٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
135
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في اتصال الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه لما تقدم ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج عقبه بالأمر بالقيام بأداء حقوق الله تعالى وبالشهادة لإحياء حقوق الله، وبالجملة فكأنه قيل: إن اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله، وءن اشتغلت بتحصيل مأمورات الله كنت صلى الله عليه وسلم لا لنفسك، ولا شك أن هذا المقام أعلى وأشرف، فكانت هذه الآية تأكيداً لما تقدم من التكاليف. الثاني: أن الله تعالى لما منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب الآخرة ذكر عقيبه هذه الآية، وبين أن كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله حتى يصير من الذين يكونون في آخر مراتب الإنسانية وأول مراتب الملائكة، فأما إذا عكس هذه القضية كان مثل البهيمة التي منتهى أمرها وجدان علف، أو السبع الذي غاية أمره إيذاء حيوان. الثالث: أنه تقدم في هذه السورة أمر الناس بالقسط كما قال {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } تفسير : [النساء: 3] وأمرهم بالإشهاد عن دفع أموال اليتامى إليهم، وأمرهم بعد ذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله، وأجرى في هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة على اليهودي بالباطل. ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة، ومعلوم أن ذلك أمر من الله لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط، شاهدين لله على كل أحد، بل وعلى أنفسهم، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في هذه السورة من أنواع التكاليف. المسألة الثانية: القوام مبالغة من قائم، والقسط العدل، فهذا أمر منه تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن الجور والميل، وقوله {شُهَدَاء للَّهِ } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها، ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم، وشهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران: الأول: أن يقرعلى نفسه لأن الإقرار كالشهادة في كونه موجباً إلزام الحق، والثاني: أن يكون المراد وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. المسألة الثالثة: في نصب {شُهَدَاء } ثلاثة أوجه: الأول: على الحال من {قَوَّامِينَ }. والثاني: أنه خبر على أن {كُونُواْ } لها خبران، والثالث: أن تكون صفة لقوامين. المسألة الرابعة: إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه: الأول: أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فالله سبحانه نبّه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولاً، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانياً، تنبيهاً على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير. الثاني: أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذي عليه الحق، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، الثالث: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول، والفعل أقوى من القول. فإن قيل: إنه تعالى قال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [آل عمران: 18] فقدم الشهادة على القيام بالقسط، وههنا قدم القيام بالقسط، فما الفرق؟ قلنا: شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعياً للعدل ومبايناً للجور، ومعلوم أنه ما لم يكن الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة، فثبت أن الواجب في قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ } أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب ههنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد،الإلهي والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما، وكان من حق الكلام أن يقال: فالله أولى به، لأن قوله {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ، أي الله أولى بالفقير والغني، وفي قراءة أُبي فالله أولى بهم، وهو راجع إلى قوله {أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } وقرأ عبد الله: إن يكن غني أو فقير، على (كان) التامة. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر، فتقدير الآية: فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا. ثم قال تعالى: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور {وَإِن تَلْوُواْ } بواوين، وقرأ ابن عامر وحمزة {تلوا} وأما قراءة تلووا ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم: لواه حقه إذا مطله ودفعه. الثاني: أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم: لوى الشيء إذا فتله، ومنه يقال: التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهاً بالشيء المنفتل، وأما {تلوا} ففيه وجهان: الأول: أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيراً فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته، والحاصل: إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها، والثاني: قال الفرّاء والزجاج: يجوز أن يقال: {تلوا} أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار { تَلْوُواْ } وهذا أضعف الوجهين، وأما قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيراً } فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ} {قَوَّامِينَ} بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها. ثم ذكر الوالدين لوجوب بِرِّهما وعِظم قدرِهما، ثم ثنّى بالأقربين إذ هم مظنة المودّة والتعصب؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال. الثانية ـ لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأُم ماضية، ولا يمنع ذلك من برّهما، بل من برّهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: { أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } تفسير : [التحريم: 6] فإن شهد لهما أو شهدا له وهي: الثالثة ـ فقد اختلف فيها قديماً وحديثاً؛ فقال ابن شهاب الزهري: كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، ويتأوّلون في ذلك قول الله تعالىٰ: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ} فلم يكن أحد يُتَّهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أُمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتّهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة؛ وهو مذهب الحسن والنخعِيّ والشعبِيّ وشريح ومالك والثورِيّ والشافعيّ وابن حنبل. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً. وروي عن عمر ابن ٱلخطاب أنه أجازه؛ وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والثوريّ والمزنِيّ. ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلاً إلاَّ في النسب. وروي عنه ابن وهب أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه. وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل؛ لتواصل منافع الأملاك بينهما وهي محل الشهادة. وقال الشافعيّ: تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض؛ لأنهما أجنبيان، وإنما بينهما عقد الزوجية وهو مُعَرّض للزوال. والأصل قبول الشهادة إلاَّ حيث خص فيما عدا المخصوص فبقي على الأصل؛ وهذا ضعيف؛ فإن الزوجية توجب الحَنَان والمواصلة والألفة والمحبة، فالتهمة قوية ظاهرة. وقد روى أبو داود من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغِمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال الخطابيّ: ذو الغِمْر هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فتردّ شهادته عليه للتهمة. وقال أبو حنيفة: شهادته على العدوّ مقبولة إذا كان عدلاً. والقانع السائل والمستطعم وأصل القنوع السؤال. ويُقال في القانع: إنه المنقطع إلى القوم يخدِمُهم ويكون في حوائجهم؛ وذلك مثل الأجِير أو الوكيل ونحوه. ومعنى ردّ هذه الشهادةِ التّهْمَةُ في جر المنفعة إلى نفسه؛ لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع. وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعاً فشهادته مردودة؛ كمن شهد لرجل على شراء دارٍ هو شفيعها، أو كمن حكم له على رجل بدَيْن وهو مفلس، فشهد المفلس على رجل بدَيْن ونحوِه. قال الخطّابي: ومن ردّ شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يردّ شهادة الزوج لزوجته؛ لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر؛ وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه؛ لأنه يجرّ به النفع لما جُبِل عليه من حبه والميل إليه؛ ولأنه يتملك عليه ماله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنت ومالك لأبيك ». تفسير : وممن تردّ شهادته عند مالك البدوِيّ على القَرَوِيّ؛ قال: إلاَّ أن يكون في بادية أو قرية، فأما الذي يُشهد في الحضر بدَوِيّاً ويدع جِيرتَه من أهل الحضر عندي مُريب. وقد روى أبو داود والدارقطنيّ عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : لا تجوز شهادة بدوِيّ على صاحب قرية » تفسير : . قال (محمد) بن (عبد) الحكم: تأوّل مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب به الخلق. وقال عامة أهل العلم: شهادة البَدَوِي إذا كان عدلاً يقيم الشهادة على وجهها جائزة؛ والله أعلم. وقد مضى القول في هذا في «البقرة»، ويأتي في «براءة» تمامها إن شاء الله تعالىٰ. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {شُهَدَآءِ للَّهِ} نصب على النعت لـ {قَوَّامِينَ}، وإن شئت كان خبراً بعد خبر. قال النحاس: وأجود من هذين أن يكون نصباً على الحال بما في {قَوَّامِينَ} من ذكر الذين آمنوا؛ لأنه نفس المعنىٰ، أي كونوا قوّامين بالعدل عند شهادتكم. قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى؛ لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. ولم ينصرف {شُهَدَآءَ} لأن فيه ألف التأنيث. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {للَّهِ}معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه. {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} متعلق بـ {شُهَدَآءَ}؛ هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيُقرّبها لأهلها، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه؛ كما تقدّم. أدّب الله جلّ وعزّ المؤمنين بهذا؛ كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم. ويحتمل أن يكون قوله: {شُهَدَآءَ للَّهِ} معناه بالوحدانية لله، ويتعلق قوله: {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} ب ـ{قَوَّامِينَ} والتأويل الأوّل أبّيَن. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} في الكلام إضمار وهو اسم كان؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يُراعى إشفاقاً عليه. {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى. قال السدّيّ: اختصم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم غنيّ وفقير، فكان ضَلْعه صلّىٰ الله عليه وسلّم مع الفقير، ورأى أن الفقير لا يظلم الغنيّ؛ فنزلت الآية. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} إنما قال {بِهِمَا} ولم يقل «به» وإن كانت {أَوْ} إنما تدل على الحصول الواحد؛ لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش: تكون {أَوْ} بمعنى الواو؛ أي إن يكن غنياً وفقيراً فالله أولى بالخصمين كيفما كانا؛ وفيه ضعف. وقيل: إنما قال {بِهِمَا} لأنه قد تقدّم ذكرهما؛ كما قال تعالىٰ: { أية : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } تفسير : [النساء؛ 12.] الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ} نهي، فإن اتباع الهوى مُرْدٍ، أي مهلك؛ قال الله تعالىٰ: { أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [صۤ: 26] فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك. وقال الشعبيّ: أخذ الله عزّ وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألاّ يتّبعوا الهوى، وألاّ يخشَوا الناسَ ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. {أَن تَعْدِلُواْ} في موضع نصب. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} قرىء {وَإِن تَلْوُواْ} من لويت فلاناً حقه ليّاً إذا دفعتَه به، والفعل منه (لَوَى) والأصل فيه (لَوَىٰ) قلبت الياء ألفاً لحركتها وحركة ما قبلها، والمصدر (لَيّاً) والأصل لَوْياً، ولِيّاناً والأصل لِوْيَاناً، ثم أدغمت الواو في الياء. وقال القتبيّ: {تَلْوُواْ} من الليّ في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين. وقرأ ابن عامر والكوفيون «تَلُوا» أراد قمتم بالأمر (وأعرضتم، من قولك: وليت الأمر، فيكون في الكلام معنى التوبيخ للإعراض عن القيام بالأمر). وقيل: إن معنى {تَلُواً} الإعراض. فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين: الولاية والإعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحداً وهو الإعراض. وزعم بعض النحويين أن من قرأ {*تلوا} فقد لحن؛ لأنه لا معنى للولاية هٰهنا. قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا ولكن تكون «تلُوا» بمعنى «تَلُووا» وذلك أن أصله «تلووا» فاستُثقلت الضمة على الواو بعدها واوٌ أُخرىٰ، فأُلقيتْ الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين؛ وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين؛ ذكره مكيّ. وقال الزجاج: المعنى على قراءته «وإن تلووا» ثم همز الواو الأُولى فصارت «تلؤوا» ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت «تلوا» وأصلها «تلووا». فتتفق القراءتان على هذا التقدير. وذكره النحاس ومكيّ وابن العربيّ وغيرهم. قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر؛ فالّليّ على هذا مَطْل الكلام وجَرّه حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي إليه. قال ابن عطية؛ وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكلّ. وقال ابن عباس أيضاً والسدّيّ وابن زيد والضحّاك ومجاهد: هي في الشهود يلوي الشاهد الشهادة بلسانه ويحرّفها فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. وفي الحديث: « حديث : لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبته » تفسير : . قال ٱبن الأعرابيّ: عقوبته حبسه، وعرضه شكايته. العاشرة ـ وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية؛ فقال: جعل الله تعالىٰ الحاكم شاهداً في هذه الآية، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة؛ لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلاً فلذلك ردّت الشهادة.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته. {شُهَدَاء للَّهِ } بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله سبحانه وتعالى، وهو خبر ثان أو حال. {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها، لأن الشهادة بيان للحق سواء كان عليه أو على غيره. {أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} ولو على والديكم وأقاربكم. {أَن يَكُنَّ } أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له. {غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة، أو لا تجوروا فيها ميلاً أو ترحماً. {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة عليهما أو لهما صلاحاً لما شرعها، وهو علة الجواب أقيمت مقامه والضمير في بهما راجع لما دل عليه المذكور، وهو جنساً الغني والفقير لا إليه وإلا لوحدَّ، ويشهد عليه أنه قرىء «فالله أولى بهم». {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ } لأن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا من العدل. {وَإِن تَلْوُواْ } ألسنتكم عن شهادة الحق، أو حكومة العدل. قرأه نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإسكان اللام وبعدها واوان الأولى مضمومة، والثانية ساكنة. وقرأ حمزة وابن عامر «وإن تلوا» بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة فأديتموها. {أَوْ تُعْرِضُواْ } عن آدائها. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فيجازيكم عليه.
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: {شُهَدَآءِ للَّهِ} كما قال: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ} تفسير : [الطلاق: 2] أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال {وَلَوْ عَلَىۤ أَنفُسِكُمْ} أي: اشهد الحق، ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر، فقل الحق فيه، ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. وقوله: {أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق، وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد. وقوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا اللهَ} تفسير : [المائدة: 8]، ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسنداً في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. وقوله: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا، أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللّيُّ: هو التحريف، وتعمد الكذب، قال تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [آل عمران: 78] الآية، والإعراض: هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: {أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} تفسير : [البقرة: 283] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» تفسير : ولهذا توعدهم الله بقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي: وسيجازيكم بذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ } قائمين {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل {شُهَدَآء } بالحق {لِلَّهِ وَلَوْ } كانت الشهادة {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } فاشهدوا عليها بأن تقرّوا بالحق ولا تكتموه {أَوِ } على {ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ } المشهود عليه {غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } منكم وأعلم بمصالحهما {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ } في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له ل{أن} لا {تَعْدِلُواْ } تميلوا عن الحق {وَإِنْ تَلْوواْ } تحرفوا الشهادة، وفي قراءة(تلوا) بحذف الواو الأولى تخفيفا {تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } عن أدائها {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قَوَّامِينَ } صيغة مبالغة، أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق، وأما شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير. وكذلك الشهادة على الأقربين، وذكر الأبوين لوجوب برّهما، وكونهما أحبّ الخلق إليه، ثم ذكر الأقربين؛ لأنهم مظنة المودّة والتعصب، فإذا شهدوا على هؤلاء بما عليهم، فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه. وقد قيل: إن معنى الشهادة على النفس أن يشهد بحق على من يخشى لحوق ضرر منه على نفسه، وهو بعيد. وقوله: {شُهَدَاء للَّهِ } خبر بعد خبر لكان، أو حال، ولم ينصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث. وقال ابن عطية: الحال فيه ضعيفة في المعنى؛ لأنها تخصص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. وقوله: {لِلَّهِ } أي: لمرضاته وثوابه. وقوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } متعلق بشهداء، هذا المعنى الظاهر من الآية؛ وقيل معنى: {شُهَدَاء للَّهِ } بالوحدانية، فيتعلق قوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } بقوّامين، والأوّل أولى. قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } اسم كان مقدّر، أي: إن يكن المشهود عليه غنياً، فلا يراعى لأجل غناه استجلاباً لنفعه، أو استدفاعاً لضره، فيترك الشهادة عليه، أو فقيراً فلا يراعى لأجل فقره رحمة له، وإشفاقاً عليه، فيترك الشهادة عليه، وإنما قال: {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } ولم يقل به مع أن التخيير إنما يدل على الحصول لواحد؛ لأن المعنى: فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش: تكون "أو" بمعنى الواو؛ وقيل: إنه يجوز ذلك مع تقدّم ذكرهما كما في قوله: {أية : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } تفسير : [النساء: 12]. وقد تقدّم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا. وقرأ أبيّ: «فالله أولى بهم». وقرأ ابن مسعود: «إن يكن غنيّ أو فقير» على أن كان تامة: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ } نهاهم عن اتباع الهوى. وقوله: {أَن تَعْدِلُواْ } في موضع نصب، وهو إما من العدل كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو من العدول كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق، أو كراهة أن تعدلوا عن الحق. قوله: {وَإِن تَلْوُواْ } من الليّ، يقال لويت فلاناً حقه: إذا دفعته عنه. والمراد ليّ الشهادة ميلاً إلى المشهود عليه. وقرأ ابن عامر، والكوفيون «وإن تلوا» من الولاية، أي: وإن تلوا الشهادة، وتتركوا ما يجب عليكم من تأديتها على وجه الحق. وقد قيل: إن هذه القراءة تفيد معنيين: الولاية، والإعراض. والقراءة الأولى تفيد معنى واحداً وهو الإعراض. وزعم بعض النحويين أن القراءة الثانية غلط ولحن؛ لأنه لا معنى للولاية هاهنا. قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا، ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا، وذلك أن أصله تلووا، فاستثقلت الضمة على الواو وبعدها واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام، وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين. وذكر الزجاج نحوه. قوله: {أَوْ تُعْرِضُواْ } أي: عن تأدية الشهادة من الأصل {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي: بما تعملون من الليّ والإعراض، أو من كل عمل، وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة، كما تجب عليه، وقد روى أن هذه الآية تعمّ القاضي والشهود، أما الشهود فظاهر، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين، أو يلوى عن الكلام معه وقيل: هي خاصة بالشهود. قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: اثبتوا على إيمانكم، وداوموا عليه، والخطاب هنا للمؤمنين جميعاً {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ } هو القرآن، واللام للعهد {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } هو كل كتاب، واللام للجنس. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر "نزل"، و"أنزل" بالضم. وقرأ الباقون بالفتح فيهما. وقيل إن الآية نزلت في المنافقين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله. وقيل نزلت في المشركين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله، وهما ضعيفان. قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } أي: بشيء من ذلك {فَقَدْ ضَلَّ } عن القصد {ضَلَـٰلاً بَعِيداً } وذكر الرسول فيما سبق لذكر الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا لذكر الكتب جملة، فناسبه ذكر الرسل جملة، وتقديم الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ } الآية: قال، أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، لا يحابون غنياً لغناه، ولا يرحمون مسكيناً لمسكنته، وفي قوله: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ } فتذروا الحق فتجوروا {وَإِن تَلْوُواْ } يعني بألسنتكم بالشهادة {أَوْ تُعْرِضُواْ } عنها. وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة،وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية عنه في معنى الآية قال: الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: لما قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة كانت البقرة أوّل سورة نزلت، ثم أردفها سورة النساء، قال: فكان الرجل تكون عنده الشهادة قبل ابن عمه أو ذوي رحمه، فيلوى بها لسانه أو يكتمها مما يرى من عسرته حتى يوسر، فيقضي حين يوسر، فنزلت: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ } الآية. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. والإعراض: الترك. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس أن عبد الله بن سلام وأسدا وأسيدا ابني كعب، وثعلبة بن قيس وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله"تفسير : ، فقالوا: لا نفعل، فنزلت: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ بِٱللَّهِ } الآية. وينبغي النظر في صحة هذا، فالثعلبي رحمه الله ليس من رجال الرواية، ولا يفرّق بين الصحيح والموضوع. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في هذه الآية قال: يعني بذلك: أهل الكتاب، كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل، وأقرّوا على أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعث الله رسوله دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد والقرآن، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق، فمنهم من صدّق النبيّ صلى الله عليه وسلم واتبعه، ومنهم من كفر.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} يعني بالعدل {شُهَدَآءَ للهِ} يعني بالحق. {وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه. {أَوِ الْوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ} أن يشهد عليهم لا لهم. {إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ} قال السدي: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختصم إليه رجلان: غني وفقير، فكان ميله مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأمره الله عز وجل أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال: {إِن يَكُنْ غَنِّياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ}. وقال ابن عباس: نزلت في الشهادة لهم وعليهم. {وَإِن تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} قرأ ابن عباس وحمزة بواو واحدة، وهي من الولاية أي تلوا أمور الناس أو تتركواْ، وهذا للولاة والحكام. وقرأ الباقون: {تَلْوُواْ} بواوين. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو أن يلوي الإنسان لسانه بالشهادة كما يلوي الرجل ديْن الرجل إذا مطله، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ولَيُّ الْوَاجِدِ يُبِيْحُ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ " تفسير : وقال الأعشى: شعر : يلوونني ديني النهار وأقتضى ديني إذا وقذ النعاس الرُّقدا تفسير : وتكون على هذه القراءة والتأويل هذا خطاب الشهود.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} بالعدل. {شُهَدَآءَ لِلَّهِ} بالحق {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} بالإقرار. {فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى} اختصم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غني وفقير فكان ضَلْعه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت، أو نزلت في الشهادة لهم وعليهم. {وإن تلوا} أمور الناس، أو تتركوا، خطاب للولاة والحكام. {تَلْوُواْ} من لي اللسان بالشهادة، فيكون الخطاب للشهود قاله ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
