٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
134
Tafseer
القرطبي
تفسير : أي من عمل بما افترضه الله عليه طلباً للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلباً للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: { أية : وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } تفسير : [الشورى: 20]. وقال تعالى: { أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ } تفسير : [هود: 16]. وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها؛ فأنزل الله عز وجل {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه.
البيضاوي
تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} كالمجاهد يجاهد للغنيمة. {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول: {أية : رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً }تفسير : [البقرة: 201] أو ليطلب الأشرف منهما، فإن من جاهد خالصاً لله سبحانه وتعالى لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة، ما هي في جنبه كلا شيء، أو فعند الله ثواب الدارين فيعطي كلاً ما يريده كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } تفسير : [الشورى: 20] الآية {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} عالماً بالأغراض فيجازي كلا بحسب قصده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ } بعمله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدهم الأخس وهلا طلب الأعلى بإخلاص له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده؟! {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً }.
ابن عطية
تفسير : أي: من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس هو كما ظن، بل عند الله تعالى ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له وكان له في الآخرة العذاب، والله تعالى "سميع" للأقوال، "بصير" بالأعمال والنيات. ثم خاطب تعالى المؤمنين بقوله {كونوا قوامين} الآية، وهذا بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام. {بالقسط} وهو العدل، وقوله {شهداء} نصب على خبر بعد خبر, والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط، قوله {لله} المعنى لذات الله ولوجهه ولمرضاته، وقوله {ولو على أنفسكم} متعلق بـ {شهداء} هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق، ويحتمل أن يكون قوله {شهداء لله} معناه بالوحدانية، ويتعلق قوله {ولو على أنفسكم} بـ {قوامين بالقسط}، والتأويل الأول أبين، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقائق وقوله الحق في كل أمر، وقيامه بالقسط عليها كذلك، ثم ذكر {الوالدين} لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بـ {الأقربين} إذ هم مظنة المودة والتعصب، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة، فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وقوله تعالى: {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} معناه: إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يراعى لغناه، ولا يخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يراعى إشفاقاً عليه فإن الله تعالى أولى بالنوعين وأهل الحالين، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك، فلذلك ثنى الضمير في قوله {بهما} ، وفي قراءة أبيّ بن كعب "فالله أولى بهم" على الجمع، وقال الطبري: ثنى الضمير لأن المعنى فالله أولى بهذين المعنيين، غنى الغني وفقر الفقير، أي: وهو أنظر فيهما، وقد حد حدوداً وجعل لكل ذي حق حقه، وقال قوم {أو} بمعنى الواو، وفي هذا ضعف. وذكر السدي: أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه غني وفقير، فكان في ضلع الفقير علماً منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فأقضي له على نحو ما أسمع" تفسير : , أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع الضعيف، بأن يقيد له المقالات ويشد على عضده، ويقول له: قل حجتك مدلاً، وينبهه تنبيهاً لا يفت في عضد الآخر، ولا يكون تعليم خصام، هكذا هي الرواية عن أشهب وغيره. وذكر الطبري: أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق، وقيام من قام في أمره بغير القسط، وقوله تعالى: {فلا تتبعوا الهوى} نهي بيِّن، واتباع الهوى مردٍ مهلك، وقوله تعالى: {أن تعدلوا} يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى القسط، كأنه قال: انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن تقسطوا، فإن جعلت العامل {تتبعوا} فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا، وقوله تعالى: {وأن تلووا أو تعرضوا} قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر, فاللّي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنقاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله، وقرأ جمهور الناس " تلووا" بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ "وأن تلُو" بضم اللام وواو واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله "تلئوا" على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء "لوى" ثم حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون "تلوا" من قولك ولي الرجل الأمر، فيكون في الطرف الآخر من {تعرضوا} كأنه قال تعالى للشهود وغيرهم: وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم فيه، فالولاية والإعراض طرفان، والليّ والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية وعيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثَوَابَ الدُّنْيَا} الغنيمة، وثواب {وَالآخِرَةِ} الجنة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {من كان يريد ثواب الدنيا} يعني من كان يريد بعمله عرضاً من الدنيا نزلت في مشركي العرب وذلك أنهم كانوا يقرون بالله تعالى خالقهم ولا يقرون بالبعث يوم القيامة فكانوا يقربون إلى الله ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها وقيل نزلت في المنافقين لأنهم كانوا لا يصدقون بيوم القيامة، وإنما كان يطلبون بجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عاجل الدنيا وهو ما ينالونه من الغنيمة {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} يعني الذين يطلبون بأعمالهم وجهادهم ثواب الدنيا وما ينالونه من الغنيمة مخطئون في قصدهم لأن الله عنده ثواب الدنيا وثواب الآخرة فلو كانوا عقلاء لطلبوا ثواب الآخرة حتى يحصل لهم ذلك ويحصل لهم ثواب الدنيا على سبيل التبعية والمعنى أن من أراد بعمله الدنيا آتاه الله منها ما أراد وصرف عنه من شرها ما أراد وليس له ثواب في الآخرة يجزى به، ومن أراد بعمله وجه الله ثواب الآخرة فعند الله ثواب الدنيا والآخرة يؤتيه من الدنيا ما قدر له ويجزيه في الآخرة خير الجزاء {وكان الله سميعاً} يعني لأقوالهم وما يسرونه من طلب ثواب الدنيا {بصيراً} يعني بنياتهم وما في نفوسهم وقيل بصيراً بمن يطلب الدنيا بعمله وبمن طلب الآخرة بعمله. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} قال السدي إن فقيراً وغنياً اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان صغوه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني فأنزل الله هذه الآية وأمر بالقيام بالقسط مع الغني والفقير وقيل إن هذه الآية متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق فهي خطاب لقومه الذين جادلوا عنه وشهدوا به بالباطل، فأمرهم الله تعالى أن يكونوا قائمين بالقسط شاهدين لله على كل حال ولو على أنفسهم وأقاربهم فقال تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} القوام مبالغة في القيام بالعدل في جميع الشهادات واجتناب الجور فيها قال ابن عباس كونوا قوامين بالعدل في جميع الشهادات على من كانت شهداء لله يعني أقيموا شهادتك لوجه الله كما أمركم فيها فيقول الحق في شهادته {ولو على أنفسكم} يعني ولو كانت الشهادة على أنفسكم أمر الله العبد أن يشهد على نفسه بالحق وهو أن يقر على نفسه وذلك الإقرار يسمى شهادة في كونه موجباً للحق عليه {أو الوالدين والأقربين} يعني ولو كانت الشهادة على الوالدين والأقربين من ذوي رحمه أو أقاربه والمعنى قولوا الحق ولو على أنفسكم أو على الوالدين أو الأقارب فأقيموا الشهادة عليهم لله تعالى ولا تحابوا غنياً لغناه ولا ترحموا فقيراً لفقره فذلك قوله تعالى: {إن يكن} يعني المشهود عليه {غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} يعني منكم والمعنى كلوا أمرهم إلى الله تعالى فهو أعلم بهم وبحالهم وإنما قال بهما على التثنية لأن رد الضمير إلى المعنى دون اللفظ يعني فالله أولى بالغني والفقير {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} يعني فلا تتبعوا الهوى واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق في أداء الشهادة وقيل معناه اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى {وإن تلووا} قرئ بواوين ومعناه أن يلوي الشاهد لسانه إلى غير الحق قال ابن عباس يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها {أو تعرضوا} يعني أو يعرض الشاهد عن الشهادة فيكتمها ولا يقيمها يقال لويته حقه إذا دفعته عنه ومطلته به، وقيل معناه وإن تلووا عن القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا عنها فتتركوها وقيل معناه التحريف والتبديل في الشهادة من قولهم لويت الشيء إذا قبلته وقيل هو خطاب مع الحكام يقول وإن تلووا يعني تميلوا مع أحد الخصمين دون الآخر أو تعرضوا عنه بالكلية وقرئ تلوا بواو واحدة من الولاية فهو خطاب للحكام أيضاً ومعناه فلا تلوا أمور المسلمين وتضيعوهم أو تعرضوا عنهم {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} يعني أنه تعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيجازيكم بأعمالكم. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} قال ابن عباس حديث : نزلت في عبدالله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلام ابن أخت عبدالله بن سلام وسلمة ابن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سوى ذلك من الكتب والرسل فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "بل آمنوا بالله وبرسوله محمد والقرآن وبكل كتاب كان قبله" تفسير : فأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا} يعني بمحمد والقرآن وبموسى والتوراة آمنوا بالله ورسوله اسم جنس يعني آمنوا بجميع رسله وقيل هو خطاب لأهل الكتاب جميعاً والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن وقيل هو خطاب للمنافقين والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم آمنوا بقلوبكم حتى ينفعكم الإيمان لأن الإيمان باللسان لا ينفع من غير مواطأة القلب وقيل هو خطاب للمؤمنين والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحال آمنوا في المستقبل ودوموا واثبتوا على الإيمان والكتاب {والكتاب الذي نزل على رسوله} يعني القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} يعني وآمنوا بالقرآن وبجميع الكتب الذي أنزلها على أنبيائه قبل القرآن فيكون الكتاب اسم جنس لجميع الكتب {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً}
