Verse. 6231 (AR)

١١٤ - ٱلنَّاس

114 - Al-Nas (AR)

قُلْ اَعُوْذُ بِرَبِّ النَّاسِ۝۱ۙ
Qul aAAoothu birabbi alnnasi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أعوذ برب الناس» خالقهم ومالكهم خُصُّوا بالذكر تشريفا لهم ومناسبة للاستفادة من شر الموسوس في صدورهم.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: {قُلْ أَعُوذُ } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونظيره: {أية : فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [البقرة: 260] وأيضاً أجمع القراء على ترك الإمالة في الناس، وروي عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض. المسألة الثانية: أنه تعالى رب جميع المحدثات، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه أحدها: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم وثانيها: أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس وثالثها: أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب يا ملكي يا إلهي. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } هما عطف بيان كقوله: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، فوصف أولاً بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكاً وقد لا يكون، كما يقال: رب الدار ورب المتاع قال تعالى: {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 31] فلا جرم بينه بقوله: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله: {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله، فلهذا ختم به، وأيضاً أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعاً لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فحينئذ يعرفه إلهاً. المسألة الرابعة: السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه رباً للناس، ملكاً للناس، إلهاً للناس. ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه رباً وملكاً وإلهاً لهم. المسألة الخامسة: لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } في سورة الفاتحة، والفرق أن قوله: {رَبّ ٱلنَّاسِ } أفاد كونه مالكاً لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكاً فهو ملك، فإن قيل: أليس قال في سورة الفاتحة: {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ثم قال: {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } فليزم وقوع التكرار هناك؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين، وهي الأشياء الموجودة في الحال، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير، وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق، وأيضاً فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس، وقد قرىء مالك لكن في الشواذ.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ } أي مالكهم ومُصْلِح أمورِهم. وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين: أحدهما: لأن الناس مُعَظَّمون؛ فأعْلَم بذكرهم أنه ربُّ لهم وإن عظموا. الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم؛ فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم. وإنما قال: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } لأن في الناس ملوكاً يذكر أنه مَلِكُهُم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلٰههم ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يُستعاذ به، ويُلْجأ إليه، دون الملوك والعظماء.

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها، وآيها ست آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ } وقرىء في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتهما إلى اللام. {بِرَبّ ٱلنَّاسِ } لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضار البدنية وهي تعم الإِنسان وغيره والاستعاذة في هذه السورة من الأضرار التي تعرض للنفوس البشرية وتخصها، عمم الإِضافة ثمَّ وخصصها بالناس ها هنا فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك أمورهم ويستحق عبادتهم. {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } عطفاً بيان له فإن الرب قد لا يكون ملكاً والملك قد لا يكون إلهاً، وفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعاذة قادراً عليها غير ممنوع عنها وإشعار على مراتب الناظر في المعارف فإنه يعلم أولاً بما عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له رباً، ثم يتغلل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل وذات كل شيء له ومصارف أمره منه، فهو الملك الحق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير، ويتدرج وجوه الاستعاذة كما يتدرج في الاستعاذة المعتادة، تنزيلاً لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعاراً بعظم الآفة المستعاذة منها، وتكرير {ٱلنَّاسِ } لما في الإِظهار من مزيد البيان، والإِشعار بشرف الإِنسان. {مِن شَرّ ٱلْوَسْوَاسِ } أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال، والمراد به الموسوس وسمي بفعله مبالغة. {ٱلْخَنَّاسِ } الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإِنسان ربه. {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } إذا غفلوا عن ذكر ربهم، وذلك كالقوة الوهمية، فإنها تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه، ومحل {ٱلَّذِى } الجر على الصفة أو النصب أو الرفع على الذم. {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } بيان لـ {ٱلْوَسْوَاسِ }، أو الذي أو متعلق بـ {يُوَسْوِسُ } أي يوسوس في صدورهم من جهة الجِنَّةَ والناس. وقيل بيان لـ {ٱلنَّاسِ } على أن المراد به ما يعم الثقلين، وفيه تعسف إلا أن يراد به الناسي كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يدعُ ٱلدَّاعِ }تفسير : [القمر: 6] فإن نسيان حق الله تعالى يعم الثقلين. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تبارك وتعالى».

ابن كثير

تفسير : هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل: الربوبية والملك والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة، عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم، إلا وله قرين يزين له الفواحش، ولا يألوه جهداً في الخبال، والمعصوم من عصمه الله. وقد ثبت في الصحيح: أنه «حديث : ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه» تفسير : قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعم، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير»تفسير : ، وثبت في الصحيح عن أنس في قصة زيارة صفية للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وخروجه معها ليلاً ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم، أسرعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» تفسير : فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: «حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً ــــ أو قال: شراً»تفسير : ، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمارة، حدثنا زياد النميري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي، التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس» تفسير : غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عاصم، سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب، وغلب» تفسير : تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغَلَب. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان، فأبس به كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له، زنقه، أو: ألجمه» تفسير : قال أبو هريرة رضي الله عنه: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق، فتراه مائلاً كذا، لا يذكر الله، وأما الملجم، ففاتح فاه لا يذكر الله عز وجل، تفرد به أحمد. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}، قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل، وسوس، فإذا ذكر الله، خنس، وكذا قال مجاهد وقتادة. وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله، خنس. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَسْوَاسِ} قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس. وقوله تعالى: { ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ} هل يختص هذا ببني آدم، كما هو الظاهر، أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان: ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليباً، وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم رجال من الجن، فلا بدع في إطلاق الناس عليهم. وقوله تعالى: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} هل هو تفصيل لقوله: { ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ} ثم بينهم فقال: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} وهذا يقوي القول الثاني، وقيل لقوله: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِىٍّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112]. وكما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في المسجد، فجلست فقال: «حديث : يا أبا ذر هل صليت؟» تفسير : قلت: لا، قال: «حديث : قم فصل» تفسير : قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: «حديث : يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن» تفسير : قال: فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: فقلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: «حديث : خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر» تفسير : قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: «حديث : فرض مجزىء، وعند الله مزيد» تفسير : قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: «حديث : أضعاف مضاعفة» تفسير : قلت: يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال: «حديث : جهد من مقل أو سر إلى فقير»تفسير : قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: «حديث : آدم»تفسير : . قلت: يا رسول الله ونبياً كان؟ قال: حديث : نعم نبي مكلم» تفسير : قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «حديث : ثلاثمئة وبضعة عشر، جماً غفيراً» تفسير : وقال مرة: «حديث : خمسة عشر» تفسير : قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: «حديث : آية الكرسي: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ}»تفسير : ورواه النسائي من حديث أبي عمر الدمشقي به. وقد أخرج هذا الحديث مطولاً جداً أبو حاتم بن حبان في صحيحه بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جداً، فا لله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمداني عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لأحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» تفسير : ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور، زاد النسائي والأعمش كلاهما: عن ذر به. آخر التفسير، ولله الحمد والمنة، والحمد لله رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ }خالقهم ومالكهم خُصُّو بالذكر تشريفاً لهم ومناسبة للاستفادة من شر الموسوس في صدورهم.

الشوكاني

تفسير : وقرأ الجمهور: {قُلْ أَعُوذُ } بالهمزة. وقرىء بحذفها، ونقل حركتها إلى اللام. وقرأ الجمهور بترك الإمالة في الناس، وقرأ الكسائي بالإمالة. ومعنى {ربّ الناس}: مالك أمرهم، ومصلح أحوالهم، وإنما قال {ربّ الناس} مع أنه ربّ جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم، ولكون الاستعاذة وقعت من شرّ ما يوسوس في صدورهم. وقوله: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ } عطف بيان جيء به لبيان أن ربيته سبحانه ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والسلطان القاهر. {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } هو أيضاً عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ربوبيته، وملكه قد انضمّ إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام، وأيضاً الربّ قد يكون ملكاً، وقد لا يكون ملكاً، كما يقال ربّ الدار، وربّ المتاع، ومنه قوله: {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] فبين أنه ملك الناس. ثم الملك قد يكون إلٰهاً، وقد لا يكون، فبيّن أنه إلٰه؛ لأن اسم الإلٰه خاصّ به لا يشاركه فيه أحد، وأيضاً بدأ باسم الربّ، وهو اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلاً كاملاً، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك، فذكر أنه ملك الناس. ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق، وأن خالقه إلٰه معبود بيّن سبحانه أنه إلٰه الناس، وكرّر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار؛ ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس. {مِن شَرّ ٱلْوَسْوَاسِ } قال الفرّاء: هو: بفتح الواو بمعنى الاسم، أي: الموسوس، وبكسرها المصدر، أي: الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة. وقيل: هو بالفتح اسم بمعنى الوسوسة، والوسوسة: هي حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة، أي: حدّثته حديثاً، وأصلها الصوت الخفيّ. ومنه قيل: لأصوات الحلي وسواس، ومنه قول الأعشى:شعر : تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت تفسير : قال الزجاج: الوسواس هو الشيطان، أي: ذي الوسواس. ويقال إن الوسواس ابن لإبليس، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الأعراف: 20] ومعنى {ٱلْخَنَّاسِ }: كثير الخنس، وهو التأخر، يقال خنس يخنس: إذا تأخر، ومنه قول العلاء بن الحضرمي يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : فإذا دخسوا بالشرّ فاعف تكرّما وإن خنسوا عند الحديث فلا تسل تفسير : قال مجاهد: إذا ذكر الله خنس وانقبض. وإذا لم يذكر انبسط على القلب. ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ }تفسير : [التكوير: 15] يعني: النجوم لاختفائها بعد ظهورها، كما تقدّم. وقيل: الخناس اسم لابن إبليس، كما تقدّم في الوسواس. {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } الموصول يجوز أن يكون في محل جرّ نعتاً للوسواس، ويجوز أن يكون منصوباً على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على تقدير مبتدأ. وقد تقدّم معنى الوسوسة. قال قتادة: إن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا غفل ابن آدم عن ذكر الله وسوس له، وإذا ذكر العبد ربه خنس. قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه الله على ذلك، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفيّ يصل إلى القلب من غير سماع صوت. ثم بيّن سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان: جني، وإنسي، فقال: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } أما شيطان الجنّ، فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس، فوسوسته في صدور الناس أنه يرى نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان فيه بوسوسته، كما قال سبحانه: {أية : شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } تفسير : [الأنعام: 112] ويجوز أن يكون متعلقاً بـ {يوسوس} أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجنة، ومن جهة الناس، ويجوز أن يكون بياناً للناس. قال الرازي، وقال قوم: من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله: {فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } لأن القدر المشترك بين الجنّ والإنس يسمى إنساناً، والإنسان أيضاً يسمى إنساناً، فيكون لفظ الإنسان واقعاً على الجنس، والنوع بالاشتراك. والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجنّ ما روي أنه جاء نفر من الجنّ. فقيل لهم: من أنتم؟ قالوا: ناس من الجنّ. وأيضاً قد سماهم الله رجالاً في قوله: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الجن: 6]. وقيل: يجوز أن يكون المراد أعوذ بربّ الناس من الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس، ومن الجنة والناس، كأنه استعاذ ربّه من ذلك الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربّه من جميع الجنة، والناس. وقيل: المراد بالناس الناسي، وسقطت الياء كسقوطها في قوله: {أية : يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ } تفسير : [القمر: 6] ثم بيّن بالجنة والناس؛ لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان، وأحسن من هذا أن يكون قوله: {وَٱلنَّاسِ } معطوفاً على الوسواس، أي: من شرّ الوسواس، ومن شرّ الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شرّ الجنّ والإنس. قال الحسن: أما شيطان الجنّ، فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس، فيأتي علانية. وقال قتادة: إن من الجنّ شياطين، وإن من الإنس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الجنّ والإنس. وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الجنّ، كما يوسوس في صدور الإنس، وواحد الجنة جنيّ كما أن واحد الإنس إنسيّ. والقول الأوّل هو أرجح هذه الأقوال، وإن كان وسوسة الإنس في صدور الناس لا تكون إلاّ بالمعنى الذي قدّمنا، ويكون هذا البيان تذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ بالله منهما ارتفعت عنه محن الدنيا والآخرة. وقد أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ } قال: مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب، فيوسوس إليه، فإن ذكر الله خنس، وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخنّاس. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وأبو يعلى، وابن شاهين، والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسيه التقم قلبه، فذلك الوسواس الخنّاس»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ } قال: الشيطان جاث على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والضياء في المختارة، والبيهقي عنه قال: ما من مولود يولد إلاّ على قلبه الوسواس، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس، فذلك قوله: {ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ }. وقد ورد في معنى هذا غيره، وظاهره أن مطلق ذكر الله يطرد الشيطان، وإن لم يكن على طريق الاستعاذة، ولذكر الله سبحانه فوائد جليلة حاصلها الفوز بخيري الدنيا والآخرة.

الماوردي

تفسير : {قُلْ أعُوذُ بِربِّ النّاسِ} وإنما ذكر أنه رب الناس، وإن كان ربّاً لجميع الخلق لأمرين: أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا. الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يُعيذ منهم. {مَلِكِ النّاسِ * إلَهِ النّاسِ} لأن في الناس ملوكاً، فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره فذكر أنه إلههم ومعبودهم. {مِن شَرَّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ} الخّناس هو الشيطان، وفي تسميته بذلك وجهان: أحدهما: لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: {فلا أُقْسِمُ بالخُنَّس} يعني النجوم لاختفائها بعد الظهور. الثاني: لأنه يرجع عن ذكر الله، والخنس الرجوع، قال الراجز: شعر : وصاحب يَمْتَعِسُ امْتِعاسا يزدادُ من خَنسِه خناسا تفسير : وأما " الوسواس" ها هنا ففيه وجهان: أحدهما: أنه الشيطان لأنه يوسوس للإنسان، وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله " الوسواس الخناس" قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس، فعلى هذا يكون في تأويل الخناس وجهان: أحدهما: الراجع بالوسوسة على الهوى. الثاني: أنه الخارج بالوسوسة في اليقين. الوجه الثاني: أنه وسواس الإنسان من نفسه، وهي الوسوسة التي يحدث بها نفسه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إنّ الله تعالى تجاوز لأمتى عما وسوست به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به . تفسير : {الذي يُوسْوِسُ في صُدورِ النّاسِ} وسوسة الشيطان هي الدعاء إلى طاعته بما يصل إلى القلب من قول متخيل، أو يقع في النفس من أمر متوهم ومنه الموسوس إذا غلب عليه الوسوسة، لما يعتريه من المسرة، وأصله الصوت الخفي، قال الأعشى: شعر : تسمع للحلْي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل. تفسير : {من الجِنّة والنّاسِ} أما وسواس الجنة فهو وسواس الشيطان على ما قدمناه، وأما وسواس الناس ففيه وجهان: أحدهما: أنها وسوسة الإنسان من نفسه، قاله ابن جريج. الثاني: أنه إغواء من يغويه من الناس. قال قتادة: إن من الإنس شياطين، وإن من الجن شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ حسناً وحسيناً فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة، ومن كل عْينٍ لامّةٍ، ونحن نسعتيذ بالله مما عوذ ونستمده جميل ما عوّد. وفقنا الله وقارئه لتدبر ما فيه وتفهم معانيه، فيه توفيقنا وعليه توكلنا، والحمد لله وحده وكفى، وصلواته على رسوله محمد المصطفى، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين.

ابن عطية

تفسير : {الوسواس} اسم من أسماء الشيطان، وهو أيضاً ما توسوس به شهوات النفس وتسوله، وذلك هو الهواء الذي نهي المرء عن اتباعه وأمر بمعصيته حديث : والغضب الذي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرحه وتركه حين قال له رجل أوصني، فقال: لا تغضب، قال زدني: قال: لا تغضبتفسير : ، وقوله: {الخناس} معناه: على عقبه المستتر أحياناً وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر العبد وتعوذ وتذكر فأبصر كما قال تعالى: {أية : إن الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} تفسير : [الأعراف: 201]، وإذا فرضنا ذلك في الشهوات والغضب ونحوه فهو يخنس بتذكير النفس اللوامة بلمة الملك وبأن الحياء يردع والإيمان يردع بقوة فتخنس تلك العوارض المتحركة وتنقمع عند من أعين بتوفيق، وقد اندرج هذان المعنيان من الوسواس في قوله تعالى: {من الجنة والناس} أي من الشياطين ونفس الإنسان، ويظهر أيضاً أن يكون قوله: {والناس}، يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان، وكلهم قرأ {الناس} غير ممالة، وروى الدوري عن الكسائي أنه أمال النون من {الناس} في حال الخفض ولا يميل في الرفع والنصب، وقالت عائشة رضي الله عنها: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فهيما وقرأ: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ففعل ذلك ثلاثاًتفسير : ، وقال قتادة رحمه الله: إن من الناس شياطين ومن الجن شياطين، فتعوذوا بالله من شياطين الإنس والجن.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِرَبِّ النَّاسِ} لما أمر بالاستعاذة من شرهم أخبر أنه هو الذي يعيذ منهم.

