ويحتمل أنها كانت تفعل ذلك لشدّة عداوتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ترى أنها تستعين في ذلك بأحد بل تفعله هي بنفسها، وقيل كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث وتلقي العداوة بين النّاس وتوقد نارها، كما توقد النار الحطب يقال فلان يحطب على فلان إذا كان يغري به، وقيل حمالة الخطايا والآثام التي حملتها في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها كانت كالحطب في مصيرها إلى النار. {في جيدها} أي عنقها {حبل من مسد} قال ابن عباس: سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعاً تدخل من فيها، وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها. فتلت من حديد فتلاً محكماً وقيل هو حبل من ليف، وذلك الحبل هو الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة أعيت، فقعدت على حجر تستريح أتاها ملك، فجذبها من خلفها، فأهلكها، وقيل هو حبل من شجر ينبت باليمن يقال له المسد، وقيل قلادة من ودع، وقيل كانت لها خرزات في عنقها، وقيل كانت لها قلادة فاخرة. قالت لأنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {أبي لهب} بسكون الهاء: ابن كثير {سيصلى} بضم الياء: البرجمي {حمالة} بالنصب: عاصم {جيدها} ممالة: نصير. الوقوف: {وتب} ه {كسب} ه {لهب} ج ه لاحتمال كون {وامرأته} مبتدأ خبره {حمالة الحطب} أو {في جيدها} إلى آخره واحتمال كونه عطفاً على ضمير {سيصلى} والأوجه الوصل {وامرأته} ه لمن قرأ {حمالة} بالنصب على الذم، ويجوز الوقف لمن قرأ بالرفع أيضاً على تقدير هي حمالة الحطب. ومن قرأ {حمالة} بالنصب فله أن يصل {ذات لهب} بما بعده ويقف على {مسد} {مسد} ه. التفسير: لما أخبر عن فتح الولي وهو النبي صلى الله عليه وسلم نبه على مآل حال العدو في الدارين. قال ابن عباس: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] فصعد الصفا ونادى: يا آل غالب فخرجت إليه من المسجد. فقال أبو لهب: هذه غالب قد أتتك فما عندك؟ ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال: هذه لؤي قد أتتك فما عندك؟ فقال يا آل - كلاب ثم قال بعده: يا آل قصي فقال أبو لهب: هذه قصي قد أتتك فما عندك، ثم قال: إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم الأقربون، إني لا أملك لكم من الدنيا حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد لكم بها عند ربكم. فقال أبو لهب عليه اللعنة: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ فنزلت السورة تفسير : . وقيل: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أعمامه وقدم إليهم طعاماً في صحفة فاستحقروه وقالوا: إن أحدنا يأكل الشاة فقال: كلوا فأكلوا فشبعوا ولم ينتقص من الطعام إلا قليل. ثم قالوا فما عندك؟ فدعاهم إلى الإسلام. فقال أبو لهب ما قال تفسير : . وروي أنه قال أبو لهب: حديث : فما لي إن أسلمت؟ فقال: ما للمسلمين. فقال: أفلا أفضل عليهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وبماذا تفضل؟ فقال: تباً لهذا الدين الذي يستوي فيه أنا وغيري فنزلت {تبت يدا أبي لهب} تفسير : التباب الهلاك كقوله {أية : وما كيد فرعون إلا في تباب}تفسير : [غافر: 37] وقيل: الخسران المفضي إلى الهلاك. وقيل: الخيبة. وقال ابن عباس: لأنه كان يدفع قائلاً إنه ساحر فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوى الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه. قالوا: ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون. ويروى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد ادمى عقيبة وقال: لا تطيعوه إنه كذاب. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد وعمه أبو لهب. وقال أهل المعاني: أراد باليدين الجملة كقوله {أية : ذلك بما قدّمت يداك}تفسير : [الحج: 10] لأن أكثر الأعمال إنما تعمل باليد، فاليمين كالسلاح واليسار كالجنة، بالأولى يجر المنفعة وبالأخرى يدفع المضرة، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما دعاه نهاراً فأبى ذهب إلى داره ليلاً مستناً بسنة نوح ليدعوه ليلاً كما دعاه نهاراً، فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذراً. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: ن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت. فقال: لا أومن بك أو يؤمن هذا الجدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجدي. من أنا؟ فقال: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلق لسانه يثني عليه فاستولى الحسد على أبي لهب وأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تباً لك أثر فيك السحر. فقال الجدي: بل تبت يدالك فنزلت السورة على وفق ذلك لتمزيقه يدي الحيوان الشاهد بالحق الناطق بالصدق. وفي ذكر أبي لهب بالكنية الدالة على التعظيم المنبئة عن شبهة الكذب إذ لم يكن له ولد مسمى بلهب وجوه منها: أن الكنية قد تصير اسماً بالغلبة فلا تدل على التعظيم، وإيهام الكذب منتف لأنهم يريدون بها التفاؤل فلا يلزم منه أن يحصل له ولد يسمى بلهب. ومناه أن اسمه كان عبد العزي فكان الاحتراز عن ذكره أولى. ومنها أنه إشارة إلى أنه من أهل النار كما يقال " أبو الخير " لمن يلازمه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه " يا أبا تراب " لتراب لصق بظهره. وقيل: سمي بذلك لتلهب وجنتيه فسماه الله تعالى بذلك تهكماً ورمزاً إلى مآل حاله وفي قوله {سيصلى ناراً ذات لهب} قال أهل الخطابة: إنام لم يقل في أوّل هذه السورة " قل تبت " كما قال {أية : قل يا أيها الكافرون}تفسير : [الكافرون: 1] لئلا يشافه عمه بما يشتد غضبه رعاية للحرمة وتحقيقاً لقوله {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم} تفسير : [آل عمران: 159] وأيضاً إن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله: يا محمد أجبهم عني {أية : قل يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] وفي هذ السورة طعنوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى اسكت أنت فإنيّ أشتمهم {تبت يدا أبي لهب} وفيه تنبيه على أن الذي لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له. يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتاً فجعل الرسول يذبه عنه ويزجر ذلك المؤذي فشرع أبو بكر في الجواب فسكت الرسول فقال أبو بكر: ما السبب في ذلك؟ فقال: لإنك حين كنت ساكتاً كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان. قال أبو الليث: اللهب واللهب لغتان كالنهر والنهر ولكن الفتح أوجه، ولهذا قرأ به أكثر القراء. وأجمعوا في قوله {ذات لهب} على الفتح رعاية للفاصلة. وفي دفع التكرار عن قوله {وتب} وجوه منها: أن الأول دعاء والثاني إخبار ويؤيده قراءة ابن مسعود و " قد تب "، ومنها أن الأول إخبار عن هلاك عمله لأن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه باليد، والثاني إخبار عن هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم. وقيل: الأول إهلاك ما له فقد يقال للمال ذات اليد، والآخر هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم. وقيل: الأول نفسه والثاني ولده عتبة على ما روي أن عتبة ابن أبي لهب خرج إلى الشام مع ناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا عني محمداً أني كفرت بالنجم إذا هوى. وروى أنه قال ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفل في جهه وكان مبالغاً في عداوته فقال: الله سلط عليه كلباً من كلابك. فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز دائماً فسار ليلة من الليالي إلى قريب من الصبح فقال له أصحابه: هلكت الركاب. فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب فأناح الإبل حوله كالسرادق فسلط الله الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه. فقوله {تبت} قبل هذه الواقعة على عادة إخبار الله تعالى في جعل المستقبل كالماضي المحقق. والفرق بين المال والكسب من وجوه أحدها: أن المال عني به رأس المال والمكسوب هو الربح. وثانيها أراد الماشية والذي كسبه من نسلها وكان صاحب النعم والنتاج. وثالثها أريد ماله الموروث والذي كسبه بنفسه. وعن ابن عباس: المكسوب الولد لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" تفسير : روي أنه لما مات تركه أبناؤه ليلتين أو ثلاثاً حتى أنتن في بيته لعلة كانت به خافوا عدواها. وقال الضحاك وقتادة: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة الرسول وسائر أعماله التي ظن أنه منها على شيء كقوله {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} تفسير : [الفرقان: 23] وفي قوله {أغنى} بلفظ الماضي تأكيد وتحقيق على عادة إخبار الله تعالى وقد زاده تأكيداً بقوله {سيصلى ناراً ذات لهب} وطالما استدل به أهل السنة في وقوع تكليف ما لا يطاق قائلين إنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، ومما خبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو تكليف بالجمع بين النقيضين. وأجيب بأنه كلف بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فقط لا بتصديقه وعدم تصديقه حتى يجتمع النقيضان، وغاية ذلك أنهم كلفوا بالإيمان بعد علمهم بأنهم لا يؤمنون وليس فيه إلا انتفاء فائدة التكليف، لأن فائدة التكليف بما علم الله لا يكون هو الابتلاء وإلزام الحجة وهذا لا يتصور بعد أن يعلم المكلف حاله من امتناع صدور الفعل عنه، والتكليف من غير فائدة جائز عندكم لأن أفعاله تعالى غير معللة بغرض وفائدة على معتقدكم. ثم إن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية كانت في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن المفسرين من قال: كانت تحمل الشوك والحطب وتلقيهما بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فلعلها مع كونها من بيت العز كانت خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب لتلقيه في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم من هؤلاء من زعم أن الحبل اشتد في جيدها فماتت بسبب الاختناق، فقوله {في جيدها حبل من مسد} يحتمل على هذا أن يكون دعاء عليها وقد وقع كما أريد وكان معجزاً. ومنهم من قال: عيرها بذلك تشبيهاً لها بالحطابات وإيذاء لها ولزوجها. وعن قتادة أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر فعيرها بأنها كانت تحتطب. والأكثرون على أن المراد بقوله {حمالة الحطب} أنها كانت تمشي بالنميمة يقال للنمام المفسد بين الناس إنه يحمل الحطب بينهم أي يوقد بينهم النائرة. ويقال للمكثار هو كحاطب ليل. وقال أبو مسلم وسعيد بن جبير: أراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان كالحطب في مصيره إلى النار نظيره {أية : فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} تفسير : [الأحزاب: 58] {أية : وليحملن أثقالهم}تفسير : [العنكبوت: 13] حديث : يروى عن أسماء أنه لما نزلت السورة جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر وهي تقول: مذمماً قلينا. ودينه أبينا. وحكمه عصينا فقال أبو بكر: يا رسول الله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك. فقال صلى الله عليه وسلم: إنها لا تراني وقرأ {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً} [الإسراء:45] فقالت لأبي بكر: قد ذكر لي أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب الكعبة ما هجاك تفسير : . قالت العلماء: لعل أبا بكر عني بذلك أن الله تعالى قد هجاها ولم يهجها الرسول، أو اعتقد أن القرآن لا يسمى هجواً. ثم إن أم جميل ولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. قال الواحدي: المسد في كلام العرب الفتل. يقال: مسد الحبل مسداً إذا أجاد فتله. ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق. والمسد بالتحريك ما مسد أي فتل من أي شيء كان كالليف والخوص وجلود الإبل والحديد. وقد عرفت معنى قوله {في جيدها حبل من مسد} على رأي بعض أهل التفسير. وقال الآخرون: المعنى أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها في المعنى عند النميمة، أو في الظاهر حين كانت تحمل الحزمة من الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيده حبل من سلاسل النار.