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ...} الآية: أيْ: من كان لا مُرَادَ له إلاَّ في ثوابِ الدنيا، ولا يعتقدُ أنَّ ثَمَّ سواه، فليس كما ظَنَّ، بل عند اللَّه سبحانه ثوابُ الدارَيْنِ، فَمَنْ قَصَدَ الآخرة، أعطاه اللَّه مِنْ ثواب الدنيا، وأعطاه قَصْدَهُ، ومَنْ قَصَدَ الدنيا فقَطْ، أعطاه من الدنيا ما قَدَّرَ له، وكان له في الآخرة العَذَابُ، واللَّه تعالَىٰ سميعٌ للأقوال، بصيرٌ بالأعمال والنيَّات، وفي الحديثِ الصَّحِيحِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قَالَ: «حديث : إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكل امْرِىءٍ مَا نَوَى...»تفسير : الحديثَ، قال النوويُّ: بلَغَنَا عنِ ابْنِ عبَّاسٍ؛ أنه قَالَ: «إنَّمَا يُحْفَظُ الرَّجُلُ عَلَىٰ قَدْرِ نِيَّتِهِ»، وقال غيره: إنما يُعْطَى الناسُ علَىٰ قَدْر نيَّاتهم. انتهى. ثم خاطَبَ سبحانه المؤمِنِينَ بقوله: {كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ}، وهو العدل، ومعنى {شُهَدَاء لِلَّهِ}، أيْ: لذاتِهِ، ولوجْهِهِ، ولمرضَاتِهِ سبحانه، وقولُهُ: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}: متعلِّق بـ {شُهَدَاء}، هذا هو الظاهرُ الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ هذه الشهادة المذكورةَ هي في الحُقُوق، ويحتملُ أنْ يكُونَ المعنَىٰ: شهداء للَّه بالوحْدَانيَّة، ويتعلَّق قوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}، بـ {قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ}، والتأويل الأولُ أبْيَنُ، وشهادةُ المَرْءِ علَىٰ نفسه هو إقراره بالحقائِقِ. قال * ص *: وقوله تعالى: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً}: ضميرُ «يَكُنْ» عائدٌ إلى المشهودِ علَيْه، والضميرُ في «بِهِمَا» عائد علَىٰ جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفقيرِ. انتهى. قال * ع *: وقوله: {أَوْلَىٰ بِهِمَا}: أيْ: هو أنظر لهما، وروَىٰ الطبريُّ؛ أنَّ هذه الآيةَ هي بِسَبَبِ نازلةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقيامِ مَنْ قَامَ فيها بغَيْر القسْطِ. وقوله تعالى: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ}: نهْيٌ بيِّنٌ، واتباعُ الهوَىٰ مُرْدٍ مهلكٌ. وقوله تعالى: {أَن تَعْدِلُواْ} يحتملُ أنْ يكون معناه: مَخَافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويكون العَدْلُ هنا بمعنَى العُدُولِ عن الحقِّ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: مَحَبَّة أنْ تعدلوا، ويكون العَدْلُ بمعنى القَسْطِ. وقوله تعالى: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ...} الآية: قال ابن عبَّاس: هي في الخَصْمَيْن يجلسَانِ بَيْن يَدَيِ القاضِي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُهُ لأحدهما عَلَى الآخر، وقال ابنُ زَيْد وغيره: هي في الشُّهُود يَلْوِي الشهادَةَ بلسانِهِ، أو يعرض عن أدائها. قال * ع *: ولفظ الآية يعمُّ القضاءَ والشَّهادة، والتوسُّطَ بيْنَ النَّاسِ، وكلّ إنسان مأخوذٌ بأنْ يعدل، والخُصُوم مطلُوبُونَ بعَدْلٍ مَّا في القضاة، فتأمَّله، وقد تقدَّم تفسير اللَّيِّ، وباقي الآية وعيدٌ.
ابن عادل
تفسير : يجُوز في "مَنْ" وجهان: أظهرهما: أنها شرطيَّة، وجوابُها قوله: "فعند الله"، ولا بد من ضميرٍ مقدَّرٍ في هذا الجواب يعُودُ على اسم الشَّرْطِ؛ لما تقرر قبل ذلك، والتقدير: فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرِة له إن أراده، وهذا تقدير الزَّمَخْشَرِيِّ، قال [الزمخشري] "حتَّى يتعلقَّ الجزاءُ بالشَّرْطِ". وأوردهُ ابن الخِطِيب على وَجْه السُّؤال قال: فإن قيل: كَيْفَ دخلتِ الفاءُ في جواب الشَّرْط، وعنده - تعالى - ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرِة، سواءً حصلت هذه الإرادة أم لا. قلنا: تقدير الكلام: فعند الله ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرَة له إن أرَادَهُ، وعلى هذا التَّقْدِير يتعلَّق الجَزَاءُ بالشَّرْط. وجَوَّز أبو حيَّان - وجعله الظَّاهر - أنَّ الجواب مَحْذُوفٌ، تقديره: من كان يريد ثواب الدُّنيا فلا يَقْتَصِر عليه، وليَطْلُبِ الثَّوابَيْن، فعند الله ثوابُ الدَّارَيْن. والثاني: أنها موصولةٌ ودخلت الفاءُ في الخَبَر؛ تشبيهاً له باسم الشَّرْط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفِعْلِ بعده، والعائدُ مَحْذُوفٌ؛ كما تقرَّر تَمْثِيلُه. فصل ومعنى الآية: أن هؤلاء الَّذِين يُريدُون بِجِهَادِهم الغَنِيمَة فقط مُخْطِئون؛ لأنَّ عند اللَّه [ثَوَابَ] الدُّنيا والآخِرَة، فلم اكْتَفَى بطلَبِ ثَوَابِ الدُّنْيا، مع أنه كَانَ كالعَدَمِ بالنِّسْبَة إلى ثَوَاب الآخِرَة، ولو كان عَاقِلاً، لطلب ثواب الآخِرَة؛ حتى يَحْصُل له ذلك، ويَحْصُل له ثوابُ الدُّنْيَا تَبَعاً. قال القُرْطُبِيُّ: من عَمِل بما افْتَرَضَهُ [اللَّه] عليه طلباً للآخِرَة، آتاه اللَّه ذلك في الآخِرَة، ومن عمل طَلَباً للدُّنْيَا، آتاه ما كُتِب له في الدُّنْيَا، وليس لَهُ في الآخِرَة من نَصِيبٍ؛ لأنه عَمِل لغير اللَّه لقوله - تعالى -: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} تفسير : [هود: 16] وهذا على أن يكون المُرَاد بالآية: المُنافِقُون والكُفَّار، {وكان اللَّه سَمِيعاً بَصِيراً}: يسمع كَلاَمهُم أنهم لا يَطْلُبون من الجِهَاد سِوَى الغَنِيمَةِ، ويرى أنَّهم لا يَسْعوْن في الجِهَاد، ولا يَجْتَهِدُون فيه، إلا عِنْد توقُّعِ الفَوْزِ بالغنيمَةِ، وهذا كالزَّجْرِ عن هَذِه الأعْمَالِ.