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي ست آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلنَّاسِ } أي مربيهم ومصلحهم {مَلِكِ ٱلنَّاسِ } مالكهم ومدبر أمورهم {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ } معبودهم. ولم يكتف بإظهار المضاف إليه مرة واحدة لأن قوله: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ }عطف بيان لـ {رَبّ ٱلنَّاسِ } لأنه يقال لغيره رب الناس وملك الناس، وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه. وعطف البيان للبيان فكأنه مظنة للإظهار دون الإضمار. وإنما أضيف الرب إلى الناس خاصة وإن كان رب كل مخلوق تشريفاً لهم، ولأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم. وقيل: أراد بالأول الأطفال. ومعنى الربوبية يدل عليه، وبالثاني الشبان ولفظ الملك المنبىء عن السياسة يدل عليه، وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبىء عن العبادة يدل عليه، وبالرابع الصالحين إذ الشيطان مولع بإغوائهم، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه {مِن شَرّ ٱلْوَسْوَاسِ } هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فوسواس بالكسر كالزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها شغله الذي هو عاكف عليه، أو أريد ذو الوسواس والوسوسة الصوت الخفي {ٱلْخَنَّاسِ } الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات لما روي عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل رجع ووسوس إليه {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ } في محل الجر على الصفة، أو الرفع، أو النصب على الشتم، وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخناس {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان: جني وإنسي كما قال {أية : شَيَـٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنّ } تفسير : [الأنعام: 112] وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شيطان الإنس؟ روي أنه عليه السلام سحر فمرض فجاءه ملكان وهو نائم فقال أحدهما لصاحبه: ما باله. فقال: طُبّ. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طبه؟ قال: بمشط ومشاطة في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذي أروان. فانتبه صلى الله عليه وسلم فبعث زبيراً وعلياً وعماراً رضي الله عنهم فنزحوا ماء البئر وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر، فنزلت هاتان السورتان، فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة حتى قام صلى الله عليه وسلم عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما نشط من عقال وجعل جبريل يقول: باسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك. ولهذا جوز الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسوله عليه السلام لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية، فإنه لا يحل اعتقاده والاعتماد عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأقوالنا ومن شر ماعملنا وما لم نعمل، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ونبيه وصفيه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله مصابيح الأنام وأصحابه مفاتيح دار السلام صلاة دائمة ما دامت الليالي والأيام.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الناس} إنما خصص الناس بالذّكر، وإن كان رب جميع المحدثات لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس، فكأنه قال أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم فإنه هو الذي يعيذهم من شرهم، وقيل إن أشرف المخلوقات هم الناس، فلهذا خصهم بالذكر. {ملك الناس إله النّاس} إنما وصف نفسه أولاً: بأنه رب الناس، لأن الرب قد يكون ملكاً، وقد لا يكون ملكاً فنبه بذلك على أنه ربهم، وملكهم ثم إن الملك لا يكون إلهاً، فنبه بقوله {إله الناس} على أن الإلهية خاصة بالله سبحانه، وتعالى لا يشاركه فيها أحد، والسبب في تكرير لفظ الناس يقتضي مزيد شرفهم على غيرهم {من شر الوسواس} يعني الشّيطان ذا الوسواس، والوسوسة الهمز، والصوت الخفي. {الخناس} يعني الرجاع من الذي عادته أن يخنس أي يتأخر. قيل إن الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا غفل وسها وسوس، وإذا ذكر الله تعالى خنس الشيطان عنه، وتأخر وقال قتادة الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب وقيل كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويجذبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكر الله تعالى رجع، ووضع رأسه على القلب فذلك قوله تعالى: {الذي يوسوس في صدور الناس} يعني بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع، والمراد بالصدر القلب {من الجنة} يعني الجن {والناس} وفي معنى الآية وجهان: أحدهما: أن الناس لفظ مشترك بين الجن والإنس، ويدل عليه قول بعض العرب جاء قوم من الجن، فقيل من أنتم قالوا أناس من الجن، وقد سماهم الله تعالى رجالاً في قوله {أية : يعوذون برجال من الجن}تفسير : [الجن: 6] فعلى هذا يكون معنى الآية؛ أن الوسواس الخناس يوسوس للجن كما يوسوس للإنس. الوجه الثاني: أن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة، وهم الجن وقد يكون من الإنس، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس للإنسان تارة، ويخنس أخرى، فكذلك شيطان الإنس قد يوسوس للإنسان كالنّاصح له فإن قبل زاد في الوسوسة، وإن كره السامع ذلك انخنس وانقبض فكأنه تعالى أمر أن يستعاذ به من شر الجن والإنس جميعاً (ق) عن عائشة رضي الله تعالى عنها "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم ينفث فيهما، فيقرأ {قل هو الله أحد}، و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس}، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات" تفسير : عن عائشة رضي الله عنها "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيديه رجاء بركتهما" تفسير : أخرجه مالك في الموطأ ولهما بمعناه (ق) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار" تفسير : عن ابن عباس قال: "حديث : قيل يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال الحال المرتحل قيل، وما الحال المرتحل قال الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل" تفسير : أخرجه التّرمذي، والله سبحانه، وتعالى أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {الناس} وما بعدها ممالة: قتيبة ونصير. والباقون: بالتفخيم. الوقوف: {الناس} ه لا {الناس} ه لا {الناس} ه لا {الخناس} ه لا بناء على أن الفصل بين الصفة وموصوفها لا يصلح إلا للضرورة. ولو قيل إن محله النصب أو الرفع على الذم حسن الوقف {الناس} ه لا {والناس} ه. التفسير: إنه تعالى رب جميع المحدثات ولكنه خص الناس ههنا بالذكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم فكأنه قيل: أعوذ من شر الوسواس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهوالهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا دهمهم أمر بسيدهم ومخدومهم وولي أمرهم. وقوله {ملك الناس} {إله الناس} عطف ثانٍ لأن الرب قد لا يكون ملكاً كما يقال " رب الدار " والملك قد لا يكون إلهاً. وفي هذا الترتيب لطف آخر وذلك أنه قدم أوائل نعمه إلى أن تم ترتيبه وحصل فيه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملك تفتقر كل الأشياء إليه وهو غني عنهم، ثم علم بالدلائل العقلية والنقلية أن العبادة لازمة له وأن معبوده يستحق العبادة. ويمكن أن يقال: أوّل ما يعرف العبد من ربه هو كونه مربوباً له منعماً عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، ثم لا يزال ينتقل من معرفة هذه الصفة إلى صفات جلاله ونعوت كبريائه فيعرف كونه ملكاً قيوماً، ثم إذا خاض في بحر العرفان وغرق في تياره وله عقله وتاه لبه فيعرف أنه فوق وصف الواصفين فيسميه إلهاً من وله إذا تحير. وتكرير لفظ " الناس " في السورة للتشريف كأنه عرف ذاته في خاتمة كتابه الكريم بكونه رباً وملكاً وإلهاً لهم، أو لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الكشف والتوضيح ولو قيل: إن الثاني بدل الكل من الأوّل فالأحسن أيضاً وضع المظهر مقام المضمر كيلا يكون المقصود مفتقراً إلى ما ليس بمقصود في الظاهر مع رعاية فواصل الآي. وقيل: لا تكرار في السورة لأن المراد بالأوّل الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه لشدّة احتياجهم إلى التربية، وبالثاني الشبان ولفظ " الملك " المنبىء عن السياسة يدل عليه لمزيد افتقارهم إلى الزجر لقوّة دواعي الشهوة والغضب فيهم مع أن العقل الصادق لم يقو بعد ولم يستحكم، وبالثالث الشيوخ ولفظة " آله " المنبىء عن استحقاق العبادة له يدل عليه لفتور الدواعي المذكورة وقتئذ، فتتوجه النفس إلى تحصيل ما يزلفه إلى الله بتدارك ما فات. والمراد بالرابع الصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم. وبالخامس المفسدون والأشرار لأنه بيان الموسوس فإن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال {أية : شياطين الجن والإنس}تفسير : [الأنعام: 112] والخناس هو الذي من شأنه أن يخنس أي يتأخر وقد مر في قوله تعالى {أية : فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس} تفسير : [التكوير: 15] عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل وسوس إليه فكما أن شيطان الجن يوسوس تارة ويخنس أخرى فكذلك شيطان الإنس يرى نفسه كالناصح المشفق، فإن زجره السامع انخنس وترك الوسوسة، وإن تلقى كلامه بالقبول بالغ فيه حتى نال منه. وقال قوم: الناس الرابع يراد به لاجنو الإنس جميعاً وهو اسم للقدر المشترك بين النوعين كما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجن. وقد سماهم الله رجالاً في قوله {أية : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن}تفسير : [الجن: 6] والناس الخامس هو المخصوص بالبشر، ومعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس لا يقتصر على إضلال البشر ولكنه يوسوس للنوعين فيكون قوله {من الجنة والناس} بياناً للناس. وفي هذا القول نوع ضعف لأنه يعد تسليم أن لفظ " الناس " يطلق على القدر المشترك يستلزم الاشتراك المخل بالفهم. وذكر صاحب الكشاف أنه إن جعل قوله {من الجنة والناس} بياناً للناس فالأولى أن يقال: الناس محذوف اللام كقولك الداع والقاض. قال الله تعالى {أية : أجيب دعوة الداع}تفسير : [البقرة: 186] وحينئذ يكون تقسيمه إلى الجن والإنس صحيحاً لأنهما النوعان اللذان ينسيان حق الله تعالى. وقيل {من الجنة والناس} بدل من {الوسواس} كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم عمم فاستعاذ به من جميع الجنة والناس. وقوله {من شر الوسواس} المضاف محذوف أي من شر ذي الوسواس وهو اسم بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر ويحسن أن يقال سمي الشيطان به لأنه كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وعمله الذي هو عاكف عليه نظيره {أية : إنه عمل غير صالح}تفسير : [هود: 46] وإنما قال {في صدور الناس} ولم يقل" في قلوبهم " لأن الشيطان لا تسلط له على قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن واعلم أن المستعاذ به مذكور في السورة الأولى بصفة واحدة وهو أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: الغاسق والنفاثات والحاسد: وأما في السورة الثانية فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة. وفيه إشارة إلى أن حفظ النفس والدين أهم من حفظ البدن بل الثاني مطلوب بالعرض والأوّل مقصود بالذات. التأويل: أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور التكوين والإبداع من شر عالم الخلق الممزوجة خيراتها بالآفات، ولا سيما علام الكون والفساد الذي هو جماد ونبات وحيوان والجمادات أبعدها عن الأنوار لخلوها عن جميع القوى الروحانية وهو المراد بقوله {ومن شر غاسق} وفوقها النباتات الناميات في الأقطار الثلاثة الطول والعرض والعمق وهن العقد الثلاث فلذلك سميت قواها بالنفاثات فيها، وفوقها القوى الحيوانية من الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب المانعة للروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الأمر كالحاسد يمنع المرء عن كماله ويغيره عن حاله. ثم أراد ذكر مراتب النفس الإنسانية التي هي أشرف درجات الحيوان فقال {برب الناس} إشارة إلى العقل الهيولاني المفتقر إلى مزيد تربية وترشيح حتى يخرج من معدنها ويظهر من حكمها. وقوله {ملك الناس} إشارة إلى العقل بالملكة لأنه ملك العلوم البديهية وحصلت له ملكة الانتقال منها إلى العلوم الكسبية لأن النفس في هذه الحالة أحوج إلى الزجر عن العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والتأديب في الصغر كالنقش على الحجر. وقوله {إله الناس} إشارة إلى سائر مراتبها من العقل بالفعل والعقل المستفاد، فإن الإنسان إذ ذاك كأنه صار عالماً معقولاً مضاهياً لما عليه الوجود، فعرف المعبود فتوجه إلى عرفانه والعبادة له. وأيضاً اتصف بصفاته وتخلق بأخلاقه كما حكي عن أرسطو أنه قال: أفلاطون: إما إنسان تأله أو إله تأنس. ثم إن العقل والوهم قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمّات، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة ساعد العقل عليها دون الوهم فكان الوهم خنس أي رجع عن تسليم المقدّمة فلهذا أمر الله سبحانه بالاستعاذة من شره، وقد ورد مثله في الحديث. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" تفسير : وهذا آخر درجات النفس الكاملة الإنسانية فلا جرم وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه. ونحن أيضاً نختم التفسير بهذا التحقيق والله وليّ التوفيق والهادي في العلم والعمل إلى سواء الحق والطريق. قال الضعيف مؤلف الكتاب، أحوج خلق الله إلى رحمته ورضاه، الحسن بن محمد بن الحسين المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاده وأخراه: هذا أيها المعروف باعتلاء عرائك المجد، المشغوف باقتناء سبائك الحمد، الكامل شوقه إلى فهم غرائب القرآن والقرآن كله غرائب، الباذل طوقه في درك رغائب الفرقان والفرقان بأسره رغائب، عقائل مسائل جهزتها فطنة من مشايد الشدائد خامدة، وفرائد فوائد نظمتها قريحة من صنوف الصروف جامده، وقد نطفت بها عين خرساء بادٍ شحوبها وتحركت بها لأجلي ولاء طالما عقر حوبها، على أنها مع سواد ما سقط من سنها بيضاء الخلال ومع مرارة مذاق ما بين لحييها حلوة المباني مليحة المقال. والذي قد مج فوها عفوصة ما فيها عذبة على العذبات سلسة على الأسلات يبكي ويضحك، ويملك ويهلك، ويفقر ويثري، ويريش ويبري، ويمنع ويعطي، ولولا الله لذكرت أنه يميت ويحيى. وفي رقتها دقة، ومع طلاوتها حلاوة، فإن شئت فيراعة فيها براعة، وأنبوب فيه من الحكم أسلوب وأيّ أسلوب، وكيف لا وقد اشتملت على مطاوي ما رسمه على فحاوى كتاب الله الكريم، واحتوت مباني ما رقمه على معاني الفرقان العظيم، الذي أخرس شقاشق الفصحاء حين أرادوا معارضته لعجزهم لا للخلل في أدمغتهم، وأوقر مسامع أولي العناد من العباد في البلاد بجهلهم لا لصمم في أصمختهم، صحيفة يلوح عنها أثر الحق، ولطيمة يفوح منها عبق الصدق، بضاعة يحملها أهل النهي في سفر الروح إلى مكانها، وتجارة أرباحها جنات النعيم، وأجارة أعواضها الفوز بلقاء رب العرش العظيم. وقد تضمن كتابي هذا حاصل التفسير الكبير الجامع لأكثر التفاسير جل كتاب الكشاف الذي رزقه له القبول من أساتذة الأطراف والأكناف، واحتوى مع ذلك على النكت المستحسنة الغريبة، والتأويلات المحكمة العجيبة مما لم يوجد في سائر تفاسير الأصحاب، أو وجدت متفرقة الأسباب أو مجموعة طويلة الذيول والأذناب. أما الأحاديث فإما من الكتب المشهورة كجامع الأصول والمصابيح وغيرهما، وإما من كتاب الكشاف والتفسير الكبير ونحوهما إلا الأحاديث الموردة في الكشاف في فضائل السورة فإنا قد أسقطناها لأن النقاد زيفها إلا ما شذ منها. وأما الوقوف فللإمام السجاوندي مع اختصار لبعض تعليلاتها وإثبات للآيات لتوقفها على التوقيف. وأما أسباب النزول فمن كتاب " جامع الأصول والتفسيرين" أو من " تفسير الواحدي ". وأما اللغة فمن " صحاح الجوهري " ومن " التفسيرين " كما نقلا. وأما المعاني والبيان وسائر المسائل الأدبية فمن التفسيرين والمفتاح وسائر الكتب العربية، وأما الأحكام الشرعية فمنهما ومن الكتب المعتبرة في الفقه ولا سيما " شرح الوجيز" للإمام الرافعي. وأما التآويل فأكثرها للشيخ المحقق المتقى المتقن نجم الملة