١١٠ - ٱلنَّصْر
110 - An-Nasr (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار، ولهذا الترتيب فوائد: الفائدة الأولى: اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمداً كان على الحق مما يثقل على القلب ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا تنصرني ولم سلطت هؤلاء الكفرة علي فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح، أما على قولنا: فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئاً بل كل ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئاً، وأما على قول المعتزلة: ما فائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد عن تنزيه الله عما لا ينبغي فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان والبر، ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه الوجه الثاني: أن للسائرين طريقين فمنهم من قال: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله بعده، ومنهم من قال: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله، ولا شك أن هذا الطريق أكمل، أما بحسب المعالم الحكمية، فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من الأثر إلى المؤثر، وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو واجب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود، فالاستغراق في الأول يكون أشرف لا محالة، ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل، وإذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على هذه الطريقة التي هي أشرف الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولاً من الخالق أمرين أحدهما: التسبيح والثاني: التحميد، ثم ذكروا في المرتبة الثالثة الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق. واعلم أن صفات الحق محصورة في السلب والإيجاب والنفي والإثبات، والسلوب مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التي لواجب الوجود وهي صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له، وهي صفات الإكرام، ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام، ولما أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس، وفيه رؤية جود الحق، وفيه طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس، ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد بمطالعة غير الله يبقى محروماً عن مطالعة حضرة جلال الله، فلهذه الدقيقة أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد الوجه الثالث: أنه إرشاد للبشر إلى التشبه بالملكية، وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل متصل بأسفل النوع الأعلى ولهذا قيل: آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا في أنفسهم {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } تفسير : [البقرة: 30] فقوله ههنا: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } إشارة إلى التشبه بالملائكة في قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } وقوله ههنا: {وَٱسْتَغْفِرْهُ } إشارة إلى قوله تعالى: {وَنُقَدّسُ لَكَ } لأنهم فسروا قوله: {وَنُقَدّسُ لَكَ } أي نجعل أنفسنا مقدسة لأجل رضاك والاستغفار يرجع معناه أيضاً إلى تقديس النفس، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ادعوا لأنفسهم أنهم سبحوا بحمدي ورأوا ذلك من أنفسهم، وأما أنت فسبح بحمدي واستغفر من أن ترى تلك الطاعة من نفسك بل يجب أن تراها من توفيقي وإحساني، ويحتمل أن يقال: الملائكة كما قالوا: في حق أنفسهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } قال الله في حقهم: {أية : وَيَسْتَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7] فأنت يا محمد استغفر للذين جاؤوا أفواجاً كالملائكة يستغفرون للذين آمنوا ويقولون: {أية : رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } تفسير : [غافر: 7] الوجه الرابع: التسبيح هو التطهير، فيحتمل أن يكون المراد طهر الكعبة من الأصنام وكسرها ثم قال: {بِحَمْدِ رَبّكَ } أن ينبغي أن يكون إقدامك على ذلك التطهير بواسطة الاستغفار بحمد ربك، وإعانته وتقويته، ثم إذا فعلت ذلك فلا ينبغي أن ترى نفسك آتياً بالطاعة اللائقة به، بل يجب أن ترى نفسك في هذه الحالة مقصرة، فاطلب الاستغفار عن تقصيرك في طاعته والوجه الخامس: كأنه تعالى يقول يا محمد إما أن تكون معصوماً أو لم تكن معصوماً فإن كنت معصوماً فاشتغل بالتسبيح والتحميد، وإن لم تكن معصوماً فاشتغل بالاستغفار فتكون الآية كالتنبيه على أنه لا فراغ عن التكليف في العبودية كما قال: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 99]. المسألة الثانية: في المراد من التسبيح وجهان الأول: أنه ذكر الله بالتنزه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فقال تنزيه الله عن كل سوء وأصله من سبح فإن السابح يسبح في الماء كالطير في الهواء ويضبط نفسه من أن يرسب فيه فيهلك أو يتلوث من مقر الماء ومجراه والتشديد للتبعيد لأنك تسبحه أي تبعده عما لا يجوز عليه، وإنما حسن استعماله في تنزيه الله عما لا يجوز عليه من صفات الذات والفعل نفياً وإثباتاً لأن السمكة كما أنها لا تقبل النجاسة فكذا الحق سبحانه لا يقبل مالا ينبغي ألبتة فاللفظ يفيد التنزيه في الذات والصفات والأفعال والقول الثاني: أن المراد بالتسبيح الصلاة لأن هذا اللفظ وارد في القرآن بمعنى الصلاة قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } تفسير : [الروم: 17] وقال: {أية : فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [طه: 130] والذي يؤكده أن هذه السورة من آخر ما نزل، وكان عليه السلام في آخر مرضه يقول: «حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم» تفسير : جعل يلجلجها في صدره وما يقبض بها لسانه، ثم قال بعضهم: عنى به صلاة الشكر صلاها يوم الفتح ثمان ركعات وقال آخرون: هي صلاة الضحى، وقال آخرون: صلى ثمان ركعات أربعة للشكر وأربعة الضحى وتسمية الصلاة بالتسبيح لما أنها لا تنفك عنه وفيه تنبيه: على أنه يجب تنزيه صلاتك عن أنواع النقائص في الأقوال والأفعال، واحتج أصحاب القول الأول بالأخبار الكثيرة الواردة في ذلك، روت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول: "حديث : سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك"تفسير : ، وقالت أيضاً: كان الرسول يقول كثيرا في ركوعه "حديث : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" تفسير : وعنها أيضاً كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال حديث : سبحان الله وبحمده فقلت يا رسول الله إنك تكثر من قولة سبحان الله وبحمده قال: إني أمرت بهاتفسير : ، وقرأ: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } وعن ابن مسعود: «لما نزلت هذه السورة كان عليه السلام يكثر أن يقول: حديث : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور» تفسير : وروى أنه قال: «حديث : إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة».تفسير : المسألة الثالية: الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد حيث جعل كافياً في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح، ولم لا يكون كذلك وقوله: «حديث : الصوم لي»تفسير : من أعظم الفضائل للصوم فإنه أضافه إلى ذاته، ثم إنه جعل صدف الصلاة مساوياً للصوم في هذا التشريف: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } تفسير : [الجن: 18] فهذا يدل على أن الصلاة أفضل من الصوم بكثير، ثم إن الصلاة صدف للأذكار ولذلك قال: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [العنكبوت: 45] وكيف لا يكون كذلك، والثناء عليه مما مدحه معلوم عقلاً وشرعاً أما كيفية الصلاة فلا سبيل إليها إلا بالشرع ولذلك جعلت الصلاة كالمرصعة من التسبيح والتكبير. فإن قيل: عدم وجوب التسبيحات يقتضي أنها أقل درجة من سائر أعمال الصلاة. قلنا الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن سائر أفعال الصلاة مما لا يميل القلب إليه فاحتيج فيها إلى الإيجاب أما التسبيح والتهليل فالعقل داع إليه والروح عاشق عليه فاكتفى بالحب الطبيعي ولذلك قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا } تفسير : [البقرة: 165]، وثانيها: أن قوله: {فَسَبّحْ } أمر والأمر المطلق للوجوب عند الفقهاء، ومن قال: الأمر المطلق للندب قال: إنه ههنا للوجوب بقرينة أنه عطف عليه الاستغفار والاستغفار واجب ومن حق العطف التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه وثالثها: أنها لو وجبت لكان العقاب الحاصل بتركها أعظم إظهاراً لمزيد تعظيمها فترك الإيجاب خوفاً من هذا المحذور. المسألة الرابعة: أما الحمد فقد تقدم تفسيره، وأما تفسير قوله: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قال صاحب "الكشاف" أي قل: سبحان الله والحمد لله متعجباً مما أراك من عجيب أنعامه أي اجمع بينهما تقول: شربت الماء باللبن إذا جمعت بينهما خلطاً وشرباً وثانيها: أنك إذا حمدت الله فقد سبحته لأن التسبيح داخل في الحمد لأن الثناء عليه والشكر له لا بد وأن يتضمن تنزيهه عن النقائص لأنه لا يكون مستحقاً للثناء إلا إذا كان منزهاً عن النقص ولذلك جعل مفتاح القرآن بالحمد لله وعند فتح مكة قال: الحمد لله الذي نصر عبده، ولم يفتتح كلامه بالتسبيح فقوله: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } معناه سبحه بواسطة أن تحمده أي سبحه بهذا الطريق وثالثها: أن يكون حالاً، ومعناه سبح حامداً كقولك: اخرج بسلاحك أي متسلحاً ورابعها: يجوز أن يكون معناه سبح مقدراً أن تحمد بعد التسبيح كأنه يقول: لا يتأتى لك الجمع لفظاً فاجمعهما نية كما أنك يوم النحر تنوي الصلاة مقدراً أن تنحر بعدها، فيجتمع لك الثوابان في تلك الساعة كذا ههنا وخامسها: أن تكون هذه الباء هي التي في قولك: فعلت هذا بفضل الله، أي سبحه