ابن عادل
تفسير : في اتِّصال [هذه] الآية وُجُوهٌ: أحدها: لما تقدَّمَ ذكر النِّساء والنُّشُوز، والمُصَالحَةِ بينهُنَّ وبين الأزْوَاج عَقبه بقيام أدَاءِ حقوق اللَّه - تعالى-، وفي الشَّهَادَةِ إحياء حقوقِ اللَّه؛ فكأنه قِيل: وإن اشْتغَلْتَ بتحصيلِ شهواتِكَ، كنت لِنَفْسِكَ، لا لِلَّه، [وإن اشتغَلْتَ بِتحْصِيل مأمُوراتِ اللَّه كنت للَّه، لا لِنَفْسِكَ]، وهذا المقام أعلَى وأشْرَف، فكانت هَذِه الآية تأكيداً لِمَا تقدَّم من التَّكَالِيفِ. الثاني: أن اللَّه - تعالى - لمَّا منَع النَّاس عن اقْتِصَارِهم على ثَوَابِ الدُّنْيَا، وأمرهُم أنْ يَطْلُبوا ثواب الآخِرَة، عَقَّبَه بهذه الآيَةِ، وبَيَّنَّ أنَّ كمال سَعَادَة الإنْسَان، في أنْ يكون قولُه وفِعْلُه للَّه، وحركَتهُ للَّه، وسُكُونهُ للَّه؛ حتى يصير من الَّذِين يكُونُون في آخِر مَرَاتِب الإنْسَانِيّة، وأوَّل مراتب الملائِكَة، فإذا عَكَس القضيّة، كان مِثْل البَهِيمَة الَّتِي مُنْتهَى أمْرِها وُجْدَان عَلَفِها والشَّبَع. الثالث: أنه تقدَّم في هذه السُّورَة تَكَالِيفُ كَثِيرةٌ، فِأمرَ النَّاس بالقِسْط بقوله: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} تفسير : [النساء: 3]، وأمرهم بالإشْهَاد عِنْد دَفْع أمْوَال اليَتَامَى إليْهِم، وأمَرَهُم ببَذْلِ النَّفْسِ والمَالِ في سَبيلِ اللَّه، وذكر قِصَّة طعمة بن الأبَيْرِقِ، واجتماع قوْمه على الذَّبِّ عنه [بالكذب] والشَّهَادة على اليَهُودي بالبَاطِل، وأمر بالمُصَالَحَة مع الزَّوْجَة، وكلُّ ذلك أمْر من اللَّه لعبادِه بالقِيَام بالقِسْط، والشَّهَادَة [فيه] [للَّه] على كُلِّ أحَدٍ، فكانت هذه الآيَة كالمُؤكِّد لما تقدَّم من التَّكَالِيفِ. القَوَّامُ: مُبَالغة من قَائِمٍ، والقِسْط: العَدْل، وهذا أمْر مِنه - تعالى - لجميع المكَلَّفِين، بأن يُبَالغُوا في العَدْل، والاحْتِرَازِ عن الجَوْر والمَيْل. قوله: "شُهَداءَ لِلَّه" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خَبرٌ ثَانٍ لكان، وفيه خِلاَف تقدَّم ذِكْرهُ. والثاني: أنه حَالٌ من الضَّمير المُسْتَكِنِّ في: "قوَّامينَ" فالعَامِل فيها: "قوَّامين". وقد ردَّ أبو حيَّان [هذا الوجه: بأنَّه يَلْزَم منه تقييدُ كونهم قوَّامين بحال الشَّهادَةِ، وهم مأمُورُون بذلك مُطْلَقاً]. وهذا الردُّ ليْس بِشَيْءٍ؛ فإن هذا المَعْنَى نَحَا إلَيْه ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - قال: كُونُوا قوَّامِين بالعَدْل في الشَّهَادَة على من كانت، وهذا هُو مَعْنَى الوَجْه الصَّائِر إلى جَعْل شُهَداء حالاً. الثالث: أن يكون صِفَة لـ "قوَّامين"، ومَعْنَى قوله: "للَّه" أي: لِذَات اللَّه، ولوجْهِه ولمرْضَاتِه، وثَوَابِه. قوله: {وَلَو عَلَى أَنْفُسِكُم} "لو" هذه تَحْتَمل أنْ تَكُونَ على بَابِها من كَوْنِها حرفاً لما كان سَيَقعُ لوقُوعِ غَيْرِه، وجوابُها مَحْذُوفٌ، أي: ولو كُنْتُم شُهَدَاءَ على أنْفُسكم، لوجب عَلَيْكُم أن تَشْهدوا عليها. وأجاز أبو حيَّان أن تَكُونَ بمعنى: "إن" الشَّرطِيّة، ويتعلَّق قوله: "عَلَى أنْفُسِكُم" بمحذوفٍ، تقديرُه: وإن كنتم شُهَدَاء على أنْفُسِكم، فكونوا شُهَدَاءَ لله، هذا تَقْدِيرُ الكلام، وحذفُ "كان" بعد "لو" كَثِيرٌ، تقول: ائتِني بِتَمْر، ولو حَشَفاً، أي: وإن كان التَّمْر حشفاً، فأتني به. انتهى. وهذا لا ضرورةَ تدْعُوا إليه، ومجيءُ "لو" بِمَعْنى: "إنْ" شَيْء أثبته بعضهم على قِلَّة، فلا يَنْبَغي أن يُحْمَل القُرآنُ عليه. وقال ابْن عَطِيَّة: "عَلى أنْفُسِكُم" متعلِّقٌ بـ "شهداء". قال أبو حيان "فإنْ عَنَى بـ "شُهَدَاءَ" المَلْفُوظ به، فلا يَصِحُّ، وإن عَنَى به ما قَدَّرْناه نَحْن، فيصِحُّ" يعني: تقديره: "لو" بمعنى: "إنْ" وحَذْفَ "كان"، واسمِها، وخبرها بَعْد "لو"، وقد تقدَّم أن ذَلِك قَلِيلٌ، فلم يبق إلا انَّ ابن عَطِيّة يريد "شُهَداءَ" مَحْذُوفةً؛ كما قَدَّرْتُه لك أولاً، نحو: "ولو كُنْتُم شُهَدَاء" على أنفسكم، لوجَبَ عليْكُم أن تَشْهَدُوا. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنفسكُم" فجَعَل "كَان" مُقَدَّرةً وهي تَحْتمِلُ في تَقْدِيره التَّمَام والنُّقْصَان: فإنْ قدَّرْتَها تَامةً، كان قوله "على أنْفُسِكم" متعلِّقاً بنفسِ الشَّهَادة، ويكون المَعْنَى: "ولو وُجِدَتِ الشهادةُ على أنْفُسِكُم" وإن قدَّرْتَها نَاقِصَةً، فيجوزُ أنْ يكون "على أنْفُسِكُم" متعلِّقاً بمَحْذُوفٍ على أنَّه خَبرُهَا، ويجُوز أن يكُون متعلِّقاً بنفس الشَّهادة، وحينئذ يكُون الخَبَر مقدَّراً، والمَعْنَى: "ولو كَانَتِ الشَّهَادةُ على أنْفُسِكُم موجُودةً" إلا أنَّه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا "على أنْفُسِكُم" متعلِّقاً بالشَّهادة، حذفُ المَصْدرِ وإبقاءُ معْمُولِه، وهو قليل أو مُمْتَنِع، وقال أيضاً: "ويجُوز أن يكُون المَعْنَى: وإن كانتِ الشَّهَادة على أنْفُسِكُم". ورَدَّ عليه [أبو حيَّان] هَذَيْن الوجْهَيْنِ فقال: "وتقديرُه: ولو كانت الشَّهادة على أنْفُسِكُم ليس بجيِّد؛ لأن المحْذُوفَ إنما يكون من جِنْس المَلْفُوظ به؛ ليدلَّ عليه، فإذا قُلْت: "كن مُحْسِناً، ولو لمَنْ أساء إليك"، فالتقدير: ولو كنت مُحْسِناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْتَه: "ولو كان إحْسَانُك" لم يكن جَيِّداً؛ لأنك تَحْذِف ما لا دلالة عليه بِلَفْظٍ مُطَابِقٍ". وهذا الردُّ لَيْس بشيء، فإن الدِّلالة اللَّفظِيّة موجودةٌ؛ لاشتراكِ المَحْذُوفِ والمَلْفُوظ به في المَادَّة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النَّوْع. وقال في الوجه الثاني: "وهذا لا يجُوز؛ لأن ما تعلَّق به الظَّرْف كونٌ مقيدٌ، والكونُ المُقَيَّد لا يجُوز حَذْفُه، بل المُطْلَقُ، لو قلت: كَان زَيْد فِيك، تعني: مُحِبّاً فيك، لَمْ يَجُز". وهذا الرَدُّ أيضاً لَيْس بِشَيْءٍ؛ لأنه قصد تَفْسير المَعْنَى، ومبادئُ النَّحْو لا تَخْفَى على آحادِ الطَّلبة، فكيف بِشَيْخِ الصِّنَاعَة. فصل شَهَادة الإنْسَان على نَفْسِه لها تَفْسِيران: أحدُهما: أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسه؛ لأن الإقْرَار كالشَّهَادَةِ في كونه مُوجِباً إلْزَام الحَقِّ. الثاني: أن يكون المُرَادُ: ولو كَانَت الشَّهَادة وبالاً على أنْفُسِكُم، أو على الوالدين والأقْرَبين، فأقِيمُوها عليْهم، ولا تُحابُوا غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحموا فقيراً لِفَقْرِهِ، وهو قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي: أقِيمُوا على المَشْهُود عليه وإن كان غَنِيّاً وللمَشْهُود له وإن كان فقيراً، فاللَّه أوْلى بِهِمَا منكم، أي: كِلُوا أمْرَهُم إلى اللَّه - تعالى -. وقال الحَسَن: اللَّه أعْلَم بهما. قال القُرْطُبِيُّ: "قَوَّامين" بناء مُبَالَغَة، أي: ليتكَرَّر منكم القِيَام بالقِسْط وهو العَدْل في شَهَادَتِكُم على أنْفُسِكُم، وشهادة المَرْء على نفْسِه: إقرَارهُ بالحُقُوق عليها، ثم ذكر الوالِدَيْن؛ لوجوب بِرِّهِما، وعظم قَدْرهِمَا، ثم أتَى بالأقْرَبين؛ إذْ هُم مَظَنَّة المَودَّة والتَّعَصُّب، وجاءَ الأجْنَبِيُّ الآخر؛ لأنه أحْرَى أن يَقُوم [عليه] بالقِسْطِ. فصل إنما قدَّم الأمْر بالقِيَام بالقسط على [الأمْر] بالشَّهادة لِوُجُوه: أحدُهَا: أن أكْثَر النَّاس عادتهم أنَّهم يَأمُرُون غَيْرَهُم بالمَعْرُوفِ، فإذا آل الأمْر إلى أنْفُسِهِم، تركوه حتى إنَّ قُبْحَ القَبِيحِ إذا صَدَر عنهم، كان في مَحَلِّ المُسَامَحَة وأحْسَنَ الحُسْن، إذا صَدَرَ عن غَيْرِهم، كان في مَحَلِّ المُنَازَعة، فاللَّه - تعالى - نبّه في هذه الآية على سُوءِ الطَّريقَة، بأنْ أمره بالقِيَام [بالقِسْطِ] أوّلاً، ثم أمَرَهُ بالشَّهَادة على غَيْرِه ثَانِياً، تنبيهاً عَلَى أن الطَّرِيقَة الحَسَنة هي أن تكُون مُضَايَقَة الإنْسَان مع نَفْسِه [فَوْق] مُضايقته مع الغَيْر. وثانيها: أنَّ القِيام بالقِسْط: هو دَفْع ضَرَر العِقَاب عن النَّفْسِ، وإقَامَة الشَّهَادة، سعي في دَفْع ضَرَر العِقَاب عن الغَيْر، وهو الَّذِي عَلَيْه الحَقُّ، ودفع الضرر عن النَّفْسِ مُقَدَّم على دَفْع الضَّرَر عن الغَيْرِ. وثالثها: أن القِيَام بالقِسْطِ فعل، والشَّهادة قول [والفِعْل أقْوى من القَوْل]. فإن قِيل: فقد قدَّم الشَّهادة على القِيام بالقسْطِ في قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ [أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِماً بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [آل عمران: 18]. فالجواب: أنَّ شهادَةَ الله عبارَةٌ عن كونه مُرَاعِياً للعَدْل، ومُبَايِناً للجَوْر، ومعلوم: أنَّه ما لم يكن الإنْسَان كذلك، لم يُقْبَل شَهَادتُهُ على الغَيْر؛ فلهذا كان الوَاجِبُ في قوله: "شَهِدَ اللَّه"] أن يقدِّم تلك الشَّهادة على القِيَامِ بالقِسْطِ، والواجِبُ هُنَا: أن تكُون الشَّهادة متأخِّرَة عن القِيَامِ بالقِسْطِ. قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} إذا عُطِف بـ "أوْ" كان الحُكْمُ في عَوْدِ الضَّمِير، والإخْبَارِ، وغيرهما لأحدِ الشَّيْئَيْن أو الأشياء، ولا يجُوزُ المُطابَقَةُ، تقول: "زَيْد أو عَمْرو أكْرمتهُ" ولو قُلْتَ: أكرمتهُمَا، لم يَجُز، وعلى هذا يُقال: كيف ثَنَّى الضَّمِير في الآية الكَرِيمَةِ، والعطف بـ "أو"؟ لا جَرَم أن النَّحْويِّين اختلَفُوا في الجواب عن ذلك على خَمْسَةِ أوْجُه: أحدُها: أنَّ الضَّمِير في "بهما" ليس عَائِداً على الغَنِيِّ والفقير المَذْكُورين أولاً، بل على جنْسَي الغني والفَقِير المدلُولِ عليهما بالمَذْكُورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهُودُ عليه غَنِيًّا أو فقيراً، فليشْهَد عليه، فاللَّهُ أوْلى بجنْسَي الغنيِّ والفقيرِ؛ ويَدُلُّ على هذا قِراءة أبَيِّ: "فاللَّه أوْلَى بِهِمْ" أي: بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجِنْسِ على ما قَرَّرته لَك، ويكون قوله: {فالله أوْلى بهما} ليس جواباً للشرط، بل جَوابُه مَحْذُوفٌ كما قَدْ عَرَفْتَه، وهذا دالٌّ عليه. الثاني: أنَّ "أو" بمعنى: الواو؛ ويُعْزى هذا للأخْفش، وكنت قدَّمْتُ أوّلَ البقرة: أنه قولُ الكوفيين، وأنه ضعيفٌ. الثالث: أن "أو": للتَّفْصِيل أي: لتفصيلِ ما أبْهِم، وقد أوضح ذلك أبُو البقاء، فقال: "وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ من المَشْهُود عليه والمشهود له، قد يكُون غنيًّا، وقد يكُون فقيراً، وقد يكونان غَنِيَّيْنِ، وقد يكونان فَقَيرَيْن، وقد يكون أحَدُهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً؛ فلما كَانتِ الأقسام عند التَّفْصِيل على ذلك، أُتِي بـ "أو"، لتَدُلَّ على التَّفْصِيل؛ فعلى هذا يكون الضَّمِير في "بهِما" عائداً على المَشْهُود له والمشهود عليه، على أيِّ وصفٍ كانا عليه" انتهى؛ إلا أنَّ قوله: "وقد يكون أحَدهُمَا غنيّاً والآخر فَقِيراً" مكرَّرٌ؛ لأنه يُغْني عنه قوله: "وذَلِك أنَّ كلَّ وَاحِد" إلى آخره. الرابع: أنَّ الضَّمِير يعود على الخَصْمَيْن، تقديره: إن يكُن الخصمان غنيّاً أو فقيراً، فالله أوْلى بِذَينك الخصمين. الخامس: أن الضَّمير يعود على الغَني والفَقير المدْلُول عليهما بلَفْظ الغنّي والفقير، والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغنى الغني وفقر الفقير، وقد أساء ابن عصْفُور العِبَارة هنا بما يُوقفُ عليه في كلامه، وعلى أربعة الأوجهِ الأخيرة يكونُ جوابُ الشَّرط ملفوظاً به، وهو قوله: {فالله أوْلى بِهمَا} بخلاف الأوَّل؛ فإنه مَحْذُوفٌ. وقرأ عبد الله بن مسعود: "إن يَكُنْ غنيٌّ أو فقيرٌ" برفعهما، والظَّاهرُ أنَّ "كان" في قراءته تامةٌ، أي: وإنْ وجِد غِنِيٌّ أو فقير، نحو: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280]. قوله: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ} أي: اتركُوا متابعة الهَوَى؛ حتى توصَفُوا بالعَدْل؛ لأنَّ العدل عِبارة عن تَرْك مُتَابعة الهَوَى، ومن تَرَك أحَد النَّقِيضَيْن، فقد حَصَل له الآخَر. قوله: "أنْ تَعْدِلُوا" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه مَفْعُولٌ مِنْ أجله على حَذْفِ مضافٍ، تقديره: فلا تتَّبِعُوا الهوى محبةَ أنْ تَعْدِلوا، أو إرادةَ أنْ تَعْدِلوا، أي: تَعْدِلوا عن الحَقِّ وتجُوروا. وقال أبو البقاء في المضافِ المحذوف: "تقديره: مخافة أن تَعْدلوا عن الحَقِّ". وقال ابن عَطِيَّة: "يُحْتمل أن يكُونَ مَعْناه: مخافة أن تَعْدِلوا، ويكُون العَدْلُ هنا بِمَعْنى: العُدول عن الحَقِّ، ويُحْتمل أن يكُونَ معناه: مَحَبة أنْ تَعْدِلوا، ويكونُ العَدْلُ بمعنى: القِسْطِ؛ كأنه يقول: انتهوا؛ خوفَ أن تجُورُوا، أو مَحَبِّة أنْ تُقْسِطُوا، فإنْ جعلْتَ العَامِل "تَتَّبِعُوا" فيحتمل أن يكونَ المَعْنَى: محبةَ أنْ تجُوروا" انتهى؛ فتحصَّل لنا في العَامِل وجهان: الظاهرُ منهما: أنه نَفْسُ "تتبعوا". والثاني: أنه مُضْمَر، وهو فعلٌ من مَعْنَى النهي؛ كما قدَّره ابنُ عطيَّة، كأنه يزْعمُ أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله: {فلا تتَّبعُوا الهَوَى} ثم أضْمَرَ عَامِلاً، وهذا ما لا حَاجَة إليه. الثاني: أنه على إسْقَاطِ حرْفِ الجَرِّ، وحذْفِ "لا" النَّافِية، والأصْل: فلا تتَّبعوا الهَوَى في ألاَّ تَعْدِلوا، أي: في تَرْكِ العَدْل، فحذف "لا" لدلالة المَعْنَى عَلَيْهَا، ولمَّا حَذَف حَرْفَ الجر من "أنْ" جرى القَوْلان الشَّهِيرَان. الثَّالث: أنه عَلَى حَذْفِ لام العِلَّة، تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى؛ لأن تَعْدِلوا. قال صَاحِب هذا القول: "والمعنى: لا تتبعُوا الهوى؛ لتكونوا في اتِّباعِكُمُوه عدُولاً، تنبيهاً على أن اتباعَ الهوى وتَحَرِّي العدالةِ مُتَنَافيان لا يجتمعان" وهو ضَعِيفٌ في المَعْنَى. قوله: "وَإِن تَلْوُوا" قرأ ابن عامرٍ، وحمزة: "تَلُوا" بلامٍ مَضْمُومةٍ وواوٍ ساكنة، والبَاقُون: بلامٍ ساكنةٍ وواوَيْن بعدهَا، أولاهُمَا مَضْمُومة. فأمَّا قراءةُ الوَاوَيْن، فظاهرةٌ؛ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعْنَى: وإنْ تَلْووا ألسِنَتكُم عن شهادةِ الحَقِّ أو حكومَةِ العَدْل، والأصْلُ: تَلْوِيُون كتَضْرِبون، فاستُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ على اليَاءِ فحُذفت، فالتقى سَاكِنَان: الياء وَوَاو الضَّمِير، فحُذِف أوّلُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكْسُورةُ التي هِيَ عَيْن لأجْل واوِ الضميرِ، فصار: تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف "تَرْمُونَ". فإن كان عَنِ الشَّهادة، فالمَعْنَى: يحرِّفُوا الشَّهادة؛ ليُبْطِلُوا الحقَّ، من قولهم: لوى الشيء، إذا فتله، ومنه يُقَال: التَوَى هذا الأمْر، إذا تَعَقَّد وتعسَّرَ، تشبيهاً بالشَّيْءِ المُنْفَتِل، أو تُعْرِضُوا عنها فَتَكْتُمُوهَا، أو يُقَال: تَلْوُوا في إقامة الشَّهَادة إذا تَدَافَعُوا، يقال: لَوَيْتُه حَقَّه؛ إذا دَفَعْتَه وأبْطلْتَه. وإن كان عَنَى الحُكْم بالعَدْل، فهو خِطَاب للحُكَّام في لَيِّهم الأشداق، يقول: "وَإِنْ تَلْوُواْ" أي: تميلُوا إلى أحَدِ الخَصْمَيْن، أو تُعْرِضُوا عنه. وأما قراءة حمزة وابنِ عامرٍ، ففيها ثلاثة أقوال: أحدُها: وهو قول الزَّجَّاج، والفراء، والفارسي في إحدى الرِّوايَتَيْن عنه - أنه من لَوَى يَلْوي؛ كقراءة الجماعة، إلاَّ أنَّ الوَاوَ المَضْمُومةَ قُلِبَتْ هَمْزةً؛ كقلبها في "أجُوه" و"أُقِّتَتْ"، ثم نُقِلت حركةُ هذه الهَمْزةِ إلى السَّاكن قَبْلَها وحذفت، فصار: "تَلُون" كما ترى. الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً، إلا أن الضَّمَّة استُثْقِلَتْ على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام السَّاكِنَة تَخْفِيفاً، فالتقى ساكِنَان وهما الواوان، فحُذِف الأوَّل مِنْهُما، ويُعْزى هذا للنَّحَّاسِ، وفي هَذَيْن التخريجَيْن نظرٌ؛ وهو أنَّ لامَ الكَلِمَة قد حُذِفَتْ أولاً كما قَرَّرْته، فصار وَزْنُه: تَفْعُوا، بحذف اللاَّم، ثم حُذِفت العَيْنُ ثانياً، فصار وزنه: تَفُوا، وذلك إجْحَافٌ بالكلمة. الثالث: ويُعْزى لجَمَاعةِ منهم الفَارسيُّ - أن هذه القِرَاءة مأخُوذة من الولاية، بمعنى، وإنْ وُلِّيتم إقَامة الشَّهَادة أو وُلِّيْتُم الأمرَ، فتَعْدِلُوا عنه، والأصل: "تَوْلِيُوا" فحذفت الواوُ الأولى لِوُقُوعِها بين حَرْفِ المُضَارَعَةِ وكسرةٍ، فصار: "تَلِيُوا" كتَعِدُوا وبَابِه، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياءِ، ففُعِل بها ما تَقَدَّم في "تَلْوُوا"، وقد طَعَنَ قومٌ على قِرَاءة حَمْزة وابن عامرٍ - منهم أبو عُبَيْد - قالوا: لأنَّ معنى الوِلاَية غيرُ لائقٍ بهذا المَوْضِع. قال أبو عبيد: "القراءةُ عندنا بوَاوَيْن مأخوذةٌ من: "لَوَيْتُ" وتحقيقه في تفسيرِ ابن عبَّاسٍ: هو القَاضِي، يكُونُ لَيُّه وإعراضُه عن أحد الخَصْمَيْن للآخر" وهذا الطعنُ ليس بِشَيْء؛ لأنها قراءةٌ متَواتِرَةٌ ومعناها صَحيحٌ؛ لأنَّه إن أخَذْناها من الوِلاَية كان المَعْنَى على ما تقدَّم، وإن أخذناها مِنَ الليِّ، فالأصلُ: "تَلْوُوا" كالقراءة الأخْرى، وإنما فُعِل بها ما تَقَدَّم من قَلْبِ الوَاوِ هَمْزةً ونَقْل حركتها، أو من نَقْلِ حَرَكَتِها من غير قَلْبٍ، فتتَّفِقُ القراءَتَان في المَعْنَى. ثم قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وهذا تهديدٌ ووعيدٌ للمذنِبِين، ووعد بالإحْسَان للمُطِيعينَ.
البقاعي
تفسير : ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له، التفت إليهم مستعطفاً بصيغة الإيمان، جائياً بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم، قائلاً ما هو كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث عليه: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {كونوا قوَّامين} أي قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه. ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال: {بالقسط} بخلاف ما يأتي في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى الموفى له {شهداء} أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم الدخول فيه {لله} أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره {ولو} كان ذلك القسط {على أنفسكم} أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء، وإلا تفعلوا ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على رؤوس الأشهاد، ففضحتم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد. ولما كان ذكر أعز ما عند الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ذلك الهيبة فقال: {أو} أي أو كان ذلك القسط على {الوالدين} وأتبعه ما يعمهما وغيرها فقال: {والأقربين} أي من الأولاد وغيرهم، ثم علل ذلك بقوله: {إن يكن} أي المشهود له أو عليه {غنياً} أي ترون الشهادة له بشيء باطل دافعة ضراً منه للغير من المشهود عليه أو غيره، أو مانعة فساداً أكبر منها، أو عليه بما لم يكن صلاحاً طمعاً في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك {أو فقيراً} فيخيل إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى منه تسكن فتنة {فالله} أي ذو الجلال والإكرام {أولى بهما} أي بنوعي الغني والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم، فهو المرجو لجلب النفع ودفع الضر بغير ما ظننتموه، فالضمير من الاستخدام، ولو عاد للمذكور لوحد الضمير لأن المحدث عنه واحد مبهم. ولما كان هذا، تسبب عنه قوله: {فلا تتبعوا} أي تتكلفوا تبع {الهوى} وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في المحب له {أن} أي إرادة أن {تعدلوا} فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك. ولما كان التقدير: فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديراً، عطف عليه قوله: {وإن تلوا} أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعاً من التحريف أو تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلاً، وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل، أو الليّ {أو تعرضوا} أي عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما {فإن الله} أي المحيط علماً وقدرة {كان} أي لم يزل ولا يزال {بما تعملون خبيراً *} أي بالغ العلم باطناً وظاهراً، فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه، فاحذروه إن خنتم، وارجوه إن وفيتم، وذلك بعد ما مضى من تأديبهم على وجه الإشارة والإيماء من غير أمر، وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام الختامين: ختام هذه بصفة الخبر, وتلك بصفتي السمع والبصر. ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته وبيان فائدته فقال: {يا أيها الذين ءامنوا} أي أقروا بالإيمان؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال مفصلاً له: {ءامنوا بالله} أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع صفات الكمال كلها. ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال: {ورسوله} أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر {والكتاب الذي نزل} أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً {على رسوله} أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق {والكتاب الذي أنزل} أي أوجد إنزاله ومضى؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد بقوله: {من قبل} من الإنجيل والزبور والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله. ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالماً بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا من الله بنياً للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم بالفاعل، وصرحت قراءة الباقين به. ولما كان التقدير: فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول، عطف عليه قوله: {ومن يكفر} أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات {بالله وملائكته وكتبه} أي التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة {ورسله} أي من الملائكة والبشر، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه. ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول فلا تصل إليه إلا بالرسل، ذكره بعدهم فقال: {واليوم الآخر} أي الذي أخبرت به رسله، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده، فيه تكشف الحقائق وتجمع الخلائق، ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل وتجتني ثمرات الفضل {فقد ضل} وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال: {ضلالاً بعيداً *} أي لا حيلة في رجوعه معه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين...} الآية. قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم، أو آبائهم، أو أبنائهم، لا يحابوا غنياً لغناه، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته، وفي قوله {فلا تتبعوا الهوى} فتذروا الحق، فتجوروا {وإن تلووا} يعني ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله...} الآية. قال: الرجلان يقعدان عند القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كانت البقرة أول سورة نزلت، ثم أردفها سورة النساء قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه أو يكتمها، مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي، فنزلت {كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله} يعني إن يكن غنياً أو فقيراً. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه رجلان غني وفقير، فكان حلفه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين والأقربين، أو على ذي قرابتك وأشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله تعالى رضي بالعدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، ومن الصادق على الكاذب، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس، يا ابن آدم إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، يقول: الله أولى بغنيكم وفقيركم، ولا يمنعك عنى غني ولا فَقْرُ فقير أن تشهد عليه بما تعلم فإن ذلك من الحق، قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال: يا رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: العدل أقل ما وضعت". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وإن تلووا أو تعرضوا} يقول: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة، فلا يقيم الشهادة على وجهها. والإعراض الترك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال {تلووا} تحرفوا و {تعرضوا} تتركوا. أخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {وإن تلووا} يقول: تبدلوا الشهادة {أو تعرضوا} يقول: تكتموها.