والدين المعروف بداية قدس نفسه وروّح رمسه. وطرف منها مما دار في خلدي وسمحت به ذات يدي غير جازم بأنه المراد من الآية بل خائف من أن يكون ذلك جرأة مني وخوضاً فيما لا يعنيني. وإنما شجعني على ذلك سائر الأمة الذين اشتهروا بالذوق والوجدان وجمعوا بين العرفان والإيمان والإتقان في معنى القرآن الذي هو باب واسع يطمع في تصنيفه كل طامع، فإن أصبت فبها وإن أخطأت فعلى الإمام ماسها والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهي والله المستعان لنا ولهم في مظان الخلل والزلل، وعلى رحمته التكلان في محال الخطأ والخطل، فعلى المرء أن يبذل وسعه لإدراك الحق ثم الله معين لإراءة الصواب ومعين لإلهام الصدق. وكذا الكلام في بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفي أنواع التكريرات وأصناف المشتبهات فإن للخواطر والظنون فيها مجالاً، وللناس الأكياس في استنباط الوجوه والنسب هنالك مقالاً، فعليك أيها المتأمل الفطن والمنصف المتدين أن لا تبادر في أمثال هذه المقامات إلى الاعتراض والإنكار، وتقرّ بأن للمؤلف في إعمال القريحة هنالك أجر الافتكار والابتكار، وتعمل فكرتك الصائبة وفطنتك الثاقبة في إبداء وجه جميل لما قرع سمعك، وتتعب خاطرك اليقظان وذهنك العجيب الشان في إبرار محمل لطيف لما ينافي الحال طبعك. ثم إن استبان لك حسن ذلك الوجه فأنصف تفلح، وإن غلب على ظنك قبحه فأصلح أو أسجع فإن لكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، وضيق البصر وطغيان القلم موضوعان، والخطأ والنسيان عن هذه الأمة مرفوعان، وإني لم أمل في هذا الإملاء إلاّ إلى مذهب أهل السنة والجماعة فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم بها وما ورد عليها من الاعتراضات والأجوبة عنها. وأما في الفروع فذكرت استدلال كل طائفة بالآية على مذهبه من غير تعصب ومراء وجدال وهراء، فاختلاف هذه الأمة رحمة، ونظر كل مجتهد على لطيفة وحكمة، جعل الله سعيهم وسعينا مشكوراً، وعملهم وعملنا مبروراً. ولقد وقفت لإتمام هذا الكتاب في مدة خلافة علي رضي الله عنه وكنا نقدر إتمامه في مدة خلافه الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ولو لم يكن ما اتفق في أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة وعدم الأسفار النافعة، ومن غموم لا يعدّ عديدها وهموم لا ينادي وليدها، لكان يمكن إتمامه في مدّة خلافة أبي بكر كما وقع لجار الله العلامة، وكما أنه رأى ذلك ببركة جوار بيت الله الحرام فهذا الضعيف أيضاً يرجو أن يرزقني الله تعالى ببركة إتمام هذا الكتاب زيارة هذا المقام ويشرفني بوضع الخد على عتبة مزار نبيه المصطفى محمد النبي الأمي العربي عليه وآله الصلاة والسلام فاسمع واستجب يا قدير ويا علام. واعلموا إخواني رحمنا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، أن لكل مجتهد نصيباً قل أو أكثر، ولكل نفس عاملة قسطاً نقص أو كمل، وأن الأعمال بالنيات وبها تجلب البركات وترفع الدرجات، وأن المرء بأصغريه وكل عمل ابن آدم سوى الخير كلّ عليه, والذي نفسي بيده وناصيتي بحكمه ومشيئته، عالم بسري ومحيط بنيتي أني لم أقصد في تأليف هذا التفسير مجرد جلب نفع عاجل لأن هذا الغرض عرض زائل ولا يفتخر عاقل بما ليس تحته طائل. شعر : سحابة صيف ليس يرجي دوامها تفسير : وهل يشرئب إلى الأمور الفانية أو يستلذ بها من وهو من أعضائه عظامها، وكاد يفتر من قواه أكثرها بل تمامها؟ وإنما كان المقصود جمع المتفرق، وضبط المنتشر، وتبيين بعض وجوه الإعجاز الحاصل في كلام رب العالمين، وحل الألفاظ في كتب بعض المفسرين بقدر وسعي وحد علمي، وعلى حسب ما وصل إليه استعدادي وفهمي، والقرآن أجل ما وقف عليه الذهن والخاطر، وأشرف ما صرف إليه الفكر والناظر، وأعمق ما يغاض على درّه ومرجانه، وأعرق ما يكد في تحصيل لحينه، ولو لم تكن العلوم الأدبية بأنواعها، والأصولية بفروعها، والحكمية بجملها وتفاصيلها وسيلة إلى فهم معاني كتاب الله العزيز واستنباط نكتها من معادنها واستخراج خباياها من مكامنها لكنت متأسفاً على ما أزجيت من العمر في بحث تلك القواليب، وأملت من الفكر في تأليف ما ألفت في كل أسلوب من أولئك الأساليب، ولكن لكل حالة آلة، ولك أرب سبب، وطالما أغليت المهور للعقائل وجنبت الوسائل للأصائل. قال الشاعر: شعر : أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا تفسير : وكان من معاصم المقاصد من إنشاء هذا التفسير أن يكون جليسي مدّة حياتي، وأنيسي في وقت مماتي حين لا أنيس للمرء إلا ما أسلف من بره، ولا ينفع الإنسان إلا ما قدّم من خيره. ولعمري إنه للمبتل المنيب الأوّاه نعم العون على تلاوة كتاب الله العزيز ومحضرة مع القراءة ووجهها إن اشتبه عليه شيء منها، ومع الآي والوقوف إن ذهل عن أماكنها ومظانها، وكذا التفسير بتمامه إن أراد البحث عن الحقائق أوعزب عنه شيء من تلك الدقائق، وكذا التأويل إن كان مائلاً إلى بطون الفرقان وسالكاً سبيل الذوق والعرفان. وإني أرجو من فضل الله العظيم وأتوسل إليه بوجهه الكريم، ثم بنبيه القرشيّ الأبطحيّ، ووليه المعظم العليّ وسائر أهل الغر الكرام وأصحابه الزهر العظام، وبكل من له عنده مكان ولديه قبول وشان، أن يمتعني بتلاوة كتابه في كل حين وأوان من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان على الوجه الذي ذكرت، ولأجل هذا لقيت في تأليفه من عرق الجبين وكد اليمين ما لقيت. وأن يعم النفع به لسائر إخواني في الدين ورفقائي في طلب اليقين، ثم أن يجعله عدّة في ليلة يرجع من قبري العشائر والأهلون، وذخيرة يوم لا ينفع مال ولا بنون والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين خصوصاً على رسوله المصطفى الأمين محمد وأله وصحبه أجمعين.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}: {ٱلْوَسْوَاسِ}: اسم مِنْ أسماء الشيطانِ، وقولُه: {ٱلْخَنَّاسِ} معناه: الرَّاجِعُ علَىٰ عَقِبِهِ المُسْتَتِرُ أحياناً، فإذَا ذكر العَبْدُ اللَّه تعالى وتعوَّذ، تذكَّر فأبْصَرَ؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰئِفٌ...}تفسير : [الأعراف:201] قال النَّوَوِيُّ: قال بعضُ العلماءِ: يُسْتَحَبُّ قَول: لا إلٰه إلا اللَّهِ لِمَنِ ٱبْتُلِيَ بالوَسْوَسَةِ في الوضوءِ والصلاةِ وشِبْهِهِمَا؛ فإن الشيطان إذا سمع الذِّكرَ، خَنَسَ، أي: تأخَّر وبَعُدَ، و«لا إله إلا اللَّهُ»: رَأْسُ الذِّكْرِ؛ ولذلك ٱختارَ السَّادَةُ الجِلَّةُ مِنْ صَفْوة هذه الأمة أهْلُ تربيةِ السَّالكين وتأدِيبِ المُرِيدِينَ ـــ قَوْلَ «لا إلٰه إلا اللَّه» لأَهْلِ الخَلْوَةِ ـــ، وأمَرُوهم بالمداومة علَيْهَا، وقالوا: أنْفَعُ علاجٍ في دَفْعِ الوسوسةِ الإقبالُ علَىٰ ذِكْرِ اللَّه تَعالَىٰ والإكْثَارُ منْه، وقال السَّيِّدُ الجليلُ أحْمَدُ بْنُ أبي الحوارِيِّ: شَكَوْتُ إلَىٰ أبي سُلَيْمَانَ الدَّرَانِيِّ الوَسْوَاسَ، فقال: إذا أَرَدت أَنْ ينقطعَ عَنْكَ، فَأَيَّ وَقْتٍ أحْسَسْتَ به، فٱفْرَحْ، فإنك إذا فَرِحْتَ به، ٱنقطَعَ عنك؛ لأنه ليْسَ شيءٌ أبْغَضُ إلى الشيطانِ مِنْ سرورِ المؤمن، وإن ٱغْتَمَمْتَ بِه، زَادَكَ، * ت *: وهذا مما يؤيِّد ما قاله بَعْضُ الأئمة؛ أنَّ الوسواس إنما يُبْتَلَىٰ به مَنْ كَمُلَ إيمانه؛ فإن اللِّصَّ لا يقصدُ بيتاً خَرباً. انتهى، * ت *: ورأيتُ في «مختصر الطبريِّ» نَحْوَ هٰذا. وقوله تعالى: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ} يعني: الشياطينَ، ويظهر أنْ يَكُونَ قولُهُ: {وَٱلنَّاسِ} يراد به: مَنْ يُوَسْوِسُ بخدعة مِنَ الشَّرِّ، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كَالشَّيْطان، قال أحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الداوديُّ: وعن ابن جُرَيْجٍ: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} قَالَ: «إنهما وَسْوَاسَانِ، فَوَسْوَاسٌ من الجِنَّة، ووَسْوَاسٌ مِنْ نَفْسِ الإنسان» انتهى، وفي الحديث الصحيحِ، حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا آوَىٰ إلَىٰ فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرأَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ»، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا ٱسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأ بِهِما مِنْ رَأْسه وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ؛ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ـــ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.تفسير : يَقُولُ العبدُ الفقيرُ إِلى اللَّه تعالىٰ: عَبْدُ الرحمٰنِ بْنُ مُحَمِّدِ بْنِ مَخْلُوفٍ الثَّعَالِبِيُّ لَطَفَ اللَّهُ به في الدارَيْنِ: قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في إِتمام تَِلْخِيصِ هذا المختَصَر؛ وقَدْ أودَعتُهُ بحَوْلِ اللَّهِ جزيلاً من الدُّرَر، قد ٱسْتَوعَبْتُ فيه - بِحَمْدِ اللَّهِ- مُهِمَّاتِ ابْنِ عِطَيَّةَ، وأسقطْتُ كَثيراً من التَّكْرار، وما كان من الشَّواذِّ في غاية الوهي، وزدْتُ من غيره جَوَاهِرَ ونَفَائِسَ لا يُسْتَغْنَىٰ عنها مميزةً معزوَّة لِمَحَالِّها مَنْقُولةً بألفاظِهَا، وتوخَّيْتُ في جميع ذلك الصِّدْقَ والصَّواب، وإلى اللَّه أَرْغَبُ في جَزِيلِ الثواب، وقد نَبَّهْتُ بَعْضَ تَنْبِيهٍ، وعرَّفْتُ بأيام رِحْلَتِي في طَلَبِ العِلْمِ بعْضَ تعريفٍ عِنْدَ خَتْمِي لتفسير سورة الشُّورَىٰ؛ فَلْيَنْظُرْ هُنَاكَ، واللَّهُ المَسْؤُولُ أنْ يجعَلَ هذا السعْيَ منا خالصاً لوَجْهِهِ، وعملاً صالحاً يقرِّبنا إِلَىٰ مرضاته، ومَنْ وَجَدَ في هذا الكتاب تَصْحِيفاً أو خَلَلاً فَأَرْغَبُ إِلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَهُ مِنَ الأُمِّهاتِ المَنْقُولِ منها متثبِّتاً في ذلك لا برَأْيه وبديهةِ عَقْلِهِ: [من الوافر] شعر : فَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحــاً وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيـــمِ تفسير : وكان الفراغُ من تألِيفه في الخامسَ عَشَرَ مِنْ رَبِيع الأَوَّلِ مِنْ عَامِ ثَلاَثَةٍ وثَلاَثِينَ وَثَمَانِمائَةٍ وَأَنَا أَرْغَبُ إِلى كُلِّ أَخ نَظَرَ فيه أنْ يُخْلِصَ لي وَلَهُ بِدَعْوَةٍ صالحةٍ، وهذا الكتابُ لاَ يَنْبَغِي أنْ يَخْلُوَ عنه مُتَدَيِّنٌ، ومُحِبٌّ لكلامِ رَبِّه، فإِنه يَطَّلِعُ فيه عَلَىٰ فَهْمِ القرآن أجْمَعَ في أَقْرَبِ مُدَّةٍ، وليس الخَبَرُ كَالعِيَانِ، هذا مَعَ مَا خُصَّ بِهِ تَحْقِيقِ كَلامَ الأَئِمَّةِ المحقِّقينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - نَقَلْتُهُ عَنْهُمْ بألفاظِهِمْ متحرِّياً لِلصَّوَابِ، ومِنَ اللَّهِ أَرْتَجِي حُسْنَ المَآب، وصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا محمَّد خاتَمِ النبيِّينَ، وَعَلى آله وصَحْبِهِ أجمعين، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}. قرئ: "قُلَ عُوذُ" بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: {فَخُذَ أَرْبَعَةً} [البقرة: 260]. وأجمع القراء على تلك الإمالة في "النَّاس" إذا كان في موضع الخفضِ. ومعنى "رَبّ الناس" مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه "رَبّ الناس"، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين: أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا. والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء. قوله: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}. يجوز أن يكونا وصفين لـ "ربّ الناس" وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان. قال الزمخشري: فإن قلت: "ملك الناس، إله الناس"؟ ما هما من "رب الناس"؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين بـ {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} ثم زيد بياناً بـ {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}؛ لأنه قد يقال لغيره: "رب النَّاس"، كقوله: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31]، وقد يقال: "ملك النَّاس"، وأما "إله النَّاس" فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان. واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في "الرحمن الرحيم" أول الفاتحة. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: "بربِّ النَّاس" مضافاً إليهم خاصة؟. قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم. قال الزمخشري: "فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار". وكرر لفظ "النَّاس"؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته. قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به. قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا "مالك" بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار. وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار. قوله: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ}. قال الزمخشري: "اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر "كزِلْزَال"، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس". انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في "الزلزلة"؛ فليراجع. والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي. ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس. قال ذو الرمة: [البسيط] شعر : 5372- فَبَـــاتَ يُشئِـــزُهُ ثَــأَدٌ ويُسهِــرهُ تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْـوَاسُ والهِضَبُ تفسير : وقال الأعشى: [البسيط] شعر : 5373- تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ تفسير : قوله: "الخنَّاس" أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس. يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 1]. {ٱلَّذِى يُوَسْوِس}: يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع. قال القرطبي: "ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ} تفسير : [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها". فصل في الكلام على الشيطان قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ}، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" تفسير : رواه البخاري ومسلم. قال القرطبي: "ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت". قوله: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ}. فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من "شرّ" بإعادة العامل، أي: من شر الجنة. الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس. الثالث: أنه حال من الضمير في "يُوسْوِسُ" حال كونه من هذين الجنسين. الرابع: أنه بدل من "النَّاس" وجعل "مِنْ" تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: "واستدلوا بنفر ورجال في سورة "الجنِّ"، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: {أية : يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 6]، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عز وجل". الخامس: أنه بيان لـ {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ} على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: {أية : شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس. السادس: أن يتعلق بـ "وسوس"، و "مِنْ" لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن. السابع: أن "الناس" عطف على "الوسواس"، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على "الجنَّة"؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي. الثامن: أن "مِنْ الجنَّةِ"؛ حال من "النَّاس" أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: "وقيل: هو معطوف على الجنة"، يريد: "والنَّاس" الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه. فصل في شياطين الإنس والجن قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس. وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟. قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]. وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الجن: 6]، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الأحقاف: 29]. فعلى هذا يكون "والنَّاس" عطفاً على "الجنَّةِ"، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. وقيل: معنى: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ}، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ"تفسير : . والله أعلم.

