١١٣ - ٱلْفَلَق
113 - Al-Falaq (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوفى ويتحرز منه ديناً وديناً، فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده وإظهاره أثره. بقي هنا سؤالان: السؤال الأول: قوله: {مِن شَرّ مَا خَلَقَ } عام في كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد الجواب: تنبيهاً على أن هذه الشرور أعظم أنواع الشر. السؤال الثاني: لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ الجواب: عرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة، ونكر غاسقاً لأنه ليس كل غاسق شريراً، وأيضاً ليس كل حاسد شريراً، بل رب حسد يكون محموداً وهو الحسد في الخيرات. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } أظهر حسده وعمل بمقتضاه كلبيد المذكور من اليهود الحاسدين للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الثلاثة الشامل لها «ما خلق» بعده لشدّة شرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ} من شر نفسه وعينه أن يصيب بها أو لأن حسده يحمله على الأذى و [الحسد]: تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم تصر للحاسد والمنافسة تمني مثلها فالمؤمن يغبط والمنافق يحسد.
التستري
تفسير : {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}[5] يعني اليهود حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى سحروه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في هذه الآية هو نفس ابن آدم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
البقلي
تفسير : الحاسد النفس لامارة والشيطان الملعون حسا على روح جزاله فى الملكوت سيارة فى انوار الجبروت فسجد عمار بى سهام غيره قهر القدم لا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام العين حق لانها سهم من سهامة قهره قال بعضهم الفلق قلق الملكون من القلوب فادارها على الالسنة وقال محمد بن على التهدى عطف الله على قلوب خواص عباده فقدن فيها فانفلق الحجاب وانكشف الغطاء وهو قوله قل اعوذ برب قال الحسين اشارة الحق ان جميع خلقه فى معنى القطيعة عنه بكلمة واحدة هو من لطائف القرأن قل اعوذ برب الفلق وفالق الاصباح وفالق الحب والنوى وفلق البحر لموسى وفلق الاسماع والابصار وفالق القلوب حتى انكشف له العيوب قال النبى صلى الله عليه وسلم سجد وجهى للذى خلقه وشق سمعه وبصره وفلق الصدور وفتقها وشرحها لتدارك ما جرى فيها من المباشرة اذ فى ذلك صحة التحيرة وصفاحا من شر ما خلق ان يكون مربوطا وان حلت احوال وعظمته اخطاره فان الانقطاع علامة الارتباط بما دون من خلقه وفلقه قال محمد بن حامد فى قوله من شر ما خلق اعلمك ان الخلق كلهم موصوف بالشربة ومن الخير الذى لا شر فيه هو الذى خلق الخلق على هذه الصفة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن شر حاسد اذا حسد} الوقف ثم يكبر لان الوصل لا يخلو من الايهام اى اذا اظهر ما فى نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه ترتيب مقدمات الشر ومبادى الاضرار بالمحسود قولا او فعلا والتقييد بذلك ما ان ضرر الحسد قبله انما يحيق بالحاسد لا غير وفى الكشاف فان قلت فلم عرض بعض المستعاذ منه ونكر بعضه قلت عرف النفاثات لان كل نفاثة شريرة ونكر غاسق لان كل غاسق لا يكون فيه الشر انما يكون فى بعض دون بعض وكذلك كل حاسد لا يضر ورب حسد محمود وهو الحسد فى الخيرات ويجوز ان يراد بالحاسد قابيل لانه حسد اخاه هابيل والحسد الاسف على الخير عند الغير وفى فتح الرحمن تمنى زوال النعمة عن مستحقها سوآء كانت نعمة دين او دنيا وفى الحديث حديث : المؤمن يغبط والمنافق يحسدتفسير : وعنه عليه السلام الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب واول ذنب عصى الله به فى السماء حسد ابليس لآدم فأخرجه من الجنة فطرد وصار شيطانا رجيما وفى الارض قابيل لاخيه هابيل فقتله قال الحسين بن الفضل رحمه الله ذكر الله الشرور فى هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليظهر انه اخبث الطبائع كما قال ابن عباس رضى الله عنهما شعر : اكر درعالم ازحسد بدتر بودى ختم اين سوره بدان كردى حسد آتشى دان كه جون بر فروخت حسود لعين را همان لحظه سوخت كرفتم بصورت همه دين شوى حسدكى كذاردكه حق بين شوى تفسير : وفيه اشارة الى حسد النفس الامارة اذا حسدت القلب وأرادت ان تطفئ نوره وتوقعه فى التلوين وكفران النعمة الذى هو سبب لزوالها وفى الحديث ان النبى عليه السلام قال لعتبة بن عامر رضى الله