Verse. 6235 (AR)

١١٤ - ٱلنَّاس

114 - Al-Nas (AR)

الَّذِيْ يُوَسْوِسُ فِيْ صُدُوْرِ النَّاسِ۝۵ۙ
Allathee yuwaswisu fee sudoori alnnasi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذي يوسوس في صدور الناس» قلوبهم إذا غفلوا عن ذكر الله.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ }. اعلم أن قوله: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ } يجوز في محله الحركات الثلاث فالجر على الصفة والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارىء على الخناس ويبتدىء الذي يوسوس، على أحد هذين الوجهين.

القرطبي

تفسير : قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري مِن ابن آدم مجرى الدم في العروق، سَلَّطه الله على ذلك؛ فذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ }. وفي الصحيح: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » تفسير : . وهذا يصحح ما قاله مقاتل. وروى شَهْر بن حَوْشَب عن أبي ثعلبة الخُشنيّ قال: سأَلت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده؛ غير أن له خَطْماً كخطم الكلب، فإذا ذَكَر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. فعلى ما وصف أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد؛ أي في كل عضو منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين أنه قال ـ وقد كبِر سِنه ـ: ما أمِنت الزنى وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده! فهذا القول ينبئك أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل. ووسوسته: هو الدعاء لطاعته بكلام خفٍيّ، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُوِر النَّاسِ} قلوبهم إذاغفلوا عن ذكر الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُوَسْوِسُ} يدعوا إلى طاعته بما يصل إلى القلب من قول متخيل أو يقع في النفس من أمر متوهم وأصله الصوت الخفي. شعر : تَسْمَعُ للحَلْي وَسْوَاساً ......................

ابو السعود

تفسير : {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} إذا غفلوا عن ذكره تعالى ومحل الموصول إما الجر على الوصف وإما الرفع أو النصب على الذم {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} بيان للذي يوسوس على أنه ضربان جنيَّ وإنسيَّ كما قال عز وجل {أية : شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 112] أو متعلق بيوسوس أى يوسوس فى صدورهم من جهة الجن ومن جهة الإنس وقد جوز أن يكون بياناً للناس على أنه يطلق على الجن أيضاً حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ولا تعويل عليه، وأقرب منه أن يراد بالناس الناسى ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله تعالى {أية : يَدْعُ ٱلدَّاعِ} تفسير : [سورة القمر، الآية 6] ثم يبين بالجنة والناس فإن كل فرد من أفراد الفريقين مبتلى بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله واسع رحمته عصمنا الله تعالى من الغفلة عن ذكره ووفقنا لأداء حقوق شكره.