البقاعي

تفسير : لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة للإنسان وغيره، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان والأزمان، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير، والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر، وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة الحسد، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص، وهو الوسواس، وهو أخص من مطلق الحاسد، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها، وهي من الجن أمكن وأضر، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذاً به ومستعاذاً منه وأمراً بإيجاد ذلك، فالأمر: {قل} والاسعتاذة {أعوذ} والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى، لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق بالحماية والإعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح، المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة، والإحسان الشامل والعلم الكامل، قال تعالى: {برب الناس *} أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصماً لي من العدو أن يوقعني في المهالك، قال الملوي: والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء والأرض وإبقاؤها، ودفع الشرور ورفعها، والنقل من النقص إلى الكمال، والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب، وخص الإضافة بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ منه، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها، بخلاف ما في الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية، ألا ترى عموم قوله {من شر ما خلق} وإبهام {ما} وتنكير {غاسق} و {حاسد} والعهد فيها استعيذ من شره في سورة الناس وتعريفه ونعته، فبدأ بالعموم ثم أتبع بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه، وأوفى بالمقصود، ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم إتباعه بالأخص بتناول الدقائق والجلائل قوله سبحانه وتعالى {بسم الله الرحمن الرحيم} في معنى الرحمن ومعنى الرحيم واحد لا في عموم الصفة الأولى وكونها للمبالغة، وقد تعرض لبيان ذلك المفسرون ولذلك نظائر - انتهى. ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم، وكان الرب أقرب في المفهوم إلى اللطف والتربية، وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم، وكان الرب قد لا يكون ملكاً فلا يكون كامل التصرف، اقتضت البلاغة تقديم الأول وإتباعه الثاني، فقال تعالى: {ملك الناس *} إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان، وإليه المفزع وهو المستعان، والمستغاث والملجأ والمعاد. ولما كان الملك قد لا يكون إلهاً، وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركاً أصلاً بخلاف غيرها، أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال: {إله الناس *} إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد، فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد، وهذه دائماً طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن لا يتألهوا سواه ولا يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ بوليه من أبناء جنسه واستغاث به، والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها مفهوم الرب والملك في قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في جميع أمورهم، وبطن احتجاباً بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو شيء من أمره، فهابته العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقاً إلى لقائه، وزجرتهم الهيبة فجزعوا خوفاً من طرده لهم عن فنائه، وكرر الاسم الظاهر دون أن يضمر فيقول مثلاً: {ملكهم} {إلههم} تحقيقاً لهذا المعنى وتقوية له بإعادة اسمهم الدال على شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل اسم من أسمائه الدال على الكمال المقتضي للغنى المطلق، ودلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه المتصرف فيهم من جميع الجهات وبياناً لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد البيان، ولئلا يظن أن شيئاً من هذه الأسماء يتقيد بما أضيف إليه الذي قبله من ذلك الوجه، لأن الضمير إذا أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه، فأشير بالإظهار إلى أن كل صفة منها عامة غير مقيدة بشيء أصلاً، واندرج في هذه الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه المنسوبة إلى المستعيذ من جهة أنه في قهر الملك بالضم، وجميع الوجوه المنسوبة إلى الإلهية لئلا يقع خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلاً لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعاراً بعظم الآفة المستعاذ منها، ولم يعطف بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة، والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه الصفات الواقعة على ذات واحدة حتى كأنها صفة واحدة، وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب على حد سواء، فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه سبحانه وتعالى وهو الباعث عليه، وأخر الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه فقد أخرج نفسه من أن يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه، ووسط صفة الملك لأن الملك هو المتصرف بالأمر والنهي، وملكه لهم تابع لخلقه إياهم فملكه من كمال ربوبيته، وكونه إلههم الحق من كمال ملكه، فربوبيته تستلزم ملكه وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته وتقتضيها، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى، فإن الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة التي هي معنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال، والملك هو الآمر الناهي المعز المذل - إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال، وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل فيه جميع الأسماء الحسنى، فلتضمنها جميع معاني الأسماء كان المستعيذ جديراً بأن يعوذ، وقد وقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الوحدانية، لأن من رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة، علم أن له مربياً، فإذا تغلغل في العروج في درج معارفه سبحانه وتعالى علم أنه غني عن الكل، والكل إليه محتاج، وعن أمره تجري أمورهم، فيعلم أنه ملكهم، ثم يعلم بانفراد بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها، فقد أجمع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من {ملك} بخلاف الفاتحة كما مضى لأن الملك إذا أضيف إلى "اليوم" أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض، وأنه لا أمر لأحد معه ولا مشاركة في شيء من ذلك، وهو معنى الملك - بالضم، وأما إضافة المالك إلى الناس فإنها تستلزم أن يكون ملكهم، فلو قرىء به هنا لنقص المعنى، وأطبقوا في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه لأن المقصود بالسياق أنه سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء، والملك - بكسر الميم - أليق بهذا المعنى، وأسرار كلام الله سبحانه وتعالى أعظم من أن تحيط بها العقول، وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر منها على ما وراءه، وأن باديه إلى الخافي يشير. ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو القهر أو الإذعان والتذلل، ذكر المستعاذ منه فقال: {من شر الوسواس *} هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، والمراد بالموسوس، سمي بفعله مبالغة لأنه صفته التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادل بتسميته بالعدل، والوسوسة الكلام الخفي: إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير، كما أن الكلمة الدالة عليها "وس" مكررة، وأصلها صوت الحلي، وحديث النفس، وهمس الكلاب، ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ينفثه في القلب ويؤكده في خفاء ليقبل، ومصدره بالكسر كالزلزال كما قال تعالى:{أية : وزلزلوا زلزالاً شديداً}تفسير : [الأحزاب: 11] وكل مضاعف من الزلزلة والرضرضة معناه متكرر، والموسوس من الجن يجري من ابن آدم مجرى الدم - كما في الصحيح، فهو يوسوس بالذنب سراً ليكون أجلى، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يواقعه الإنسان، فإذا واقعه وسوس لغيره أن فلاناً فعل كذا حتى يفضحه بذلك، فإذا افتضح ازداد جرأة على أمثال ذلك لأنه يقول: قد وقع ما كنت أحذره من القالة، فلا يكون شيء غير الذي كان، وشره التحبيب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه حتى يشاكله في رذيلة الطبع وظلمة النفس، فينشأ من ذلك شرور لازمة ومتعدية أضرها الكبر والإعجاب اللذان أهلكا الشيطان، فيوقع الإنسان بها فيما أوقع نفسه فيه، وينشأ من الكبر الحقد والحسد يترشح منه بطر الحق - وهو عدم قبوله، ومنه الكفر والفسوق والعصيان، وغمص الناس - وهو احتقارهم المعلوم من قول الشيطان{أية : أنا خير منه}تفسير : [الأعراف: 12] ومنه تنشأ الاستهانة بأولياء الله تعالى بترك احترامهم ومنع حقوقهم والاعتداء عليهم والظلم لهم، ويترشح من الحقد الذي هو العداوة العظيمة إمساك الخير والإحسان وبسط اللسان واليد بكل سوء وإيذاء، ويترشح من الحسد إفساد ذات البين كما يشير إليه{أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة}تفسير : [الأعراف: 20] الآية والكذب والمخادعة كما عرف به{أية : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور}تفسير : [الأعراف: 21] ويترشح عن الإعجاب التسخط للقضاء والقدر كما آذن به{أية : قال أأسجد لمن خلقت طيناً}تفسير : [الإسراء: 61] ومقابلة الأمر بالعلم بما أشعر به{أية : لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال}تفسير : [الحجر: 33]، واستعمال القياس في مقابلة النص بما هدى إليه{أية : أنا خير منه}تفسير : [الأعراف: 12] الآية، واستعمال التحسين والتقبيح بما أفهمه {لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} والإذلال وهو الجرأة على المخالفات فينشأ عن ذلك شرور متعدية، وهي السعي في إفساد العقائد والأخلاق والأعمال والأبدان والأرزاق، ثم لا يزال يتحبب إلى الإنسان بما يميل إليه طبعه من هذه الخبائث وهو يوافقه فيها حتى يصير له أخلاقاً راسخة، فيصير رديء الطبع فلا ينفع فيه العلاج، بل لا يزيده إلا خبثاً كإبليس، ومن كان أصله طيباً واكتسب ما يخالفه بسبب عارض كان ممكن الإزالة كالعلاج كما وقع لآدم عليه الصلاة والسلام. ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره سبحانه وتعالى، فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه، وصف سبحانه وتعالى فعل الموسوس عند استعمال الدواء إعلاماً بأنه شديد العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه فقال: {الخناس *} أي الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة، كلما كان الذكر خنس، وكلما بطل عاد إلى وسواسه، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلاً كما ورد عن بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ينفي الرجل بعيره في السقر، قال البغوي: له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على يمين القلب يحدثه، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكر الله رجع ووضع رأسه - خزاه الله تعالى. ولما ذكر صفة المستعاذ منه، ذكر إبرازه لصفته بالفعل فقال: {الذي يوسوس} أي يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير بحيث تصل مفاهيمها من غير سماع، وأشار إلى كثرة وسوسته بذكر الصدر الذي هو ساحة القلب ومسكنه فقال: {في صدور الناس *} أي المضطربين إذا غفلوا عن ذكر ربهم، فإنها دهاليز القلوب منها تدخل الواردات إليها، وذلك كالقوة الوهمية فإن العقل يساعد في المقدمات الحقة المنتجة للأمر المقطوع به، فإذا وصل الأمر إلى ذلك خنست الواهمة ريثما يفتر العقل عن النتيجة فترة ما، فتأخذ الواهمة في الوسوسة وتقبل منها الطبيعة بما لها بها من مجانسة الظلمة الوهمية، والناس - قال في القاموس: يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه أل - انتهى، ولعل إطلاقه على هذين المتقابلين بالنظر إلى النوس الذي أصله الاضطراب والتذبذب فيكون منحوتاً من الأصلين: الانس والنوس، ومن ثالث وهو النسيان. ولما كان الذي يعلّم الإنسان الشر تارة من الجن وأخرى من الإنس، قال مبيناً للوسواس تحذيراً من شياطين الإنس كالتحذير من شياطين الجن، مقدماً الأهم الأضر، ويجوز أن يكون بياناً لـ"الناس" ولا تعسف فيه لما علم من نقل القاموس: {من الجنة} أي الجن الذين في غاية الشر والتمرد والخفاء {والناس *} أي أهل الاضطراب والذبذبة سواء كانوا من الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس أو الجن، فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس، فيدخل شيطان الجن في الجني كما يدخل في الإنسي ويوسوس له - قاله البغوي عن الكلبي، وقال: ذكر عن بعض العرب أنه قال: جاء قوم من الجن فوقفوا فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن، قال: وهذا معنى قول الفراء. وقد ختمت السورة بما بدئت به، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها فإنه يكون شرحاً للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى، والخواطر الواردة على الإنسان قد تكون وسوسة، وقد تكون إلهاماً، والإلهام تارة يكون من الله بلا واسطة، وتارة يكون بواسطة الملك، ويكون كل منهما في القلب، والوسوسة تارة من الشيطان، وأخرى من النفس، وكلاهما يكون في الصدر، فإن كان الإنسان مراقباً دفع عن نفسه الضار، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل، فإن الشيطان يجتهد في التلبيس، فإن وافق الشرع فلينظر، فإن كان فعله ذلك الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر دنيوياً وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأمله الاستشارة لمن يثق بدينه وعقله، ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق عليه العقول، ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر، وقد جعل بعضهم قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن إليه النفس، والشيطاني والنفسي أن ينقبض عنده الصدر وتقلق النفس بشهادة الحديث النبوي في البر والإثم، ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة، فإن الشيطان لا غرض له في مخالفة بعينها، فإن حصل الذكر زال ذلك، والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء كان نفعاً أو ضراً، ولا ينصرف عنه بالذكر، وقد يكون الشيطان إنسياً من أزواج وأولاد ومعارف، وربما كان أضر من شيطان الجن، فدواؤه المقاطعة والمجانبة بحسب القدرة، ومن أراد قانوناً عظيماً لمن يصاحب ومن يجانب فعليه بآية الكهف{أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}تفسير : [الكهف: 28] وكما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه، ويلتحم مبدؤه بمرجعه على أحسن وجه، كما تقدم بيان ذلك من سورة قريش إلى هنا سورة سورة، فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ثلاثة أسماء: الله والرب والملك، وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحيم، لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها صفة الربوبية، وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة، واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلاً، فلما تقرر في جميع القرآن أنه الإله الحق، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلاً بحق ولا بباطل، ختم القرآن الكريم به معبراً عنه بالإله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس بالكلية، وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب الأولي، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ألصقت آخر الناس بأول الفاتحة "إله ملك رب الله رب - رحمن رحيم ملك" إعلاماً بأن مسمى الأسم الأعظم هو الإله الحق، وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية والرحمة والعامة والخاصة، وحاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من وسوسة الصدر المثمرة للمراقبة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من الشواغل المقتضي لقصر الهمم عليه سبحانه وتعالى والبقاء في حضرته الشماء بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه، وذلك هو أعلى درجات المراقبة، فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر عليه صدق التوكل، فحينئذ يصير عابداً صادقاً في العبودية فيكون إلهه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وينبغي أنه كلما زاده سبحانه وتعالى تقريباً ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى لأقرب خلقه إليه محمد صلى الله عليه وسلم{أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}تفسير : [الحجر: 99] ومن نقص من الأعمال شيئاً اعتماداً على أنه وصل فقد تزندق، وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجاً فأضاء، فقال: ما أوقدت السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء، فلا حاجة لي الآن إلى السراج، فأطفأه فعاد الظلام كما كان، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى افتتاح القرآن بعد ختمه كما أشار إليه اتصال المعنى بما بينته، وسمي ذلك الحال المرتحل، وكأن القارىء ذكر بالأمر بالاستعاذة إرادة افتتاح قراءته، فكأنه قيل: استعذ يا من ختم القرآن العظيم لتفتتحه، وكأنه لما استعاذ بما أمر به في هذه السورة قيل له: ثم ماذا تفعل؟ فقال: أفتتح، أو أنه لما أمر بالاستعاذة قال: ماذا أفعل؟ فقيل: افتتح بسم الله الرحمن الرحيم الذي تجب مراقبته عند خواتم الأمور وفواتحها، لأنه لا يكون أمر إلا به، أو أن البسملة مقول القول في {قل} على سبيل من {أعوذ} أو بدل من {برب الناس} وكأنه أمر بالتعوذ، والتسمية أمر بالدفع والجلب، وذلك لأنه لما أمر بهذا التعوذ - وكان قد قال سبحانه{أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}تفسير : [النحل: 98] علم أن المراد ابتداؤه بالقرآن فنسبتها إلى الفاتحة نسبة المعلول إلى علته، فكأنه قيل: استعذ بهذا الرب الأعظم الذي لا ملك ولا إله غيره لأن له الحمد، وهو الإحاطة بكل شيء، فهو القادر على كل شيء، فهو القاهر لكل شيء في المعاد وهو الملجأ والمفزع لا إله إلا هو، فإن الاسم هو الوصف والمراد به الجنس، فمعنى بسم الله أي بوصفه أو بأوصافه الحسنى، والحمد هو الثناء بالوصف الجميل، فكأنه قيل: أعوذ برب الناس بأوصافه الحسنى لأن له الحمد وهو جميع الأوصاف الحسنى فإن البدء فيه يحتاج إلى قدرة، فله القدرة التامة، أو إلى علم فالعلم صفته، أو كرم فكذلك، والحاصل أنه كأنه قيل: تعوذ به من الشيطان بما له من الاسم الذي لم يسامه فيه أحد لكونه جامعاً لجميع الأسماء الحسنى أي الصفات التي لا يشوبها نقص خصوصاً صفة الرحمة العامة التي شملتني أكنافها، وأقامني إسعافها، ثم الرحمة الخاصة التي أنا أجدر الناس باستمطارها لما عندي من النقص المانع لي منها والمبعد لمن اتبع الحظوظ عنها، فأسأله أن يجعلني من أهلها، ويحملني في الدارين بوصلها، لأكون من أهل رضاه، فلا أعبد إلا إياه، ولك أن تقرر الاتصال والالتحام بوجه آخر ظاهر الكمال بديع النظام فتقول: لما قرب التقاء نهاية الدائرة السورية آخرها بأولها ومفصلها بموصلها اشتد تشاكل الرأسين، فكانت هذه السور الثلاثة الأخيرة مشاكلة للثلاث الأول في المقاصد، وكثرة الفضائل والفوائد: الإخلاص بسورة التوحيد آل عمران، وهو واحد، والفلق للبقرة طباقاً ووفاقاً، فإن الكتاب الذي هو مقصود سورة البقرة خير الأمر، فهي للعون بخير الأمر، والفلق للعوذ من شر الخلق المحصي لكل خير، وفي البقرة{أية : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67]{أية : يعلمون الناس السحر}تفسير : [البقرة: 102] - الآيات،{أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم}تفسير : [البقرة: 109] الآية، والناس للفاتحة، فإنه إذا فرغ الصدر الذي هو مسكن القلب الذي هو مركب الروح الذي هو معدن العقل كانت المراقبة، فكان ذلك بمنزلة تقديس النفس بالتوحيد والإخلاص، ثم الاستعاذة من كل شر ظاهر ومن كل سوء باطن للتأهل لتلاوة سورة المراقبة بما دعا إليه الحال المرتحل وما بعدها من الكتاب، على غاية من السداد والصواب، وكأنه اكتفى أولاً بالاستعاذة المعروفة كما يكتفي في أوائل الأمور بأيسر مأمور، فلما ختم الختمة جوزي بتعوذ من القرآن، ترقية إلى مقام الإحسان، فاتصل الآخر بالأول أيّ اتصال بلا ارتياب، واتحد به كل اتحاد - إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، هذا ما يسره الله من مدلولات نظومها وجملها، بالنسبة إلى مفهوماتها وعللها، وبقي النظر إلى ما يشير إليه أعداد كلماتها، بلطائف رموزها وإشاراتها، فهي عشرون كلمة توازيها إذا حسبت من أول النبوة سنة عمرة القضاء وهي السابعة من الهجرة، بها تبين الأمن مما وسوس به الشيطان سنة عمرة الحديبية من أجل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لدخول البيت والطواف به، فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاث كانت ثلاثاً وعشرين فوازت السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة حجة الوداع وهي القاطعة لتأثير وسواس الشيطان الذي كان في أول السنة الحادية عشرة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب بأمر الردة، فأعاذ الله من شره بهمة الصديق رضي الله تعالى عنه حتى رد الناس إلى الدين وأنزل به وسواس الشياطين المفسدين، فانتظمت كلمة المسلمين تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع"حديث : إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب بعد اليوم"تفسير : فإذا ضممت إليها كلمات البسملة صارت سبعاً وعشرين توازي سنة استحكام أمر عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه الذي ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غيره، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة، هذا بالنظر إلى كلماتها، فإن نظرت إليها من جهة الحروف كانت لها أسرار كبرى من جهة أخرى، منها أن كلماتها مع كلمات الفاتحة انتظمت من ستة وعشرين حرفاً وهي ما عدا الثاء المثلثة والزاء الظاء المعجة من حروف المعجم التسعة والعشرين كل واحدة منهما من اثنين وعشرين حرفاً اشتركتا في ثمانية عشر منها، واختصت كل واحدة منهما بأربعة: الفاتحة بالحاء والطاء المهملتين، والضاد والغين المعجمتين، والناس بالجيم والخاء والشين المعجمتين والفاء، وقال ابن ميلق: سقط من الفاتحة سبعة أحرف "ثج خز شظف"، انتهى، فلعل في ذلك - والله أعلم - إشارة إلى أن - تكامل نزول القرآن من أوله إلى آخره في عدد الحروف التي اشتمل عليها كل من سورتي أوله وآخره من السنين وذلك اثنان وعشرون، والثالثة والعشرون سنة القدوم على منزله الحي القيوم سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، وأقوم برهانه. وقال مؤلفه رحمه الله تعالى: وهذا تمام ما أردته من نظم الدرر من تناسب الآي والسور، ترجمان القرآن مبدي مناسبات الفرقان، التفسير الذي لم تسمع الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كصيب وبله، فرغته في المسودة يوم الثلاثاء سابع شعبان سنة خمس وسبعين وثمانمائة، بمسجدي من رحبة باب العيد بالقاهرة المغرية، وكان ابتدائي فيه في شعبان سنة إحدى وستين، فتلك أربع عشرة سنة كاملة، وفرغته في هذه المبيضة عصر يوم الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة، بمنزلي الملاصق للمدرسة البادرائية من دمشق، فتلك اثنتان وعشرون سنة بعدد سني النبوة الزاهرة الأنيسة العلية الطاهرة المباركة الزكية، ولولا معونة الله أضحى معدوماً، أو ناقصاً مخروماً، فإني بعد ما توغلت فيه واستقامت لي مبانيه، فوصلت إلى قريب من نصفه، فبالغ الفضلاء في وصفه بحسن سبكه وغزارة معانيه وإحكام رصفه، دب داء الحسد في جماعة أولي النكد، والمكر واللدد، يريدون الرئاسة بالباطل، وكل منهم من جوهر العلم عاطل، مدّ ليل الجهل فيهم ظلامه، وأثار نقع السفه على رؤوسهم سواده وقتامه، صوبوا سهام الشرور، والأباطيل وأنواع الزور، فأكثروا التشييع بالتشنيع، والتقبيح والتبشيع، والتخطئة والتضليل، بالنقل من التوراة والإنجيل، فصنفت في ذلك الأقوال القويمة، في حكم النقل من الكتب القديمة، بينت فيه أن ذلك سنة مستقيمة، لتأييد الملة الحنيفية العظيمة، وأخرجت بذلك نص الشافعي، وكلام النووي والرافعي، واستكتبت على الكتاب: العلماء الأنجاب، فكتبوا ما أودعته "مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور" فأطفأ الله نارهم، وأظهر عوارهم، وشهر خزيهم وعارهم، ثم قاموا في بدعة دائم المعروف، فصنفت فيها القول المعروف، وبينت مخالفتهم للكتاب والسنة، ووقوعهم في عين الفتنة، وخرقهم لأعظم الجنة، وصريح نص الشافعي ونقول العلماء، فكانوا كمن ألقم الحجر أو ملىء فمه بالماء، ثم قاموا في فتنة ابن الفارض، وكلهم معاند معارض، وألبوا عليّ رعاع الناس، فاشتد شعاع البأس، فكادوا أن يطبقوا على الانعكاس، وصوبّوا طريق الإلحاد، وبالغوا في الرفع من أهل الاتحاد، ولجوا بالخصام في العناد، وأفتوا بمحض الباطل، وبثوا السم القاتل، إلا ناساً قليلاً كان الله بنصرهم على ضعفهم كفيلاً، فسألتهم سؤالاً، جعلهم ضلالاً جهالاً، فتداولوه فيما بينهم وتناقلوه وعجزوا عن جوابه بعد أن راموه أشد الروم، وحاولوه فظهر لأكثر الناس حالهم، واشتهر بينهم ضلالهم، وغيهم الواضح ومحالهم، وصنفت في ذلك عدة مصنفات، بانت فيها مخازيهم وظهرت المخبآت، منها "صواب الجواب للسائل المرتاب" ومنها " القارض لتكفير ابن الفارض" ومنها "تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض" ومنها "تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي" ومنها "تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد" أنفقت فيها عمراً مديداً، وبددوا فيها أوقاتي - بددهم الله تبديداً، وهدد أركانهم وأعضادهم تهديداً، وقرعتهم بالعجز عن الجواب، الكاشف للارتياب، صباحاً ومساءً، وإعادة وإبداء، فحملهم التقريع، والتوبيخ والتبخيع، على كتابة جواب، لم يخل من ارتجاج واضطراب، وشك وارتياب، بينت أن جامعه أخطأ في جميعه الصواب، وكفر في أربعة مواضع كفراً صريحاً، وكذب في ثمانية فصار بذلك جريحاً، بل هالكاً طريحاً، فأطلت بذلك التقريع، والتوبيخ والتبشيع، فذلت أعناقهم، وضعف شقاقهم، وخفي نفاقهم، غير أنه حصل في كل واحدة من هذه الوقائع، من الشرور وعجائب المقدور، ما غطى ظلامه الشموس الطوالع. وطال الأمر في ذلك سنين، وعم الكرب حتى كثر الأنين، والتضرع في الدعاء والحنين، وثبّت الله ورزق الصبر والأناة حتى أكمل هذا الكتاب، على ما تراه من الحسن والصواب. وقد قلت مادحاً للكتاب المذكور، بما أبان عنه من عجائب المقدور، وغرائب الأمور، شارحاً لحالي، وحالهم وظفر آمالي، وخيبة آمالهم من مجزوء الرجز، وضربه مقطوع، والقافية متواتر مطلق مجرد، مسمياً له بـ "كتاب لمّا" لأن جل مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى أن كل جملة تكون آخذة بحجزة ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه، الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكل جملة على حيالها بمنزلة الجسد، فالوح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق ويفهم، ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم، و "لما" طرف يراد بها ثبوت الثاني مما دخل عليه بثبوت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشروط تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتم الكتاب في هذا النظم بـ"لما" لأني أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض: شعر : هذا كتاب لما لم المعاني لما غدت بحور علمه تمد مداً جما بشرت من يحسده بأن يموت غما فإن قصدي صالح جاهدت فيه الهما فربنا يقبله كيفية وكما فبالذي أردته لقد أحاط علما كابدت فيه زمناً من حاسدي ما غما عدوا سنين عددا يسقون قلبي السما وكم دهوني مرة وكم رموني سهما وأوسقوا قلبي أذى وأوسعوني ذما وكم بغوني عثرة فما رأوا لي جرما وفتروا من قاصدي همهمة وعزما وأوعدوهم بالأذى وأوهنوهم رجما ألقى إذا اشتد لظى أذى إذا هم رجما ألقى إذا الليل دجا وبالبلا ادلهما أذاهم وظلمهم بدعوة في الظلما أستصرخ الله بهم أقول يا اللهما يا رب إني جاهد فافرج إلهي الغما لا ذنب لي عندهم إلا الكتاب لما جرت ينابيع الهدى منه فصارت يما صنعته وفي بحو رعلمه ما طما وقد علا تركيبه وعاد يحلو نظما عملته نصيحة لمن يحب العلما أودعته فرائداً يرقص منه الفهما تجلو العمى من لطفها وتسمع الأصما خص نفيس علمها وللأناسي عما تنطق من تغنى بها وإن يكونوا بكما أفعالها جليلة أعيذها بالأسما سهل ربي أمره عليّ حتى تما في أربع وعشرة من السنين صما قال لسان عدها دونك بدراً تما وليس يلغي ناقصاً يا صاحبي يوما أعيذه بالمصطفى من شر وغد ذما ومن حسود قد غدا من أجله مهتما فليس يبغي ذمه إلا بغيضاً أعما كفاه ربي شرهم وزان منه الأسما وردّ في تدبيرهم تدميرهم والغرما وردّهم بغيظهم لما ينالوا غلما وزاده سعادة ولازمته النعما تفسير : قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى قائلاً: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وكان الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله وعفوه عبد الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد الله الحرام - غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين -... بمكة المشرفة في يوم السبت المبارك السادس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع وأربعين وتسعمائة، وقد تجاوز سني الآن خمسة وسبعين عاماً - أسأل الله حسن الخاتمة والثبات على دين الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعض تلامذة المصنف وهو العرس خليل بن موسى المقرىء مادحاً للكتاب المذكور المسمى بـ"لما": شعر : برهان دين الله أضحى موضحاً أسرار قول الله في القرآن وأتى بما ترك الورى من بعده تمشي الورا أبداً مدى الأزمان فمن ادعى نسجاً على منواله فقد ادعى ما ليس في الإمكان وإذا المفسر رام يوماً أنه بمثاله يأتي بلا إذعان قلنا له فسر وقايس بعد ذا ولنا الدليل عليك بالبرهان تفسير : وكان الفراغ من نسخ هذا النصف الأخير من الكتاب المسمى بـ"لما" مناسبات القرآن العظيم على من أنزل عليه أفضل الصلاة والسلام في الليلة الثالثة عشرة من شهر جمادى الأولى من شهور سنة سبع وتسعين وألف على يد أحقر العباد، وأحوجهم إلى مغفرة ربه الجواد، محمد بن أحمد البدرشيني بلداً، الشافعي مذهباً، مصلياً ومسلماً على أفضل وأكمل وأجمل خلق الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلاة وسلاماً دائمين متلازمين بدوام ملك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل آمين آمين. شعر : إن تلق عيباً فلا تعجل بسبك لي إني امرؤ لست معصوماً من الزلل