عنه حديث : ألم تر آيات انزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط قل اعوذ برب الفلق وقل اعوذ برب الناستفسير : قوله ألم تر كلمة تعجب وما بعدها بيان لسبب التعجب يعنى لم يوجد آيات كلهن تعويذ غير هاتين السورتين وهما قل اعوذ برب الفلق وقل اعوذ برب الناس وفى الحديث دليل على انهما من القرءآن ورد على من نسب الى ابن مسعود رضى الله عنه انهما ليستا منه وفى عين المعانى الصحيح انهما من القرءآن الا انهما لم تثبتا فى مصحفه للأمن من نستانهما لانهما تجريان على لسان كل انسان انتهى. اعلم ان مصحف عبد الله بن مسعود رضى الله عنه حذف منه ام الكتاب والمعوذتان ومصحف ابى بن كعب رضى الله عنه زيد فيه سورة القنوت ومصحف زيد بن ثابت رضى الله عنه كان سليما من ذلك فكان كل من مصحفى ابن مسعود وابى منسوخا ومصحف زيد معمولا به وذلك لانه عليه السلام كان يعرض القرءآن على جبريل عليه السلام فى كل شهر رمضان مرة واحدة فلما كان العام الذى قبض فيه عرضه مرتين وكان قرآءة زيد من آخر العرض دون قرآءة ابى وابن مسعود رضى الله عنهما وتوفى عليه السلام وهو يقرأ على ما فى مصحف زيد ويصلى به قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه جميع سور القرءآن مائة واثنتا عشرة سورة قال الفقيه فى البستان انما قال انها مائة واثنتا عشرة سورة لانه كان لا يعد المعوذتين من القرءآن وكان لا يكتبهما فى مصحفه ويقول انهما منزلتان من السماء وهما من كلام رب العالمين ولكن النبى عليه السلام كان يرقى ويعوذ بهما فاشتبه عليه انهما من القرءآن او ليستا منه فلم يكتبهما فى المصحف وقال مجاهد جميع سور القرءآن مائة وثلاث عشرة سورة وانما قال ذلك لانه كان يعد الانفال والتوبة سورة واحدة وقال ابى بن كعب رضى الله عنه جميع سورة القرءآن مائة وست عشرة سورة وانما قال ذلك لانه كان يعد القنوت سورتين احداهما من قوله اللهم انا نستعينك الى قوله من يفجرك والثانية من قوله اللهم اياك نعبد الى قوله ملحق وقال زيد بن ثابت رضى الله عنه جميع سور القرءآن مائة واربع عشرة سورة وهذا قول عامة الصحابة رضى الله عنهم وهكذا فى مصحف الامام عثمان بن عفان رضى الله عنه وفى مصاحف اهل الامصار فالمعوذتان سورتان من القرءآن روى ابو معاوية عن عثمان بن واقد قال ارسلنى ابى الى محمد بن المنكدر وسأله عن المعوذتين اهما من كتب الله قال من لم يزعم انهما من كتاب الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين وفى نصاب الاحتساب لو أنكر آية من القرءآن سوى المعوذتين يكفر انتهى وفى الاكمل عن سفيان بن سختان من قال ان المعوذتين ليستا من القرءآن لم يكفر لتأويل ابن مسعود رضى الله عنه كما فى المغرب للمطرزى وقال فى هدية المهديين وفى انكار قرءآنية المعوذتين اختلاف المشايخ والصحيح انه كفر انتهى. تمت سورة الفلق من القرآن بعون الله الملك المنان
الجنابذي
تفسير : {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} اى من شرّ من له قوّة الحسد اذا ظهر حسده فانّ الحسد المكمون لا يضرّ المحسود ولا يضرّ الحاسد الاّ انّه نقصانٌ فى وجود الحاسد، خصّ هذه الثّلاث بالذّكر بعد تعميم الاستعاذة من شرّ جميع ذوى الشّرور للاهتمام بالاستعاذة منها، لانّ ضرّ هذه الثّلاث وشرّها خفىّ لا يمكن التّحرّز منها فينبغى ان يتعوّذ منها بالله العليم بالخفيّات القدير على الحفظ منها، روى انّ لبيد بن الاعصم اليهودىّ سحر رسول الله (ص) ثمّ دسّ ذلك فى بئرٍ لبنى زريق، فمرض رسول الله (ص) فبينا هو نائم اذا اتاه ملكان فقعد احدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فأخبراه بذلك وانّه فى بئر كذا، فانتبه رسول الله (ص) وبعث عليّاً والزّبير وعمّاراً، فنزحوا ماء تلك البئر ثمّ رفعوا الصّخرة الّتى كانت فى قعر البئر فاذاً فيه مَشّاطة رأس وأسنان من مشطة واذاً فيه مَعْقد فيه اثنا عشر عقدٍ مفروزة بالابر، فنزلت هاتان السّورتان فجعل كلّما يقرأ آية انحلّت عقدة ووجد رسول الله (ص) خفّة فقام فكأنّما انشط من عقالٍ، وروى قصّة نزول السّورتين بغير هذا الطّريق مع اختلافٍ فى اللّفظ والمعنى، ولمّا كان المقصود من الامر بالقراءة ان يصير القارى بحالٍ يكون لسانه لسان الله او لسان الملك النّازل من الله لا لسان نفسه ويصير سمعه سمع اللّطيفة النّبويّة فيصير فى امثال هذه المخاطبات آمراً من الله للطيفته النّبويّة ويجعل عالمه الصّغير انموذجاً للعالم الكبير، جاز ان ينظر القارى حين قراءة السّورة الى عالمه واستعاذ من اهل مملكته من اعضائه وقواها ونفسه وجنودها فيقول امتثالاً لامر الله: اعوذ بربّ الفلق اى بربّ المواليد المنفلق من بدنى ونفسى، او بربّ الصّبح المنفلق او الفالق لظلمة ليل طبعى ونفسى من شرّ ما خلق فى مملكتى من القوى البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة، ومن الاعضاء والآلات البدنيّة او من شرّ الاحتجاب بالخلق عن الحقّ فانّ شرّ الكلّ من اهل العالم الكبير او الصّغير راجع الى الاحتجاب بهم عن الحقّ، ومن شرّ غاسق اى البدن وظلماته اذا دخل ظلمته فى عالم الرّوح وجعل الرّوح مظلماً بظلمانيّته، او من شرّ امراض البدن اذا دخلت واثّرت فى الرّوح، او من شرّ القبض او النّفس واهويتها اذا اثّرت فى الرّوح، ومن شرّ النّفّاثات اى القوى العّلامة والعمّالة الّتى تعقد فى طريق السّالك وتنفث بحيلها فيها حتّى لا يمكن للرّوح حلّها والتّجاوز عنها فانّ العلاّمة الشّيطانيّة تحمل العمّالة على امر باطل لا حقيقة له فيجعله العلاّمة بتمويهاتها بحيث لا يمكن الانسان ان يتجاوز عنها ولا ان يتركها فتهوى بالانسانيّة من عالمها الى شبكة ذلك الامر فتهلكها، ومن شرّ حاسدٍ من النّفس وقواها الّتى تتمنّى مداماً زوال النّعمة عن الانسانيّة وعدم ترقّيها الى مقام القلب ومقام الشّهود والغنى، وتتمنّى ان تكون الانسانيّة فى الحجاب والبعد والعذاب مثلها اذا حسد الانسانيّة والقاها فى شبائكها.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} اذا عمل في الخارج بما في قلبه من الحسد اما قبل ذلك فالضرر عائد للحاسد لاغتمامه بسرور المحسود قال عمر بن عبد العزيز لم أر ظالما اشبه بالمظلوم من الحاسد ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وقبح حاله في وقت حسده وإظهار أثره وخص تلك الأشياء بالذكر مع عموم قوله من شر ما خلق لأنها الأسباب القريبة للمضرة وأجاز بعضهم كون الغاسق ما يخلوا عن النور وما يضاهيه كالقوي وبالنفاثات النباتات فإن قواها النباتية من حيث إنها تزيد طولا وعرضا وعمقا كالنفاثات في العقد الثلاثة وبالحاسد الحيوان فإنه يقصد غيره طمعا فيما عنده وعن قتادة المراد شر عينه ونفسه وأراد بالنفس السعي الخبيث، قال الحسن بن الفضل ختم الله السورة بالحسد بعد ذكر الشرور ليعلم أنه أخس الطبائع وعن بعضهم المراد بالحاسد هنا اليهود لأنهم يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لبيد بن أعصم. اللهم ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبركة السورة أخز النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ} فى قلبه. {إذَا حَسَدَ} أى إذا عمل بحسده كدعاء بسوء وشتم وضرب أو ضر من الأَضرار إذا عمله بقلبه أو جارحته وسحر كا سحر اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ حسدوه كما قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إذا حسد فلا تبغ"تفسير : ، ومن العمل أن ينظر إليه نظر سوء لبغض فقد يؤثر فيه نظره حتى يهلكه أو دون الإهلاك ولا تأثير لسحر أو فعل حاسد إِلاَّ بإذن الله تعالى وقد يؤثر النظر إلى بعض الحيات مضرة، وكذا العائن يضر بإذن الله تعالى وكلاهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من أراد ضره والعائن قد يعين من لا يحسده ويعين من حضر ومن غاب كالحاسد، وقيل يختص بالحاضر، والحسد ضرورى لا مؤاخذة عليه حتى يعمل به وهو تمنى الإنسان زوال النعمة على المنعم عليه بها بانتقالها إليه أو إلى غيره أو بلا انتقال وهذا حد غير جامع لأَنه يبقى ما إذا تمنى بقاءَ إنسان مثلاً على حاله التى فقد شيئاً من النعم كتمنى دوام مرضه أو دوام فقره، ولا يدخل هذا فى الحد المذكور إلاَّ بتكليف أراده عدم النعمة المترقبة التى رجاءها نعمة متوقعة بل لا يتم هذا جواب والسحر شىء له حقيقة ذكر فى القرآن والحديث أنه تعلمه من تعلمه لا خيال كما زعم من نفاه والله خلقه وإنما يؤثر بإذن الله تعالى ولا يقدح فى النبوة لأَن لها دلائل ومعجزات وليس يؤثر فى نبى قبل المعجزة ولا فى حال الوحى، والرقى بالقرآن وألفاظ الحق جائزة ويجب اجتناب ما لا يعرف له معنى من ألفاظ أو نقوش لعل فيه كفراً، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود رضى الله عنه"حديث : اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تصبح وحين تمسي تكف كل شيء"تفسير : ، وقال ما تعوذ الناس بأَفضل من المعوذتين، وفى الترمذى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بقوله أعوذ بالله من الجان وعين الإنسان، ولما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما، وفى