القشيري
تفسير : لمَّا علَّقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكَّرهم حديث الآخرة، فقال: {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} تعريفاً لهم أنَّ فوق هممهم من هذه الخسيسة ما هو أعلى منها من نعيم الآخرة، فلمَّا سَمَتْ إلى الآخرة قصودُهم قطعهم عن كل مرسوم ومخلوق بقوله: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [طه: 73].
اسماعيل حقي
تفسير : {من كان يريد ثواب الدنيا} كالمجاهد يريد بمجاهدته الغنيمة {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} اى فعنده تعالى ثوابهما له ان اراده فماله يطلب اخسهما فليطلبهما كمن يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة او ليطلب الاشرف منهما فان من جاهد خالصا لوجه الله تعالى لم تخطئه الغنيمة وله فى الآخرة ما هى فى جنبه كلا شىء اى فعند الله ثواب الدارين فيعطى كلا ما يريده كقوله تعالى {أية : من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20]. {وكان الله سميعا بصيرا} عالما بجميع المسموعات والمبصرات عارفا بالاغراض اى يعرف من كلامهم ما يدل على انهم ما يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ومن افعالهم ما يدل على انهم لا يسعون فى الجهاد الا عند توقع الفوز بالغنيمة. قال الحدادى فى الآية تهديد للمنافقين المرائين وفى الحديث "حديث : ان فى النار واديا تتعوذ منه جهنم كل يوم اربعمائة مرة اعد للقراء المرائين ".تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : نكو سيرتى بى تكلف برون به ازنيك نام خراب اندرون هرآنكه افكند تخم برروى سنك جوى وقت دخلش نيايد بجنك تفسير : وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه "حديث : لما خلق الله تعالى جنة عدن خلق فها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمى فقالت قد افلح المؤمنون ثلاثا ثم قالت انى حرام على كل بخيل مراء " .تفسير : فينبغى للمؤمن ان يحترز من الرياء ويسعى فى تحصيل الاخلاص فى العمل وهو ان لا يريد بعمله سوى الله تعالى. قال بعضهم دخلت على سهل ابن عبد الله يوم الجمعة قبل الصلاة فرأيت فى البيت حية فجعلت اقدّم رجلا واؤخر اخرى فقال سهل ادخل لا يبلغ احد حقيقة الاخلاص وعلى وجه الارض شىء يخافه ثم قال هل لك حاجة فى صلاة الجمعة فقلت بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة فاخذ بيدى فما كان قليلا حتى رأيت المسجد فدخلنا وصلينا الجمعة ثم خرجنا فوقف ينظر الى الناس وهم يخرجون فقال اهل لا اله الا الله كثير والمخلصون منهم قليل شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبيمغز بوست تفسير : فالمخلص فى عمله لا يقبل عوضا ولو اعطى له الدنيا وما فيها ـ حكاية ـ [آورده اندكه جوانمردى غلام خويش را كفت سخاوت آن نيست كه صدقه بكسى دهندكه اورابشناسند صد دينار بستان وببازار ببر واول درويشى كه بينى بوى ده غلام ببازار رفت بيرى ديدكه حلاق سراو مى تراشيد زر بوى داد بير كفت كه من نيت كرده ام كه هرجه مرا فتوح شود بوى دهم وحلاق را كفت بستان حلاق كفت من نيت كرده ام سراورا از براى خدا بتراشم اجر خود از حق تعالى بصد دينار نمى فروشم وهيج كس نستادند غلام باز كشت وزرباز آورد] كذا فى انيس الوحدة وجليس الخلوة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من}: شرطية، وجوابها محذوف؛ دل عليه الكلام، أي: من كان يريد ثواب الدنيا فيلطلبه منه، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، أو من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه خاصة، عند الله ثواب الدنيا والآخرة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {من كان يريد ثواب الدينا} والتوسع فيها، فليطلبه منا؛ فعند الله ثواب الدارين، أو من كان يريد ثواب الدنيا، فليطلب مع ذلك ثوابَ الآخرة أيضًا، وليقل: {أية : رَبَّنَا ءَاتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةَ وَفي الأَخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : [البَقَرَة:201]؛ {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة}، فيعطيهما معًا لمن طلبهما، والثاني أنهض من الأول، وأكملُ منهما من أعرض عنهما وطلب مولاه، {وكان الله سميعًا بصيرًا}، لا يخفى عليه مقاصد خلقه، فيعطي كُلاًّ على حسب قصده. الإشارة: المهم ثلاثة: همة دنية تعلقت بالدنيا الدنية، وهمة متوسطة تعلقت بنعيم الآخرة، وهمة عاليه تعلقت بالكبير المتعال. والله تعالى يرزق العبد على قدر همته، وبالهمم ترفع المقادير أو تسقط، فمن كانت همته دنية كان دَنيًا خسيسًا، ومن كانت همته متوسطة؛ كان قدره متوسطًا، رحل من كون إلى كون، كحمار الرحا، يسير، والذي ارتحل منه هو الذي عاد إليه، ومن كانت همته عالية كان عالي المقدار، كبير الشأن حاز الكونين بما فيهما، وزاد مشاهدة خالقهما، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
الجنابذي
تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} بترك التّقوى والكفر بالله فليطلبه بالتّقوى وطاعة الله حتّى يحصل له ثواب الدّنيا مع ثواب الآخرة فانّ من كانت الآخرة همّته كفاه الله همّته من الدّنيا {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} فهو جواب لما عسى ان يقال: انّ تارك التّقوى لا يلتفت فى طاعته وتركه الى حاجة لله اليه فى شيءٍ ممّا ذكر بل يريد ثواب الدّنيا ويظنّ انّه لا يحصل بالتّقوى ولذا اتى به مفصولاً لا موصولاً بالعطف {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} فاذا اطاعوا واتّقوا وطلبوا قالاً او حالاً يسمعهم ويجيبهم، واذا لم يطلبوا وكان غرضهم ذلك او لم يكن غرضهم ذلك ولكن كان حاجتهم اليه يبصر اغراضهم ومقدار حاجاتهم فيعطيهم من ثواب الدّنيا ايضاً.