التستري

تفسير : كما قال: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}[5-6] يعني في صدور الجن والإنس جميعاً، ووسوسة النفس في القلب. قال الله تعالى: {أية : وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق:16] وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو، ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا، وأسر العدو معرفته، فإذا عرفته فقد أسرته، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب، فالصياد إبليس، والطير العبد، والحبوب الدنيا، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع، فإن كنت صائماً فأردت أن تفطر قال لك: ما يقول الناس، أنت قد عُرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت: ما لي وللناس. قال لك: صدقت أفطر، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال: ما يقول الناس، تركت العزلة. فإن قلت: ما لي وللناس. قال: صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة. وكذلك في كل شيء من أمرك، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس. ولقد حكي أن رجلاً من العباد كان لا يغضب، فأتاه الشيطان وقال: إنك إن تغضب وتصبر كان أعظم لأجرك. ففطن به العابد فقال: وكيف يجيء الغضب؟ قال: آتيك بشيء فأقول: لمن هو؟ فقل: هو لي، فأقول: بل هو لي. فأتاه بشيء وقال العابد: هو لي، فقال الشيطان: لا بل هو لي. فقال العابد: إن كان لك فاذهب به، ولم يغضب، فرجع الشيطان خائباً حزيناً، أراد أن يشغل قلبه حتى يصيب منه حاجته، فعرفه واتقى غرورة. ثم قال سهل: عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة، وإياك والتدبير فإنه داء النفس، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار، وعليك بالقنوع والرضا، فإن العيش فيهما، وإياك والائتمار على غيرك، فإنه لينسيك نفسك، وعليك بالصمت، فأنت تعرف الأحوال فيه، وعليك بترك الشهوات تنقطع به عن الدنيا، وعليك بسهر الليل تموت نفسك من ميلة طبعك وتحيي قلبك، وإذا صليت فاجعلها وداعاً، وخف الله يؤمنك وارجهُ يؤملك، واتكل عليه يَكفِك، وعليك بالخلوة تنقطع الآفات عنك. ولقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: لولا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس بها، وهل يفسد الناس إلا الناس. ثم قال سهل: مخالطة الولي بالناس ذل، وتفرده عزّ، وما رأيت أولياء الله تعالى إلا منفردين، إن عبد الله بن صالح رحمه الله كان رجلاً له سابقة جليلة وموهبة جزيلة، وكان يفرّ من بلد إلى بلد، حتى يأتي مكة، فطال بها مقامه، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال: ولم لا أقيم بها، ولم أر بقعة ينزل فيها من الرحمة والبركة مثلها يطوف الملائكة حول البيت غدواً وعشية على صور شتى، لا يقطعون ذلك، وإن فيها عجائب كثيرة، ولو قلت كلما رأيت لصغرت عنه قلوب أقوام ليسوا بمؤمنين. فقلت: أسألك بحق الحق أن تخبرني بشيء من ذلك. فقال: ما من ولي لله تعالى صحّت ولايته إلا وهو يحضر في هذه البلد في كل ليلة جمعة، ولقد رأيت رجلاً يقال له مالك بن القاسم الجبلي رحمه الله تعالى ليلة هاهنا ورايت على يده غمراً فقلت: إنك لقريب العهد بالأكل. فقال: أستغفر الله فإني منذ أسبوع لم أطعم شيئاً، ولكني أطعمت والدتي وأسرعت لأدرك صلاة الفجر هاهنا جماعة، وبين مكة وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: بلى. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمناً مؤمناً. وقال ابن سالم: كنت عند سهل رحمه الله تعالى، فأتاه رجلان بعد صلاة العصر، وجعلا يحدثانه، فقلت في نفسي: لقد أبطأا عنده، وما أراهما يرجعان في هذا الوقت، وذهبت إلى منزلي لأهيئ لهما عشاء، فلما رجعت إليه لم أر عنده أحداً، فسألت عن حالهما، فقال: إن أحدهما يصلي المغرب بالمشرق، والآخر بالمغرب، وإنما أتياني زائرين. ولقد دخل سهل على رجل من عباد البصرة، فرأى عنده بلبلة في قفص، فقال: لمن هذه البلبلة؟ فقال: لهذا الصبي، كان ابناً له، قال: فأخرج سهل من كمه دينار فقال: بني أيما أحب إليك الدينار أم البلبلة؟ فقال: الدينار. فدفع إليه الدينار وأطلق البلبلة. قال: فقعد البلبل على حائط الدار حتى خرج سهل، فجعل يرفرف فوق رأسه، حتى دخل سهل داره، وكان في داره سدرة فسكنت البلبلة السدرة، فلم تزل فيها حتى مات، فلما رفعوا جنازته جعلت ترفرف فوق جنازته والناس يبكون، حتى جاؤوا بها إلى قبره، فوقفت في ناحية حتى دفن وتفرق الناس عن قبره، فلم تزل تضطرب على قبره حتى ماتت، فدفنت بجنبه. والله سبحانه وتعالى أعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى يوسوس فى صدور الناس} اذا غفلوا عن ذكره تعالى ولذا قال فى التأويلات النجمية اى الناسى ذكر الله بالقلب والسر والروح كما قال تعالى يوم يدعو الداع بحذف الياء انتهى ومحل الموصول الجر على الوصف فلا وقف على الخناس او النصب او الرفع على الذم فيحسن الوقف عليه ذكر سبحانه وتعالى وسوسته اولا ثم ذكر محلها وهو صدور الناس تامل السر فى قوله يوسوس فى صدور الناس ولم يقل فى قلوبهم والصدر هو ساحة القلب وبيته فمنه تدخل الواردات عليه فتجتمع فى الصدر ثم تلج فى القلب فهو بمنزلة الدهليز وهو بالكسر ما بين الباب والدار ومن القلب تخرج الارادات والاوامر الى الصدر ثم تتفرق على الجنود فالشيطان يدخل ساحة القلب وبيته فيلقى ما يريد القاءه الى القلب فهو يوسوس فى الصدور ووسوسته واصله الى القلوب قال بعض ارباب الحقائق للقلب امرآء خمسة ملكية يسمون الحواس كحاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذق وحاسة اللمس وامرآء خمسة ملكوتية يسمون ارواحا كالروح الحيوانى والروح الخيالى والروح الفكرى والروح العقلى والروح القدسى فاذا نفذ الامر الالهى الى احد هؤلا الامرآء من القلب بادر لامتثال ما ورد عليه على حسب حقيقته وقس عليه الخواطر والوساوس فان عزم الانسان يخرج كلا منها الى الخارج ويجريها من طرق الحواس والقوى وقوله فى صدور الناس يدل على انه لا يوسوس فى صدور الجن قال فى آكام المرجان لم يرد دليل على ان الجنى يوسوس فى صدور الجنى ويدخل فيه كما يدخل فى الانسى ويجرى منه مجراه من الانسى.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} والوسوسة حديث النّفس وحديث الشّيطان بما لا خير فيه ولا نفع، ووسوس له واليه.