ابو السعود
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} مبالِغين في العدْل وإقامةِ القسطِ في جميع الأمورِ مجتهدين في ذلك حقَّ الاجتهاد {شُهَدَاء ٱللَّهِ} بالحق تقيمون شهاداتِكم لوجه الله تعالى وهو خبرٌ ثانٍ وقيل: حال {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} أي لو كانت الشهادةُ على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها على أن الشهادةَ عبارةٌ عن الإخبار بحق الغيرِ سواءٌ كان ذلك عليه أو على ثالث بأن تكونَ الشهادةُ مستتبِعةً لضرر ينالكم من جهة المشهودِ عليه {أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي ولو كانت على والدِيكم وأقاربِكم {إِن يَكُنَّ} أي المشهودُ عليه {غَنِيّاً} يُبتغىٰ في العادة رضاه ويُتقىٰ سَخَطُه {أَوْ فَقَيراً} يُترحّم عليه غالباً، وقرىء إن يكن غنيٌّ أو فقيرٌ على أن كان تامةٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة قوله تعالى: {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} عليه فلا يمتنعوا عنها طلباً لرضا الغِنى أو ترحماً على الفقير فإن الله تعالى أَولى بجنسي الغنيِّ والفقير المدلولِ عليهما بما ذكر ولو أن الشهادةَ عليهما مصلحةٌ لهما لما شرَعها وقرىء أَوْلى بهم {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} أي مخافةَ أن تعدِلوا عن الحق فإن اتباعَ الهوى من مظانِّ الجَوْرِ الذي حقُّه أن يُخافَ ويُحذر، وقيل: كراهةَ أن تعدِلوا بـين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا بـين الناسِ أو إرادةَ أن تعدِلوا عن الحق {وَإِن تَلْوُواْ} أي ألسنتَكم عن شهادة الحقِّ أو حكومةِ العدلُ بأن تأتوا بها لا على وجهها، وقرىء وإن تلُوا من الولاية والتصدي أي وإن وَلِيتم إقامةَ الشهادة {أَوْ تُعْرِضُواْ} أي عن إقامتها رأساً {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} مِن لَيِّ الألسنةِ والإعراضِ بالكلية أو من جميعِ الأعمالِ التي من جُملتها ما ذكر {خَبِيراً} فيجازيكم لا محالة على ذلك فهو على القراءة المشهورةِ وعيدٌ محضٌ وعلى القراءة الأخيرةِ متضمِّنٌ للوعيد. {يأيُّها الَّذِينَ آمنُوا} خطابٌ لكافة المسلمين فمعنى قولِه تعالى: {آمنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ} اثبُتوا على الإيمان بذلك ودُوموا عليه وازدادوا فيه طُمأْنينةً ويقيناً أو آمِنوا بما ذُكر متصلاً بناء على أن إيمانَ بعضِهم إجماليٌّ، والمرادُ بالكتاب الثاني الجنسُ المنتظِمُ لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى: {أية : وَكُتُبِهِ} تفسير : [البقرة: 285، النساء: 136، التحريم: 12] وبالإيمان به الإيمانُ بأن كلَّ كتاب من تلك الكتبِ مُنزَّلٌ منه تعالى على رسول معينٍ لإرشاد أمتِه إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على أن مدارَ الإيمانِ بكل واحدٍ من تلك الكتبِ خصوصيةُ ذلك الكتابِ، ولا على أن أحكامَ تلك الكتبِ وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن الإيمانَ بالكل مندرجٌ تحت الإيمانِ بالكتاب المنزلِ على رسوله وأن أحكامَ كلَ منها كانت حقةً ثابتةً إلى ورود ما نسخها وأن ما لم ينسَخْ منها إلى الآن من الشرائع والأحكامِ ثابتةٌ من حيث إنها من أحكام هذا الكتابِ الجليلِ المصونِ عن النسخ والتبديلِ كما مر في تفسير خاتمةِ سورة البقرةِ، وقرىء نُزل وأُنزل على البناء للمفعول، وقيل: (هو خطابٌ لمؤمني أهلِ الكتابِ لما أن عبدَ اللَّه بنَ سلام وابنَ أختِه سلامةَ وابنَ أخيه سَلَمةَ وأسَداً وأُسيداً بنيْ كعبٍ وثعلبةَ بنَ قيسٍ ويامينَ بنَ يامينَ أتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراةِ وعزيرٍ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسُلِ، فقال عليه السلام: «حديث : بل آمِنوا بالله ورسولِه محمدٍ وكتابه القرآنِ وبكل كتابٍ كان قبله»تفسير : ، فقالوا: لا نفعل فنزلت) فآمنوا كلُّهم فأمرهم بالإيمان بالكتاب المتناوِلِ للتوراة مع أنهم مؤمنون بها من قبلُ ليس لكون المرادِ بالإيمان ما يعُمّ إنشاءَه والثباتَ عليه ولا لأن متعلَّقَ الأمر حقيقةً هو الإيمانُ بما عداها كأنه قيل: آمِنوا بالكل ولا تخُصُّوه بالبعض بل لأن المأمورَ له إنما هو الإيمانُ بها في ضمن الإيمانِ بالقرآن على الوجه الذي أشير إليه آنفاً لا إيمانُهم السابقُ، ولأن فيه حملاً لهم على التسوية بـينها وبـين سائر الكتبِ في التصديق لاشتراك الكلِّ فيما يوجبه وهو النزولُ من عند الله تعالى، وقيل: خطابٌ لأهل الكتابـين فالمعنى آمنوا بالكل لا ببعض دون بعضٍ وأمرٌ لكل طائفةٍ بالإيمان بكتابه في ضمن الأمرِ بالإيمان بجنس الكتابِ لما ذكر، وقيل: هو للمنافقين، فالمعنى آمِنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي بشيء من ذلك {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} عن المقصِد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه، وزيادةُ الملائكةِ واليومِ الآخرِ في جانب الكفرِ لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمانُ أصلاً، وجمعُ الكتبِ والرسلِ لما أن الكفرَ بكتاب أو برسول كفرٌ بالكل، وتقديمُ الرسولِ فيما سبق لذكر الكتابِ بعنوان كونِه منزلاً عليه، وتقديمُ الملائكة والكتبِ على الرسل لأنهم وسائطُ بـين الله عز وجل وبـين الرسلِ في إنزال الكتب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ} [الآية: 135]. قال الجنيد رحمة الله عليه: لن يصل إلى قلبك روح التوحيد وله عندك حق لم تقضه أو لم تؤده. قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [الآية: 6]. قال ابن عطاء: الحسيب الذى لا يضيع عنده عمل. وقيل: الحسيب الكريم فى المحاسبة أن يوفيك ما لك ولا يناقشك فيما عليك.
القشيري
تفسير : القسط العدل، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه مِنْ كلِّ مَنْ هو لَكَ عليه أمر، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إمَّا أمر بمعروف أو زجر عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق. ومَنْ بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله. وأصل الدِّين إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله - سبحانه أحداً إمَّا والداً أو أُمّاً أو وَلَداً أو قريباً أو نسيباً، أو ادَّخر عنه نصيباً فهو بمعزل عن القيام بالقسط.
البقلي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءِ} امر سبحانه العباد بالانصاف والقسط والعدل فى الشهادة عند وقوع الحكم حين يميل النفس الى غير الله اى راقبوا فى امرى ولا تاقبوا غيرى فان الشاهد العادل اذا كان مراقبا لى يرى شهودى على كل ذرة فيفرغ بى شهادته من شهودى قال الجنيد لن يصل الى قلبك روح التوحيد وله عندك حق لم تقضه اولم تؤده.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} مبالغين فى العدل واقامة القسط فى جميع الامور مجتهدين فى ذلك حق الاجتهاد {شهداء لله} بالحق تقيمون شهاداتكم بوجه الله تعالى كما امرتم باقامتها وهو خبر ثان {ولو} كانت الشهادة {على انفسكم} بان تقروا عليها لان الشهادة على النفس اقرار على ان الشهادة عبارة عن الاخبار بحق الغير سواء كان ذلك عليه او على ثالث او بان تكون الشهادة مستتبعة لضرر ينالكم من جهة المشهود عليه بان يكون سلطانا ظالما او غيره {او الوالدين والاقربين} اى ولو كانت على والديكم واقاربكم بان تقروا وتقولوا مثلا اشهد ان لفلان على والدى كذا او على اقاربى او بان تكون الشهادة وبالا عليهم على ما مر آنفا وفى هذا بيان ان شهادة الابن على الوالدين لا تكون عقوقا ولا يحل للابن الامتناع عن الشهادة على ابويه لان فى الشهادة عليهما بالحق منعا لهما من الظلم واما شهادته لهما وبالعكس فلا تقبل لان المنافع بين الاولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز اداء الزكاة اليهم فتكون شهادة احدهما شهادة لنفسه او لتمكن التهمة {ان يكن} اى المشهود عليه {غنيا} يبتغى فى العادة رضاه ويتقى سخطه {او فقيرا} يترحم عليه غالبا وجواب الشرط محذوف لدلالة قوله تعالى {فالله اولى بهما} عليه اى فلا تمتنعوا عن اقامة الشهادة طلبا لرضى الغنى او ترحما على الفقير فان الله تعالى اولى بجنسى الغنى والفقير بالنظر لهما ولولا ان الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها وفى الحديث "حديث : "انصر اخاك ظالما او مظلوما" قيل يا رسول الله كيف ينصره ظالما قال "ان يرده عن ظلمه" فان ذلك نصره " .تفسير : معنى ومنع الظالم عن ظلمه عون له على مصلحة دينه ولذا سمى نصرا: قال السعدى قدس سره شعر : بكمراه كفتن نكو ميروى كناه بزركست وجور قوى بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكرهيج كس رانيايد بسند تفسير : {فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا} يحتمل العدل والعدول اى فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا بين الناس او ارادة ان تعدلوا عن الحق {وان تلووا} السنتكم عن شهادة الحق او حكومة العدل بان تأتوا بها لا على وجهها لىّ الشىء فتله وتحريفه ولى الشهادة تبديلها وعدم ادائها على ما شاهده بان يميل فيها الى احد الخصمين {او تعرضوا} اى عن ادائها واقامتها رأسا فالاعراض عنها كتمها {فان الله كان بما تعملون} من لىّ الالسنة والاعراض بالكلية {خبيرا} فيجازيكم لا محالة على ذلك. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان المراد بالآية القاضى يتقدم عليه الخصمان فيعرض عن احدهما او يدافع فى امضاء الحق او لا يسوى بينهما فى المجلس والنظر والاشارة ولا يمتنع ان يكون المراد بالآية القاضى والشاهد وعامة الناس فان اللفظ محتمل للجميع. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال عند نزول هذه الآية "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد حقا هو عليه وليؤده فورا ولا يلجئه الى سلطان وخصومة ليقطع بها حقه وايما رجل خاصم الى فقضيت له على اخيه بحق ليس عليه فلا يأخذنه فانما اقطع له قطعة من نار جهنم " .تفسير : كذا فى تفسير الحدادى. قال فى الاشباه أى شاهد جاز له الكتمان فقل اذا كان الحق يقوم بغيره او كان القاضى فاسقا او كان يعلم انه لا يقبل انتهى. قال الفقهاء وستر الشهادة فى الحدود افضل من ادائها لقوله عليه السلام للذى شهد عنده فى الحد "حديث : لو سترته بثوبك لكان خيرا لك " .تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : من ستر على مسلم عيبا ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة " .تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ما من امرىء ينصر مسلما فى موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل حرمته الا نصره الله تعالى فى موطن يحب فيه نصرته وما من امرىء خذل مسلما فى موضع تنتهك فيه حرمته الا خذله الله تعالى فى موضع يحب فيه نصرته " .تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ادرأوا الحدود ما استعطتم " .تفسير : ـ يحكى ـ ان مسلما قتل ذميا عمدا فحكم ابو يوسف بقتل المسلم فبلغ زبيدة امرأة هارون الرشيد فبعثت الى ابى يوسف وقالت اياك ان تقتل المسلم وكانت فى عناية عظيمة بامر المسلم فلما حضر ابو يوسف وحضر الفقهاء وجيىء باولياء الذمى والمسلم وقال له الرشيد احكم بقتله فقال يا امير المؤمنين هو مذهبى غير انى لست اقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة ان الذمى يوم قتله المسلم كان ممن يؤدى الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه شعر : توروا داريكه من بى حجتى بنهم اندر شهر باطل سنتى تفسير : وفى قوله تعالى {شهداء الله} اشارة الى عوام المؤمنين ان كونوا شهدءا لله بالتوحيد والوحدانية بالقسط يوما ما ولو كان فى آخر نفس من عمرهم على حسب ما قدر لهم الله تعالى. واشارة الى الخواص ان كونوا شهداء لله اى حاضرين مع الله بالفردانية. واشارة الى خواص الخواص ان كونوا شهداء لله فى الله غائبين عن وجودكم فى شهوده بالوحدة. وفى اشارته الى الخواص شركة للملائكة كما قال تعالى {أية : شهد الله انه لا إله الا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط} تفسير : [آل عمران: 18]. فاما اشارته الى الاخص من الانبياء وكبار الاولياء وهم اولوا العلم فمختصة بهم من سائر العالمين ولاولى العلم شركة فى شهود شهد الله انه لا اله الا هو وليس للملائكة فى هذا الشهود مدخل الا انهم قائمون بالقسط كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {شهداء}: خبر ثاني لكان، أو حال، {فالله أولى}: علة للجواب؛ أي: إن يكن المشهود عليه غنيًا عليه فلا تمتنعوا من الشهادة عليه تعظيمًا له، وإن يكن فقيرًا فلا تمتنعوا من الشهادة عليه إشفاقًا عليه، فإن الله أولى بالغني والفقير منكم، والضمير في {بهما} راجع إلى ما دل عليه المذكور، وهو جنسًا الغني والفقير، لا إليه وإلا لوحّد؛ لأن "أو" لأحد الشيئين. و {أن تعدلوا}: مفعول من أجله، ومن قرأ: تلوا ـ بضم اللام ـ فقد نقل ضم الواو إلى اللام وحذف الواوين، وقيل: من الولاية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} أي: مجتهدين في إقامة العدل مواظبين على الحكم به، وكونوا {شهداء لله بالحق} تقيمون شهادتكم لوجه الله، وابتغاء مرضاته، بلا طمع أجر ولا عرض، وهذا إن تعينت عليه، ولم يكن في تحملها مشقة، وإلا أُبيح له أجر تعبه، فأدوا شهاداتكم {ولو} كانت {على أنفسكم} بأن تقروا بالحق الذي عليها، لأن الشهادة بيان الحق، سواء كان عليها أو على غيرها، {أو} كانت الشهادة على {الوالدين والأقربين}، فلا تمنعكم الشفقة والتعظيم من إقامة الشهادة عليهما، وأحرى غيرهما من الأجانب، {إن يكن} المشهود عليه {غنيًا أو فقيرًا} فلا تميلوا عن الشهادة بالحق عليهما، تعظيمًا للغني أو شفقة للفقير، فأن {الله أولى بهما} وبالنظر لهما، فلو لم تكن الشهادة عليهما صلاحًا لهما ما شرعها، {فلا تتبعوا الهوى} فتميلوا مع الغني أو الفقير، فقد نهيتكم إرادة {أن تعدلوا} في أحكامكم، فتكونوا عدولاً، أو كراهية أو تعدلوا عن الحق أي: تميلوا، {وإن تلووا} ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل {أو تعرضوا} عن أدائها فتكتموها {فإن الله كان بما تعملون خبيرًا}، فيجازي الكاتم والمؤدي. قال صلى الله عليه وسلم عند نزولها: "حديث : مَن كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُقِم شهادتَه على من كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يَجحَد حَقًا هو عليه، وليؤُده عَفوّا، ولا يلجئه إلى السُلطان وخصوُمتِه، ليقتطع بها حقه، وأيما رجل خَاصَمَ إليَّ فقضَيتُ له على أخِيِه بحقٍ ليس له عليه، فلا يأخُذُه، فإنَما أقَطَعُ له قطعةً مِنَ النَارِ ". تفسير : الإشارة: قد أمر الحق تعالى عباده بإقامة العدل في الأمور كلها، ونهى عن مراقبة الخلق في الأشياء كلها، فيتأكد على المريد ألاَّ يراقب أحدًا من الخلق؛ وإنما يراقب الملك الحق، فيكون قويًا في الحق، يقيمه على نفسه وغيره، فلا تجتمع مراقة الحق مع مراقبة الخلق، من راقب الحق غاب عن الناس، ومن راقب الناس غاب عن الحق، وعاش مغمومًا من الخلق، ولله در القائل حيث قال: شعر : مّن رَاقّبَ الناسَ ماتَ غمًّا وفازَ باللذات الجَسُور تفسير : وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول ( مراقبةُ الخلقِ عند أهل الظاهر شيءٌ كبير، وعدم المراقبة عند الباطن أمر كبير). فإقامة العدل على النفس؛ ألاَّ يتركها تميل إلى الرخص والتأويلات، وإقامته على الوالدين تذكيرهما بالله ودلالتهما على الله بلطف ولين، وإقامته على الأقربين بنصحهم وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، كانوا أغنياء أو فقراء، وإقامته على الأجانب كذلك. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : [القراءة والحجة]: قرأ ابن عامر وحمزه {وإن تلوا} بضم اللام، بعدها واو واحدة ساكنة. الباقون يسكنون اللام بواوين بعدها أولهما مضمومة. حجة من قرأ بواو واحدة أن قال: إن ولاية الشيء اقبال عليه وخلاف الاعراض عنه. والمعنى ان تقبلوا أو تعرضوا فإن الله بما تعملون خبيراً فيجازي المحسن المقبل باحسانه، والمسيء المعرض باعراضه وتركه الاقبال على ما يلزمه ان يقبل عليه قال: ولو قرأت بالواوين، لكان فيه تكرار، لان اللي كالاعراض ألا ترى ان قوله: {أية : لووا رؤسهم ورايتهم يصدون } تفسير : معناه أعراض منهم، وترك الانقياد للحق ومثله {أية : لياً بألسنتهم } تفسير : معناه أنحراف وأخذ فيما لا ينبغي ان يأخذوا به. وحجة من قرأ بالواوين من لووا ان تقول لا يمتنع ان تتكرر اللفظتان المختلفتان بمعنى واحد على وجه التأكيد، كقوله: {فسجد الملآئكة كلهم أجمعون} وكقول الشاعر: شعر : وهند اتى من دونها النأي والبعد تفسير : وقول آخر: شعر : والفى قولها كذباً وميناً تفسير : وقالوا: أيضا يجوزان يكون تلوا كان أصله تلووا، وان الواو التي هي عين همزت لانضمامها، كما همزت في قوله: (أدروا) والقيت حركة الهمزة على اللام التي هي فاء، فصار تلوا أجاز ذلك الزجاج والفراء وأبو علي الفارسي. [المعنى واللغة]: ومعنى الآية ان الله تعالى لما حكى عن الذين سعوا إلى رسول الله في امر بني أبيرق وقيامهم لهم بالعذر، وذبهم عنهم من حيث كانوا أهل فقر وفاقة، أمر الله المؤمنين ان يكونوا {قوامين بالقسط} يعني بالعدل والقسط، والاقساط: العدل يقال: أقسط الرجل إقساطاً إذا عدل وأتى بالقسط وقسط ويقسط قسوطاً: إذا أجار وقسط البعير يقسط قسطاً إذا يبست يده ويد قسط، أي يابسة {شهد الله} وهو جمع شهيد ونصب شهداء على الحال من الضمير في قوله: {قوامين} وهو ضمير الذين آمنوا وقوله: {ولو على أنفسكم} يعني ولو كانت شهادتكم على أنفسكم أو على والديكم أو على أقرب الناس اليكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها، وقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغنى غني، ولا فقر فقير، فتجوروا، فان الله قد سوى بين الغني والفقير فيما ألزمكم من أقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل، وهو تعالى أولى بهما وأحق، لانه مالكهما والههما دونكم وهو اعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك، وفي غيره من الامور كلها منكم، فلا تتبعوا الهوى في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني أو فقير الى احدهما، فتعدلوا عن الحق أي تجوزوا عنه وتضلوا ولكن قوموا بالقسط، وأدوا الشهادة على ما امركم الله عز وجل بادائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله، فان قيل كيف تكون شهادة الانسان على نفسه حتى يامر الله تعالى بذلك، قلنا: بان يكون عليه حق لغيره، فيقرّ له ولا يجحده، فادب الله تعالى المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا واضافتهم ذلك الى غيرهم فهذا اختيار الطبري. وقال السدي: انها نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد اختصم اليه رجلان غني وفقير، فكان ضلعه مع الفقير، لظنه أن الفقير لا يظلم الغني، فابى الله تعالى إلا القيام بالقسط في أمر الغني والفقير قال: {إن تكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما} وهذا الوجه فيه بعد، لانه لا يجوز على النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحكم ان يميل إلى احد الخصمين سواء كان غنياً أو فقيراً فان ذلك ينافي عصمته وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم، او ابنائهم، ولا يجابوا غنياً لغناه، ولا مسكيناً لمسكنته وهذا هو الاولى، لانه أليق بالظاهر من غير عدول عنه. وفي الآية دلاله على جواز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، وكل ذي قرابة لمن يقرب منه، فقال ابن شهاب: كان سلف المسلمين على ذلك حتى دخل الناس فيما بعدتهم، وظهرت فيهم امور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتم إذا كان من اقربائهم وجاز ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة وبمعنى قول ابن عباس، قال قتادة، وابن زيد. وقوله: {فالله أولى بهما} إنما ثنى، ولم يقل به لانه أراد (فالله أولى بغناء الغني وفقر الفقير) لان ذلك منه تعالى وقال قوم: لم يقصد غنياً بعينه، ولا فقيراً بعينه وهو مجهول وما ذلك حكمه جاز الردّ عليه التوحيد والتثنية والجميع. وفي قراءة ابي {فالله أولى بهم} وقال قوم: (او) بمعنى الواو في هذا الموضع، فلذلك ثنى وقال آخرون: جاز تثنية قوله {بهما}، لانهما قد ذكرا، كما قيل: وله اخ أو أخت فلكل واحد منهما وقيل جاز ذلك، لانه أضمر فيه (من) كانه قال: وله أخ او اخت إن يكون من خاصم غنياً او فقيراً، بمعنى غنيين أو فقيرين {فالله أولى بهما}. وقوله: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} يحتمل ثلاثة اوجه: احدها - لا تتبعوا الهوى في ان تعدلوا عن الحق، فتجوروا بترك إقامة الشهادة بالحق. والثاني - ان يكون التقدير لا تتبعوا اهوآء أنفسكم هرباً من ان تعدلوا في إقامة الشهادة. والثالث - فلا تتبعوا الهوى، لتعدلوا، كما يقال: لا تتبع هواك لترضي ربك، بمعنى انهاك عنه كيما ترضى ربك بتركه. ذكره الفراء والزجاج. وقوله: {وإن تلووا أو تعرضوا} اختلفوا في تأويله فقال قوم: معناه وان تلووأ ايها الحكام في الحكم لاحد الخصمين على الاخر، أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيراً وحملوا الاية على انها نزلت في الحكام ذهب اليه السدي على ما قال: إنها نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وروي عن ابن عباس أنه قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي واعراضه لاحدهما على الاخر وقال اخرون: معناه وان تلووا ايها الشهداء في شهادتكم، فتحرفوها، فلا تقيموها أو تعرضوا عنها، فتتركوها ذهب اليه ابن عباس ومجاهد وقال مجاهد: معنى تلووا تبدلوا الشهادة أو تعرضوا أي تكتموها وهو قول ابي جعفر (ع) وبه قال ابن زيد والضحاك وأولى التأويلين قول من قال: إنه لي الشهادة لمن شهد له أو عليه بان يحرفها بلسانه أو يتركها، فلا يقيمها، ليبطل بذلك شهادته وأعراضه عنها فلو ترك اقامتها فلا يشهد بها. وسياق الآية يدل على ما قال ابن عباس وقوله: {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} معناه انه كان عالماً بما يكون منهم من اقامة الشهادة، وتحريفها والاعراض عنها، واللي هو المطل لما يجب من الحق قال الاعشى: شعر : يلوينني ديني النهار واقتضي ديني إذا رقد النعاس الرقدا