الهواري
تفسير : قوله: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي: فعنده ثواب الآخرة لمن أراد الآخرة {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً} وهو كقوله: (أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ً) تفسير : [الإِسراء:18-19]. قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} في الشهادة إذا كانت عنده. يقول: اشهدوا على أنفسكم، أي على أبنائكم وآبائكم وأمهاتكم وقرابتكم، أغنياء كانوا أو فقراء. وهو قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي أولى بغناه وفقره. وقال بعضهم: لا يمنعكم غنى غني، ولا فقر فقير أن تشهدوا عليه بما تعلمون، قال: الله أعلم بغناهم وفقرهم. قوله: {فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى} فتدعوا الشهادة {أَن تَعْدِلُوا} فتقيموا الشهادة {وَإِن تَلْوُوا} بِأَلسنتكم، أي تلجلجوا فتحرّفوا الشهادة {أَوْ تُعْرِضُوا } فلا تشهدوا بها. وقال مجاهد: إن تلووا، أي تبدّلوا الشهادة، أو تعرضوا، أي تكتموها {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} قال الكلبي: يعني من آمن من أهل الكِتَابِ، فإنهم قالوا عند إسلامهم: أنؤمن بكتاب محمد ونكفر بما سواه؛ فقال الله: بل آمِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل. {وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}.
اطفيش
تفسير : {وَمَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدًّنْيَا}: بعمله كالمرأتين وكمشركى العرب، اذ كانوا يقرون بالله، وأنه الخالق الرازق، وينكرون البعث، ويعملون أنواعا من البر كالصدقة والغرض، واغاثة الملهوف، ولا يرجون بها ثواب الآخرة، لأنهم أنكروا البعث، بل يطلبون من الله عوضها فى الدنيا من نفع ودفع ضر، وكمن يقصد بجهاده الغنيمة من الذين آمنوا، وكمن هاجر لمرأة أو دنيا يصيبها، وكالمنافقين الذين أضمروا الشرك، وكانوا يجاهدون للغنيمة ويفعلون أفعال الطاعة ليجزى لهم فى الدنيا ما يجزى للمؤمنين. {فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}: تعليل قائم مقام جواب الشرط، أى فقد أخطأ فى ارادته ثواب الدنيا فقط، لأن عند الله ثوابها وثواب الآخرة، فلو عقلوا دين الله لعملوا لوجه الله مخلصين، فيترتب لهم ثواب الدنيا تبعا لثواب الآخرة فضلا من الله بلا قصد منهم، لأن يكون عملهم لثواب الدنيا أو لسألوا الله الدنيا وعملوا للآخرة، ولكن الله يثيب العبد على عمله بالدنيا والآخرة معا اذا شاء. ويجوز أن يراد بثواب الدنيا والآخرة خير الدنيا والآخرة، فسمى المطلق وهو الخير باسم الخاص وهو الثواب، لأنه ما على عمل فكأنه قيل: فقد أخطأوا فى ارادة ثواب الدنيا فقط، لأن عند الله خير الدنيا والآخرة، فالصواب أن يطلبوهما معا من الله، لكن لا يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ذم الله المقتصر على طلب الدنيا ولوح لمدح من يطلبها والآخرة كقوله تعالى: {أية : فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدينا وماله فى الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنه وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }تفسير : وفى هذه التصريح بقوله: {أية : أولئك لهم نصيب مما كسبوا } تفسير : ويجوز أن يكون المعنى من كان يريد ثواب الدنيا أعطاه منها، لأن عنده ثوابها وثواب الآخرة، فيكون كقوله: {أية : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها }تفسير : وقوله: {أية : عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد }. تفسير : {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً}: عليما بما يقولونه فى طلب الدنيا بعمل الآخرة. {بَصِيراً}: فيجازيهم بنياتهم، قال ابن عباس: انما يحفظ الرجل على قدر نيته، وقيل أيضا انما يعطى الناس على قدر نياتهم.