اطفيش

تفسير : {الَّذِي} نعت أو مقطوع للنصب أو الرفع شتما ويحسن الوقف على الخناس. *{يُوَسْوِسُ} يكلم الكلام الخفي الذي يصل القلب مفهومه سماع *{فِي صُدُورِ} قلوب *{النَّاسِ} قالوا "حديث : إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه صلى الله عليه وسلم امرأة من نساءه فقال صلى الله عليه وسلم يا فلان هذه فلانه فقال الرجل يا رسول الله أو أظن بك هذا فقال صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش" تفسير : وإذا غفل الإنسان وسوس قال قتادة له خرطوم كخرطوم الكلب وقيل كخرطوم الخنزير ويقال أيضا رأسه كرأس الحية يضعه على ثمرة القلب يمسه ويخدشه، قال النووي قال بعض العلماء يستحب قول لا إله ألا الله لمن ابتلى بالوساس في الوضوء والصلاة وشبههما فإنه إذا سمع الذكر بعد ولا إله إلا الله رس الذكر وأنفع دواء الوسواس والمريدون يأمرون بالمداومة عليه في الخلوة وشكى بعض إلى أبي سليمان الداراني الوسواس فقال إذا أردت أن ينقطع فأي وقت أحسست به فافرح فإنك إذا فرحت به انقطع عنك لأنه ليس شيء ابغض إلى الشيطان من سرور المؤمن وإن غتممت به زادك. وعن بعض الأئمة إنما يبتلي بالوسواس من كمل إيمانه فإن اللص لا يقصد بيتا خربا، وعن بعض جعل الله قلب ابن آدم كالزجاجة فلا يعمل شيئا من الشر إلا رمى إليه ملك موكل عليه نهيا من الله وزجرا ينكر عليه ذلك ويلقي اليه الأمر بالطاعة فذلك منه نور يتلألأ فيسدل ابليس إنه الأمر من الله بالخير فيلقي الوسوسة. قال بعض الصحابة يا رسول الله إنا نحدث بشيء يعترض لقلوبنا لأن يقع أحدنا من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق أحب اليه من أن يتكلم به فقال صلى الله عليه وسلم أوجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان، وفي رواية تلك برازيخ الإيمان قال الغزالي هذا يحمل على الكراهة الصارفة للوسوسة لأنها صريح الإيمان وقد يدعو الشيطان الى الخير المفصول ليصرف عن الفاضل وقد يدعو إلى خير ليجر إلى ذنب لا يفئ به ذلك الخير وهو كلب الله عز وجل فادعه ليصرفه عنك واستعذ به منه فلو اشتغلت به لأتعبك وقد يظفر بك فإنه كلب سلطه الله عليك تسليط تخلبه لا قهر وهو كالكلب النابح إن أقبلت عليه أولع بك ونبح وإن أعرضت سكت وسكن وأدخل الطاعة مجردا عن التعرض له مخلصا لله وإن عارضك فانفه باختصار واشتغل عنه هذا ظهر مالي من التحقق وهو أولى ما تراه مسطورا في كتب الفقه أن شاء الله.

اطفيش

تفسير : أى فى قلوبهم سمى الحال باسم المحل فإن القلب فى الجانب الأيسر من الصدر، ويجوز أن يراد ظاهر معنى الصدر بأن يدخل فى الصدر ويوسوس منه إلى القلب فقد فعل الوسوسة فيه إلى القلب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -"حديث : إنَّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم تفسير : " وذلك كما لا يردهم حائط وحمل بعضهم الحديث على التمثيل المراد بالناس الإنس خاصة.

الالوسي

تفسير : قيل أريد قلوبهم مجازاً وقال بعضهم إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو بمنزلة الدهليز فيلقى منه ما يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه ولا مانع عقلاً من دخوله في جوف الإنسان وقد ورد السمع به كما سمعت فوجب قبوله والإيمان به ومن ذلك «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم» ومن الناس من حمله على التمثيل وقال في الآية إنها لا تقتضي الدخول كما ينادي عليه البيان الآتي. وقال ابن سينا الوسواس القوة التي توقع الوسوسة وهي القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية ثم إن حركتها تكون بالعكس فإن النفس وجهتها إلى المبادي المفارقة فالقوة المتخيلة إذا أخذتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس أي تتحرك بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس فلذلك تسمى خناساً، ونحوه ما قيل إنه القوة الوهمية فهي تساعد العقل في المقدمات فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه ولا يخفى أن تفسير كلام الله تعالى بأمثال ذلك من شر الوسواس الخناس، والقاضي ذكر الأخير عن سبيل التنظير لا على وجه التمثيل والتفسير بناء على حسن الظن به. ومحل الموصول إما الجر على الوصف وإما الرفع والنصب على الذم والشتم، ويحسن أن يقف القارىء على أحد هذين الوجهين على {أية : الخَنَّاسْ}تفسير : [الناس: 4] وأما على الأول ففي «الكواشي» أنه لا يجوز الوقف وتعقبه الطيبـي بأن في عدم الجواز نظراً للفاصلة وفي «الكشف» أنه إذا كان صفة فالحُسْن غير مُسَلَّم اللهم إلا على وجه وهو أن الوقف الحسن شامل لمثله في فاصلة خاصة.