الثعالبي

تفسير : في «صحيح البخاري» وغيرِه عن ابن عباس: «حديث : لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] ورهطك منهم المخلصين خَرَجَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فٱجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هٰذَا الجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؛ قَالُوا: نَعَمْ؛ مَا جَرَّيْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ: فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّاً لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إلاَّ لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ} إلَىٰ آخرها»تفسير : ، و{تَبَّتْ} معناه: خَسِرَتْ والتَّبابُ الخُسْرَانُ، والدَّمَارُ، وأسْنَدَ ذلك إلى اليدينِ من حيثُ إنَّ اليَدَ مَوضِعُ الكَسْبِ والرِّبْحِ، وضَمِّ مَا يُمْلَكُ، ثم أوْجَبَ عليه أنه قَدْ تَبَّ، أي: حُتِّمَ ذَلِكَ عَلَيْه، وفي قراءة ابن مسعود: «وقَدْ تَبَّ»، وأبو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو عمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولكن سَبَقَتْ له الشقاوةُ، قال السهيليّ: كَنَّاهُ اللَّه بأبي لهبٍ لَمَّا خَلَقَهُ سبحانَه لِلَّهَبِ وإليه مصيرُه ألا تَرَاهُ تعالى، قال: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} فَكَانَتْ كُنْيَتُه بأبي لَهَبٍ تَقَدَّمَتْ لِمَا يصيرُ إليه من اللهبِ، انتهى. وقوله سبحانه: {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ} يحتملُ أن تَكُونَ «ما» نافيةً عَلَى معنى الخبرِ، ويحتملُ أنْ تكون «ما» استفهاميةً عَلَى وَجْهِ التقريرِ أي: أينَ الغَنَاءُ الذي لِمَالِه وَكَسْبهِ، {وَمَا كَسَبَ} يُرَادُ به عَرَضُ الدنيا، من عَقَارٍ، ونحوه، وقيل: كَسْبُه بَنُوه. وقوله سبحانه: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} حَتْمٌ عَلَيْهِ بِالنارِ وإعْلاَمٌ بأنه يَتَوَفَّى على كفرِه، نعوذُ باللَّهِ من سوءِ القَضَاءِ ودَرْكِ الشقاءِ. وقوله تعالى: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} هي أمَّ جميلٍ أخْتُ أبي سفيانَ بن حرب، وكانت مؤْذِيةً للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنينَ بلسانِها وغايةِ قُدْرَتِها، وكانَتْ تَطْرَحُ الشّوْكَ في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه لِيَعْقِرَهم؛ فلذلكَ سُمِّيتْ حَمَّالَةَ الحَطَبِ؛ قاله ابن عباس، وقيل هو استعارةٌ لذنوبِها، قال عياض: وذكر عَبْدُ بن حُمَيْدٍ قال: كَانَتْ حمالَة الحطبِ تَضَعُ العِضَاهَ، وَهِي جَمْرٌ عَلَىٰ طَرِيقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فكأنَّما يَطَؤُهَا كَثِيباً أَهْيَلَ، انتهى، * ص *: وقُرِىءَ شاذًّا: «وَمُرَيْئَتُهُ» بالتصغيرِ، والجيدُ هُو العُنُقُ، انتهى. وقوله تعالى: {فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} قال ابنُ عباس وجماعة: الإشَارَةُ إلى الحبلِ حَقِيقَةٌ، الذي رَبَطَتْ به الشوكَ، والمَسَدُ: الليفُ، وقِيلَ ليفُ المُقْلِ، وفي «صحيحِ البخاري»: يُقَالُ مِنْ مسد لِيف المُقْلِ وهي السلسلةُ الَّتِي في النارِ، انتهى، ورُوِي في الحديثِ أنَّ هذهِ السورةَ لما نزلتْ وقُرِئَتْ؛ بَلَغَتْ أُمَّ جميلٍ فَجَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ جَالسٌ معَ النبي صلى الله عليه وسلم في المسجدِ وَبِيَدِهَا فِهْرُ حَجَرٍ، فأخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا وقَالَتْ: يا أبا بكرٍ؛ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، وَلَوْ وَجَدْتُه لَضَرَبْتُه بِهَذَا الفِهْرِ، وإنّي لَشَاعِرَة وَقْد قلت فيه [منهوك الرجز] شعر : مُذَمَّمـــاً قَلَيْنَـــا وَدِينَـــهُ أَبَيْنَــــا تفسير : فَسَكَتَ أبو بكرٍ، ومضتْ هي، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْهَا مَلاَئِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي وَكَفَانِيَ اللَّهُ شَرَّهَا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، أي: خسرت. وتقدم تفسير هذه المادة في سورة غافر عند قوله: {أية : إِلاَّ فِي تَبَابٍ} تفسير : [غافر: 37]، وأسند الفعل إلى اليدين مجازاً؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وإن كان المراد جملة المدعو عليه. وقوله: {تَبَّتْ} دعاء، {وَتَبَّ} إخبار، أي: قد وقع ما دعي به عليه؛ كقول الشاعر: [الطويل] شعر : 5341- جَزانِي، جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جزَائِـه جَزاءَ الكِلابِ العَاويَاتِ وقَدْ فعلْ تفسير : ويؤيده قراءة عبد الله: "وقَدْ تبَّ"، والظَّاهر أنَّ كليهما دعاء، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص؛ لأن اليدين بعض، وإن كان حقيقة اليدين غير مراد. وقيل: كلاهما إخبار، أراد بالأول: هلاك عمله، وبالثاني: هلاك نفسه، وإنما عبر باليدين؛ لأن الأعمال غالباً تُزاول بهما. وقيل: المراد باليدين نفسه وقد يعبر باليد عن النفس، كقوله تعالى: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} تفسير : [الحج: 10]، أي نفسك، وهذا شائع في كلام العرب يعبّرون ببعض الشيء عن كله، يقولون: أصابه يد الدهر، ويد المنايا، والرزايا، أي: أصابه كل ذلك. قال الشاعر: [مخلع البسيط] شعر : 5342- لمَّـــا أكبَّـــتْ يَــــدُ الرَّزَايَـــا عَليْـــهِ نَـــادَى ألاّ مُجِيـــرُ تفسير : وقال ابن الخطيب: وعبر باليدين، إما لأنه كان يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة، وقيل: المراد دينه، ودنياه وأولاده، وعقباه، أو المراد بأحدهما جر المنفعة، وبالأخرى: دفع المضرة، أو لأن اليمين سلاح، والأخرى جُنَّة. وقل: بمعنى ماله، وبنيه، "وتَبَّ" هو نفسه وقيل: "تبَّ" يعني ولده وعقبه، وهو الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : اللَّهمَّ سلِّط عليْهِ كَلباً من كِلابِكَ" تفسير : لشدة عداوته، فافترسه الأسد. وقرأ العامة: "لَهَب" بفتح الهاء، وابن كثير: بإسكانها. فقيل: هما لغتان بمعنى نحو: النَّهَر والنَّهْر، والشَّعَر والشَّعْر، والبَعَر والبَعْر، والضَّجَر والضَّجْر. وقال الزمخشري: "وهو من تغيير الأعلام، كقوله: شمس بن مالك، بالضم"، يعني أن الأصل: بفتح الشين فغيرت إلى الضم. ويشير بذلك لقول الشاعر: [الطويل] شعر : 5343- وإنِّي لمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَعاهِدٌ بِهِ لابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكِ تفسير : وجوز أبو حيان في "شمس" أن يكون منقولاً من "شمس" الجمع، كما جاء "أذناب خيل شمس"، فلا يكون من التغيير في شيء. وكني بذلك أبو لهب: إما لالتهاب وجنتيه، وكان مشرق الوجه، أحمرهُ، وإما لما يئول إليه من لهب جهنم، كقولهم: أبو الخير، وأبو الشر، لصدورهما منه، وإما لأن الكنية أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بأسمائهم جدون كُناهم، أو لقُبحِ اسمه؛ لأن اسمه عبد العُزَّى، فعدل عنه إلى الكنية؛ لأن الله لم يضف العبودية في كتابة إلى صنم. وقيل: اسمه أبو لهب، كما سمي أبو سفيان، وأبو طالب. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: لم أكناه، والكنية تكرمه؟. ثم ذكر ثلاثة أجوبة: إما لشهرته بكنيته، وإما لقبح اسمه كما تقدم، وإما لتجانس قوله: "ناراً ذات لهبٍ" لأن مآله إلى لهب جهنم. انتهى. وهذا يقتضي أن الكنية أشرف، وأكمل لا أنقص، وهو عكس القول الذي تقدم آنفاً. وقرئ: "يَدَا أبُو لهبٍ" بالواو مكان الجر. قال الزمخشري: "كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، لئلاَّ يغير منه شيء، فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير "مكة" ابنان: أحدهما: "عبدِ الله" بالجر، والآخر "عبدَ الله" بالنصب". ولم يختلف القراء في قوله: "ذَات لهب" أنها بالفتح. والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. [قال قتادة: تبت خسرت. وقال ابن عباس: خابت. وقال عطاء: ضلت. وقال ابن جبير: هلكت. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خير]. فصل في نزول الآية حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أنه لما قتل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - سمع الناس هاتفاً يقول: [مجزوء الوافر] شعر : 5344- لَقدْ خَلَّوكَ وانْصَـرفُـوا فَمَـا آبُـوا وَلا رَجعُـوا ولَـمْ يُـوفُــــوا بِنـذْرِهِـــمُ فَيَــا تَبًّــا لِمَـا صَنَعُـــوا تفسير : فصل في نزول السورة روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: حديث : لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى صعد الصَّفا، فهتف: يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟. قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: "يَا بَنِي فُلانٍ يَا بَنِي فُلانِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا بني عبد المُطَّلب"، فاجتمعوا إليه: فقال: "أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تَخرجُ بسفحِ هذا الجَبلِ، أكُنْتُمْ مُصدِّقِيّ"؟. قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: "فإنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذاب شديدٍ"، فقال أبُو لهبٍ: تبَّا لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة . تفسير : وفي رواية: لما سمعت أمرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر - رضي الله عنه - وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربتُ بهذا الفهر فاهُ؛ والله إني لشاعرة: [منهوك الرجز] شعر : 5345- مُــذمَّــــمــــــاً عَـصـيْـنَـــــــــا وأمْــــــرهُ أبَـيْـنَــــــــــــا ودِينَــــــــــهُ قَــلَــيـنَـــــــــــــا تفسير : ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله, حديث : أما تراها رأتك؟ قال: "مَا رأتْنِي, لقَدْ أخَذَ اللَّهُ بَصرهَا عَنِّي ". تفسير : وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمماً، ثم يسبونه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا تعجبون لما صرف الله تعالى عني من أذى كفار قريش يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد رسول الله ". تفسير : وحكى أبو عبد الرحمن بن زيد: حديث : أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ قال: "كَمَا يُعطَى المُسلمُونَ" قال: ما لي عليهم فضل؟. قال: وأيَّ شيءٍ تَبْغِي؟ قال: تبًّا لهذا من دينٍ، أن أكون أنا وهؤلاء سواء. فأنزل الله تعالى فيه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . تفسير : وحكى عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفد، انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون له: أنت أعلم به منا، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه، ولا يلقونه فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهبٍ: إنا لم نزل نعالجه، فتبَّا له وتعساً، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتأب لذلك، فأنزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أبِي لهَبٍ}. وقيل: إن أبا لهبٍ أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، فمنعه الله تعالى من ذلك، فنزلت: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} للمنع الذي وقع فيه. فصل في تفسير التَّبِّ قال ابن الخطيب: من فسر التبَّ بالهلاك، فلقوله تعالى: {أية : وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} تفسير : [غافر: 37]، أي: في هلاك، ومن فسَّره بالخسران، فلقوله تعالى: {أية : وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} تفسير : [هود: 101]، أي: تخسير، ومن فسره بالخيبة، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: لأنه كان يدفع القوم عنه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، فينصرفون عنه قبل لقائه؛ لأنه كان شيخ القبيلة - لعنه الله - فكان لا يأتيهم، فلما نزلت هذه السورة، وسمع بها غضب، وأظهر العداوة الشديدة، وصار مُتَّهماً، فلما قال في الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعد ذلك، فكأنه قد خاب لسعيه، ولعله إنما ذكر التب؛ لأنه إنما كان يضرب بيده على يد الوافد عليه، فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً يضع بيده على كتفه، ويدفعه عن ذلك الموضع. ومن فسر التبَّ بقوله: ضلت، فلأنه كان يعتقد أن يده العليا، وأنه يخرجه من "مكَّة"، ويذلّه، ومن فسره: بـ "صَفرَتْ" فلأن يده خلت من كل خير. فصل في ترجمة أبي لهب أبو لهب: اسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وامرأته: العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما كان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان يقول: "يا أيُّها النَّاسُ، قولوا: لا إلهَ إلاَّ اللهَ تُفلِحُوا" وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب ساحر، فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟. فقالوا: محمد، يزعم أنه نبيّ، وهو عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سحركم محمد، إن أحدنا ليأكلُ الجذعة، ويشرب العُسّ من اللبن، فلا يشبع، وإن محمداً قد أشبعكم من فخذِ شاةٍ، وأرواكم من عُسِّ لبن. قوله: {مَآ أَغْنَىٰ}. يجوز في "مَا" النَّفي، والاستفهام، فعلى الاستفهام يكون منصوب المحل بما بعدها، التقدير: أي شيء أغنى المال، وقدم لكونه له صدر الكلام. وقوله: {وَمَا كَسَبَ}: يجوز في "مَا" هذه أن تكون بمعنى "الَّذي"، والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية، أي: وكسبه، وأن تكون استفهامية: بمعنى وأي شيء كسب؛ أي: لم يكسب شيئاً، قاله أبو حيان، فجعل الاستفهام بمعنى النفي، فعل هذا يجوز أن تكون نافية، ويكون المعنى على ما ذكر، وهو غير ظاهر. وقرأ ابن مسعود والأعمش: "وما اكتسبَ". فصل في معنى الآية المعنى: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الجاه. وقال مجاهد: وما كسب من مال، وولد الرجل من كسبه. وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس - رضي الله عنه - فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراشِ، فغضب ابن عباس، وقال: أخرجوا عنِّي الكسب الخبيثَ، يعني ولد أبي لهب. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ أطْيبَ ما أكَلَ الرجلُ من كسْبهِ ". تفسير : وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بالنَّار، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقَّا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، فنزل: {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}. قال الضحاك: ما أغنى عنه ماله ما ينفعه ماله، وعمله الخبيث: يعني كيده، وعداوة رسول الله. قوله: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}. قرأ العامة: "سَيَصْلَى" بفتح الياء، وإسكان الصاد، وتخفيف اللام، أي: يصلى هو بنفسه. وقرأ أبو حيوة، وابن مقسم، وعياش في اختياره؛ قال القرطبي: والأشهب العقيلي، وأبو سمال العدوي، ومحمد بن السميفع، "سَيُصلَّى" بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، ومعناه سيصليه الله. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء، والأعمش، ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير عن أبيّ - رضي الله عنه -، وحسين عن أبي بكر عن عاصمٍ: بضم الياء. ومعنى ذات لهب أي ذات اشتعال وتلهب، وقد تقدم القول فيه في سورة المرسلات. قوله: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}. قرأ العامة: بالرفع، على أنها جملة من مبتدأ وخبر، سيقت للإخبار بذلك. قيل: وامرأته، عطف على الضمير في "سيصلى" سوغه الفصل بالمفعول، و "حمَّالة الحَطبِ" على هذا فيها أوجه: كونها نعتاً لـ "امرأته"، وجاز ذلك لأن إضافته حقيقية، إذ المراد المعنى، وكونها: بياناً أو بدلاً، لأنها أقرب من الجوامد لتمحض إضافتها، أو كونها خبراً لمبتدأ مضمر أي: هي حمالةُ. وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما -: ومريئته حمالة الحطب. وعنه أيضاً: "ومريته" على التصغير، إلا أنه أقر الهمزة تارة، وأبدلها ياء، وأدغم فيها أخرى. وقرأ العامة: "حَمَّالةُ" بالرفع، وعاصم: بالنصب على الشَّتم. وقد أتى بجميل من سبّ أم جميل. قال الزمخشري: وكانت تكنى أم جميل، لعنها الله. وقيل: نصب على الحال من "امرأته" إذا جعلناها مرفوعة بالعطف على الضمير. ويضعف جعلها حالاً عند الجمهور من الضمير في الجار بعدها إذا جعلناها لـ "امْرَأتهُ" لتقدمها على العامل المعنوي، واستشكل بعضهم الحالية - لما تقدم - من أن المراد به المعنى، فتتعرف بالإضافة، فكيف يكون حالاً عند الجمهور؟. ثم أجاب بأن المراد الاستقبال؛ لأنه ورد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا. وفي قوله تعالى: {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} قولان: أحدهما: هو حقيقة. قال قتادة: كانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. وقال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل العِضَاهَ، والشَّوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكان صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير. وقال مُرَّة الهمذاني: كانت أم جميل - لعنها الله - تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. القول الثاني: أنه مجاز عن المشي بالنميمة، ورمي الفتن بين الناس؛ قال: [الرجز] شعر : 5346- إنَّ بَنِـــي الأدْرمِ حَمَّـالُــو الحطــــــبْ هُمْ الوشَاةُ في الرِّضَا وفي الغَضَبْ عليْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتَرَى والحَرَبْ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 5347- مِن البيضِ لَمْ تَصطَدْ عَلى ظَهْر لأمَةٍ لمْ تَمْشِ بَينَ الحَيِّ بالحطَبِ الرَّطبِ تفسير : وجعله رطباً تنبيهاً على تدخينه، وهو غريب من ترشيح المجاز، يعني لم تمش بالنمام. وقال سعيد بن جبيرٍ: حمالة الخطايا، والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب ظهره. قال تعالى: {أية : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنعام: 31]. وقرأ أبو قلابة: "حاملة الحطب" على وزن "فاعلة"، وهي محتملة لقراءة العامة، وقرأ عياض: "حمالة للحطب" بالتنوين وجر المفعول بلام زائدة تقوية للعامل كقوله تعالى: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [البروج: 16]، وأبو عمرو في رواية: "وامرأته" باختلاس الهاء دون إشباع. قوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} يجوز أن يكون "في جيدها" خبراً لـ "امرأته"، و "حبل" فاعلاً به وأن يكون حالاً من امرأته على كونها فاعلة، و "حَبْلٌ" مرفوع به أيضاً، وأن يكون خبراً مقدماً و "حَبْلٌ" مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو خبر ثان. والجيدُ: العُنُق. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 5348- وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بفَاحِـشٍ إذَا هِيَ نَصَّتْــهُ ولا بِمُعَطَّــلِ تفسير : و "مِنْ مسدٍ" صفة لـ "حبل"، والمسد: ليف المقل. وقيل: الليف مطلقاً. قال النابغة: [البسيط] شعر : 5349- مَقْذُوفةٍ بدَخيسِ النَّحضِ بَازلُهَا لَهُ صَريفٌ صَريفَ القََعْوِ بالمسَـدِ تفسير : وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 5350- ومَسَــــدٍ أمِـــرَّ مِــــنْ أيـانِــــــقِ ليْــسَ بأنْيَــابٍ ولا حَقَائِــقِ تفسير : وجمع المسد: أمساد. وقال أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف. وقال الحسن: هي حبال من شجرٍ ينبت بـ "اليمن" يسمى المسد وكانت تفتل. فصل قال الضحاك وغيره: هذا في الدنيا، وكانت تعيرُ النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر، وهي تحتطب في حبلٍ تجعله في عنقها من ليفٍ، فخنقها الله - عزَّ وجلَّ - به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار يلف على عنقها. وعن ابن عباس: حبل من مسد قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وهو قول مجاهد وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها، وقال قتادة: "حبل من مسد" حبل من وَدَعٍ. وقال الحسن: إنما كان حرزاً في عنقها. وقال سعيد بن المسيب: كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون عذاباً في جيدها يوم القيامة. وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوط في جيدها بحبل من مسد. والمسدُ: الفَتْلُ، يقال: مسد حبله يمسده مسداً، أي: أجاد فتلهُ. قال: [الرجز] شعر : 5351 يَمْسدُ أعْلَى لحْمِهِ ويَأرِمُهْ تفسير : يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار. وقال ابن الخطيب: وقيل: المسد يكون من الحديد، وظنُّ من ظنَّ أن المسد لا يكون من الحديد خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من غيره، ورجل ممسود، أي: مجدول الخلق وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة؛ والمساد: على "فِعَال": لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري. [فإن قيل: إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبداً في النار؟. قلنا: كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار]. فصل في الإخبار عن الغيب تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه: أولها: الأخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك. وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك. وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك، لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى "مكة"، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة. فصل في جواز تكليف ما لا يطاق احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه. ذكر الثعلبيُّ عن أبيّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ {تَبَّتْ} رجَوْتُ أنْ لا يجْمعَ اللهُ تَعَالَى بَينهُ وبَيْنَ أبِي لهبٍ في دارٍ واحدةٍ".