اطفيش
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} فقط ولا يؤمن بالآخرة، أو آمن بها وأهمل ثوابها، لا يسأله، كمن يجاهد للغنيمة، أو هاجر لامرأة يتزوجها، وكمن يرائى فقد أخطأ أو خسر، فلا يقتصر عليه وليطلب ثواب الآخرة معه {فَعِندَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ} أى لأن عند الله، أو من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، وكيف يقتصر على ثواب الدنيا الفانى المتكدر الناقص، وهلا طلب ثواب الآخرة الدائم الكامل الخالص من الكدورة، الذى لا يوجد إلا عند الله جل وعلا، وماله لا يطلبه ويتبعه غيره، والدنيا كالعدم فى جنب الآخرة، والآية كقوله تعالى: {أية : فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا} تفسير : [البقرة: 200]، وقوله: {أية : ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة} تفسير : [البقرة: 201]، أو {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة}، فيعطى كلاًّ ما أراد، من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها {وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً} بكل قول {بَصِيرا} عليه بكل فعل وغيره، فيجازى على ذلك، فهو يعلم من قصد بهجرته أو جهاده غير الله، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل عناه فى قلبه، وأتته الدنيا رعم ومن كانت همته الدنيا فرق الله تعالى ضيعته وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له" تفسير : ، وعنه: حديث : أول الناس يقضى عليه من يؤتى به فيعرف نعم الله فيقر بها، فيقال: ما عملت فيها؟ فيقول: قاتلت فيك حتى استشهدت فيقول الله تعالى: كذبت، قاتلت ليقال جرىء، فقد قيل، فيسحب على وجهه إلى النار، ورحل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، ويقول: فعلت ذلك لله عز وجل فيقال: بل ليقال عالم قارىء، وقد قيل فيسحب عن وجهه إلى النار، ورجل ذو مال يقول ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها، فيقال: بل، ليقال جواد، وقد قيل فيسحب على وجهه إلى النار .
الالوسي
تفسير : {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية. {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} جزاء الشرط بتقدير الإعلام والإخبار أي: من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله تعالى ثواب الدارين فما له لا يطلب ذلك كمن يقول: {أية : رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلاْخِرَةِ حَسَنَةً} تفسير : [البقرة: 201]، أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد مثلاً خالصاً لوجه الله تعالى لم (تخطه) المنافع الدنيوية وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شيء، وفي «مسند أحمد» عن زيد بن ثابت «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من كان همه الآخرة جمع الله تعالى شمله وجعل غناه في قلبه وأتته / الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله تعالى عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له»تفسير : وجوز أن يقدر الجزاء من جنس الخسران فيقال: من كان يريد ثواب الدنيا فقط فقد خسر وهلك، فعند الله تعالى ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، وفي «صحيح مسلم» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما فعلت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم وقرأت ليقال: هو قارىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله تعالى عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار»تفسير : ، وقيل: إنه الجزاء إلا أنه مؤل بما يجعله مرتباً على الشرط لأن مآله أنه ملوم موبخ لتركه الأهم الأعلى الجامع لما أراده مع زيادة لكن من يشترط العائد في الجزاء يقدره كما أشرنا إليه، وقيل: المراد أنه تعالى عنده ثواب الدارين فيعطي كلاً ما يريده كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} تفسير : [الشورى: 20] الآية. {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} تذييل لمعنى التوبيخ أي كيف يرائي المرائي وأن الله تعالى سميع بما يهجس في خاطره وما تأمر به دواعيه بصير بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك، وقد يقال: ذيل بذلك لأن إرادة الثواب إما بالدعاء وإما بالسعي، والأول: مسموع، والثاني: مبصر، وقيل: السمع والبصر عبارتان عن اطلاعه تعالى على غرض المريد للدنيا أو الآخرة وهو عبارة عن الجزاء، ولا يخفى أنه وإن كان لا يخلو عن حسن إلا أنه يوهم إرجاع صفة السمع والبصر إلى العلم وهو خلاف المقرر في الكلام.
ابن عاشور
تفسير : لمّا كان شأن التقوى عظيماً على النفوس، لأنّها يصرفها عنها استعجال الناس لمنافع الدنيا على خيرات الآخرة، نبّههم الله إلى أنّ خير الدنيا بيد الله، وخير الآخرة أيضاً، فإن اتقوه نالوا الخيرين. ويجوز أن تكون الآية تعليماً للمؤمنين أن لا يصدّهم الإيمان عن طلب ثواب الدنيا، إذ الكلّ من فضل الله. ويجوز أن تكون تذكيراً للمؤمنين بأن لا يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة، إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله، على نحو قوله: «فمنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب بما كسبوا» أو هي تعليم للمؤمنين أن لا يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام، فإنّ في الحلال سعة لهم ومندوحة، وليتطلّبوه من الحلال يُسهِّلْ لهم الله حصوله، إذ الخير كلّه بيد الله، فيوشك أن يَحرم من يتطلّبه من وجه لا يرضيه أو لا يباركَ له فيه. والمراد بالثواب في الآية معناه اللغوي دون الشرعي، وهو الخير وما يرجع به طالب النفع من وجوه النفع، مشتقّ من ثاب بمعنى رجع. وعلى الاحتمالات كلّها فجواب الشرط بــــ «منَ كان يريد ثواب الدنيا» محذوف، تدلّ عليه علّته، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يُعرض عن دين الله، أو فلا يصدّ عن سؤاله، أو فلا يقتصر على سؤاله، أو فلا يحصّله من وجوه لا ترضي الله تعالى: كما فعل بنو أبيرق وأضرابهم، وليتطلّبه من وجوه البرّ لأنّ فضل الله يسع الخيرين، والكلّ من عنده. وهذا كقول القطامي:شعر : فمن تَكُن الحضارة أعجبته فأيُّ رجال بادية ترانا تفسير : التقدير: فلا يغترر أو لا يبتهج بالحضارة، فإنّ حالنا دليل على شرف البداوة.