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} على يد محمّد (ص) بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة {كُونُواْ قَوَّامِينَ} اثبتوا على هذا الوصف فانّ تخليل الكون للدّلالة على الثّبات والدّوام، والقوّام الخارج عن الاعوجاج والمخرج نفسه وقواه وغيره عنه فانّه يستفاد من المبالغة السّراية الى الغير كما فى الظّهور او هو مأخوذ من قام عليه وبأمره اذا اصلحه {بِٱلْقِسْطِ} اى بالعدل فانّه بسبب التّسوية بين طرفى الافراط والتّفريط فى النّفس وبسبب تساوى طرفى النّزاع عند النّفس فى النّزاع الخارجىّ يمكن الخروج والاخراج عن الاعوجاج ويجوز تعلّقه بقوله تعالى {شُهَدَآءِ} متحمّلين ومؤدّين للشّهادة خبرٌ بعد خبرٍ تفسير للاوّل او حال كذلك {للَّهِ} لطلب رضا الله اوفى شهادات الحسبة لانّ فيها صاحب الحقّ هو الله، او لله باعتبار مظاهره وخلفائه ولا سيّما اتمّ مظاهره الّّذى هو علىّ (ع) والآية عامّة لكنّ المقصود والعمدة هو هذا فانّها توصية وتوطئة لتحمّل الشّهادة لعلىّ (ع) حين التمسه النّبىّ (ص) منهم بقوله: "حديث : رحم الله امرءً سمع فوعى"تفسير : ، ولأداء الشّهادة لعلىّ (ع) حين التمسه عنهم بقوله، حديث : الا فليبلغ الشّاهد منكم الغائبتفسير : ، وحين التمس علىّ (ع) عنهم بعد النّبىّ (ص) ان يؤدّوا ما سمعوا عنه، ولكن ما وفوا بهذه الوصيّة وما ادّوا {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} مضرّاً عليها فانّها احبّ الاشياء عليكم {أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} فانّهم بعد الانفس احبّ الاغيار {إِن يَكُنْ} كلّ واحد من الطّرفين {غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً} فلا تخرجوا عن الاستقامة بملاحظة انّ الفقير اولى بالانتفاع وعدم التّضرّر والغنىّ لا يتضرّر على فرض عدم وصول ماله اليه او ينتفع الغير بما له على فرض الشّهادة عليه زوراً، او بخيال انتفاعكم عن الغنىّ وعدم تضرّركم منه وعدم مبالاتكم بالفقير {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} فامتثلوا امره ولا تبالوا بتضرّر الفقير وعدم تضرّر الغنى {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} اى فى العدول عن الحقّ او بسبب العدول او لكراهة العدل فى الشّهادة {وَإِن تَلْوُواْ} السنتكم بالشّهادة حين الاداء بان تغيّروها بالسنتكم وقرئ تلوا من ولى بمعنى توجّه {أَوْ تُعْرِضُواْ} بكتمانها يجازكم الله بحسبه {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فاقيم السّبب مقام الجزاء.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ}: ملازمين القيام بالعدل مجتهدين فيه. {شُهَدَآءَ للهِ}: لوجه الله وهو خبر ثان للكون، أو حال من الضمير المستتر فى قوامين، والمراد بالقسط العدل مطلقا، فى تحمل الشهادة وفى أدائها، وفى الحكم، والأمر والنهى وغير ذلك، أى قوموا قياما عظيما بالعدل حال كونكم مقيمين الشهادة لوجه الله ان شهدتم، ويجوز أن يراد قوامين بالعدل فى أدائها، قاصدين فى أدائها وجه الله. {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ}: ولو شهدتم على أنفسكم، أو ولو كانت الشهادة على أنفسكم، بأن تقروا على أنفسكم، وتنصفوا على أنفسكم، لأن حقيقة الشهادة بيان الحق بحسب طاقة الانسان على نفسه، أو قريبة أو غيرهما كما قال: {أية : ولو كان ذا قربى }تفسير : ويجوز أن يراد بقوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} ولو عليكم وعلى قرابتكم كذا ظهر لى، والله أعلم، والحمد لله، ثم أنى رأيته نصا فى قوله: {أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ}: فليس ذلك بجائز، لأنه مذكور فى الآية بعد، فلا يراد بأنفسكم الولدان والأقربون، وعلى تتضمن الأضرار فى الجملة، أى ولو أقررتم على أنفسكم أو الوالدين والأقربين بما يكون وبالا عليكم أو عليهم، وثنى الوالد ولم يجمعه اعتبارا لأبوى كل واحد من المخاطبين، أو أريد جنس الأبوين الصادق بالآباء والأمهات، ويجوز أن يراد بقوله: {شُهَدَآءَ للهِ} شاهدين لله تبارك وتعالى بالوحدانية، وعليه فقوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِينَ} متعلق بمعنى قوله: {قَوَّامِينَ} أى تقومون على أنفسكم وأجيز تعليقه بقوامين والمعنى الأول غير هذين مع تعليقه بشهداء، أو بكانت، أو شهدتم، أو أقررتم أو نحو ذلك أولا. وقيل: الخطاب فى الآية لقرابة طعمة بن أبيرق، يقول لهم الله: لا تراعوا قرابة طعمة، فشهدوا له بما ليس حقا بل أشهدوا بما هو الحق ولو مضرة عليه، والأولى تعميم الخطاب، أمرنا الله جل وعلا أن نشهد بالحق، لا نركن الى غنى لغناه، ولا نثقل عليه لغناه، ولا نرحم فقيرا لفقره فنشهد له بما ليس له، كما قال الله جل وعلا: {إِن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا}: أى ان يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا أو كل واحد من المشهود عليه والمشهود له، وقرأ ابن مسعود عبد الله: ان يكون غنى أو فقير على أن كان لها فاعل، وليس لها خبر، ولا قول فى القرآن كان ناقصة اذا كان لها خبر، ولا أقول تامة اذا كان لها فاعل لا خبر تأدبا عن لفظ النقص، ولو كان معناه عدم الدلالة على الحدث، أو عدم المصدر، أو كان معناه الاحتياج، وذكر التمام فى بعض ألفاظ كان ملوح الى النقص فى غيرها، ثم ان لغة الفصحاء افراد ما يعود الى المعطوف والمعطوف عليه بأو التى لأحد الشيئين لا بمعنى الواو نحو: زيد أو عمرو قائم، ونحو: زيد أو عمر أو بكر قائم، لأن المراد أحد هؤلاء، وانما ثنى فى قوله: {فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} لأن هذا من باب الاستخدام البديعى، فان ضمير التثنية عائد الى جنس الغنى والفقر، وجنس الغنى واحد، وجنس الفقر آخر، وذلك اثنان لا الى الغنى والفقير المفروض أن الشهادة لهما أو عليهما. ويدل لذلك قراءة أبى: فالله أولى بهم الجمع أى بالأغنياء والفقراء، وليست نصا لجواز أن يضمر لاثنين ضمير الجمع لارادة الجنس، واعتبار عموم الجنس، لأن المفروض أن الشهادة لهما أو عليهما يتعددان، ومعنى الله أولى بهما أن الله أعلم بمصالحهما، ولولا أن الشهادة مصلحة لهما لما شرعها الله، فلا تشهدوا الغنى بما ليس له خوف فأمنه، أو طمعا فى ماله، ولا تشهدوا عليه بما ليس عليه تحاملا عليه، ولا تشهدوا على فقير بما ليس عليه احتقارا له ولا له بما ليس له ترحما قوله: {اللهُ أَوْلَى بِهِمَا} تعليل قائم مقام الجواب، أى ان يكن غنيا أو فقيرا فلا تشهدوا بما لا يجوز، أو لا تمتنعوا من الشهادة خوفا من الغنى أو طمعا فيه، أو ترحما على الفقر أو احتقار له، لأن الله أولى بالأغنياء والفقراء اذ هم عبيده. {فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعدِلُوا}: أى لأن تعدلوا، أى لأن تحكموا بالحق، وتكونوا عدولا أى لا تتبعوا الهوى لتتصفوا بالعدالة، ومن اتبعت هواه لا يكون عادلا، بل جائز أو يجوز أن يقدر ارادة أن تعدلوا، أى ارادة أن تتصفوا بالعدالة ضد الجور، والوجهان عائدان الى النهى، كأنه قيل: اتركوا الهوى ارادة العدالة أو لعدلوا، أو يجوز أن يكون المعنى لا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا بين الناس، أو لئلا تعدلوا بينهم فحذف لام التعليل ولا النافية، وفيه كثرة الحذف. ويجوز أن يكون المعنى ارادة أن تعدلوا عن الحق، أو لتعدلوا عنه، وهذه الأوجه عائدة الى المنهى عنه، وهو الاتباع، وأوجه الآية كلها من العدل الا قولى ارادة أن تعدلوا عن الحق، أو لتعدلوا عنه، فمن العدول، واذا قدرنا المضاف ككراهة أو ارادة فالمصدر مما بعد أن مفعول لأجله، واذا قدرنا لام الجر فمجرور أو منصوب لاختلافهم فى المحل بعد حذف الجار، قبل أن وان. {وَإِن تَلْوُا}: أصله تلويوا من لوى يلوى، كرمى يرمى، ثقلت الضمة على الياء، فنقلت للواو قبلها، وسكنت الياء فحذفت لالتقاء الساكنين، أو حذفت الضمة فحذفت الياء بالتقائهما، وضم ما قبلها لواو الجمع، وقرأ حمزة وابن عامر: وان تلوا بضم اللام بعدها واو واحدة هى واو الجمع، من ولى يلى، حذفت الواو التى قبل اللام كحذفها من وعد يعد، ووزن يزن، والياء من بعد اللام لالتقاء الساكنين اذ نقلت ضمتها لثقلها الى اللام الساكنة قبلها، أو حذفت فضمت اللام لواو الجمع، والمعنى على قراءة الجمهور: وان تلووا ألسنتكم عن اقامة الحق فى الشهادة أو الحكم من لى الشىء بمعنى امالته، وعلى قراءة حمزة وابن عامر أن وليتم اقامة الشهادة أو الحكم فجئتم بالحق. {أَوْ تَعْرِضُوا}: عن أدائها بالحق أو الحكم به. {فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}: فيجازيكم عليه، والآية تعم كل وساطة بين الناس، وعن ابن عباس: الآية فى الخصمين يكونان بين يد القاضى، فيكون لى القاضى واعراضه لأحدهما، وقال ابن زيد وغيره فى الشهود: يلوى الشاهد الشهادة بلسانه، ويعرض عن أدائها، وكذلك الولاية فى قراءة حمزة وابن عامر الحاكم أو الشهود.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ} مبالغين فى القيام كثرة وكيفا مستمرين على ذلك فلا شهادة للعبد لأنه لا يكون قواماً إذ لا يخرج ولا يعمل إلا بسيده {بِالْقِسْطِ} العدل {شُهَدَآءَ لِلّهِ} لوجه الله بالحق، لا لغرض دنيوى، وسواء القريب والبعيد، نفعاً أو ضراً، عموماً ولو خص الضر فى قوله: {وَلَوْ} كانت الشهادة {عَلَى أَنفُسِكُمْ} مضرة عليها، أو ولو كنتم شهداء على أنفسكم، والمراد بالشهادة بيان الحق، فتشمل الإقرار على النفس، وإن أبقى الكلام على ظاهره كان جمعاً بين الحقيقة والمجاز، أو يحمل على عموم المجاز، وذلك أن شهادة المرء على نفسه غير معهودة، إلا أنه قد يقال الإقرار فى أصل اللغة شهادة، وقد جاء: تشهد عليهم ألسنتهم، أو لو شهدتم على أنفسكم، أو ولو كانت الشهادة وبالا على أنفسكم، ولا يعلق بقوامين لأن لو قاطعه عن ذلك، لأنها تطلب فعلا، ولا بد وهى وصلية {أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} كالابن والأخ والعم {إن يَكُنْ} أى المشهود عليه {غَنِيَّاً أَوْ فَقِيراً} فلا تمتنعوا من إقامة الشهادة، أو لا تجوروا ميلا وترحموا {فَاللهُ} لأن الله {أَوْلَى بِهِمَا} منكم، وأعلم بالمحق والمبطل، اختصم غنى وفقير إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يظن أن الفقير لا يظلم الغنى فأمره الله فى هذه الآية بالقيام بالقسط مع الغنى والفقير، وكأنه قيل الله أولى بالفقير والغنى، وانظر لهما، والمراد الجنس بدليل قراءة أبىّ: فالله أولى بهم، ولا تعرض فى الآية للشهادة لهم بل عليهم، وحملها بعض على الوجهين معاً، وللآية اتصال بقصة طعمة بن أبيرق المتقدمة إذ شهد له قومه بالباطل لقرابته، وثنى الضمير مع أن العطف بأو لأنه إنما يجدر مثل ذلك، حيث تجب المطابقة، كالخبر مع المبتدأ، أو الحال مع صاحبه، والنعت مع منعوته، لا فى غير ذلك كما هنا، مع أنه يجوز عود الضمير هنا إلى الغنى والفقير، المدلول عليهما بقوله غنيّاً أو فقيراً، لا إلى المذكورين فى الآية، فإنه أولى بجنس الغنى والفقير، ومع أنه يجوز عوده إلى المشهود له والمشهود عليه، على أى وصف كان أو المدعى والمدعى عليه كذلك، وكل إما فقير أو غنى، أو كلاهما فقير أو كلاهما غنى، وعطف الأول بأو لأنه مقابل الأنفس، بخلاف الثانى،وذلك كما كان بعد غنيّاً للمقابلة، أى غنيّاً يرجى نفعه أو يخاف ضره، أو فقيراً يترحم عليه، ووجه الإفراد أن أو لأحد الشيئين، وقيل أو بمعنى الواو، وقيل للتفصيل {فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} لأن تعدلوا، أى لأن تميلوا عن الحق، أو كراهة أن تعدلوا، أى كراهة أن تعملوا بالحق، أو نهيتكم لتكونوا عادلين، من العدل ضد الجور{وَإن تَلْوُوا} ألسنتكم عن تحمل شهادة الحق، أو حكومة العدل، أى الحق أو تلووها بالتحريف، وعن ابن عباس: اللى المطل فى أدائها {أَوْ تُعْرِضُوا} عن أدائها، ولا يصح أن يراد باللىّ والإعراض معنى واحد، كقوله تعالى: {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون} تفسير : [الحجر: 30، ص: 73]، ولو أجازه الفارسى لأن العطف بأو لا بالواو، وقيل إن الخطاب للحكام، وأن اللىّ الحكم بالباطل، وأن الإعراض عدم الالتفات إلى أحد الخصمين، وهو رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما {فَإِنّ اللهَ} جازاكم الله على اللىّ أو الإعراض، لأن الله {كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من اللىّ والإعراض وغيرهما {خَبِيراً} وكان السلف يجيزون شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، حتى ظهر من الناس ما حمل الولاة على اتهام الناس، فتركت شهادة من يتهم، وكذلك كان ابن عباس يجيز شهادة كل للآخر.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} أي مواظبين على العدل في جميع الأمور مجتهدين في ذلك كل الاجتهاد لا يصرفكم عنه صارف. وعن الراغب أنه سبحانه نبه بلفظ القوّامين على أن مراعاة العدالة مرة أو مرتين لا تكفي بل يجب أن تكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن مستمرة دائمة، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً أي لا ينبغي أن يطلق فيه ذلك {شُهَدَاء} بالحق {لِلَّهِ} بأن تقيموا شهاداتكم لوجه الله تعالى لا لغرض دنيوي، وانتصاب {شُهَدَاءَ} على أنه خبر ثان لكونوا ولا يخفى ما في تقديم الخبر الأول من الحسن. وجوز أن يكون على أنه حال من الضمير المستكن فيه، وأيد بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في معنى الآية: أي كونوا قوّالين بالحق في الشهادة على من كانت ولمن كانت من قريب وبعيد، وقيل: إنه صفة {قَوَّامِينَ}، وقيل: إنه خبر {كُونُواْ} وقوّامين حال {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} أي ولو كانت الشهادة على أنفسكم، وفسرت الشهادة ببيان الحق مجازاً فتشمل الإقرار المراد هٰهنا والشهادة بالمعنى الحقيقي المراد فيما بعد فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقيل: الكلام خارج مخرج المبالغة وليس المقصود حقيقته فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز ليشمل الإقرار حيث إن شهادة المرء على نفسه لم تعهد، والجار ـ على ما أشير إليه ـ / ظرف مستقر وقع خبراً لكان المحذوفة وإن كان في الأصل صلة الشهادة لأن متعلق المصدر قد يجعل خبراً عنه فيصير مستقراً مثل الحمد لله ولا يجوز ذلك في اسم الفاعل ونحوه، ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً بخبر محذوف أي ولو كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم، وعلقه أبو البقاء بفعل دل عليه {شُهَدَاء} أي لو شهدتم على أنفسكم وجوز تعلقه ـ بقوّامين ـ وفيه بعد، {وَلَوْ} إما على أصلها أو بمعنى إن وهي وصلية، وقيل: جوابها مقدر أي لوجب أن تشهدوا عليها {أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي ولو كانت على والديكم وأقرب الناس إليكم أو ذوي قرابتكم، وعطف الأول ـ بأو ـ لأنه مقابل للأنفس وعطف الثاني عليه بالواو لعدم المقابلة. {إِن يَكُنْ} أي المشهود عليه {غَنِيّاً} يرجى في العادة ويخشى {أَوْ فَقَيراً} يترحم عليه في الغالب ويحنى، وقرأ عبد الله ـ إن يكن غني أو فقير ـ بالرفع على إن كان تامة، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله تعالى: {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي فلا تمتنعوا عن الشهادة على الغني طلباً لرضاه أو على الفقير شفقة عليه لأن الله تعالى أولى بالجنسين وأنظر لهما من سائر الناس، ولولا أن حق الشهادة مصلحة لهما لما شرعها فراعوا أمر الله تعالى فإنه أعلم بمصالح العباد منكم، وقرأ أبـيّ ـ فالله أولى بهم ـ بضمير الجمع وهو شاهد على أن المراد جنسا الغني والفقير وأن ضمير التثنية ليس عائداً على الغني والفقير المذكورين لأن الحكم في الضمير العائد على المعطوف ـ بأو ـ الإفراد كما قيل: لأنها لأحد الشيئين أو الأشياء، وقيل: إن {أَوْ} بمعنى الواو، والضمير عائد إلى المذكورين، وحكي ذلك عن الأخفش، وقيل: إنها على بابها وهي هنا لتفصيل ما أبهم في الكلام، وذلك مبني على أن المراد بالشهادة ما يعم الشهادة للرجل والشهادة عليه، فكل من المشهود له والمشهود عليه يجوز أن يكون غنياً وأن يكون فقيراً فقد يكونان غنيين، وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما فقيراً والآخر غنياً، فحيث لم تذكر الأقسام أتى ـ بأو ـ لتدل على ذلك، فضمير التثنية على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه، وقيل: غير ذلك، وقال الرضي: الضمير الراجع إلى المذكور المتعدد الذي عطف بعضه على بعض ـ بأو ـ يجوز أن يوحد وأن يطابق المتعدد، وذلك يدور على القصد، فيجوز: جاءني زيد أو عمرو وذهب، أو وهما ذاهبان إلى المسجد، وعلى هذا لا حاجة إلى التوجيه لعدم صحة التثنية ووجوب الإفراد في مثل هذا الضمير، نعم قيل: إن الظاهر الإفراد دون التثنية، وإن جاز كل منهما فيحتاج العدول عن الظاهر إلى نكتة. وادعى بعضهم أنها تعميم الأولوية ودفع توهم اختصاصها بواحد فتأمل. {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ} أي هوى أنفسكم {أَن تَعْدِلُواْ} من العدول والميل عن الحق، أو من العدل مقابل الجور وهو في موضع المفعول له، إما للاتباع المنهي عنه أو للنهي، فالاحتمالات أربعة: الأول: أن يكون بمعنى العدول وهو علة للمنهي عنه، فلا حاجة إلى تقدير، والثاني: أن يكون بمعنى العدل وهو علة للمنهي عنه فيقدر مضاف أي كراهة أن تعدلوا، والثالث: أن يكون بمعنى العدول وهو علة للنهي فيحتاج إلى التقدير كما في الاحتمال الثاني أي أنهاكم عن اتباع الهوى كراهة العدول عن الحق، والرابع: أن يكون بمعنى العدل وهو علة للنهي فلا يحتاج إلى التقدير كما في الاحتمال الأول، أي أنهاكم عن اتباع الهوى للعدل وعدم الجور. {وَإِن تَلْوُواْ} ألسنتكم عن الشهادة بأن تأتوا بها على غير وجهها الذي تستحقه كما روي ذلك عن ابن زيد والضحاك، وحكي عن أبـي جعفر / رضي الله تعالى عنه وهو الظاهر، وقيل: اللي المطل في أدائها، ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. {أَوْ تُعْرِضُواْ} أي تتركوا إقامتها رأساً وهو خطاب للشهود، وقيل: إن الخطاب للحكام، واللي الحكم بالباطل، والإعراض عدم الإلتفات إلى أحد الخصمين، ونسب هذا إلى السدي، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً، وقرأ حمزة {وَإِنْ تَلُوْا} بضم اللام وواو ساكنة وهو من الولاية بمعنى مباشرة الشهادة، وقيل: إن أصله تلووا بواوين أيضاً نقلت ضمة الواو بعد قلبها همزة، أو ابتداءاً إلى ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وعلى هذا فالقراءتان بمعنى {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من اللي والإعراض، أو من جميع الأعمال التي من جملتها ما ذكر {خَبِيراً} عالماً مطلعاً فيجازيكم على ذلك، وهو وعيد محض على القراءة الأولى، وعلى القراءة الأخيرة يحتمل أن يكون كذلك وأن يكون متضمناً «للوعد». والآية كما أخرج ابن جرير عن السدي نزلت في النبـي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان غني وفقير فكان خلقه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني فأبـى الله تعالى إلا أن يقول بالقسط في الغني والفقير، وهي متضمنة للشهادة على من ذكره الله تعالى، ولا تعرض فيها للشهادة لهم على ما هو الظاهر، وحملها بعضهم على ما يشمل القسمين، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أشرنا إليه فيجوز عنده شهادة الولد لوالده والوالد لولده. وحكي عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كان سلف المسلمين على ذلك حتى ظهر من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم فتركت شهادة من يتهم، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك بعيد جداً، وأبعد منه بمراحل ـ بل ينبغي أن يكون من باب الإشارة ـ كون المراد منها كونوا شهداء لله تعالى بوحدانيته وكمال صفاته وحقية أحكامه ولو كان ذلك مضراً لأنفسكم أو لوالديكم وأقربيكم بأن توجب الشهادة ذهاب حياة هؤلاء أو أموالهم أو غير ذلك {إِنْ يَكُنْ} أي الشاهد {غَنِيّاً} تضر شهادته بغناه {أَوْ فَقَيراً} تسد شهادته باب دفع الحاجة عليه {فَٱللَّهُ} تعالى {أَوْلَىٰ بِهِمَا} من أنفسهما، فينبغي أن يرجحا الله تعالى على أنفسهما، واستدل بالآية على أن العبد لا مدخل له في الشهادة إذ ليس قوّاماً بذلك لكونه ممنوعاً من الخروج إلى القاضي؛ وعلى وجوب التسوية بين الخصمين على الحاكم، وهو ظاهر على رأي، ووجه مناسبتها لما تقدم على ما في «البحر» «أنه تعالى لما ذكر النساء والنشوز والمصالحة عقبه بالقيام لأداء الحقوق، وفي الشهادة حقوق، أو لأنه سبحانه لما بين أن طالب الدنيا ملوم وأشار إلى أن طالب الأمرين أو أشرفهما هو الممدوح بين أن كمال ذلك أن يكون قول الإنسان وفعله لله تعالى، أو لأنه تعالى شأنه لما ذكر في هذه السورة {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ} تفسير : [النساء: 3] والإشهاد عند دفع أموالهم إليهم وأمر ببذل النفس والمال في سبيل الله تعالى وذكر قصة الخائن واجتماع قومه على الكذب والشهادة بالباطل وندب للمصالحة عقب ذلك بأن أمر عباده المؤمنين بالقيام بالعدل والشهادة لوجه الله تعالى».