الشنقيطي

تفسير : اختلف في الظرف هنا، هل هو ظرف للوسواس حينما يوسوس، فيكون موجوداً في الصدور، ويوسوس للقلب، أو هو ظرف للوسوسة. ويكون المراد بالصدور القلوب، لكونها حالة في الصدور من باب إطلاق المحل، وإرادة الحال على ما هو جار في الأساليب البلاغية. وعلى حد قوله تعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} تفسير : [العلق: 17]، أطلق النادي، وأراد من يحل فيه من القوم. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بحث تعدية الوسوسة تارة بإلى وتارة باللام، ففي سورة الأعراف {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الأعراف: 20]، وفي طه: {أية : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [طه: 120]. وحاصل ما ذكره في الجمع بينهما أحد أمرين: إما أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وذكر شواهده، وإما أن يكون وسوس له، أي لأجله ووسوس إليه أي أنهى إليه الوسوسة، ولكن هنا قال: {فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ}، ولم يقل: إلى صدور الناس، فهل هو من باب نيابة حروف الجر بعضها عن بعض أيضاً؟ أم هي ظرف محض؟ والظاهر أنها ظرف، ولكن هل هو الظرف للوسواس، أو ظرف للوسوسة نفسها؟ وبالنظر إلى كلام المفسرين، فإن كلام ابن جرير يحتمل اعتبار المعنيين بدون تعيين. وأما القرطبي، والألوسي، فصرحا بما ظهر لهما ووصلا إليه. فقال القرطبي: قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من مجرى الدم في العروق سلطه الله على ذلك وذكر الحديث "حديث : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه ". تفسير : وقال: إن أبا ثعلبة الخشني قال: سألت ربي أن يريني الشيطان، ومكانه من ابن آدم، فرأيته يداه في يديه ورجلاه في رجليه ومشاعيه في جسده، غير أن له خطماً كخطم الكلب؟ فإذا ذكر الله خنس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. أما الألوسي فقد صرح بالتقسيم الذي أوردناه، فقال: الذي يوسوس في صدور الناس. قيل: أريد قلوبهم مجازاً. وقال بعضهم:إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو بمنزلة الدهليز، فيلقي منه ما يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه، ولا مانع عقلاً من دخوله في جوف إنسان. وساق الحديث أيضاً "حديث : إن الشيطان يجري" تفسير : إلى آخره. ومراده بالمجاز ما قدمنا من إطلاق المحل وإرادة الحال. وذكر ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس. والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن الصدر ظرف للوسواس، وأنه يوقع الوسوسة في القلب. على ما قاله ابن عباس ومجاهد رحمهم الله. وفي لفظ الناس هنا المضاف إليه الصدور: اختلاف في المراد منه، فقيل: الإنس الظاهر الاستعمال. وقيل: الثقلان: الإنس والجن. وإن إطلاق الناس على الجن مسموع، كما حكاه القرطبي. قال عن بعض العرب: إنه كان يحدث فجاء قوم من الجن فوقفوا، فقيل: من أنتم: فقالوا: ناس من الجن، وهذا معنى قول الفراء. واستدل صاحب هذا القول بطريق القياس باستعمال لفظي رجال ونفر في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الجن: 6]، وقوله: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الأحقاف: 29]. وعليه يكون الوسواس المستعاذ منه يوسوس في صدور الجن والإنس. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوجه: ولكنه رده وضعفه، لأن لفظ الناس أظهر وأشهر في الإنس، وهو المعروف في استعمال القرآن، ولأنه على هذا يكون قسم الشيء قسماً منه، لأنه يجعل الناس قسيم الجن، ويجعل الجن نوعاً من الناس اهـ. ملخصاً. وعلى كل، فإن منهج الأضواء أن ما كان محتملاً وكان أكثر استعمالات القرآن لأحد الاحتمالين، فإن كثرة استعماله إياه مرجحاً، وجميع استعمالات القرآن للفظ الناس إنما هو في خصوص الإنس فقط، ولم تستعمل ولا مرة واحدة في حق الجن مع مراعاة استعمالها في هذه السورة وحدها خمس مرات، حتى سميت سورة الناس. أما القياس على لفظتي رجل ونفر، فقد رده شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً بأنهما وردا مقيدين رجال من الجن، نفراً من الجن. أما على الإطلاق فلم يردا، وهكذا لفظ الناس فلا مانع من استعماله مقيداً ناس من الجن. أما على الإطلاق فلا. وعليه، فحيث ورد لفظ الناس هنا مطلقاً فلا يصح حمله على