بحمد الله وإرشاده وإنعامه، لا بحمد غيره، ونظيره في حديث الإفك قول عائشة: «بحمد الله لا بحمدك» والمعنى: فسبحه بحمده، فإنه الذي هداك دون غيره، ولذلك روي أنه عليه السلام كان يقول: «حديث : الحمد لله على الحمد لله» تفسير : وسادسها: روى السدي بحمد ربك، أي بأمر ربك وسابعها: أن تكون الباء صلة زائدة، ويكون التقدير: سبح حمد ربك، ثم فيه احتمالات أحدها: اختر له أطهر المحامد وأزكاها والثاني: طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، والتوسل بذكرها إلى الأغراض الدنيوية الفاسدة والثالث: طهر محامد ربك عن أن تقول: جئت بها كما يليق به وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] وثامنها: أي ائت بالتسبيح بدلاً عن الحمد الواجب عليك، وذلك لأن الحمد إنما يجب في مقابلة النعم، ونعم الله علينا غير متناهية، فحمدها لا يكون في وسع البشر، ولذلك قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] فكأنه تعالى يقول: أنت عاجز عن الحمد، فأت بالتسبيح والتنزيه بدلاً عن الحمد وتاسعها: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد أمرأن لا يجوز تأخير أحدهما عن الثاني، ولا يتصور أيضاً أن يؤتى بهما معاً، فنظيره من ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب، وجب أن يقول: اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا قال: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } ليقعا معاً، فيصير حامداً مسبحاً في وقت واحد معاً وعاشرها: أن يكون المراد سبح قلبك، أي طهر قلبك بواسطة مطالعة حمد ربك، فإنك إذا رأيت أن الكل من الله، فقد طهرت قلبك عن الالتفات إلى نفسك وجهدك، فقوله: {فَسَبّحْ } إشارة إلى نفي ما سوى الله تعالى، وقوله: {بِحَمْدِ رَبّكَ } إشارة إلى رؤية كل الأشياء من الله تعالى. المسألة الخامسة: في قوله: {وَٱسْتَغْفِرْهُ } وجوه أحدها: لعله عليه السلام كان يتمنى أن ينتقم ممن آذاه، ويسأل الله أن ينصره، فلما سمع: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } استبشر، لكن لو قرن بهذه البشارة شرط أن لا ينتقم لتنغصت عليه تلك البشارة، فذكر لفظ الناس وأنهم يدخلون في دين الله وأمره بأن يستغفر للداخلين لكن من المعلوم أن الاستغفار لمن لا ذنب له لا يحسن فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق أنه تعالى ندبه إلى العفو وترك الانتقام، لأنه لما أمره بأن يطلب لهم المغفرة فكيف يحسن منه أن يشتغل بالانتقام منهم؟ ثم ختم بلفظ التواب كأنه يقول: إن قبول التوبة حرفته فكل من طلب منه التوبة أعطاه كما أن البياع حرفته بيع الأمتعة التي عنده فكل من طلب منه شيئاً من تلك الأمتعة باعه منه، سواء كان المشتري عدواً أو ولياً، فكذا الرب سبحانه يقبل التوبة سواء كان التائب مكياً أو مدنياً، ثم إنه عليه السلام امتثل أمر الرب تعالى فحين قالوا له: أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم: {أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [يوسف: 92] أي أمرني أن استغفر لكم فلا يجوز أن يردني وثالثها: أن قوله: {وَٱسْتَغْفِرْهُ } إما أن يكون المراد واستغفر الله لنفسك أو لأمتك، فإن كان المراد هو الأول فهو يتفرع على أنه هل صدرت عنه معصية أم لا فمن قال: صدرت المعصية عنه ذكر في فائدة الاستغفار وجوهاً: أحدها: أنه لا يمتنع أن تكون كثرة الاستغفار منه تؤثر في جعل ذنبه صغيرة وثانيها: لزمه الإستغفار لينجو عن ذنب الإصرار،وثالثها: لزمه الاستغفار ليصير الاستغفار جابراً للذنب الصغير فلا ينتقض من ثوابه شيء أصلاً، وأما من قال: ما صدرت المعصية عنه فذكر في هذا الاستغفار وجوهاً: أحدها: أن استغفار النبي جار مجرى التسبيح وذلك لأنه وصف الله بأنه غفار وثانيها: تعبده الله بذلك ليقتدي به غيره إذ لا يأمن كل مكلف عن تقصير يقع منه في عبادته، وفيه تنبيه على أنه مع شدة اجتهاده وعصمته ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف من دونه وثالثها: أن الاستغفار كان عن ترك الأفضل ورابعها: أن الاستغفار كان بسبب أن كل طاعة أتى بها العبد فإذا قابلها بإحسان الرب وجدها قاصرة عن الوفاء بأداء شكر تلك النعمة، فليستغفر الله لأجل ذلك وخامسها: الاستغفار بسبب التقصير الواقع في السلوك لأن السائر إلى الله إذا وصل إلى مقام في العبودية، ثم تجاوز عنه فبعد تجاوزه عنه يرى ذلك المقام قاصراً فيستغفر الله عنه، ولما كانت مراتب السير إلى الله غير متناهية لا جرم كانت مراتب هذا الاستغفار غير متناهية، أما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد واستغفره لذنب أمتك فهو أيضاً ظاهر، لأنه تعالى أمره بالاستغفار لذنب أمته في قوله: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] فههنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم، وهكذا إذا قلنا: المراد ههنا أن يستغفر لنفسه ولأمته. المسألة السادسة: في الآية إشكال، وهو أن التوبة مقدمة على جميع الطاعات، ثم الحمد مقدم على التسبيح، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام، والإنعام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن غيره، فكان ينبغي أن يقع الابتداء بالاستغفار، ثم بعده يذكر الحمد، ثم بعده يذكر التسبيح، فما السبب في أن صار مذكوراً على العكس من هذا الترتيب؟ وجوابه: من وجوه أولها: لعله ابتدأ بالأشرف، فالأشرف نازلاً إلى الأخس فالأخس، تنبيهاً على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق وثانيها: فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد الصادر عن العبد إذا صار مقابلاً بجلال الله وعزته صار عين الذنب، فوجب الاستغفار منه وثالثها: للتسبيح والحمد إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق (الله)، والأول كالصلاة، والثاني كالزكاة، وكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة، فكذا ههنا. المسألة السابعة: الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه الإعلان بالتسبيح والاستغفار، وذلك من وجوه أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بإبلاغ السورة إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواتراً، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي، فوجب عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها: أنه من جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة، ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها: أن الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر، فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار دائماً، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره، ثم قال: واستغفره حين نعيت نفسه إليه لتفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك. المسألة الثامنة: في الآية سؤالات أحدها: وهو أنه قال: {إِنَّهُ كَانَ تَوبَا } على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها: هلا قال: غفاراً كما قاله: في سورة نوح وثالثها: أنه قال: {نَصْرُ ٱللَّهِ } وقال: {فِى دِينِ ٱللَّهِ } فلم لم يقل: بحمد الله بل قال: {بِحَمْدِ رَبّكَ } والجواب: عن الأول من وجوه أحدها: أن هذا أبلغ كأنه يقول: ألست أثنيت عليكم بأنكم: خير أمة أخرجت للناس ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة، وفلق البحر ونتق الجبل، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم. وأتوا بالقبائح، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلاً للتوبة ممن دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها: منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها: كنت تواباً قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها: كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي، والجناية مصيبة للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها: كأنه نظير ما يقال:شعر : لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي تفسير : والجواب: عن السؤال الثاني من وجوه أحدها: لعله خص هذه الأمة بزيادة شرف لأنه لا يقال في صفات العبد غفار، ويقال: تواب إذا كان آتياً بالتوبة، فيقول تعالى: كنت لي سمياً من أول الأمر أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن كان المعنى مختلفاً فتب حتى تصير سمياً لي آخر الأمر، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم إن التواب في حق الله، هو أنه تعالى يقبل التوبة كثيراً فنبه على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه كثيراً وثانيها: إنما قيل: تواباً لأن القائل قد يقول: أستغفر الله وليس بتائب، ومنه قوله:"المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزىء بربه" إن قيل: فقد يقول: أتوب، وليس بتائب، قلنا: فإذاً يكون كاذباً، لأن التوبة اسم للرجوع والندم، بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذباً فيه، فصار تقدير الكلام، واستغفره بالتوبة، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة والاستغفار، وكذا خواتيم الأعمال، وروي أنه لم يجلس مجلساً إلا ختمه بالاستغفار والجواب: عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم الذات مرتين وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما: الرب والثاني: التواب، ولما كانت التربية تحصل أولاً والتوابية آخراً، لا جرم ذكر اسم الرب أولاً واسم التواب آخراً. المسألة التاسعة: الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم روي أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك فقال: نعيت إليك نفسك فقال: الأمر كما تقول، وقيل: إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لقد أوتي هذا الغلام علماً كثيراً» تفسير : روي أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع أهل بدر، فقال عبدالرحمن: أتأذن لهذا الفتى معنا، وفي أبنائنا من هو مثله؟ فقال: لأنه ممن قد علمتم قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } وكأنه ما سألهم إلا من أجلي فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه، فقلت: ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلومونني عليه بعدما ترون، وروي أنه لما نزلت هذه السورة خطب وقال: «حديث : إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء الله»تفسير : فقال السائل: وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى؟ الجواب: من وجوه أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة وذكر التخيير وثانيها: أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجاً دل ذلك على حصول الكمال والتمام، وذلك يعقبه الزوال كما قيل:شعر : إذا تم شيء دنا نقصه توقع زوالاً إذا قيل تم تفسير : وثالثها: أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها: قوله: {وَٱسْتَغْفِرْهُ } تنبيه على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر، ونبهه به على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها: كأنه قيل له: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته، وهو النصر والفتح والاستيلاء، والله تعالى وعدك بقوله: {أية : وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الضحى: 4] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية. المسألة العاشرة: ذكرنا أن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة. وأما الذين قالوا: إنها نزلت بعد فتح مكة، فذكر الماوردي أنه عليه السلام لم يلبث بعد نزول هذه السورة إلا ستين يوماً مستديماً للتسبيح والاستغفار، وقال مقاتل: عاش بعدها حولاً ونزل: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] فعاش بعده ثمانين يوماً ثم نزل آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً ثم نزل: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 281] فعاش بعدها أحد عشر يوماً وفي رواية أخرى عاش بعدها سبعة أيام، والله أعلم كيف كان ذلك.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ} أي إذا صليت فأكثر من ذلك. وقيل: معنى سبح: صَلّ؛ عن ابن عباس. «بِحَمْدِ ربك» أي حامداً له على ما آتاك من الظفر والفتح. «واسْتَغْفِرْهُ» أي سلِ الله الغفران. وقيل: «فسبح» المراد به: التنزيه؛ أي نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك له. «واسْتَغْفِرْه» أي سَلِ الله الغفران مع مداومة الذكر. والأوّل أظهر. روى الأئمة (واللفظ للبخاريّ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: « حديث : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } إلا يقول: «سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي» »تفسير : . وعنها قالت: ( حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبحانكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمدِك، اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي» » تفسير : . يتأوّل القرآن. وفي غير الصحيح: وقالت أمّ سَلَمة: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: « حديث : سُبْحانَ اللَّهِ وبحمدِهِ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إليه ـ قال ـ فإنّي أُمِرت بها ـ ثم قرأ {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } » تفسير : إلى آخرها. وقال أبو هريرة: اجتهدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد نزولها، حتى تَوَرَّمت قدماه، ونَحَل جسمه، وقل تبسمه، وكثر بكاؤه. وقال عِكرمة: لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَطُّ أشد اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها. وقال مقاتل: « حديث : لما نزلت قرأها النبيّ صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرِحوا واستبشروا، وبكى العباس؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما يُبْكيكَ يا عَمُّ؟» قال: نُعِيَتْ إليكَ نَفْسُك. قال: «إنه لكما تقول»تفسير : ؛ فعاش بعدها ستين يوماً، ما رُئِي فيها ضاحكاً مستبشراً. وقيل: نزلت في مِنًى بعد أيام التشريق، في حِجة الوداع، فبكى عُمر والعباس، فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نَعْي النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : صَدَقتما، نُعِيت إليّ نفسي » تفسير : . وفي البخاريّ وغيره عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. قال: فوجِد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله! فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } فقالوا: أمر الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره، وأن يتوب إليه. فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قلت: ليس كذلك، ولكن أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم حضورَ أجله، فقال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }، فذلك علامة موتك. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا }. فقال عمر رضي الله عنه: تلومونني عليه؟ وفي البخاريّ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. ورواه الترمذيّ، قال: كان عمر يسألني مع أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتسأله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث نعلم. فسأله عن هذه الآية: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }. فقلت: إنما هو أجل رسوِل الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه إياه؛ وقرأ السورة إلى آخرها. فقال له عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم. قال: هذا حديث حسن صحيح. فإن قيل: فماذا يغفر للنبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر بالاستغفار؟ قيل له: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: « حديث : رَبِّ اغفرْ لِي خَطيئتَي وجَهْلِي، وإسْرافِي في أَمْرِي كُلِّه، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفْر لي خَطَئي وعَمْدِي، وجهلِي وهَزْلي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدّمت وما أخرتُ، وما أعلَنْت وما أسْرَرْت، أنت المقدِّم وأنت المُوَخِّر، إنكَ على كلِّ شيءٍ قَدِير » تفسير : . فكان صلى الله عليه وسلم يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذُنُوباً. ويحتمل أن يكون بمعنى: كُنْ متعَلقاً به، سائلاً راغباً، متضرعاً على رؤية التقصير في أداء الحقوق؛ لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال. وقيل: الاستغفار تَعَبُّد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبداً. وقيل: ذلك تنبيه لأمته، لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار. وقيل: «واستغفره» أي استغفر لأمتك. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}: أي على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم. وإذا كان عليه السلام وهو معصوم يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟ روى مسلم عن عائشة قالت: « حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثر من قول: «سُبحَانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أسْتغفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إليهِ». قالت: فقلت يا رسول الله، أراك تكثر من قول «سُبْحان اللَّهِ وبِحَمْدِه، أستغفر الله وأتوب إليه»؟ فقال: «خَبَّرَنِي رَبِّي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأَيتها أكثرت من قول سُبْحان اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } ـ فتح مكة ـ {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا }» » تفسير : . وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بِمِنًى في حِجَّة الوداع، ثم نزلت { أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } تفسير : [المائدة: 3] فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوماً. ثم نزلت آية الكَلاَلة، فعاش بعدها خمسين يوماً. ثم نزل: { أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً. ثم نزل { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281] فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل سبعة أيام. وقيل غير هذا مما تقدّم في «البقرة» بيانه، والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } أي متلبساً بحمده {وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا } وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر من قول :«حديث : سبحان الله وبحمده ،أستغفر الله وأتوب إليه»تفسير : ، وعلم بها أنه قد اقترب أجله، وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان. وتوفي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأوّل سنة عشر.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَسَبِّحْ} فَصَلِّ {وَاسْتَغْفِرْهُ} داوم ذكره "ع" أو صريح التسبح والاستغفار من الذنوب فكان يكثر بعدها أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي {تَوَّاباً} قابلا للتوبة أو متجاوزاً عن الصغائر وأمر بذلك شكراً لله على نعمته من النصر والفتح أو نعى إليه نفسه ليجتهد في العمل قال ابن عباس داعٍ من الله ووداعٍ من الدنيا فلم يلبث بعدها إلاَّ سنتين مستديماً لما أمره به من التسبيح والاستغفار أو سنة واحدة فنزل في حجة الوداع {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ} تفسير : [المائدة: 3] فعاش بعدها ثمانين يوماً فنزلت آية الكلالة وهي آية الصيف فعاش بعدها خمسين يوماً "ع" فنزلت {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} تفسير : [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً فنزلت: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ}تفسير : [البقرة: 281] فعاش بعدها أحدا وعشرين يوماً أو سبعة أيام.