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس حلقة من سلسلة التربية المنهجية، التي تولتها يد الرعاية الإلهية؛ لإخراج الأمة التي قال الله فيها:{أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : وهي حلقة من المنهج الثابت المطرد الخطو، المرسوم الأهداف لمعالجة النفس البشرية بالدواء الذي صنعه صانع هذه النفس - سبحانه - الخبير بدروبها ومنحنياتها، البصير بطبيعتها وحقيقتها، العليم بضروراتها وأشواقها، وبمقدراتها وطاقاتها.. وهذه الحلقة كما ترسم قواعد المنهج واتجاهاته الثابتة، الموضوعة للناس جميعاً، في أجيالهم كلها، لترفعهم من سفوح الجاهلية - حسب مكانهم في الدرج - وتعرج بهم في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.. هي كذلك - في الوقت ذاته - ترتسم فيها حال الجماعة المسلمة الأولى، المخاطبة بهذا القرآن؛ وتبرز من بين السطور صورة لهذة الجماعة إذ ذاك - كما هي - بكل ما فيها من بشرية. وبكل ما في بشريتها من ضعف وقوة؛ ومن رواسب جاهلية ومشاعر فطرية.. وتبرز كذلك طريقة المنهج في علاجها وتقويتها وتثبيتها على الحق الذي تمثله؛ بكل ما في وقفتها مع الحق من جهد وتضحية. ويبدأ الدرس بنداء الجماعة المؤمنة إلى النهوض بتكاليف دورها، في إقامة العدل بين الناس على النحو الفريد الذي لم يقم إلا على يد هذه الجماعة - العدل الذي تتعامل فيه الجماعة مع الله مباشرة؛ متخلصة من كل عاطفة أو هوى أو مصلحة - بما في ذلك ما يسمى مصلحة الجماعة أو الأمة أو الدولة! - متجردة من كل اعتبار آخر غير تقوى الله ومرضاته.. العدل الذي رأينا نموذجاً منه في الدرس العملي الذي ألقاه الله - سبحانه - بذاته العلية على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة في حادث اليهودي الذي سلف ذكره. يبدأ الدرس بنداء الذين آمنوا ليقيموا هذا العدل.. بصورته هذه.. ومنزل هذا القرآن يعلم حقيقة المجاهدة الشاقة، التي تتكلفها إقامة العدل على هذا النحو. وفي النفس البشرية ضعفها المعروف، وعواطفها تجاه ذاتها وتجاه الأقارب؛ وتجاه الضعاف من المتقاضين وتجاه الأقوياء أيضاً. تجاه الوالدين والأقربين، وتجاه الفقير والغني؛ تجاه المودة وتجاه الشنآن.. ويعلم أن التجرد من هذا كله يحتاج إلى جهاد شاق. جهاد للصعود إلى هذه القمة على سفوح ملساء! لا تتعلق فيها النفس بشيء إلا بحبل الله. ثم يدعوهم دعوة ثانية إلى الإيمان بعناصر الإيمان الشامل. بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ولكل عنصر من هذه العناصر قيمته في تكوين العقيدة الإيمانية؛ وقيمته في تكوين التصور الإسلامي، المتفوق على جميع التصورات الأخرى، التي عرفتها البشرية - قبل الإسلام وبعده - وهو ذاته التفوق الذي انبعث منه كل تفوق آخر أخلاقي أو اجتماعي أو تنظيمي، في حياة الجماعة المسلمة الأولى. والذي يحمل عنصر التفوق دائماً لكل جماعة تؤمن به حقاً وتعمل بمقتضياته كاملة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. حيث تحق كلمة الله - في هذا الدرس نفسه - {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}.. وبعد هذين النداءين يأخذ السياق في حملة منوعة الأساليب على المنافقين - من بقي منهم على حالة النفاق، ومن أعلن كفره بعد إعلان إسلامه - حملة يصور فيها طبيعة المنافقين، ويرسم لهم فيها صوراً زرية، من واقع ما يقومون به في الصف المسلم؛ ومن واقع مواقفهم المتلونة حسب الظروف. وهم يلقون المسلمين - إذا انتصروا - بالملق والنفاق. ويلقون الذين كفروا - إذا انتصروا كذلك - بدعواهم أنهم سبب انتصارهم! وهم يقومون للصلاة كسالى يراءون الناس. وهم مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وترد في ثنايا هذه الحملة توجيهات للمؤمنين وتحذيرات. تدل على مدى ما كان لأفاعيل المنافقين في الصف المسلم - حينذاك - من آثار، وعلى مدى ضخامة الجبهة المنافقة وتغلغلها في حياة الجماعة المسلمة؛ مما استدعى هذه الحملة، مع مراعاة "الواقع" يومئذ، وأخذ المسلمين خطوة خطوة في الابتعاد عن المنافقين واجتنابهم. من ذلك أمرهم باجتناب مجالس المنافقين التي يتداولون فيها الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. ولم يأمرهم - حينذاك - بمقاطعة المنافقين ألبتة. مما يدل على أن جبهة النفاق كانت ضخمة ومتغلغلة بصورة يصعب فيها على المسلمين مقاطعتهم! كذلك ترد في ثناياها تحذيرات للمسلمين من سمات النفاق ومقدماته؛ كي لا يقعوا فيها. وأخصها موالاة الكافرين، وابتغاء العزة عندهم، والقوة بهم! وتأمينهم بأن العزة لله جميعاً، وبأن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وذلك مع رسم الصور البشعة للمنافقين في الدنيا وفي الآخرة. وتقرير أن مكانهم في الدرك الأسفل من النار. وهذه التوجيهات والتحذيرات - بهذا الأسلوب - تشي بطريقة المنهج في علاج النفوس والأوضاع؛ وتغيير الواقع في حدود الطاقة والملابسات القائمة كذلك، حتى ينتهي إلى تغييره نهائياً؛ وإقامة "واقع" آخر جديد. كما تشي بحالة الجماعة المسلمة حينذاك وموقفها من جبهة الكفر وجبهة النفاق المتعاونتين في حرب الجماعة المسلمة والدين الجديد. ومن خلال هذه وتلك تتبين طبيعة المعركة التي كان القرآن يخوض بها الجماعة المسلمة، وطبيعة الأساليب المنهجية في قيادته للمعركة وللنفوس.. وهي المعركة الدائمة المتصلة بين الإسلام والجاهلية في كل زمان وكل مكان. وبين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين تتغير أشخاصهم ووسائلهم ولكن لا تتغير طبيعتهم ومبادئهم. ومن خلال هذا كله تبرز حقيقة هذا الكتاب.. القرآن.. ودوره في قيادة الأمة المسلمة. ليس بالأمس فقط - فما جاء ليقود جيلاً دون جيل. إنما جاء ليقود هذه الأمة، وليكون مرشدها وهاديها. في جميع الأجيال والدهور.. وفي نهاية الدرس تجيء تلك اللفتة العجيبة إلى استغناء الله - سبحانه - عن تعذيب العباد.. فهو لا يطلب منهم إلا أن يؤمنوا ويشكروا، وهو سبحانه غني عن إيمانهم وشكرهم. ولكن ذلك إنما هو لصلاح حالهم، وارتقاء مستواهم؛ حتى يتأهلوا لحياة الآخرة، ومستوى النعيم في الجنة. فإذا هم ارتكسوا وانتكسوا فإنما يؤهلون أنفسهم لمستوى العذاب في الجحيم. حيث يسقط المنافقون إلى أحط الدركات {في الدرك الأسفل من النار}.. {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله - ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين - إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما؛ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا. وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}.. إنه نداء للذين آمنوا. نداء لهم بصفتهم الجديدة. وهي صفتهم الفريدة. صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى؛ وولدوا ميلاداً آخر. ولدت أرواحهم، وولدت تصوراتهم، وولدت مبادئهم وأهدافهم، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم.. أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل.. ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه: {يا أيها الذين آمنوا...} فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى. وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى.. وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم؛ تسبق التكليف الشاق الثقيل: {كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله - ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما}.. إنها أمانة القيام بالقسط.. بالقسط على إطلاقه. في كل حال وفي كل مجال. القسط الذي يمنع البغي والظلم - في الأرض - والذي يكفل العدل - بين الناس - والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين.. ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين - كما رأينا في قصة اليهودي - ويتساوى الأقارب والأباعد. ويتساوى الأصدقاء والأعداء. ويتساوى الأغنياء والفقراء.. {كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله}.. حسبة لله. وتعاملا مباشراً معه. لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم. ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة. ولا تعاملاً مع الملابسات المحيطة بأي عنصر من عناصر القضية. ولكن شهادة لله، وتعاملاً مع الله. وتجرداً من كل ميل، ومن كل هوى، ومن كل مصلحة، ومن كل اعتبار. {ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين}.. وهنا يحاول المنهج تجنيد النفس في وجه ذاتها، وفي وجه عواطفها، تجاه ذاتها أولاً، وتجاه الوالدين والأقربين ثانياً.. وهي محاولة شاقة.. أشق كثيراً من نطقها باللسان، ومن إدراك معناها ومدلولها بالعقل.. إن مزاولتها عملياً شيء آخر غير إدركها عقلياً. ولا يعرف هذا الذي نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعياً.. ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة. لأنها لا بد أن توجد. لا بد أن توجد في الأرض هذه القاعدة. ولا بد أن يقيمها ناس من البشر. ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها الفطرية أو الاجتماعية؛ حين يكون المشهود له أو عليه فقيراً، تشفق النفس من شهادة الحق ضده، وتود أن تشهد له معاونة لضعفه. أو من يكون فقره مدعاة للشهادة ضده بحكم الرواسب النفسية الاجتماعية كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية. وحين يكون المشهود له أو عليه غنياً؛ تقتضي الأوضاع الاجتماعية مجاملته. أو قد يثير غناه وتبطره النفس ضده فتحاول أن تشهد ضده! وهي مشاعر فطرية أو مقتضيات اجتماعية لها ثقلها حين يواجهها الناس في عالم الواقع.. والمنهج يجند النفس تجاهها كذلك كما جندها تجاه حب الذات، وحب الوالدين والأقربين. {إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما}.. وهي محاولة شاقة.. ولا نفتأ نكرر أنها محاولة شاقة.. وأن الإسلام حين دفع نفوس المؤمنين - في عالم الواقع - إلى هذه الذروة، التي تشهد بها تجارب الواقع التي وعاها التاريخ - كان ينشئ معجزة حقيقية في عالم البشرية. معجزة لا تقع إلا في ظل هذا المنهج الإلهي العظيم القويم. {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا}.. والهوى صنوف شتى ذكر منها بعضها.. حب الذات هوى. وحب الأهل والأقربين هوى. والعطف على الفقير - في موطن الشهادة والحكم - هوى. ومجاملة الغني هوى. ومضارته هوى. والتعصب للعشيرة والقبيلة والأمة والدولة والوطن - في موضع الشهادة والحكم - هوى. وكراهة الأعداء ولو كانوا أعداء الدين - في موطن الشهادة والحكم - هوى.. وأهواء شتى الصنوف والألوان.. كلها مما ينهى الله الذين آمنوا عن التأثر بها, والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها. وأخيراً يجيء التهديد والإنذار والوعيد من تحريف الشهادة، والإعراض عن هذا التوجيه فيها.. {وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}.. ويكفي أن يتذكر المؤمن أن الله خبير بما يعمل، ليستشعر ماذا وراء هذا من تهديد خطير، يرتجف له كيانه.. فقد كان الله يخاطب بهذا القرآن المؤمنين! حدث أن عبدالله بن رواحة - رضي الله عنه - لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها مناصفة، حسب عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح خيبر.. أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم! فقال لهم: "والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ. ولأنتم والله أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم، على أن لا أعدل فيكم".. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض! لقد كان - رضي الله عنه - قد تخرج في مدرسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على المنهج الرباني المنفرد. وكان إنساناً من البشر خاض هذه التجربة الشاقة ونجح؛ وحقق - كما حقق الكثيرون غيره في ظل ذلك المنهج - تلك المعجزة التي لا تقع إلا في ظل ذلك المنهج! ولقد مضت القرون تلو القرون بعد تلك الفترة العجيبة؛ وحفلت المكتبات بكتب الفقه والقانون؛ وحفلت الحياة بالتنظيمات والتشكيلات القضائية؛ وضبط الإجراءات والشكليات التنظيمية. وامتلأت الرؤوس بالكلام عن العدالة؛ وامتلأت الأفواه بالحديث عن إجراءاتها الطويلة.. ووجدت نظريات وهيئات وتشكيلات منوعة لضبط هذا كله.. ولكن التذوق الحقيقي لمعنى العدالة؛ والتحقق الواقعي لهذا المعنى في ضمائر الناس وفي حياتهم؛ والوصول إلى هذه الذروة السامقة الوضيئة.. لم يقع إلا في ذلك المنهج.. في تلك الفترة العجيبة في ذروة القمة.. وبعدها على مدار التاريخ في الأرض التي قام فيها الإسلام. وفي القلوب التي عمرت بهذه العقيدة. وفي الجماعات والأفراد التي تخرجت على هذا المنهج الفريد. وهذه حقيقة ينبغي أن يتنبه إليها الذين يؤخذون بالتشكيلات القضائية التي جدت؛ وبالإجراءات القضائية التي استحدثت؛ وبالأنظمة والأوضاع القضائية التي نمت وتعقدت. فيحسبون أن هذا كله أقمن بتحقيق العدالة وأضمن مما كان في تلك الإجراءات البسيطة في تلك الفترة الفريدة! في تلك القرون البعيدة! وأن الأمور اليوم أضبط وأحكم مما كانت على صورتها البسيطة! هذا وهم تنشئه الأشكال والأحجام في تصورات من لا يدركون حقائق الأشياء والأوضاع.. إن المنهج الرباني وحده هو الذي يبلغ بالناس ما بلغ على بساطة الأشكال وبساطة الأوضاع.. وهو وحده الذي يمكن أن يبلغ بالناس هذا المستوى على ما استحدث من الأشكال والأوضاع! وليس معنى هذا أن نلغي التنظيمات القضائية الجديدة. ولكن معناه أن نعرف أن القيمة ليست للتنظيمات. ولكن للروح التي وراءها. أياً كان شكلها وحجمها وزمانها ومكانها.. والفضل للأفضل بغض النظر عن الزمان والمكان!!! {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل.. ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.. فقد ضل ضلالاً بعيداً}.. إنه النداء الثاني للذين آمنوا. بصفتهم هذه التي تفردهم من الجاهلية حولهم. وتحدد وظيفتهم وتكاليفهم. وتصلهم بالمصدر الذي يستمدون منه القوة والعون على هذه التكاليف! {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله، والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل}.. فهو بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا. بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي: فهو إيمان بالله ورسوله. يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم، وأرسل إليهم من يهديهم إليه، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم عن ربهم الذي أرسله. وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله. يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب؛ والأخذ بكل ما فيه، بما أن مصدره واحد، وطريقه واحد؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ. وهو إيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل. بما أن مصدر الكتب كلها واحد هو الله؛ وأساسها كذلك واحد هو إسلام الوجه لله؛ وإفراد الله سبحانه بالألوهية - بكل خصائصها - والإقرار بأن منهج الله وحده هو الذي تجب طاعته وتنفيذه في الحياة.. وهذه الوحدة هي المقتضى الطبيعي البديهي لكون هذه الكتب - قبل تحريفها - صادرة كلها عن الله. ومنهج الله واحد، وإرادته بالبشر واحدة، وسبيله واحد، تتفرق السبل من حولها وهي مستقيمة إليه واصلة. والإيمان بالكتاب كله - بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة - هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة. لأن تصورها لربها الواحد، ومنهجه الواحد، وطريقه الواحد، هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية. ويستقيم مع وحدة البشرية. ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد.. والذي ليس وراءه إلاَّ الضلال {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ } تفسير : وبعد الأمر بالإيمان، يجيء التهديد على الكفر بعناصر الإيمان، مع التفصيل فيها في موضع البيان قبل العقاب: {ومن يكفر بالله، وملائكته, وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فقد ضل ضلالاً بعيداً}.. وقد ذكر في الأمر الأول الإيمان بالله وكتبه ورسله. ولم يذكر الملائكة. وكتب الله تتضمن ذكر الملائكة وذكر اليوم الآخر، ومن مقتضى الإيمان بهذه الكتب الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر. ولكنه يبرزها هنا، لأنه موطن الوعيد والتهديد، الذي يبين فيه كل عنصر على التحديد. والتعبير بالضلال البعيد غالباً يحمل معنى الإبعاد في الضلال، الذي لا يرجى معه هدى؛ ولا يرتقب بعده مآب! والذي يكفر بالله الذي تؤمن به الفطرة في أعماقها كحركة ذاتية منها واتجاه طبيعي فيها، ويكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، استمداداً من كفره بالحقيقة الأولى.. الذي يكفر هذا الكفر تكون فطرته قد بلغت من الفساد والتعطل والخراب، الحد الذي لا يرجى معه هدى؛ ولا يرتقب بعده مآب! وبعد هذين النداءين للذين آمنوا يأخذ السياق في الحملة على النفاق والمنافقين. ويبدأ بوصف حالة من حالاتهم الواقعة حينذاك، تمثل موقف بعضهم، وهو أقرب المواقف إلى الحديث عن الكفر والكفار: {إن الذين آمنوا ثم كفروا. ثم آمنوا ثم كفروا. ثم ازدادوا كفراً. لم يكن الله ليغفر لهم. ولا ليهديهم سبيلاً}.. إن الكفر الذي يسبق الإيمان يغفره الإيمان ويمحوه. فالذي لم يشهد النور معذور إذا هو أدلج في الظلام.. فأما الكفر بعد الإيمان. مرة ومرة.. فهو الكبيرة التي لا مغفرة لها ولا معذرة.. إن الكفر حجاب فمتى سقط فقد اتصلت الفطرة بالخالق. واتصل الشارد بالركب. واتصلت النبتة بالنبع. وذاقت الروح تلك الحلاوة التي لا تنسى.. حلاوة الإيمان.. فالذين يرتدون بعد الإيمان مرة ومرة، إنما يفترون على الفطرة، عن معرفة. ويلجون في الغواية عن عمد. ويذهبون مختارين إلى التيه الشارد والضلال البعيد.. فعدل ألا يغفر الله لهم؛ وعدل ألا يهديهم سبيلاً؛ لأنهم هم الذين أضاعوا السبيل بعد ما عرفوه وسلكوه. وهم الذين اختاروا السيئة والعمى، بعد ما هدوا إلى المثابة والنور.. وإذا لم تتجرد النفس لله، لم تتحرر أبداً من ضغط القيم والأوضاع، والضرورات والمصالح، والحرص والشح. ولم ترتفع أبداً على المصالح والمغانم، والمطامع والمطامح. ولم تستشعر أبداً تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء التي يحسها القلب المملوء بالله، أمام القيم والأوضاع، وأمام الأشخاص والأحداث، وأمام القوى الأرضية والسلطان وأصحاب السلطان.. ومن هنا تبذر بذرة النفاق.. وما النفاق في حقيقته إلا الضعف عن الإصرار على الحق في مواجهة الباطل. وهذا الضعف هو ثمرة الخوف والطمع، وتعليقهما بغير الله؛ وثمرة التقيد بملابسات الأرض ومواضعات الناس، في عزلة عن منهج الله للحياة. فهناك مناسبة في السياق بين الحديث عن الإيمان بالله، والتجرد في القيام بالشهادة له، وبين الحديث عن النفاق - إلى جانب المناسبة العامة، التي يكونها موضوع السورة الأصيل، وهو تربية الجماعة المسلمة بمنهج الإسلام؛ ومعالجة الرواسب الباقية من الجاهلية؛ وتعبئة النفوس كذلك ضد الضعف البشري الفطري.. ثم خوض المعركة - بهذه الجماعة - مع المشركين من حواليها، ومع المنافقين فيها. والسياق متصل في هذا الهدف العام - من مبدأ السورة إلى منتهاها. وهكذا يستغرق الحديث عن النفاق والمنافقين بقية هذا الدرس، وهو ختام هذا الجزء.. بعد تلك الصورة التي رسمتها الآية السابقة لطائفة من المنافقين آمنوا ثم كفروا. ثم آمنوا ثم كفروا. ثم ازدادوا كفراً.. ومن هنا تبدأ الحملة التي سبقت الإشارة إليها على النفاق والمنافقين بشتى أساليبها الجديرة بالدراسة والتأمل؛ لمعرفة طبيعة المنهج وهو يزاول العمل على الطبيعة؛ وفي واقع الحياة والقلوب! {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعاً. وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. إنكم إذاً مثلهم. إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً. الذين يتربصون بكم. فإن كان لكم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً. إن المنافقين يخادعون الله - وهو خادعهم - وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس. ولا يذكرون الله إلا قليلاً مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}.. تبدأ الحملة بهذا التهكم الواضح في استعمال كلمة "بشر" مكان كلمة أنذر. وفي جعل العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين بشارة! ثم ببيان سبب هذا العذاب الأليم، وهو ولايتهم للكافرين دون المؤمنين؛ وسوء ظنهم بالله؛ وسوء تصورهم لمصدر العزة والقوة. {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعاً}.. والكافرون المذكورون هنا هم - على الأرجح - اليهود؛ الذين كان المنافقون يأوون إليهم؛ ويتخنسون عندهم، ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد. والله - جل جلاله - يسأل في استنكار: لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان؟ لم يضعون أنفسهم هذا الموضع، ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف؟ أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين؟ لقد استأثر الله - عز وجل - بالعزة؛ فلا يجدها إلا من يتولاه؛ ويطلبها عنده؛ ويرتكن إلى حماه. وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين، وصفتهم الأولى، وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين، كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى؛ وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون. وتقرر أن العزة لله وحده؛ فهي تطلب عنده وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين! ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة، فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه. وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها.. العبودية لله.. فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى؛ وأشخاص شتى؛ واعتبارات شتى، ومخاوف شتى. ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار.. وإنه إما عبودية لله كلها استعلاء وعزة وانطلاق. وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وأغلال.. ولمن شاء أن يختار.. وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن. وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله. وما أحوج ناساً ممن يدعون الإسلام؛ ويتسمون بأسماء المسلمين، وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض، أن يتدبروا هذا القرآن.. إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين.. وإلا فإن الله غني عن العالمين! ومما يلحق بطلب العزة عند الكفار وولايتهم من دون المؤمنين: الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر؛ واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسباً وقرابة! كما يعتز ناس بالفراعنة والأشوريين والفينيقيين والبابليين وعرب الجاهلية اعتزازاً جاهلياً، وحمية جاهلية.. روى الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عباس. عن حميد الكندي عن عبادة ابن نسي، "حديث : عن إبى ريحانة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزاً وفخراً، فهو عاشرهم في النار ". تفسير : ذلك أن آصرة التجمع في الإسلام هي العقيدة. وأن الأمة في الإسلام هي المؤمنون بالله منذ فجر التاريخ. في كل أرض، وفي كل جيل. وليست الأمة مجموعة الأجيال من القدم، ولا المتجمعين في حيز من الأرض في جيل من الأجيال. وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلساً يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فيسكت ويتغاضى.. يسمي ذلك تسامحاً، أو يسميه دهاء، أو يسميه سعة صدر وأفق وإيماناً بحرية الرأي!!! وهي هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله؛ وهو يموه على نفسه في أول الطريق، حياء منه أن تأخذه نفسه متلبساً بالضعف والهوان! إن الحمية لله، ولدين الله، ولآيات الله. هي آية الإيمان. وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد؛ وينزاح بعدها كل حاجز، وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار. وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمداً. ثم تهمد. ثم تخمد. ثم تموت! فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس، فإما أن يدفع، وإما أن يقاطع المجلس وأهله. فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة. وهو المعبر بين الإيمان والكفر على قنطرة النفاق! وقد كان بعض المسلمين في المدينة يجلسون في مجالس كبار المنافقين - ذوي النفوذ - وكان ما يزال لهم ذلك النفوذ. وجاء المنهج القرآني ينبه في النفوس تلك الحقيقة.. حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها، هو أولى مراحل الهزيمة. وأراد أن يجنبهم إياها.. ولكن الملابسات في ذلك الحين لم تكن تسمح بأن يأمرهم أمراً بمقاطعة مجالس القوم إطلاقاً. فبدأ يأمرهم بمقاطعتها حين يسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها.. وإلا فهو النفاق.. وهو المصير المفزع، مصير المنافقين والكافرين: {وقد نزل عليكم في الكتاب: أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم، حتى يخوضوا في حديث غيره. إنكم إذاً مثلهم. إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً}.. والذي تحيل إليه الآية هنا مما سبق تنزيله في الكتاب، هو قوله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية - {أية : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره }. تفسير : والتهديد الذي يرتجف له كيان المؤمن: {إنكم إذاً مثلهم}.. والوعيد الذي لا تبقى بعده بقية من تردد: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً}.. ولكن قصر النهي على المجالس التي يكفر فيها بآيات الله ويستهزأ بها, وعدم شموله لكل علاقات المسلمين بهؤلاء المنافقين، يشي - كما أسلفنا - بطبيعة الفترة التي كانت تجتازها الجماعة المسلمة - إذ ذاك - والتي يمكن أن تتكرر في أجيال أخرى وبيئات أخرى - كما تشي بطبيعة المنهج في أخذ الأمر رويداً رويداً؛ ومراعاة الرواسب والمشاعر والملابسات والوقائع.. في عالم الواقع.. مع الخطو المطرد الثابت نحو تبديل هذا الواقع! ثم يأخذ في بيان سمات المنافقين، فيرسم لهم صورة زرية منفرة؛ وهم يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه؛ ويمسكون العصا من وسطها، ويتلوون كالديدان والثعابين: {الذين يتربصون بكم. فإن كان لكم فتح من الله، قالوا: ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}.. وهي صورة منفرة. تبدأ بتقرير ما يكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر، وما يتربصون بها من الدوائر. وهم - مع ذلك - يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون: حينئذ: {ألم نكن معكم؟