القطان
تفسير : يختم الله هذه الآيات بتوجيه القلوب الطامعة في الدنيا وحدها الى أنّ فضل الله أوسع، فعنده ثواب الدارين معا. فعليكم ان تطلبوهما معا، لا ان تقصُروا طلبكم على الأدنى وتتركوا الاعلى والأبقى. ان الجمع بينهما هيّن ميسور، والله سميع لأقوال عباده بصير بجميع أمورهم. وهكذا نجد ان الدين الاسلامي تكفّل بسعادة الحياة في الدارين، وقد حقّقها للمسلمين في صدر الاسلام. ولو استقام المسلمون على سنّة كتابهم لاستردوا مكانتهم التي بهرت العالم قروناً طويلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (134) - مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ، بِسَعْيهِ وَجِهَادِهِ فِي حَيَاتِهِ، نَعِيمَ الدُّنْيا: المَالَ وَالجَاهَ وَنَحْوَهُمَا .. فَهُوَ قَاصِرُ الهِمَّةِ، لأنَّ عِنْدَ اللهِ ثَوَابَ الدَّارِينِ مَعاً، وَالجَمْعُ فِي العَمَلِ للدُّنْيا مَعَ العَمَلِ لِلآخِرَةِ أمْرٌ مَيْسُورٌ لَكُمْ، فَمِنْ خَطَلِ الرَّأي أنْ تَتْرُكُوا العَمَلَ لِلآخِرَةِ البَاقِيَةِ، وَتَقْصُرُوا هَمَّكُمْ عَلَى العَمَلِ لِلدُّنيا الزَّائِلَةِ الفَانِيَةِ، وَعَلَى المُؤْمِنِ العَاقِلِ أنْ يَقُولَ: (رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيا حَسَنةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وَاللهُ سَمِيعٌ لأقْوالِ العِبَادِ، حِينَ مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُنَاجَاتِهِمْ، بَصِيرٌ بِجَمِيعِ أمُورِهِمْ، فِي سَائِرِ أحْوَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومادام الرسل قد أبلغوا الإنسان أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة فلمَ الغفلة؟ ولمَ لا تأخذ الزيادة؟، ولماذا نذهب إلى صفقة الدنيا فقط مادام الحق يملك ثواب الدنيا من صحة ومال وكل شيء، وإن اجتهد الإنسان في الأسباب يأخذ نتيجة أسبابه. فالحق يقول: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20] ولم يقل الحق: إن "الآخرة" في مقابلة للدنيا؛ وأن من يأخذ الدنيا لن يأخذ الاخرة أو العكس، بل يريد - سبحانه للإنسان أن يأخذ الدنيا والآخرة معاً، فيا من تريد ثواب الدنيا لا تحرم نفسك بالحمق من ثواب الآخرة. وكلمة "ثواب" فيها ملحظ؛ فهناك أشياء تفعل لك وإن لم تطلب منها أن تفعل، وتنتفع بعملها وإن لم تطلب من الأشياء أن تفعل. وهناك أشياء أخرى تنفعل بحركتك، فإن تحركت وسعيت وعملت فيها تعطك. مثال ذلك الأرض، فإن بذرت فيها تخرج الزرع، واختلافات الناس في الدنيا تقدماً وتأخراً وحضارة وبداوة وقوة وضعفاً إنما تأتي من القسم الذي ينفعل للإنسان، لا من القسم الذي يُفْعَل للإنسان. ويسخر له، وتقدم بعض البشر في الحضارة إنما جاء لأنهم بحثوا في المادة والعناصر، وأنجزوا إنجازات علمية هائلة في المعامل، فإن أردت أن تكون متقدماً فعليك أن تتعامل مع العناصر التي تنفعل لك، والأمم كلها إنما تأخذ حضارتها من قسم ما ينفعل لها، وهم والمتأخرون شركاء فقط فيما يُفعل لهم ويسخَّر لصالحهم. وإن أردنا الارتقاء أكثر في التحضر.. فعلينا أن نذهب إلى ما يُفْعل ويسخّر لنا ونتعامل نعه حتى ينفعل لنا.. كيف؟. الشمس تمدنا بالضوء والحرارة، ونستطيع أن نتعامل مع الشمس تعاملاً آخر يجعلها تنفعل لنا، مثلما جئنا بعدسة اسمها "العدسة اللاّمة" التي تستقبل أشعة الشمس وتتجمع الأشعة في بؤرة العدسة؛ فتحدث حرارة تشعل النار، أي أننا جعلنا ما يُفْعَل لنا يتحول إلى منفعل لنا أيضاً. ويسمون ذلك الطموح الانبعاثي. والمطر يفعل للإنسان عندما ينزل من السماء في وديان، ويستطيع الإنسان أن يحوله إلى منفعل عندما يضع توربينات ضخمة في مسارات نزوله فينتج الكهرباء. إذن فحضارات الأمم إنما تنشأ من مراحل. المرحلة الأولى: تستخدم ما ينفعل لها، والمرحلة الثانية: ترتقي فتستخدم ما ينفعل معها. والمرحلة الثالثة: تستخدم ما يفعل لها كمنفعل لها؛ مثال ذلك استخدام الطاقة الشمسية بوساطة أجهزة تجمع هذه الطاقة ارتقاءً مع استخدام ما يفعل للإنسان لينفعل مع الإنسان. وأسمى شيء في الحضارة الآن هو أشعة الليزر التي تصنع شبه المعجزات في دنيا الطب. وكلمة "ليزر" مأخوذة كحروف من كلمات تؤدي معنى تضخيم الطاقة بواسطة الانبعاث الاستحثائي، فكلمة "ليزر" - إذن - مثلها كلمة "ليمتد" فاللام من كلمة. والياء من كلمة، والتاء من كلمة، والدال من كلمة، وذلك لتدل على مسمّى. وترجمة مسمّى "ليزر" هو تضخيم الطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي. ففيه انبعاث تلقائي هو مصدر الطاقة الذي يُفعل للإنسان وإن لم يطلبه، أما الانبعاث الاستحثائي فينتج عندما يحث الإنسان الطاقة لتفعل له شيئاً