البقاعي

تفسير : لما قدم سبحانه وتعالى في سورة النصر القطع بتحقيق النصر لأهل هذا الدين بعد ما كانوا فيه من الذلة، والأمر الحتم بتكثيرهم بعد الذي مر عليهم مع الذلة من القلة، وختمها بأنه التواب، وكان أبو لهب - من شدة العناد لهذا الدين والأذى لإمامة النبي صلى الله عليه وسلم سيد العالمين مع قربه منه - بالمحل الذي لا يجهل، بل شاع واشتهر، وأحرق الأكباد وصهر، كان بحيث يسأل عن حاله إذ ذاك هل يثبت عليه أو يذل، فشفى غلَّ هذا السؤال، وأزيل بما يكون له من النكال، وليكون ذلك بعد وقوع الفتح ونزول الظفر والنصر، والإظهار على الأعداء بالعز والقهر، مذكراً له صلى الله عليه وسلم بما كان أول الأمر من جبروتهم وأذاهم وقوتهم بالعَدد والعُدد، وأنه لم يغن عنهم شيء من ذلك، بل صدق الله وعده في قوله سبحانه وتعالى{أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جنهم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 12] وكذبوا فيما كانوا فيه من التعاضد والتناصر والتحالف والتعاقد، فذكر تعالى أعداهم له وأقربهم إليه في النسب إشارة إلى أنه لا فرق في تكذيبه لهم بين القريب والبعيد. وإلى أنه لم ينفعه قربه له ليكون ذلك حاملاً لأهل الدين على الاجتهاد في العمل من غير ركون إلى سبب أو نسب غير ما شرعه سبحانه، فقال تعالى معبراً بالماضي دلالة على أن الأمر قد قضى بذلك وفرغ منه، فلا بد من كونه ولا محيص: {تبت} أي حصل القطع الأعظم والحتم الأكمل، فإنها خابت وخسرت غاية الخسارة، وهي المؤدية إلى الهلاك لأنه لا نجاة إلا نجاة الآخرة، وجعل خطاب هذه السورة عن الله ولم يفتتحها بـ"قل" كأخواتها لأن هذا أكثر أدباً وأدخل في باب العذر وأولى في مراعاة ذوي الرحم، ولذلك لم يكرر ذكرها في القرآن، وأشد في انتصار الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى التخويف وتجويز سرعة الوقوع. ولما كانت اليد محل قدرة الإنسان، فإذا اختلت اختل أمره، فكيف إذا حصل الخلل في يديه جميعاً، قال مشيراً بالتثنية إلى عموم هلاكه بأن قوته لم تغن عنه شيئاً، ولأن التثنية يعبر بها عن النفس، ومشيراً بالكنية وإن كان يؤتى بها غالباً للتشريف إلى مطابقة اسمه لحاله، ومجانسته الموجبة لعظيم نكاله: {يدا أبي لهب} فلا قدرة له على إعطاء ولا منع، ولا على جلب ولا دفع، وإشارة إلى أن حسن صورته لم تغن عنه شيئاً من قيبح سيرته لقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"تفسير : لأنه إنما كني بهذا لإشراق وجهه وتوقد وجنتيه، ولأنها أشهر، فالبيان بها أقوى وأظهر، والتعبير بها - مع كونه أوضح - أقعد في قول التي هي أحسن. لأن اسمه عبد العزى وهو قبيح موجب للعدول عنه غيرة على العبودية أن تضاف إلى غير مستحقها. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل: قد انقضى عمرك يا محمد، وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك، وأديت ما تحملته وحان أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجاً، واستجابتهم بعد تلكؤهم، والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب الناس إليك. فقد فصلت سورة {قل يا أيها الكافرون} بين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من اتبعك من عاداك، ولهذا سماها عليه الصلاة والسلام المبرئة من النفاق، وليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان، وأن القرابات غير نافعه ولا مجدية شيئاً إلا مع الإيمان {لكم دينك ولي دين} {أية : أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون}تفسير : [يونس: 41]،{أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}تفسير : [التوبة: 71] وههنا انتهى الكتاب بجملته - انتهى. ولما كان ربما خص التباب بالهلاك، وحمل على هلاك اليدين حقيقة، وكان الإنسان لا يزول جميع منفعته بفوات يديه وإن كان قد يعبر بهما عن النفس، قال مصرحاً بالمقصود: {وتب} أي هو بجملته بتمام الهلاك والخسران، فحقق بهذا ما أريد من الإسناد إلى اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده، والظاهر أن الأول دعاء والثاني خبر، وعرف بهذا أن الانتماء إلى الصالحين لا يغني إلا إن وقع الاقتداء بهم في أفعالهم لأنه عم النبي صلى الله عليه وسلم. ومادة "تب" و "بتّ" - الجامعة بجمع التاء والباء للسببين الأدنى الباطني والأعلى الظاهري - تدور على القطع المؤدي في أغلب أحواله إلى الهلاك، لأن من انقطع إلى الأسباب معرضاً عن مسببها كان في أعظم تباب، وربما كان القطع باستجماع الأسباب، فحصل العوز بالمقاصد والمحابّ، قال ابن مكتوم في الجمع بين المحكم والعباب: التب والتباب: الخسار، وتباً له - على الدعاء، وتباً تبيباً - على المبالغة، قال الإمام أبو عبد الله القزاز: كأنك قلت: خسراناً له، وهو المصدر، نصب نصب سقياً له، قال ابن دريد: وكأن التب المصدر والتباب الاسم، والتبب والتباب والتبيب: الهلاك، والتتبيب النقص والخسار، وكل هذا واضح في القطع عن الخير والفوز، قال: والتابّ: الكبير من الرجال، والأنثى تابة، وقال القزاز: إذا سألت الرجل عن المرأة قلت: أشابة هي أم تابة، أي أم عجوز فانية، ومعلوم أن كبر السن مقرب من القطع والهلاك، والتاب: الضعيف، والجمع أتباب - هذلية، وحمار تاب الظهر - إذا دبر، وجمل تاب كذلك نادرة، ولا شك أن الدبر والضعف هلاك في المعنى. وتب: قطع مثل بت، أي بتقديم الموحدة ووقعوا في تبوب منكرة، وهو بتبة أي بحالة شديدة، والتبي - بالفتح والكسر: ضرب من تمر البحرين، قيل: هو رديء يأكله سقاط الناس، وأتب الله قوته: أضعفها، وتببوهم تتبيباً: أهلكوهم، وتبتب: شاخ، وكل ذلك واضح في القطع بالهلاك والخسار، والتبوب يعني بالضم: ما انطوت عليه الأضلاع كالصدر والقلب، وهذا يحتمل الخير والشر، فإن القلب إذا فسد فسد الجسد كله، وإذا صلح صلح الجسد كله، فيكون حينئذ القطع، بالفوز والنجاة، أو لأن انطواء الأضلاع عليه قطعة عن الخارج، واستتب الأمر: تهيأ واستوى. وقال القزاز: ويقال: هذه العلة لا تستتب في نظار هذا القول، أي لا تجري في نظائره، كأنه من باب الإزالة إذ إن السين لما جامعت حرف السببين آذنت بالنجاح والفوز والفلاح، فإنها حرف تدل على الاستيفاء في الإنباء عن الشيء والتتمة والألفة، وأحسن من هذا أنها إذا جرت في النظائر أوضحتها وكشفت معانيها ففصلتها وأبانتها وقطعتها عن غير النظائر بما أزالت من الإلباس بها، والذي يحقق معاني التب ويظهر أنه يؤول إلى القطع مقلوبه، وهو البت - بتقديم الموحدة التي هي السبب الظاهر الذي هو أقوى من حيث إنه لا يتحقق إلا بكمال السبب الباطني، يقال: بت الشيء يبته بتاً، وأبته: قطعه قطعاً مستأصلاً، وبت هو يُبت وبيِت بتاً وانبت، ولعله استوى فيه المجرد والمزيد في التعدية دلالة على أن ما حصل بالمجرد من القطع هو من الكمال بحيث لا مزيد عليه، وكذا استوى القاصر مجرداً ومطاوعاً مع المتعدي في أصل المعنى. وصدقه بتة: بتلة باينة من صاحبها، وطلقها ثلاثاً بتة وإبتاتاً، أي قطعاً لا عود فيه، ولا أفعله البتة - كأنه قطع فعله، قال سيبويه: وقالوا: قعد البتة - مصدر مؤكد، ولا يستعمل إلا بالألف واللام، وبت عليه القضاء بتاً وأبته: قطعه، وسكران ما يُبت كلاماً وما يُبت أي ما يقطعه، قال القزاز: يُبت من أبت، ويبَت من بَتَّ، وسكران باتّ: منقطع عن العمل بالسكر، وأبت يمينه: أمضاها، أي قطعها عن الحنث، وبتت هي: وجبت وحلت بتاً وبتة وبتاتاً، وكل ذلك من القطع، وأبت بعيره، أي قطعه بالسير، والمنبت في الحديث: الذي أتعب دابته حتى عطب ظهره فبقي منقطعاً به، وقال القزاز: هو الذي أتعب دابته حتى قطع ظهرها فبقي منبتاً به، أي منقطعاً به، وبت عليه الشهادة وأبتها: قطع عليه بها وألزمه إياها، وبت عليه القضاء وأبته، قطعه، والبات: المهزول الذي لا يقدر أن يقوم - كأنه قد انقطعت قوته، وفي الحديث"حديث : لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل"تفسير : فمعناه: يوجبه، أي يقطعه على نفسه قبل الفجر، من أبت عليه الحكم - إذا قطعه، وروي: يبت، من بت - إذا قطع، وكلاهما بمعنى، وهما لغتان فصيحان. وروي في حديث"حديث : من لم يبت"تفسير : من البيات، وأحمق بات: شديد الحمق - كذا قاله الليث، وقال الأزهري: هو تاب - بتأخير الموحدة، والبت: كساء غليظ مهلهل مربع أخضر، وقيل: هو من وبر وصوف، والجمع بتوت، والبتات أي بالتخفيف: متاع البيت والزاد، كأن ذلك يقطع صاحبه عن الحاجة، وبتتوه: زودوه، أو أن ذلك من الإزالة لأنه صلة لصاحبه ورفد لأن الاستقراء حاصل بأن كل مادة لها معنى غالب تدور عليه وفيها شيء لإزالة ذلك المعنى، وفلان على بتات أمر - إذا أشرف على فراغه، فإنه ينقطع حينئذ، وتقول: طحنت بالرحى بتاً - إذا ابتدأت الإدارة عن يسارك، كأنه دال على القطع بتمام العزيمة لأن ذلك أقوى للطاحن وأمكن، وانبت الرجل: انقطع ماء ظهره، ويقال: هذا حبل بتّ: إذا كان طاقاً واحداً، كأنه لما كان كذلك فكان سهل القطع أطلق عليه القطع مبالغة مثل عدل، وقد انبت فلان عن فلان - إذا انقطع وانقبض. ولما أوقع سبحانه الإخبار بهلاكه على هذا الوجه المؤكد لما كان لصاحب القصة وغيره من الكفار من التكذيب بلسان حاله وقاله لما له من المال والولد، وما هو فيه من القوة بالعَدد والعُدد، زاد الأمر تحققاً إعلاماً بأن الأحوال الدنيوية لا غناء لها فقال مخبراً، أو مستفهماً منكراً {ما أغنى} أي أجزى وناب وسد {عنه} أي عن أبي لهب الشقي الطريد المبعود عن الرحمة مع العذاب {ماله} أي الكثير الذي جرت العادة بأنه ينجي من الهلاك. ولما كان الكسب أعم من المال، وكان المال قد يكسب منافع هي أعظم منه من الجاه وغيره، وكان الإنسان قد يكون فائزاً ولا مال له بأمور أثلها بسعيه خارجة عن المال، قال مفيداً لذلك مبيناً أنه لا ينفع إلا ما أمر الله به {وما كسب *} أي وإن كان ذلك على وجه هائل من الولد والأصحاب والعز بعشيرته التي كان يرضيها باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل يؤذيه ويكذبه وينهى الناس عن تصديقه مع أنه كان قبل ذلك يناديه بالصادق الأمين، وكان ابنه عتبة شديد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"تفسير : فكان أبو لهب يعرف أن هذه الدعوة لا بد أن تدركه، فلما حان الأمر وكان قد آن ما أراد صاحب العز الشامخ، سبب له أن سافر إلى الشام فأوصى به أبوه الرفاق لينجوه رغم من هذه الدعوة، فكانوا يحدقون به إذا نام ليكون وسطهم، والحمول محيطة به وهم محيطون بها والركاب محيطة بهم، فلم ينفعه ذلك بل جاء الأسد فتشمم الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه ولم ينفع أباه ذلك، بل استمر على ضلاله لما سبق في علم الله تعالى حتى كانت وقعة بدر فلم يخرج فيها فلما جاء الفلال كان منهم ابن أخيه أبو سفيان بن الحارث فقال: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر: فقال نعم! فوالله ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يفتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، ومع ذلك والله مللت الناس لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئاً - أي ما تبقيه - ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان جالساً في حجرة في المسجد يبري نبلاً، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وكنا نكتم إسلامنا، فما ملكت نفسي أن قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك عليّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت أم الفضل - يعني سيدته - زوجة العباس رضي الله عنها إلى عمود الحجرة - أي الخيمة - فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت: استضعفته أي عدو الله إن غاب عنه سيده، فقام مولياً ذليلاً فوالله ما عاش إلا سبع ليال أو ستاً حتى رماه الله بالعدسة فقتله وما نفعه إبعاده عن الخطر بتخلفه عن بدر، والعدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل غالباً، قال القزاز: كانت تعدي في الجاهلية قلما يسلم منها أحد، تقول: عدس الرجل فهو معدوس، كما تقول: طعن فهو مطعون - إذا أصابه الطاعون - انتهى. ولأجل تشاؤم العرب بها ترك أبو لهب من غير دفن ثلاثاً حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، ويقال: إنهم حفروا له حفرة بعيدة عنه من شدة نتنه ثم دفعوه بخشب طوال حتى رموه فيها ورجموه بالحجارة والتراب من بعيد حتى طموه، فكان ذلك سنة في رجمه فهو يرجم إلى الآن، وذلك من أول إعجاز هذه الآيات أن كان سبة في العرب دون أن يغني عنه شيء مما يظن أنه يغني عنه. ولما أخبر سبحانه وتعالى بوقوع هذا التبار الأعظم به، وكان لا عذاب يداني عذاب الآخرة، بينه بقوله: {سيصلى} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه {ناراً} أي فيدس فيها وتنعطف عليه وتحيط به. ولما كان المقصود شدة نكايته بأشد ما يكون من الحرارة كما أحرق أكباد الأولياء، وكانت النار قد تكون جمراً ثم تنطفىء عن قرب قال: {ذات لهب *} أي لا تسكن ولا تخمد أبداً لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر عنها بـ"ذات"، وذلك بعد موته وليس في السورة دليل قاطع على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون الصلي على الفسق، فلا دليل فيها لمن يقول: إن فيها التكليف بما علم أنه محال ليكون قد كلف بأن يؤمن وقد علم أنه حكم بأنه لا يؤمن، وإن كان الله قد حقق هذا الخبر بموته كافراً في الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر وهي الخامسة عشرة من النبوة، لكن ما عرف تحتم كفره إلا بموته كافراً لا بشيء في هذه السورة ولا غيرها، ومن الغرائب أن الكلمات المتعلقة به في هذه السورة خمس عشرة كلمة، فكانت مشيرة إلى سنة موته بعد أن رأى تبابه في وقعة بدر وغيرها بعينه، فإذا ضممنا إليها كلمات البسملة الأربع وازت سنة ست من الهجرة، وهي سنة عمرة الحديبية سنة الفتح السببي التي تحقق فيها تبابه وخساره عند كل من عنده إيمان بالغيب ودفع للريب، فإذا ضممت إليها الضميرين البارزين اللذين هما أقرب إلى الكلمات الاصطلاحية من المستترة وازت سنة ثمان من الهجرة التي كان فيها الفتح الحقيقي، فتحقق عند قريش كافة ما أنزل فيه في هذه السورة، فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاثة المستترة وازت سنة إحدى عشرة على أنك إذا بدأت بالضمائر المستترة حصلت المناسبة أيضاً، وذلك أنها توازي سنة تسع وهي سنة الوفود التي دخل الناس فيها في الدين أفواجاً وحج فيها بالناس أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أميراً، ونودي في الموسم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، فتحققت خيبة أبي لهب عند كل من حضر الموسم لا سيما من كان يعلم دورانه وراء النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه له من مسلم وغيره، فإذا ضممنا إلى ذلك الضميرين البارزين وازت سنة إحدى عشرة أول سني خلافة الصديق رضي الله عنه التي فتحت فيها جميع جزيرة العرب بعد أن لعب الشيطان بكثير من أهلها. فرجعوا بعد أن قتل الله منهم من علم أنه مخلوق لجهنم، وتحقق حينئذ ما لأبي لهب من التباب والنار ذات الالتهاب عند العرب كافة بإيمانهم عامة في السنة الحادية عشرة من الهجرة بعد مضي ثلاث وعشرين سنة من النبوة، واستقر الأمر حينئذ، وعلم أن الدين قد رسخت أوتاده وثبت عماده، وأن الذي كان يحميه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قد حماه بعده وهو سبحانه حي لا يموت وقادر لا يعجزه شيء، وعدد كلمات السورة ثلاث وعشرون وهي توازي سنة حجة الوداع سنة عشر، فإنها السنة الثالثة والعشرون من المبعث وفيها كمل الدين ونزلت آية المائدة. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرض العرب، فتحقق كل الناس لا سيما من حضر الموسم تباب أبي لهب الذي كان يدور في تلك المشاهد وراء النبي صلى الله عليه وسلم يكذبه ويؤذيه{أية : إن في ذلك لعبرة}تفسير : [آل عمران: 13 - والنور: 44]. ولما أخبر سبحانه وتعالى عنه بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار، وكان أشق ما على الإنسان هتك ما يصونه من حريمه حتى أنه يبذل نفسه دون ذلك لا سيما العرب، فإنه لا يدانيهم في ذلك أحد، زاده تحقيراً بذكر من يصونها معبراً عنها بما صدرها بازراً صورة وأشنعها، فقال مشيراً إلى أن خلطة الأشرار غاية الخسار، فإن الطبع وإن كان جيداً يسرق من الردىء، فكيف إذا كان رديئاً وإن أرضى الناس بما يسخط الله أعظم الهلاك {وامرأته} أي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي مثل زوجها في التباب والصلي من غير أن يغني عنها شيء من مال ولا حسب ولا نسب، وعدل عن ذكرها بكنيتها لأن صفتها القباحة وهي ضد كنيتها، ومن هنا تؤخذ كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفاً بما دل عليه لقبه، ثم وصفها بما أشار إليه ذنبها وأكمل قبيح صورتها فقال: {حمالة الحطب} أي الحاملة أقصى ما يمكن حمله من حطب جهنم بما كانت تمشي به وتبالغ فيه من حمل حطب البهت والنميمة الذي تحمل به على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشدة أذاه وإيقاد نار الحرب والخصومة عليه صلى الله عليه وسلم، من قول الشاعر: شعر : من البيض لم تصطد على ظهر لأمه ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب تفسير : أراد النميمة، وعبر بالرطب للدلالة على زيادة الشر بما فيه من التدخين وشبهت النميمة بالحطب لأنها توقد الشر فتفرق بين الناس كما أن الحطب يكون وقوداً للنار فتفرقه، وكذا بما كانت تحمل من الشوك وتنثره ليلاً في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لتؤذيه، وكانت تفعله بنفسها من شدة عداوتها وتباشره ليلاً لتستخفي به لأنها كانت شريفة، فلما نزلت سورة صوّرتها بأقبح صورة فكان ذلك - أعظم فاضح لها، وقراءة عاصم بالنصب للقطع على الشتم تؤدي أن امرأته مبتدأ وأن الخبر {في جيدها} أي عنقها وأجود ما فيها - هو حال على التقدير الأول {حبل} كالحطابين تخسيساً لأمرها وتحقيراً لحالها {من مسد} أي ليف أو ليف المقل أو من شيء قد فتل وأحكم فتله، من قولهم: رجل ممسود الخلق، أي مجدوله - وقد رجع آخرها على أولها، فإن من كانت امرأته مصورة بصورة حطابة على ظهرها حزمة حطب معلق حبلها في جيدها فهو في غاية الحقارة، والتباب والخساسة والخسارة وحاصل هذه السورة أن أبا لهب قطع رحمه وجار عن قصد السبيل واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره، وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لم يأل جهداً في نصحه على ما تراه من أنه لم يأل هو - جهداً في أذاه واعتمد على ماله وأكسابه فهلك وأهلك امرأته معه ومن تبعه من أولاده، ومن أعظم مقاصد سورة النساء المناظرة لها في رد المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيما لذوي الأرحام، والعدل في جميع الأقوال والأفعال، فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن الهوى، وحال الضال الذي إنما ينطق عن الهوى - قوله تعالى:{أية : يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم}تفسير : [النساء: 26] وختمها إشارة إلى التحذير من مثل حاله، فكأنه قيل: يبين الله لكم أن تضلوا فكونوا كأبي لهب في البوار، وصلي النار - كما تبين لكم، فكونوا على حذر من كل ما يشابه حاله وإن ظهر لكم خلاف ذلك، فأنا أعلم منكم، والله بكل شيء عليم "والحمد لله رب العالمين".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أنزلت ‏ {‏تبت يدا أبي لهب‏}‏ بمكة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالأت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه، فقال‏:‏ يا ابنت عتبة هل نصرت اللات والعزى‏؟‏ قالت‏:‏ نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة‏.‏ قال‏:‏ إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فما ذاك وصنع في يدي، ثم نفخ في يديه ثم قال‏:‏ تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فنزلت ‏ {‏تبت يدا أبي لهب‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ فحصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع حتى هلك فينا من هلك‏. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏حديث : لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين‏} ‏[الشعراء: 214‏]‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف‏:‏ يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال‏:‏ أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ‏؟ قالوا‏:‏ ما جربنا عليك كذبا‏.‏ قال‏:‏ فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏.‏ فقال أبو لهب‏:‏ تبًّا لك إنما جمعتنا لهذا‏؟‏ ثم قام فنزلت هذه السورة ‏{‏تبت يدا أبي لهب وتب‏}‏ ‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏تبت يدا أبي لهب‏} ‏ قال‏:‏ خسرت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ‏ {‏تبت يدا أبي لهب‏}‏ قال‏:‏ خسرت ‏ {‏وتب‏} ‏ قال‏:‏ خسر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏تبت يدا أبي لهب وتب‏}‏ قال‏:‏ خسرت يدا أبي لهب وخسر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏:‏ إنما سمي أبا لهب من حسنه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ابنه من كسبه، ثم قرأ ‏ {‏ما أغنى عنه ماله وما كسب‏} ‏ قالت‏:‏ وما كسب ولده‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال‏:‏ كان يقال‏:‏ ما أغنى عنه ماله وما كسب وولده كسبه ومجاهد وعائشة قالاه‏.‏ وأخرج الطبراني عن قتادة قال‏:‏ كانت رقيه بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله ‏{‏تبت يدا أبي لهب‏}‏ سأل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق رقية فطلقها فتزوّجها عثمان‏.‏ وأخرج الطبراني عن قتادة قال‏:‏ تزوّج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتيبة بن أبي لهب، وكانت رقية عند أخيه عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله ‏ {‏تبت يدا أبي لهب‏} ‏ قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة‏:‏ رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد، وقالت أمهما بنت حرب بن أميه، وهي حمالة الحطب‏:‏ طلقاهما فإنهما قد صبتا، فطلقاهما‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تلقي في طريق النبي صلى الله عليه وسلم الشوك، فنزلت ‏ {‏تبت يدا أبي لهب، وامرأته حمالة الحطب‏}‏ فلما نزلت بلغ امرأة أبي لهب أن النبي يهجوك، قالت‏:‏ علام يهجوني‏؟‏ هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطباً في جيدي حبل من مسد‏؟‏ فمكثت ثم أتته فقالت‏:‏ إن ربك قلاك وودعك، فأنزل الله {أية : ‏والضحى‏}‏تفسير : ‏[الضحى: 1] إلى ‏{‏أية : وما قلى‏}‏ تفسير : [الضحى: 3].‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ‏ {‏وامرأته حمالة الحطب‏} ‏ قال‏:‏ كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏وامرأته حمالة الحطب‏} ‏ قال‏:‏ كانت تمشي بالنميمة ‏{‏في جيدها حبل من مسد‏}‏ من نار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏وامرأته حمالة الحطب‏} ‏ قال‏:‏ كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ‏ {‏في جيدها حبل‏}‏ قال‏:‏ عنقها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏{‏حمالة الحطب‏} ‏ قال‏:‏ كانت تحمل النميمة فتأتي بها بطون قريش‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عروة بن الزبير ‏ {‏في جيدها حبل من مسد‏} ‏ قال‏:‏ سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعا‏ً.‏ وأخرج ابن الأنباري عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏في جيدها حبل من مسد‏} ‏ قال‏:‏ من الودع‏.‏ وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏وامرأته حمالة الحطب‏}‏ قال‏:‏ كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، ويقال ‏ {‏حمالة الحطب‏}‏ نقالة الحديث ‏{‏حبل من مسد‏}‏ قال‏:‏ هي حبال تكون بمكة، ويقال المسد العصا التي تكون في البكرة، ويقال‏:‏ المسد قلادة لها من ودع‏.‏ وأخرج ابن عساكر بسند فيه الكديمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏بعثت ولي أربع عمومة، فأما العباس فيكنى بأبي الفضل، ولولده الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بأبي يعلى، فأعلى الله قدره في الدنيا والآخرة، وأما عبد العزى فيكنى بأبي لهب، فأدخله الله النار وألهبها عليه، وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال‏:‏ مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال‏:‏ هذه ابنة عدو الله أبي لهب، فأقبلت عليه فقالت ذكر الله أبي لنسابته وشرفه وترك أباك لجهالته، ثم ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يؤذين مسلم بكافر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وأبي هريرة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم قالوا‏:‏ قدمت درة بنت أبي لهب مهاجرة فقال لها نسوة‏:‏ أنت درة بنت أبي لهب الذي يقول الله‏‏ ‏{‏تبت يدا أبي لهب‏}‏ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال‏:‏ ‏"‏حديث : يا أيها الناس مالي أوذى في أهلي فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي حتى إن حكما وحاء وصدا وسلهبا تنالها يوم القيامة بقرابتي ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : مكية وآيُها خمس {تُبْتُ} أيْ هلكَتْ {يَدَا أَبِى لَهَبٍ} هُو عبدُ العُزَّى بنُ عبدِ المطلبِ وإيثارُ التبابِ على الهلاكِ وإسنادُهُ إلى يديهِ لما رُويَ أنَّهُ لما نزلَ { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأقْرَبِينَ} تفسير : [سورة الشعراء، الآية 214] رَقَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّفَا وجمعَ أقاربَهُ فأنذرهُم فقالَ أبُو لهبٍ: تباً لكَ ألِهذَا دعوتَنَا؟ وأخذَ حجراً ليرميهِ عليهِ السلامُ بهِ {وَتَبَّ} أيْ وهلكَ كُلُّه وقيلَ: المرادُ بالأولِ هلاكُ جملتِه كقولِه تعالَى: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 195] ومَعْنى وتَبَّ وكانَ ذلكَ وحصلَ كقولِ من قالَ: شعر : جَزَانِي جَزَاهُ الله شَرَّ جزائِه جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وَقَدْ فَعَلْ تفسير : ويؤيدُه قراءةُ من قَرأ وقَدْ تَبَّ وقيلَ: الأولُ إخبارٌ عن هلاكِ عملِه لأنَّ الأعمالَ تزاولُ غالباً بالأيدِي والثانِي إخبارٌ عن الهلاك نفسه وقيل كلاهما دعاء عليه بالهلاك وقيل الأول دعاء والثاني إخبار وذِكرُ كنيتِه للتعريضِ بكونِه جُهنمياً ولاشتهارِه بهَا ولكراهةِ ذكرِ اسمِه القبـيحِ وقُرِىءَ أَبُو لهبٍ كما قيلَ: عليُّ بنُ أبُو طالبٍ وقرىءَ أبـي لَهْبٍ بسكون الهاء {مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} أيْ لَمْ يُغنِ عنْهُ حينَ حَلَّ بهِ التبابُ على أنَّ ما نافيةٌ أو أيُّ شيءٍ أغنَى عنْهُ على أنَّها استفهاميةٌ في مَعْنى الإنكارِ منصوبةٌ بمَا بعدَها أصلُ مالِه وما كسبَهُ مِنَ الأرباحِ والنتائجِ والمنافعِ والوجاهةِ والأتباعِ أو مالُه الموروثُ من أبـيهِ والذي كسبَهُ بنفسِه أو عملُه الخبـيثُ الذي هُو كيدُه في عداوةِ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أو عملُه الذي ظَنَّ أنَّه منْهُ على شيءٍ كقولِه تعَالَى: { أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} تفسير : [سورة الفرقان، الآية 23] وعَنِ ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهُمَا ما كسبَ ولدُهُ ورُويَ أنه كانَ يقولُ: إنْ كانَ ما يقولُ ابنُ أخِي حقاً فأنَا أفتدِي منْهُ نفسِي بمالِي وولدِي فأستخلصُ منهُ وقد خابَ مرجاهُ وما حصلَ ما تمناهُ فافترسَ ولدَهُ عتبةَ أسدٌ في طريقِ الشامِ بـينَ العيرِ المكتنفةِ بهِ وقدْ كانَ عليهِ السلامُ دعَا عليهِ وقالَ: « حديث : اللهمَّ سلطْ عليهِ كلباً من كلابكَ » تفسير : وهلك نفسه بالعدسةِ بعدَ وقعةِ بدرٍ لسبعِ ليالٍ فاجتنبَهُ أهلُهُ مخافةَ العدوَى وكانتْ قريشٌ تتقيهَا كالطاعونِ فبقَي ثلاثاً حتى أنتنَ ثم استأجرُوا بعضَ السودانِ فاحتملُوه ودفنُوه فكانَ الأمرُ كما أخبرَ بهِ القرآنُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}[1] قال: أي خسرت يداه، {وَتَبَّ}[1] أي خسر، فالخسران الأول خسران المال، والخسران الآخر خسران النفس، ومعنى الخسران ما ذكر بعد ذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [الآية: 1]. قال أبو بكر بن طاهر رحمه الله: ظهر حيران من لم ينزلك المنزلة التى أنزلناكها من القرب، والدنو والنبوة، والمحبة خسرانًا ظاهرًا وضلَّ ضلالاً بعيدًا.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. أي: خَسِرَت يداه. {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}. ما أغنى عنه مالُه ولا كَسْبُه الخبيثُ - شيئاً. وقيل: {وَمَا كَسَبَ}: وَلَدُه. قوله جل ذكره: {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ}. يلزمها إذا دَخَلَها؛ فلا براحَ له منها. وامرأتُه أيضاً سَتَصْلَى النارَ معه. {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. "مَسَدٌ" شيءٌ مفتول، وكانت تحمل الشوك وتنقله وتبثه في طريقِ رسول الله عليه الصلاة والسلام. ويقال: سُحْقاً لِمَنْ لا يعرف قَدْرَكَ - يا محمد. وبُعْدَاً لِمَنْ لم يشهد ما خصصناكَ به مِنْ رَفْع محلِّك، وإكبارِ شأنِك... ومَنْ ناصبَكَ كيف ينفعه مالُه؟ والذي أقميناه لأجلِكَ وقد (أساء) أعماله.. فإنَّ إلى الهوانِ والخِزْي مآله، وإنَّ على أقبحِ حالٍ حالَ امرأتِه وحالَه.