الجن والإنس معاً، بل يكون خاصاً بالإنس فقط، ويكون في صدور الناس أي في صدور الإنس. وقد ذكر أبو السعود معنى آخر في لفظ الناس: وهو أن الناسي عن النسيان، حذفت الياء تخفيفاً لأن الوسواس لا يوسوس إلا في حين النسيان والغفلة. وعليه، يكون حذف الياء كحذفها من الداع في قوله: {أية : يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ} تفسير : [القمر: 6] ونحوه. ولكن يبقى على هذا القول بيان من المراد بالناسي، أهو من الإنس أم من الجن، فلم يخرج الاحتمالين السابقين، مع أن هذا القول من لوازم معنى الوسواس الخناس. ويرد على هذا القول جمع الصدور وإفراد الناس، والجمع لا يضاف إلى جمع، أي جمع الصدور، لأن الفرد ليس له جمع من الصدور، فيقابل الجمع بجمع، أو يكتفي بالمفرد بمفرد. وقد جاء في إضافة الجمع إلى المثنى في قوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]. قال أبو حيان: وحسنه أن المثنى جمع في المعنى، والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من المثنى والتثنية دون الجمع. كما قال الشاعر: شعر : فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العيط التي لا ترفع تفسير : وهذا كان القياس وذلك أن المعبر عن المثنى بالمثنى، لكن كرهوا اجتماع تثنيتين فعدلوا إلى الجمع بأن التثنية جمع في المعنى والإفراد، لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر. كقوله: شعر : حمامة بطن الواديين ترنمي تفسير : يريد بطني، وغلط ابن مالك في التسهيل إذ قال: ونختار الإفراد على لفظ التثنية، فتراه غلط ابن مالك في اختياره جواز إضافة الجمع إلى المفرد، كما أنه قال: ولا يجوز ذلك إلا في الشعر، وأنه مع المثنى لكراهية اجتماع التثنيتين، فظهر بطلان قول أبي السعود. أما الراجح في الوجهين في معنى الناس المتقدم ذكرهما. فهو الوجه الأول، وهو أنهم الإنس، وأن قوله تعالى: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}، بيان لمن يقوم بالوسوسة، أي بيان للوسواس الخناس وأنه من كل من وسواس الجنة ووسواس الناس. ويظهر ذلك في أمور: منها: أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته تبعاً له فهو في حق الناس أظهر. ومنها: أننا لو جعلنا الناس الأولى عامة لمن يوسوس إليه كان من الجنة، والناس مصدر الوسوسة، فيكون من وسواس الناس من يوسوس في صدور الجن. وهذا بعيد. ومنها: أنه لو كان لفظ الناس يشمل الجن والإنس، لما احتيج إلى هذا التقسيم الجنة والناس، واكتفى في الثانية بما اكتفى به في الأولى، وكان يكون الذي يوسوس في صدور الناس، ولكن جاء بيان محل الوسوسة صدور الناس، ثم جاء مصدر الوسوسة الجنة والناس، والله تعالى أعلم. تنبيه ذكر أبو حيان في آخر تفسيره مقارنة لطيفة بين سورتي المعوذتين، فقال: ولما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث، الرب، والملك، والإله، وإن اتحد المطلوب. وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق، والنفاثات، والحاسد، بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه. وهذه الأخرى لفتة كريمة، طالما كنت تطلعت إليها في وجهتي نظر، إحداهما: بين السورتين، والأخرى بين سورة الناس ونسق المصحف الشريف، سيأتي إيرادهما إن شاء الله. إلا أنه على وجهة نظر أبي حيان، وهي أنه تعالى في سورة الفلق جاء في الاستعاذة بصفة واحدة وهي رب الفلق. وفي سورة الناس جاء في الاستعاذة بثلاث صفات، مع أن المستعاذ منه في الأولى ثلاثة أمور، والمستعاذ منه في الثانية أمر واحد، فلخطر الأمر الواحد جاءت الصفات الثلاث. ويقال أيضاً من جهة أخرى: إن المستعاذ منه في السورة الأولى أمور تأتي من خارج الإنسان، وتأتيه اعتداء عليه من غيره، وقد تكون شروراً ظاهرة، ومثل ذلك قد يمكن التحرز منه أو اتقاؤه قبل وقوعه، وتجنبه إذا علم به. بينما الشر الواحد في الثانية يأتيه من داخليته وقد تكون هواجس النفس وما لا يقدر على دفعه، إذ الشيطان يرانا ولا نراه، كما في قوله: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 27]. وقد يثر عليه خلجات نفسه ونوازع فكره، فلا يجد له خلاصاً إلا بالاستعاذة واللجوء إلى رب الناس ملك الناس إله الناس. أما الوجهتان اللتان نوهنا عنهما، فالأولى بين السورتين وهي مما أورده أبو حيان: إذ في سورة الفلق قال: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ} تفسير : [الفلق: 1]، ورب الفلق تعادل قوله: {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2]. لأنه ما من موجود في هذا الكون إلا وهو مفلوق عن غيره. ففي الزرع: {أية : فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} تفسير : [الأنعام: 95]. وفي الزمن: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} تفسير : [الأنعام: 96]. وفي الحيوانات: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]. وفي الجمادات يشير إلى قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 30-31]. فرب الفلق تعادل رب العالمين، فقابلها في الاستعاذة بعموم المستعاذ منه، من شر ما خلق. ثم جاء ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به، وهو من شر غاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، وحاسد إذا حسد. فالمستعاذ به صفة واحدة، والمستعاذ منه عموم ما خلق جملة وتفصيلاً، بينما في السورة الثانية جاء بالمستعاذ به ثلاث صفات العظمة لله تعالى: الرب والملك والإله. فقابل المستعاذ منه وهو شيء واحد فقط، وهو الوسواس الخناس، وهذا يدل على شدة خطورة المستعاذ منه. وهو كذلك، لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل شر عاجلاً أو آجلاً، لوجدناه بسبب الوسواس الخناس. وهو مرتبط بتاريخ وجود الإنسان. وأول جناية وقعت على الإنسان الأول، إنما هي من هذا الوسواس الخناس، وذلك أن الله تعالى لما كرَّم آدم، فخلقه بيده وأسجد الملائكة له وأسكنه الجنة هو وزوجه لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، يأكلان منها رغداً حيث ما شاءا، إلا من الشجرة الممنوعة، فوسوس إليهما الشيطان حتى أكلا منها ودلاهما بغرور، حتى أهبطوا منها جميعاً بعضهم لبعض عدو. وبعد سكناهما الأرض أتى ابنيهما قابيل وهابيل فلاحقهما أيضاً بالوسوسة، حتى طوَّعت نفس أحدهما قتل أخيه فأصبح من النادمين. وهكذا بسائر الإنسان في حياته بالوسوسة حتى يربكه في الدنيا، ويهلكه في الآخرة، ولقد اتخذ من المرأة جسراً لكل ما يريد. وها هو يعيد الكرة في نزع اللباس عن أبوينا في الجنة، فينتزعه عنهما في ظل بيت الله الحرام في طوافهم قبل البعثة ولا يزال يغويه، وعن طريق المرأة في كل زمان ومكان ليخرجه عن الاستقامة كما أخرج أبويه من الجنة. ولا يزال يجلب على الإنسان بخيله ورجله باراً بقسمه بين يدي الله بعزته ليغوينهم أجمعين. وإن أخطر أبواب الفساد في المجتمعات لهي عن المال أو الدم أو العرض، كما في الحديث في حجة الوداع: "حديث : أن إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا" تفسير : إلى آخره. وهل وجدت جناية على واحد منها، إلا من تأثير الوسواس الخناس. اللَّهم لا. وهكذا في الآخرة. وقد بين تعالى الموقف جلياً في مقالة الشيطان البليغة الصريحة: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} تفسير : [إبراهيم: 22] الآية. ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان، هو الشك ولا طريق إليه إلا بالوسوسة، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي دنياهم، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه، ويشككهم في قدرتهم على التقدم والاستغلال الحقيقي، بل وفي استطاعتهم على الإبداع والاختراع، ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه، فيبقى المسلمون يدورون في حلقة مفرغة، يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى. والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبداً، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غداً، وقد أعلن عن هذه النتيجة الخطيرة رئيس مؤتمر المستشرقين في الشرق الأوسط، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حينما انعقد المؤتمر في [بيروت] لعرض نتائج أعمالهم ودراسة وأساليب تبشيرهم. فتشكى المؤتمرون من أن لهم زهاء أربعين سنة من عملهم المتواصل، ولم يستطيعوا أن ينصِّروا مسلماً، واحداً، فقال رئيس المؤتمر إذا لم نستطع أن ننصِّر مسلماً، ولكن استطعنا أن نوجد ذبذبة في الرأي، فقد نجحنا في عملنا. وهكذا منهج العدو، تشكيك في قضايا الإسلام ليوجد ذبذبة في عقيدة المسلمين، فعن طريق الميراث تارة، وعن طريق تعدد الزوجات أخرى، وعن دوافع القتال، وعن استرقاق الرقيق، وعن وعن. حتى وجد من أبناء المسلمين من يتخطى حدود الشك إلى التصديق، وأخذ يدعو إلى ما يدعو إليه العدو، وما ذاك كله إلا حصاد ونتائج الوسواس الخناس. فلا غرو إذا أن تجمع الصفات الجليلة الثلاث: رب الناس، ملك الناس، إله الناس.