}.. ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة - فقد كانوا يخرجون أحياناً يخذلون ويخلخلون الصفوف: - أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم! {وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟}.. يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم؛ وخذلوا عنهم وخلخلوا الصفوف!! وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين. في قلوبهم السم. وعلى ألسنتهم الدهان! ولكنهم بعد ضعاف؛ صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين.. وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين. ولما كانت الخطة التي اتبعها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتوجيه ربه في مسألة المنافقين، هي الإغضاء والإعراض، وتحذير المؤمنين وتبصيرهم بأمرهم؛ في الطريق إلى تصفية هذا المعسكر اللعين! فإنه يكلهم هنا إلى حكم الله في الآخرة؛ حيث يكشف الستار عنهم، وينالهم جزاء ما يكيدون للمسلمين: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة}.. حيث لا مجال للكيد والتآمر والتبييت؛ ولا مجال لإخفاء مكنونات الصدور. ويطمئن الذين آمنوا بوعد من الله قاطع؛ أن هذا الكيد الخفي الماكر، وهذا التآمر مع الكافرين، لن يغير ميزان الأمور؛ ولن يجعل الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}.. وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة. حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل. كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال. وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين. وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب، لأنه ليس فيه تحديد. والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد.. أما بالنسبة للدنيا، فإن الظواهر أحياناً قد توحي بغير هذا. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق: إنه وعد من الله قاطع. وحكم من الله جامع: أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين؛ وتمثلت في واقع حياتهم منهجاً للحياة، ونظاماً للحكم، وتجرداً لله في كل خاطرة وحركة، وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة.. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً.. وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها! وأنا أقرر في ثقة بوعد الله لا يخالجها شك، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان. إما في الشعور وإما في العمل - ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة - وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية؛ ثم يعود النصر للمؤمنين - حين يوجدون! ففي "أحد" مثلاً كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي الطمع في الغنيمة. وفي "حنين" كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل! ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئا من هذا.. نعرفه أو لا نعرفه.. أما وعد الله فهو حق في كل حين. نعم. إن المحنة قد تكون للابتلاء.. ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة، هي استكمال حقيقة الإيمان، ومقتضياته من الأعمال - كما وقع في أحد وقصه الله على المسلمين - فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه، جاء النصر وتحقق وعد الله عن يقين. على أنني إنما أعني بالهزيمة معنى أشمل من نتيجة معركة من المعارك.. إنما أعني بالهزيمة هزيمة الروح، وكلال العزيمة. فالهزيمة في معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس هموداً وكلالاً وقنوطاً. فأما إذا بعثت الهمة، وأذكت الشعلة، وبصرت بالمزالق، وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة وطبيعة الطريق.. فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد. ولو طال الطريق! كذلك حين يقرر النص القرآني: أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.. فإنما يشير إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر؛ والفكرة المؤمنة هي التي تسود. وإنما يدعو الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصوراً وشعوراً؛ وفي حياتها واقعاً وعملاً. وألا يكون اعتمادها كله على عنوانها. فالنصر ليس للعنوانات. إنما هو للحقيقة التي وراءها.. وليس بيننا وبين النصر في أي زمان وفي أي مكان، إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان. ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك.. ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدة ونستكمل القوة. ومن حقيقة الإيمان ألا نركن إلى الأعداء؛ وألا نطلب العزة إلا من الله. ووعد الله هذا الأكيد، يتفق تماماً مع حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر في هذا الكون.. إن الإيمان صلة بالقوة الكبرى، التي لاتضعف ولا تفنى.. وإن الكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها.. ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية، أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون جميعاً. غير أنه يجب أن نفرق دائماً بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان.. إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ثبوت النواميس الكونية. ذات أثر في النفس وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل. وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة أن تقهرها.. ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر فإن "حقيقة" الكفر تغلبه، إذا هي صدقت مع طبيعتها وعملت في مجالها.. لأن حقيقة أي شيء أقوى من "مظهر" أي شيء. ولو كانت هي حقيقة الكفر وكان هو مظهر الإيمان! إن قاعدة المعركة لقهر الباطل هي إنشاء الحق. وحين يوجد الحق بكل حقيقته وبكل قوته يتقرر مصير المعركة بينه وبين الباطل. مهما يكن هذا الباطل من الضخامة الظاهرية الخادعة للعيون.. {أية : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } تفسير : {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}.. ثم يمضي السياق بعد هذا الوعد القاطع المطمئن للمؤمنين، المخذّل للمنافقين الذين يتولون الكافرين يبتغون عندهم العزة.. يمضي فيرسم صورة زرية أخرى للمنافقين، مصحوبة بالتهوين من شأنهم، وبوعيد الله لهم: {إن المنافقين يخادعون الله - وهو خادعهم - وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلاً. مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}.. وهذه لمسة أخرى من لمسات المنهج للقلوب المؤمنة. فإن هذه القلوب لا بد أن تشمئز من قوم يخادعون الله. فإن هذه القلوب تعرف أن الله سبحانه - لا يخدع - وهو يعلم السر وأخفى وهي تدرك أن الذي يحاول أن يخدع الله لا بد أن تكون نفسه محتوية على قدر من السوء ومن الجهل ومن الغفلة كبير. ومن ثم تشمئز وتحتقر وتستصغر كذلك هؤلاء المخادعين! ويقرر عقب هذه اللمسة أنهم يخادعون الله {وهو خادعهم}.. أي مستدرجهم وتاركهم في غيهم؛ لا يقرعهم بمصيبة تنبههم؛ ولا يوقظهم بقارعة تفتح عيونهم.. تاركهم يمضون في طريق الهاوية حتى يسقطوا.. وذلك هو خداع الله - سبحانه - لهم.. فالقوارع والمحن كثيراً ما تكون رحمة من الله، حين تصيب العباد، فتردهم سريعاً عن الخطأ؛ أو تعلمهم ما لم يكونوا يعلمون.. وكثيراً ما تكون العافية والنعمة استدراجاً من الله للمذنبين الغاوين؛ لأنهم بلغوا من الإثم والغواية ما يستحقون معه أن يتركوا بلا قارعة ولا نذير؛ حتى ينتهوا إلى شر مصير. ثم يستمر السياق يرسم لهم صوراً زرية شائنة؛ لا تثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس. ولا يذكرون الله إلا قليلاً} فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله، والوقوف بين يديه، والاتصال به، والاستمداد منه.. إنما هم يقومون يراءون الناس. ومن ثم يقومون كسالى، كالذي يؤدي عملاً ثقيلاً؛ أو يسخر سخرة شاقة! وكذلك هم لا يذكرون الله إلا قليلاً. فهم لا يتذكرون الله إنما يتذكرون الناس! وهم لا يتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس. وهي صورة كريهة - ولا شك - في حس المؤمنين. تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز، ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين؛ وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية.. وهي مراحل في المنهج التربوي الحكيم؛ للبت بين المؤمنين والمنافقين! ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة: {مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}.. وموقف الذبذبة، والأرجحة، والاهتزاز، وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين: الصف المؤمن أو الصف الكافر.. موقف لا يثير إلا الاحتقار والاشمئزاز كذلك في نفوس المؤمنين. كما أنه يوحي بضعف المنافقين الذاتي. هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم هنا أو هناك.. ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف.. مع هؤلاء أو هؤلاء.. ويعقب على هذه الصور الزرية، وهذه المواقف المهزوزة، بأنهم قد حقت عليهم كلمة الله؛ واستحقوا ألا يعينهم في الهداية؛ ومن ثم فلن يستطيع أحد أن يهديهم سبيلاً. ولا أن يجد لهم طريقاً مستقيماً: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً}.. وإلى هنا يكون السياق قد بلغ من إثارة الاشمئزاز والاحتقار والاستضعاف للمنافقين في نفوس المؤمنين مبلغاً عظيماً.. فيلتفت بالخطاب للمؤمنين محذراً إياهم أن يسلكوا طريق هؤلاء المنافقين.. وطريق المنافقين - كما سبق - هو اتخاذهم الكفار أولياء من دون المؤمنين. ويحذرهم بطش الله ونقمته، كما يصور لهم مصير المنافقين في الآخرة. وهو مصير مفزع رعيب، مهين كذلك ذليل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. ولن تجد لهم نصيراً. إلا الذين تابوا وأصلحوا، واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله. فأولئك مع المؤمنين. وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً}.. إنها العودة إلى نداء الذين آمنوا، بالصفة التي تفرقهم وتميزهم ممن حولهم. والتي بها يتميز منهجهم وسلوكهم وواقعهم. والتي بها يستجيبون للنداء كذلك ويطيعون التوجيهات. نداء لهم بهذه الصفة أن يحذروا سلوك طريق المنافقين، ويحذروا أن يتولوا الكفار من دون المؤمنين.. وهو نداء لا بد كانت هناك حاجة إليه في المجتمع المسلم يومذاك. حيث كانت الصلات ما تزال قائمة في المجتمع بين بعض المسلمين واليهود في المدينة؛ وبين بعض المسلمين وقرابتهم في قريش - ولو من الناحية النفسية - ونقول "بعض المسلمين" لأن هناك البعض الآخر؛ الذي فصم كل علاقاته بالمجتمع الجاهلي - حتى مع الآباء والأبناء - وجعل العقيدة وحدها هي آصرة التجمع ووشيجة الرحم؛ كما علمهم الله. وذلك البعض هو الذي كانت الحاجة قائمة لتنبيهه إلى أن هذا هو طريق النفاق والمنافقين - بعد تصوير النفاق والمنافقين تلك الصور الزرية المنفرة البغيضة - وتحذيره من التعرض لغضب الله وبطشه ونقمته: {أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟} ولا يفرَق قلب المؤمن ويرتجف أكثر من فرقه وارتجافه من التعرض لبطش الله ونقمته.. ومن ثم جاء التعبير في صورة الاستفهام.. ومجرد التلويح بالاستفهام يكفي في خطاب قلوب المؤمنين! وطرقة أخرى عالية على هذه القلوب. غير موجهة إليها مباشرة. ولكن عن طريق التلويح.. طرقة تقرر المصير الرعيب المفزع المهين للمنافقين: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. ولن تجد لهم نصيراً}. في الدرك الأسفل.. إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض التي تلصقهم بالتراب، فلا ينطلقون ولا يرتفعون، ثقلة المطامع والرغائب، والحرص والحذر، والضعف والخور! الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين ومداراة المؤمنين. والوقوف في الحياة ذلك الموقف المهين: {مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء}.. فهم كانوا في الحياة الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك المصير المهين في {الدرك الأسفل من النار}.. بلا أعوان هنالك ولا أنصار.. وهم كانوا يوالون الكفار في الدنيا، فأنى ينصرهم الكفار؟ ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة.. باب التوبة لمن أراد النجاة: {إلا الذين تابوا وأصلحوا، واعتصموا بالله، وأخصلوا دينهم لله. فأولئك مع المؤمنين. وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً}.. وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول: {إلا الذين تابوا وأصلحوا}.. فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله، ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله. لأنه يواجه نفوساً تذبذبت، ونافقت، وتولت غير الله. فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح، على التجرد لله، والاعتصام به وحده؛ وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة، وتلك الأخلاق المخلخلة.. ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد.. بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار. وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين؛ المعتزين بعزة الله وحده. المستعلين بالإيمان. المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان.. وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف: {وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً}. وبهذه اللمسات المنوعة، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم، ويقلل من شأنهم؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق، ويحذرهم مصيره. ويفتح باب التوبة للمنافقين؛ ليحاول من فيه منهم خير، أن يخلص نفسه، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص.. وأخيراً تجيء تلك اللمسة العجيبة، الموحية المؤثرة العميقة.. أخيراً بعد ذكر العقاب المفزع، والأجر العظيم.. لتشعر قلوب البشر أن الله في غنى عن عذاب العباد. فما به - سبحانه - من نقمة ذاتية عليهم يصب عليهم من أجلها العذاب. وما به - سبحانه - من حاجة لإظهار سلطانه وقوته عن هذا الطريق. وما به - سبحانه - من رغبة ذاتية في عذاب الناس. كما تحفل أساطير الوثنية كلها بمثل هذه التصورات.. وإنما هو صلاح العباد بالإيمان والشكر لله.. مع تحبيبهم في الإيمان والشكر لله. وهو الذي يشكر صالح العمل ويعلم خبايا النفوس: {ما يفعل الله بعذابكم - إن شكرتم وآمنتم؟ - وكان الله شاكراً عليماً}.. نعم! ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران؛ وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان.. إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل؛ ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار البطش والسلطان.. تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً.. فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان؛ فهنالك الغفران والرضوان. وهناك شكر الله - سبحانه - لعبده. وعلمه - سبحانه - بعبده.. وشكر الله - سبحانه - للعبد، يلمس القلب لمسة رفيقة عميقة.. إنه معلوم أن الشكر من الله - سبحانه - معناه الرضى، ومعناه ما يلازم الرضى من الثواب.. ولكن التعبير بأن الله - سبحانه - شاكر.. تعبير عميق الإيحاء! وإذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين.. يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم.. وهو غني عنهم وعن إيمانهم وعن شكرهم وامتنانهم.. إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر.. فماذا ينبغي للعباد المخلوقين المحدثين؛ المغمورين بنعمة الله.. تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم؟! ألا إنها اللمسة الرفيقة العميقة التي ينتفض لها القلب ويخجل ويستجيب. ألا إنها الإشارة المنيرة إلى معالم الطريق.. الطريق إلى الله الواهب المنعم، الشاكر العليم.. وبعد.. فهذا جزء واحد، من ثلاثين جزءاً، من هذا القرآن.. يضم جناحيه على مثل هذا الحشد العجيب من عمليات البناء والترميم؛ والتنظيف والتقويم. وينشئ في عالم النفس، وفي واقع المجتمع، وفي نظام الحياة، ذلك البناء الضخم المنسق العريض. ويعلن مولد الإنسان الجديد؛ الذي لا تعرف له البشرية من قبل ولا من بعد مثيلاً ولا شبيهاً، في مثاليته وواقعيته. وفي نظافته وتطهره، مع مزاولة نشاطه الإنساني في شتى الميادين.. هذا الإنسان الذي التقطه المنهج الرباني من سفح الجاهلية، ودرج به في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة. في يسر. وفي رفق وفي لين..
ابن عاشور
تفسير : انتقال من الأمر بالعدل في أحوال معيّنة من معاملات اليتامى والنساء إلى الأمر بالعدل الذي يعمّ الأحوال كلّها، وما يقارنه من الشهادة الصادقة، فإنّ العدل في الحكم وأداء الشهادة بالحقّ هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قيد أنملة يَجرّ إلى فساد متسلسل. وصيغة {قوّامين} دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال. والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قائماً بالقسط} تفسير : في سورة آل عمران (18). وعدل عن لفظ العدل إلى كلمة القسط لأنّ القسط كلمة معرّبَة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحُكم، وأمّا لفظ العدل فأعمّ من ذلك، ويدلّ لذلك تعقيبه بقوله: {شُهداء لله} فإنّ الشهادة من علائق القضاء والحكمِ. و{لله} ظرف مستقرّ حال من ضمير {شهداء} أي لأجل الله، وليست لام تعدية {شهداء} إلى مفعوله، ولم يذكر تعلّق المشهود له بمتعلَّقه وهو وصف {شهداء} لإشعار الوصف بتعيينه، أي المشهود له بحقّ. وقد جمعت الآية أصليَ التحاكم، وهما القضاء والشهادة. وجملة {ولو على أنفسكم} حالية، و(لو) فيها وصلية، وقد مضى القول في تحقيق موقع (لو) الوصلية عند قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به} تفسير : في سورة آل عمران (91). ويتعلّق {على أنفسكم} بكلَ من {قوّامين} و{شُهداء} ليشمل القضاء والشهادة. والأنفس: جمع نفس؛ وأصلها أن تطلق على الذات، ويطلقها العرب أيضاً على صميم القبيلة، فيقولون: هو من بني فلان من أنفسهم. فيجوز أن يكون {أنفسكم} هنا بالمعنى المستعمل به غالباً، أي: قوموا بالعدل على أنفسكم، واشهدوا لله على أنفسكم، أي قضاء غالباً لأنفسكم وشهادة غالبة لأنفسكم، لأنّ حرف (على) مؤذن بأنّ متعلّقة شديد فيه كلفة على المجرور بعلى، أي ولو كان قضاء القاضي منكم وشهادة الشاهد منكم بما فيه ضرّ وكراهة للقاضي والشاهد، وهذا أقصى ما يبالغ عليه في الشدّة والأذى، لأنّ أشقّ شيء على المرء ما يناله من أذى وضرّ في ذاته، ثمّ ذكر بعد ذلك الوالدان والأقربون لأنّ أقضية القاضي وشهادة الشاهد فيما يلحق ضرّاً ومشقّة بوالديه وقرابته أكثر من قضائه وشهادته فيما يؤول بذلك على نفسه. ويجوز أن يراد: ولو على قيبلتكم أو والديكم وقرابتكم. وموقع المبالغة المستفادة من (لو) الوصلية أنّه كان من عادة العرب أن ينتصروا بمواليهم من القبائل ويدفعوا عنهم ما يكرهونه، ويرون ذلك من إباء الضيم، ويرون ذلك حقّاً عليهم، ويعدّون التقصير في ذلك مسبّة وعاراً يقضي منه العجب. قال مرّة بن عداء الفقسي:شعر : رأيت مواليّ الآلَى يخذلونَني على حدثان الدهر إذ يتقلب تفسير : ويعدّون الاهتمام بالآباء والأبناء في الدرجة الثانية، حتّى يقولون في الدعاء: (فذاك أبي وأمي)، فكانت الآية تبطل هذه الحميّة وتبعث المسلمين على الانتصار للحقّ والدفاع عن المظلوم. فإن أبيتَ إلاّ جعل الأنفس بمعنى ذوات الشاهديِنَ فاجعل عطف «الوالدين والأقربين» بعد ذلك لقصد الاحتراس لئلاّ يظنّ أحد أنّه يشهد بالحقّ على نفسه لأنّ ذلك حقّه، فهو أمير نفسه فيه، وأنّه لا يصلح له أن يشهد على والديه أو أقاربه لما في ذلك من المسبّة والمعرّة أو التأثمّ، وعلى هذا تكون الشهادة مستعملة في معنى مشترك بين الإقرار والشهادة، كقوله: {أية : شهد الله أنّه لا إلٰه إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط}تفسير : [آل عمران: 18]. وقوله {إن يكن غنياً أو فقيراً} استئناف واقع موقع العلّة لمجموع جملة {كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله}: أي إن يكن المُقْسَط في حقّه، أو المشهودُ له، غنيّاً أو فقيراً، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه والشهادة له أو عليه. والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها. وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل. وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة. ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئاً؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله: {إن يكن غنياً أو فقيراً فاللهُ أولى بهما}. وهذا الترديد صالح لكلّ من أصحاب هذين التوهّمين، فالذي يعظّم الغنيّ يَدحض لأجله حقّ الفقير، والذي يَرقّ للفقير يَدحض لأجله حقّ الغنيّ، وكِلاَ ذلك باطل، فإنّ الذي يراعي حال الغنيّ والفقير ويقدّر إصلاح حال الفريقين هو الله تعالى. فقوله: {فالله أولى بهما} ليس هو الجواب، ولكنّه دليله وعلّته، والتقدير: فلا يهمّكم أمرهما عند التقاضي، فالله أولى بالنظر في شأنهما، وإنّما عليكم النظر في الحقّ. ولذلك فرّع عليه قوله: {فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا} فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى. والغنيّ: ضد الفقير، فالغِنَى هو عدم إلى الاحتياج إلى شيء، وهو مقول عليه بالتفاوت، فيُعْرَف بالمتعلّق كقوله: «كلانا غَنيّ عَن أخيه حياتَه»، ويُعْرف بالعرف يقال: فلان غني، بمعنى له ثروة يستطيع بها تحصيل حاجاته من غير فضل لأحد عليه، فوجدان أجور الأجرَاء غنى، وإن كان المستأجر محتاجاً إلى الأجراء، لأنّ وجدان الأجور يجعله كغير المحتاج، والغنى المطلق لا يكون إلاّ لله تعالى. والفقير: هو المحتاج إلاّ أنه يقال افتقر إلى كذا، بالتخصيص، فإذا قيل: هو فقير، فمعناه في العرف أنّه كثير الاحتياج إلى فضل الناس، أو إلى الصبر على الحاجة لقلّة ثروته، وكلّ مخلوق فقيرٌ فقراً نسبياً، قال تعالى: {أية : والله الغني وأنتم الفقراء}تفسير : [محمد: 38]. واسم {يكن} ضمير مستتر عائد إلى معلوم من السياق، يدلّ عليه قوله: {قوّامين بالقسط شهداء لله} من معنى التخاصم والتقاضي. والتقدير: أن يكن أحد الخصمين من أهل هذا الوصف أو هذا الوصف، والمراد الجنسان، و(أو) للتقسيم، وتثنية الضمير في قوله: {فالله أولى بهما} لأنّه عائد إلى «غنياً وفقيراً» باعتبار الجنس، إذ ليس القصد إلى فرد معيّن ذي غني، ولا إلى فرد معيّين ذي فقر، بل فرد شائع في هذا الجنس وفي ذلك الجنس. وقوله: {أن تعدلوا} محذوف منه حرف الجرّ، كما هو الشأن مع أن المصدرية، فاحتمل أن يكون المحذوف لام التعليل فيكون تعليلاً للنهي، أي لا تتّبعوا الهوى لتعدلوا، واحتمل أن يكون المحذوف (عن)، أي فلا تتّبعوا الهوى عن العدل، أي معرضين عنه. وقد عرفتُ قاضياً لا مطعن في ثقته وتنزّهه، ولكنّه كان مُبتلًى باعتقاد أنّ مظنّة القدرة والسلطان ليسوا إلاّ ظلمة: من أغنياء أو رجال. فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين فلا يستوفي التأمّل من حججهما. وبعد أن أمر الله تعالى ونهى وحذّر، عقّب ذلك كلّه بالتهديد فقال: {وإن تَلْوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}. وقرأ الجمهور: {تَلْوُوا} ــــ بلام ساكنة وواوين بعدها، أولاهما مضمومة ــــ فهو مضارع لَوَى، واللّي: الفَتل والثَّنْي. وتفرّعت من هذا المعنى الحقيقي معان شاعت فساوت الحقيقة، منها: عدول عن جانب وإقبالٌ على جانب آخر فإذا عُدّي بعن فهو انصراف عن المجرور بعن، وإذا عديّ بإلى فهو انصراف عن جانب كان فيه، وإقبالٌ على المجرور بعلى، قال تعالى: {أية : ولا تَلْوُون على أحد}تفسير : [آل عمران: 153] أي لا تعطفون على أحد. ومن معانيه: لوى عن الأمر تثاقل، ولوى أمره عنّي أخفاه، ومنها: ليّ اللسان، أي تحريف الكلام في النطق به أو في معانيه، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : يَلْوُون ألسنتهم بالكتاب} تفسير : في سورة آل عمران (78)، وقولِه: {ليَّا بألسنتهم} في هذه السورة (46). فموقع فعل {تَلووا} هنا موقع بليغ لأنّه صالح لتقدير متعلِّقِه المحذوفِ مجروراً بحرف (عن) أو مجروراً بحرف (على) فيشمل معاني العدول عن الحقّ في الحكم، والعدول عن الصدق في الشهادة، أو التثاقل في تمكين المحقّ من حقّه وأداء الشهادة لطالبها، أو الميْل في أحد الخصمين في القضاء والشهادة. وأمّا الإعراض فهو الامتناع من القضاء ومن أداء الشهادة والمماطلة في الحكم مع ظهور الحقّ، وهو غير الليّ كما رأيت. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وخلف: {وأن تَلُوا} ــــ بلام مضمومة بعدها واو ساكنة ــــ فقيل: هو مضارع وَلِيَ الأمرَ، أي باشره. فالمعنى: وإن تلوا القضاء بين الخصوم، فيكون راجعاً إلى قوله: {أن تعدلوا} ولا يتّجه رجوعه إلى الشهادة، إذ ليس أداء الشهادة بولاية. والوجه أنّ هذه القراءة تخفيف {تَلْوُوا} نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذف أحدهما، ويكون معنى القراءتين واحداً. وقوله: {فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً} كناية عن وعيد، لأنّ الخبير بفاعل السوء، وهو قدير، لا يعوزه أن يعذبّه على ذلك. وأكّدت الجملةُ بــــ «إنّ» و«كَانَ».