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل بالمدينة ‏ {‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن الحكم بن عمير الثمالي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : الحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال‏:‏ أول ما يبدأ الوسواس من الوضوء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مرة رضي الله عنه قال‏:‏ ما وسوسة بأولع ممن يراها تعمل فيه‏.‏ وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب ذم الوسوسة عن معاوية بن أبي طلحة قال‏:‏ كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم حديث : : "اللهم‏اعمر قلبي من وسواس ذكرك واطرد عني وسواس الشيطان"‏‏‏ ‏. تفسير : وأخرج ابن أبي داود في كتاب ذم الوسوسة عن معاوية في قوله‏:‏ ‏ {‏الوسواس الخناس‏}‏ قال‏:‏ مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه فإذا ذكر الله خنس، وإن سكت عاد إليه فهو ‏{‏الوسواس الخناس‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين في الترغيب في الذكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك ‏{‏الوسواس الخناس‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن شاهين عن أنس‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : إن للوسواس خطماً كخطم الطائر فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس، فإن ابن آدم ذكر الله نكص وخنس فلذلك سمي ‏{‏الوسواس الخناس‏} ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏الوسواس الخناس‏}‏ قال‏:‏ الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال‏:‏ ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس، فلذلك قوله‏:‏ ‏ {‏الوسواس الخناس‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ الخناس الذي يوسوس مرة ويخنس مرة من الجن والإِنس، وكان يقال شيطان الإِنس أشد على الناس من شيطان الجن، شيطان الجن يوسوس ولا تراه وهذا يعاينك معاينة‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال‏:‏ إن الوسواس له باب في صدر ابن آدم يوسوس منه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن عروة بن رويم أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له فإذا رأسه مثل رأس الحية واضعاً رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على ثمرة قلبه فحدثه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ الوسواس محله على فؤاد الإِنسان وفي عينه وفي ذكره ومحله من المرأة في عينها وفي فرجها إذا أقبلت، وفي دبرها إذا أدبرت هذه مجالسه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏من الجنة والناس‏}‏ قال‏:‏ هما وسواسان فوسواس من الجنة وهو الجن، ووسواس نفس الإِنسان فهو قوله‏‏ ‏ {‏والناس‏}‏‏ .‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏من الجنة والناس‏}‏ قال‏:‏ إن من الناس شياطين فنعوذ بالله من شياطين الإِنس والجن‏.‏ ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد قال ابن الضريس في فضائله‏:‏ أخبرنا موسى بن اسمعيل، أنبأنا حماد قال‏:‏ قرأنا في مصحف أبي بن كعب‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك قال حماد‏:‏ هذه الآن سورة، وأحسبه قال‏:‏ اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال‏:‏ صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير كله، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك‏.‏ وفي مصحف حجر‏:‏ اللهم إنا نستعينك، وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى‏:‏ اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وأخرج أبو الحسن القطان في المطوّلات عن أبان بن أبي عياش قال‏:‏ سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت فقال‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ قال أنس‏:‏ والله إن أنزلتا إلا من السماء‏.‏ وأخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس إن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين‏:‏ اللهم إياك نعبد، واللهم إنا نستعينك‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال‏:‏ قنت عمر رضي الله عنه بالسورتين‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر قنت بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد‏.‏ وأخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال‏:‏ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ولم يبعثك عذاباً، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ثم علمه هذا القنوت‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن سويد الكاهلي أن علياً قنت في الفجر بهاتين السورتين‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك‏.‏ اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال‏:‏ في قراءة أبيّ بن كعب‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحق قال‏:‏ قرأت في مصحف أبيّ بن كعب بالكتاب الأول العتيق‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏قل أعوذ برب الفلق‏}‏ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك‏.‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ اللهم لا تنزع ما تعطي ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وغفرانك وحنانيك إله الحق‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن يزيد بن حبيب قال‏:‏ بعث عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن رزين الغافقي فقال له‏:‏ والله إني لأراك جافياً، ما أراك تقرأ القرآن‏؟‏ قال‏:‏ بلى، والله إني لأقرأ القرآن، وأقرأ منه ما لا تقرأ به‏.‏ فقال له عبد العزيز‏:‏ وما الذي لا أقرأ به من القرآن‏؟‏ قال‏:‏ القنوت‏.‏ حدثني علي بن أبي طالب أنه من القرآن‏. وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال‏:‏ كان أبو عبد الرحمن يقرئنا‏:‏ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ملحق‏.‏ وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم إياها‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي قال‏:‏ قرأت، أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أبيّ بن كعب هاتين السورتين‏:‏ اللهم إنا نستعينك‏.‏ والأخرى بينهما بسم الله الرحمن الرحيم قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال‏:‏ كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين‏:‏ اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال‏:‏ يقرأ في الوتر السورتين اللهم إياك نعبد، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال‏:‏ سألت عطاء بن أبي رباح أي شيء أقول في القنوت قال‏:‏ هاتين السورتين اللتين في قراءة أبي‏ّ:‏ اللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد‏.‏ وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال‏:‏ نبدأ في القنوت بالسورتين، ثم ندعو على الكفار، ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات‏.‏ وأخرج البخاري في تاريخه عن الحارث بن معاقب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ في صلاة من الصلوات‏:‏ ‏"‏حديث : بسم الله الرحمن الرحيم غفار غفر الله لها، واسلم سالمها الله، وشيء من جهينة وشيء من مزينة وعصية عصت الله ورسوله، ورعل وذكوان ما أنا قلته الله قاله‏"‏‏تفسير : .‏ قال الحارث فاختصم ناس من أسلم وغفار فقال الأسلميون بدأ باسلم، وقال غفار بدأ بغفار قال الحارث‏:‏ فسألت أبا هريرة فقال بدأ بغفار‏. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن خفاف بن ايماء بن رحضة الغفاري قال‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الآخرة قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لعن الله لحياناً ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله أسلم سالمها الله، غفار غفر الله لها، ثم خر ساجدا‏ً.‏ فلما قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال‏:‏ أيها الناس إني لست قلت هذا، ولكن الله قاله‏ "‏‏.‏ تفسير : ذكر دعاء ختم القرآن أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ختم القرآن دعا قائما‏ً.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستغفر ربه فقد طلب الخير مكانه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال‏:‏ كان علي بن حسين يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامده وهو قائم، ثم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا إله إلا الله، وكذب العادلون بالله، وضلوا ضلالاً بعيداً، لا إله إلا الله، وكذب المشركون بالله من العرب والمجوس واليهود والنصارى والصابئين ومن دعا لله ولداً أو صاحبة أو نداً أو شبيهاً أو مثلاً أو سمياً أو عدلاً، فأنت ربنا أعظم من أن تتخذ شريكاً فيما خلقت، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا‏ً الله الله الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلى قوله‏‏ إلا كذبا‏ً.‏ الحمد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض الآيتين‏:‏ الحمد لله فاطر السموات والأرض الآيتين، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، آلله خير أما يشركون بل الله خير وأبقى وأحكم وأكرم وأعظم مما يشركون، فالحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون، صدق الله وبلغت رسله، وأنا على ذلك من الشاهدين، اللهم صلّ على جميع الملائكة والمرسلين وارحم عبادك المؤمنين من أهل السموات والأرضين، واختم لنا بخير، وافتح لنا بخير، وبارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بالآيات والذكر الحكيم‏.‏ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ من ختم القرآن فله دعوة مستجابة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال‏:‏ جميع سور القرآن مائة وثلاث عشرة سورة المكية خمس وثمانون سورة، والمدنية ثمانية وعشرون سورة، وجميع آي القرآن ستة آلاف آية وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفا‏ً. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابراً محتسباً فله بكل حرف زوجة من الحور العين"‏‏تفسير : .‏ قال بعض العلماء هذا العدد باعتبار ما كان قرآناً ونسخ رسمه، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة‏.‏ قال الحافظ ابن حجر رضي الله عنه في أول كتابه أسباب النزول وسماه العجاب في بيان الأسباب‏:‏ الذين اعتنوا بجمع التفسير المسند من طبقة الأئمة الستة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي، ومن طبقة شيوخهم عبد بن حميد بن نصر الكشي، فهذه التفاسير الأربعة قل أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين، وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها كاستيعاب القراءات والإِعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه لأنه في هذه الأمور في مرتبة متقاربة وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه ويقصر فى غيره، والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما وفيهم ثقات وضعفاء‏.‏ فمن الثقات مجاهد وابن جبير، ويروى التفسير عنه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية، ومنهم عكرمة ويروي التفسير عنه من طريق الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عنه، ومن طريق محمد بن إسحق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، هكذا بالشك، ولا يضر لكونه عن ثقة، ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق، ولم يلق ابن عباس لكنه إنما جمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة، ومن طريق ابن جريج رضي الله عنه عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس لكن فيما يتعلق بالبقرة وآل عمران وما عدا ذلك يكون عطاء رضي الله عنه هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما فيكون منقطعاً إلا أن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح‏‏ ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس رضي الله عنهما التفسير المنسوب لأبي النصر محمد بن السائب الكلبي فإنه يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانىء عن ابن عباس، والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه‏:‏ كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب، ومع ضعف الكلبي قد روي عنه تفسير مثله أو أشد ضعفاً وهو محمد بن مروان السدي الصغير، ورواه عن محمد بن مروان مثله، أو أشد ضعفاً وهو صالح بن محمد الترمذي، وممن روى التفسير عن الكلبي من الثقات سفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان‏.‏ ومن الضعفاء من قبل الحفظ جبان بكسر المهملة وتثقيل الموحدة وهو ابن علي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي منقوطة، ومنهم جويبر بن سعيد وهو واه روى التفسير عن الضحاك بن مزاحم وهو صدوق عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يسمع منه شيئا‏ً.‏ وممن روى التفسير عن الضحاك‏ علي بن الحكم وهو ثقة، وعلي بن سليمان وهو صدوق، وأبو روق عطية بن الحرث وهو لا بأس به‏.‏ ومنهم عثمان بن عطاء الخراساني رضي الله عنه يروي التفسير عن أبيه عن ابن عباس‏.‏ ولم يسمع أبوه من ابن عباس‏.‏ ومنهم إسمعيل بن عبد الرحمن السدي بضم المهملة وتشديد الدال، وهو كوفي صدوق، ولكنه جمع التفسير من طرق منها عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم وخلط روايات الجميع فلم تتميز روايات الثقة من الضعيف‏.‏ ولم يلق السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك وربما التبس بالسدي الصغير الذي تقدم ذكره‏.‏ ومنهم إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني وهو ضعيف يروي التفسير عن أبيه عن عكرمة، وإنما ضعفوه لأنه وصل كثيراً من الأحاديث بذكر ابن عباس، وقد روى عنه تفسيره عبد بن حميد‏.‏ ومنهم إسمعيل بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف جمع تفسيراً كثيراً فيه الصحيح والسقيم، وهو في عصر أتباع التابعين‏.‏ ومنهم عطاء بن دينار رضي الله عنه وفيه لين يروي التفسير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير رواه عنه ابن لهيعة وهو ضعيف‏.‏ ومن تفاسير التابعين ما يروى عن قتادة رضي الله عنه وهو من طرق منها رواية عبد الرزاق عن معمر عنه ورواية آدم بن أبي إياس وغيره عن شيبان عنه، ورواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، ومن تفاسيرهم تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية واسمه رفيع بالتصغير الرياحي بالمثناة التحتية والحاء المهملة وبعضه لا يسمى الربيع فوقه أحداً وهو يروي من طرق منها رواية أبي عبيد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عنه، ومنها تفاسير مقاتل بن حيان من طريق محمد بن مزاحم بن بكير بن معروف عنه، ومقاتل هذا صدوق، وهو غير مقاتل بن سليمان الآتي ذكره‏، ومن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم تفسير زيد بن أسلم من رواية ابنه عبد الرحمن عنه، وهي نسخة كبيرة يرويها ابن وهب وغيره عن عبد الرحمن عن أبيه وعن غير أبيه، وفيه أشياء كثيرة لا يسندها لأحد وعبد الرحمن من الضعفاء وأبوه من الثقات، ومنها تفسير مقاتل بن سليمان وقد نسبوه إلى الكذب‏.‏ وقال الشافعي رضي الله عنه‏:‏ مقاتل قاتله الله تعالى‏.‏ وإنما قال الشافعي رضي الله عنه فيه ذلك لأنه اشتهر عنه القول بالتجسيم، وروى تفسير مقاتل هذا عنه أبو عصمة نوح بن أبي مريم الجامع وقد نسبوه إلى الكذب، ورواه أيضاً عن مقاتل الحكم بن هذيل وهو ضعيف، لكنه أصلح حالاً من أبي عصمة ومنها تفسير يحيى بن سلام المغربي وهو كبير في نحو ستة أسفار أكثر فيه النقل عن التابعين وغيرهم، وهو لين الحديث، وفيما يرويه مناكير كثيرة، وشيوخه مثل سعيد بن أبي عروبة ومالك والثوري، ويقرب منه تفسير سنيد بمهملة ونون مصغر واسمه الحسين بن داود، وهو من طبقة شيوخ الأئمة الستة، يروي عن حجاج بن محمد المصيصي كثيراً وعن انظاره، وفيه لين، وتفسيره نحو تفسير يحيى بن سلام، وقد أكثر ابن جريج التخريج منه‏‏ ومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها التفسير الذي جمعه موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ وقد نسب ابن حبان موسى هذا إلى وضع الحديث ورواه عن موسى عبد الغني بن سعيد الثقفي وهو ضعيف، وقد يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه أو من رواية اسمعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، فهو أصلح مما فيها من كتاب محمد بن إسحق، وما كان من رواية ابن إسحق أمثل مما فيها من رواية الواقدي انتهى‏.‏ قال مؤلفه رضي الله عنه وتقبل الله منه صنيعه‏:‏ فرغت من تبييضه يوم عيد الفطر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ بعونه تعالى تم المجلد السادس وبتمامه تم كتاب الدر المنثور في التفسير المأثور للإِمام السيوطي رحمه الله

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها ست {قُلْ أَعُوذُ} وقرىء فى السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إِلى اللام {بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} أَى مالك أُمورهم ومربيهم بإِفاضة ما يصلحهم ودفع ما يضرهم وقوله تعالى {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} عطف بيان جىء به لبيان أَن تربيته تعالى إِياهم ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الكلى والسلطان القاهر وكذا قوله تعالى {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} فإِنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمورهم وسياستهم والتولى لترتيب مبادىء حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهم إحياء وإماتة وإيجاداً وإعداماً، وتخصيص الإِضافة بالناس مع انتظام جميع العاملين فى سلك ربوبيته تعالى وملكوتيته وألوهيته للإرشاد إلى منهاج الاستعاذة المرضية عنده تعالى الحقيقة بالإِعاذة فإِن توسل العائذ بربه وانتسابه إليه تعالى بالمربوبية والمملوكية والعبودية فى ضمن جنس هو فرد من أفراده من دواعى مزيد الرحمة والرأفة وأمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا محالة ولأن المستعاذ منه شر الشيطان المعروف بعداوتهم ففى التنصيص على انتظامهم فى سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان وتسلطه عليهم حسبما ينطق به قوله تعالى {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [سورة الحجر، الآية 42] فمن جعل مدار تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة من المضار المختصة بالنفوس البشرية فقد قصر فى توفية المقام حقه وأما جعل المستعاذ منه فيما سبق المضار البدنية فقد عرفت حاله وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} هو اسم بمعنى الوسوسة وهى الصوت الخفى كالزلزال بمعنى الزلزلة وأما المصدر فبالكسر والمراد به الشيطان سمى لفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة {ٱلْخَنَّاسِ} الذى عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}. أعتصِمْ بربِّ الناسِ خالقِهِم وسيَّدِهم. {مَلِكِ ٱلنَّاسِ}. أي مالكهم جميعهم. {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}. القادِر على إيجادهم. {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}. من حديثِ النَّفْسِ بما هو كالصوتِ الخفيِّ. ويقال: مِنْ شرِّ الوسواس. ويقال: من شرِّ الوسوسة التي تكون بين الجِنَّةِ والناس. "والخنَّاس" الذي يغيب ويخنس عن ذِكْرِ الله. وهو من أوصاف الشيطان. {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}. قيل: "الناس" يقع لفظها على الجنِّ والإنْسِ جميعاً - كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}تفسير : [الأحقاف: 29] فسمَّاهم نفراً، وكما قال: {أية : يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}تفسير : [الجن: 6] فسمَّاهم رجالاً.. فعلى هذا استعاذ من الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس، والشيطانُ الذي له تسلُّطٌ على الناسِ كالوسواس؛ فللنَّفْس من قِبَلِ العبد هواجسُ، وهواجِسُ النَّفْسِ ووساوسُ الشيطانِ يتقاربان؛ إذ إن يدعو إلى متابعة الشهوة أو الضلالة في الدين أو إلى ارتكاب المعصية، أو إلى الخصال الذميمة - فهو نتيجة الوساوس والهواجس. وبالعلم يُمَيَّزُ بين الإلهام وبين الخواطِر الصحيحة وبين الوساوس. (ومما تجب معرفته) أن الشيطان إذا دعا إلى محظورٍ فإن خالَفْتَه يَدَعْ ذلك (ثم) يدعوك إلى معصيةٍ أخرى؛ إذ لا غََرَضَ له إلا الإقامة على دعائك (...) غير مختلفة.

البقلي

تفسير : ام حبيبه صلوت الله وسلامه عليه بالاستعاذة به وبين ان مربى الناس مزين أدم وذريته بزينة انوار صفاته.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل اعوذ برب الناس} اى مالك امورهم ومربيهم بافاضة ما يصلحهم ودفع ما يضرهم قال القاشانى رب الناس هو الذات مع جميع الصفات لان الانسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتب الوجود فربه الذى اوجده وافاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع الاسماء الجمالية والجلالية تعوذ بوجهه بعد ما تعوذ بصفاته ولهذا تأخرت هذه الصورة عن المعوذة الاولى اذ فيها تعوذ فى مقام الصفات باسمه الهادى فهداه الى ذاته وفى الحديث حديث : اعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منكتفسير : ابتدأ بالتعوذ بالرضى الذى هو من الصفات لقرب الصفات من الذات ثم استعاذ بالمعافاة التى هى من صفات الافعال ثم لما ازداد يقينا ترك الصفات فقال واعوذ بك منك قاصرا نظره على الذات وابتدأ بعض العلماء فى ذكر هذا الحديث بتقديم الاستعاذة بالمعافاة على التعوذ بالرضى للترقى من الادنى الذى هو من صفات الافعال الى الاعلى الذى هو صفات الذات قال بعضهم من بقى له التفات الى غير الله استعاذ بافعال الله وصفاته فاما من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يستعذ الا بالله ولم يلتجئ الا الى الله والنبى عليه السلام لما ترقى عن هذا المقام وهو المقام الاول قال اعوذ بك منك. يقول الفقير ففى الالتجاء الى الله فى هذه السورة دلالة على ختم الامر فان الله تعالى هو الاول الآخر واليه يرجع الامر كله وان الى ربك المنتهى وفيه اشارة الى نسيان العهد السابق الواقع يوم الميثاق فان الانسان لو لم ينسه لما احتاج الى العود والرجوع بل كان فى كنف الله تعالى دآئما.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل أعوذُ بربِّ الناس} مربّيهم ومُصلحهم، {مَلِكِ الناس} مالكهم ومدبر أمورهم. وهو عطف بيان جيء به لبيان أنَّ تربيته تعالى ليست بطريق تربية سائر المُلاك لِما تحت أيديهم من ممالكهم، بل بطريق المُلك الكامل، والتصرُّف التام، والسلطان القاهر. وكذا قوله تعالى: {إِلهِ الناس} فإنه لبيان أنَّ مُلكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم، والقيام بتدبير أمور سياستهم، والمتولِّي لترتيب مبادىء حِفظهم وحمايتهم، كما هو قصارى أمر الملوك، بل هو بطريق العبودية، المؤسَّسة على الألوهية، المقتضية للقدرة التامة على التصرُّف الكلي فيهم، إحياءً وإماتةً، وإيجاداً وإعداماً. وتخصيص الإضافة إلى الناس مع انتظام جميع العالَمين في سلك ربوبيته تعالى وملكوته وألوهيته للإرشاد إلى مناهج الاستعاذة المرضية عنده تعالى، الحقيقة بالإعاذة، فإنَّ توسل العبد بربه، وانتسابه إليه تعالى بالمربوبية والملكية والمعبودية، في ضمن جنس هو فرد من أفراده، من دواعي الرحمة والرأفة. أمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا محالة، ولأنَّ المستعاذ منه شر الشيطان، المعروف بعداوتهم، مع التنصيص على انتظامه في سلك عبوديته تعالى وملكوته، رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان وتسلُّطه عليهم، حسبما ينطق به قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الإسراء:65] فمَن جعل مدارَ تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة من المضار المختصة بالنفوس البشرية فقد قصر في توفية المقام حقه. وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف. قاله أبو السعود. والآية من باب الترقِّي، وذلك أنَّ الرب قد يُطلق على كثير من الناس، فتقول: فلان رب الدار، وشبه ذلك، فبدأ به لاشتراك معناه, وأمَّا المَلك فلا يُوصف به إلاَّ آحاد من الناس، وهم الملوك، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس، فلذلك جيء به بعد الرب، وأمَّا الإله فهوأعلى من المَلك، ولذلك لا يَدَّعي الملوكُ أنهم آلهة، وإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير قاله ابن جزي. {من شَرَّ الوسواس} أي: الموسوس، فالوسواس مصدر، كالزلزال، بمعنى اسم الفاعل، أو سمي به الشيطان مبالغةً، كأنه نفس الوسوسة، و {الخناس} الذي عادته أن يخنس، أي: يتأخر عند ذكر الإنسان ربَّه، {الذي يُوَسْوِسُ في صدور الناس} إذا غفلوا عن ذكر الله، ولم يقل: في قلوب الناس؛ لأنَّ الشيطان محله الصدور، ويمدّ منقاره إلى القلب، وأمّا القلب فهو بيت الرب، وهو محل الإيمان، فلا يتمكن منه كل التمكُّن، وإنما يحوم في الصدر حول القلب، فلو تمكّن منه لأفسد على الناس كلهم إيمانهم. قال ابن جزي: وسوسة الشيطان بأنواع كثيرة، منها: فساد الإيمان والتشكيك في العقائد، فإن لم يقدر على ذلك ثبّطه عن الطاعات، فإن لم يقدر على ذلك أدخل الرياء في الطاعات ليُحبطها، فإن سَلِمَ من ذلك أدخل عليه العجب بنفسه، واستكثار عمله، ومن ذلك: أنه يُوقد في القلب نار الحسد والحقد والغضب، حتى يقود الإنسان إلى سوء الأعمال وأقبح الأحوال. وعلاج وسوسته بثلاثة أشياء، وهي: الإكثار من ذكر الله, والإكثار من الاستعاذة منه، ومن أنفع شيءٍ في ذلك: قراءة سورة الناس. هـ. قلت: لا يقلع الوسوسة من القلب بالكلية إلاّ صُحبة العارفين، أهل التربية، حتى يُدخلوه مقامَ الفناء، وإلاَّ فالخواطر لا تنقطع عن العبد. ثم بَيّن الموسوِس بقوله: {مِن الجِنة} أي: الجن {والناس} ووسواس النار أعظم؛ لأنَّ وسواس الجن يذهب بالتعوُّذ، بخلاف وسوسة الناس، والمراد بوسوسة الناس: ما يُدخلون عليك من الشُبه في الدين, وخوض في الباطن، أو سوء اعتقاد في الناس، أو غير ذلك. قال ابن جزي: فإن قلت: لِمَ ختم القرآن بالمعوذتين، وما الحكمة في ذلك؟ فالجواب من ثلاثة أوجه، الأول: قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لمَّا كان القرأنُ من أعظم نِعم الله على عباده، والنعمة مظنة الحسد، ختم بما يُطفىء الحسد، من الاستعاذة بالله. الثاني: يَظهر لي أنَّ المعوذتين ختم بهما لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهما: "حديث : أنزلت علي آيات لم يُر مثلهن قط " تفسير : كما قال في فاتحة الكتاب: "حديث : لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها "تفسير : فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها، واختتم بسورتين لم يرَ مثلهما, للجمع بين حسن الافتتاح والاختتام. ألا ترى أن الخُطب والرسائل والقصائد، وغير ذلك من أنواع الكلام، يُنظر فيها إلى حسن افتتاحها واختتامها. والوجه الثالث: أنه لمّا أمر القارىء أن يفتح قراءته بالتعوُّذ من الشيطان الرجيم، ختم القرآن بالمعوذتين ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القرآن، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي الابتداء والانتهاء، فيكون القارىء محفوظاً بحفظ الله، الذي استعاذ به مِن أول أمره إلى آخره. هـ. الإشارة: لا يُنجي من الوسوسة بالكلية إلاّ التحقُّق بمقام الفناء الكلي، وتعمير القلب بأنوار التجليات الملكوتية والأسرار الجبروتيه، حتى يمتلىء القلب بالله فحينئذ تنقلب وسوسته في أسرار التوحيد فكرةً ونظرةً وشهوداً للذات الأقدس، كما قال الشاعر: شعر : إن كان للناس وسواس يوسوسهم فأنت والله وسواسي وخناسي تفسير : وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه, وسلّم تسليماً. كَمِل "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" بحول الله وقوته. نسأل الله سبحانه أن يكسوه جلباب القبول, ويُبلغ به كل مَن طالعه, أو حصّله القصدَ والمأمول، بجاه سيد الأولين والآخرين، سيدنا ومولانا محمد، خاتم النبيين وإمام المرسلين. وعُمْدَتنا فيه: تفسير البيضاوي, وأبي السعود، وحاشية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي، وشيء من تفسير ابن جزي والثعلبي والقشيري. وكان الفراغ من تبييضه زوال يوم الأحد، سادس ربيع النبوي، عام واحد وعشرين ومائتين وألف، على يد جامعه, العبد الضعيف، الفقير إلى مولاه, أحمد بن محمد بن عجيبة الحَسَنِي، لطف الله به في الدارين. آمين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الطوسي