ابو السعود
تفسير : {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} فقُلْ: سبحانَ الله حامداً لهُ أو فتعجبَ لتيسيرِ الله تعالَى ما لَمْ يخطُرْ ببالِ أحدٍ من أنْ يغلبَ أحدٌ على أهْلِ حرمِهِ المحترمِ واحمدْهُ على جميلِ صُنعِه، هذا على الروايةِ الأُولى ظاهرٌ وأمَّا على الثانيةِ فلعلَّهُ عليهِ السلامُ أُمرَ بأنْ يداومَ على ذلكَ استعظاماً لنعمِه لاِ بإحداثِ التعجبِ لما ذُكرَ فإنَّهُ إنما يناسبُ حالةَ الفتحِ أو فاذكُرْهُ مسبحاً حامداً زيادةً في عبادتِهِ والثناءِ عليهِ لزيادةِ إنعامِه عليكَ أو فصلِّ لهُ حامداً على نعمِه. رُويَ أنَّه لما فتحَ بابَ الكعبةِ صلَّى صلاة الضحى ثمانِ ركعاتٍ. أو فنزههُ عما يقولُه الظلمةُ حامداً لهُ على أنْ صدقَ وعدَهُ أو فاثنِ على الله تعالَى بصفاتِ الجلالِ حَامِداً له على صفاتِ الإكرامِ {وَٱسْتَغْفِرْهُ} هَضْماً لنفسكَ واستقصاراً لعملكَ واستعظاماً لحقوقِ الله تعالَى واستدراكاً لما فرطَ منكَ من تركِ الأولَى. عن عائشةَ رضيَ الله عنهَا « حديث : أنه كانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يكثرُ قبلَ موتِه أنْ يقولَ: "سُبْحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ استغفركَ وأتوبُ إليكَ" وعنهُ عليهِ السلامُ: "إنِّي لأستغفرُ في اليومِ والليلةِ مائةَ مرةٍ" » تفسير : ورُويَ أنَّه لمَّا قرأَها النبـيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ على أصحابِه استبشرُوا وبكَى العباسُ فقالَ عليهِ السلامُ: « حديث : "ما يبكيكَ يا عمُّ؟" فقالَ: نعيتْ إليكَ نفسُكَ، قالَ عليهِ السلامُ: "إنَّها لكمَا تقولُ" فلَمْ يُرَ عليهِ السلامُ بعدَ ذلكَ ضاحكاً مستبشراً وقيلَ: إنَّ ابنَ عباسٍ هُو الذي قالَ ذلكَ فقالَ عليهِ السلامُ: "لقدْ أُوتي هذا الغلامُ علماً كثيراً" » تفسير : أو لعلَّ ذلكَ للدلالةِ على تمامِ أمرِ الدعوةِ وتكاملِ أمرِ الدينِ كقولِه تعالَى: { أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} تفسير : [سورة المائدة، الآية 3] ورُويَ أنَّها لمَّا نزلتْ خطبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: « حديث : إنَّ عبداً خيرهُ الله تعالَى بـينَ الدُّنيا وبـينَ لقائِه فاختارَ لقاءَ الله تعَالَى » تفسير : فعلَم أبو بكرٍ رضيَ الله عنه فقالَ: فديناكَ بأنفسِنا وآبائِنا وأولادِنا. و « حديث : عنْهُ عليهِ السلامُ أنهُ دعَا فاطمةَ رضيَ الله عنْهَا فقالَ: "يا بنتاهُ إنَّه نعيتْ إليَّ نفسِي" فبكتْ فقالَ: "لا تبكِي فإنكِ أولُ أَهْلي لحوقاً بِـي" » تفسير : وعنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ أنَّ هذه السورةَ تُسمَّى سورةَ التوديعِ، وقيلَ: هو أمرٌ بالاستغفارِ لأمتِه {إِنَّهُ كَانَ تَوبَا} منذُ خلقَ المكلفينَ أيْ مبالغاً في قبولِ توبتِهم فليكُنْ كُلُّ تائبٍ مستغفرٍ متوقعاً للقبولِ. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ النصرِ أعطيَ مِنَ الأجرِ كمنْ شهدَ معَ محمدٍ يومَ فتحِ مكةَ".