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} قائمين بالعدل {شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} أَي: اشهدوا لله بالحقِّ، وإن كان الحقُّ على نفس الشَّاهد، أو على والديه، أو أقربيه {إن يكن} المشهود عليه {غنياً أو فقيراً} فلا تحابوا غنياً لغناه، ولا تحيفوا على الفقير لفقره {فالله أولى بهما} أَيْ: أعلمُ بهما منكم؛ لأنَّه يتولَّى علم أحوالهما {فلا تتبعوا الهوى} في الشَّهادة، واتقوا {إن تعدلوا} أَيْ: تميلوا وتجوروا {وإنْ تلووا} أَيْ: تدّافعوا الشَّهادة {أو تعرضوا} تجحدوها وتكتموها {فإن الله كان بما تعملون خبيراً} فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. {يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله} أَي: اثبتوا على الإِيمان {والكتاب الذي نزَّل على رسوله} القرآن {والكتاب الذي أنزل من قبل} أَيْ: كلِّ كتاب أنزل على نبيٍّ قبل القرآن. {إنَّ الذين آمنوا} أَي: اليهود آمنوا بالتَّوراة {ثمَّ كفروا} بمخالفتها {ثم آمنوا} بالإِنجيل {ثمَّ كفروا} بمخالفته {ثم ازدادوا كفراً} بمحمدٍ {لم يكن الله ليغفر لهم} ما أقاموا على ما هم عليه {ولا ليهديهم سبيلاً} سبيل هدى، ثمَّ ألحق المنافقين بهم؛ لأنَّهم كانوا يتولَّونهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قوامين: جمع قوام: وهو كثير القيام بالعدل. بالقسط: بالعدل وهو الاستقامة والتسوية بين الخصوم. شهداء: جمع شهيد: بمعنى شاهد. الهوى: ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه. تلووا: أي ألسنتكم باللفظ تحريفاً له حتى لا تتم الشهادة على وجهها. تعرضوا: تتركوا الشهادة أو بعض كلماتها ليبطل الحكم. معنى الآيات: قوله تعالى في هذه الآية [135] {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل {شُهَدَآءَ للَّهِ} إذْ بشهادتكم ينتقل الحق من شخص إلى آخر حيث أقامكم الله ربكم شهداء له في الأرض تؤدى بواسطتكم الحقوق إلى أهلها، وَبناء على هذا فأقيموا الشهادة لله ولو شهادتكم على أنفسكم أو والديكم أو أقرب الناس إليكم وسواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا يحملنكم غنى الغنى ولا فقر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها، فالله تعالى ربهما أولى بهما وهو يعطي ويمنع بشهادتكم فأقيموها وحسبكم ذلك واعلموا أنكم إن تلووا ألسنتكم بالشهادة تحريفاً لها وخروجاً بها عن أداء ما يترتب عليها أو تعرضوا عنها فتتركوها أو تتركوا بعض كلماتها فيفسد معناها ويبطل مفعولها فإن الله بعملكم ذلك وبغيره خبير وسوف يجزيكم به فيعاقبكم في الدنيا أو في الآخرة ألا فاحذروا. هذه الآية الكريمة يدخل فيها دخولاً أولياً من شهدوا لأبناء أبيرق بالإِسلام والصلاح كما هي خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة وهي أعظم آية في هذا الباب فليتق الله المؤمنون في شهادتهم. أما الآية الثانية [136] {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ} فهي في خطاب أهل الكتاب خاصة وفي سائر المؤمنين عامة فالمؤمنون تدعوهم إلى تقوية إيمانهم ليبلغوا فيه مستوى اليقين، أما أهل الكتاب فهي دعوة لهم للإِيمان الصحيح، لأن إيمانهم الذي هم عليه غير سليم فلذا دعوا إلى الإِيمان الصحيح فقيل لهم {ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} محمد {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} وهو القرآن الكريم، {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} وهو التوراة والإِنجيل، لأن اليهود لا يؤمنون بالإِنجيل، ثم أخبرهم محذراً لهم أن {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ} طريق الهدى والسعادة {ضَلاَلاً بَعِيداً} لا ترجى هدايته، وعليه فسوف يهلك ويخسر خسراناً أبدياً. ثم أخبرهم تعالى في الآية بعد هذه [137] مقرراً الحكم بالخسران الذي تضمنته الآية قبلها فقال عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه وبما جاء به {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ} أي لم يكن في سنة الله أن يغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ينجون به ويسعدون فيه ألا فليحذر اليهود والنصارى هذا وليذكروه، وإلا فالخلود في نار جهنم لازم لهم ولا يهلك على الله إلا هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب العدل في القضاء والشهادة. 2- حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه. 3- وجوب الاستمرار على الإِيمان وتقويته حتى الموت عليه. 4- بيان أركان الإِيمان وهي الإِيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر. 5- المرتد يستتاب ثلاثة أيام وإلا قتل كفراً أخذاً من قوله: {ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ}.
القطان
تفسير : القسط: العدل. قوامين بالقسط: عاملين على اقامة العدل. فلا تتّبعوا الهوى أن تعدِلوا: فلا تتبعوا الهوى كراهة ان تعدلوا. وان تلووا: وان تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق بأن تحاولوا كتمانها. او تعرضوا: تمتنعوا. بعد ان حثّ الشارع على العدل والمساواة في النساء واليتامى والضعفاء، عمّم الأمر هنا بالعدل بين الناس جميعا. والعدل أحد مبادىء الاسلام الهامة، فهو نظام الوجود، والقانون الذي لا يختلف النظر فيه. يا أيها المؤمنون.. كونوا مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته. أدّوا شهادتكم لوجه الله ولو على أنفسكم او والديكم او اقاربكم. وان كان المشهود عليه غنياً أو فقيرا فلا تمتنعوا عن أداء الشهادة احتراماً لغناه، ولا رحمةً به لفقره. ان الله أَولى بالنظر الى حال الغني والفقير منكم، فلا تتبعوا أهواءكم كراهةَ ان تعدِلوا. وإن تلووا ألسنتكم لإخفاء معالم الحق او تمتنعوا عن الشهادة فإن الله يعلم ذلك، وسوف يجازيكم عليه بالحق. يا أيها المؤمنون، آمِنوا بالله، ورسوله محمد، والقرآن الذي أوحاه إليه، وبما أنزله على من جاؤا قبل محمد من المرسلين. إن من يكفر بالله وملائكته وكتبه جميعاً ورسُله ويوم البعث قد ضلّ عن الغاية التي يجب ان يبلغها الانسان من الكمال. قراءات: قرأ نافع وابن كثير وابو بكر وابو عمرو وعاصم والكسائي "وان تلووا" كما هو هنا في المصحف، وقرأ حمزة وابن عامر "وان تلوا" يعني وان وَليتم اقامة الشهادة. وقرأ نافع والكوفيون: الذي نزَلَ، والذي أنزَلَ، بفتح النون والهمزة، والباقون "نُزل" و"أنُزل" بضم النون والهمزة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {قَوَّامِينَ} {ٱلْوَالِدَيْنِ} {تَلْوُواْ} (135) - العَدْلُ هُوَ نِظَامُ الوُجُودِ، لِذَلِكَ أمَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأنْ يَجْعَلُوا العِنَايَةَ بِإقَامَةِ العَدْلِ، عَلَى وَجْهِهِ الصَّحِيحِ، صِفَةً ثَابِتَةً لَهُمْ، رَاسِخَةً فِي نُفُوسِهِمْ (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ). وَالعَدْلُ كَمَا يَكُونُ فِي الحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ، يَكُونُ أيْضاً فِي العَمَلِ: كَالقِيَامِ بِمَا يَجِبُ مِنَ العَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَالأوْلاَدِ، فِي النَّفَقَةِ، وَالمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمْ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ للهِ، بِأنْ يَتَحَرَّوْا الحَقَّ الذِي يَرْضَاهُ اللهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لأحَدٍ، وَلاَ مُحَابَاةٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى نَفْسِ الإِنْسَانِ، بِأَنْ يُثْبتَ بِهَا الحَقَّ عَلَيهِ (وَمَنْ أقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِحَقٍّ فَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهَا), أوْ عَلَى وَالِدَي الإِنْسَانِ، أوْ عَلَى أقْربِ النَّاسِ إلَيهِ، إذْ لَيْسَ مِنْ بِرِّ الوَالِدَينِ، وَلاَ مِنْ صِلَةِ الرَّحْمِ، أنْ يُعَانُوا عَلَى أكْلِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ حَقٌّ، بَلِ البِرُّ وَالصِّلَةُ فِي الحَقِّ وَالمَعْرُوفِ. وَيُوصِي اللهُ تَعَالَى المُؤْمنينَ بِالتِزَامِ العَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ، وَإنْ كَانَ المَشْهُودُ عَلَيهِ مِنَ الأَقَارِبِ، سَواءٌ أكَانَ فَقِيراً أوْ غَنِياً، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى أوْلَى بِهِ، وَشَرْعُهُ أحَقُّ بِأنْ يُتَّبَعَ فِيهِ، فَحَذَارِ أنْ تُحَابُوا غَنِيّاً طَمَعاً فِي بِرِّهِ، أوْ خَوْفاً مِنْ سَطْوَتِهِ، وَحَذَارِ أنْ تُحَابُوا فَقَيراً عَطْفاً عَلَيهِ، أوْ شَفَقَةً بِهِ فَمَرْضَاةُ المَشْهُودِ عَلَيهِ لَيْسَتْ خَيراً لَكُمْ وَلاَ لَهُ مِنْ مَرْضَاةِ اللهِ، فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى لِئَلاَّ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ. وَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ أنْ لاَ يُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ وَلاَ يَتَعَمَّدُوا الكَذِبَ فِيهَا، وَأنْ لاَ يُعْرِضُوا عَنْ أدَائِهَا إذَا مَا دُعُوا إلى الشَّهَادَةِ، وَيُخْبِرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لا تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ العِبَادِ، فَلاَ يَخْفَى عَليهِ قَصْدُهُمْ، وَأَنَّهُ مُجَازِيهِمْ بِمَا يَعْمَلُونَ. أنْ تَعْدِلُوا - كَرَاهَةَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ. تَلْوُوا - تُحَرِّفُوا فِي الشَّهَادَةِ. تُعْرِضُوا - تَتْرُكُوا إقَامَتَهَا رَأْساً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة ينادي الحق عباده المؤمنين قائلاً: يا أيها الذين آمنوا، فكأنه يقدم حيثية الحكم الذي يأتي بعده، ونحن نرى القضاء البشري قبل أن ينطق بمنطوق الحكم، يورد حيثيته، فيقول: "بما أن المادة القانونية رقم كذا تنص على كذا، حكمنا بكذا". إذن: فالحيثيات تتقدم الحكم. وحيثيات الحكم الذي يحكم به الله هي الإيمان به، مثل قول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183] حيثية الكتابة هنا وفي أي حكم آخر هي إيمان العبد بالله رباً، فليسمع العبد من ربه. وسبحانه لا يكلف كل الناس بالتكاليف الإيمانية، ولكنه يكلف المؤمنين فقط. وهو يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} فالمؤمن يدخل على الإيمان بقمة القِسط، فالقسط هو العدل، والعدل أن يعطي العادل كل ذي حق حقه. وحق الإله الواحد أن يؤمن به الإنسان ويعترف أنه إله واحد. إن قمة القِسط - إذن - هي الإيمان. ومادام المؤمن قد بدأ إيمانه بقمة القِسط وهو الإيمان، فليجعل القِسط سائداً في كل تصرفاته. وإياك أن تجعل القسط أمراً أو حدثاً يقع مرة وينتهي، وإلا لما قال الحق مع إخوانك المؤمنين: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ}. ولم يقل الحق لك مع إخوانك المؤمنين: كونوا قائمين بالقسط، بل قال {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} أي أن المطلوب هو الاستمرارية للسلوك العادل. فنحن نقول: "فلان قائم" و"فلان قَوَّام". ونعرف أن كلمة "قَوَّام" هي صيغة مبالغة. وعلى ذلك يكون الأمر الألهي لكل مؤمن: لا تقم بالقسط مرة واحدة فقط، بل اجعله خصلة لازمة فيك، ولتفعل القسط في كل أمور حياتك. والقِسط كما علمنا من قبل في ظاهر أمره هو العدل،وأيضاً الأقساط هي العدل. وقد احدثت كلمة "القسط" ضجة عند العلماء، وقلنا تعليقا على ذلك: إن المسألة بسيرة.. فقسط يقسُط قسوطاً أي جار وظلم، فإذا أذهب الإنسان الجور والظلم يقال: "أقسط فلان" أي أذهب الجور. إذن: "القِسط - بكسر القاف - هو العدل الابتدائي، لكن الإقساط هو عدل أزال جوراً كان قد وقع. وهب أن أناساً جاءوا لقاضٍ فحكم بينهم بالعدل، فهذا هو القِسط، وقد يستأنف أحد الطرفين حكم المحكمة الابتدائية ووجدت محكمة الاستئناف خطأ في التطبيق فأصدرت حكماً بإزالة الجور، وهذا الحكم الذي من الدرجة الثانية اسمه إقساط. وهكذا ينتهي جدل العلماء حول هذه المسألة، فالقِسط عدل من أول درجة، والإقساط يعني أنه كان هناك جور فرُفِع، لأنه مسبوق بهمزة اسمها "همزة الإزالة"، فيقال: أعجم الكتاب. أي أن الكتاب كان فيه عجمة، أي كان بالكتاب شيء مستتر وخفيّ أي يعطي معاني الألفاظ فيزيل خفاءها. وكذلك معنى "أقسط" أي أزال الجور. والحق يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} فأنت أيها المؤمن قد فعلت بالعقل أول مرتبة في القسط؛ ورددت الإيمان إلى الرب فهو المستحق له فقط، بل لابد أن تكون الشهادة لله. لماذا؟. هب أن رجلاً كافراً بالله - والعياذ بالله - ويقيم العدل بين الناس لكنه لا يدخل بذلك في حيثية الإيمان، فالذي يدخل في حيثية الإيمان يكون قائماً بالقسط وفي باله الله وبذلك تكون الشهادة وإقامة حقوق الله لا لمنفعةٍ ولا لغايةٍ ولا لهوى ولا لغرضٍ، وإنما ليستقيم كون الله كما أراد الله، وإلا لو حكم أحد بهوى لفسدت الأرض، والحق يقول: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} تفسير : [المؤمنون: 71] لذك لا بد أن يكون المؤمن قوّاماً بالقسط وفي باله الله، ولذلك فالقيام بالقسط وحده لا يكفي، ونحن نسمع: فلان عادل ولو أنه من ديانة أخرى غير الإسلام أو كان ملحداً. ونقول: هذا العادل من أي دين أو عقيدة غير الإسلام يأخذ ثناء البشر لكنه لا يأخذ ثناء الله ولا ثوابه، ولذلك فالقوّام بالقسط يجب أن يفعل بقصد امتثال أمر الله لينال الثواب من الله. {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} والشاهد في العادة هو من يشهد لمصلحة واحد ضد آخر، وعندما يقر الشاهد بذنب فهو قد شهد على نفسه، والشاهد لمصلحة واحد إنما يفعل ذلك ليرجح الحكم، والشاهد على نفسه يقر بما فعل، والإقرار سيد الأدلة. وشهادة الشاهد تقدم للقاضي الدليل الذي يرتب عليه الحكم. وهكذا يشهد المؤمن على نفسه. وهناك معنى آخر: أنه يشهد على نفسه ولو كانت الشهادة تجر وبالا عليه، وهذه المعاني من معطيات الإشعاعات القرآنية؛ فالمؤمن يشهد على نفسه للإقرار، وقد لا تكون الشهادة على النفس بل قد تكون الشهادة واجبة عليه يؤديها لمصلحة غيره ولا يخاف فيها الشاهد من السلطان حتى وإن جار السلطان على المؤمن وأصابه بوبال في نفسه أو ماله، ومن الناس من أصابه وبال في نفسه أو أهله من السلطان لمجرد كلمة حق قيلت. فالسلطان قد لا يأخذ الإنسان بذنبه، بل قد يأخذ أهل الإنسان بهذا الذنب. والحق يوضح للعبد: لا تهتم بذلك ولا تقولن سيعذبون العيال أو سيأخذون كل شيء، إنني أنا الموجود المتكفل بعبادي. ويطلب الحق من المؤمنين: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ}. وحين يشهد الإنسان على نفسه فلن يكون أبوه أو أمه أو أحد أقاربه أعز منه. ثم يدخل بنا الحق إلى أن استحثاثات مخالفة العدالة تدخل فيها الأهواء، وحين يرجح إنسان الباطل غير الواقع على حق واقع، فالمرجح هو هوى النفس، ومنشأ الهوى أن يكون المشهود عليه غنياً فيخاف الإنسان أن يشهد عليه، فيمنعه من خير ما. ولذلك حدد الحق قوامة المؤمنين بالقسط والشهادة لله ولو على النفس أو الأب أو الأم أو الأقارب، ولا يصح أن يضع أحد من المؤمنين ثراء أو فقر المشهود له أو عليه في البال، بل يجب أن يكون البال مع الله فقط؛ لذلك قال: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ}. وقد يقول قائل: إن الهوى قد ينحاز إلى الغنيّ طمعاً في ثرائه؛ فلماذا يذكر الله الفقير أيضاً؟ ونقول: قد ينحاز الهوى إلى الفقير رحمةً بالفقير فيحدِّث الشاهد نفسه "أنه فقير ويستحق الرحمة"؛ لذلك يحذرنا الحق من الانحياز إلى الغني أو إلى الفقير. ولا دخل للشهادة بثراء الثري أو بفقر الفقير؛ لأن العبد المؤمن ليس أولى او أحق برعاية مصالح الناس من خالقهم - جل شأنه - ولذلك جاء بالحيثية الملجمة {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} أي أنك أيها العبد لم تخلق أحداً منهما ولكن الله خالق الاثنين وهو أولى بهما فليس لك أن تقيم شهادتك على الثراء أو على الفقر لأنك لست القَيّم على الوجود. والذي يفسد ويشوش على العدل هو الهوى، والمثل العربي يقول: "آفة الرأي الهوى". وإياكم أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى لا تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا بعيداً عنه. والتاريخ العربي يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى الخليفة وقال له: أعفني من القضاء! فقال الخليفة: فمن يكون للقضاء إذن وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك؟ فقال القاضي: والله يا أمير المؤمنين لقد عرف الناس عني أني أحب الرُّطب - أي البلح - وبينما أنا في بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب، ومن الطبيعي أن تكون النفس في لهفة عليه مادامت تحبه، ويتابع القاضي حكايته للخليفة: فقلت للخدام من جاء به؟ فأجاب الخادم: إنه واحد صفته كذا وكذا فتذكرت أن مَن أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين أمامي، فرددت عليه الرطب، ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب، دخل الرجل عليّ فعرفته فوالله يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أني رددت الطبق. وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء. ويتابع الحق سبحانه: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. أن تلووا في الشهادة والليّ هو التحريف.. أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، فإن الله بما تعملون خبير، أو أن يُعْرِض الشخص عن أداء الشهادة لأنه يخاف من المشهود عليه؛ لذلك يقال: إنه خائف من المشهود عليه؛ لأن الشهادة ترجح حكم المشهود له؛ لهذا فهو يعرض عن الشهادة، وإن جاء للشهادة فهو يلف الكلمات ويلوي لسانه بها؛ لذلك يقول الحق: {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. إذن فالذي يفسد العدل هو الهوى، والهوى عمل القلب؛ لذلك نحتاج إلى خبرة الخبير اللطيف. فعلينا أن نعلم أن النيات عمل القلوب، وبذلك صار العمل ينقسم الآن أمامنا إلى ثلاثة أقسام: قول لسان، وفعل بجوارح غير اللسان، ونيات قلوب وهوى. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بالإِحسان إِلى النساء والعدل في معاملتهن، أمر هنا بالعدل العام في جميع الأحكام، ودعا إِلى أداء الشهادة على الوجه الأكمل سواء كان المشهود عليه غنياً أو فقيراً، وحذّر من اتباع الهوى، ثم دعا إِلى الإِيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل، ثم أعقب ذلك بذكر أوصاف المنافقين المخزية وما لهم من العذاب والنكال في دركات الجحيم. اللغَة: {تَلْوُواْ} الليُّ: الدفع يقال لويت فلاناً حقه إِذا دفعته ومطلته ومنه الحديث "حديث : ليُّ الواجد ظلم" تفسير : أي مطل الغني ظلم {يَخُوضُواْ} الخوض: الاقتحام في الشيء ومنه خوض الماء {نَسْتَحْوِذْ} الاستحواذ: الاستيلاء والتغلب يقال استحوذ على كذا إِذا غلب عليه ومنه قوله تعالى {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [المجادلة: 19] {مُّذَبْذَبِينَ} الذبذبة: التحريك والاضطراب يقال ذبذبته فتذبذب والمذبذب المتردّد بين أمرين {ٱلدَّرْكِ} بسكون الراء وفتحها بمعنى الطبقة وهي لما تسافل قال ابن عباس: الدَّرْك لأهل النار كالدرج لأهل الجنة إِلا أن الدرجات بعضها فوق بعض، والدركات بعضها أسفل من بعض. التفسِير: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} أي يا من آمنتم بالله وصدقتم بكتابه كونوا مجتهدين في إِقامة العدل والاستقامة وأتى بصيغة المبالغة في {قَوَّامِينَ} حتى لا يكون منهم جورٌ أبداً {شُهَدَآءَ للَّهِ} أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله دون تحيز ولا محاباة {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} أي ولو كانت تلك الشهادة على أنفسكم أو على آبائكم أو أقربائكم فلا تمنعنكم القرابة ولا المنفعة عن أداء الشهادة على الوجه الأكمل فإِن الحق حاكم على كل إِنسان {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً} أي إِن يكن المشهود عليه غنياً فلا يراعى لغناه، أو فقيراً فلا يمتنع من الشهادة عليه ترحماً وإِشفاقاً {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي فالله أولى بالغني والفقير وأعلم بما فيه صلاحهما فراعوا أمر الله فيما أمركم به فإِنه أعلم بمصالح العباد منكم {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ} أي فلا تتبعوا هوى النفس مخافة أن تعدلوا بين الناس قال ابن كثير: أي لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إِليكم على ترك العدل في شئونكم بل الزموا العدل على كل حال {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} أي وإِن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو تُعرضوا عن إِقامتها رأساً {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فيجازيكم عليه {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي اثبتوا على الإِيمان ودوموا عليه {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي آمنوا بالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} أي وبالكتب السماوية التي أنزلها من قبل القرآن قال أبو السعود: المراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} أي ومن يكفر بشيء من ذلك فقد خرج عن طريق الهدى، وبَعُد عن القصد كل البعد {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} هذه الآية في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على الكفر قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في البر والبحر وقال ابن كثير: يخبر تعالى عمن دخل في الإِيمان ثم رجع فيه ثم عاد إِلى الإِيمان ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات فإِنه لا توبة له بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً ولا طريقاً إِلى الهدى ولهذا قال تعالى {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك ولا ليهديهم طريقاً إِلى الجنة قال الزمخشري: ليس المعنى انهم لو أخلصوا الإِيمان بعد تكرار الردة لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم ولكنه استبعاد له واستغراب كأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شر حال، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} عبّر تعالى بلفظ {بَشِّرِ} تهكماً بهم أي أخبر يا محمد المنافقين بعذاب النار الأليم {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أولئك هم الذين يوالون الكافرين ويتخذونهم أعواناً وأنصاراً لما يتوهمونه فيهم من القوة ويتركون ولاية المؤمنين {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} أي أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والاستفهام إِنكاري أي إِنّ الكفار لا عزة لهم فكيف تُبْتغى منهم! {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} أي العزة لله ولأوليائه قال ابن كثير والمقصود من هذا التهييجُ على طلب العزة من جناب الله {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} أي نزّل عليكم في القرآن، والخطابُ لمن أظهر الإِيمان من مؤمن ومنافق {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} أي أنزل عليكم أنه إِذا سمعتم القرآن يَكْفر به الكافرون ويَسْتهزئ به المستهزئون {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ} أي إِنكم إِن قعدتم معهم كنتم مثلهم في الكفر {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} أي يجمع الفريقين الكافرين والمنافقين في الآخرة في نار جهنم لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم.. ثم ذكر تعالى تربصهم السوء بالمؤمنين فقال {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} أي ينتظرون بكم الدوائر {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} أي غلبةٌ على الأعداء وغنيمة {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} أي فأعطونا مما غنمتموه من الكافرين {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} أي ظفرٌ عليكم يا معشر المؤمنين {قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي قالوا للمشركين ألم نغلبكم ونتمكنْ من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم وثبطنا عزائم المؤمنين حتى انتصرتم عليهم؟ فهاتوا نصيبنا مما أصبتم لأننا نواليكم ولا نترك أحداً يؤذيكم قال تعالى بياناً لمآل الفريقين {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يحكم بين المؤمنين والكافرين ويفصل بينهم بالحق {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} أي لن يمكّنَ الكفرة من رقاب المؤمنين فيبيدوهم ويستأصلوهم قال ابن كثير: وذلك بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية وإِن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان، فإِن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي يفعلون ما يفعل المخادع من إِظهار الإِيمان وإِبطان الكفر والله يجازيهم على خداعهم ويستدرجهم بأمر المؤمنين بحقن دمائهم، وقد أعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، فسمّى تعالى جزاءهم خداعاً بطريق المشاكلة لأن وبال خداعهم راجع عليهم {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ} أي يصلون وهم متثاقلون متكاسلون، لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ولا يقصدون وجه الله {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لا يذكرون الله سبحانه إِلا ذكراً قليلاً {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي مضطربين مترددين بين الكفر والإِيمان، وصفهم تعالى بالحيرة في دينهم {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ} أي لا ينتسبون إِلى المؤمنين ولا إِلى الكافرين {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي ومن يضلله الله فلن تجد له طريقاً الى السعادة والهدى، ثم حذّر تعالى المؤمنين من موالاة أعداء الدين فقال {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لا تتركوا موالاة المؤمنين وتوالوا الكفرة المجرمين بالمصاحبة والمصادقة {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي أتريدون أن تجعلوا لله حجة بالغة عليكم أنكم منافقون؟ قال ابن عباس: كل سلطانٍ في القرآن حجةٌ، ثم أخبر تعالى عن مآل المنافقين فقال {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} أي في الطبقة التي في قعر جهنم وهي سبع طبقات قال ابن عباس: أي في أسفل النار، وذلك لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإِسلام وأهله، والنارُ دركات كما أن الجنة درجات {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} أي لن تجد لهؤلاء المنافقين ناصراً ينصرهم من عذاب الله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} وهذا استثناء أي تابوا عن النفاق {وَأَصْلَحُواْ} أي أعمالهم ونياتهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ} أي تمسكوا بكتاب الله ودينه {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} أي لم يبتغوا بعملهم إِلا وجه الله {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي في زمرتهم يوم القيامة {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} أي يعطيهم الأجر الكبير في الآخرة وهو الجنة {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} أي أيُّ منفعةٍ له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغنى عنكم؟ {وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} أي شاكراً لطاعة العباد مع غناه عنهم يعطي على العمل القليل الثواب الجزيل. البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعاً من الفصاحة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المبالغة في الصيغة في {قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ} أي مبالغين في العدل. 2- الطباق بين {غَنِيّاً وفَقِيراً} وبين {آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ}. 3- الجناس الناقص في {آمَنُواْ آمِنُواْ} لتغير الشكل. 4- جناس الاشتقاق في {يُخَادِعُونَ.. خَادِعُهُمْ} وفي {جَامِعُ.. جَمِيعاً} وفي {شَكَرْتُمْ.. شَاكِراً}. 5- الأسلوب التهكمي في {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} حيث استعمل لفظ البشارة مكان الإِنذار تهكماً. 6- الاستعارة في {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} استعار اسم الخداع للمجازاة على العمل، واللهُ تعالى منزَّه عن الخداع. 7- الاستفهام الإِنكاري في {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}؟ والغرضُ منه التقريع والتوبيخ. الفوَائِد: الأولى: قوله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} ليس تكراراً وإِنما معناه اثبتوا على الإِيمان ودوموا عليه كقول المؤمن {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الفاتحة: 6] أي ثبتنا على الصراط المستقيم. الثانية: سمى تعالى ظفر المؤمنين فتحاً عظيماً ونسبه إِليه {فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ} وظفر الكافرين نصيباً {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} ولم ينسبه إِليه وذلك لتعظيم شأن المسلمين، وتخسيس حظ الكافرين. الثالثة: قال المفسرون: النار سبع دركات أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية وقد تسمى بعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها، كذا في البحر. تنبيه: المنافق أخطر من الكافر ولهذا كان عذابه أشد {إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} وقد شرط تعالى للتوبة على الكافر الانتهاء عن الكفر فقط {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} وأما المنافق فشرط عليه أربعاً: التوبة، والإِصلاح، والاعتصام، وإِخلاص الدين له فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ} فدل على أن المنافقين شرُّ من كفر به وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإِنابة إِليه ثم قال {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل فأولئك هم المؤمنون ثم قال {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} ولم يقل "وسوف يؤتيهم" بغضاً لهم وإِعراضاً عنهم وتفظيعاً لما كانوا عليه من عظم كفر النفاق، زادنا الله فهماً لأسرار كتابه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن تَلْوُواْ} معناهُ تَمْطِلُوا.
الأندلسي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، قيل: نزلت في اختصام غني وفقير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. {قَوَّٰمِينَ} صفة مبالغة في القيام. {بِٱلْقِسْطِ} وهو العدل. {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} أي تشهدون على أنفسكم أي تقرون بالحق وتقيمون القسط عليها وانتصب شهداء على أنه خبر بعد خبر ومجيء لو هنا لاستقصاء جميع ما تمكن فيه الشهادة لما كانت الشهادة من الانسان على نفسه بصدد أن لا يقيمها لما جبل عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها نبه على هذه الحال وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة. فبدأ بقوله: ولو على أنفسكم لأنه لا شيء أعز على الإِنسان من نفسه ثم ذكر الوالدين وهما أقرب إلى الإِنسان وسبب نشأته، وقد أمر ببرهما وتعظيمهما والحوطة لهما، ثم ذكر الأقربين وهم فطنة المحبة والتعصب وإذا كان هؤلاء أمر بالقيام في حقهم بالقسط والشهادة عليهم فالأجنبي أحرى بذلك. ويتعلق قوله: على أنفسكم، بمحذوف لأن التقدير وإن كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء لله، هذا تقدير الكلام. وقال ابن عطية: ولو على أنفسكم متعلق بشهداء. "انتهى". إن عنى بشهداء هذا الملفوظ به فلا يصح ذلك وإن عنى الذي قدرناه نحن فيصح. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. "انتهى". وما قاله لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كون مقيد ولا يجوز حذف الكون المقيد. لو قلت: كان زيد فيك، وأنت تريد محباً فيك، لم يجز لأن محباً كون مقيد وإنما ذلك جائز في الكون المطلق وهو تقدير كائن أو مستقر. {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} أي إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يمتنع من الشهادة عليه لغناه أو فقيراً فلا يمنعها ترحماً عليه وإشفاقاً فعلى هذا الجواب محذوف لأن العطف هو بأو ولا يثنى الضمير إذا عطف بها بل يفرد وتقدير الجواب فليشهد عليه ولا يراعي الغني لغناه أو لخوف منه ولا الفقير لمسكنته وفقره ويكون قوله: فالله أولى بهما، ليس هو الجواب بل لما جرى ذكر الغني والفقير عاد الضمير على ما دل عليه ما قبله، كأنه قيل: فالله أولى بجنس الغني والفقير، أي بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أبيّ: فالله أولى بهم ما يشهد بإِرادة الجنس. وذهب الأخفش وقوم إلى أن أوْفي معنى الواو فعلى قولهم يكون الجواب فالله أولى بهما حيث شرع الشهادة عليهما وهو أنظر لهما منكم ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرع. {وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ} الظاهر أن الخطاب للمأمورين بالقيام بالقسط والشهادة لله، والمنهيين عن اتباع الهوى. ومعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرىء وان تلوا بضم اللام بواو واحدة. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} هذا فيه وعيد لمن لوّى بالشهادة أو أعرض عنها. {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، خطاب للمؤمنين. ومعنى آمنوا داوموا على الإيمان. مناسبتها لما قبلها أنه لما أمر المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة لله بيّن أنه لا يتصف بذلك إلا من كان راسخ القدم في الإِيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية فأمر بها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، هي في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين قالوا: آمنا، وحيث لقوا أصحابهم قالوا: إنا مستهزؤن. ولذلك جاء بعده بشر المنافقين. الآية. {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} قال الزمخشري: نفي الغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإِيمان الثابت الخالص. "انتهى". ظاهر كلامه أنه يقول بقول الكوفيين وهو أنهم يقولون إذا قلت: لم يكن زيد ليقوم أن خبر لم يكن هو قولك ليقوم، واللام للتأكيد زيدت في المنفي، والمنفي هو القيام، وليست ان مضمرة بل اللام هي الناصبة. والبصريون يقولون: النصب بإِضمار ان وينسبك من أن المضمرة والفعل بعدها مصدر وذلك المصدر لا يصح أن يكون خبراً لأنه معنى المخبر عنه جثة ولكن الخبر محذوف واللام مقوية لتعدية ذلك الخبر إلى المصدر وأضمرت انْ بعدها وصارت اللام كالعوض من أن المحذوفة ولذلك لا يجوز حذف هذه اللام ولا الجمع بينها وبين ان ظاهرة ومعنى قوله: والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما ان المعنى لم يكونوا ليؤمنوا فيغفر لهم ويهديهم. {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ} الآية، الذين: خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على الذم، كأنه قال: أذم الذين أو صفة لقوله المنافقين.
الجيلاني
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ} مداومين مواظبين {بِٱلْقِسْطِ} بإقامة العدل والإنصاف بينكم، وإن كنتم {شُهَدَآءَ} في الوقائع كونوا شهداء مخلصين {للَّهِ} في أدائها بلا ميل وزور وإخفاء {وَلَوْ} كنتم شاهدين {عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} باعتراف ما على ذمتكم من حقوق الغير {أَوِ} ذمة {ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَ} ذمم {ٱلأَقْرَبِينَ} فعليكم إيها الشهداء أن تقسطوا في أداء الشهادة بلا حيف وميل {إِن يَكُنْ} المشهود عليه، أو المشهود له {غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً} يعني: ليس لكم أن تراعوا جانب الفقير وتجانوبا عن الغني، بل ما عليكم إلا أداء ما عندكم من الشهادة على وجهها {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} برعايتهما وإصلاحهما {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ} أي: ما تهوى نفوسكم، وتميل قلوبكم إليه إن أردتم {أَن تَعْدِلُواْ} في أداء الشهادة {وَإِن تَلْوُواْ} تغيروا وتحرفوا ألسنتكم عما ثبت وتحقق عندكم {أَوْ تُعْرِضُواْ} عن أدائها مطلقاً، ألجموا بلجاممم من نار على ما نطق به الحديث، صلوات الله على قائله {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المجازي لعباده {كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من تغيركم وإعراضكم {خَبِيراً} [النساء: 135] يجازيكم على مقتضى خبرتهز {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: الذين يدعون الإيمان، ويجرون كلمة التوحيد على اللسان على وجه التقليد والحسبان، وينكرون طريق أهل التوحيد والعرفان، ونسبون أهله إلى الإيمان والطغيان {ءَامِنُواْ} أيقنوا وأذعنوا {بِٱللَّهِ} المتفرد في ذاته المتوحد في أسمائه وصفاته حتى عوينوا، وكوشفوا بتوحيده {وَرَسُولِهِ} أي: خليفته المصورة بصورته المبعوث على كافة بريته، الجامع لجميع مراتب أوصافه وأسمائه {وَٱلْكِتَٰبِ} المبين لطريق توحيده {ٱلَّذِي نَزَّلَ} من فضله ولطفه {عَلَىٰ رَسُولِهِ} المظهر لتوحيده الذاتي {وَ} جميع {ٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ} من عنده {مِن قَبْلُ} على الرسل الماضين المبعوثين على الأمم الماضية، الظاهرين بتوحيد صفاته وأفعاله {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ} الأحد الصمد باعتقاد الوجود لغير الله من الأظلال والعكوس {وَمَلآئِكَتِهِ} أوصافه وأسمائه المنتشئة من شئونه وصنوف كمالاته {وَكُتُبِهِ} المنتخبة من شئونه وتصوراته وتنوزلاته على هيئة الصوت الحرف؛ ليبين بها طريق التوحيد على التائهين في بيدان الغفلة، المنهمكين في بحر الضلال {وَرُسُلِهِ} المكاشفين بمقاصد كتبه، المتحققين المتصفين على جميع ما أمر ونهى فيها المأمورين بتبليغها والإرشاد إلى مقاصدها {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} المعد لجزاء من يتنبه ويتفطن من إنزال الكتب وإرسال الرسل، ومن لم يتنبه ولم يتفطن؛ إذ الحكمة تقتضي التفضل والترحم على من تنبه إلى طريق الحق بعد ورود المنبه والمبين، والانتقام على من لم يتنبه ولم يؤمن، بل ينكر ويكفر، ومن يكفر {فَقَدْ ضَلَّ} عن طريق التوحيد {ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 136] إلى حيث لا يتمنى هدايته وفلاحه. من يضلل الله فلا هادي له، نعوذ بك منك يا أرحم الراحمين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن قسط الشهداء ولو على الآباء والأقرباء بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ} [النساء: 135]، إشارة في الآية: أمر الله في خطابه مع المؤمنين حيث قال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ} [النساء: 135] أمر تكوين وتحويل، فلا بد وأن يكونوا كما كونهم، نظيره قوله تعالى: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً} تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت كما أمرت وكونت، فلما قال تعالى للمؤمنين الذين كونوا مشاراً إليهم بذكر الإيمان: {كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ} [النساء: 135]، فيكونوا قائمين به وبحكمته البالغة وفي قوله: {شُهَدَآءَ للَّهِ} [النساء: 135]، إشارة إلى عوام المؤمنين أن كونوا شهداء الله بالتوحيد والوحدانية، {بِٱلْقِسْطِ} [النساء: 135] يوماً ولو كان في آخر نفس من عمرهم على حسب ما قدر لهم، ويكونهم كما شاء ومتى شاء بمشيئته الأزلية، وأشار إلى الخواص أن كونوا شهداء لله حاضرين مع الله بالفردانية، وأشار إلى أخص الخواص أن كونوا شهداء في الله غائبين عن وجودكم في شهوده بالوحدة. ثم اعلم أن في إشارته إلى الخواص شركة للملائكة كما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [آل عمران: 18]؛ وهي تدل على هذا التأويل، وأما إشارته إلى أخص من الأنبياء وكبار الأولياء؛ وهم أولوا العلم فمختصة بهم من سائر العالمين، وفي هذا سر عظيم لا يبخل بالعقول المجردة، فضلاً عن العقول المركبة المدنسة بدنس الوهم والخيال والخس، ولأولي العلم سير في شهود {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [آل عمران: 18]، وليس للملائكة وأولوا العلم في هذا الشهود مدخل، إلا أنهم قائمون بالقسط في شهود الوحدانية والفردانية كما حذرنا، وهم بمعزل عن شهود الوحدانية، فافهم جيداً. وفي قوله تعالى: {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، إشارة إلى: إن كونوا شهداء لله في شهود الوحدة، {وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] بإفنائها، {أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ} [النساء: 135] بنفيهما في طلب الحق عن الالتفات والتعلق بهما. {وَٱلأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]؛ أي: والأقربين، {إِن يَكُنْ} [النساء: 135] الوالدين، {غَنِيّاً} [النساء: 135] لا يحتاجون إلى التفاتك إليهما، {أَوْ فَقِيراً} [النساء: 135] يحتاجون إليك في النفقة وغيرها، {فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} [النساء: 135]، فإنه خالقها ورازقهما لا أنتم، {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ} [النساء: 135] رعاية حقوقهم، {أَن تَعْدِلُواْ} [النساء: 135] عن طلب الحق ورعاية حق الربوبية بالعبودية، فإن الله قدم العبودية على حقوقهما، وقال: {أية : لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [البقرة: 83]، ثم قال تعالى: {وَإِن تَلْوُواْ} [النساء: 135]؛ أي: وإن تتلوا أمرها، {أَوْ تُعْرِضُواْ} [النساء: 135] عن الله وطلبه، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ} [النساء: 135] في الأزل، {بِمَا تَعْمَلُونَ} [النساء: 135] اليوم، {خَبِيراً} [النساء: 135]، وإنه أعطاكم استعداد هذه الأعمال، وإنه بما تعملون اليوم يجازيكم غداً، واليوم بالخير خيراً وبالشر شراً، والله أعلم. ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي دون التقليدي وعلم أهل الإيمان بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136]؛ فمعناه من آمن بالتقليد ظاهراً ينبغي له بالتحقيق والتصديق باطناً، وبالقول ظاهراً أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما نطق به الكتب والرسل من الوعد والوعيد، والبعث النشور والحساب، والميزان والصراط، والجنة وغير ذلك، يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [النساء: 136] فقد أدرج جميع ما ذكرناه وجعلناه شرط الإيمان فيه، وحكم أن عدم الإيمان بهؤلاء كفر؛ يعني: عدم الإيمان بكل ما مر ذكره كفر. ثم اعلم أن مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوام، ومرتبة الخواص، ومرتبة الأخص، فمرتبة العوام في الإيمان: ما قاله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره"تفسير : ؛ وهو إيمان غيبي، ومرتبة الخواص في الإيمان: هو عيان، وكان ذلك أن الله تعالى إذا تجلى بصفة من صفاته وخضع جميع أجزاء وجوده، وآمن بالكلية عياناً بعد ما كان يؤمن قلبه بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا كانت النفس عن تنسم روائح الغيب بمعزل، فلما تجلى الحق تعالى لحبل القلب {أية : جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ}تفسير : [الأعراف: 143] النفس، {أية : صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143]، فالنفس في هذا تكون بمنزلة موسى عليه السلام، {أية : فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 143]، فافهم جيداً. ومرتبة الأخص في الإيمان: غيبي وذلك بعد رفع حجب الأنانية بسطوات تجلي حجب الجلال، فإذا أفناه عنه بصفة الجلال يبقيه بصفة الجمال، فلم يبق له الدين وبقي في العين فيكون إيمان عينياً، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان في حيزين فلما جذبته العناية من كينونية إلى عينونية أو أدنى، {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10]، {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 285]؛ أي: صفات ربه، فآمنت صفاته بصفاته، وذاته بذاته، فصار كل وجوده مؤمناً بالله إيماناً عينياً ذاته وصفاته، فأخبر عنهم فقال: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 285]؛ يعني: آمنوا بهويته لا بأنانية وجودهم، فالله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده المؤمنين يشير إليهم بحقيقة هذا الإيمان بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} [النساء: 136]؛ يعني: من أنانيتكم آمنتم إيماناً غيبياً، {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ} [النساء: 136]؛ يعني: فاسعوا إلى الله بقدم ذكره لعله بذكركم يغنيكم به عنكم، فتؤمنوا بهويته إيماناً عينياً، وتؤمنوا برسوله {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [النساء: 136]؛ يعني: من لم يكن له إيمان عيني في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف الرسول عند هذا الكمال، فلا يكون إيمانه بالرسول حقيقياً، ولا بالكتاب الذي نزل على الرسول تلك الليلة، ولا { وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136]، وذلك أن الكتب المنزلة كلها كانت مندرجة في الكتاب الذي أنزل على الرسول تلك الليلة في سر {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوتيت جوامع الكلم"تفسير : ، ولذلك ذكر الله {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136]، عقيب قوله: {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [النساء: 136]، ولم يذكر الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب؛ ليعلم أن المشار إليه في ذكر {وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136]؛ هو أيضاً الرسول، فالمؤمن يؤمن بهذا الرسول المنزل عليه جميع الكتب؛ ليكون إيمانه بالله ورسوله وكتبه حقيقياً لا تقليدياً - تفهم إن شاء الله - وتؤمن بهذا الإيمان إن لم تؤمن بحقيقته، فإن من يكفر بهذا الإيمان { فَقَدْ ضَلَّ} [النساء: 136] في نية أنانيته، {ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 136] عن الله ومعرفته ومعرفة رسوله وكتبه والإيمان بهم، فافهم جيداً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا { قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } والقوَّام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته. والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك. ومن أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: { شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان. والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به. وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: { فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم. ولما بيَّن أن الواجب القيام بالقسط نهى عن ما يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن الصواب المقصود من كل وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخل في ذلك تحريف الشهادة وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، فإن هذا من اللي لأنه الانحراف عن الحق. { أَوْ تُعْرِضُوا } أي: تتركوا القسط المنوط بكم، كترك الشاهد لشهادته، وترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به. { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض. ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):