البقلي

تفسير : وبج الله من لا يصل يدهمته الى وثقى عروة نبوته والايمان برسالته والمعرفة بكمال شرف خسرت فى الازل يده اذ قطعيا الحق عن مصافحة حبيبه صلاة الله عليه وسلامه عليه والاحد بعروة متابعة تلك الخسران من خذلان الحق اياه فاذا كان محجبا عن طريق الرشد لا ينفعه اعماله ولا امواله.

اسماعيل حقي

تفسير : {تبت} اى اهلكت فان التباب الهلاك ومنه قولهم أشابة ام تابة اى هالكة من الهرم والعجز او خسرت فان التباب ايضا خسران يؤدى الى الهلاك {يدا ابى لهب} تثنية يد واللهب واللهيب اشتعال النار اذا خلص من الدخان او لهبها لسانها ولهيبها حرها ابو لهب وتسكن الهاء كنية عبد العز بن عبد المطلب لجماله او لماله كما فى القاموس يعنى ان التكنى لاشراق وجنتيه وتلهبهما والا فليس له ابن يسمى باللهب وايثار التباب على الهلاك واسناده الى يديه لما روى انه لما نزل وأنذر عشيرتك الاقربين رقى رسول الله عليه السلام الصفاء وجمع اقاربه فأنذرهم فقال حديث : فقال يا بنى عبد المطلب يا بنى فهر ان اخبرتكم ان بسفح هذا الجبل خيلا اكنتم مصدقىتفسير : قالوا نعم يعنى اكرمن شمارا خبر كنم بآنكه در باى اين كوه جمعى آمده اند بداعبه آنكه بر شماشبيخون كرده دست بقتل وغارت بكشايند مرا دران تصديق ميكنيد بانه كفتند جرا نكنيم وتوبيش ما بدروغ عتهم نشده. قالحديث : فانى نذير لكم بين يدى الساعةتفسير : فقال عمه ابو لهب تبا لك يعنى هلاكت باد. ألهذا دعوتنا واخذ حجرا بيده ليرميه عليه السلام به فمنعه الله من ذلك حيث لم يستطع ان يرميه فلا كناية فى ذكر اليدين ووجه وصف يديه بالهلاك ظاهر واما وصفهما بالخسران فلرد ما اعتقده من نفعه وربحه فى اذية رسول الله عليه السلام ورميه بالحجر وذكر فى التأويلات الما تريدية انه كان كثير الاحسان الى رسول الله عليه السلام وكان يقول ان كان الامر لمحمد فيكون لى عنده يد وان كان لقريش فلى عندها يد فاخبر أنها خسرت يده التى كانت عند محمد عليه السلام بعناده له ويده التى عند قريش ايضا لخسران قريش وهلاكهم فى يد محمد {وتب} اى وهلك كله فهو اخبار بعد اخبار والتعبير بالماضى لتحقق وقوعه وقيل المراد بالاولى هلاك جملته كقوله تعالى ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة على ان ذكر اليد كناية عن النفس والجملة ومعنى وتب وكان ذلك وحصل ويؤيده قرآءة من قرأ وقد تب فان كلمة قد لا تدخل على الدعاء وقيل كلاهما دعاء عليه بالهلاك والمراد بيان استحقاقه لان يدعى عليه بالهلاك فان حقيقة الدعاء شأن العاجز وانما كناه والتكنية تكرمه لاشتهاره بكنيته فليست للتكريم او لكراهة ذكر اسمه القبيح اذ فيه اضافة الى الصنم او للتعريض بكونه جهنميا لانه سيصلى نارا ذات لهب يعنى ان ابا لهب باعتبار معناه الاضافى يصلح ان يكون كناية عن حاله وهىكونه جهنميا لان معناه باعتبار اضافته ملابس اللهب كما ان معنى ابو الخير واخو الحرب بذلك الاعتبار ملابس الخير والحرب واللهب الحقيقى لهب جهنم وهذا المعنى يلزمه انه جهنمى ففيه انتقال من الملزوم الى اللازم فهى كنية تفيد الذم فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر فاسق ومبتدع الا لخوف فتنة او تعريف لان ذلك خاص بالكنية التى تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها فى الاتقان ليس فى القرءآن من الكنى غير ابى لهب ولم يذكر اسمه وهو عبد العزى اى الصنم لانه حرام شرعا انتهى وفيه ان الحرام وضع ذلك لا استعماله وفى كلام بعضهم ما يفيدان الاستعمال حرام ايضا الا ان يشهر بذلك كما فى الاوصاف المنقصة كالاعمش وكان بعد نزول هذه السورة لا يشك المؤمن انه من أهل النار بخلاف غيره ولم يقل فى هذه السورة قل تبت الخ لئلا يكون مشافها لعمه بالشتم والتغليظ وان شتمه عمه لان للعم حرمة كحرمة الاب لانه مبعوث رحمة للعالمين وله خلق عظيم فاجاب الله عنه وقرئ ابو لهب بالواو كما قيل على بن ابو طالب ومعاوية بن ابو سفيان مع ان القياس الياء لكونه مضافا اليه كيلا يغير منه شئ فيشكل على السامع والحاصل ان الكنية بمنزلة العلم والاعلام لا تتغير فى شئ من الاحوال وكان لبعض امرآء مكة ابنان احدهما عبد الله بالجر والآخر عبد الله بالفتح.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {تَبَّتْ}، أي: هلكت {يَدَا أبي لهبٍ} هو عبد العزى بن عبد المطلب، عم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإيثار لفظ التباب على الهلاك، وإسناده إلى يديه، لِما رُوي أنه لمّا نزل: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء:214] حديث : رقى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصفا، وقال: "يا صباحاه" فاجتمع إليه الناسُ من كل أوب، فقال: "يابني عبد المطلب! يابني فهر! أرأيتم إن أخبرتكم أنَّ بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟" قالوا نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يديْ عذابٍ شديدٍ" فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ما دعوتنا إلاّ لهذا؟ وأخذ حجراً ليرميه به عليه الصلاة والسلام، فنزلتتفسير : ، أي: خسرت يدا أبي لهب {وتَبَّ} اي: وهلك كله، وقيل: المراد بالأول: هلاك جملته، كقوله: {أية : بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }تفسير : [الحج:10]. ومعنى "وتَبَّ": وكان ذلك وحصل، ويؤيده قراءة ابن مسعود "وقد تب". وذكر كنيته للتعريض بكونه جهنميًّا، لاشتهاره بها، ولكراهة اسمه القبيح. وقرأ المكي بسكون الهاء، تخفيفاً. {ما أَغْنَى عنه مالُه وما كَسَبَ} أي: لم يُغن حين حلّ به التباب، على أنّ "ما" نافية، أو: أيّ شيء أغنى عنه، على أنها استفهامية في معنى الإنكار، منصوبة بما بعدها، أي: ما أغنى عنه أصل ماله وما كسب به من الأرباح والمنافع، أو: ما كسب من الوجاهة والأتباع، أو: ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه، أو: ما كسب من عمله الخبيث، الذي هو كيده في عداوته عليه الصلاة والسلام، أو: عمله الذي ظنّ أنه منه على شيء، لقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }تفسير : [الفرقان:23]، وعن ابن عباس: "ما كسب ولده"، رُوي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقًا فأنا أفدي منه نفسي بمالي وولدي، فاستخلص منه، وقد خاب مرجاه، وما حصل ما تمناه, فافترس ولده "عُتبة" أسدٌ في طريق الشام، وكان صلى الله عليه وسلم دعا عليه بقوله: "حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك" تفسير : وهلك هو نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال، فاجتنبه الناسُ مخالفةَ العدوى، وكانوا يخافون منها كالطاعونن فبقي ثلاثاً حتى تغيّر، ثم استأجروا بعض السودان، فحملوه, ودفنوه، فكان عاقبته كما قال تعالى: {سَيصْلى ناراً} أي: سيدخل لا محالة بعد هذا العذاب الأجل ناراً {ذاتَ لهبٍ} أي: ناراً عظيمة ذات اشتعال وتوقُّد، وهي نار جهنم. قال أبو السعود: وليس هذا نصًّا في أنه لا يؤمن أبداً، فيكون مأموراً بالجمع بين النقيضين، فإنَّ صَلْي النار غير مختص بالكفار، فيجوز أن يُفهم من هذا أنَّ دخوله النار لفسقه ومعاصيه, لا لكفره، فلا اضطرار إلى الجواب المشهور، من أنّ ما كلفه هو الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالاً، لا الإيمان بما نطق به القرآن، حتى يلزم أن يكلف الإيمان بعدم إيمانه المستمر. هـ. {وامرأتُه}: عطف على المستكن في "يَصْلى" لمكان الفعل. وهي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعد، فتنثرها بالليل في طريق النبي، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير. وقيل كانت تمشي بالنميمة، ويقال لمَن يمشي بالنميمة ويُفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يُوقد بينهم النار، وهذا معنى قوله: {حمّالةَ الحطبِ} بالنصب على الذم والشتم، أو: الحالية، بناء على أنَّ الإضافة غير حقيقية، لوجوب تنكير الحال، وقيل: المراد: أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع. وعن قتادة: أنها مع كثرة مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها، لشدة بُخلها، فعيرت بالبخل، فالنصب حينئذ على الذم حتماً. ومَن رفع فخبر عن "امرأته"، أو: خبر عن مضمر متوقف على ما قبله. وقُرىء "ومُرَيَّتُه" فالتصغير للتحقير، {في جِيدِها} في عُنقها {حَبْلٌ من مَسَد} والمسد: الذي فُتل من الحبال فتلاً شديداً, من ليف المُقْل أو من أي ليفٍ كان, وقيل: من لحاء شجر باليمن، وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها. قال الأصمعي: صلّى أربعة من الشعراء خلف إمام اسمه "يحيى" فقرأ: "قل هو الله أحد" فتعتع فيها، فقال أحدهم: شعر : أكثَرَ يَحْيى غلطا في قل هو الله أحد تفسير : وقال الثاني: شعر : قام طويلاً ساكتاً حتى إذا أعيا سجد تفسير : وقال الثالث: شعر : يزْحَرُ في محرابه زحيرَ حُبْلى بوتد تفسير : وقال الرابع: شعر : كــأنمـــا لسانـــه شُدّ بحبلٍ من مسد تفسير : والمعنى: في جيدها حبل مما مُسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك، وتربطها في جيدها، كما يفعل الحطّابون، تحقيراً لها، وتصويراً لها، بصورة بعض الحطّابات، لتجزع من ذلك, ويجزع بعلُها، وهما من بيت الشرف والعزّ. رُوي أنها لمّا نزلت فيها الآية أتت بيتَه صلى الله عليه وسلم, وفي يدها حجر، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه الصدّيق، فأعماها اللهُ عن رسول صلى الله عليه وسلم ولم ترَ إلاّ الصدّيق، قالت: أين محمد؟ بلغني أنه يهجوني، لئن رأيته لأضربن فاه بهذا الفِهر. هـ. ومن أين ترى الشمسَ مقلةٌ عمياء، وقيل: هو تمثيل وإشارة لربطها بخذلانها عن الخير، ولذلك عظم حرصها على التكذيب والكفر. قال مُرة الهمداني: كانت أم جميل تأتي كل يوم بحزمة من حسك، فتطرحها في طريق المسلمين، فبينما هي ذات ليلة حاملة حزمة أعيت، فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها بحبلها فاختنقت، فهلكت. هـ. الإشارة: إنما تبّت يدا أبي لهب، وخسر، وافتضح في القرآن على مرور الأزمان، لأنه أول مَن أظهر الكفر والإنكار، فكان إمام المنكِرين، فكل مَن بادر بالإنكار على أهل الخصوصية انخرط في سلك أبي لهب, لا يُغني عنه مالُه وما كسب, وسيصلى نارَ القطيعة والبُعد, ذات احتراق ولهب، وامرأته، اي: نفسه، حمّالة حطب الأوزار، في جيدها حبل من مسد الخذلان. وبالله التوفيق وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم {حمالة الحطب} نصباً على الذم. الباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء، ويجوز أن يكون ارتفع {امرأته} على أنه فاعل {سيصلي} فكأنه قال سيصلى أبو لهب وامرأته ناراً ذات لهب. وقرأ ابن كثير {يدا أبي لهب} ساكنة الهاء على التخفيف، كما قالوا فى نهر: نهر. الباقون بالتثقيل. وروي أن أبا لهب كان قد عزم على أن يرمي النبي صلى الله عليه وآله بحجر فمنعه الله من ذلك، وقال تبت يداه للمنع الذي وقع به. ثم قال "وتب" بالعقاب الذي ينزل به فيما بعد، وقيل فى قوله {تبت يدا أبي لهب} أنه الدعاء عليه نحو قوله {أية : قاتلهم الله أنى يؤفكون}تفسير : فاما قوله {وتب} فانه خبر محض، كأنه قال: وقد تب. وقيل: إنه جواب لقول أبي لهب: تباً لهذا من دين، حين نادى النبي صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب، فلما اجتمعوا له قال لهم: إن الله بعثني إلى الناس عاماً وإليكم خاصاً، وأن اعرض عليكم ما إن قبلتموه ملكتم به العرب والعجم. قالوا وما ذلك يا محمد صلى الله عليه وآله قال: حديث : أن تقولوا لا إله إلا الله وأني رسول اللهتفسير : . فقال أبو لهب تباً لهذا من دين. فأنزل الله تعالى قوله {تبت يدا أبي لهب} والتباب الخسران المؤدي إلى الهلاك تبه يتب تباً، والتباب الهلاك. وفى {تبت يدا} مع أنه إخبار ذم لابي لهب لعنة الله. وإنما قال: تبت يداه ولم يقل: تب، مع انه هو الهالك فى الحقيقة لأنه جار مجرى قوله كسبت يداه، لأن اكثر العمل لما كان باليدين أضيف ذلك اليهما على معنى الخسران الذي أدى اليه العمل بهما. وقوله {ما أغني عنه ماله وما كسب} معناه ما نفعه ماله ولا الذي كسبه من الاموال، ولا دفع عنه عقاب الله حين نزل به، فالاغناء عنه الدفع عنه، فأما الاغناء بالمال ونحوه فهو دفع وقوع المضارّ به. وقوله {سيصلى ناراً ذات لهب} خبر من الله تعالى أن أبا لهب سيصلى ناراً ذات لهب، وهي نار جهنم المتلهبة. وفى ذلك دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله، لأنه اخبر بأنه يموت على كفره، وكان الأمر على ذلك. وقوله {وامرأته حمالة الحطب} قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: إن امرأة ابي لهب كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبي صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الصلاة وقال عكرمة ومجاهد وقتادة: إنما وصفت بحمالة الحطب، لأنها كانت تمشي بالنميمة وقيل: حمالة الحطب فى النار. وفى ذلك دلالة أيضاً قاطعة على أنها تموت على الكفر. وامرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب اخت ابي سفيان عمة معاوية،. وقوله {في جيدها حبل من مسد} فالمسد حبل من ليف، وجمعه أمساد وإنما وصفت بهذه الصفة تخسيساً لها وتحقيراً والجيد العنق، قال ذو الرمة: شعر : فعيناك عيناها ولونك لونها وجيدك إلا انه غير عاطل تفسير : وقال ابو عبيدة: المسد حبل يكون من ضروب، قال الراجز: شعر : ومسد امر عن أيانق صهب عناق ذات منح زاهق تفسير : والمسد الليف لان من شأنه أن يفتل للحبل. وأصل المسد المحور من حديد، لانه يدور بالفتل. وقال قوم: هو اليف المفتل. فان قيل: ما الذي كان يجب على أبي لهب حين سمع هذه السورة؟ أكان يجب عليه ان يؤمن؟ فلو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله بأنه سيصلى ناراً ذات لهب، وإن لم يجب عليه الايمان فذلك خلاف الاجماع؟!! قيل: خبر الله مشروط بأنه سيصلي ناراً ذات لهب إن لم يؤمن، ويجب عليه أن يعلم ذلك، وهذا أبين الاجوبة واظهرها. والله أعلم.

الجنابذي

تفسير : {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} تبّ تبّا وتبباً وتباباً وتبيباً نقص وخسر، وتبّ الشّيء قطعه، ونسبة التّبّ الى يديه لاجل قطعه حياته الابديّة ووصلته الاخرويّة بيديه، ولكون اعماله الّتى هى سبب الخسران والهلاك ظاهرةً على يديه فى الاغلب، والجملة الاولى دعائيّة والثّانية خبريّة او كلتاهما دعائيّة او خبريّة، ويكون الاولى بالنّسبة الى الدّنيا والاخرى بالنّسبة الى الآخرة، او بملاحظة انّ الاولى بالنّسبة الى نفسه والثّانية بالنّسبة الى الاغناء بالمال، وابو لهب هذا عمّ رسول الله (ص) واسمه عبد العزّى وكنّوه بتلك الكنية لبريق وجنتيه، وأتى بكنيته دون اسمه لمراعاة الجناس مع قوله: {ذَاتَ لَهَبٍ}، وكان شديد المعاداة لمحمّدٍ (ص): قيل: رأيت فى سوق ذى المجاز شابّاً يقول: ايّها النّاس قولوا: لا اله الاّ الله تفلحوا، واذاً برجل خلفه يرميه قد ادمى ساقيه، ويقول: ايّها النّاس انّه كذّاب فلا تصدّقوه، فقلت: من هذا؟ - فقالوا: هو محمّد (ص) يزعم انّه نبىٌّ وهذا عمّه ابو لهب: يزعم انّه كذّاب.

الأعقم

تفسير : قلت: التب: الخسران المؤدي الى الهلاك، تبّ يتبّ تباً والتباب الهلاك ومعنى {تبت} خسرت وهلكت، وفي هذا اخبار وذم له، وقيل: فيه بمعنى الدعاء نحو قاتلهم الله {يدا أبي لهب} فأخبر عن يده والمراد نفسه، وقيل: المراد اليد بعينها حين أراد أن يرمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فمنعه الله منه، فقال: خسرت يدا أبي لهب، قيل: هي كناية واسمه عبد العزى، وقيل: كنايته، وقيل: سمي بذلك لحسنه واشراق وجهه وكان وجنتاه يلتهبان، وقيل: كني بذلك لأنه يصير الى النار ويعذب باللهب، وقيل: كان مشهوراً بالكنية فأراد أن يشتهر بالفضيحة {وتب} قيل: الواو للعطف، وقيل: للحال، قيل: وقد تب أي خسر وهلك، وقيل: الأول هلاك ماله، والثاني هلاك نفسه، والمعنى هلاك ماله ونفسه {ما أغنى عنه} أي ما كفا عنه ماله من عذاب الله شيئاً، وعن ابن مسعود: ان أبا لهب لما دعاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الى الاسلام وأخبره بالجنة والنار قال: ان ما يقول ابن اخي حقاً فاني أفتدي نفسي بمالي، فبين أنه لا يغني عنه ماله شيئاً، وقيل: معناه أي شيء يغني عنه ماله إذا نزل به عذاب الله {وما كسب} قيل: ولده، وقيل: كسبه أمواله، وقيل: أفعاله، ومتى قيل: من أي شيء لا يغني عنه ماله، قيل: فيه وجهان أحدهما من عذاب الله في الآخرة والثاني ما حل به في الدنيا {سيصلى ناراً} يعني سيفعل به ذلك {ذات لهب} يتوقد {وامرأته} أي ستصلى امرأته بتلك النار وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان عمة معاوية وكانت عوراء {حمالة الحطب} قيل: كانت تمشي بالنميمة فوصفت بحمالة الحطب كأنها نقّالة الحديث والكذب، وانما شبهت النميمة بالحطب لأن الحطب يوقد به الثأر والنميمة يوقد بها نار العداوة، وقيل: كانت تأتي بالشوك فتطرحه على طريق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا خرج الى الصلاة، وروي أنها كانت تأتي بالحسك فتطرحه في طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة حطب فأعيت فقعدت على حجرة لتستريح فأتاها ملك فحزفها من خلفها فأهلكها، وقيل: حمالة الخطايا ونظيره يحملون أوزارهم {في جيدها} في عنقها {حبل من مسد} قيل: تحمل الحطب بحبل من ليف، وأصل المسد الفتل وجمعه أمساد، ومنه الليف لأن من شأنه أن يفتل الحبل وكانت تحمل به حتى تلقي الشوك على ما تقدم، وقيل: سلسلة من حديد سبعون ذراعاً تدخل من فيها وتخرج من دبرها في النار، وعن ابن عباس: وقيل: ذلك الحبل الذي تحمل به يكون في عنقها في النار ويحتمل أن يكون حالها في النار على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجر الزقوم أو من الضريع.

الهواري

تفسير : تفسير سورة تبّت يدا، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرِّحِيمِ} قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي: خسرت يدا أبي لهب {وَتبَّ} أي: وخسر. {مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} يعني ولده، أي: إذا صار إلى النار. قال تعالى: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}. قال: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}. قال الحسن: كانت تلقي العضاه على طريق النبي عليه السلام، فكأنما يطأ به كثيباً. وقال مجاهد: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} يعني حمالة النميمة؛ [تمشي بالنميمة]. قال تعالى: {فِي جِيدِهَا} أي: في عنقها {حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ}. قال بعضهم: في عنقها قلادة فيها ودعات من مسد. ذكروا أن رجلاً سأل النبي عليه السلام: وما المسد؟ قال: أما رأيتم الخيوط الصفر والحمر تنعقد فيها البرود اليمانية فإنها تجعلها في عنقها. وقال ابن عباس: المسد: الحديد. وقال الكلبي: في عنقها سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً، وهي حبل من مسد.

اطفيش

تفسير : {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أي خسر هو بجملته خسارا يؤدي إلى الهلاك وتبت هلكت والمراد أيضا جملته وأطلق على الكل اسم البعض وخصت الأيدي لأن بها معظم فعل الجوارح أو لأنه رمي النبي صلى الله عليه وسلم بها بحر أو اليدان دنياه وآخرته وقيل خصهما لأنهما يضمان ما يكسب من الأموال وكناه لاشتهاره بكنيته فيعرف بها ولو كانت دالة على خير فإن اللهب إشراق الوجه وصفائه ولعله كان يفتخر بذلك فكنى به تهكما أو كناه لأن اسمه عبد العزي فاستكره ذكر ما فيه من الشرك وهو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم فهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، أو كناه بذلك لأن ماله لهب النار وفيه مجانسة لقوله ذات لهب كما يقال لصاحب الشر أبو الشر وقد قيل لأبي المهلب أبو صفرة لصفرة في وجهه فلا يقال كيف كناه والكنية تشريف على أنه لا يسلم أن الكنية بذا تشريف. وروى أعرابيا يعلمه أحد فقال له قل تبت يدا فجعل الأعرابي يقول يدان لأن المعلم لم يذكر له المضاف اليه فلم يتأت له حذف النون، ولما قرأ له المعلم تبت يدا أبي لهب قرأ كما علمه أو كان ذلك بأعرابيا، وقرئ أبو لهب بالواو وحكاية للاسم على أول أحواله وهو الرفع لئلا يتغير فيشكل على السامع كما قيل علي ابن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان وتقدر ياء لجر المثناة في موضع الواو وذلك حرص على تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له وربما اشتهر الإسم بغير الرفع فيبقى على ما هو وكان لابن قاسم أمير مكة ابنان أحدهما عبد الله بالجر والآخر عبد الله بالنصب، وقرأ ابن كثير أبي لهب بإسكان الهاء من تغيير الأعلام وإنما غير المفتوح إلى السكون وإنما يغير المضمون والمكسور كعلم وظرف لأن هذا العلم مركب من متضائفين فخفف بعض التخفيف. *{وَتَبْ} الأول خرج مخرج الدعاء تعالى عنه والثاني إخبار بوقوع ما دعي به عليه كما يقال أهلكه الله وقد هلك كقوله: شعر : جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء الكلاب العاويات وقد فعل تفسير : ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ وقد تب وقيل الأول تباب ما جمعت يداه من مال والثاني تبابة وهلاكه بنفسه.

اطفيش

تفسير : {تَبَّتُ} خسرت أو هلكت يقال شابة لا تابة أو شابة تابة والتابة الهالكة أى الهرمة التى هلك شبابها أى ذهبت، أو تبت هلكت من كل خير والماصدق واحد وإسناد التباب إلى اليدين من إسناد ما للكل إلى الجزءَ فذلك مجاز عقلى أو اليدان بمعنى الكل أى تبت نفس أبى لهب أو ذات أبى لهب فالمجاز مرسل والإسناد حقيقة أو اليدان عبارة عن النفس والذات لما بينهما من اللزوم والوجه الذى ذكرت قبل هذا تفسير بالجزءَ عن الكل. {يَدَا أبِي لَهَبٍ} عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وكنى بذلك لإشراق وجهه فذكره الله به تهكماً به إِذ كان يفتخر بذلك وليناسب أنه من أهل النار ذات اللهب ولكراهة ذكر عبد العزى ولشهرته بهذه الكنية دون اسمه عبد العزى وهو عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من أشد الأَعداءِ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل أبى جهل قال طارق الصحارى بينما أنا فى سوق ذى المجاز إِذا أنا برجل حديث السن يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلاَّ الله تفلحوا إِذا رجل خلفه يرميه وأدمى ساقيه وعرقوبية ويقول يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه فقلت من هذا فقالوا محمد يزعم أنه نبى وهذا عمه أو لهب يزعم إنه كذاب فلرميه بيده قال الله عز وجل تبت يدا أبى لهب ومعنى حديث السن إِنه لم يشب ولما نادى على الصفا بطون قريش يا بنى عدى يا بنى فهر وهكذا فاجتمعوا وأمرهم بالتوحيد قال أبو لهب لعنه الله تباً لك ألهذا جمعتنا فأًَخذ حجراً يريد رميه به فنزلت تبت يدا أبى لهب فلرميه بالججر وإرادة رميه بيده وقوله تبا لك أسند التباب إلى اليدين والمراد بمضى تبابه قضاءِ الله به أو كونه على الضلال أو هلاكه فى الآخرة وفى هذا الوجه صورة المضى للتحقق. {وَتَبَّ} على صورة الدعاءِ وجاز ذلك بعد الإخبار بالوقوع للتأكيد تقول فلان ملعون لعنه الله تريد بقولك لعنه الله الدعاءَ أو الأول لليدين فقط مراداً بهما أنفسهما فقط لا الذات وبالثانى ذاته وكلاهما إخبار على صورة الدعاءِ وقيل الأَول دعاءِ صورة والثانى إخبار بالوقوع كقوله:شعر : جزى ربه عنى عدى بن حاتم جزاءَ الكلاب العاويات وقد فعل تفسير : وهذا وجه حسن لم يسبقنى إليه أحد وقد أجاز أنهما إِخباران وأنهما دعاءَان وأن أحدهما دعاء الاخر إخبار وجاز أن الدعاءَ حقيق على تقدير القول قل تبت يدا الخ، والواو عاطفة أو حالية على تقدير قد وإذا جعل تبت دعاء لم يجز تقدير قد لأَنها لا تدخل على الإنشاء لأَنه لا خارج له يحقق مثلا بقد ولا تكون الجملة حالاً إذ الإنشاءِ لا يكون حالاً لأَنه لا خارج له يكون تقييداً وقرأ ابن مسعود وقد تبت بقد فدلت قراءَته على أن تبت إخبار وروى أنه لعنه الله يحسن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسن إلى قريش لتكون له يد عند الغالب منهما فتبت يدا أبى لهب إخبار ببطلان يده التى ادخرها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعناده ويده التى عند قريش بهلاك قريش واليد على هذا الوجه بمعنى النعمة ويجوز بقاؤها على أصلها، وقيل الأَول إخبار عن هلاك عمله إذ لم ينفعه لأن غالب الأًعمال تعالج بالأَيدى والثانى إخبار عن هلاك نفسه رد الله عز وجل قوله أفتدى بمالى وولدى إن كان ما يقول محمد حقاً بقوله.