حديث الربيع بن حبيب ومالك فى الموطأ كانت عائشة رضى الله عنها ترقى النبى - صلى الله عليه وسلم - وتمسح جسده بيديه للبركة لا بيديها، وفى الترمذى عن خزامة سأَلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : أرأيت رقى تسترقى بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقى بها، هل ترد من قدر الله تعالى شيئاً قال - صلى الله عليه وسلم - هي من قدر الله تعالى"تفسير : وختم ما فى السورة من الإسواءِ بالحسد ليعلم أنه شرها وهو أول ذنب عصيى الله تعالى به فى السماءِ من إبليس وفى الأَرض من هابيل. اللهم باسمك الأعظم عندك استجب دعائى وتقبل منى هذا الكتاب والله الموفق وهو المستعان وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : أي إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادي الإضرار بالمحسود قولاً وفعلاً، ومن ذلك على ما قيل النظر إلى المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب فإن نفس الحاسد حينئذٍ تتكيف بكيفية خبيثة ربما تؤثر في المحسود بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد شراً قد يصل إلى حد الإهلاك ورب حاسد يؤذي بنظره بعين حسده نحو ما يؤذي بعد الحيات بنظرهن وذكروا أن العائن والحاسد يشتركان في أن كلاً منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تريد أذاه إلا أن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين والمعاينة والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور وأيضاً العائن قد يعين من لا يحسده من حيوان وزرع وإن كان لا ينفك من حسد صاحبه. والتقييد بذلك إذ لا ضرر قبله بل قيل إن ضرر الحسد إنما يحيق بالحاسد لا غير كما قال علي كرم الله تعالى وجهه لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وقال ابن المعتز: شعر : اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله تفسير : وليعلم أن الحسد يطلق على تمني زوال نعمة الغير وعلى تمني استصحاب عدم النعمة ودوام ما في الغير من نقص أو فقر أو نحوه والإطلاق الأول هو الشائع والحاسد بكلا الإطلاقين ممقوت عند الله تعالى وعند عباده عز وجل آت باباً من الكبائر على ما اشتهر بينهم لكن التحقيق أن الحسد الغريزي الجبلي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقاً بل عامل المتصف به أخاه بما يحب الله تعالى مجاهداً نفسه لا إثم فيه بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه وحسن معاملته أخاه ثواباً عظيماً لما في ذلك من مشقة مخالفة الطبع كما لا يخفى. ويطلق الحسد على الغبطة مجازاً وكان ذلك شائعاً في العرف الأول وهي تمني أن يكون له مثل ما لأخيه من النعمة من غير تمني زوالها وهذا مما لا بأس به ومن ذلك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالاً وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» وقال أبو تمام: شعر : هم حسدوه لا ملومين مجده وما حاسد في المكرمات بحاسد تفسير : وقال أيضاً: شعر : وأعذر حسودك فيما قد خصصت به إن العلا حسن في مثلها الحسد تفسير : هذا وقال الرئيس ابن سينا الغاسق القوة الحيوانية فهي ظلمة غاسقة منكدرة على خلاف النفس الناطقة التي هي المستعيذة فإنها خلقت في جوهرها نقية صافية مبرأة عن كدورات المادة وعلائقها قابلة لجميع الصور والحقائق وإنما تتلوث من الحيوانية. والنفاثات في العقد إشارة إلى القوى النباتية / من حيث إنها تزيد في المقدار من جميع جهاته الطول والعرض والعمق فكأنها تنفث في العقد الثلاث ولما كانت العلاقة بين النفس الإنسانية والقوى النباتية بواسطة الحيوانية لا جرم قدم ذكر القوى الحيوانية على القوى النباتية والشر اللازم من هاتين القوتين في جوهر النفس هو استحكام علائق البدن وامتناع تغذيها بالغذاء الموافق لها اللائق بجوهرها وهو الإحاطة بملكوت السمٰوات والأرض والانتقاش بالنقوش الباقية وعنى بقوله تعالى: {وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } النزاع الحاصل بين البدن وقواه وبين النفس، فالحاسد هو البدن من حيث له القوتان والمحسود هو النفس فالبدن وبال عليها فما أحسن حالها عند الإعراض عنه وما أعظم لذتها بالمفارقة إن لم تكن تلوثت منه. وقيل الغاسق إشارة إلى المعدن والنفاثات إلى النباتات والحاسد إلى الحيوان ولما كان الإنسان لا يتضرر عن الأجسام الفلكية وإنما يتضرر عن الأجسام العنصرية - وهي إما معدن أو نبات أو حيوان - أمر بالاستعاذة من شر كل منها، وكلا القولين كما ترى والله تعالى أعلم.