تفسير : كان الكسائي فى رواية أبي عمير يميل {الناس} لكسرة السين، وهو حسن الباقون يتركون الامالة، وهو الأصل. هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ويدخل فيه المكلفون، يأمرهم أن يستعيذوا {برب الناس} وخالقهم الذي هو {ملك الناس} ومدبرهم وإلههم {من شر الوسواس} وأن يقولوا هذا القول الذي هو {أعوذ برب الناس...} إلى آخرها و {رب الناس} هو الذي خلقهم ودبرهم على حسب ما اقتضته الحكمة وقوله {ملك الناس} إنما خص بأنه ملك الناس مع أنه ملك الخلق أجمعين لبيان أن مدبر جميع الناس قادر أن يعيذهم من شر ما استعاذوا منه مع أنه أحق بالتعظيم من ملوك الناس. والفرق بين {ملك} و {مالك} حتى جازا جميعا فى فاتحة الكتاب ولم يجز - ها هنا - إلا ملك، لأن صفة ملك تدل على تدبير من يشعر بالتدبير، وليس كذلك مالك، لأنه يجوز أن يقال: مالك الثوب، ولا يجوز ملك الثوب، ويجوز أن يقال: ملك الروم، ولا يجوز مالك الروم، فجرت - في فاتحة الكتاب - على معنى الملك فى يوم الجزاء، ومالك الجزاء، وجرت فى سورة الناس على {ملك} تدبير من يعقل التدبير، فكأن هذا أحسن وأولى. وقوله {إله الناس} معناه أنه الذي يجب على الناس أن يعبدوه، لأنه الذي تحق له العبادة دون غيره {من شر الوسواس} حديث النفس بما هو كالصوت الخفي وأصله الصوت الخفي من قول الاعشى: شعر : تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل تفسير : وقال روبة: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سراً وقد أوّن تأوين العقق تفسير : والوسوسة كالهمهمة ومنه قولهم: فلان موسوس إذا غلبت عليه الوسوسة لما يعتريه من المرة. وسوس يوسوس وسواساً ووسوسة وتوسوس توسوساً. وفى معنى قوله {من شر الوسواس} ثلاثة أقوال: احدها - من شر الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، فأمر بالتعوذ من شر الجن والانس. الثاني - من شر ذي الوسواس وهو الشيطان، كما قال في الاثر: انه يوسوس فاذا ذكر العبد ربه خنس، فيكون قوله {من الجنة والناس} بيان انه منهم، كما قال {أية : إلا ابليس كان من الجن} تفسير : فأما {والناس} فعطف عليه كأنه قيل من الشيطان الذي هذه صفته والناس الذين هذه صفتهم. الثالث - من شر ذي الوسواس الخناس على العموم، ثم يفسر بقوله - عز وجل - من {الجنة والناس} كما يقال: نعوذ بالله من كل مارد: من الجن والانس وقوله {الخناس} معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور، خنس يخنس خنوساً، ومنه قوله {أية : فلا أقسم بالخنس}تفسير : أي بالنجوم التي تخفى بعدما تظهر بتصريف الحكيم الذي أجراها على حق حسن التدبير، ومنه الخنس في الانف لخفائه بانخفاضه عندما يظهر بنتوئه. قال مجاهد: إذا ذكر العبد ربه خنس، فاذا غفل وسوس اليه وقوله {الذي يوسوس في صدور الناس} قيل: ان الشيطان يعتري الانسان بكلام خفي بفعله يصل مفهومه إلى قلبه من غير سماع صوته، كانسان يتكلم من وراء حجاب بكلام يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع الصوت، وهذه حالة معقولة تقع عليها الوسوسة وأما الانسان فانما يوسوس غيره بأن يدعوه إلى الفساد ويحسن ذلك ويغويه به ويسوفه التوبة ويمنيه العفو. وقوله {من الجنة والناس} بيان لمن يكون منه الوسوسة وقد بين الله تعالى أنه يكون من قبيل الجن ومن قبيل الانس. والناس أصله من الاناس، فحذفت الهمزة التي هي فاء ويدل على ذلك الانس والاناس. واما في تحقيره نويس، فان الالف لما كانت ثانية زائدة اشبهت الف فاعل فلما قلبت واواً شبهة بألف فاعل كذلك جازت الامالة في المواضع التي اميل الاسم فيها لذلك، ومن سأل عن قوله {قل أعوذ برب. وقل يا أيها الكافرون. وسبح اسم ربك} وما اشبه ذلك من الاوامر المتوجهة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: كيف جاز من النبي صلى الله عليه وآله أن يقول: قل للأمة؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يقول الانسان لغلامه قل لزيد كذا فيقول غلامه لزيد: قل كذا. وهذا خلاف الغرض. قلنا عنه جوابان: احدهما - ان الامر وإن كان متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله فالمراد به أمته معه، فكانه خاطب الجميع بان يقولوا ذلك وأن يسبحوا وغير ذلك، فلا سؤال على هذا. والثاني - ان الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يفعل الذي أمره وامره أيضاً بتلاوة كلامه، فلما كان قوله {قل، وسبح} من كلام الله وجب عليه أن يتلوه على وجهه ولو كان مأموراً بالفعل دون التلاوة لما وجب أن يأتي بلفظة {قل} في هذه المواضع كلها وجميع أي القرآن في البصري ست آلاف ومئتان وأربع آيات. وفي المدني الاول ست آلاف ومئتان وسبع عشرة آية. وفي الكوفي ست آلاف ومئتان وست وثلاثون آية. وفي المدني الاخير ست آلاف ومئتان واربع عشرة آية. وجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة لا خلاف في ذلك. وبالمدينة تسع وعشرون سورة لا خلاف في ذلك. فذلك مئة وأربع عشرة سورة. وعلى ما رويناه على أصحابنا وعن جماعة متقدمين مئة واثنتا عشرة سورة. وعدد جميع كلمات القرآن تسع وسبعون ألفاً ومئتان وسبع وسبعون كلمة. ويقال سبع وثمانون كلمة. ويقال تسع وثلاثون كلمة. وجميع حروفه ثلثمائة الف حرف وثلاثة وعشرون الفاً وخمسة عشر الفاً. وعدد نقطه مئة الف وست وخمسون الفاً وإحدي وثمانون نقطة.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} لمّا كان الله تعالى شأنه امر نبيّه (ص) بالاستعاذة من الوسواس الصّادر من شياطين الجنّ والانس، وكان ذلك الوسواس لا يتعلّق بغير الانسان النّاسى لذكر الله اضاف الرّبّ الى النّاس وعبّر بالنّاس للاشارة الى انّ ذلك الوسواس لا يكون الاّ للنّاسى، وربّ النّاس هو ربّ الارباب لكن باسمه المحيط بكلّ الاسماء المسخّر لكلّ الارباب وهو ربّ النّوع النّوع الانسانىّ، وهو المعبّر عنه بالرّوح وهو اعظم من جبرئيل وميكائيل ولم يكن مع احدٍ من الانبياء (ع) وكان مع محمّد (ص) ومرتبته فوق الامكان وتحت الوجوب وهى مقام علويّة علىٍّ (ع) والمعنى يا محمّد (ص) اخبر عن استعاذتك بالله وانشئها بلسان قالك وبلسان حالك، ولمّا كان استعاذتك من شرّ الوسواس وليس يظهر ذلك الاّ فى مظهر النّاس سواء كان بلسان النّاس او بلسان الجنّ فى صدر النّاس كان ينبغى لك الاستعاذة بربّ النّاس مخصوصاً بخلاف استعاذتك فى السّورة السّابقة، ولمّا كان يظهر اوّل الامر آثار ربوبيّته للسّالك بالتّنقيص والتّكميل والخذلان والجبران بالغفران امر نبيّه (ص) بان يعبّر عنه اوّلاً بعنوان الرّبوبيّة وابدل عنه قوله {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} اشعاراً بانّه تعالى فى ثانى الاحوال يظهر على السّالك ملكيّته ومالكيّته لكلّ الاشياء، وذلك بعد الفناء التّامّ والتّقوى التّامّة وابدل عنه آخراً قوله {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} للاشارة الى انّه تعالى بعد فناء العبد وبقائه بعد الفناء يصير معبوداً للعبد، وامّا قبل ذلك فمعبوده يكون اسماً من اسمائه واظهر النّاس مع انّ المقام كان مقام الاضمار اشعاراً بذمّه على نسيانه بفطرته مع انّه لا ينبغى ان يكون ناسياً لربّه الموصوف بتلك الاوصاف الثّلاثة.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا أبو الخير المقداد بن علي الحجازي المدني قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان العلوي الحسني قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثني [ب: ثنا] جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي قال: حدثنا محمد بن مروان! عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {قل أعوذ برب الناس} يقول: يا محمد قل أعوذ برب الناس (يعني بخالق) [ر، أ: فخالق] الناس {ملك الناس إله الناس} لا شريك له ومعه {من شر الوسواس} يعني الشيطان {الخناس} يقول: يوسوس على قلب ابن آدم فإذا ذكر [أ: ركن] ابن آدم الله [أ: لله] خنس من [أ: في] قلبه فذهب ثم قال {الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس} يدخلون في صور الجن فيوسوسون [أ، ر: فيوسوس] على قلبه كما يوسوس على قلب ابن آدم ويدخل من الجني كما يدخل من الإنسي وهاتان السورتان نزلتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سحر وأمر أن يتعوذ بهما. صدق الله العلي العظيم وصدق رسوله النبي الكريم ونحن على ذلك من الشاهدين ولآلاء ربنا حامدين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير خلقه وآله وآهل بيته وعترته وذريته أجمعين

الأعقم

تفسير : {قل} يا محمد امتنع واعتصم {برب الناس} خالقهم ومدبرهم {ملك الناس اله الناس}، قيل: الذي تحق له العبادة، وقيل المدبر للخلق على وجه الحكمة {من شر الوسواس} وهو الشيطان كما جاء في الخبر أنه يوسوس فإذا ذكر العبد ربه خنس، وقيل: الوسواس بكثرة الوسوسة عن أبي علي وهو من الجنة، والناس الذي يوسوس فاذا ذكر الله خنس أي هرب واختفى، وقيل: الشيطان صياد حاذق والدنيا له والمكلف صيد عاقل، فمن اجتهد نجا من الهلكة والاسقام والا وقع في الشبكة فهذا وصفه بالخناس مبالغة في الزجر والتحذير، وقوله: {الذي يوسوس في صدور الناس} أي يدعوهم الى المعاصي {من الجنّة والناس} يعني الوسواس يكون من الجنة والناس قال جار الله: في قوله تعالى: {من الجنة والناس} بيان الذي يوسوس على أن الشيطان ضربان جني وانسي كما قال تعالى: {أية : الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا} تفسير : [الأنعام: 112] وتدل الآية على ان التحذير من شياطين الجن والانس واجب لكن من الجن يجب أن يكون أشد لأنه لا يرى، وكذلك اليهود في أمر الدين والدنيا، ومن الفريقين الجن والانس، قيل: حد فيه رؤساء الضلال وعلماء السوء وأهل البدع إذ لا ضرر أعظم من ضررهم، ومتى قيل: كيف يوسوس الجن في الصدر؟ قلنا: يكلمه بكلام خفي حتى يصل الى قلبه، وقيل: له إلَهٌ وطريق الى توصل الكلام الى قلبه، فأما من يقول يدخل القلب إذ له خرطوم فبعيد، وروي من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من سورة الحشر وكّل الله به سبعون ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي فذلك، وفيه من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق، لم يضرّه شيء حتى يرتحل منه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الناس، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} ذكر بعضهم قال: إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس. قال تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به رجل ومعه امرأة من نسائه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا فلان، هذه فلانة. فقال الرجل: يا رسول الله، أفأظن بك هذا؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم . تفسير : قوله عز وجل: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} أي: من شر شياطين الجن والإِنس. ذكروا أن أبا ذر قام إلى الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا أبا ذر، تعوّذ من شياطين الجن والإِنس. فقال أبو ذر: يا رسول الله، أو للإِنس شياطين كشياطين الجن؟ قال: نعم تفسير : . قال بعضهم: بلغنا أن الشياطين توسوس إلى الجن من غير الشياطين كما توسوس إلى الناس.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وقرأ غير ورش بدون النقل والحذف بأن سكن اللام وفتح الهمزة وإنما ضيف الرب الى عام في سورة الفلق وهو ما خلق وأضيف هنا لي خاص وهو الناس لأن الإستعاذة هنا من الأضرار التي تعرض لنفوس الناس وفي سورة الفلق من الأضرار التي تعرض للأبدان وتصدر من الناس وغيرهم وربهم مالك أمورهم ومستحق عبادتهم وقيل خص الناس لأنهم أشرف.

اطفيش

تفسير : مالكهم ومالك أُمورهم فهو الذى تولى إفاضة النعم عليهم وإذهاب المضرات لأن المالك يقوم بأمر عبده.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ } وقرىء في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام كما قرىء {أية : فَخُذْ أَرْبَعَةً}تفسير : [البقرة: 260] {بِرَبّ ٱلنَّاسِ } أي مالك أمورهم ومربيهم بإفاضة ما يصلحهم ودفع ما يضرهم وأمال (الناس) هنا أبو عمرو والدوري عن الكسائي وكذا في كل موضع وقع فيه مجروراً.

سيد قطب

تفسير : الاستعاذة في هذه السورة برب الناس، ملك الناس، إله الناس. والمستعاذ منه هو: شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس. والاستعاذة بالرب، الملك، الإله، تستحضر من صفات الله ـ سبحانه ـ ما به يدفع الشر عامة، وشر الوسواس الخناس خاصة. فالرب هو المربي والموجه والراعي والحامي. والملك هو المالك الحاكم المتصرف. والإله هو المستعلي المستولي المتسلط.. وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتدسس إلى الصدور.. وهي لا تعرف كيف تدفعه لأنه مستور. والله رب كل شيء، وملك كل شيء، وإله كل شيء. ولكن تخصيص ذكر الناس هنا يجعلهم يحسون بالقربى في موقف العياذ والاحتماء. والله ـ برحمة منه ـ يوجه رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته إلى العياذ به والالتجاء إليه، مع استحضار معاني صفاته هذه، من شر خفي الدبيب، لا قبل لهم بدفعه إلا بعون من الرب الملك الإله. فهو يأخذهم من حيث لا يشعرون، ويأتيهم من حيث لا يحتسبون. والوسوسة: الصوت الخفي. والخنوس: الاختباء والرجوع. والخناس هو الذي من طبعه كثرة الخنوس. وقد أطلق النص الصفة أولاً: {الوسواس الخناس}.. وحدد عمله: {الذي يوسوس في صدور الناس}. ثم حدد ماهيته: {من الجنة والناس}.. وهذا الترتيب يثير في الحس اليقظة والتلفت والانتباه لتبين حقيقة الوسواس الخناس، بعد إطلاق صفته في أول الكلام؛ ولإدراك طريقة فعله التي يتحقق بها شره، تأهبا لدفعه أو مراقبته! والنفس حين تعرف ـ بعد هذا التشويق والإيقاظ ـ أن الوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس خفية وسراً، وأنه هو الجنة الخافية، وهو كذلك الناس الذين يتدسسون إلى الصدور تدسس الجنة، ويوسوسون وسوسة الشياطين.. النفس حين تعرف هذا تتأهب للدفاع، وقد عرفت المكمن والمدخل والطريق! ووسوسة الجنة نحن لا ندري كيف تتم، ولكنا نجد آثارها في واقع النفوس وواقع الحياة. ونعرف أن المعركة بين آدم وإبليس قديمة قديمة؛ وأن الشيطان قد أعلنها حرباً تنبثق من خليقة الشر فيه، ومن كبريائه وحسده وحقده على الإنسان! وأنه قد استصدر بها من الله إذناً، فأذن فيها ـ سبحانه ـ لحكمة يراها! ولم يترك الإنسان فيها مجرداً من العدة. فقد جعل له من الإيمان جُنة، وجعل له من الذكر عدة، وجعل له من الاستعاذة سلاحاً.. فإذا أغفل الإنسان جنته وعدته وسلاحه فهو إذن وحده الملوم! عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا غفل وسوس ". تفسير : وأما الناس فنحن نعرف عن وسوستهم الشيء الكثير. ونعرف منها ما هو أشد من وسوسة الشياطين! رفيق السوء الذي يتدسس بالشر إلى قلب رفيقه وعقله من حيث لا يحتسب ومن حيث لا يحترس، لأنه الرفيق المأمون! وحاشية الشر التي توسوس لكل ذي سلطان حتى تتركه طاغية جباراً مفسداً في الأرض، مهلكاً للحرث والنسل! والنمام الواشي الذي يزين الكلام ويزحلقه، حتى يبدو كأنه الحق الصراح الذي لا مرية فيه. وبائع الشهوات الذي يتدسس من منافذ الغريزة في إغراء لا تدفعه إلا يقظة القلب وعون الله. وعشرات من الموسوسين الخناسين الذين ينصبون الأحابيل ويخفونها، ويدخلون بها من منافذ القلوب الخفية التي يعرفونها أو يتحسسونها.. وهم شر من الجنة وأخفى منهم دبيباً! والإنسان عاجز عن دفع الوسوسة الخفية. ومن ثم يدله الله على عدته وجنته وسلاحه في المعركة الرهيبة! وهناك لفتة ذات مغزى في وصف الوسواس بأنه {الخناس}.. فهذه الصفة تدل من جهة على تخفيه واختبائه حتى يجد الفرصة سانحة فيدب ويوسوس. ولكنها من جهة أخرى توحي بضعفه أمام من يستيقظ لمكره، ويحمي مداخل صدره. فهو ـ سواء كان من الجنة أم كان من الناس ـ إذا ووجْه خنس، وعاد من حيث أتى، وقبع واختفى. أو كما قال الرسول الكريم في تمثيله المصور الدقيق: "حديث : فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا غفل وسوس ".. تفسير : وهذه اللفتة تقوي القلب على مواجهة الوسواس. فهو خناس. ضعيف أمام عدة المؤمن في المعركة. ولكنها ـ من ناحية أخرى ـ معركة طويلة لا تنتهي أبداً. فهو أبداً قابع خانس، مترقب للغفلة. واليقظة مرة لا تغني عن اليقظات.. والحرب سجال إلى يوم القيامة؛ كما صورها القرآن الكريم في مواضع شتى، ومنها هذه الصورة العجيبة في سورة الإسراء: {أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس، قال: أأسجد لمن خلقت طيناً؟ قال: أرأيتك هـذا الذي كرّمتَ علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريته إلا قليلاً. قال: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفوراً. واستفزِزْ من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. وكفى بربك وكيلا }.. تفسير : وهذا التصوُّر لطبيعة المعركة ودوافع الشر فيها ـ سواء عن طريق الشيطان مباشرة أو عن طريق عملائه من البشر ـ من شأنه أن يشعر الإنسان أنه ليس مغلوباً على أمره فيها. فإن ربه وملكه وإلهه مسيطر على الخلق كله. وإذا كان قد أذن لإبليس بالحرب، فهو آخذ بناصيته. وهو لم يسلطه إلا على الذين يغفلون عن ربهم وملكهم وإلههم. فأما من يذكرونه فهم في نجوة من الشر ودواعيه الخفية. فالخير إذن يستند إلى القوة التي لا قوة سواها، وإلى الحقيقة التي لا حقيقة غيرها. يستند إلى الرب الملك الإله. والشر يستند إلى وسواس خناس، يضعف عن المواجهة، ويخنس عند اللقاء، وينهزم أمام العياذ بالله.. وهذا أكمل تصور للحقيقة القائمة عن الخير والشر. كما أنه أفضل تصور يحمي القلب من الهزيمة، ويفعمه بالقوة والثقة والطمأنينة.. والحمد لله أولاً وأخيراً. وبه الثقة والتوفيق.. وهو المستعان المعين..