الالوسي

تفسير : {تَبَّتْ} أي هلكت كما قال ابن جبير وغيره ومنه قولهم أشابة أم تابة؟ يريدون أم هالكة من الهرم والتعجيز أي خسرت كما قال ابن عباس وابن عمر وقتادة وعن الأول أيضاً خابت وعن يمان بن وثاب صفرت من كل خير وهي على ما في «البحر» أقوال متقاربة وقال الشهاب إن مادة التباب تدور على القطع وهو مؤد إلى الهلاك. ولذا فسر به وقال الراغب هو الاستمرار في الخسران ولتضمنه الاستمرار قيل استتب لفلان كذا أي استمر ويرجع هذا المعنى إلى الهلاك. {يَدَا أَبِى لَهَبٍ } هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد المعاداة والمناصبة له عليه الصلاة والسلام ومن ذلك ما في «المجمع» عن طارق المحاربـي قال بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول أيها الناس قولوا لا إلٰه إلا الله تفلحوا وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمي ساقيه وعرقوبيه ويقول يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه فقلت من هذا فقالوا هو محمد صلى الله عليه وسلم يزعم أنه نبـي وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب وأخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس قال حديث : لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صعد النبـي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يابني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدتفسير : فقال أبو لهب تبّاً لك سائر الأيام ألهذا جمعتنا فنزلت ويروى أنه مع ذلك القول أخذ بيديه حجراً ليرمي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا يعلم وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه مما تقدم وإسناده إلى يديه وكذا مما روى البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس أيضاً أن أبا لهب قال لما خرج من الشعب وظاهر فريشاً إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة يزعم أنها كائنة بعد الموت فماذا وضع في يديه ثم نفخ في يديه ثم قال تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} ومما روي عن طارق يعلم وجه الثاني فقط فاليدان على المعنى المعروف والكلام دعاء بهلاكهما. وقوله سبحانه {وَتَبَّ } دعاء بهلاك كله وجوز أن يكونا إخبارين بهلاك ذينك الأمرين والتعبير بالماضي في الموضعين لتحقق الوقوع وقال الفراء الأول دعاء بهلاك جملته على أن اليدين إما كناية عن الذات والنفس بما بينهما من اللزوم في الجملة أو مجاز من إطلاق الجزء على الكل كما قال محي السنة والقول في رده أنه يشترط أن يكون الكل يعدم بعدمه كالرأس والرقبة واليد ليست كذلك غير مسلم لتصريح فحول بخلافه هنا وفي قوله تعالى {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة: 195] أو المراد على ما قيل بذلك الشرط يعدم حقيقة أو حكماً كما في إطلاق العين على الربيئة واليد على المعطي أو المتعاطي لبعض الأفعال فإن الذات من حيث اتصافها بما قصد اتصافها به تعدم بعدم ذلك العضو والثاني إخبار بالحصول أي وكان ذلك وحصل كقول النابغة: شعر : جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء الكلاب العاويات وقد فعل تفسير : واستظهر أن هذه الجملة حالية وقد مقدرة على المشهور كما قرأ به ابن مسعود وفي «الصحيحين» وغيرهما من حديث ابن عباس / في سبب النزول فنزلت هذه السورة (تبت يدا أبي لهب وقد تب) وعلى هذه القراءة يمتنع أن يكون ذلك دعاء لأن قد لا تدخل على أفعال الدعاء وقيل الأول إخبار عن هلاك عمله حيث لم يفده ولم ينفعه لأن الأعمال تزاول بالأيدي غالباً والثاني أخبار عن هلاك نفسه وفي «التأويلات» اليد بمعنى النعمة وكان يحسن إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وإلى قريش ويقول إن كان الأمر لمحمد فلي عنده يد وإن كان لقريش فكذلك فأخبر أنه خسرت يده التي كانت عند النبـي صلى الله عليه وسلم بعناده له ويده التي عند قريش أيضاً بخسران قريش وهلاكهم في يد النبـي عليه الصلاة والسلام فهذا معنى {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} والمراد بالثاني الإخبار بهلاكه نفسه. وذكر بكنيته لاشتهاره بها وقد أريد تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له وذكره بأشهر علميه أوفق بذلك ويؤيد ذلك قراءة من قرأ (يدا أبو لهب) كما قيل علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع أو لكراهة ذكر اسمه القبيح أو لأنه كما روي عن مقاتل كان يكنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما فذكر بذلك تهكماً به وبافتخاره بذلك أو لتجانس ذات لهب ويوافقه لفظاً ومعنى والقول بأنه ليس بتجنيس لفظي لأنه ليس في الفاصلة وهم فإنهم لم يشترطوه فيه أو لجعله كناية عن الجهنمي فكأنه قيل تبت يدا جهنمي وذلك لأن انتسابه إلى اللهب كانتساب الأب إلى الولد يدل على ملابسته له وملازمته إياه كما يقال هو أبو الخير وأبو الشر وأخو الفضل وأخو الحرب لمن يلابس هذه الأمور ويلازمها وملازمته لذلك تستلزم كونه جهنمياً لزوماً عرفياً فإن اللهب الحقيقي هو لهب جهنم فالانتقال من أبـي لهب إلى جهنمي انتقال من الملزوم إلى اللازم أو بالعكس على اختلاف الرأيين في الكناية فإن التلازم بينهما في الجملة متحقق في الخارج والذهن إلا أن هذا اللزوم إنما هو بحسب الوضع الأول أعني الإضافي دون الثاني أعني العلمي وهم يعتبرون في الكنى المعاني الأصلية فأبو لهب باعتبار الوضع العلمي مستعمل في الشخص المعين وينتقل منه باعتبار وضعه الأصلي إلى مُلابس اللهب وملازمه لينتقل منه إلى أنه جهنمي فهو كناية عن الصفة بالواسطة وهذا ما اختاره العلامة الثاني فعنده كناية بلا واسطة لأن معناه الأصلي أعني مُلابس اللهب ملحوظ مع معناه العلمي والحق مع العلامة لأن أبا لهب يستعمل في الشخص المعين والمتكلم بناء على اعتبارهم المعاني الأصلية في الكنى ينتقل منه إلى المعنى الأصلي ثم ينتقل منه إلى الجهنمي ولا يلاحظ معه معناه الأصلي وإلا لكان لفظ (أبـي لهب) في الآية مجازاً سواء لوحظ معه معناه الأصلي بطريق الجزئية أو التقييد لكونه غير موضوع للمجموع وما قيل إن المعنى الحقيقي لا يكون مقصوداً في الكناية وإن مناط الفائدة والصدق والكذب فيها هو المعنى الثاني وهٰهنا قصد الذات المعين فليس بشيء لأن الكناية لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه فيجوز هٰهنا أن يكون كلا المعنيين مراداً وفي «المفتاح» تصريح بأن المراد في الكناية هو المعنى الحقيقي ولازمه جميعاً وزعم السيد أيضاً أن الكناية في (أبـي لهب) لأنه اشتهر بهذا الاسم وبكونه جهنمياً فدل اسمه على كونه جهنمياً دلالة حاتم على أنه جواد فإذا أطلق وقصد به الانتقال إلى هذا المعنى يكون كناية عنه وفيه أنه يلزم منه أن تكون الكناية في مثله موقوفة على اشتهار الشخص بذلك العلم وليس كذلك فإنهم ينتقلون من الكنية إلى ما يلزم مسماها باعتبار الأصل من غير توقف على الشهرة قال الشاعر: شعر : قصدت أنا المحاسن كي أراه لشوق كاد يجذبنـي إليه فلما أن رأيت رأيت فردا ولم أر من بنيه ابناً لديه تفسير : / على أن فيه بعدما فيه. وقرأ ابن محيصن وابن كثير (أبـي لَهْب) بسكون الهاء وهو من تغيير الأعلام على ما في «الكشاف» وقال أبو البقاء الفتح والسكون لغتان وهو قياس على المذهب الكوفي.

سيد قطب

تفسير : أبو لهب ـ (واسمه عبد العزى بن عبد المطلب) هو عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما سمي أبو لهب لإشراق وجهه، وكان هو وامرأته "أم جميل" من أشد الناس إيذاء لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللدعوة التي جاء بها.. قال ابن إسحاق: "حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: "إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول، وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول "حديث : يا بني فلان. إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به" تفسير : وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان. هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقمس، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال عمه أبو لهب. (ورواه الإمام أحمد والطبراني بهذا اللفظ). فهذا نموذج من نماذج كيد أبي لهب للدعوة وللرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت زوجته أم جميل في عونه في هذه الحملة الدائبة الظالمة. (وهي أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان).. ولقد اتخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ اليوم الأول للدعوة. أخرج البخاري ـ بإسناده ـ عن ابن عباس، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: "حديث : يا صباحاه" تفسير : فاجتمعت إليه قريش، فقال: حديث : أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم؟ أكنتم مصدقي؟ تفسير : قالوا: نعم. قال: "حديث : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".تفسير : فقال أبو لهب. ألهذا جمعتنا؟ تباً لك. فأنزل الله {تبت يدا أبي لهب وتب..} الخ. وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله السورة. ولما أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو لم يكونوا على دينه، تلبية لدافع العصبية القبلية، خرج أبو لهب على إخوته، وحالف عليهم قريشا، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم وتجويعهم كي يسلموا لهم محمداً صلى الله عليه وسلم. وكان قد خطب بنتي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رقية وأم كلثوم لولديه قبل بعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتى يثقل كاهل محمد بهما! وهكذا مضى هو وزوجته أم جميل يثيرانها حرباً شعواء على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى الدعوة، لا هوادة فيها ولا هدنة. وكان بيت أبي لهب قريباً من بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان الأذى أشد. وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي؛ وقيل: إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة. نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته. وتولى الله ـ سبحانه ـ عن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر المعركة! {تبت يدا أبي لهب وتب}.. والتباب الهلاك والبوار والقطع. {وتبت} الأولى دعاء. و{تب} الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء. ففي آية قصيرة واحدة في مطلع السورة تصدر الدعوة وتتحقق، وتنتهي المعركة ويسدل الستار! فأما الذي يتلو آية المطلع فهو تقرير ووصف لما كان. {ما أغنى عنه ماله وما كسب}.. لقد تبت يداه وهلكتا وتب هو وهلك. فلم يغن عنه ماله وسعيه ولم يدفع عنه الهلاك والدمار. ذلك ـ كان ـ في الدنيا. أما في الآخرة فإنه: {سيصلى ناراً ذات لهب}.. ويذكر اللهب تصويراً وتشخيصاً للنار وإيحاء بتوقدها وتلهبها. {وامرأته حمالة الحطب}.. وستصلاها معه امرأته حالة كونها حمالة للحطب.. وحالة كونها: {في جيدها حبل من مسد}.. أي من ليف.. تشد هي به في النار. أو هي الحبل الذي تشد به الحطب. على المعنى الحقيقي إن كان المراد هو الشوك. أو المعنى المجازي إن كان حمل الحطب كناية عن حمل الشر والسعي بالأذى والوقيعة. وفي الأداء التعبيري للسورة تناسق دقيق ملحوظ مع موضوعها وجوها، نقتطف في بيانه سطوراً من كتاب: "مشاهد القيامة في القرآن" نمهد بها لوقع هذه السورة في نفس أم جميل التي ذعرت لها وجن جنونها: "أبو لهب. سيصلى ناراً ذات لهب.. وامرأته حمالة الحطب. ستصلاها وفي عنقها حبل من مسد".. تناسق في اللفظ، وتناسق في الصورة. فجهنم هنا ناراً ذات لهب. يصلاها أبو لهب! وامرأته تحمل الحطب وتلقيه في طريق محمد لإيذائه (بمعناه الحقيقي أو المجازي).. والحطب مما يوقد به اللهب. وهي تحزم الحطب بحبل. فعذابها في النار ذات اللهب أن تغل بحبل من مسد. ليتم الجزاء من جنس العمل، وتتم الصورة بمحتوياتها الساذجة: الحطب والحبل. والنار واللهب. يصلى به أبو لهب وامرأته حمالة الحطب! "وتناسق من لون آخر. في جرس الكلمات، مع الصوت الذي يحدثه شد أحمال الحطب وجذب العنق بحبل من مسد. اقرأ: {تبت يدا أبي لهب وتب} تجد فيها عنف الحزم والشد! الشبيه بحزم الحطب وشده. والشبيه كذلك بغل العنق وجذبه. والتشبيه بجو الحنق والتهديد الشائع في السورة". "وهكذا يلتقي تناسق الجرس الموسيقي، مع حركة العمل الصوتية، بتناسق الصور في جزيئاتها المتناسقة، بتناسق الجناس اللفظي ومراعاة النظير في التعبير، ويتسق مع جو السورة وسبب النزول. ويتم هذا كله في خمس فقرات قصار، وفي سورة من أقصر سور القرآن". هذا التناسق القوي في التعبير جعل أم جميل تحسب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد هجاها بشعر. وبخاصة حين انتشرت هذه السورة وما تحمله من تهديد ومذمة وتصوير زري لأم جميل خاصة. تصوير يثير السخرية من امرأة معجبة بنفسها، مدلة بحسبها ونسبها. ثم ترتسم لها هذه الصورة: {حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}! في هذا الأسلوب القوي الذي يشيع عند العرب! قال ابن إسحاق: فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر (أي بمقدار ملء الكف) من حجارة. فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر. أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني. والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه. أما والله وإني لشاعرة! ثم قالت: شعر : مذمماً عصينا وأمره أبينا تفسير : ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال: حديث : ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني .. تفسير : وروى الحافظ أبو بكر البزار ـ بإسناده ـ عن ابن عباس قال: لما نزلت: {تبت يدا أبي لهب} جاءت امرأة أبي لهب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر. فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه سيحال بيني وبينها"تفسير : .. فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق. فلما ولت قال أبو بكر: ما رأتك؟ قال: "حديث : لا. ما زال ملك يسترني حتى ولت ".. تفسير : فهكذا بلغ منها الغيظ والحنق، من سيرورة هذا القول الذي حسبته شعراً (وكان الهجاء لا يكون إلا شعراً) مما نفاه لها أبو بكر وهو صادق! ولكن الصورة الزرية المثيرة للسخرية التي شاعت في آياتها، قد سجلت في الكتاب الخالد، وسجلتها صفحات الوجود أيضاً تنطق بغضب الله وحربه لأبي لهب وامرأته جزاء الكيد لدعوة الله ورسوله، والتباب والهلاك والسخرية والزراية جزاء الكائدين لدعوة الله في الدنيا، والنار في الآخرة جزاء وفاقاً، والذل الذي يشير إليه الحبل في الدنيا والآخرة جميعاً..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ومنه قوله تعالى: { أية : ويل للمطففين } تفسير : [المطففين: 1] إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمان بن الحكم من شعراء «الحماسة»: شعر : لَحَا الله قَيْساً قَيسَ عَيلان إنها أضاعت ثُغور المسلمين وولَّتِ تفسير : وقول أبي تمام في طالعةِ هجاء: شعر : النارُ والعارُ والمكروه والعطب تفسير : ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد: شعر : مجشري فقد أنجز الإِقبال ما وعد تفسير : والتَّبُّ: الخسران والهلاك، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن نبيه بمثل اللفظ الذي شَتَم به أبو لهب محمداً صلى الله عليه وسلم جزاءً وفاقاً. وإسناد التبّ إلى اليدين لِما روي من أن أبا لهب لما قال للنبي: «تباً لك سائرَ اليوم ألهذا جمعتنا» أخذ بيده حجراً ليرميه به. وروي عن طارق المحاربي قال: «بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول: أيها الناس قولوا: لا إلٰه إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفَه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: «يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه». فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب، فوقع الدعاء على يديه لأنهما سبب أذى النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال للذي يتكلم بمكروه: «بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث». وقول النابغة: شعر : قعود الذي أبياتهم يثمدونهم رمى الله في تلك الأكف الكوانع تفسير : ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاماً حسناً: لا فُضَّ فُوك، وقال أعرابي من بني أسد: شعر : دَعَوْتُ لِمَا نابنِي مِسْوَراً فلبَّى فلبَّيْ يَديْ مِسْورِ تفسير : لأنه دعاه لِما نابه من العدوِّ للنَّصر، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو الطعن. وأبو لهب: هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه، وأمّا كنيته بأبي لهب في الآية فقيل: كان يكنّى بذلك في الجاهلية (لحسنه وإشراقِ وجهه) وأنه اشتهر بتلك الكنية كما اقتضاه حديث طارق المحاربي، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في «مسند أحمد»، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه لأن في اسمه عبادة العزى، وذلك لا يُقره القرآن، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العَلَمِ، أو لأن في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائراً إلى النار، وذلك كناية عن كونه جهنمياً، لأن اللهب ألسنةُ النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان. والأبُ: يطلق على ملازم ما أضيف إليه كقولهم: «أبوها وَكيَّالها» وكما كني إبراهيم عليه السلام: أبا الضيفان وكنَّى النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الرحمان بن صَخْر الدَّوْسي: أبا هريرة لأنه حمل هِرَّةً في كم قميصه، وكُني شهرُ رمضان: أبَا البَركات، وكني الذئب: أبا جَعدةٍ والجعدة سخلة المعز لأنه يلازم طلبها لافتراسها، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من استحقاقه لهب جهنم فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنمياً لينتقل من جعل أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف، وهو أنه من أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه التفتزاني في مبحث العَلَمِيَّة من «شرح المفتاح» وأنشد قول الشاعر: شعر : قصدت أبا المحاسن كي أراه لشوق كان يجذبني إليه فلما أن رأيتُ رأيت فرداً ولم أر من بنيه ابنا لديه تفسير : وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة: « حديث : إن ابنة أبي لهب قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن الناس يصيحون بي ويقولون إني ابنةُ حطب النار » تفسير : الحديث. وقرأ الجمهور لفظ {لهب} بفتح الهاء، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء وهو لغة لأنهم كثيراً ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء، وقد يكون ذلك لأن {لهب} صار جزءَ عَلَم والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى العلمية كما قالوا: شُمْس بضم الشين، لشَمْس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط شراً في قوله: شعر : إنّي لمُهْدٍ من ثَنائِي فقاصد به لابن عَمِّ الصدقِ شُمْس بنِ مالك تفسير : قال أبو الفتح بن جنّيّ في كتاب «إعراب الحماسة»: «يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو مَعدِ يكرب. وتَهْلُك ومَوْهَب وغُيِّر ذلك مما غُيِّر عن حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اهــــ. وكما قالوا: أبو سُلْمى بضم السين كُنية والدِ زهير بن أبي سُلمى لأنهم نقلوا اسم سَلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالباً. ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى: {ذات لهب} وقراءةُ ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقاً لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه. وجملة: {وتبّ} إما معطوفة على جملة: {تبت يدا أبي لهب} عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظاً له في الشتم والتقريع، وتفيدُ بذلك تأكيداً لجملة: {تبت يدا أبي لهب} لأنها بمعناها، وإنما اختلفتا بالكلية والجزئية، وذلك الاختلاف هو مقتضِي عطفها، وإلا لكان التوكيد غير معطوف لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون. وإمّا أن تكون في موضع الحال، والواو واوَ الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دُعي عليه به كقول النابغة: شعر : جَزَى ربُّه عني عديَّ بن حاتم جَزَاء الكلاب العاويات وقَدْ فَعَلْ تفسير : فيكون الكلام قبله مستعملاً في الذم والشماتة به أو لطلب الازدياد، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود «وقد تَب» فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مُؤتة التي استشهد فيها: شعر : حتَّى يقولوا إذا مَرُّوا على جَدثي أرْشَدَك اللَّهُ من غَازٍ وقَدْ رَشِدا تفسير : يعني ويقولوا: وقد رشدا، فيصير قوله: أرشدك الله من غازٍ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصّله من الشهادة.