التستري
تفسير : {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}[3] أي رجاعاً يقبل التوبة، كلما تاب العبد إليه. واعلم أن إلهنا أكرم من أن يكون معك على نفسك، فإنه قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ}تفسير : [البقرة:222] فإن كنت عليها كان معها بالعفو، وإن كنت معها على أمر الله ونهيه كان عليك، فمن وافق أمر الله على هواه كان ناجياً، ومن وافق هواه على أمر الله كان هالكاً، وإنّ أمر الله تعالى مرّ وهوى النفس حلو، فما مثالها إلا كالأطعمة اللذيذة قد يحصل فيها الصبر، والدواء يشرب مع مرارته لما جعل فيه من المنافع. وكان بعض الصالحين يقول: واسوأتاه، وإن عفوت. فمنهم من يحذر الرد، ومنهم من يبكي خجلاً، وإن عفي عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {فسبح بحمد ربك} التسبيح مجاز عن التعجب بعلاقة السببية فان من رأى امرا عجيبا يقول سبحان الله قال ابن الشيخ لعل الوجه فى اطلاق هذه الكلمة عند التعجب كما ورد فى الاذكار ولكل اعجوبة سبحانه الله هو أن الانسان عند مشاهدة الامر العجيب الخارج عن حد أمثاله يستبعد وقوعه وتنفعل نفسه منه كانه استقصر قدرة الله فلذلك خطر على قلبه ان يقول من قدرعليه وأوجده ثم انه فى هذا الزعم مخطئ فقال سبحان الله تنزيها لله عن العجز عن خلق امر عجيب يستبعد وقوعه لتيقنه بأن الله على كل شئ قدير قال الامام السهيلى رحمه الله سر اقتران الحمد بالتسبيح ابدا نحو سبح بحمد ربك وان من شئ الا يسبح بحمده ان معرفة الله تنقسم قسمين معرفة ذاته ومعرفة اسمائه وصفاته ولا سبيل الى اثبات احد القسمين دون الآخر واثبات وجود الذات من مقتضى العقل واثبات الاسماء والصفات من مقتضى الشرع فبالعقل عرف المسمى وبالشرع عرفت الاسماء ولا يتصور فى العقل اثبات الذات الا مع نفى سمات الحدوث عنها وذلك هو التسبيح ومقتضى العقل مقدم على مقتضى الشرع وانما جاء الشرع المنقول بعد حصول النظر والعقول فنبه العقول على النظر فعرفت ثم علمها ما لم تكن تعلم من الاسماء فانضاف لها التسبيح والحمد والثناء فما امرنا تسبيحه الا بحمده انتهى ومعنى الآية فقل سبحان الله حال كونك ملتبسا بحمده اى فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال احد من ان يغلب احد على أهل حرمه المحترم واحمده على جميع صنعه هذا على الرواية الاولى ظاهر واما على الثانية فلعله امر بأن يداوم على ذلك استعظاما لنعمته لا باحداث التعجب لما ذكر فانه انما يناسب حالة الفتح وقال بعضهم والاشبه ان يراد نزهه عن العجز فى تأخير ظهور الفتح واحمده على التأخير وصفه بأن توقيت الامور من عنده ليس الا بحكم لا يعرفها الا هو انتهى او فاذكره مسبحا حامدا وزد فى عبادته والثناء عليه لزيادة انعامه عليك او فصل له حامدا على نعمه فالتسبيح مجاز عن الصلاة بعلاقة الجزئية لانها تشتمل عليه فى الاكثر روى انه عليه السلام لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثمانى ركعات وحملها بعضهم على صلاة الشكر لا على صلاة الضحى وبعضهم على ان اربعا منها للشكر وأربعا للضحى او فنزهه عما يقول الظلمة حامدا له على ان صدق وعده او فأثن على الله بصفات الجلال يعنى الصفات السلبية حامدا له على صفات الاكرام يعنى الصفات الثبوتية اى على آثارها او على تنزيلها منزلة الاوصاف الاختيارية لكفاية الذات المقدس فى الاتصاف بها فان المحمود عليه يجب ان يكون امرا اختياريا وقال القاشانى نزه ذاتك عن الاحتجات بمقام القلب الذى هو معدن النبوة بقطع علاقة البدن والترقى الى مقام حق اليقين الذى هو معدن الولاية حامدا له باظهار كمالاته واوصافه التامة عند التجريد بالحمد الفعلى {واستغفره} هضما لنفسك واستقصارا لعلمك واستعظاما لحقوق الله واستدراكا لما فرط منك من ترك الاولى او استغفره لذنبك وللمؤمنين وهو المناسب لما فى سورة محمد وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق الى الخلق حيث لم تشتغل على رؤية الناس باستغفارهم اولا مع ان رؤيتهم تستدعى ذلك بل اشتغل اولا بتسبيح الله وحمده لانه رأى الله قبل رؤية الناس كما قيل ما رأيت شيأ الا ورأيت الله قبله وذلك لان الناس مرءآة العارف وصاحب المرءآة يتوجه اولا الى المرئى وبرؤية المرئى تلتفت نفسه الى المرءآة ولك ان تقول ان فى التقديم المذكور تعليم ادب الدعاء وهو ان لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسئول عنه عن عائشة رضى الله عنها حديث : انه كان عليه السلام يكثر قبل موته ان يقول سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك واتوب اليك تفسير : وعنه عليه السلام حديث : انى لاستغفر الله فى اليوم والليلة مائة مرة تفسير : ومنه يعلم ان ورد الاستغفار لا يسقط ابدا لانه لا يخلو الانسان عن الغين والتلوين وروى انه لما قرأها النبى عليه السلام على اصحابه استبشروا وبكى العباس فقال عليه السلام حديث : ما يبكيك يا عمتفسير : قال نعيت اليك نفسك اى ألقى اليك خبر موت نفسك والنعى ألقاء خبر الموت قال عليه السلام حديث : انها لكما تقولتفسير : فلم ير عليه السلام بعد ذلك ضاحكا مستبشرا وقيل ان ابن عباس رضى الله عنهما هو الذى قال ذلك فقال عليه السلامحديث : لقد اوتى هذا الغلام علما كثيرا تفسير : ولذلك كان عمر يدنيه ويأذن له مع اهل بدر ولعل ذلك للدلالة على تمام امر الدعوة وتكامل امر الدين كقوله تعالى {أية : اليوم اكملت لكم دينكم}تفسير : والكمال دليل الزوال كما قيل. توقع زوالا اذا قيل تم. او لان الامر بالاستغفار تنبيه على قرب الاجل كأنه قال قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للامر ونبه به على ان العاقل اذا قرب اجله ينبغى ان يستكثر من التوبة وروى انها لما نزلت خطب رسول الله صلىالله عليه وسلم فقال حديث : ان عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللهتفسير : فعلم ابو بكر رضى الله عنه فقال فديناك بانفسنا واموالنا وآبائنا واولادنا وعنه عليه السلام انه دعا فاطمة رضى الله عنها فقال حديث : يا بنتاه انه نعيت إلىَّ نفسىتفسير : يعنى خبروفات من دهند شعر : نامه رسيد ازان جهان بهر مراجعت برم عزم رجوع ميكنم رخت بجرخ ميبرم تفسير : فبكت فقال حديث : لا تبكى فانك اول اهلى لحوقا بى تفسير : فضحكت وعن ابن مسعود ان هذه السورة تسمى سورة التوديع لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا قال على رضى الله عنه لما نزلت هذه السورة مرض رسول الله عليه السلام فخرج الى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل فتوفى بعد ايام قال الحسن رحمه الله أعلم انه قد اقترب اجله فامر بالتسبيح والتوبة ليختم له بالعمل الصالح وفيه تنبيه لكل عاقل {انه كان توابا} مبالغا فى قبول توبتهم منذ خلق المكلفين فليكن كل تائب مستغفر متوقعا للقبول وذلك ان قبول التوبة من الصفات الاضافية ولا منازعة فى حدوثها فاندفع ما يرد ان المفهوم من الآية انه تعالى تواب فى الماضى وكونه توابا الماضى كيف يكون علة للاستغفار فى الحال والمستقبل وفى اختيار انه كان توابا على غفار مع انه الذى يستدعيه قوله واستغفر حتى قيل وتب مضمر بعده والا لقال غفارا تنبيه على ان الاستغفار انما ينفع اذا كان مع التوبة والندم والعزم على عدم العود ثم ان من اضمر وتب يحتمل انه جعل الآية من الاحتباك حيث دل بالامر بالاستغفار على التعليل بأنه كان غفارا وبالتعليل بأنه كان توابا على الامر بالتوبة اى استغفره وتب. ذكر البرهان الرشيدى ان صفات الله تعالى التى على صيغة المبالغة كلها مجاز لانها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لان المبالغة ان يثبت للشئ اكبر اكثر مما له وصفاته تعالى منزهة عن ذلك واستحسنه الشيخ تقى الدين السبكى رحمه الله وقال الزر كشى فى البرهان التحقيق ان صيغة المبالغة قسمان احدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل والثانى بحسب تعدد المفعولات ولا شك ان تعددها لا يوجب للفعل زيادة اذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين وعلىهذا القسم تنزل صفاته ويرفع الاشكال ولهذا قال بعضهم فى حكيم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة الى الشرآئع وقال فى الكشاف المبالغة فى التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه او لانه بليغ فى قبول التوبة بحيث ينزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه. تمت سورة النصر بعون من أقسم بالعصر بعد ظهر يوم السبت
الجنابذي
تفسير : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} اى نزّه ربّك او لطيفتك الانسانيّة عمّا لا يليق بشأنه تعالى وشأنها وليكن تنزيهك بالجمع بين صفات الجلال والجمال ولا تكن كموسى (ع) ناظراً الى المظاهر ولا كعيسى (ع) ناظراً الى الظّاهر، وكن ناظراً الى المظاهر والظّاهر من دون رجحان احد النّظرين الى الآخر، فانّ هذا معنى التّسبيح بالحمد يعنى اذا جاء نصر الله المطلق والفتح المطلق بحيث ترى الكلّ يدخلون فى دين الله افواجاً فجاهد حتّى لا يختفى الكثرات عن نظرك ولا تشتغل بالتّوحيد عن حضورك، والكلّ جنودك بل تكون جامعاً بين الوحدة والكثرة والحقّ والخلق {وَٱسْتَغْفِرْهُ} واطلب منه ستر الحدود حتّى لا يغلب رؤية الحدود على رؤية الحقّ الاوّل تعالى فى المظاهر {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} كثير المراجعة على العباد، او استغفره لجنودك كما ترى عليهم من الحدود والنّقائص انّه كان توّاباً على جميع خلقه.