ابن عاشور
تفسير : عطف شر الحاسد على شر الساحر المعطوف على شر الليل، لمناسبة بينه وبين المعطوف عليه مباشرةً وبينه وبين المعطوف عليه بواسطته، فإن مما يدعو الحاسد إلى أذى المحسود أن يتطلب حصول أذاهُ لتوهم أن السحر يزيل النعمة التي حسده عليها ولأن ثوران وجدان الجسد يكثر في وقت الليل، لأن الليل وقت الخلوة وخطورِ الخواطر النفسية والتفكر في الأحوال الحافة بالحاسد وبالمحسود. والحسد: إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها. وقد يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازاً. والغبطة: تمنّي المرء أن يكون له من الخير مثلُ ما لمن يروق حاله في نظره، وهو محمل الحديث الصحيح: « حديث : لا حَسَدَ إلا في اثنتين »تفسير : ، أي لا غبطة، أي لا تحق الغبطة إلا في تينك الخصلتين، وقد بين شهاب الدين القرافي الفرق بين الحسد والغبطة في الفرق الثامن والخمسين والمائتين. فقد يغلب الحسدُ صبرَ الحاسد وأناتَه فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف أسباب نعمته أو إهلاكه رأساً. وقد كان الحسد أولَ أسباب الجنايات في الدنيا إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قُبِل قربانه ولم يقبل قُربان الآخر، كما قصّه الله تعالى في سورة العقود. وتقييد الاستعاذة من شره بوقت: {إذا حسد} لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسُود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإِلحاق الضرّ به. والمراد من الحسد في قوله: {إذا حسد} حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته، فلا إشكال في تقييد الحسد بـــ {حسد} وذلك كقول عمرو ابن معد يكرب: شعر : وبَدَت لميسُ كأنَّها بَدْرُ السماءِ إذا تَبَدَّى تفسير : أي تجلى واضحاً منيراً. ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة كثر في كلام العرب الكناية عن السيد بالمحسود، وبعكسه الكناية عن سيّىء الحال بالحاسد، وعليه قول أبي الأسود: شعر : حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم كضرائرِ الحسناء قُلْنَ لوجهها حَسَداً وبُغضاً إنّه لَمشُوم تفسير : وقول بشار بن بُرد: شعر : إن يحْسدوني فإني غيرُ لائمهم قَبْلي من الناس أهلُ الفَضْل قد حُسِدوا فدَام لي ولَهُم مَا بي وما بِهِمُ وماتَ أكْثَرُنَا غَيْظاً بِمَا يَجِد
الشنقيطي
تفسير : اقتران الحسد بالسحر هنا، يشير إلى وجود علاقة بين كل من السحر والحسد، وأقل ما يكون هو التأثير الخفي الذي يكون من الساحر بالسحر، ومن الحاسد بالحسد مع الاشتراك في عموم الضرر، فكلاهما إيقاع ضرر في خفاء، وكلاهما منهى عنه. وقد أوضح فضيلة الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنواع السحر وأحكامه وأورد فيه كلاماً وافياً. وقد ظهر بما قدمنا: أن الحسد له علاقة بالسحر نوعاً ما، فلزم إيضاحه وبيان أمره بقدر المستطاع، إن شاء الله. أولاً: تعريفه: قالوا: إن الحسد هو تمني زوال نعمة الغير، أو عدم حصول النعمة للغير شحاً عليه بها. وقد قيدت الاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد، أي عند إيقاعه الحسد بالفعل، ولم يقيدها من شر الساحر إذا سحر. وذلك والله تعالى أعلم: أن النفث في العقد هو عين السحر، فتكون الاستعاذة واقعة موقعها عند سحره الواقع منه بنفثه الحاصل منه في العقد. أما الحاسد فلم يستعذ منه إلا عند إيقاعه الحسد بالفعل، أي عند توجهه إلى المحسود، لأنه قبل توجهه إلى المحسود بالحسد لا يتأتى منه شر، فلا محل للاستعاذة منه. أما حقيقة الحسد: فيتعذر تعريفه منطقياً. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه أنه قال في السحر: لا يمكن تعريفه لخفائه. ومعلوم أن الحسد أشد خفاء، لأنه عمل نفسي وأثر قلبي، وقد قيل فيه: إنه كإشعاع غير مرئي، ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود، عند تحرقه بقلبه على المحسود، وقد شبه حسد الحاسد بالنار في قولهم: شعر : اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله تفسير : وقد أنكر بعض الفلاسفة وقوع السحد، حيث إنه غير مشاهد وهم محجوجون بكل موجود غير شاهد، كالنفس والروح والعقل. وقد شوهدت اليوم أشعة [إكس] وهي غير مرئية، ولكنها تنفذ إلى داخل الجسم من إنسان