ابن عاشور

تفسير : شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوُّذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس، وسورة الناس تعوّذ من شرور مخلوقات خفيّة وهي الشياطين. والقول في الأمر بالقول، وفي المقول، وفي أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود شموله أمته، كالقول في نظيره من سورة الفلق سواء. وعُرِّف {رب} بإضافته إلى {الناس} دون غيرهم من المربوبين لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيَضِلُّون ويُضلون، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس، فناسب أن يُستحضر المستعاذُ إليه بعنوان أنه رب من يُلْقون الشر ومن يُلْقَى إليهم ليصرف هؤلاء ويدفع عن الآخرين كما يقال لمَولى العبد: يا مولَى فلان كُف عني عبدك. وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيباً مدرَّجاً فإن الله خالقهم، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شؤونهم، ثم زيد بياناً بوصف إلٰهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضاً وحاكمية بعضهم في بعض. وفي هذا الترتيب إشعار أيضاً بمراتب النظر في معرفة الله تعالى فإن الناظر يعلم بادىء ذي بدء بأن له رباً يسبب ما يشعُر به من وجود نفسه، ونعمة تركيبه، ثم يتغلغل في النظر فيَشعر بأن ربه هو المَلِكُ الحقُّ الغني عن الخلق، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إلٰه الناس كلهم. و{ملك الناس} عطف بيان من {رب الناس} وكذلك {إله الناس} فتكرير لفظ {الناس} دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإِظهار ليكون الاسم المبيِّن (بكسر الياء) مستقلاً بنفسه لأن عطف البيان بمنزلة علَم للاسم المبيَّن (بالفتح). و{الناس}: اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق. و{الوسواس}: المتكلم بالوسوسة، وهي الكلام الخفيّ، قال رُؤبة يصف صائداً في قُتْرتِه: شعر : وَسْوَسَ يَدْعُو مُخلصاً ربَّ الفَلَقْ تفسير : فالوسواس اسم فاعل ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازاً على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه قال عُروة بن أذينة: شعر : وإذا وجَدْت لها وسَاوِسَ سَلوَةٍ شفَع الفؤادُ إلى الضمير فسَلَّها تفسير : والتعريف في {الوسواس} تعريف الجنس وإطلاق {الوسواس} على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفُس الناس الخواطر الشريرة، قال تعالى: { أية : فوسوس إليه الشيطان } تفسير : [طه: 120]، ويشمل الوسواسُ كل من يتكلم كلاماً خفياً من الناس وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراءٍ بالضلال والإِعراض عن الهدى، لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سِراً لئلا يطلع عليها من يريدون الإِيقاعَ به، وهم الذين يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر ويغرون الناس بأذِيَّتِهِ. و{الخناس}: الشديد الخنْس والكثيرُه. والمراد أنه صار عادة له. والخنس والخنوس: الاختفاء. والشيطان يلقب بــــ {الخناس} لأنه يتصل بعقل الإِنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنَّه خنس فيه، وأهل المكر والكيد والتختل خنّاسون لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم. فالتعريف في {الخناس} على وزانِ تعريف موصوفه، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللّوامة، أو يزَعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها، فكأنَّ الشيطان يبدو له ثم يختفي، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور. ووُصِفَ {الوسواس الخناس} بــــ {الذي يوسوس في صدور الناس} لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها، وذلك بأن بُيِّنَ أنَّ مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم فعبّر بها عن الإِحساس النفسي كما قال تعالى: { أية : ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } تفسير : [الحج: 46] وقال تعالى: { أية : إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } تفسير : [غافر: 56]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : الإثم ما حاك في الصدر وتردَّد في القلب »تفسير : ، فغاية الوسواس من وسوسته بثّها في نفس المغرور والمشبوكِ في فخّه، فوسوسة الشياطين اتصالاتُ جاذبيه النفوس نحو دَاعية الشياطين. وقد قرَّبها النبي صلى الله عليه وسلم في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها: «أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإِنسان» وشبهها مرة بالنفث، ومرة بالإِبْسَاس. وفي الحديث: « حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما » تفسير : . وإطلاق فعل {يوسوس} على هذا العمل الشيطاني مجاز إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإِنسان. وأما إطلاقه على تسويل الإِنسان لغيره عملَ السوء فهو حقيقة. وتعلّق المجرور من قوله: {في صدور الناس} بفعل {يوسوس} بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كلِّ من فعل {يوسوس} ومتعلِّقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز. و{مِن} في قوله: {من الجنة والناس} بيانية بينَتْ {الذي يوسوس في صدور الناس} بأنه جنس ينحلّ باعتبار إرادة حقيقته، ومجازه إلى صنفين: صنف من الجنّة وهو أصله، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول، وجمَع الله هذين الصنفين في قوله: { أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً } تفسير : [الأنعام: 112]. ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاءُ ما ينجرّ من وسوسة نوع الإِنسان، لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطراً وهم بالتعوذ منهم أجدر، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر. ولا يستقيم أن يكون {من} بياناً للناس إذ لا يطلق اسم {الناس} على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبْعَدَ. وقُدم {الجنة} على {الناس} هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن } تفسير : [الأنعام: 112] لأن خُبثاء الناس أشد مُخالطة للأنبياء من الشياطين، لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم قال تعالى: { أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } تفسير : [الحجر: 42] فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه فزكّى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره، قال تعالى: { أية : وإذْ يمكر بك الذين كفروا ليُثبِتُوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } تفسير : [الأنفال: 30] ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله. والجنة: اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن، فالجني الواحد من نوع الجن كما يقال: إنسيّ للواحد من الإِنس. وتكرير كلمة {الناس} في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهارٌ في مقام الإِضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى ومِلكه وإلٰهيته للناس كلهم كقوله تعالى: { أية : يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } تفسير : [آل عمران: 78]. وأما تكريره المرة الثالثة بقوله: {في صدور الناس} فهو إظهار لأجل بُعد المعاد. وأما تكريره المرة الرابعة بقوله: {من الجنة والناس} فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس، وذلك غير ما صَدْق كلمة {الناس} في المرّات السابقة. والله يكفينا شر الفريقين، وينفعنا بصالح الثقلين. تم تفسير «سورة الناس» وبه تم تفسير القرآن العظيم. يقول محمد الطاهر ابن عاشور: قد وفيتُ بما نويت، وحقق الله ما ارتجيتُ فجئتُ بما سمح به الجُهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته، مما اقتَبس الذهنُ من أقوال الأيمة، واقتدح من زَنْد لإِنارة الفكر وإلهاب الهمّة، وقد جئتُ بما أرجو أن أكون وُفِّقْتُ فيه للإِبانة عن حقائقَ مغفولٍ عنها، ودقائق ربما جَلَتْ وجوهاً ولم تَجْلُ كُنْهاً، فإن هذا مَنَال لا يبلغ العقلُ البشري إلى تمامه، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاءُ دون مَرامِهْ. وإن كلام رب الناس، حقيق بأن يُخدم سَعياً على الرأس، وما أدَّى هذا الحقَّ إلاّ قلَم المفسر يسعَى على القرطاس، وإن قلمي طالما استَنَّ بشوط فسيح، وكم زُجر عند الكَلاَلِ والإِعْيَاءِ زَجْر المَنيح، وإذ قد أتى على التمام فقد حَقَّ له أن يستريح.

الشنقيطي

تفسير : تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الإحالة على هذه السورة عند كلامه على قوله تعالى: {أية : أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} تفسير : [هود: 2]، في سورة هود، فقال على تلك الآية: فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها هي أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك في عبادته شيء. وساق الآيات المماثلة لها ثم قال: وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنقضي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة الناس، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى اهـ. وإن في هذه الإحالة منه رحمة الله تعالى علينا وعليه لتنبهاً على المعاني التي اشتملتها هذه السورة الكريمة، وتوجيهاً لمراعاة تلك الخاتمة. كما أن في تلك الإحالة تحميل مسؤولية الاستقصاء حيث لم يكتف بما قدمه في سورة الفاتحة، ولا فيما قدمه في سورة هود، وجعل الاستقصاء في هذه السورة، ومعنى الاستقصاء: الاستيعاب إلى أقصى حد. وما أظن أحداً يستطيع استقصاء ما يريده غيره، ولا سيما ما كان يريده الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه وما يستطيعه هو. ولكن على ما قدمنا في البداية: أنه جهد المقل ووسع الطاقة. فنستعين الله ونستهديه مسترشدين بما قدمه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في سورتي الفاتحة وهود، ثم نورد وجهة نظر في السورتين معاً الفلق والناس، ثم منهما وفي نسق المصحف الشريف، آمل من الله تعالى وراج توفيقه ومعونته. أما الإحالة فالذي يظهر أن موجبها هو أنه في هذه السورة الكريمة اجتمعت ثلاث صفات لله تعالى من صفات العظمة والكمال: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، ولكأنها لأول وهلة تشير إلى الرب الملك هو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وحده. ولعله ما يرشد إليه مضمون سورة الإخلاص قبلها: هو الله أحد، الله الصمد، وهذا هو منطق العقل والقول الحق، لأن مقتضى الملك يستلزم العبودية، والعبودية تستلزم التأليه والتوحيد في الألوهية، لأن العبد المملوك تجب عليه الطاعة والسمع لمالكه بمجرد الملك، وإن كان مالكه عبداً مثله، فكيف بالعبد المملوك لربه وإلهه، وكيف بالمالك الإله الواحد الأحد الفرد الصمد؟ وقد جاءت تلك الصفات الثلاث: الرب الملك الإله، في أول افتتاحية أول المصحف: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 2-4]، والقراءة الأخرى {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}. وفي أول سورة البقرة اول نداء يوجه للناس بعبادة الله تعالى وحده، لأنه ربهم مع بيان الموجبات لذلك في قوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [البقرة: 21]. ثم بين الموجب لذلك بقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 21]. وقوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 22]. وهذا كله من آثار الربوبية واستحقاقه تعالى على خلقه العبادة، ثم بين موجب إفراده وحده بذلك بقوله: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:22]. أي كما أنه لا ندَّ له في الخلق ولا في الرزق ولا في شيء مما ذكر، فلا تجعلوا لله أنداداً أيضاً في عبادة، وأنتم تعلمون حقيقة ذلك. وعبادته تعالى وحده ونفى الأنداد، هو ما قال عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً. فالإثبات في قوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 36]. والنفي في قوله: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} تفسير : [البقرة: 22]. وكون الربوبية تستوجب العبادة، جاء صريحاً في قوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. فالموصول وصلته في معنى التعليل لموجب العبادة، وسيأتي لذلك زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في نهاية السورة. وقد جاء هنا لفظ {بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}، بإضافة الرب إلى الناس، بما يشعر بالاختصاص، مع أنه سبحانه رب العالمين ورب كل شيء، كما في أول الفاتحة: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2]. وفي قوله: {أية : قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 164]. فالإضافة هنا إلى بعض أفراد العام. وقد أضيف إلى بعض أفراد أخرى كالسماوات والأرض وغيرها من بعض كل شيء، كقوله: {أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ} تفسير : [الرعد: 16]. وقوله: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9]. وإلى البيت {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} تفسير : [قريش: 3]. وإلى البلد الحرام {أية : إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ ٱلْبَلْدَةِ} تفسير : [النمل: 91]. وإلى العرش {أية : رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 116]. وإلى الرسول {أية : ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [الأنعام: 106]. وقوله: {أية : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} تفسير : [المدثر: 3]، إلى غير ذلك. ولكن يلاحظ أنه مع كل إضافة من ذلك ما يفيد العموم، وأنه مع إضافته لفرد من أفراد العموم، فهو رب العالمين، ورب كل شيء، ففي إضافته إلى السماوات والأرض جاء معها {أية : قُلِ ٱللَّهُ} تفسير : [الرعد: 16]. وفي الإضافة إلى المشرق والمغرب جاء {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9]. وفي الإضافة إلى البيت جاء {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4] وهو الله سبحانه. وفي الإضافة إلى البلدة جاء {أية : ٱلَّذِي حَرَّمَهَا} تفسير : [النمل: 91]، وهو الله تعالى. وفي الإضافة إلى العرش جاء قوله تعالى: {أية : فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ} تفسير : [المؤمنون: 116]. وفي الإضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جاء قوله: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} تفسير : [الضحى: 3]، وغير ذلك من الإضافة، إلى أي فرد من أفراد العموم يأتي معها ما يفيد العموم، وأن الله رب العالمين. وهنا رب الناس جاء معها {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 2-3]، ليفيد العموم أيضاً. لأن إطلاق الرب قد يشارك فيه السيد المطاع، كما في قوله: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31]. وقول يوسف لصاحبه في السجن: {أية : ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} تفسير : [يوسف: 42]، أي الملك على أظهر الأقوال، وقوله: {أية : ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} تفسير : [يوسف: 50] الآية. فجاء بالملك والإله للدلالة على العموم، في معنى رب الناس، فهو سبحانه رب العالمين ورب كل شيء، ولكن إضافته هنا إلى خصوص الناس إشعار بمزيد اختصاص، ورعاية الرب سبحانه لعبده الذي دعاه إليه ليستعيذ به من عدوه، كما أن فيه تقوية رجاء العبد في ربه بأنه سبحانه بربوبيته سيحمي عبده لعبوديته ويعيذه مما استعاذ به منه. ويقوي هذا الاختصاص إضافة الرب للرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أطواره منذ البدأين: بدأ الخلقة وبدأ الوحي، في قوله: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} تفسير : [العلق: 1-2]، ثم في نشأته {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 3] - إلى قوله {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ} تفسير : [الضحى: 6-8]. وجعل الرغبة إليه في السورة بعدها {أية : وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ} تفسير : [الشرح: 8]، بعد تعداد النعم عليه من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، ثم في المنتهى قوله: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 8]. قوله تعالى: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ}، في مجيء ملك الناس بعد رب الناس، تدرج في التنبيه على تلك المعاني العظام، وانتقال بالعباد من مبدإ الإيمان بالرب لما شاهدوه من آثار الربوبية في الخلق والرزق، وجميع تلك الكائنات، كما تقدم في أول نداء وجه إليهم {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 21-22]. كل هذه الآثار التي لمسوها وأقروا بموجبها، بأن الذي أوجدها هو ربهم، ومن ثم ينتقلون إلى الدرجة الثانية، وهي أن ربه الذي هذه أفعاله هو ملكه وهو المتصرف في تلك العوالم، وملك لأمره وجميع شؤونه، ومالك لأمر الدنيا والآخرة جميعاً. فإذا وصل بإقراره إلى هذا الإدراك، أقر له ضرورة له بالألوهية وهي المرتبة النهاية. إله الناس أي مألوههم ومعبودهم وهو ما خلقهم إليه، {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. وفي إضافة الملك إلى الناس من إشعار الاختصاص، مع أنه سبحانه ملك كل شيء، فيه ما في إضافة الرب للناس المتقدم بحثه، فهو سبحانه ملك الملك كما في قوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]. وقوله تعالى: {أية : لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ} تفسير : [التغابن: 1]. وقوله: {أية : لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 107]، وقوله: {أية : ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ} تفسير : [الحشر: 23]. فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالملك لا شريك له في ملكه، كما قال تعالى: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} تفسير : [الإسراء: 111] فبدأ بالحمد أولاً. ومثله قوله: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [يس: 83]، بدأ بتسبيح نفسه وتنزيهه لعموم الملك ومطلق التصرف ونفي الشريك لأن ملكه ملك تصرف وتدبير مع الكمال في الحمد والتقديس. وكقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [الملك: 1]. وبهذه النصوص يعلم كمال ملكه تعالى، ونقص ملك ما سواه من ملوك الدنيا، ونعلم أن ملكهم بتمليك الله تعالى إياهم كما في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 247]. وقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 26]. ومن المعلوم أن ملوك الدنيا ملكهم سياسة ورعاية، لا ملك تملك وتصرف، وكما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 247]. والجدير بالتنبيه عليه بهذه المناسبة أن "بريطانيا" تحترم نظام الملكية إلى هذا الوقت الحاضر، بدافع من هذا المعتقد، وأنه لا ملك إلا بتمليك الله إياه، وأن ملوك الدنيا باصطفاء من الله. والآية تشير إلى ما نحن بصدد بيانه، من أن ملوك الدنيا لا يملكون أمر الرعية لأن طالوت ملكاً، وليس مالكاً لأموالهم. بينما ملك الله تعالى ملك خلق وإيجاد وتصرف كما في قوله تعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. وعليم قدير هنا من خصائصه سبحانه وتعالى، فيتصرف في ملكه بعلم وعن قدرة كاملتين سبحانه، له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير. وتظهر حقيقة ذلك إذا جاء اليوم الحق، فيتلاشى كل ملك قلَّ أو كثر، ويذل كل ملك كبر أو صغر، ولم يبق إلا ملكه تعالى يوم هم بارزون، لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. وفي سورة الفاتحة {أية : مَـلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4]. والقراءة الأخرى {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4]. في القراءتين معاً إشعار بالفرق بين ملك الله وملك العباد، كالفرق بين الملك المطلق والملك النسبي، إذ الملك النسبي لا يملك، والملك المطلق، فهو الملك القدوس، والذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجع الخلائق كلهم. ومن كانت هذه صفاته، فهو المستحق لأن يعبد وحده سبحانه، ولا يشرك معه أحد، وهذا هو شعار العبد في الركن الخامس من أركان الإسلام، حين يهلّ بالتلبية: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. قوله تعالى: {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}. هذه هي المرتبة الثالثة في كمال العبودية، وإفراد الله تعالى بالألوهية. وهذا هو محل الإحالة، التي عناها الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه فيما يظهر، لأن العبد إذا أقر بأن الله تعالى ربه وخالقه، ومنعم عليه أوجده من العدم، ورباه بالنعم، لا رب سواه، ثم تدرج بعلمه ويقينه إلى الإقرار بأن ربه هو مليكه والمتصرف في أمره وحده، وأنه لا يملك هو نفسه مع الله شيئاً، ولا يملك له أحد من الله شيئاً. وأن كل تصرفات العالم كله بأمره فلا يصل إليه خير إلا بإذنه، ولا يصرف عنه ضرر إلا بأمره. وعرف في يقين: أنه عبد مملوك لمن بيده ملكوت السماوات والأرض، توصل بعلمه هذا أن من كانت هذه صفاته، كان هو وحده المستحق لإفراده بالعبادة وبالألوهية، لا إله إلا هو. فيكون في خاتمة المصحف الشريف انتزاع الإقرار من العبد لله سبحانه بطريق الإلزام، بالمعنى الذي أرسل الله به رسله، وأنزل من أجله كتبه، وهو أن يعبد الله وحده، وهو ما صرح الشيخ به في الإحالة السابقة. وإذا كان الشيخ رحمه الله، قد نبه على مراعاة خاتمة المصحف، فإنا لو رجعنا إلى أول المصحف وآخره لوجدنا ربطاً بديعاً، إذ تلك الصفات الثلاث في سورة الناس موجودة في سورة الفاتحة، فاتفقت الخاتمة مع الفاتحة في هذا المعنى العظيم، إذ في الفاتحة الحمد لله رب العالمين، وملك يوم الدين، فجاءت صفة الربوبية والملك والألوهية في لفظ الجلالة. وتكون الخاتمة الشريفة من باب عود على بدء، وأن القرآن كله فيما بين ذلك شرح وبيان لتقدير هذا المعنى الكبير. وسيأتي لذلك زيادة إيضاح في النهاية، إن شاء الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {قل أعوذ برب الناس}. {ملك الناس}. {إله الناس}. {من شرِّ الوسواس} [يعني: ذا الوسواس] وهو الشيطان {الخناس} وهو الذي يخنس ويرجع إذا ذُكر الله، والشَّيطان جاثمٌ على قلب الإِنسان، فإذا ذَكر الله تنحَّى وخنس، وإذا غفل التقم قلبه فحدَّثه ومنَّاه، وهو قوله: {الذي يوسوس في صدور الناس}. {من الجِنَّة} أَيْ: الشيطان الذي هو من الجنِّ {والناس} عطف على قوله: الوسواس. والمعنى: من شرِّ ذي الوسواس ومن شر النَّاس، كأنَّه أُمر أن يستعيذه من شرِّ الجنِّ ومن شر النَّاس.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- قل: أعتصم برب الناس ومدبِّر شئونهم. 2- مالك الناس ملكاً تاماً حاكمين أو محكومين. 3- إله الناس القادر على التصرف الكامل فيهم. 4- من شر الموسوس للناس الذى يمتنع إذا استعنت عليه بالله. 5- الذى يُلقى - فى خفية - فى صدور الناس ما يصرفها عن سبيل الرشاد. 6- من الجن والإنس. &