اطفيش
تفسير : {فَسَبِّحْ} جواب إذا *{بِحَمْدِ رَبِّكَ} نزه ربك ملتبسا بحمده على نعمه أو متعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد ملتبسا بحمده أو فصل له ملتبسا بحمده وقد قيل إنه يإنه صلى ثمان ركعات في الكعبة أو أثن على الله بصفات الجلال ملتبسا بحمده على صفات الإكرام وتقدم مثل هذه الباء.
اطفيش
تفسير : {فَسَبْح بِحَمْدِ رَبِّكَ} سبح الله أى نزهه بقلبك أو مع التلفظ بسبحان الله أو بغيره عملاً لا يليق ملتبساً بالثناءِ بأَنواع المحامد وإضافة الحمد لمنصوبه لا للفاعل فهو متعلق بحال محذوفة، ويجوز تعليقه بسبح أى مع حمد ربك وجوز أن تكون الباء للإٍستعانة فتتعلق بسبح وهذا لا يصح إلاًَّ على جعل إضافة الحمد إلى الفاعل أى بحمد ربك نفسه وليس تسبيح من يقول صفاته هو معطلاً لبعض الصفات كما قيل ويجنب النقص فلا يقال سبحان ربى الأسفل ولو كان فى موضع، وقيل نزهه عن العجز عن تعجيل الفتح وأحمده على أن أخره لحكمة وهو تفسير لا يفهم من الآية بل المراد العموم كما مر وما روى عن عائشة من أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر فى ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لى يتأول قوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره أى يعمل بمعناه لا يوجب أن يكون تفسيراً لها ولا مرجحاً لتفسيره بذلك بل هو بعض عمومها، وكذا ما فى البخارى عنها أنه كان يكثر فى آخر أمره سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه وقال كان ربى أخبرنى أنِ سأرى علامة فى أُمتى وأمرنى إذا رأيتها أن سبح بحمده واستغفره فإن التسبيح المأمور به غير مختص بالعجز المنفى المذكور بل عن كل نقص والتسبيح فى الحديث على العموم وكذا عن أم سلمة كان - صلى الله عليه وسلم - لا يقوم ولا يقعد ولا يجىءَ ولا يذهب إلاَّ قال سبحان الله وبحمده أستغفر قال إنى أُمرت بها وقرأ السورة قال عبد الله بن مسعود لما نزل إذا جاءَ نصر الله. الخ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر إذا قرأها وركع أن يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم أغفر لى إِنك أنت التواب الرحيم ثلاثا وزعم بعض أن سبح أمر بالبقاءِ على الحمد والتصرف وقيل سبح بمعنى قل سبحان الله تعجباً من تيسير الله عز وجل لك النصر والفتح على أهل الحرم بحيث لا يخطر ببال أحد وأحمده على صنعه والتعجب سبب للتسبيح وهو خروج عن الظاهر ومخالف للحديث وأيضاً التعجب غير كسبى فكيف يؤمر به وهذا من باب استعمال أداة الاستفهام للتعجب لا معناها أن هذا أمر عجيب فكذا الآية وكأَنه إخبار بأَن ذلك أمر من شأنه أن يتعجب منه وكذا تفسير الصلاة هنا بالتسبيح مخالف للظاهر ومخالف للحديث والمقام وصلاته ثمانى ركعات فى بيت أُم هانىءٍ أو فى داخل الكعبة أو أربع للضحى وأربع للفتح لا يجب أن تكون تفسيراً للآية بل هى بعض الآية من التسبيح والحمد ولا سيما أن الضيح أنه لم يصل الثمانى حين دخل الكعبة وشهر أن الثمانى بتسليمة واحدة ولو كانت أربعا للضحى وأربعا للفتح لفصل بالتسليم وصلاة الفتح مسنونة وقد صلاها سعد يوم فتح المدائن ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة متواضعاً بقلبه وجسده حتى كاد رأسه يمس عود مقدم الرحل وقال لأهل مكة ما تقولون؟ قالوا: أخ كريم قال إذهبوا فأَنتم الطلقاءِ فلقبوا بذلك وأقام بعد الفتح فى مكة خمسة عشر يوماً وهو يقصر ولا يصلى صلاة الجمعة فخرج إلى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنيناً. {وَاسْتَغفِرْهُ} ولو لم يكن لك ذنب إعظاماً لله تعالى وهضماً للنفس أو تعبداً وعما يصدر سهواً أو نسياناً أو عما أبيح له وكان الأولى خلافه أو عن الإقتصار عن عبادة وترك ما هو أعلى منها من العبادات والإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليق بجلال الله تعالى ورأيت بعد ما كتبت ما هو فى معناه أنه أبدا على الترقى فى العبادات فكلما كان فى مرتبة منها استغفر من التى كان عليها قبلها أى من الإقتصار عليها، وقيل عما قبل النبوة مع أنه لا يعمل قبلها الصغائر ولا الكبائر ومن زعم أن الصغائر تصدر من الأنبياءِ قال استغفاره منها وقيل استغفره لذنوب أُمتك ويناسبه أن الله عز وجل أمره بذلك وقال واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وقيل لتعليم أمتك وكان يستغفر فى اليوم والليلة سبعين مرة، وقيل أكثر، وقيل مائة وجاءَ به حديث وكلما قام من مجلس قال سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ويشرع لمن سلم من الفريضة أن يستغفر ثلاثا وقدم الحمد على أن التخلى قبل التحلى لأَنه لله بالإجلال لجلاله والاستغفار لقصور فى العبد ولكراهة أن يشرع الإنسان فى الدعاءِ قبل التملق لله تعالى بأَلفاظ المدح والتضرع ولأن تعقيب العبادة مشروع كما شرع بعد الوضوءَ وبعد الإفاضة وبعد المكتوبة وبعد التهجد حديث : ومن قال حين يأَوى إلى فراشه أستغفر الله العظيم الذى لا إله إلاَّ هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه ولو كانت كزبد البحر ورمل عالج وورق الشجر تفسير : وحديث : من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً تفسير : وحديث : لو لم تذنبوا لجاءَ الله تعالى بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم . تفسير : {إنَّهُ كانَ} فى الأَزل قاضياً أن يخلق الخلق ويتوب عليهم ومن شأنه أن يقبل التوبة أو كان حين خلق المكلفين. {تَوَّابَا} مبالغاً فى العفو فإن صورة كراهة الله عز وجل المعصية كصورة إعراض وصورة العفو كصورة الراجع بعد الإعراض أو تواباً مبالغاً فى قبول التوبة والمبالغة فى الوجهين تحقيق ذلك وكثرة الإفراد من التائبين ولا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وما أصر من استغفر ولو عاد فى اليوم سبعين مرة ويناسب ذلك رجاءَ المستغفر وطمعه فى القبول وكأَنه قيل لأَنه كان تواباً ولم يقل إنه كان غفاراً مع أنه قال واستغفره لأَن الاستغفار إنما ينفع مع التوبة ولا ينفع الإستغفار بلا ندم وقد قيل أن الأَصل استغفره أنه كان غفاراً وتب إليه إنه كان تواباً الله لا إله إِلاَّ هو الملك الحى القيوم ذو الجلال والإِكرام أستغفر الله الرحمن الرحيم اللهم إقض لى كل حاجة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } أي فنزهه تعالى بكل ذكر يدل على التنزيه حامداً له جل وعلا زيادة في عبادته والثناء عليه سبحانه لزيادة إنعامه سبحانه عليك فالتسبيح التنزيه لا التلفظ بكلمة سبحان الله، والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال والحمد مضاف إلى المفعول والمعنى على الجمع بين تسبيحه تعالى وهو تنزيهه سبحانه عما لا يليق به عز وجل من النقائص وتحميده وهو إثبات ما يليق به تعالى من المحامد له لعظم ما أنعم سبحانه به عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل أي نزهه تعالى عن العجز في تأخير ظهور الفتح واحمده على التأخير وصفه تعالى بأن توقيت