وحيوان، بل وخشب ونحوه. ولا يردها إلاَّ مادة الرصاص لكثافة معدنه، فتصور داخل جسم الإنسان من عظام وأمعاء وغيرها، فلا معنى لرد شيء لعدم رؤيته. تنبيه قد أطلق الحسد هنا ولم يبين المحسود عليه، ما هو أنه كما تقدم زوال النعمة عن الغير. وقد نبه القرآن الكريم على أعظم النعمة التي حسد عليها المسلمون عامة، والرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي نعمة الإسلام ونعمة الوحي وتحصيل الغنائم. فأهل الكتاب حسدوا المسلمين على الإسلام في قوله تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [البقرة: 109]. والمشركون حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي إليه، كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 54]. والناس هنا عام أريد به الخصوص، وهو النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173]. فالناس الأولى عام أريد به خصوص رجل واحد، وهو نعيم ابن مسعود الأشجعي. ومما جاء فيه الحسد عن نعمة متوقعة. قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الفتح: 15]. فتبين بنص القرآن أن الحسد يكون في نعمة موجودة، ويكون في نعمة متوقع وجودها. تنبيه آخر توجد العين كما يوجد الحسد، ولم أجد من فرَّق بينهما مع وجود الفرق. وقد جاء في الصحيح "حديث : إن العين لحق ". تفسير : كما جاء في السنن: "حديث : لو أن شيئاً يسبق القدر لسبقته العين ". تفسير : ويقال في الحسد، حاسد، وفي العين: عائن، ويشتركان في الأثر، ويختلفان في الوسيلة والمنطلق. فالحاسد: قد يحسد ما لم يره، ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، ومصدره تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود، وبتمني زوالها عنه أو عدم حصولها له وغاية في حطة النفس. والعائن: لا يعين إلا ما يراه والموجود بالفعل، ومصدره انقداح نظرة العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله. وقد يطلق عليه أيضاً الحسد، وقد يطلق الحسد ويراد به الغبطة، وهو تمني ما يراه عند الآخرين من غير زواله عنهم. وعليه الحديث: "حديث : لا حسد في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الخير، ورجل أتاه الله في الحكمة فهو يقضي بها بين الناس ". تفسير : وقال القرطبي: روي مرفوعاً "حديث : المؤمن يغبط، والمنافق يحسد ". تفسير : وقال: الحسد أول ذنب عصى الله به في السماء، وأول ذنب عصى به في الأرض، فحسد إبليس آدم وحسد قابيل هابيل 1هـ. تحذير كنت سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه قوله: إن أول معصية وقعت هي الحسد، وجر شؤمها إلى غيرها، وذلك لما حسد إبليس أبانا آدم على ما آتاه الله من الكرامات من خلقه بيديه، وأمر الملائكة بالسجود له، فحمله الحسد على التكبر، ومنعه التكبر من امتثال الأمر بالسجود، فكانت النتيجة طرده، عياذاً بالله. أسباب الحسد وبتأمل القصة، يظهر أن الحامل على الحسد أصله أمران: الأول: ازدراء المحسود. والثاني: إعجاب الحاسد بنفسه، كما قال إبليس معللاً لامتناعه من السجود: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} تفسير : [الأعراف: 12]. ثم فصل معنى الخيرية المزعومة بقوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]، ويلحق بذلك جميع الأسباب. وقد ذكروا منها التعزز في نفسه، ولا يريد لأحد أن يرتفع عليه، والتعجب بأنه يعجب بنفسه، ولا يرى أحداً أولى منه، والخوف من فوات المقاصد عند شخص إذا رآه سيستغني عنه، وحب الرئاسة ممن لا يريد لأحد أن يتقدم عليه في أي فن أو مجال. وذكرها الرازي نقلاً عن الغزالي. ومن هنا لا نرى معجباً بنفسه قط، إلا ويزدري الآخرين ويحسدهم على أدنى نعمة أنعمها الله عليهم. عافانا الله من ذلك. تنبيه إذا كانت أول معصية وقعت هي حسد إبليس بأبينا آدم على ما أنعم الله به عليه، وجاء حسد المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على نعمة الوحي، وحسد أهل الكتاب للمسلمين على نعمة الإسلام، وجاءت هذه السورة في أواخر القرآن، فكأنها جاءت في أعقاب القرآن لتذكر المسلمين بعظم نعمته عليهم وشدة حسدهم عليه، ليحذروا أعداءهم الذين يكيدون لهم في دينهم، من كل من الجنة والناس، على ما سيأتي في السورة بعدها والأخيرة، إن شاء الله. مسألة في حكم من قتل أو كسر أو أتلف شيئاً بالعين تقدم بيان ذلك في حق السحر، أما في حق العين، فقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الطب ما نصه وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، يعني بالعين. فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئاً ضمنه لو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفراً. 