الشنقيطي

تفسير : التب: القطع. ومن المادة: بت بتقديم الباء، فهي تدور على معنى القطع، كما يفيده فقه اللغة في دوران المادة على معنى واحد. وقال: التب، والتبب، والتباب، والتبيب، والتتبيب، النقص والخسار، إلى أن قال: وتبت يداه: ضلتا وخسرتا. وقال الفخر الرازي: التبات: الهلاك، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} تفسير : [غافر: 37]، أي في هلاك. وذلك لأن أبا لهب أهلك نفسه بفساد اعتقاده وسوء فعاله، كما جاء في السنة قول الأعرابي: هلكت وأهلكت: أي بوقاعه أهله في رمضان، وجاء قوله تعالى: {أية : فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} تفسير : [هود: 101]. فقالوا: غير خسران، والخسران يؤدي إلى الهلاك، والقطع. كما جاء في معناه في قصة صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قوله تعالى: {أية : فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} تفسير : [هود: 63]، فظهر من هذا كله أن معنى: تبت يدا أبي لهب، دائر بين معنى القطع والهلاك والخسران. أما قطعها فلم يقدر عليه قطع يديه قبل موته. وأما الهلاك والخسران: فقد هلك بالغدة. وأما الخسران: فما أشد خسرانه بعد هذا الحكم عليه من الله تعالى. وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن في الهلاك والخسران، فما معنى إسناد التب لليدين؟ الجواب: أن ذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل كما تقدم في قوله تعالى: {أية : نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ} تفسير : [العلق: 16]، مع أن الكاذب هو صاحبها. وقد قدمنا هناك أن مثل هذا الأسلوب لا بد فيه من زيادة اختصاص للجزء المنطوق في المعنى المراد. فلما كان الكذب يسوّد الوجه ويذل الناصية، وعكسه الصدق يبيّض الوجه ويعر الناصية، أسند هناك الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلاً. ولما كان الهلاك والخسران غالباً بما تكسبه الجوارح، واليد أشد اختصاصاً في ذلك أسند إليها البت. ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين، ما جاء بعدها، قوله تعالى: {وَتَبَّ}، أي أبو لهب نفسه. وسواء كان قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}، على سبيل الإخبار أو الإنشاء، فإنه محتمل من حيث اللفظ. ولكن قوله تعالى بعده: {وَتَبَّ}، فهو إخبار، فيكون الأول للإنشاء كقوله: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17]. ثم جاء الثاني تصديقاً له، وجاءت قراءة ابن مسعود {وَتَبَّ}.

الواحدي

تفسير : {تبت يدا أبي لهب وتب} حديث : لمَّا نزل قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّفا، ونادى بأعلى صوته يدعو قومه، فاجتمعوا إليه فأنذرهم النَّار، وقال: إنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديدٍ، فقال أبو لهب: تبَّاً لك، ما دعوتنا إلاَّ لهذاتفسير : ، فأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب} أَيْ: خابت وخسرت {وتب} وخسر هو، ولمَّا خوَّفه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال: إنَّه إنْ كان ما يقوله ابن أخي حقاً؛ فإني أفتدي منه بمالي وولدي، فقال الله تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} يعني: ولده. {سيصلى ناراً ذات لهب}. {وامرأته حَمّالةَ الحطب} نقَّالة الحديث الماشية بالنَّميمة، وهي أمُّ جميلٍ أخت أبي سفيان. {في جيدها} في عنقها {حبل من مسد} سلسلةٌ من حديدٍ ذرعها سبعون ذراعاً، تدخل في فيها وتخرج من دبرها، ويلوى سائرها في عنقها، والمسد: كلُّ ما أُحكم به الحبل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هلكت يدا أبى لهب اللتان كان يؤذى بهما المسلمين، وهلك معهما. 2- ما دفع عنه عذاب الله ماله الذى كان له، ولا جاهه الذى كسبه. 3- سيدخل نارا مشتعلة يحترق فيها. 4- وستدخل امرأته حَمَّالة النميمة بين الناس النار كما دخلها. 5- فى عنقها حبل من ليف للتنكيل بها. &

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تبت يدا أبي لهب: أي خسرت يدا أبي لهب بن عبد المطلب أي خسر عمله. وتب: أي خسر هو بذاته إذ هو من أهل النار. ما أغنى عنه ماله: أي أي شيء أغنى عنه ماله لما سخط الله تعالى عليه وعذبه في الدنيا والآخرة. وما كسب: أي من المال والولد وغيرها. سيصلى نارا: أي يدخل نارا يصطلي بحرها ولفحها. ذات لهب: أي توقد واشتعال. وامرأته: أي أم جميل العوراء. حمالة الحطب: أي تحمل شوك السعدان وتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم أذية له وكرها. في جيدها: أي في عنقها. حبل من مسد: أي من ليف. معنى الآيات: قوله تعالى {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} الآيات الخمس المباركات نزلت ردا على أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم إذ صح أنه لما نزلت آية {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الآية: 214] من سورة الشعراء طلع صلى الله عليه وسلم إلى جبل الصفا ونادى: واصباحاه واصباحاه فاجتمع الناس حوله فقال لهم إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد: قولوا لا إله إلا لله كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم. فنطق أبو لهب فقال: ألهذا جمعتنا تبا لك طول اليوم فأنزل الله تعالى رداً عليه {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي خسر أبو لهب وخسر كل شيء له وهذه جملة دعائية ولذا هلك بمرض خطير لم يتمكنوا من غسله فأراقوا عليه الماء، فقط وقوله {وَتَبَّ} إخبار من الله تعالى بهلاك عبد العزى أبي لهب وقوله {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} أي لما سخط الله عليه وأدخله ناره لم يغن عنه أي لم يدفع عنه العذاب ماله ولا ولده. وقوله تعالى {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} أي تَوقُّدٍ وتأجُّجٍ. {وَٱمْرَأَتُهُ} أم جميل العوراء {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} حيث كانت تأتي بشوك السعدان وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم عند ذهابه إلى صلاة الصبح بالمسجد الحرام. وقوله تعالى {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} أي في عنقها حبل من ليف النخل أو مسد شجر الدوم بهذا حكم الله تعالى على أعدائه وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم الله بهلاك أبي لهب وإبطال كيده الذي كان يكيده لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 2- لا يغني المال ولا الولد عن العبد شيئا من عذاب الله إذا عمل بمساخطه وترك مراضيه. 3- حرمة أذية المؤمنين مطلقا. 4- عدم إغناء القرابة شيئا من الشرك والكفر إذ أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في النار ذات اللهب.

القطان

تفسير : تَبَّ: خسر وهلك. تبَّ يتَبّ تَباً وتَبابا. يقال في الدعاء على الانسان: تبتّ يدُه. وتَبّاً له: هلاكاً له. يصلَى نارا: يدخلها ويجدُ حرها. أبو لهب: عبد العزّى بنُ عبد المطلب، عم النبيّ الكريم. امرأته: أروى بنت حرب، أُم جميل أخت أبي سفيان. حمّالة الحطَب: التي تسعى بالنميمة والفتنة بين الناس. الجيد: العنُق. المَسَد: كل حَبْل مفتول. {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} تَبَّ: الأولى دعاءٌ عليه بالهلاك، وتبّت الثانية إخبارٌ بأنه قد هلك. لقد خسر أبو لهب وهلك، وضلّ عملُه لعدائه للرسول الكريم، وكثرةِ ما سبّب من الأذى له وللمسلمين. فقد كان من أشدّ الناس عداوةً للنبي صلى الله عليه وسلم. والتعبيرُ باليد لأنها أداةُ العمل ومظهَرُ القوة. {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10]. وهذا تعبيرٌ مألوفُ عندَ العرب، تقول: أصابتْهُ يدُ الدهر، ويدُ الرزايا والمنايا. {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} إن كل ما جمع من مالٍ، وما عنده من أولادٍ لن ينفعَه بشيء، ولن يغنيَ عنه يومَ القيامة، ولا يدفع عنه العذاب. وكان لأبي لهبٍ ثلاثةُ أولاد: عُتبة، ومعتِب، وعُتيبه. وقد أسلم عُتيبة ومعتبُ يوم الفتح، وشهِدا حُنَيْناً والطائف. واما عتبة فلم يُسلم. وكانت أم كلثوم بنتُ رسول الله زوجةً له، وأختُها رقيةُ عند عتيبة. فلما نزلت هذه السورة قال أبو لهب: رأسي ورأساكما حَرامٌ إن لم تطلِّقا ابنتَي محمّد. فطلقاهما. وأراد عُتبة ان يذهبَ إلى الشام مع أبيه فقال: لآتِيَنَّ محمّداً وأُوذينَّه. فقال: يا محمد، إني كافر بالنّجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلّى. ثم تفل امام الرسول الكريم وطلّق ابنته أُم كلثوم. فقال الرسول الكريم "اللهُمّ سَلِّطْ عليه كلباً من كلابك" فافترسَه الأسدُ بالزرقاءِ في الأردن. ومات أبو لهب بعد وقعةِ بدرٍ بسبعة أيام. {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} سيُعذَّب بنارِ جهنّم الحاميةِ ذاتِ الشرر واللّهب، الّتي أعدّها الله لمِثْله من الأشرارِ المعاندين. {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} وستعذَّب امرأتُه، أم جميل العَوراء، بهذه النار أيضا، لشدة عِدائها للرسول الكريم، ولِما كانت تسعى بالنَّميمة والفتنة لإطفاء دعوةِ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. قال ابنُ عباس ومجاهد وقتادة والسُدّي: كانت تمشي بالنميمة بين الناس. والعربُ تقول: فلان يَحْطِب على فلانٍ إذا حَرَّضَ عليه. وفي الحديث الصحيح "حديث : لا يدخُل الجنّةَ نمّام" وقال: "ذو الوجهينِ لا يكونُ عند الله وَجِيها" تفسير : والنميمةُ من الكبائر. وقيل ايضا إن أُمَّ جميل هذه كانت تحمِل حُزَمَ الشوكِ والحَطَب وتنثُرها باللّيل في طريق رسولِ الله لإيذائه. لذلك فإنّ في عنقِها يوم القيامة حَبلاً تُشَدّ به إلى النار، وبئس القرار. قراءات: قرأ ابن كثير: ابي لهب باسكان الهاء. والباقون بفتح الهاء وقرأ عاصم: حمّالة بنصب التاء. على الذم. وقرأ الباقون: حمالة بالرفع صفة لامرأته.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى البَطْحَاءِ يَوْماً فَصَعِدَ الجَبَلَ، وَنَادَى وَاصَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ قُرَيشٌ، فَقَالَ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ إِلَيْكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ تَبّاً لَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ. وَمَعْنَى الآيَةِ: الخُسْرَانُ وَالهَلاَكُ وَالتَّبَاتُ لأَِبِي لَهَبٍ (وَأَبُو لَهَبٍ عَمُّ الرَّسُولِ)، وَقَدْ نَسَبَ تَعَالَى الخُسْرَانَ وَالتَّبَابَ لِيدَي أَبِي لَهَبٍ لأَِنَّهُمَا أَدَاةُ العَمَلِ وَالبَطْشِ، وَقَدْ تَبَّ وَهََلَكَ. (فَالجُمْلَةُ الأُولَى دُعَاءٌ، وَالجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إِخْبَارٌ بِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ قَدْ تَحَقَّقَ، وَأَنَّ أَبَا لَهَبٍ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ). تَبَّتْ - هَلَكَتْ أَوْ خَسِرَتْ أَوْ خَابَتْ.