الأمور من عنده ليس إلا لحكمة لا يعرفها إلا هو عز وجل وهو كما ترى، وأيد ذلك بما في «الصحيحين» عن مسروق عن عائشة حديث : قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآنتفسير : تعني هذا مع قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْهُ } أي اطلب منه أن يغفر لك وكذا بما في «مسند الإمام أحمد» و«صحيح مسلم» عن عائشة أيضاً قالت حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قول سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه وقال إن ربـي كان أخبرني أن سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده واستغفرهتفسير : الخ وروى ابن جرير من طريق حفص بن عاصم عن الشعبـي عن أم سلمة حديث : قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده قال إني أمرت بها وقرأ السورةتفسير : وهو غريب وفي «المسند» عن أبـي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال حديث : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [الفتح: 1] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم ثلاثاًتفسير : . وجوز أن تكون الباء للاستعانة والحمد مضاف إلى الفاعل أي سبحه بما حمد سبحانه به نفسه قال ابن رجب إذ ليس كل تسبيح بمحمود فتسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات وقد كان بشر المريسي يقول سبحان ربـي الأسفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً والظاهر الملابسة. وجوز أن يكون التسبيح مجازاً عن التعجب بعلاقة السببية فإن من رأى أمراً عجيباً قال سبحان الله أي فتعجب لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم واحمده تعالى على صنعه وهذا التعجب تعجب / متأمل شاكر يصح أن يؤمر به وليس الأمر بمعنى الخبر بأن هذه القصة من شأنها أن يتعجب منها كما زعم ابن المنير والتعليل بأن الأمر في صيغة التعجب ليس أمراً بين السقوط نعم هذا الوجه ليس بشيء. والأخبار دالة على أن ذلك أمر له صلى الله عليه وسلم بالاستعداد للتوجه إلى ربه تعالى والاستعداد للقائه بعد ما أكمل دينه وأدى ما عليه من البلاغ وأيضاً ما ذكرناه من الآثار آنفاً لا يساعد عليه. وقيل المراد بالتسبيح الصلاة لاشتمالها عليه ونقله ابن الجوزي عن ابن عباس أي فصل له تعالى حامداً على نعمه وقد روي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة صلى في بيت أم هانىء ثمان ركعات وزعم بعضهم أنه صلاها داخل الكعبة وليس بالصحيح وأياً ما كان فهي صلاة الفتح وهي سنة وقد صلاها سعد يوم فتح المدائن وقيل صلاة الضحى وقيل أربع منها للفتح وأربع للضحى وعلى كل ليس فيها دليل على أن المراد بالتسبيح الصلاة والأخبار أيضاً تساعد على خلافه. واستغفاره صلى الله عليه وسلم لأنه كان دائماً في الترقي فإذا ترقى إلى مرتبة استغفر لما قبلها وقيل مما هو في نظره الشريف خلاف الأولى بمنصبه المنيف وقيل عما كان من سهو ولو قبل النبوة وقيل لتعليم أمته صلى الله عليه وسلم وقيل هو استغفار لأمته عليه الصلاة والسلام أي واستغفره لأمتك. وجوز بعضهم كون الخطاب في {رَأَيْتَ} عاما وقال هٰهنا يجوز حينئذ أن يكون الأمر بالاستغفار لمن سواه عليه الصلاة والسلام وإدخاله صلى الله عليه وسلم في الأمر تغليب وهذا خلاف الظاهر جداً وأنت تعلم أن كل أحد مقصر عن القيام بحقوق الله تعالى كما ينبغى وأدائها على الوجه اللائق بجلاله جل جلاله وعظمته سبحانه وإنما يؤديها على قدر ما يعرف والعارف يعرف أن قدر الله عز وجل أعلى وأجل من ذلك فهو يستحي من عمله ويرى أنه مقصر وكلما كان الشخص بالله تعالى أعرف كان له سبحانه أخوف وبرؤية تقصيره أبصر وقد كان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة فإذا صلى أخذ بلحيته ثم يقول لنفسه قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله عز وجل طرفة عين وعن مالك بن دينار لقد هممت أن أوصي إذا مت أن ينطلق بـي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده فإذا سألني قلت يا رب إني لم أرض لك نفسي طرفة عين فيمكن أن يكون استغفاره عليه الصلاة والسلام لما يعرف من عظيم جلال الله تعالى وعظمته سبحانه فيرى أن عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين دون ما يليق بذلك الجلال وتلك العظمة التي هي وراء ما يخطر بالبال فيستحي ويهرع إلى الاستغفار وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة. وللإشارة إلى قصور العابد عن الإتيان بما يليق بجلال المعبود وإن بذل المجهود شرع الاستغفار بعد كثير من الطاعات فذكروا أنه يشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثاً وللمتهجد في الأسحار أن يستغفر ما شاء الله تعالى وللحاج أن يستغفر بعد الحج فقد قال تعالى {أية : ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقرة: 199] وروي أنه يشرع لختم الوضوء وقالوا يشرع لختم كل مجلس وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من المجلس((حديث : سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك))تفسير : . ففي الأمر بالاستغفار رمز من هذا الوجه على ما قيل إلى ما فهم من النعي والمشهور أن ذلك للدلالة على مشارفة تمام أمر الدعوة وتكامل أمر الدين والكلام وإن كان مشتملاً على التعليق لكن ذلك واقع في معرض الوعد، ووعد الكريم يدل على قرب الموعود به، لأن أهنأ البر عاجله، ولذا قال بعض البلغاء: جعل الله عمر عداتك كعمر عداتك. وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار قيل على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق كما قيل ما رأيت شيئاً إلا ورأيت / الله تعالى قبله لأن جميع الأشياء مرايا لتجيله جل جلاله وذلك لأن في التسبيح والحمد توجهاً بالذات لجلال الخالق وكماله وفي الاستغفار توجهاً بالذات لحال العبد وتقصيراته ويجوز أن يكون تأخير الاستغفار عنهما لما أشرنا إليه في مشروعية تعقيب العبادة بالاستغفار وقيل في تقديمها عليه تعليم أدب الدعاء وهو أن لا يسأل فجأة من غير تقديم الثناء على المسؤول منه. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} أي منذ خلق المكلفين أي مبالغاً في قول توبتهم فليكن المستغفر التائب متوقعاً للقبول فالجملة في موضع التعليل لما قبلها واختيار{تَوَّاباً} على غفاراً مع أنه الذي يستدعيه {ٱسْتَغْفِرْهُ} ظاهراً للتنبيه كما قال بعض الأجلة على أن الاستغفار إنما ينفع إذا كان مع التوبة وذكر ابن رجب أن الاستغفار المجرد هو التوبة مع طلب المغفرة بالدعاء والمقرون بالتوبة فأستغفر الله تعالى وأتوب إليه سبحانه هو طلب المغفرة بالدعاء فقط وقال أيضاً إن المجرد طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء والندم عليه ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع عنه وهذا الذي يمنع الإصرار كما جاء «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» و«لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار» والمقرون بالتوبة مختص بالنوع الأول فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي فهو دعاء محض وإن صحبه ندم فهو توبة انتهى والظاهر أن ذلك الدعاء المحض غير مقبول وفيه من سوء الأدب مع الله تعالى ما فيه. وقال بعض الأفاضل إن في الآية احتباكاً والأصل واستغفره إنه كان غفاراً وتب إليه إنه كان تواباً وأيد بما قدمناه من حديث الإمام أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وحَمْلُ الزمان الماضي على زمان خلق المكلفين هو ما ارتضاه غير واحد وقال الماتريدي في «التأويلات» أي لم يزل تواباً لا أنه سبحانه تواب بأمر اكتسبه وأحدثه على ما يقوله المعتزلة من أنه سبحانه صار تواباً إذ أنشأ الخلق فتابوا فقبل توبتهم فأما قبل ذلك فلم يكن تواباً ورد عليه بأن قبول التوبة من الصفات الإضافية ولا نزاع في حدوثها واختار بعضهم ما ذهب إليه الماتريدي على أن المراد أنه تعالى لم يزل بحيث يقبل التوبة ومآله قِدَمُ منشأ قبولها من الصفات اللائقة به جل شأنه وفي ذلك مما يقوي الرجاء به عز وجل ما فيه وصح حديث : لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهمتفسير : . وفي الاستغفار خير الدنيا والآخرة أخرج الإمام أحمد من حديث عطية عن أبـي سعيد مرفوعاً حديث : من قال حين يأوي إلى فراشه أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وإن كانت مثل رمل عالج وإن كانت عدد ورق الشجرتفسير : وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس(( حديث : من أكثر من الاستغفار جعل الله تعالى له من كل هم فرجاً)) تفسير : وأنا أقول سبحان الله وبحمده استغفر الله تعالى وأتوب إليه وأسأله أن يجعل لي من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً بحرمة كتابه وسيد أحبابه صلى الله تعالى عليه وسلم.
الشنقيطي
تفسير : تقدم الكلام على التسبيح ومتعلقه وتصريفه. وهنا قرن التسبيح بحمد الله، وفيه ارتباط لطيف بأول السورة وموضوعها، إذ هي في الدلالة على كمال مهمة الرسالة بمجيء نصر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ولدينه. ومجيء الفتح العام على المسلمين لبلاد الله بالفعل أو بالوعد الصادق كما تقدم، وهي نعمة تستوجب الشكر ويستحق موليها الحمد. فكان التسبيح مقترناً بالحمد في مقابل ذلك وقوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ}، ليشعر أنه سبحانه المولى للنعم، كما جاء في سورة الضحى في قوله تعالى: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 3]. وقوله في سورة اقرأ: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1]، وتكرارها {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ} تفسير : [العلق: 3]، لأن صفة الربوبية مشعرة بالإنعام. وقوله: {وَٱسْتَغْفِرْهُ}، قال البعض: إن الاستغفار عن ذنب فما هو. وتقدم الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند قوله تعالى: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} تفسير : [الشرح: 2]. ومما تجدر الإشارة إليه أن التوبة دعوة الرسل، ولو بدأنا من آدم عليه السلام مع قصته ففيها {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 37]، ومعلوم موجب تلك التوبة. ثم نوح عليه السلام يقول: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [نوح: 28] الآية. وإبراهيم عليه السلام يقول: {أية : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 128]. وبناء عليه قل بعض العلماء: إن الاستغفار نفسه عبادة كالتسبيح، فلا يلزم منه وجود ذنب. وقيل: هو تعليم لأمته. وقيل: رفع لدرجاته صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في السنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة"تفسير : ، فتكون أيضاً من باب الاستكثار من الخير، والإنابة إلى الله تعالى. تنبيه جاء في التفسير عند الجميع أنه صلى الله عليه وسلم منذ أن نزلت هذه السورة وهو لم يكن يدع قوله: "حديث : سبحانك اللهم وبحمدك" تفسير : تقول عائشة رضي الله عنها: "يتأول القرآن" أي يفسره، ويعمل به. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنه قال: والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين، من الجمع بين الطاعة والاحتراز من المعصية، وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفاً لأمته، ولأن الاستغفار من التواضع وهضم النفس فهو عبادة في نفسه. وفي هذا لفت نظر لأصحاب الأذكار والأوراد الذين يحرصون على دوام ذكر الله تعالى، حيث هذا كان من أكثر ما يداوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في أذكار الصباح والمساء دون الملازمة على ذكر اسم من أسماء الله تعالى وحده، منفرداً مما لم يرد به نص صحيح ولا صريح. ولا شك أن الخير كل الخير في الاتباع لا في الابتداع، وأي خير أعظم مما اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، ويأمر به، ويلازم هو عليه. وقلنا في آخر حياته: لأنه صلى الله عليه وسلم توفي بعدها بمدة يسيرة. وفي هذه الآية دلالة الإيمان، كما قالوا: ودلالة الالتزام كما جاء عن ابن عباس في قصة عمر رضي الله عنه مع كبار المهاجرين والأنصار، حينما كان يسمح له بالجلوس معهم، ويرى في وجوههم، وسألوه وقالوا: إن لنا أولاداً في سنه، فقال: إنه من حيث علمتم. وفي يوم اجتمعوا عنده فدعاه عمر، قال ابن عباس، فعلمت أنه ما دعاني إلا لأمر فسألهم عن قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1]، السورة. فقالوا: إنها بشرى بالفتح وبالنصر، فقال: ما تقول أنت يا ابن عباس؟ قال: فقلت، لا والله، إنها نعت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا. فقال عمر: وأنا لا أعرف فيها إلا كما قلت: أي أنه صلى الله عليه وسلم جاء لمهمة، وقد تمت بمجيء النصر والفتح والدخول في الدين أفواجاً. وعليه يكون قد أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة. فعليه أن يتأهب لملاقاة ربه ليلقى جزاء عمله، وهو مأخذ في غاية الدقة، وبيان لقول علي رضي الله عنه: أو فهم أعطاه الله من شاء في كتاب الله.
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الخَوْفَ مِنْ اسْتِطَالَةِ المُشْرِكِينَ عَلَى المُسْلِمِينَ قَدْ وَلَّى، فَعَلَيْكَ أَنْ تُسَبِّحَ رَبَّكَ وَتَشْكُرَهُ عَلَى نِصْرِهِ دِينَهُ، وَإِعْزَازِهِ جُنْدَهُ عَلَى الكُفْرِ وَالكَافِرِينَ، وَعَلَيْكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَهُ وَتَتُوبَ إِلَيهِ، فَهُوَ الكَثِيرُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبَادِهِ. (وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ السُّورَةُ عَلاَمَةٌ عَلَى أَجَلِ الرَّسُولِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ. (حديث : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ).
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):