آخر. والانبعاث التلقائي متمثل في الشمس فتعطي ضوءا وحرارة. وعندما جلس العلماء في المعامل وصمموا العدسة التي تنتج هذه الأشعة أهاجوها وأثاروها وأخذوا ليصنعوا منها طاقة كبيرة. وهكذا أنتجوا أشعة الليزر التي هي تضخيم للطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي، ولأن العنوان طويل فقد أخذوا من كل كلمة حرفاً وكوّنوا كلمة "ليزر". إذن فالارتقاءات الحضارية تأتي عن طريق تعامل الإنسان مع القسم الذي ينفعل للإنسان، واستحثاث واستخدام ما يُفعل له بطريقته التلقائية لينفعل معه كأشعة الشمس مثلا. وجئنا بذكر كل ذلك من أجل أن نستوضح آفاق قول الحق: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}. وكلمة "ثواب" إذن توحي بأن هناك عملاً، فالثواب جزاء على عمل. فإن أردت ثواب الدنيا، فلا بد أن تعمل من أجل ذلك. فلا أحد يأخذ ثواب الدنيا بدون عمل. ومن عظمة الحق ولطفه وفضله ورحمته أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل، سواء آمن أم كفر، ولكنه خص المؤمنين بثواب باق في الآخرة. ولذلك يقال: "الدنيا متاع". ويزيد الحق على ذلك: {فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}. ومن الحمق أن يوجد طريق يعطي الإنسان جزاءين ثم يقصر همته على جزاء واحد. وهنا ملحظ آخر؛ فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا، دل على أنه لا بد من العمل لنأخذ الدنيا، ولم يذكر الحق ثواباً للآخرة، بل جعل سبحانه الثواب للاثنين.. الدنيا والآخرة، إذن فالذي يعمل للدنيا من المؤمنين إنما يأخذ الآخرة أيضاً؛ لأن الآخرة هي دار جزاء، والدنيا هي مطية وطريق وسبيل. فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل الله في باله.. فالله يعطيه ثواباً في الدنيا، ويعطيه ثواباً في الآخرة. ويذيل الحق الآية: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} - إذن - فثواب الدنيا والآخرة لا يتأتى إلا بالعمل، والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح الإنسان، القول - مثلاً - حدث من اللسان، وهو عمل أيضاً، والمقابل للقول هو الفعل. فالأعمال تنقسم إلى قسمين: إلى الأقوال وإلى الأفعال. ولتوضيح هذا الأمر نقرأ قول الحق: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً} تفسير : [الفجر: 17-19] وعندما سمع الأغنياء هذا القول عرفوا سلوكهم، ولما سمع الفقراء هذا القول، كأنهم قالوا: نحن لا نملك ما نطعم به المسكين، فكان في قوله تعالى: {وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} ما يوضح لهم الطريق إلى العطاء: أي حضوا غيركم على العطاء. أي أن الذي لا يملك يمكنه أن يكلم الغني ليعطي المسكين، والحضُّ هو كلام. والكلام من العمل. والحق سبحانه وتعالى يستنفر المؤمنين لينصروا دين الله فيقول: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 91] هو سبحانه أعفى الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون في القتال وأسقطه عنهم ولم يحاسبهم عليه، ولكن في الآية نفسها ما يُحدد المطلوب من هؤلاء، وهو أن ينصحوا لله ورسوله. إذن فغير القادر يمكنه أن يتكلم بفعل الخير ويذكِّر به الآخرين وينصح به، هذا هو معنى قول الحق: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} فسبحانه يسمع قول مّن لا يستطيع ولا يملك القدرة على سلوك ما، وسبحانه بصير يرى صاحب كل سلوك. إذن فثواب الدنيا يحتاج إلى عمل، والعمل هو انفعال كل جارحة بمطلوبها، فاللسان جارحة تتكلم، واليد تعمل، وكل جوارح الإنسان تعمل، لكن ما عمل القلوب؟ عمل القلوب لا يُسمع ولا يُرى، ولذلك قال الحق عن إخلاص القلب في حديث قدسي: (حديث : الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي ). تفسير : وهكذا نعرف أن نية القلوب خاصة بالله مباشرة ولا تدخل في اختصاص رقيب وعتيد وهما الملكان المختصان برقابة وكتابة سلوك وعمل الإنسان، ولذلك نجد الحق يصف ذاته في مواقع كثيرة من القرآن بأنه لطيف خبير، لطيف بعلم ما يدخل ويتغلغل في الأشياء، وخبير بكل شيء وقدير على كل شيء. ونجد الحديث الشريف يقول لنا: "حديث : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". تفسير : فالعمل يكون بالجوارح، ومن الجوارح اللسان، وحتى نضبط هذه المسألة لنفرق ما بين الفعل والعمل. نقرأ ونفهم هذه الآية: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2] ونجد المقابل للقول هو الفعل. والكل عمل. ويأتي نوع آخر من الأعمال، لا هو قول ولا هو فعل، وهو "النية القلبية". وعندما يقول الحق: إنه كان سميعاً بصيراً، فالمعنى سميع للقول، وبصير بالفعل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):