هذه وجهة النظر الأولى بين سورتي الفلق والناس. أما الوجهة الثانية وهي بين سورة الناس ونسق المصحف الشريف، بقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفاتحة: 2-7]. وفي هذه البداية الكريمة بث الطمأنينة في القلب المعبر عنها بالحمد، عنوان الرضى والسعادة والإقرار لله بالربوبية، ثم الإيمان بالبعث والإقرار لله بملك يوم الدين، ثم الالتزام بالعبادة لله وحده والالتجاء إليه مستعيناً به، مستهدياً الصراط المستقيم، سائلاً صحبة الذين أنعم عليهم. ثم يأتي بعدها مباشرة في أول سورة البقرة {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]، أي أن الهدى الذي تنشده إلى الصراط المستقيم، فهو في هذا الكتاب لا ريب فيه، ثم بين المتقين الذي أنعم الله عليهم بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة: 3-4]. ومرة أخرى للتأكيد: أولئك لا سواهم على هدى من ربك وأولئك هم المفلحون. ثم تترسل السورة في تقسيم الناس إلى الأقسام الثلاثة: مؤمنين وكافرين ومذبذبين بين بين وهم المنافقون. ثم يأتي النداء الصريح وهو أول نداء في المصحف لعموم الناس {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [البقرة: 21]، ويقيم البراهين على استحقاقه للعبادة وعلى إمكان البعث بقوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 21-22]. وبعد تقرير الأصل وهي العقيدة، تمضي السورة في ذكر فروع الإسلام، فتشتمل على أركان الإسلام كلها وعلى كثير من مسائل المعاملات والجهاد، وقلَّ من أبواب الفقه إلا وله ذكر في هذه السورة، ويأتي ما بعدها مبيناً لما أجمل فيها أو لما يذكر ضمنها. وهكذا حتى ينتهي القرآن بكمال الشريعة وتمام الدين. ولما جاء في وصف المتقين المهتدين في أول المصحف، أنهم يؤمنون بالغيب ومنه الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب، أمور الغيب تستلزم اليقين، لترتب الجزاء عليه ثواباً أو عقاباً. والثواب: والعقاب هما نتيجة الفعل والترك. والفعل والترك: هما مناط التكليف، لأن الإنسان يمتثل الأمر رجاء الثواب، ويكف عن متعلق النهي مخافة العقاب. فلكأن نسق المصحف يشير إلى ضرورة ما يجب الانتباه إليه، من أن القرآن بدأ بالحمد ثناءً على الله بما أنعم على الإنسان بإنزاله، وإرسال الرسول صاحبه به، ثم نقله من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، وهو الأعظم قدراً وخطراً، ثم رسم له الطريق الذي سلكه المهتدون أهل الإنعام والرضى، ثم أوقفه عليه ليسلك سبيلهم. وهكذا إلى أن جاء به بعد كمال البيان والإرشاد والهداية، جاء به إلى نهاية هذا الصراط المستقيم، فاستوقفه ليقول له إذا اطمأننت لهذا الدين، وآمنت بالله رب العالمين، واعتقدت مجيء يوم الدين، وعرفت طريق المهتدين ورأيت أقسام الناس الثلاث مؤمنين وكافرين ومنافقين، ونهاية كل منهم، فالزم هذا الكتاب، وسر على هذا الصراط ورافق أهل الإنعام، وجانب المغضوب عليهم والضالين، واحذر من مسلك المنافقين المتشككين، وحاذر كل الحذر من موجب ذلك كله، وهو الوسواس الخناس، أن يشكك في متعلقات الإيمان، أو في استواء طريقك واستقامته أو في عصمة كتابك وكماله، وكن على يقين مما أنت عليه، ولا تنس خطره على أبويك من قبل، إذ هما في الجنة دار السلام ولم يسلما منه، ودلاَّلهما بغرور فحاذر منه ولُذْ بي كلما ألمَّ بك أو مسَّك طائف منه، وكن كسلفك الصالح إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون. وقد علمت عداوته لك من بعد، وعداوته ناشئة عن الحسد. ولكأن ارتباط السورتين ليشير إلى منشأ تلك العداوة وارتباطها بها التحذير، إذ في الأولى: ومن شر حاسد إذا حسد، فحسد الشيطان آدم على إكرام الله إياه كما أسلفنا. والعدو الحاسد لا يرضيه إلا زوال النعمة عن المحسود، ولئن كانت توبة آدم هي سبيل نجاته، كما في قوله تعالى: {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 37]. فنجاتك أيضاً في كلمات تستعيذ بها من عدوك: برب الناس ملك الناس إله الناس، لأن الرب هو الذي يرحم عباده، وملك الناس هو الذي يحميهم ويحفظهم ويحرسهم. وإله الناس الذي يتألهون إليه ويتضرعون ويلوذون به سبحانه. تنبيه إذا كان هذا كله خطر الوسواس الخناس من الجنة والناس، وهما عدو مشترك ومتربص حاقد حاسد، فما طريق النجاة منه؟ الذي يظهر، والله تعالى أعلم: أن طريق النجاة تعتمد على أمرين: الأول: يؤخذ من عمومات الكتاب والسنة. والثاني: سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه. أما الأول فهو: إذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد، فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد كما في قوله: {أية : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 159]، وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35]. وقال: صلى الله عليه وسلم: "حديث : دع ما يريبك إلا ما لا يريبك ". تفسير : والقاعدة الفقيهة "حديث : اليقين لا يرفع بشك ". تفسير : والحديث: "حديث : يأتي الشيطان لأحدكم وهو في الصلاة فينفخ في مقعدته، فيتخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً ". تفسير : ومن هنا كانت التكاليف كلها على اليقين، فالعقائد لا بد فيها من اليقين. والفروع في العبادات لا بد فيها من النية "حديث : إنما الأعمال بالنيات ". تفسير : والشرط في النية الجزم واليقين، فلو نوى الصلاة على أنه إن حضر فلان تركها، لا تنعقد نيته، ولو نوى صوماً أنه إن شاء أفطر، لا ينعقد صومه. ونص مالك في الموطإ، أنه نوى ليوم الشك في ليلته الصوم غداً، على أنه إن صح من رمضان فهو لرمضان، وإلا فهو نافلة، لا ينعقد صومه لا فرضاً ولا نفلاً حتى لو جاء رمضان لا يعتبر له منه، وعليه قضاؤه لعدم الجزم بالنية. والحج: لو نواه لزمه ولزمه المضي فيه، ولا يملك الخروج منه باختياره. وهكذا المعاملات في جميع العقود مبناها على الجزم حتى في المزح واللعب، يؤاخذ في البعض كالنكاح والطلاق والعتاق. فمن هذا كله، كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما يقضي على نوازع الشك والتردد، ولم يبق في قلب المؤمن جال لشك ولا محل لوسوسة. وقد كان الشيطان يفر من طريق عمر رضي الله عنه. أما الذي كنت سمعته من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه فقوله: لقد علمنا الله كيفية اتقاء العدو من الإنس ومن الجن. أما العدو من الإنس ففي قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. فدل على أن مقابلة إساءة العدو بالإحسان إليه تذهب عداوته، وتكسب صداقته، كما قال تعالى: {ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} السيئة. وأما عدو الجن ففي قوله تعالى: {أية : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [فصلت: 36]. وهو ما يدل عليه ما تقدم من الآثار من أن الشيطان يخنس إذا سمع ذكر الله. وعلى قوله رحمه الله: فإن شيطان الجن يندفع بالاستعاذة منه بالله، ويكفيه ذلك، لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً. أما شيطان الإنس فهو في حاجة إلى مصانعة ومدافعة والصبر عليه، كما يرشد إليه قوله تعالى: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 35]. رزقنا الله تعالى وجميع المسلمين حظاً عظيماً في الدنيا والآخرة، إنه المسؤول، وخير مأمول. روى ابن كثير حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يتعوذ من أعين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. وروي حديث : عن عبد الله الأسلمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره ثم قال: "قل": فلم أدر ما أقول. ثم قال لي: "قل". فقلت: هو الله أحد، ثم قال لي: قل. قلت: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق حتى فرغت منها، ثم قال لي قل. قلت: أعوذ برب الناس حتى فرغت منها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هكذا فتعوّذ. وما تعوَّذ المتعوذون بمثلهن قط" . تفسير : والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على أفضل خلقه وأكرمهم عليه، من اصطفاه لرسالته وشرفنا ببعثته، وختم به رسله وكرَّمنا به وهدانا لاتباعه، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين. إنه سميع مجيب.

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - وَهَذَا الوَسْوَاسُ الخَنَّاسُ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، وَيُزَيِّنُ لَهُم الشَّرَّ وَالسُّوءَ لِيَصْرِفَهُمْ عَنْ سَبِيلِ الهُدَى وَالإِيْمَانِ.