1هـ. ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه، وقالوا: إنه لا يقتل غالباً ولا يعد مهلكاً. وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال، مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلاً، وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة. وأيضاً، فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصوله مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. 1هـ. ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما عسير. ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأنه يلزمه بيته، فإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة. قال النووي: وهذا القول صحيح متعين، لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه. 1هـ. من فتح الباري. وبتأمل قول القرطبي والنووي بدقة لا يوجد بينهما خلاف في الأصل، إذ القرطبي يقيد كلامه بما يتكرر منه بحيث يصير عادة له. والنووي يقول: إنه لا يقتل غالباً، وعليه فلو ثبت أنه يقتل غالباً وتكرر ذلك منه، فإنه يتفق مع كلام القرطبي تماماً في أن من أتلف بعينه وكان معتاداً منه ذلك فهو ضامن، وهذا معقول المعنى، والله تعالى أعلم. وعند الحنابلة في كشاف القناع ما نصه: والمعيان الذي يقتل بعينه. قال ابن نصر الله في حواشي الفروع: ينبغي أن يلحق بالساحر الذي يقتل بسحره غالباً، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ويفعله باختياره وجب به القصاص 1هـ. مسألة بيان ما تعالج به العين لما كان الحسد أضر ما يكون على الإنسان، والإصابة بالعين حق لا شك فيها وجاء فيها: "حديث : لو أن شيئاً يسبق القدر لسبقته العين ". تفسير : وحديث: "حديث : إن العين لحق" تفسير : فقد فصلت السنة كيفية اتقائها قبل وقوعها، والعلاج منها إذا وقعت. وذلك فيما رواه مالك في الموطأ وغيره من الصحاح، في حديث سهل بن حنيف، وبوب البخاري في صحيحه باب رقعة العين، وذكر حديث حديث : عائشة أنها قالت: "أمرني النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر أن يسترقي من العين" . تفسير : وعقد مالك في الموطأ باباً بعنوان "الوضوء من العين" وباب آخر بعده بعنوان "الرقية من العين"، وساق حديث سهل بتمامه وفيه بيان كيفية اتقائها وعلاجها، ولذا نكتفي بإيراده لشموله. قال: حديث : عن محمد بن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف بالحرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأُوتي رسول الله فأُخبر أن سهلاً وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، إن العين حق، توضأ له فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس" . تفسير : وساق مرة أخرى وفيه، فقال صلى الله عليه وسلم "هل تتهمون له أحداً؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله صلى عليه وسلم عامراً فتغيظ عليه، وقال: حديث : علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، اغتسل له، تفسير : فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه فراح سهل مع الناس، ليس به بأس". فهذه القصة تثبت قطعاً وقوع العين، وهذا أمر مجمع عليه من أهل السنة وسلف الأمة، كما أنها ترشد إلى أن من برك، أي قال: تبارك الله. وفي بعض الروايات لغير مالك: هلاَّ كبَّرت، أي يقول: الله أكبر ثلاثاً، فإذن ذلك يرد عين العائن. كما جاء في السنة "حديث : أن الدعاء يرد البلاء" تفسير : فإذا لم تدفع عند صدورها وأصابت، فإن العلاج منها كما جاء هنا توضأ، واللفظ الآخر: "حديث : اغتسل له ". تفسير : وقد فصل المراد بالغسل له: أنه غسل الوجه واليدين أي الكفين فقط، والمرفقين والركبتين والقدمين وطرف الإزار الداخلي، ويكون ذلك في إناء لا يسقط الماء على الأرض، ويفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف ويكفؤ الإناء خلفه. وقد ذكرها مفصلة القاضي الباجي في شرح الموطأ فقال: وروي عن يحيى بن يحيى عن ابن نافع في معنى الوضوء الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يغسل الذي يتهم بالرجل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه ورجليه وداخلة إزاره، وقال: ولا يغسل ما بين اليد والمرفق، أي لا يغسل الساعد من اليد. وروي عن الزهري أنه قال: الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه: أن يؤتى العائن بقدح فيه ماء، فيمسك مرتفعاً من الأرض فيدخل فيه كفه فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ظهر كفه اليسرى صبة واحدة، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على قدمه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على ركبته اليسرى، كل ذلك في قدح ثم يدخل داخلة إزاره في القدح ولا يوضع القدح في الأرض، فيصب على رأس المعين من خلفه صبة واحدة، وقيل: يغتفل ويصب عليه، أي في حالة غفلته، ثم يكفأ القدح على ظهر الأرض وراءه. وأما داخله إزاره: فهو الطرف المتدلي الذي يفضي من مأزره إلى جلده مكانه، إنما يمر بالطرف الأيمن على الأيسر، حتى يشده بذلك الطرف المتدلي الذي يكون من داخل. اهـ. ومما يرشد إليه هذا الحديث تغيظه صلى الله عليه وسلم على عامر بن ربيعة. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : علام يقتل أحدكم أخاه" تفسير : مما يبيِّن شناعة هذا العمل، وأنه قد يقتل. ومما ينبغي مراعاته من كل الطرفين من ابتلى بالعين، فليبارك عند رؤيته ما يعجبه لئلا يصب أحداً بعينه، وليلا تسبقه عينه. وكذلك من اتهم أحداً بالعين، فليكبر ثلاثاً عند تخوفه منه. فإن الله يدفع العين بذلك. والحمد لله. وقد ذكروا للحسد دواء كذلك، أي يداوي به الحاسد نفسه ليستريح من عناء الحسد المتوقد في قلبه المنغص عليه عيشه الجالب عليه حزنه، وهو على سبيل الإجمال في أمرين. العلم ثم العمل والمراد بالعلم هو أن يعلم يقيناً أن النعمة التي يراها على المحسود، إنما هي عطاء من الله بقدر سابق وقضاء لازم، وأن حسده إياه عليها لا يغير من ذلك شيئاً، ويعلم أن ضرر الحسد يعود على الحاسد وحده في دينه لعدم رضائه بقدر الله وقسمته لعباده، لأنه في حسده كالمعترض على قوله تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الزخرف: 32]، وفي دنياه لأنه يورث السقام والأحزان والكآبة ونفرة الناس منهم ومقتهم إياه، ومن وراء هذا وذاك، العقاب في الآخرة. أما العمل فهو مجاهدة نفسه ضد نوازع الحسد، كما تقدمت الإشارة إليه في الأسباب، فإذا رأى ذا نعمة فازدرته عينه، فليحاول أن يقدره ويخدمه. وإن راودته نفسه بالإعجاب بنفسه، ردها إلى التواضع وإظهار العجز والافتقار. وإن سوّلت له نفسه تمنى زوال النعمة عن غيره، صرف ذلك إلى تمني مثلها لنفسه. وفضل الله عظيم. وإن دعاه الحسد إلى الاساءة إلى المحسود، سعى إلى الإحسان إليه، وهكذا فيسلم من شدة الحسد، ويسلم غيره من شره. وكما في الأثر: "حديث : المؤمن يغبط، والمنافق يحسد ". تفسير : نسأل الله العافية والمعافاة.
د. أسعد حومد
تفسير : (5) - وَاسْتَعِذْ بِرَبِّكَ مِنْ شَرِّ الحَاسِدِ الذِي أَنْفَذَ حَسَدَهُ بِالسَّعْيِ وَالجِدِّ فِي إِزَالَةِ نِعْمَةِ مَنْ يَحْسُدُهُ، فَهُوَ يُعْمِلُ الحِيلَةَ، وَيَنْصُبُ الشِّبَاكَ لإِيقَاعِ المَحْسُودِ فِي الضَّرَّرِ، فَهُوَ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} معناه من نَفسِ الحَاسدِ وعَينِهِ.
همام الصنعاني
تفسير : 3749- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}: [الآية: 5]، قال: من شر عينه، ونفسه. 3750- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عطاء الخرساني مثل ذلك. قال: معمر، وسمعت طاوس عن أبيه قال: العين حق، لو كان شيء سابق القدر، سبقته العين، فإذا استغسل أحدكم فليغتسل - يعني الذي أصاب بعنيه - يغسل مقبل وجهه، ولحيته، وأطراف كعبه، وداخلة إزاره، وظهور رجليه، ثم يحسو من حسوات، ثم يفيض الماء على رأسه من خلفه. 3751- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: أقرب الرقى إلى الشرك، رقية الحية، ورقى المجنون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):