الثعلبي

تفسير : {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدّثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: حديث : لما أنزل الله سبحانه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه، فأجتمع إليه الناس بين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني عدي أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذ الجبل يريد أن تغير عليكم صّدقتموني؟" قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تباً لكم سائر هذا اليوم، وما دعوتموني إلا لهذا؟ فأنزل {تَبَّتْ} تفسير : أي خابت وخسرت، {يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي تب هو أخبر عن يديه والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كلّه كقوله سبحانه: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى: 30] و {أية : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [البقرة: 95] ونحوها، وقيل: اليد صلة يقول العرب: يد الدّهر ويد الرزايا والمنايا، قال الشاعر: شعر : لما أكبّت يد الرزايا عليه نادى ألا مجير تفسير : وقيل: المراد به ماله وملكه يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال. والتباب الخسار والهلاك، سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت محمد بن مسعود السوري قال: سمعت نفطويه قال: سمعت المنقري عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه سمعوا صوت هاتف من الجن يبكي. شعر : لقد خلّوك وأنصرفوا فما عطفوا ولا رجعوا ولم يوفوا بنذرهم فتبّاً للذي صنعوا تفسير : وأبو لهب هو ابن عبد المطلب واسمه عبد العزي فلذلك لم يسمّه، وقيل اسمه كتيبة، قال: مقاتل كنّي أبا لهب لحسنه وأشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان. {وَتَبَّ} أبو لهب الواو فيه واو العطف، وقرأ عبد الله وأُبي (وقد تب) فالأول دعاء والثاني كما يقال غفر الله لك، وقد فعل وأهلكه الله وقد فعل، والواو فيه واو الحال. وقراءة العامة {أَبِي لَهَبٍ} بفتح الهاء، وقرأ أهل مكة بجزمها، ولم يختلفوا في قوله: {ذَاتَ لَهَبٍ} أنه مفتوح الهاء؛ لأنهم راعو فيه روس الأي. أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا السني قال: حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي قال: حدّثنا شريح بن يونس قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا منصور عن الحكم عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: لما خلق الله القلم قال: أكتب ما هو كائن فكتب فمما كتب: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الطيب محمد بن عبد الله ابن المبارك الثعيري قال: حدّثنا محمد بن أشرس السلمي قال: حدّثنا عبد الصمد بن حسان المروِّ الروذيّ عن سفيان عن منصور قال: سئل الحسن عن قوله: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} هل كان في أم الكتاب وهل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟ فقال الحسن: والله ما كان يستطيع أن لا يصليها وإنها لفي كتاب الله قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه. ويؤيد هذا ما أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا جدّي أمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله سبحانه بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت موسى الذي أصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض، قال: فحج آدم موسى ". تفسير : وأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدي قال: حضر مجلس إسحاق بن إبراهيم وأنا على نمير الركاب فقرأ علينا قال: أخبرنا النظر بن شميل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمار ابن أبي عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقي موسى آدم فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته فأخرجت ولدك من الجنة، قال له: يا موسى أنت الذي أصطفاك برسالته وكلّمك، فأنا أقدّم أم الذكر؟ قال: الذكر، فحجّ آدم موسى فحج آدم موسى ". تفسير : وأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدّي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الزهري قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا أبو الزياد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أحتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة قال: آدم: ياموسى أصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدّره الله تعالى قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى فحج آدم موسى ". تفسير : {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} قال: ابن مسعود: حديث : لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه الى الله سبحانه قال أبو لهب لأصحابه: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأني أفتدي نفسي وملكي وولدي، فأنزل الله سبحانه {مَآ أَغْنَىٰ}تفسير : أي ما يغني، وقيل: أي شيء أغنى عنه ماله من عذاب الله. قال: أبو العالية: يعني أغنامه، وكان صاحب سائمة ومواش، وما كسب: يعني ولده. قرأ الأعمش (وما أكتسب)، ورواه عن ابن مسعود. أخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن حنبل قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن خيثم عن أبي الطفيل قال: كنت عند ابن عباس يوماً فجاء بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم فاقتتلوا عنده في البيت فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع على الفراش فغضب ابن عباس فقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني ولده أنهم كسبة. دليل هذا التأويل ما أخبرني ابن فنجويه [..............]. أبو حمزة قال: حدّثني عمارة بن عمير التميمي عن عمته سودة قال: حديث : قالت لعائشة آكل من مال ولدي فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أطيب ما أكل أحدكم من كسبه وأن ولده من كسبه ". تفسير : {سَيَصْلَىٰ} هو سين سوف وقيل سين الوعد. وقراءة العامة بفتح الياء الاولى وقرأ أبو رجاء بضم الياء، وقرأ شهب العقيلي بضم الياء وتشديد اللام. {نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {تَبَّتْ} هلكت والتبابُ: الهلاك والخسران ومنه قوله تعالى {أية : وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ}تفسير : [غافر: 37] وقال الشاعر: شعر : "فتباً للذي صنعوا" تفسير : {ذَاتَ لَهَبٍ} ذات اشتعال وتلهب {جِيدِهَا} عنقها قال امرؤ القيس: شعر : "وجيدٍ كجيد الريم ليس بفاحش" تفسير : {مَّسَدٍ} ليف قال الواحدي: المسد في كلام العرب: الفتل، يقال مسد الحبل يمسده مسداً إِذا أجاد فتله، وكلُّ شيء فتل من الليف والخَوْص فهو مسد. سبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: حديث : لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون من قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو الخبر، فاجتمعت قريش وجاء عمه "أبو لهب" فقالوا: ما وراءك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً قط، قال: فإِني {نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} فقال له أبو لهب: تباً لك يا محمد سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.. تفسير : السورة. ب - وعن طارق المحاربي قال "بينا أنا بسوق ذي المجاز إِذْ أنا بشاب حديث السن يقول أيها الناس: "قولوا لا إِله إِلا الله تفلحوا" وإِذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه - مؤخر القدم - ويقول: يا أيها الناس إِنه كذابٌ فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا هو محمد يزعم أنه نبي، وهذا عمه "أبو لهب" يزعم أنه كذاب". التفسِير: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي هلكت يد ذلك الشقي {أَبِي لَهَبٍ} وخاب وخسر وضلَّ عمله {وَتَبَّ} أي وقد هلك وخسر، الأول دعاءٌ، والثاني إِخبارٌ كما يقال: أهلكه اللهُ وقد هلك قال المفسرون: التباب هو الخسار المفضي إِلى الهلاك، والمراد من اليد صاحبُها، على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله وجميعه، وأبو لهب هو "عبد العُزى بن عبد المطلب" عم النبي صلى الله عليه وسلم وامرأته العوراء "أم جميل" أخت أبي سفيان، وقد كان كلٌ منهما شديد العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر رضي الله عنه، وفي يدها فهْر - قطعة - من الحجارة، فلما دنت من الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ الله بصرها عنه فلم تر إِلاّ أبا بكر، فقالت يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك يهجوني، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه، ثم أنشدت تقول: شعر : مُذمًّماً عصينَا وأمره أبينَا ودينه قليْنا تفسير : ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله: أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني لقد أخذ الله بصرها عني، وكانت قريش يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون: مذمماً بدل "محمد" وكان يقول صلوات الله عليه: ألا تعجبون كيف صرف الله عني أذى قريش؟ يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد!؟ قال الخازن: فإِن قلت: لم كناه وفي التكنية تشريف وتكرمة؟ فالجواب من وجوه: أحدهما: أنه كان مشتهراً بالكنية دون الاسم، فلو ذكره باسمه لم يعرف، الثاني: أنه كان اسمه "عبد العزى" فعدل عنه إِلى الكنية لما فيه من الشرك لأن العزَّى صنم فلم تضف العبودية إِلى صنم - الثالث: أنه لما كان من أهل النار، ومآله إِلى النار، والنارُ ذاتُ لهب، وافقت حاله كنيته وكان جديراً بأن يذكر بها {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} أي لم يفده ماله الذي جمعه، ولا جاهه وعزه الذي اكتسبه قال ابن عباس {وَمَا كَسَبَ} من الأولاد، فإِن ولد الرجل من كسبه.. روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه إِلى الإِيمان، قال أبو لهب: إِن كان ما يقول ابن أخي حقاً، فإِني أفتدي نفسي من العذاب بمالي وولدي فنزلت قال الألوسي: كان لأبي لهب ثلاثة أبناء "عُتبة" و"معتب" و"عُتيبة" وقد أسلم الأولان يوم الفتح، وشهدا حنيناً والطائف، وأما "عُتيبة" فلم يسلم، وكانت "أم كلثوم" بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، وأختها "رُقية" عند أخيه عُتبة، فلما نزلت السورة قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إِن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهما ولما أراد "عُتيبة" بالتصغير الخروج إلى الشام مع أبيه قال: لآتينَّ محمداً وأوذينَّه فأتاه فقال يا محمد: إِني كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل أمام النبي صلى الله عليه وسلم وطلَّق ابنته "أم كلثوم" فغضب صلى الله عليه وسلم ودعا عليه فقال: "حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"تفسير : فافترسه الأسد، وهلك أبو لهب بعد وقعة بدر بسبع ليالٍ بمرضٍ معدٍ كالطاعون يسمى "العدسة" وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، فلما خافوا العار حفروا له حفرة ودفعوه إِليها بعود حتى وقع فيها ثم قذفوه بالحجارة حتى واروه، فكان الأمر كما أخبر به القرآن {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} أي سيدخل ناراً حامية، ذات اشتعال وتوقُّد عظيم، وهي نار جهنم {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} أي وستدخل معه نار جهنم، امرأته العوراء "أم جميل" التي كانت تمشي بالنميمة بين الناس، وتوقد بينهم نار العداوة والبغضاء قال أبو السعود: كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لإِيذائه وقال ابن عباس: كانت تمشي بالنميمة بين الناس لتفسد بينهم {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} أي في عنقها حبلٌ من ليف قد فتل فتلاً شديداً، تعذب به يوم القيامة قال مجاهد: هو طوقٌ من حديد وقال ابن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللاتِ والعُزَّى لأنفقنها في عداوة محمد، فأعقبها الله منها حبلاً في جيدها من مسد النار. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- المجاز المرسل {يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أطلق الجزء وأراد الكل أي هلك أبو لهب. 2- الجناس بين {أَبِي لَهَبٍ} وبين {نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} فالأول كنية والثاني وصف للنار. 3- الكنية للتصغير والتحقير {أَبِي لَهَبٍ} فليس المراد تكريمه بل تشهيره، كأبي جهل. 4- الاستعارة اللطيفة {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} مستعار للنميمة وهي استعارة مشهورة قال الشاعر: "ولم يمش بين الحي بالحطب والرطب. 5- النصب على الشتم والذم {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} أي أخص بالذم حمالة الحطب. 6- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات وهو من المحسنات البديعية.

زيد بن علي

تفسير : قولهِ تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} معناه خَسُرَتْ يَداهُ وخَسُرَ هو.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} هذه السورة مكية ولما ذكر فيما قبلها دخول الناس في دين الله اتبع بذكر من لم يدخل في الدين وخسر ولم يدخل فيما دخل فيه أهل مكة من الإِيمان والتب الخسران وأسند الهلاك إلى اليدين لأن العمل أكثر ما يكون بهما وهو في الحقيقة للنفس والظاهر أن تبت دعاء. {وَتَبَّ} إخبار بحصول ذلك روي أنه لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين قال عليه السلام حديث : يا صفية بنت عبد المطلب يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش يا بني فلان يا بني فلان تفسير : وروي حديث : أنه صاح بأعلى صوته يا صباحاه فاجتمعوا إليه من كل وجه فقال لهم: أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا: نعم، قال: فإِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فافترقوا عنه ونزلت هذه السورة تفسير : وأبو لهب اسمه عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والظاهر أن ما في ما أغنى عنه ماله نفي أي لم يغن عنه ماله الموروث عن آبائه. {وَمَا كَسَبَ} هو بنفسه أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها ويجوز أن تكون ما استفهاماً في موضع نصب أي شىء يغني عنه ماله على وجه التقرير والإِنكار والمعنى أين الغنى الذي لماله ولكسبه والظاهر أن ما في قوله: {وَمَا كَسَبَ} موصوله وأجيز أن تكون مصدرية وإذا كانت ما في ما أغنى استفهاماً فيجوز أن يكون ما في قوله وما كسب استفهاماً أيضاً. {سَيَصْلَىٰ} وعد له بأنه يصلى النار في الآخرة. {وَٱمْرَأَتُهُ} يجوز أن تكون مبتدأ وحمالة خبره ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير المستكن في سيصلى وحسن ذلك الفصل بينهما وعلى هذا التأويل تكون حمالة خبر مبتدأ محذوف تقديره هي حمالة وقرىء عاصم حمالة نصباً على الذم فيتعين أن يكون وامرأته عطفاً على الضمير المستكن في سيصلى وامرأته اسمها أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان وكانت عوراء والظاهر أنها كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك لتؤذي بإِلقائه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لتعقرهم حذفت بذلك وسميت حمالة الحطب وقيل حمالة الحطب كناية عن المشي بالنميمة والجيد العنق والظاهر أن الحبل من مسد والمسد الليف ولما سمعت أم جميل هذه السورة أتت أبا بكر وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وبيدها فهر فقالت بلغني أن صاحبك هجاني ولأفعلن وأفعلن وأعمى الله بصرها عن رسوله عليه السلام فروي أن أبا بكر قال لها: هل تري معي أحداً فقالت أتهزأ بي لا أرى غيرك وإن كان شاعراً فأنا مثله أقول: شعر : * مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا * تفسير : فسكت أبو بكر ومضت هي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد حجبتني ملائكة فما رأتني وكفى الله شرها وذكر أنها ماتت مخنوقة بحبلها وأبو لهب رماه الله بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال .

الجيلاني

تفسير : {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} أي: خابت وخسرت، يداه كناية عنه، وما ذلك إلاَّ أنه من غاية نخوته وغروره، بحيث هلك في نار فظيعة كنفسه الجهنمية التي خيبته خيبة أبدية وخسراناً سرمدياً حينما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع المكروه، وعارض معه على وجه لا يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم اتكالاً على ماله وجاهه وثروته وسيادته. وذلك لمَّا نزلت الآية الكريمة: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء: 214] صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى الصفا، فنادى: "حديث : يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش" حتى اجتمعوا، فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تقبل عليكم، أكنتم مصدقي؟" قالوا: نعم ما جربنا عليك إلاَّ صدقاً، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب على سبيل الاستهزاء: تباً لك يا محمد، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}"تفسير : لمجادلته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرائه معه، وقصد استحقاره واستهانته إياه صلى الله عليه وسلم. {وَ} قد {تَبَّ} [المسد: 1] وهلك ذلك اللعين المفرط على الوجه الذي أخبر الله بهلاكه إلى حيث {مَآ أَغْنَىٰ} ودفع {عَنْهُ مَالُهُ} الذي يتكل عليه، ويستظهر به شيئاً من غضب الله {وَ} ما نفع له ونصر عليه {مَا كَسَبَ} [المسد: 2] وجمع من الأموال والأولاد والأتباع. قيل: مات بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة، وتُرك ثلاثة أيام حتى أُنتن، ثمَّ استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، فهو إخبار عن الغيب، وقد وقع على وجهه، هذا مآل أمره في النشأة الأولى. وفي النشأة الأخرى {سَيَصْلَىٰ} ويدخل ذلك اللعين {نَاراً} وأي نار، ناراً {ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3] واشتعال عال من شدة سورتها وفظاعتها. {وَٱمْرَأَتُهُ} التي تمشي بالنميمة بين الناس، وتوقد نار الفتنة والعداوة بينهم تصير هي {حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} [المسد: 4] بنار جهنم، تحتطب لها من الضريع والزقوم، أو هي "حمالةُ الحطب" فيها على قراءة الرفع؛ يعني: صورت نميمتها التي قد مشيت بها في الدنيا بإيقاد نار الفتن على هذه الصورة، فتلازم عليها. {فِي جِيدِهَا} وعنقها {حَبْلٌ} سلسلة متخذة {مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 5] مفتول قد فُتل من الحديد، تحمل بها الحطب مع أنها من أشراف قريش، هي وزوجها أيضاً. خاتمة السورة عليك أيها المعتبر المستبصر - عصمك الله من تباب الدارين وخسارهما ويوارهما - أن تتأمل في مرموزات القرآن من القصص والأحكام والعبر والأمثال، فتأخذ حظك منها مقدار ما يسر الله لك، وأودعه في وسعك وطاقتك. فاعلم أن كل ما في القرآن إنما نزل للإرشاد والتكميل، فلك أن تأخذ من إشارات هذه السورة حسن المعاشرة وآداب المصاحبة، وحقارة مزخرفات الدنيا وما يترتب عليها من اللذات الوهمية، الساقطة عن درجة الاعتبار، الزائغة الزائلة بلا قرار ومدار.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا أيها الحريص على أطراف كعبة قلبك، اعلم أن أبا لهب نفسك أمر مرآة هواه ليجمع العصاة بين الحطب، ويفرق حول كعبة قلبك المبينة في حرم صدرك ليتخرج في قدم همتك ويمنعك عن الطواف بكعبة قلبك، أما تسمع ما يقول أبو لهب نفسك حين ناداه لطيفتك الخفية ليبلغ إليه ما أوحيه للطيفتك تبارك، تباً لك ألهذا وعدتنا وأبى دعوة الحق؟! فكيف أجاب الله له على لسان لطيفتك؟! {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1]، أو هلكت قوتا القبض والبسط لنفسك الخبيثة المستعملة لهما في الباطل، {وَتَبَّ} [المسد: 1]؛ أي: أجاب هذا الدعاء؛ لأن يداه لا تصل إلى اللطيفة الخفية، وهي يجمع لنفسه الحطب ليحترق به بتلهب من سوأة نيران حسده وحقده، وكان أبو لهب؛ أي: صاحب لهب في سعير نفسه وجحيم قالبه، ولا شك أن الألقاب تنزل من السماء. {مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ} [المسد: 2] وهو ماله من القوى القالبية، {وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2] في عالم الناسوت بتلك القوى الذميمة عن اللقب الذي نزل معه من السماء، {سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3]؛ لأنه جمع الحطب بالقوى القالبية والنفسية، وأشعل نيران الحقد والحسد، وسير نفسه وجحيم قالبه ذات لهب من ريح غروره بنور ناره وعجبه بنفسه، وبكرة على القوى القلبية. {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ} [المسد: 4]؛ أي: هوى المؤدي الذي به يمكن لأبي لهب النفس أن يحمل الحطب من أشجار أم غيلان هلاكه في صحاري الشيطان، {فِي جِيدِهَا} [المسد: 5]؛ أي: في أصل خاطر الهوى، {حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 5] وأصل خاطر الكبر، وأبى الشيطان أمر الرحمن كان من استكباره، كما قال تعالى: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 34]، ودعوى الهوى بالألهية أيضاً كان من غاية تكبره؛ أي: في عتق كبره الذي به تطاول على اللطائف حبل من ذلة، وهو تمنيها الكاذب الذي يجرها إلى أسفل سافلين دركات الطبيعة، ولأجل هذا يكون دائماً منكس الرأس، كما أخبر الله تعالى عن أحوالهم في كتابه حيث قال: {أية : نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [السجدة: 12]، فالواجب على الطائف حول الكعبة ألاَّ يلتفت إلى هو نفسه لحظ نفسه؛ ليمكن له الدخول في بيت ربه ومشاهدة وجهه إن شاء الله تعالى. اللهم خلصني من هوى نفسي، وأدخلني كعبة قلبي، وأقرر عيني بمشاهدة جمال ربي بحق محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، وعلى من اتبع الهدى وترك الهدى في متابعة المصطفى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أبو لهب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شديد العداوة [والأذية] للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا فيه دين، ولا حمية للقرابة -قبحه الله- فذمه الله بهذا الذم العظيم، الذي هو خزي عليه إلى يوم القيامة فقال: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } أي: خسرت يداه، وشقى { وَتَبَّ } فلم يربح، { مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ } الذي كان عنده وأطغاه، ولا ما كسبه فلم يرد عنه شيئًا من عذاب الله إذ نزل به، { سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } أي: ستحيط به النار من كل جانب، هو { وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } . وكانت أيضًا شديدة الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تتعاون هي وزوجها على الإثم والعدوان، وتلقي الشر، وتسعى غاية ما تقدر عليه في أذية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجمع على ظهرها من الأوزار بمنزلة من يجمع حطبًا، قد أعد له في عنقه حبلا { مِنْ مَسَدٍ } أي: من ليف. أو أنها تحمل في النار الحطب على زوجها، متقلدة في عنقها حبلا من مسد، وعلى كل، ففي هذه السورة، آية باهرة من آيات الله، فإن الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لم يهلكا، وأخبر أنهما سيعذبان في النار ولا بد، ومن لازم ذلك أنهما لا يسلمان، فوقع كما أخبر عالم الغيب والشهادة.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [1] 734- أنا هنَّاد بن السَّري، عن أبي معاوية، عن الأعمش - وأنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مروة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: حديث : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصَّفا فقال: "يا صباحاه"، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك، قال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبِّحكم أو مُمسِّيكم، أ[مَا] كنتم تصدقوني؟" قالوا: بلى، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، قال أبو لهب: لهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} إلى آخرها - .