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أعوذ: أي أتحصن وأستجير. برب الناس: أي خالقهم ومالكهم. ملك الناس: أي سيد الناس ومالكهم وحاكمهم. إله الناس: أي معبود الناس بحق إذ لا معبود سواه. من شر الوسواس: أي من شر الشيطان سمى بالمصدر لكثرة ملابسته له. الخناس: أي الذي يخنس ويتأخر عن القلب عند ذكر الله تعالى. في صدور الناس: أي في قلوبهم إذا غفلوا عن ذكر الله تعالى. من الجنة والناس: أي من شيطان الجن ومن شيطان الإِنس. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} هذه السورة هي إحدى المعوذتين الأولى الفلق وهذه الناس والأولى اشتملت على أربع خصال يستعاذ منها وهي من شر كل ذي شيء من سائر الخلق والثانية من شر ما يحدث في الظلام ظلام الليل أو ظلام القمر إذا غاب والثالثة من شر السواحر النفاثات في العقد والرابعة من شر حاسد إذا حسد وقد اشتملت هذه الأربع على كل ما يخاف لأذاه وضرره أما سورة الناس فإِنها قد اشتملت على شر واحد إلا أنه أخطر من تلك الأربع وذلك لتعلقه بالقلب، والقلب إذا فسد فسد كل شيء وإذا صلح صلح كل شيء ولذا كانت سورة الناس خاصة بالتعوذ من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. فقوله تعالى {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} أمر منه تعالى لرسوله وأمته تابعة له أعوذ أي أتحصن برب الناس أي خالقهم ومالكهم وإلههم الذي لا إله لهم سواه من شر الوسواس الذي هو الشيطان الموسوس في صدور الناس وذلك بصوت خفي لا يسمع فيلقى الشبه في القلب، والمخاوف والظنون السيئة ويزين القبيح ويقبح الحسن وذلك متى غفل المرء عن ذكر الله تعالى، وقوله تعالى {ٱلْخَنَّاسِ} هذا وصف للشيطان من الجن فإِنه إذا ذكر العبد ربه خنس أي استتر وكانه غاب ولم يغب فإِذا غفل العبد عن ذكر الله عاد للوسوسة. وقوله تعالى {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} يعني أن الموسوس للإِنسان كما يكون من الجن يكون من الناس والإِنسان يوسوس بمعنى يعمل عمل الشيطان في تزيين الشر وتحسين القبيح. والقاء الشبه في النفس، وإثارة الهواجس والخواطر بالكلمات الفاسدة والعبارات المضللة حتى إن ضرر الإِنسان على الإِنسان أكبر من ضرر الشيطان على الإِنسان، إذ الشيطان من الجن يطرد بالاستعاذة وشيطان الإِنس لا يطرد بها وإنما يصانع ويُدَارَى للتخلص منه اللهم إنا نعوذ بك من شر كل ذي شر ومن شر الإِنس والجن، فأعذنا ربّنا فإِنه لا يعيذنا إلا أنت ربنا ولك الحمد والشكر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الإِنس والجن. 2- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته عز وجل. 3- بيان لفظ الاستعاذة وهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما بيّنته السنة الصحيحة إذ تلاحى رجلان في الروضة النبوية فقال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : إني أعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه أي الغضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

القطان

تفسير : ربّ الناس: الله عز وجلّ، مربي الناس، وراعي شئونهم. الوسواس: الموسوِس الذي يلقى حديثَ السوء في الأنفس. الخنّاس: الذي يتوارى ويختفي عندما يكون الانسانُ يقظاً مسلَّحاً بالإيمان، ويذكر الله. من الجِنّة: من الجنّ. {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} قل يا محمد، إنني أعتصِم بالله، الخالقِ، مربي الناس وألتجئ إليه. {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} مالك الناس ومدبّر أمورهم، حاكمين ومحكومين، هو يحكمهم جميعاً، ويربّيهم بإفاضة ما يُصْلِحُهم وما يدفع الضررَ عنهم. {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} هو معبودُهم الذي لا ربَّ لهم سواه، القادرُ على التصرّف الكامل بهم. وهذه ثلاث صفاتٍ من صفات الرب عز وجلّ: "الربوبية" و "الملك" و "الألوهية". فهو ربّ كل شيء، ومليكُه والهه.. لذلك فقد أَمرنا أن نعوذَ به هو، المتصف بهذه الصفات السامية. ثم بين صفاتِ الوسواس بقوله: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} الوسواس الخنّاس الذي يُلقي في صدور الناس صنوفَ الوساوس والأوهام ليصرِفَهم عن سبيلِ الهدى والرشاد. وهذا الوسواسُ الخنّاس قد يكون من الجِنّ، وقد يكون من البشَر. كما جاء ذلك صريحا في قوله تعالى {أية : شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً} تفسير : [الأنعام: 112]. وشياطينُ الإنسِ أشدُّ فتكاً وخطَرا من شياطين الجن. فكثيراً ما يأتيك إنسانٌ لئيم يُسدي إليك نصائحَ وهو كاذبٌ يقصِد من ورائها لَكَ الشرَّ فيدسُّ السّمَّ في الدَسَم. اللهم جَنّبنا كلّ شر، وادفع عنا أذى شياطين الإنس والجنّ.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي أَعُوذُ وَأَسْتَجِيرُ بِاللهِ وَأَلْجَأُ إِلَيْهِ وَهُوَ تَعَالَى رَبُّ النَّاسِ، وَهُوَ الذِي خَلَقَهُمْ مِنْ عَدَمٍ، وَرَبَّاهُمْ فِي نِعْمَتِهِ وَرَزَقَهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} يعني الشيطان، ويكون مصدراً واسماً.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْوَسْوَاسِ} الشيطان الموسوس، مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي وحديث النفس قال الأعشى: شعر : "تسمعُ لِلحَلْي وسْواساً إِذا انصرفت" تفسير : {ٱلْخَنَّاسِ} الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويختفي ويتأخر يقال: خنس الظبي إِذا اختفى، وسمي الشيطان خناساً لأنه يتوارى ويختفي إِذا ذكر العبد ربه، فإِذا غفل عن ذكر الله عاد فوسوس له والخنوس: التأخر {ٱلْجِنَّةِ} بكسر الجيم الجنُّ جمع جني، وبضم الجيم الوقاية وفي الحديث "حديث : الصوم جُنة"تفسير : أي وقاية من عذاب الله. التفسِير: {قُلْ أَعُوذُ} أي قل يا محمد أعتصم وألتجىء وأستجير {بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} أي بخالق الناس ومربيهم ومدبر شئونهم، الذي أحياهم وأوجدهم من العدم، وأنعم عليهم بأنواع النعم قال المفسرون: إِنما خصَّ الناس بالذكر - وإِن كان جلت عظمته رب جميع الخلائق - تشريفاً وتكريماً لهم، من حيث إِنه تعالى سخَّر لهم ما في الكون، وأمدهم بالعقل والعلم، وأسجد لهم ملائكة قدسه، فهم أفضل المخلوقات على الإِطلاق {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} أي مالك جميع الخلق حاكمين ومحكومين، ملكاً تاماً شاملاً كاملاً، يحكمهم، ويضبط أعمالهم، ويدبّر شئونهم، فيعز ويذل، ويغني ويُفقر {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} أي معبودهم الذي لا ربَّ لهم سواه قال القرطبي: وإِنما قال {مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره فذكر إِنه إِلههم ومعبودهم، وأنه الذي يجب إن يستعاذ به ويُلجأ إِليه، دون الملوك والعظماء، وترتيب السورة بهذا الشكل في منتهى الإِبداع، وذلك لأن الإِنسان أولاً يعرف أن له رباً، لما يشاهده من أنواع التربية {رَبِّ ٱلنَّاسِ} ثم إِذا تأمل عرف أن هذا الرب متصرفٌ في خلقه، غني عن خلقه فهو الملك لهم {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} ثم إِذا زاد تأمله عرف أنه يستحق أن يُعبد، لأنه لا عبادة إِلا للغني عن كل ما سواه، المفتقر إِليه كل ما عداه {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} وإِنما كرر لفظ الناس ثلاثاً ولم يكتف بالضمير، لإِظهار شرفهم وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما حسن التكرار في قول الشاعر: شعر : لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيء نغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا تفسير : قال ابن كثير: هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل "الربوبية" و"الملك" و"الإِلهية" فهو ربُّ كل شيء ومليكه وإِلهه، وجميع الأشياء مخلوقة ومملوكة له، فأُمر المستعيذُ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} أي من شر الشيطان الذي يلقي حديث السوء في النفس، ويوسوس للإِنسان ليغريه بالعصيان {ٱلْخَنَّاسِ} الذي يخنس أن يختفي ويتأخر إِذا ذكر العبد ربه، فإِذا غفل عن الله عاد فوسوس له وفي الحديث "حديث : إِن الشيطان واضح خطمه - أنفه - على قلب ابن آدم، فإِذا ذكر الله خنس، وإِذا نسي الله التقم قلبه فوسوستفسير : " {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} أي الذي يلقي لشدة خبثه في قلوب البشر صنوف الوساوس والأوهام قال القرطبي: ووسوستُه هو الدعاء لطاعته بكلام خفي يصل مفهومه الى القلب من غير سماع صوت {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} {مِنَ} بيانية أي هذا الذي يوسوس في صدور الناس، هو من شياطين الجن والإِنس كقوله تعالى {أية : شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}تفسير : [الأنعام: 112] فالآية استعاذة من شر الإِنس والجن جميعاً، ولا شك أن شياطين الإِنس، أشدُّ فتكاً وخطراً من شياطين الجن، فإِن شيطان الجن يخنس بالاستعاذة، وشيطان الإِنس يزين له الفواحش ويغريه بالمنكرات، ولا يثنيه عن عزمه شيء، والمعصوم من عصمه الله. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- الإِضافة للتشريف والتكريم {أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} وفي الآيتين بعدها. 2- الأطناب بتكرار الاسم {رَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ* إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} زيادة في التعظيم لهم، والاعتناء بشأنهم، ولو قال (ملكهم، إِلههَم) لما كان لهم هذا الشأن العظيم. 3- الطباق بين {ٱلْجِنَّةِ} و{ٱلنَّاسِ}. 4- جناس الاشتقاق {يُوَسْوِسُ..و.. ٱلْوَسْوَاسِ} ثم ما في السورة من الجرس الموسيقي، الذي يفضل الألحان بعذوبة البيان، وذلك من خصائص القرآن. تنبيه: عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أوى إِلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثاً ".

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} الآية تقدم أنها نزلت مع ما قبلها وأضيف الرب إلى الناس لأن الاستعاذة من شر الموسوس في صدورهم استعاذوا بربهم مالكهم وإلههم كما يستعيذ العبد بمولاه إذا دهمه أمر والظاهر أن {مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} صفتان و{ٱلْخَنَّاسِ} الراجع على عقبه المستتر أحياناً وذلك من الشيطان متمكن إذا ذكر العبد الله تأخر ومن في من الجنة والناس للتبعيض أي كائناً من الجنة والناس فهي في موضع الحال أي ذلك الموسوس هو بعض الجنة وبعض الناس حديث : وكان عليه السلام إذا آوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ برأسه ووجهه ما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاثاً صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبارك وترحم . تفسير : "والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم".

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما مكنك الحق في مقعد التوحيد، وهداك الوصول إلى ينبوع بحر الحقيقة التي هي الوحدة الذاتية ملتجئاً إلى الله، مستمسكاً بعروة عصمته: {أَعُوذُ} وألوذ {بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} [الناس: 1] الذي أظهرهم من كتم العدم ورباهم بأنواع اللطف والكرم، لكونه: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 2]. {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 3] إذ ظهور الكل منه ورجوعه إليه. {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} الموسوس، المثير للفتن في قلوب الناس {ٱلْخَنَّاسِ} [الناس: 4] الدفَّاع، والرجَّاع للناس، فإنه منبسط على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض وإذا غفل انبسط على قلبه، فالتطارد بين ذكر الله تعالى ووسوسة الشيطان كالتطارد بين النور والظلام إذا جاء أحدهما طرد الآخر، مثله كمثل الواهمة تساعد في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة رجع وارتدع، مثلاً إذا قيل: الميت جماد والجماد لا يخاف منه أقرت، وإذا قيل: فالميت لا يخاف منه فرت {أية : كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}تفسير : [المدثر: 50-51]. {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 5] إذا غفلوا عن ذكر ربهم، وجعلوا إنجاح قضية أهوائهم من همهم. {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} [الناس: 6] بيان للوسواس، أو الذي، أو متعلق بيوسوس؛ أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجِنَّة والناس بأن يلقي إليهم أنهما يضران وينفعان بالتأثير والاستقلال، فيرجوان منهما المطالب والآمال، فيقعون في تيه الحسرة وهاوية الضلال. أعاذنا الله وعموم عباده من شر كلا الفريقين بفضله وجوده. خاتمة السورة إياك إياك أيها الطالب للخلاص، الراغب في الإخلاص أن تتبع الهوى تنكب على الشهوات، فإن الإنسان إن اتبع الهوى وطاعة قضية القوى صار القلب عش الشيطان ومعدنه؛ لأن الهوى هو مرماه ومرتعه، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه، صار القلب مستقر الملائكة ومهبطه. ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى، وجد الشيطان مجالاً واسعاً، فيوسوس بالشر وما يجري إلى سوء المعاقبة، ويطرحه في الهاوية، ومتى أعرض عن الشهوات وجاهدها إلى حيث ينبغي، وأقبل على الطاعات كما ينبغي، يلهمه الملك بالخيرات، ويعينه في أسباب النجاة، ويرشده إلى الفوز بالجنات، فإن الخواطر مبدأ الأفعال؛ إذ الخواطر تحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم والنية، والنية تحرك الأعضاء وترسخ العقائد، فإن كانت من الخواطر المحمودة الإلهامية يفضي إلى الصلاح والنعمة، وإن كانت من الوساوس الشيطانية يسري إلى الفساد والنقمة. أعاذنا الله تعالى من مهادنة النفس ومساعدة الهوى، وأعاننا على مجاهدة الشهوات ومعاندة فرط القوى بحرمة سيد السادات، وصفوة الكائنات، صلوات الله التامات وتسليماتهم الزاكيات عليه وعلى آله وأزواجه الطاهرات وذرياته السادات، وخلفائه الراشدين، وأصحابه أجمعين. شعر : عجل بالنصر وبالفرج يا رب بهم وبآلهم تفسير : والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً. والحمد لله رب العالمين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : أيها الهارب من شر أنانية نفسك الطالب أنانية حقك، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} [الناس: 1] في عالم القلب؛ ليحفظك بربوبيته من ذنوب القوى القالبية، {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 2] في عالم النفس يسلطك على جنود القوى النفسانية بسلطنة مكية، {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 3] في عروجك عن سماء صدرك ليخلصك عن آلهة هواك [و]ألوهيته {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} [الناس: 4] الذي بواسطة هذه القوى [يلقي] {ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} [الناس: 4-5] على إلقاء الخواطر في صدورهم {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} [الناس: 6]؛ أي: من القوى الخبيثة القالبية والنفسية. واعلم أن الاستعاذة واجبة على جميع اللطائف في عروجهم على سماوات أطوار الغيوب خاصة اللطيفة القالبية والنفسية عند عروجها على سماء الصدر؛ لأن الشياطين يعرجون إلى أن يصلوا إلى سماء الصدر ليسترقوا السمع، أو يشق شق السالك المجذوب المقبول المردود إلى عالم القالب داعياً أمته إلى الحق، أو يوسوس اللطيفة القالبية عند عروجها على سماء الصدور ودخولها عالم القلب؛ لئلا يتمتع بالعروج وسيولها بالأمنية الشهوية، ويعبدها محبة الهوى الردية، فإذا استعاذت اللطيفة بالرب صارت الاستعاذة كالشهاب الثاقب، ويحرق أجنحة الخواطر الشيطانية الصادة لها عن الردود إلى حضرة القابلية، ولا يمكن الشيطان أن يتجاوز عن سماء الصدر ببركة قوة النبوة المحمدية. فيا أيها المحمدي، اجتهد في طلب اللطيفة الخفية المنسوبة إلى محمد المخصوصة بأحمد لتصل إليها في أفق المقام المحمود، وتتنعم فيها بمشاهدة المعبود، ولا يمكن لك طلب اللطيفة الخفية ما دام معك من دنياك شيء، أما سمعت أن عيسى عليه السلام كان نائماً متكئاً على لبنة، فجاء الشيطان اللعين ووقف على رأسه، فلما أحس عيسى عليه السلام بمجيء اللعين هب من منامه وقال: ما جاء بك أيها اللعين إليَّ، فقال: أخذت قماشتي فجئت أطلب القماش، فقال عيسى عليه السلام: وما قماشك؟ قال: هذه اللبنة التي وضعتها تحت رأسك، فأخذ روح الله اللبنة ورمى بها وجهه، فإذا كان حاله عليه السلام كذلك فما ظن أحد غيره بحاله مع وجود اشتغاله بماله ومناله وأهله وعياله، إن الشيطان يدعه أن يخرج على سماء الصدر أو يشتغل بالسلوك فلا يغرنك الغرور، ومعك من قماشه شيء يسير وهو الدنيا بأنك تسلك الطريق وتصل إلى عالم الحقيقة، ولو تجردت عن الدنيا بأسرها في مقام التجريد يمكن لك بعد ذلك السلوك، ولكن لا يمكن لك الوصول لطيفتك الخفية ما دام في باطنك شيء من المعاني الباطلة والقالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية فإذا أفردت نفسك في مقام التفريد يمكن لك بعد ذلك السلوك ولكن لا يمكن لك الوصول إلى لطيفتك الخفية ولكن لا يمكن لك مشاهدة الحق الأعظم ومعك الحقوق الحاصلة من تصفية اللطائف عن الأباطيل حتى صارت حقوقاً صرفة، فلما وجدت في مقام التوحيد عن الحقوق فيمكن لك مشاهدة الحق الأعظم ولكن لا يمكن لك الاطلاع على أسرار الذات الواحد كما هو حقها ما دام معك رؤية التوحيد فإذا جردت عن رؤية التوحيد ووجدت في مقام الوحدة متمكناً في مقام العبودية فيطلعك الله الملك المبين على أسرار ذاته المقدسة وصفاته المسبَّحة وأفعاله المنزهة وآثاره المتقنة المحكمة، ويجعلك محرماً لأسراره وخازنا لأنواره ومظهراً لآثاره. اللهم لا تكلني إلي طرفة عين ولا أقل من ذلك يا رب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين والحمد الله رب العالمين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه يوسوس في صدور الناس، فيحسن [لهم] الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه. فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم. وأن الخلق كلهم، داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها. وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } . والحمد لله رب العالمين أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. ونسأله تعالى أن يتم نعمته، وأن يعفو عنا ذنوبًا لنا حالت بيننا وبين كثير من بركاته، وخطايا وشهوات ذهبت بقلوبنا عن تدبر آياته. ونرجوه ونأمل منه أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمته إلا القوم الضالون. وصلى الله وسلم على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة وسلامًا دائمين متواصلين أبد الأوقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. تم تفسير كتاب الله بعونه وحسن توفيقه، على يد جامعه وكاتبه، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله المعروف بابن سعدي، غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين، وذلك في غرة ربيع الأول من سنة أربعٍ وأربعين وثلثمائة وألف من هجرة محمد صلى الله عليه وسلم.

النسائي

تفسير : [سورتي المعوذتين] 29/ 764- (عن) قتيبة بن سعيد، (عن) سفيان بن عُيينة، (عن) عبدة ين أبي لُبابة، وعاصم بن ابي النَّجود [كلاهما]، ( عن) زرِّ بن حُبيش، قال: سألت أُبيَّ بن كعب [قلت: أبا المُنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا]؟ فقال أُبيٌّ: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: "قيل لي، فقلت" قال: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. 30/ 765- أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المُفضل، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوَى إلى فراشه كل ليلة جمع كفَّيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات . تفسير : 31/ 766- أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات، وينفُث فلما اشتد وجَعُه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها .